Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
أو ثلاثة (أي جاءهم الموج من كل مكان) ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]. وأيقنوا بالهلاك ولا أحد يأتي لإنقاذهم.
﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: دعوا الله رغم كفرهم وشركهم، دعوا الله: دعاء من الفطرة التي فطر النّاس عليها.
مخلصين: جمع مخلص؛ أي: مطيعين تائبين منيبين، وقدّم كلمة (له) على الدين التي تدل على الوحدانية له وحده.
دعاء المضطر؛ أي: دعوا الله في حالة الشدة والكرب حيث تذكروا الخالق وهو سبحانه يجيبهم وينجيهم.
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، نجاهم: أنقذهم وأخرجهم من كربهم وهلاكهم، وهو سبحانه يعلم منذ الأزل أنهم سيعودون إلى ما كانوا عليه من الشّرك ويجحدون ومع ذلك تركهم ينجون؛ ليقيم عليهم الحجة يوم القيامة، وأنه أرحم الراحمين.
نجاهم: أي تركهم لفترة من الزّمن يلاقون العذاب أو الخوف، ولم يقل أنجاهم التي تعني بسرعة وزمن قصير، نجاهم: تعني ببطء لعلهم يتذكرون ذلك فيما بعد، فما حدث: أنه ارتدع وتاب قسم منهم والقسم الآخر عادوا إلى الكفر والشرك وخانوا عهدهم.
﴿فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾: له عدَّة معانٍ:
موفٍ بما عاهد الله عليه في البحر عند الغرق من الإيمان بالله والإخلاص وعدم الشرك.
стр. 4027
متوسط بين الكفر والإيمان، إذا تعرّض لكرب تاب ورجع، وإذا لم يتعرّض ضعف إيمانه.
وقيل: المقتصد من يخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
أو يؤدي فقط الفرائض ولا يزيد عليها.
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾: ما: النافية؛ يجحد: الجحد: هو إنكار الشيء المشاهد أو الظاهر، والختّار الكفور، الختّار: غدّار؛ أي: خائن العهد الّذي قطعه على نفسه عندما أصابه الكرب، كفور: صيغة مبالغة من الكفر؛ أي: كثير الكفر، وما: الواو استئنافية، ما: النّافية. يجحد بآياتنا: الجحود يكون للآيات الظاهرة أو الشيء الظاهر، وهو إنكار متعمد لما رآه وشاهده يوم أصابه الكرب من الآيات الدالة على عظمة الله ورحمته وربوبيته وتوحيده، والإنكار يكون للظاهر والباطن؛ أي: يعلم ويرى هذه الآيات حقاً ويجحد بها. إلا: أداة حصر.
﴿كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ ختّار: صيغة مبالغة من الفعل ختر؛ أي: غدار وخداع، أو خائن للعهد الّذي قطعه على نفسه وكثير الكفر.
لنقارن هذه الآية (٣٢) من سورة لقمان وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ مع الآية (٦٥) من سورة العنكبوت وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِى الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.
في آية لقمان الخطر والتهديد أو الكرب أشد وأكبر مما أصاب المشركين في آية العنكبوت.
стр. 4028
ولذلك في آية لقمان ارتدع قسم وأصبح مقتصداً، وقسم استمر على ما كان عليه في السابق من الشّرك والكفر.
وفي آية العنكبوت لأن الخطر والكرب كان أقل، فالكل عاد مشركاً بعد الكرب.
وإذا قارنّا آية لقمان (٣٢): ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ والآية (٤٢) من سورة هود: ﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾.
الموج في آية لقمان هو موج غرق وهلاك وعذاب، وركاب الفلك هم من عامة النّاس منهم المؤمن أو الكافر والموج يغشاهم كالظُّلل.
الموج في آية هود هو موج إنقاذ ورحمة ونجاة، وركاب الفلك هم نوح والذين آمنوا معه، الموج يجري بهم من تحتهم.
سورة لقمان [٣١: ٣٣]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِى وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾:
المناسبة: بعد أن بيّن الله سبحانه في كثير من الآيات الكونية الدالة على عظمته وقدرته ووحدانيته، أراد أن يختم السورة بالأمر بتقوى الله تعالى والخشية من يوم القيامة، ثم ذكر خمسة من مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: ياء النداء والهاء في (أيّها) للتنبيه، النّاس جميعاً المؤمن والكافر، الإنس والجن؛ أي: الثقلين، والناس مشتقة من: النَّوس؛ أي: كثرة الحركة.
﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾: أي اجعلوا بينكم وبين سخطه وغضبه وناره وقاية، وذلك
стр. 4029
بطاعة أوامره وتجنب نواهيه، ربكم: مشتقة من الربوبية وهي التربية؛ وتعني الخالق الرازق المدبر المسيطر المربي، واختار كلمة ربكم؛ لأنه يريد أن يذكّرهم بأنه رب النّاس رب العالمين.
﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾: الخشية هي الخوف المقرون بالعلم والمقرون بالتعظيم والمهابة للذي تخشاه، يوماً: أي يوم القيامة جاء بصيغة النكرة؛ ليدل على التهويل والتعظيم.
﴿لَا يَجْزِى﴾: (في الآخرة) ﴿لَا يَجْزِى وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾: لا النّافية، يجزي: يُغني أو يقضي عنه ما عليه؛ أي: لا تنفع الولاية والنسب أو القرابة أو الصداقة أو الخلَّة.
ولم يقل لا يجزي فيه: (فيه) ظرفية تعني فقط في ذلك اليوم وغير الأيام تنفع، وإنما أطلق ولم يقل فيه.
﴿وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾: الوالد: من الولادة؛ أي: الوالد الحقيقي ويختلف عن الأب الذي يرعى أو يربي الولد؛ أي: لا ينفع والد ولده بالشفاعة أو دفع العَدْل أو دفع الضر أو تخفيف يوم من العذاب، أو تحويل العذاب أو تبديله. والولد: كل مولود هو ولد لوالديه والولد يطلق على الولد الصغير أو الكبير وعندما يقرب من سن البلوغ يطلق على غلام.
وقدّم الوالد على الولد؛ لأن الوالد أكثر رحمة وشفقة، والوالد أحرص على نفع ولده من نفع الولد للوالد.
ولم يذكر كلمة (أبداً) فيقول لا يجزي أبداً؛ لأنه كما قال في سورة الطور
стр. 4030
آية (٢١): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، إيمان الآباء رفع درجة الأبناء ليكونوا مع آبائهم يوم القيامة.
﴿وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾: تكرار (لا) يفيد زيادة توكيد النّفي، وفصل كل أمر عن الآخر أو كلاهما معاً.
﴿مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ﴾: المولود لا يقع إلا من ولد منك.
ولم يقل ولا ولد هو جاز عن والده؛ لأن الولد يقع على الولد وولد الولد، والولد يقول لجده أو عمه: أب، فإذا كان المولود لا يجزي عن والده الّذي ولد منه فمن الظاهر أنه لا يجزي عن جده أو عمه أو إخوته.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾: أي لا يغني عن والده شيئاً، (شيئاً) بصيغة النكرة لم يحدد؛ ليشمل كل شيء من الأشياء من شفاعة أو حسنة أو عذاب أو فدية أو أيّ شيء من الجزاء.
لا يجزي الوالد عن ولده بدافع الحنان والشفقة.
ولا يجزي مولود عن والده بدافع التكليف أو الوصاية، ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً.
وإذا قارنّا كلمة جازٍ بكلمة يجزي، جاز: هو اسم، أما يجزي هو فعل، والاسم أقوى من الفعل؛ لأنه يدل على الثبوت والفعل يدل على التجدد والتكرار.
فالوالد لا يجزي: أي لا يجري بشكل متكرر، ولكنه أحياناً قد يجزي وأحياناً لا يجزي فربما هناك بعض الجزاء.
стр. 4031
المولود لا جازٍ: صفة ثابتة؛ أي: المولود لا يغني عن والده أيَّ شيء مهما كان لا أحياناً ولا قليلاً ولا كثيراً.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: إن: للتوكيد، وعد الله حق: وعد الله صدق وثابت لا يتغير ولا يتبدل.
وعده حق بالثواب أو العقاب والبعث والجزاء والحساب والجنة والنار.
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: الفاء للتوكيد، لا: النّاهية لكل الأزمنة.
تّغُرَّنَّكُمُ: أي لا تغتروا بالحياة الدنيا، وأكّد الفعل بنون التّوكيد الثقيلة (أي نهي مؤكد)؛ أي: لا تخدعنكم بزينتها وزخرفها وجمالها، ومتاعها الزائل ومالها ونسائها. تغرنكم: تُدخل فيكم الغرور.
﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: الغَرور هو الشيطان.
الغرور صيغة مبالغة مثل: كفور وشكور.
وغرور: يعني كثرة الغَرّ.
ولا يغرنكم الشيطان بالوسوسة والتزيين والمعاصي واللذة العاجلة.
سورة لقمان [٣١: ٣٤]
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾:
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد.
﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾: أي موعدها وأهم مفاتح الغيب، لا يعلمها إلا هو. وتقديم الخبر على المبتدأ يفيد الحصر والقصر، والساعة تعني: بