← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

آية لقمان: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾: ومن يشكر (يتكرر شكره) فإن الله غني حميد. فيكون المعنى بأنّ الله غني عن خلقه وعن شكرهم وحمدهم سواء كان مرة واحدة أو تجدد وتكرر ربي كريم: لا يتوقف عن إعطاء الكافر والمؤمن في الدنيا، ومن شكر ومن لم يشكر. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾: حميد يستمر حمده وثناؤه رغم انقطاع حمد عبده أو عباده أو شكره أو شكرهم جميعاً. لنقارن هذه الآيات الثلاث التالية: سورة الروم آية (٤٤): ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ سورة لقمان آية (١٢): ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾ سورة النّمل آية (٤٠): ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾. ـ في سورة الروم: قدّم الكفر وأخّر العمل الصالح وذكر عاقبة كلٍّ من الفريقين بقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ وذكر الفعلين الكفر والعمل الصالح بصيغة الماضي. ـ في سورة لقمان: قدّم الشكر على الكفر وجاء بصيغة المضارع: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ﴾ وبصيغة الماضي للكفر: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فإن الله غني عن العالمين.

стр. 3992

ـ في سورة النّمل: قدّم الشكر على الكفر وجاء بصيغة المضارع للشكر: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ﴾ وبصيغة الماضي للكفر: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فإن ربي غني كريم. هذه الاختلافات يمكن إيضاحها: ١ - بأن فعل الشكر ينبغي أن يتجدد ويتكرر من العبد فلذلك يجيء به بصيغة المضارع التي تدل على التجدد والتكرار، أما الكفر ينبغي ألا يتجدد أو يتكرر من العبد ولذلك جاء به بصيغة الماضي. ٢ - في سورة لقمان، لقمان الّذي يتكلم، وهو رجل حكيم، طبعاً يبدأ بالشكر، وكذلك في سورة النّمل: سليمان ﵇ الّذي يتكلم وهو قد آتاه الله من الملك ما لم يؤت أحداً من العالمين، فكان عليه أن يبدأ بالشكر، وآية سليمان ولقمان في سياق الدنيا. أما في سورة الروم السياق هو في الآخرة؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾. من كفر (في الدنيا)، ومن عمل صالحاً (في الدنيا). إذن السياق في الآخرة فجاء بصيغة الماضي في كليهما. سورة لقمان [٣١: ١٣] ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾: ﴿وَإِذْ﴾: ظرفية بمعنى: حين، أو: واذكر إذ قال لقمان. ﴿قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾: من الوعظ: وهو النصح والتذكير بما يُليّن القلب ويرشد إلى العمل الصالح والخير، ويتضمن النهي والتحذير والبعد عن الشر. ﴿وَهُوَ﴾: الواو إما حالية؛ وتعني: إذا قال لقمان لابنه واعظاً إياه.

стр. 3993

أو استئنافية وتعني: إذ قال لقمان كما يعظه في كل مرة. ﴿يَابُنَىَّ﴾: يا النداء، بُنيّ: تدل على التصغير والمحبة وإضافته إلى نفسه: (يا بُنيَّ) من باب حنان الأب لابنه، وليثير ويحرك مشاعر ابنه حتى يتبع ما يأمره أو ينهاه عنه. ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾: لا النّاهية، تشرك بالله: بدأ بالتوحيد؛ لأن التوحيد أساس الإيمان، لا تشرك بالله مهما كان صغيراً أو كبيراً، ومهما كان نوعه، والباء للإلصاق والاستمرار. ﴿إِنَّ الشِّرْكَ﴾: إن للتوكيد، الشّرك بالله مثل عبادة الأصنام أو الآلهة، أو الأولياء والملائكة وعيسى والعزير، أو الشّمس أو القمر. ﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾: اللام للتوكيد والتعليل، عظيم للنفس؛ لأنه سيورد صاحبه التهلكة ويحبط كل عمله الصالح، عظيم: من أعظم أنواع الظلم لا ظلم أشد منه. سورة لقمان [٣١: ١٤] ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِوَالِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾: قال مقاتل: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (٨) لمعرفة أسباب النزول. ﴿وَوَصَّيْنَا﴾: بدلاً من: ووصى لقمان ابنه. أراد ربنا أن يوصي بالوالدين بنفسه هذه الوصية لكل إنسان، وهذا يدل على أهمية هذه الوصية وعظيم شأنها.

стр. 3994

﴿وَوَصَّيْنَا﴾: عهدنا فيها معنى التكليف والإلزام، وهي بصيغة الجمع والتعظيم. وصّينا بالتشديد، ولم يقل وأوصينا، ووصّينا من فعل وصّى؛ للمبالغة في الوصية فيها حثٌّ واهتمام وتوكيد من فعل أوصى بمعنى: طلب منه؛ أي: ترك له وصية، فأوصى تستعمل في الأمور المادية. وصية في أمور الدين مثل التوحيد والإحسان إلى الوالدين، وفيها تكليف، بينما أوصينا بدون تشديد وتستعمل غالباً في المواريث كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَادِكُمْ﴾ [النّساء: ١١]؛ ارجع إلى سورة النساء آية (١١) لمزيد من البيان في أوصينا ووصينا. وإدراج الوصية بالإحسان للوالدين بعد النهي عن الشّرك في كثير من الآيات يدل على أهمية الإحسان إلى الوالدين وصلة الرحم. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (٨) لمزيد من البيان، والمقارنة، وتكررت آية ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ في ثلاث آيات هي: سورة العنكبوت آية (٨)، ولقمان آية (١٤)، والأحقاف آية (١٥)، واقترنت بالوالدين إحساناً بعبادة الله في أربع آيات: في سورة البقرة آية (٨٣) وهي قوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وفي سورة النساء آية (٣٦) وهي قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وفي سورة الأنعام آية (١٥١) وهي قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وفي سورة الإسراء آية (٢٣) وهي قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾: الباء للإلصاق؛ أي: دائماً وبشكل مستمر. بوالديه: مشتقة من الولادة؛ أي: اللذين ولداه وللتذكير بحسن الصحبة التي تكون للوالدة غالباً، ولم يقل بأبويه؛ لأن الأبوين قد تطلق على الأبوين من

стр. 3995

التربية أو تطلق على الجد أو على العم، وكلمة الأبوين تستعمل في المواريث مثلاً وغيرها. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾: لم يذكر في هذه الآية ووصّينا الإنسان بوالديه إحساناً أو حسناً وحذف (كلاهما) لأنه سيذكر بعد قليل: (أن اشكر لي ولوالديك) والشكر يدل على الإحسان أو يقوم مقام الإحسان. ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾: الوهن هو الضعف، هو يعني: وهن مستمر، وهن الحمل الّذي يستمر حتى الولادة فكلما نما الجنين وكبر استمد من أمه ما يحتاجه للنمو وشاركها في غذائها وما تصاب به من تعب وإعياء واختلاطات الحمل وهكذا حتى يولد، وبعد الولادة يأتي وهن الرضاعة والسهر عليه وتربيته، وهكذا وهن على وهن. وفي آية الأحقاف (١٥) قال: (حملته كرهاً ووضعته كرهاً). ارجع لآية الأحقاف للبيان. ﴿وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ﴾: أي فطامه في عامين (٢٤ شهراً). ولم يقل سنتين، لأن القرآن يستعمل العام في سياق الخير والبركة، والسنة تستعمل للشدة والضيق، وفي آية الأحقاف (١٥) قال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. فإذا طرحنا (٢٤) شهراً من ثلاثين شهراً يكون الفرق بينهما (٦) أشهر وهذا يدل على أن الجنين قابل للحياة بعد (٦) أشهر فقط من الحمل. ويحتاج طبعاً إلى المساعدة والرعاية الطبية الخاصة، وهذا من بينات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم الدالة على أن هذا القرآن منزل من عند الله تعالى. ﴿وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ﴾: في ظرفية؛ تعني: في يد الأم فقد يحدث الفطام أو الفصال قبل عامين، ولم يذكر مدة الحمل؛ لأن ذلك ليس بيدها فقد تزيد أو

стр. 3996

تنقص والكل يعلم أنها حوالي (٩) أشهر، وبهذه الآية نعلم أن مدة الحمل بين (٦ - ٩) أشهر. ﴿أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِوَالِدَيْكَ﴾: أن: مصدرية تفيد التّعليل والتوكيد. والشكر قلنا: قام مقام الإحسان فلا داعي لذكر الإحسان والشكر معاً، ولذلك اقتصر على الشكر في هذه الآية وبينه في الآيات الأخرى المماثلة. ﴿أَنِ اشْكُرْ لِى﴾: أي اشكر المنعم الوهاب أولاً وهو الله تعالى، والشكر باللسان والعمل معاً شكر المنعم على نعمه التي لا تعدّ ولا تحصى، وشكر دائم يتجدد ويتكرر طوال الحياة، وجاء بصيغة الإفراد ﴿اشْكُرْ لِى﴾، بينما ﴿وَوَصَّيْنَا﴾ بصيغة التعظيم؛ لتدل على الوحدانية وعدم الشّرك أو الرياء. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠) لبيان معنى الشكر. ﴿وَلِوَالِدَيْكَ﴾: شكر الوالدة والوالد يكون بالإحسان إليهما وطاعتهما، واللام في كلمة (لوالديك) للتوكيد. ﴿إِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾: المرجع والمآل، تقديم (إلي) يدل على الحصر؛ أي: اعلم أن مصيرك ورجوعك إليّ فقط، وهذا يدل على البعث وإثبات المعاد. وتعني كذلك: واحذر وصيتي واعلم أن مصيرك إليّ ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤]. سورة لقمان [٣١: ١٥] ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا

стр. 3997

فِى الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: الواو عاطفة، إن: شرطية تفيد الاحتمال أو ندرة الحدوث؛ أي: قلّما جاهداك، أو افترضنا جاهداك. ﴿جَاهَدَاكَ﴾: أي بذلا جهدهما أو غاية أو أقصى جهدهما على أن تشرك بي (بالله)، جاهداك من: جاهد، وجاهد تدل على أن هناك اثنين يجاهد أحدهما الآخر، بينما جهد تدل على المفرد الّذي يجهد بنفسه، بينما في سورة العنكبوت آية (٨) قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى﴾ المجاهدة أخف. والمجاهدة في آية لقمان أشد؛ لأن الوالدين يشترطان على الولد الشّرك ولذلك جاء بعلى التي تفيد المشقة والعلو، واستعمل اللام في آية العنكبوت، وسواء في آية لقمان أو العنكبوت ذكر ﴿بِى﴾ لأن المقام مقام توحيد فلا يستعمل إلا ضمير المفرد. ﴿عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِى﴾: على: تفيد العلو والمشقة، والمجاهدة قد تعني المحاربة. أن: حرف مصدري يفيد التّعليل والتوكيد. ﴿تُشْرِكَ بِى﴾: أي حاولا صرفك عن طاعتي وعبادتي، أو أكرهاك على الشّرك. ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾: ما: للعاقل وغير العاقل، ليس: للنفي، به علم: أي لا تشرك شيئاً مهما كان من الشركاء سواء أتاك علم به أو لم يأتك. ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾: الفاء رابطة لجواب الشرط، لا: النّاهية، تطعهما: أي لا طاعة لمخلوق مهما كان في معصية الخالق. لا تطعهما في أيِّ أمر يخالف أمر الله ورسوله.

стр. 3998

﴿وَصَاحِبْهُمَا فِى الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾: وكل ما عدا ذلك فعليك بالمعروف إليهما؛ أي: استمر بالعطف عليهما بالمساعدة. ﴿فِى الدُّنْيَا﴾: أي في أمور الدنيا. ﴿مَعْرُوفًا﴾: نكرة؛ تعني أيَّ معروف مهما كان، والمعروف يمكن تقديمه لمن تحب ولمن لا تحب. والمصاحبة نفسها تعتبر معروفاً، حتى مع حالة الكفر والشرك فلهما حق المصاحبة، ولا تتخذ من شركهما أو مجاهدتهما سبباً لك لقطع الرحم. ولم يقل وصاحبهما بالمعروف: يدل على معروف معين أو بعينه، وإنما أطلقه؛ ليشمل كل معروف، فقوله: (معروفاً) أفضل وأشمل وأعم من قوله: بالمعروف. ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ﴾: سبيل: الطريق السهل. سبيل مفرد جمعه: سبل، وسبل السلام كثيرة. من: ابتدائية، أناب إليّ: قيل: الرسول ﷺ ، وقيل: الصحابة أو سائر المؤمنين. أناب: رجع، والإنابة الرجوع إلى الطاعة؛ أي: اتبع سبيل التائبين الطائعين الموحدين. ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتراخي في الزّمن. ﴿إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ﴾: إليّ خاصة لا إلى غيري، إليّ وحدي مرجعكم للحساب والجزاء. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، أخبركم وأطلعكم. ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: الباء للإلصاق، ما: اسم موصول بمعنى الّذي أو

стр. 3999

مصدرية، كنتم: في الدنيا. تعملون: تشمل الأقوال والأفعال؛ وتعني تعملون بالمعروف والإحسان أو تعملون من خير وشر. سورة لقمان [٣١: ١٦] ﴿يَابُنَىَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى السَّمَاوَاتِ أَوْ فِى الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾: يواصل لقمان موعظته لابنه. ﴿يَابُنَىَّ﴾: ارجع إلى الآية (١٣) للبيان. ﴿إِنَّهَا﴾: للتوكيد. ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال أو الشكّ. ﴿تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾: حبة الخردل: تمثل أصغر شيء مادي حسي كان يعرف في ذلك الزّمن، أما في زمننا الحاضر هناك الذرة وأصغر من الذرة، وبما أن حبة الخردل أصغر شيء استعمل معها (تكُ): بدلاً من تكن أو تكون التي تمثل أقل كلمة مركبة من حرفين. ارجع إلى سورة سبأ آية (٣): لبيان معنى الذرة وأصغر من الذرة. وارجع إلى سورة الأنبياء آية (٤٧) لمزيد من البيان في معنى حبة من خردل. ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾: لنفرض أو على احتمال أن هناك شيئاً ما يعادل أو يماثل حبة من خردل في الوزن والحجم، وهذا الشيء ليس له مكان محدد في السّموات السبع أو في الأرض، وحيثما كان يأتي به الله؛ أي: سبحانه يعرف مكانه وقادر على الإتيان به. أو تكن في صخرة أو في السّموات أو في الأرض: ثمّ استقر في داخل صخرة: (في) ظرفية؛ أي: في أيّ مكان في السّموات أو في الأرض، وليس على

стр. 4000

صخرة؛ أي: على ظهرها يسهل رؤيته مقارنة (في باطن صخرة صماء). وصخرة: نكرة، أيّ صخرة غير معروفة، من صخور الأرض أو الكواكب الأخرى، واختار صخرة؛ لأن استخراج (حبة الخردل) الجسم المتناهي في الحجم والوزن يصعب العثور عليه واستخراجه، أو صعب جداً اكتشافه وإحضاره بالطرق الحديثة. ﴿أَوْ فِى السَّمَاوَاتِ أَوْ فِى الْأَرْضِ﴾: أو قد تعني التخيير، أو تعني وفي الأرض أينما كانت هذه الصخرة أو هذه الحبة من الخردل في السّموات السبع أو في الأرض؛ أي: كلاهما. ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾: دلالة على سعة علمه به وقدرته فلا تخفى عليه خافية، كما يخفى على النّاس، فهو يعلم أين هي ثم هو قادر على استخراجها. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾: إن: للتوكيد، اللطيف: عالم؛ أي: أين توجد، وقادر على الوصول إليها واستخراجها، ومهما كانت الأشياء الخفية والمتناهية في اللطف في غاية الصغر والدقة. الخبير: يعلم بواطن الأمور ودقائقها وخفاياها. ارجع إلى سورة الحج آية (٦٣) لمزيد من البيان. سورة لقمان [٣١: ١٧] ﴿يَابُنَىَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: بعد ذكر مبادئ وأسس العقيدة ومنها التوحيد والشكر والعلم والقدرة والتعريف بقدرة هذا الرب والإله، يأمر لقمان ابنه بالعبادات. ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾: لأن الصّلاة عماد الدين والركن الأول بعد الشهادة، فهي لا تسقط بأي حال عن المؤمن مهما كان حاله ولو كان مريضاً أو على سفر،

стр. 4001

ولذلك خصها وحدها، وهي تمثل سائر العبادات الأخرى من زكاة وحج وصيام وشهادة وغيرها. لماذا لم يأت بذكر الزكاة مع العلم أن كل الآيات تقرن إقامة الصّلاة بالزكاة؟ السبب في عدم ذكر الزكاة: ١ - لأن ابنه لا زال في سن قبل البلوغ، والزكاة يُكلف بها العبد بعد سن البلوغ. ٢ - الزكاة تقع على ذمة لقمان في هذه الحالة. ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أي أمُر نفسك وأمر غيرك وحثّهم على تأدية حقوق الله تعالى وطاعة الله مثل الحض على الجماعة في المسجد وعدم ترك فريضة الصيام، أو بتأدية حقوق العباد وعدم تعطيل مرافق البلد، وتوفير المياه، والحث على التبرع وعدم المماطلة في دفع الدَّين، حتى الرأفة بالحيوانات واتباع مكارم الأخلاق، وثواب الأمر بالمعروف يعود على صاحبه. ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾: وتعريف المنكر: هو كل ما أنكره الشرع وحرمه أو الطبع السليم من أفعال وأقوال، ومنه ما يتعلق بالعبادات مثل الإخلال بالصلاة وأوقاتها، والنهي عن الخيانة والغدر والتقصير في دفع الزكاة، والتوسل بأصحاب القبور والأولياء، واختلاط الرجال بالنساء والخمر والعري والغش والغناء وشرب الخمور وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال وغيرها من الأعمال المنكرة. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول الإسلام المقررة بالتضامن بين الحكومة والأفراد وهو واجب، ولا بد للقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن

стр. 4002

المنكر من العلم بالمعروف؛ ليأمر به والعلم بالمنكر لينهى عنه، وتطبيق الرفق والصبر بالعباد ومعرفة كيفية القيام بذلك. ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾: من جراء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو اصبر على المكاره وأذى النّاس ابتغاء وجه الله ومرضاته. ما: اسم موصول بمعنى الذي، وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾: إن: للتوكيد، ذلك: اسم إشارة للبعيد يشير إلى إقامة الصّلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على أذى النّاس من عزم الأمور. ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: أي من الأمور التي تحتاج إلى عزيمة ونية وقوة وقدرة على القيام بها؛ أي: إذا نويت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحمل أذى النّاس، اعلم أنك تحتاج إلى صبر وعزيمة فائقة وقوة، فاجمع قوتك وقم بذلك من باب الندب. وكما قال في سورة آل عمران آية (١٨٦): ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. لنقارن الآية (١٧) من سورة لقمان مع الآية (٤٣) من سورة الشورى وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. في آية لقمان قال تعالى: ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، وفي آية الشورى: ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ زاد اللام الدالة على التّوكيد؛ لأن الصبر في الشورى صبر أشد وأقوى؛ لأنه صبرٌ على من ظلمك وأساء إليك، بينما الصبر في آية لقمان صبر على مكروه مثل مرض أو خسارة، ليس هناك غريم أو خصم. سورة لقمان [٣١: ١٨] ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو استئنافية، لا: النّاهية.

стр. 4003

﴿تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾: الصَّعر: داء يصيب البعير ويجعله يميل برقبته. ويشبه الإنسان المتكبر الّذي يميل بوجهه أو خده عن النظر إلى النّاس تهاوناً بهم، واختار الله سبحانه هذا التشبيه؛ لأن تصعير الخد داء جسدي والكبر أو التكبر داء خُلُقي. ﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام لام الاختصاص؛ أي: خاصة للناس. ﴿وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًا﴾: لا: الناهية، في الأرض؛ لأن الغلاف الجوي للأرض طبقة منها، فهو يمشي في وليس على الأرض. ﴿مَرَحًا﴾: المرح: هو الاختيال والتبختر؛ أي: لا تمشِ مشية المتعالي المختال المعجب بنفسه الجهول، ولكن امشِ باعتدال، ولا يعني ذلك امشِ مشية المطأطئ رأسه، بل ارفع رأسك ولا تقفز أو تمشِ جرياً أو بإسراع. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد. ﴿لَا يُحِبُّ كُلَّ﴾: للتوكيد. ﴿مُخْتَالٍ﴾: اسم فاعل من: خال: تكبر، واختال زيادة في الاختيال؛ أي: بالغ في الاختيال والتكبر على الخلق بفعله؛ أي: بسلوكه، وقيل: هو الّذي وجد له مزية عند النّاس. ﴿فَخُورٍ﴾: وهو الذي بالغ في الفخر بأقواله؛ قيل هو الّذي وجد له مزية في نفسه يفتخر بها على النّاس، فخور بماله أو قبيلته أو جاهه. سورة لقمان [٣١: ١٩] ﴿وَاقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾: في الآية السّابقة قال لقمان لابنه: ولا تمشِ في الأرض مرحاً. ولم يُبين له كيف يمشي، بل نهاه فقط عن المشي مرحاً.

стр. 4004

فجاء في هذه الآية يبين له كيف يمشي فقال له: ﴿وَاقْصِدْ فِى مَشْيِكَ﴾: القصد هو الاعتدال أو التوسط بين البطء والإسراع، والاعتدال لا يعني طأطأة الرأس ويعني: وعدم المشي قفزاً وبسرعة. ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾: أي اخفضه أو اقصره، وحسبك من الرفع ما يبلغ أذن السامع؛ أي: لا ترفعه لأن علو الصوت يدل على الغرور وعدم احترام الآخرين؛ أي: الزم الاعتدال في الصوت فذلك أقرب لفهم الكلام واستيعابه. ﴿مِنْ صَوْتِكَ﴾: من بعضية. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد واللام في كلمة (لصوت) للتوكيد أيضاً. ﴿أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾: شبه رفع الصوت بدون مبرر بصوت الحمير. أنكر الأصوات: أسوأ وأوحش الأصوات (الأجناس من الحيوانات)؛ أي: لا تستسيغه وتنفر منه النفوس فلا يجوز رفع الصوت إذا كان المستمع ليس عنده آفة في السمع، أما إذا كان عنده آفة في السمع فلك أن ترفع صوتك حتى يسمعه الآخر، وقال: (صوت) وليس أصوات الحمير؛ لأن المراد هو صوت الجنس وهذا التشبيه فيه ذم لمن يرفع صوته بلا عذر وفيه تثبيط عن رفع الصوت. واعلم أن الحمار هو مسخر لك من الله؛ أي: مذلل لك؛ لكي تستخدمه كيف تشاء، وكما ذكر في الحديث أن الحمار ينهق إذا رأى شيطاناً، فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إذا سمعتم نهيق الحمار فتعوّذوا بالله من الشيطان فإنه رأى شيطاناً) أخرجه البخاري في صحيحه. أو ربما ينهق ليهتدي إليه صاحبه ويعرف مكانه، والله أعلم. والمهم أن نعلم أن لكل صوت يصدر شدة وله طبقة، وطبقة الصوت: هي قوة الصوت أو

стр. 4005

شدة الصوت هي المسافة بين المصدر والسامع، وطبقة الصوت تعني سرعة تردده أو ذبذبته وتقاس بالهرتز. وصوت الحمار يصل إلى أكثر من (٣٠٠) هرتز، وشدته أكثر من (١٠٠) دسبل، أما صوت الإنسان يتراوح بين (٤٠ - ٥٠) ولا يتجاوز (١٠٠) في أشد الحالات. واعلم أن المنكر هنا أن يرفع الإنسان صوته بلا مبرر أو حاجة، فيكون صوته عندئذٍ كصوت الحمير، أوّله زفير وآخره شهيق. واختار هذه المواعظ؛ لأن الكلام والصوت والمشي من أهم متطلبات الحياة في كل لحظة. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٥٠) من سورة المدثر وهي قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ﴾: نجد أن كلاهما (حمر وحمير): جمع حمار، واستعمل القرآن كلمة حمر: للحمر الوحشية، وكلمة حمير: للحمر الأهلية.

стр. 4006

سورة لقمان [٣١: ٢٠] ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾: المناسبة: في مطلع السورة ذكر الله سبحانه عدداً من النعم، ثمّ ذكر وصية لقمان لابنه، ثم عاد إلى ذكر بعض النعم وأنها تسخير من الله فقال تعالى: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة همزة استفهام وتقرير، ولم يقل أولم؛ لأن زيادة الواو تدل على شدة الإنكار. ﴿تَرَوْا﴾: رؤية قلبية فكرية تبصرية ورؤية بصرية عينية، والخطاب موجه إلى الكل وخاصة للمشركين؛ لقوله في الآية (٢١): ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾. وقوله ألم تروا: إخبار من الله سبحانه عن شيء أعظم مما لو رأيناه بأم أعيننا وهو بدرجة عين اليقين، وألم تروا أقوى وآكد من قوله تعالى: ألم تعلموا. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: أن تفيد التّوكيد. ﴿سَخَّرَ لَكُمْ﴾: ذلَّل لكم، والتسخير: التذليل بحيث تنتفعون به، لكم: خاصة بصيغة الجمع للعقلاء. ﴿مَا فِى﴾: ما: اسم موصول بمعنى الذي، فكل ما في السّموات والأرض خُيّرت فاختارت أن تكون مسخّرة لا إرادة لها مثل الشّمس

стр. 4007

والقمر والنجوم والكواكب والسحاب والمطر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. ﴿وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: من الحيوانات والأنهار والجبال والأشجار والزرع والمعادن وغيرها، وتكرار (ما في) يفيد التّوكيد وفصل ما في السّموات وما في الأرض أو كليهما معاً. ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾: أسبغ: أوسع وأفاض، وغمركم بالنعم الظاهرة والباطنة؛ مما يدل على سعة العطاء، ونِعمَ: جمع نِعمة، وتدل على جمع كثرة مقارنة بكلمة أَنْعَم على وزن أفْعَل جمع قلة. إذن هو سبحانه سخّر لكم وأسبغ عليكم، فهذا يستحق شكره وحمده ليلاً ونهاراً. ﴿نِعَمَهُ ظَاهِرَةً﴾: مشاهدة ومحسوسة، ﴿وَبَاطِنَةً﴾: غير مشاهدة أو محسوسة، أو ما لا يعلم إلا بدليل أو لم يكتشف بعد. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: أي بدلاً من أن يشكر الله على نعمه يكفر بها ويجحد بها. ﴿يُجَادِلُ﴾: الجدال هو الحوار الّذي يحدث بين طرفين أو أطراف؛ لإظهار حُجة؛ أي: يكون لدفع شبهة أو إثبات حق أو حقيقة. ﴿فِى اللَّهِ﴾: في آيات الله فيما أنزل الله أو فرض أو شرع، أو في العذاب، أو في أسمائه وصفاته وفي التوحيد، والبعث والآخرة والحساب منكراً إياها.

стр. 4008

﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: بديهي أو مكتسب أو استدلالي. ﴿وَلَا هُدًى﴾: لا: لتوكيد النّفي، هدى: نكرة أيّ هدى مهما كان نوعه، هدىً من الله سبحانه أو رسول، أو هدىً من هادٍ، أو هدى من الآيات الكونية الدالة على عظمته وقدرته. ﴿وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾: لا: لزيادة التّوكيد، ولا علم منزل في كتاب من السماء (أيّ كتاب) (أو عن طريق الوحي) وتكرار (لا) يفيد فصل كل واحدة عن الأخرى، العلم والهدى والكتاب المنير فليس عنده أي منها ليجادل لا علم ولا هدى ولا دليل من القرآن المنير. سورة لقمان [٣١: ٢١] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: شرطية تدل على حتمية الحدوث وتحققه وكثرة حدوثه؛ أي: ما قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله المرات الكثيرة. ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ﴾: أي الّذي أنزله الله من الكتاب: القرآن، أو ما جاء به الرسول ﷺ من سنته، وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ﴾: بل: للإضراب الانتقالي؛ أي: لسنا بحاجة إلى اتباع ما أنزل الله وما جاء به رسوله ﷺ ، بل سنتبع ما وجدنا عليه آباءنا بدلاً من الأخذ بما أنزل الله تعالى وجاء به رسوله ﷺ . ﴿نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾: أي نعبد ما كان يعبد آباؤنا أو نعبد ما وجدنا آباءنا يعبدون من أصنام وغيرها.

стр. 4009

﴿أَوَلَوْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتعجب والتهكم عليهم وتسفيه عقولهم. ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: أيتبعون آباءهم الّذين اتبعوا الشيطان الّذي زيّن لهم أعمالهم من الشّرك والمعاصي؛ كي يوردهم عذاب السعير، أو تقليدهم لآبائهم إنما هو اتباع للشيطان أو تزيين من الشيطان، الّذي يدعوهم إلى عذاب السعير. لنقارن هذه الآية من سورة لقمان وهي قوله تعالى: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾، مع الآية (١٧٠) من سورة البقرة وهي قوله تعالى: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾. ألفينا: تستعمل في سياق ما هو مشاهد؛ أي: محسوس فقط، وفي سياق الذم أو غير المستحب أو التافه من الأمور. ووجدنا: تستعمل في سياق الأمور المحسوسة المشاهدة وغير المحسوسة والأمور القلبية، وفي الأمور الأقل ذماً من (ألفينا). ارجع إلى الآية (١٧٠) من سورة البقرة لمزيد من البيان. سورة لقمان [٣١: ٢٢] ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: المناسبة: بعد ذكر الّذين يجادلون في الله ويتبعون آباءهم، وبالتالي هم يتبعون الشيطان وينقادون ويسلمون له، هناك بالمقابل الّذي يسلم وجهه إلى الله وهو محسن.

стр. 4010

﴿وَمَنْ﴾: الواو استئنافية، من: شرطية. ﴿يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾: يسلم: من أسلم؛ أي: انقاد وأسلم له: انقاد له، ويسلم: ينقاد، أسلم لله: جعل نفسه خالصة لله. يسلم: بصيغة المضارع تدل على التجدد والتكرار. بينما أسلم: بصيغة الماضي تدل على وقوع الحدث مرة واحدة وانتهى، كما جاء في سورة البقرة آية (١١٢): ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ جاءت رداً على اليهود الّذين قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، بلى من أسلم، وأسلم؛ أي: دخل في الإسلام، والدخول في الإسلام هو مرة واحدة. ومعنى يسلم وجهه: أي ذاته، والوجه هو أشرف أعضاء الجسم وذكر الجزء يدل على الكل. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ هذه الآية الوحيدة في القرآن تقول: ومن يسلم وجهه إلى الله، وبقية الآيات: أسلم وجههُ لله، في سورة البقرة آية (١١٢) ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. وفي سورة النّساء آية (١٢٥) ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. فما الفرق بين أسلم لله، وأسلم إلى الله؟ أو يسلم لله، ويسلم إلى الله؟ أسلم وجهه لله مرة واحدة دخل فيها الإسلام، أما يسلم لله أكثر من مرة. لله: اللام لام الاختصاص والملكية؛ أي: يكرر ويجدد إخلاصه وتوحيده لله تعالى بشكل مستمر. أسلم وجهه لله مقارنة بـ: أسلم وجهه إلى الله: فقوله تعالى: أسلم وجهه

стр. 4011

لله؛ أي: أقرب، أو أعلى درجة ومرتبة من قوله تعالى: (إلى الله)، وأسلم لله؛ أي: بلغ غايته، وأما أسلم إلى الله: لا يزال في طريقه، ولم يصل إلى نهاية الغاية المرجوة بعد. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾: هو ضمير فصل يفيد التّوكيد، محسن؛ أي: بلغ درجة الإحسان في تقواه وطاعته وأصبح مستقيماً في إحسانه؛ أي: ثابتاً. ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة: لبيان معنى الإحسان. ﴿فَقَدِ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، قد: للتحقيق والتوكيد؛ أي: تحقق استمساكه بالعروة الوثقى. ﴿اسْتَمْسَكَ﴾: فيها مبالغة في التمسك، ولم يقل أمسك بالعروة الوثقى؛ أي: عمل كل جهده ووسعه في الإمساك. ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: الباء للإلصاق والالتزام. والعروة: هي الحلقة التي في طرف الحبل التي يمسك بها. الوثقى: تأنيث: الأوثق، والأوثق مذكر: الوثقى، والأوثق اسم تفضيل؛ أي: أوثق العرى على الإطلاق وأقواها وأمتنها لا تنقطع ولا تنفصل. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: هذا تمثيل للمحسن الّذي يسلم وجهه إلى الله بحال من أراد أن يتدلى من شاهق أو جبل، فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق العرى بحبل متين مأمون عدم انقطاعه معمول بشكل عروة، وهو يقبض عليها بيديه بكل قواه خوفاً من أن يهوي في مكان سحيق.

стр. 4012

وفي سورة البقرة آية (٢٥٦) قال تعالى: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾؛ أي: لا تنفتح أو تنقطع؛ أي: محكمة أشد الإحكام. وفي قوله: لا انفصام لها: فيها توكيد؛ لأن السياق مختلف عن آية لقمان، ففي آية البقرة ذكر: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ فلذلك أكّد بقوله: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾، أما في آية لقمان فلا تحتاج إلى توكيد. ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾: تقديم الجار والمجرور، وإلى الله: للحصر. ﴿عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: العاقبة آخر الأمر؛ أي: المرحلة النهائية بعد الحساب إما إلى الجنة وإما إلى النّار. سورة لقمان [٣١: ٢٣] ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: ﴿وَمَنْ﴾: الواو استئنافية، من: شرطية استغراقية تدل على العموم المفرد والمثنى والجمع وللعاقل، ولا تدل على فرد معين أو جماعة معينة. ﴿كَفَرَ﴾: جاءت بصيغة الماضي: كفر ولو مرة واحدة، ولم يقل يكفر؛ لأن الكفر يجب ألا يتكرر ولا يتجدد. ﴿فَلَا﴾: الفاء: جواب الشرط، لا: نافية. ﴿يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾: أي لا يهمّنّك كفر من كفر، والحزن بضم الزّاي تدل على ضيق الصدر مؤقتاً ولو طال، أما الحَزَن بفتح الزّاي تدل على ضيق الصدر الدائم المستمر حتى موت الإنسان، والمنهي هنا الكفر؛ أي: يا أيها الكفر لا تحزن رسول الله ﷺ ، وبالتالي: يا رسول الله، لا تحزن بكفر من كفر.

стр. 4013

﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾: إلينا: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أي: إلينا وحدنا حصراً مرجعهم. إلينا مرجعهم ولم يقل إليّ مرجعهم، إلينا مرجعهم: تأتي في سياق الحساب والجزاء والثواب، أما: إليّ مرجعهم: فتأتي في سياق التوحيد والنهي عن الشّرك. ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾: بصيغة الجمع للتعظيم، فأعقبها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ تدل على الإفراد والتوحيد. ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ﴾: الفاء تدل على الترتيب والتعقيب والمباشرة؛ أي: نخبرهم، والنبأ أهم من الخبر وأعظم. ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾: الباء للإلصاق، ما: اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية. ننبئهم بما عملوا: بما قاموا به من أقوال وأفعال ظاهرة أو خفية في الدنيا. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد. ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: عليم صيغة مبالغة من: عالم، عليم تفيد الشمول، عليم بالكافر والمؤمن. ذات الصدور: خفايا الصدور وما داخل الأنفس. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١١٩) لمزيد من البيان. لنقارن: عليم: صيغة مبالغة مطلقة. عالم: مخصصة للعلم بالغيب والشهادة. علَّام: مخصصة للغيوب؛ أي: علَّام الغيوب.

стр. 4014

سورة لقمان [٣١: ٢٤] ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾: ﴿نُمَتِّعُهُمْ﴾: من المتاع: كل ما ينتفع به ويتمتع به كالطعام واللباس وأثاث البيت والأداة والمال والبنين، نمتعهم بزينة الحياة الدنيا. ﴿قَلِيلًا﴾: تحتمل معنيين: إما زمناً قليلاً، أو نمتعهم بالشيء القليل؛ أي: نمتعهم تمتعاً قليلاً في الدنيا فلا نعجل لهم العقوبة. ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتراخي في الزّمن. ﴿نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾: الغليظ: العذاب الشديد الثقيل على المعذَب وذلك بعد بعثهم وحسابهم نذيقهم من عذاب يوم القيامة، ثم يساقون إلى عذاب غليظ أشد وأبقى. والعذاب الغليظ ورد في القرآن في أربع آيات، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٢٦) من سورة البقرة: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ قيل: العذاب الغليظ أقل شدة من عذاب النار؛ لأن لعذاب له أشكال متعددة كثيرة. سورة لقمان [٣١: ٢٥] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَلَئِنْ﴾: الواو عاطفة، لئن: اللام للتوكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال والندرة. ﴿سَأَلْتَهُم﴾: أي الكفار والمشركين. ﴿مَّنْ﴾: استفهامية. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: اللام والنون للتوكيد. ارجع إلى

стр. 4015

سورة فصلت الآيات (٩ - ١٢) للبيان، وسورة الأنبياء آية (٣٠): لبيان معنى الخلق. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: على إقرارهم بأن الّذي خلق السّموات والأرض هو الله وأظهر عليهم الحجة، أو الحمد لله على خلق السّموات والأرض، ولا يظن أحد خطأً أن الحمد هنا يعود على أن أكثرهم لا يعلمون. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: بل: للإضراب الانتقالي. لا يعلمون أن الّذي خلق السّموات والأرض كما أقروا بذلك هو المستحق للحمد ويستحق أن يُعبد وحده، ومع ذلك انصرفوا إلى عبادة الأصنام وعبادة غيره، أو أن خلق السّموات والأرض يدعو إلى توحيده. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أن لله ما في السّموات والأرض، وأن الله هو الغني الحميد، أو أكثرهم لا يعلمون لو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم، أولا يعلمون أن خلقهم وبعثهم كنفس واحدة إن الله سميع بصير. سورة لقمان [٣١: ٢٦] ﴿لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾: ﴿لِلَّهِ﴾: اللام لام الاستحقاق والملكية؛ أي: له ما في السّموات والأرض. وتقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أي: حصراً وقصراً لله وحده وليس له شريك. ﴿مَا﴾: للعاقل وغير العاقل، وأوسع من (مَنْ).

стр. 4016

﴿فِى﴾: ظرفية، ﴿السَّمَاوَاتِ﴾: أي السّموات السبع نفسها وما فيها من مجرات ونجوم، والأرض: السبع أرضين وما فيهن. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر. ﴿الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾: ارجع إلى الآية (١٢) من السورة نفسها لمزيد من البيان. وقوله تعالى: إن الله هو الغني الحميد؛ يعني أيضاً لا أحد سواه غني هو الوحيد الغني وغيره ليسوا أغنياء حتى ولو كان عندهم المال والملك، فهو ملك محدود وزائل، وحين يقول تعالى: ولله ملك السّموات والأرض: الملك يعني كذلك الحكم والملك معاً. فالله سبحانه هو الغني الحميد له ما في السّموات والأرض. وأما ما تعبدون من دونه: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢]. ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ﴾ [هود: ١٠١] فأنى يسحرون. سورة لقمان [٣١: ٢٧] ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: الواو عاطفة، لو: شرطية غير متناهية. ﴿أَنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.

стр. 4017

﴿فِى﴾: ظرفية، ﴿الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ﴾: لم يقل أشجار، من: استغراقية تشمل كل شجرة ولم يترك ولو شجرة واحدة، من: تعني الجنس؛ أي: جنس الأشجار. ﴿مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾: تعني جميع أشجار الأرض كلها قطعت وصيّرت إلى أقلام. ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾: والبحر اسم جنس يشمل كل البحار والمحيطات، ومن ورائه سبعة أبحر: جمع قلة، وبحار: جمع كثرة؛ تحولت إلى مداد (محبرة أو حبر). ﴿مَا نَفِدَتْ﴾: ما: النّافية، ﴿نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾: أي وكتب بتلك الأقلام وذلك المداد كلمات الله تعالى، لنفدت السبعة أبحر والأقلام كلها ولم تنفد كلمات الله؛ لأن كلمات الله تعالى غير متناهية وكذلك علمه سبحانه، وذكر كلمة سبعة على وجه المبالغة وليس الحصر، سواء كانت سبعة أبحر أم أكثر أو سبعة محيطات، والعرب تذكر السبعة والسبعين والسبع مئة للكثرة ومنتهى العدد، وهذا من باب تقريب المعنى. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد. ﴿عَزِيزٌ﴾: قوي لا يُغلب ولا يُقهر ولا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وقادر على نصر عباده وله العزة جميعاً. ﴿حَكِيمٌ﴾: حكيم في تدبير شؤون خلقه وكونه فهو أحكم الحاكمين وأحكم الحكماء. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان. سورة لقمان [٣١: ٢٨] ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾: ﴿مَا﴾: النّافية.

стр. 4018

﴿خَلْقُكُمْ﴾: بدء الخلق أو تجديده وتكرار الخلق؛ أي: إعادة. ﴿وَلَا﴾: الواو عاطفة، لا: لزيادة توكيد النّفي. ﴿بَعْثُكُمْ﴾: يوم القيامة. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: الكاف: كاف التشبيه؛ أي: خلقكم وبعثكم يشبه خلق وبعث نفس واحدة، وبكلمة كن، فيكون. فالواحد والجمع والخلق والبعث متساوون عنده؛ أي: ليس هناك هيّن وأهين، وصعب وأصعب، وصعب وهيّن. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد. ﴿سَمِيعٌ﴾: صيغة مبالغة من السمع، سميع لأقوال عباده وسميع لسرّهم ونجواهم، وجهرهم وأحاديثهم، ودعائهم وبكائهم. ﴿بَصِيرٌ﴾: بأعمالهم الظاهرة بكل المرئيات. إن الله هو الخالق المبدئ المعيد وهو السميع البصير ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النّحل: ٢٠ - ٢١]. ولا يسمعون ولا يبصرون: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨].

стр. 4019

سورة لقمان [٣١: ٢٩] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: المناسبة: يستمر الله الحق سبحانه في تقديم الأدلة والبراهين على عظمة قدرته وخلقه ووحدانيته، ويخاطب الكل أو يخاطب المفرد. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: خطاب لكل فرد مؤمن أو كافر، بينما (ألم تروا): خطاب للجميع. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: الهمزة للاستفهام، تر: رؤية بصرية ورؤية قلبية فكرية؛ أي: ألم تفكر كيف يولج الله الليل في النهار والنهار في الليل، وبالتالي تدرك عظمة الخالق وقدرته. وألم تر أقوى من ألم تعلم، وإذا قال سبحانه: ألم تر فرؤياه سبحانه أفضل وأعظم من رؤيا خلقه، فهي رؤيا تمثل عين اليقين، وعين اليقين أقوى وأكبر من علم اليقين، ورؤيا الخالق سبحانه تكفي وحدها وحسبنا. ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ﴾: أن: للتوكيد. ﴿يُولِجُ﴾: من الولوج؛ أي: الدخول، من الناحية العلمية هذا إشارة إلى كون الأرض كروية الشكل وتدور حول محورها كل (٢٤) ساعة وكونها تدور حول الشّمس مما يؤدي إلى تبادل الليل والنهار، والنهار والليل والذي هو من ضروريات استقامة الحياة على هذه الأرض.

стр. 4020

ومن الناحية اللغوية تعني تداخل الليل في النهار، والنهار في الليل بحيث إذا طال أحدهما قصر الآخر وبالعكس. يولج: جاءت بصيغة المضارع لتدل على التجدد والتكرار بشكل مستمر؛ لأن الشّمس تشرق في مكان وتغرب في مكان آخر في عموم الكرة الأرضية، وقدّم الليل على النهار؛ لأن الليل هو الأصل أو الظلام هو الأصل، لأنه قبل خلق الشّمس، وبالتالي النهار الناتج عن أشعتها بعد أن كان الكون كله ظلاماً، وفي كل القرآن يقدّم الله سبحانه الليل على النهار؛ لأنه الأصل. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: والتسخير هو الانقياد للخالق بعد أن خيّرها فاختارت أن تكون مسخّرة تؤدي مهمة معينة بلا إرادة لها ولا مشيئة كما يأمرها الخالق. وسخّر جاءت بصيغة الماضي؛ لأنه سبحانه حين خلقها سخّرها وانتهى الأمر، فالتسخير حدث وانتهى مرة واحدة، أما الإيلاج فهو مستمر، ودائماً في كل القرآن نجد كلمة سخّر بصيغة الماضي. وسخّر هنا جاءت بدون كلمة لكم، فحين يذكر لكم تعني خاصة لكم، ولأن اللام لام الاختصاص فتأتي لكم في سياق تعداد النعم، وتأتي مطلقة بدون لكم في سياق الكلام عن عظمة قدرته ووحدانيته وفي سياق الآيات الكونية. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: إلى: حرف غاية، وتستعمل لعموم الغايات (أول الأمر أو آخره)، أما حتى: حرف غاية فقط تشير إلى آخر الأمر. وهذا التسخير من مظاهر نعم الله تعالى علينا، وسوف ينتهي وينقطع يوم القيامة. ﴿كُلٌّ يَجْرِى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: تجري كجري الأمواج صعوداً وهبوطاً؛ أي:

стр. 4021

بشكل متعرج (كجري الحصان) تجري في مجرّتها حتى تتم دورتها في (٢٥٠) مليون سنة كما قدرها العلماء. الأجل: هو الزّمن أو الوقت المضروب لانتهاء الشيء. الشّمس تجري إلى أجل مسمى: تجري إلى أن ينقضي أجلها. وهناك فرق بين تجري إلى أجل مسمى وتجري لأجل مسمى. تجري إلى أجل مسمى: تعني الآن تجري؛ أي: الشّمس تجري وتجري الآن للوصول إلى أو بلوغ الأجل المسمى لها، وهي نقطة تسمى (ايبكس صولر) نقطة القمة الشمسية. تجري لأجل مسمى؛ أي: تجري وسوف تجري لقيام الساعة. فكلمة إلى أجل مسمى: تعطينا صورتها قبل وصولها المستقر. ولأجل مسمى: تعطينا صورتها بعد وصولها المستقر. ارجع إلى سورة الرعد آية (٢) لمزيد من البيان والتفسير العلمي لهذه الآية. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد. ﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق، ما: اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: تضم الأقوال والأفعال. ﴿خَبِيرٌ﴾: صيغة مبالغة؛ أي: خبير ببواطن الأمور؛ أي: خفاياها، ومن يعلم بواطن الأمور بديهي أن يعلم ظواهرها. وقدّم العمل على (خبير) ولم يقل وأن الله خبير بما تعملون؛ لأن سياق الآيات في الحديث عن:

стр. 4022

سورة لقمان [٣١: ٣٠] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد والكاف للخطاب يشير إلى إيلاج الليل في النهار، والنهار في الليل، وتسخير الشّمس والقمر، والجري، من عجائب قدرته وعظمته الدالة على أنه هو الإله الحق الذي يجب أن يُعبد ويطاع ويقدس. ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾: الباء: للإلصاق، والثبوت والتوكيد. أن الله هو: أن وهو تفيدان التّوكيد، وهو يفيد الحصر والتوكيد معاً. الحق: أي الأمر الثابت الّذي لا يتغير ولا يتبدل. الحق في ذاته وصفاته، فهو واجب الوجود لا وجود لشيء إلا به، ألوهيته وربوبيته حق، وأسماؤه وصفاته حق، وكل ما يقوله حق، وكل شيء يفعله حق، الحق المطلق. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾: ﴿وَأَنَّ مَا﴾: الواو عاطفة، أن: للتوكيد، ما: لغير العاقل والعاقل بمعنى الذي. ﴿يَدْعُونَ﴾: يعبدون ويعظّمون. ﴿مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾: أي غيره، أو كل ما سواه الباطل. الباطل: ما لا وجود له؛ أي: الزائل والزائف مثل الشّرك والأصنام. ولنقارن هذه الآية من سورة لقمان وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾، والآية (٦٢) من سورة الحج وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾. ففي آية سورة الحج أضاف (هو) التي تفيد التّوكيد والحصر، والسبب في إضافة (هو) في سورة الحج؛ لأن السياق مختلف عن سورة لقمان.

стр. 4023

لأن صور الباطل في سورة الحج أكثر ومختلفة ومتنوعة تمثل الشّرك والكذب والظلم والإحباط في الأعمال، بينما الباطل في سورة لقمان صوره قليلة منها الشّرك، ولذلك أكّد في آية الحج بإضافة (هو) ليتناسب مع الرد على الباطل. ارجع إلى سورة الحج آية (٦٢) لمزيد من البيان. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾: ارجع إلى سورة الرعد آية (٩): لبيان معنى الكبير. ارجع إلى سورة الحج آية (٦٢): لبيان معنى العلي الكبير. سورة لقمان [٣١: ٣١] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: ومن الآيات الكونية الدالة على عظمته وقدرته ووحدانيته وفضله على النّاس: الفلك التي تجري في البحر. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ارجع إلى الآية (٢٩) للبيان. ﴿أَنَّ الْفُلْكَ﴾: أن: للتوكيد، الفلك: السفن، والفلك تطلق على المفرد والمؤنث والجمع. ﴿تَجْرِى فِى الْبَحْرِ﴾: كما ذكر سابقاً: والشمس والقمر كل يجري، والجري: هو السير السريع، في البحر؛ لأن الطبقة الغازية حول البحر هي جزء من الأرض أو البحر، هذا الجري الّذي هو بسبب ظاهرة التوتر السطحي لماء البحر والتي تمثل شدة ترابط جزيئات الماء مع بعضها لتساعد على حمل هذه الفلك العملاقة.

стр. 4024

﴿بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾: الباء للإلصاق وسببية؛ بسبب نعمة الله تعالى، ونعمة الله هذه لها معانٍ عدّة: الفلك تجري بواسطة الرياح، فالرياح نعمة من نعم الله. أو الفلك نفسها نعمة من نعم الله. أو تجري بنعمة الله؛ أي: ما تحمله من البضائع والمواد والشحن نعمة من نعم الله. والبحر أيضاً نعمة، وجريان الفلك نعمة وعدم توقفها، نِعم لا تحصى ولا تُعد. ﴿لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ﴾: اللام لام التّعليل، من: ابتدائية بعضية (من بعض آياته الكونية). ونسب الآيات إليه سبحانه بقوله: (آياته) لتدل على عظمة الآيات وكونها خاصة، ولم يقل ليريكم من الآيات. من آياته الدالة على عظمته وقدرته ووحدانيته، وأنه هو الّذي يستحق العبادة وأنه هو الإله الحق. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ إن: للتوكيد، واللام في كلمة (لآيات) للتوكيد، في: ظرفية، ذلك: ذا اسم إشارة واللام للبعد وتشير إلى الآيات (الفلك والبحر وجريان الفلك)، لكل: اللام لام الاختصاص. صبار: صيغة مبالغة من فعل: صبر، صبّار: كثير الصبر على وزن فعّال، صبّار على طاعة الله تعالى والشدائد وتحمّل المشاق والمصاعب، وخاصة في مجال البحوث والاكتشافات العلمية في مجال الكون وعلم الفضاء وعلم البحار وغيرها، وما يتعرض له الباحث من

стр. 4025

فشل أو نجاح يحتاج إلى كونه صبّاراً وشكوراً في آن واحد، ولا يكفي أن يكون صبّاراً بل أيضاً شكوراً: صيغة مبالغة من شكر؛ أي: كثير الشكر وكثير الصبر. كلما اكتشف حقيقة علمية شكر الله سبحانه ونظر إليها وتأمّلها ودل النّاس عليها؛ حتى تزيدهم إيماناً مع إيمانهم. فهذه الآيات الكونية التي لا يعقلها إلا العالمون تدل على أن الله هو الإله الحق لا إله إلا هو وتستوجب العبادة والشكر وتدعونا إلى الصبر والشكر في العمل والبحث عن حقائق الكون، والشكر يدعو إلى زيادة النعم وزيادة النعم تدعو إلى زيادة الشكر وهكذا، كما قال سبحانه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، وكلمة صبّار في كل القرآن لم ترد إلا مقترنة مع شكور؛ أي: صبّار شكور، وأما كلمة شكور قد تأتي مفردة. سورة لقمان [٣١: ٣٢] ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾: في الآية السّابقة بيّن الله سبحانه أن الفلك تجري في البحر بنعمته، وإذا غشي هؤلاء الّذين أشركوا موج كالظلل، دعوا الله مخلصين له الدين وأقروا بوجود الخالق ووحدانيته؛ كي ينقذهم وبعد أن ينجيهم يعودون لما كانوا عليه من قبل. ﴿وَإِذَا﴾: الواو استئنافية، إذا: ظرفية شرطية تدل على حتمية حدوث ما يذكر بعدها. ﴿غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾: الغشي: علاهم وغطاهم موج كالظلل، الكاف للتشبيه، الظلل: جمع ظلّة؛ وهي التي تعلو الإنسان وتظلله، موج ارتفاعه متران

стр. 4026

أو ثلاثة (أي جاءهم الموج من كل مكان) ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]. وأيقنوا بالهلاك ولا أحد يأتي لإنقاذهم. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: دعوا الله رغم كفرهم وشركهم، دعوا الله: دعاء من الفطرة التي فطر النّاس عليها. مخلصين: جمع مخلص؛ أي: مطيعين تائبين منيبين، وقدّم كلمة (له) على الدين التي تدل على الوحدانية له وحده. دعاء المضطر؛ أي: دعوا الله في حالة الشدة والكرب حيث تذكروا الخالق وهو سبحانه يجيبهم وينجيهم. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، نجاهم: أنقذهم وأخرجهم من كربهم وهلاكهم، وهو سبحانه يعلم منذ الأزل أنهم سيعودون إلى ما كانوا عليه من الشّرك ويجحدون ومع ذلك تركهم ينجون؛ ليقيم عليهم الحجة يوم القيامة، وأنه أرحم الراحمين. نجاهم: أي تركهم لفترة من الزّمن يلاقون العذاب أو الخوف، ولم يقل أنجاهم التي تعني بسرعة وزمن قصير، نجاهم: تعني ببطء لعلهم يتذكرون ذلك فيما بعد، فما حدث: أنه ارتدع وتاب قسم منهم والقسم الآخر عادوا إلى الكفر والشرك وخانوا عهدهم. ﴿فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾: له عدَّة معانٍ: موفٍ بما عاهد الله عليه في البحر عند الغرق من الإيمان بالله والإخلاص وعدم الشرك.

стр. 4027

متوسط بين الكفر والإيمان، إذا تعرّض لكرب تاب ورجع، وإذا لم يتعرّض ضعف إيمانه. وقيل: المقتصد من يخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً. أو يؤدي فقط الفرائض ولا يزيد عليها. ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾: ما: النافية؛ يجحد: الجحد: هو إنكار الشيء المشاهد أو الظاهر، والختّار الكفور، الختّار: غدّار؛ أي: خائن العهد الّذي قطعه على نفسه عندما أصابه الكرب، كفور: صيغة مبالغة من الكفر؛ أي: كثير الكفر، وما: الواو استئنافية، ما: النّافية. يجحد بآياتنا: الجحود يكون للآيات الظاهرة أو الشيء الظاهر، وهو إنكار متعمد لما رآه وشاهده يوم أصابه الكرب من الآيات الدالة على عظمة الله ورحمته وربوبيته وتوحيده، والإنكار يكون للظاهر والباطن؛ أي: يعلم ويرى هذه الآيات حقاً ويجحد بها. إلا: أداة حصر. ﴿كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ ختّار: صيغة مبالغة من الفعل ختر؛ أي: غدار وخداع، أو خائن للعهد الّذي قطعه على نفسه وكثير الكفر. لنقارن هذه الآية (٣٢) من سورة لقمان وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ مع الآية (٦٥) من سورة العنكبوت وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِى الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. في آية لقمان الخطر والتهديد أو الكرب أشد وأكبر مما أصاب المشركين في آية العنكبوت.

стр. 4028

ولذلك في آية لقمان ارتدع قسم وأصبح مقتصداً، وقسم استمر على ما كان عليه في السابق من الشّرك والكفر. وفي آية العنكبوت لأن الخطر والكرب كان أقل، فالكل عاد مشركاً بعد الكرب. وإذا قارنّا آية لقمان (٣٢): ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ والآية (٤٢) من سورة هود: ﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾. الموج في آية لقمان هو موج غرق وهلاك وعذاب، وركاب الفلك هم من عامة النّاس منهم المؤمن أو الكافر والموج يغشاهم كالظُّلل. الموج في آية هود هو موج إنقاذ ورحمة ونجاة، وركاب الفلك هم نوح والذين آمنوا معه، الموج يجري بهم من تحتهم. سورة لقمان [٣١: ٣٣] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِى وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: المناسبة: بعد أن بيّن الله سبحانه في كثير من الآيات الكونية الدالة على عظمته وقدرته ووحدانيته، أراد أن يختم السورة بالأمر بتقوى الله تعالى والخشية من يوم القيامة، ثم ذكر خمسة من مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: ياء النداء والهاء في (أيّها) للتنبيه، النّاس جميعاً المؤمن والكافر، الإنس والجن؛ أي: الثقلين، والناس مشتقة من: النَّوس؛ أي: كثرة الحركة. ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾: أي اجعلوا بينكم وبين سخطه وغضبه وناره وقاية، وذلك

стр. 4029

بطاعة أوامره وتجنب نواهيه، ربكم: مشتقة من الربوبية وهي التربية؛ وتعني الخالق الرازق المدبر المسيطر المربي، واختار كلمة ربكم؛ لأنه يريد أن يذكّرهم بأنه رب النّاس رب العالمين. ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾: الخشية هي الخوف المقرون بالعلم والمقرون بالتعظيم والمهابة للذي تخشاه، يوماً: أي يوم القيامة جاء بصيغة النكرة؛ ليدل على التهويل والتعظيم. ﴿لَا يَجْزِى﴾: (في الآخرة) ﴿لَا يَجْزِى وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾: لا النّافية، يجزي: يُغني أو يقضي عنه ما عليه؛ أي: لا تنفع الولاية والنسب أو القرابة أو الصداقة أو الخلَّة. ولم يقل لا يجزي فيه: (فيه) ظرفية تعني فقط في ذلك اليوم وغير الأيام تنفع، وإنما أطلق ولم يقل فيه. ﴿وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾: الوالد: من الولادة؛ أي: الوالد الحقيقي ويختلف عن الأب الذي يرعى أو يربي الولد؛ أي: لا ينفع والد ولده بالشفاعة أو دفع العَدْل أو دفع الضر أو تخفيف يوم من العذاب، أو تحويل العذاب أو تبديله. والولد: كل مولود هو ولد لوالديه والولد يطلق على الولد الصغير أو الكبير وعندما يقرب من سن البلوغ يطلق على غلام. وقدّم الوالد على الولد؛ لأن الوالد أكثر رحمة وشفقة، والوالد أحرص على نفع ولده من نفع الولد للوالد. ولم يذكر كلمة (أبداً) فيقول لا يجزي أبداً؛ لأنه كما قال في سورة الطور

стр. 4030

آية (٢١): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، إيمان الآباء رفع درجة الأبناء ليكونوا مع آبائهم يوم القيامة. ﴿وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾: تكرار (لا) يفيد زيادة توكيد النّفي، وفصل كل أمر عن الآخر أو كلاهما معاً. ﴿مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ﴾: المولود لا يقع إلا من ولد منك. ولم يقل ولا ولد هو جاز عن والده؛ لأن الولد يقع على الولد وولد الولد، والولد يقول لجده أو عمه: أب، فإذا كان المولود لا يجزي عن والده الّذي ولد منه فمن الظاهر أنه لا يجزي عن جده أو عمه أو إخوته. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾: أي لا يغني عن والده شيئاً، (شيئاً) بصيغة النكرة لم يحدد؛ ليشمل كل شيء من الأشياء من شفاعة أو حسنة أو عذاب أو فدية أو أيّ شيء من الجزاء. لا يجزي الوالد عن ولده بدافع الحنان والشفقة. ولا يجزي مولود عن والده بدافع التكليف أو الوصاية، ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً. وإذا قارنّا كلمة جازٍ بكلمة يجزي، جاز: هو اسم، أما يجزي هو فعل، والاسم أقوى من الفعل؛ لأنه يدل على الثبوت والفعل يدل على التجدد والتكرار. فالوالد لا يجزي: أي لا يجري بشكل متكرر، ولكنه أحياناً قد يجزي وأحياناً لا يجزي فربما هناك بعض الجزاء.
следующие страницы →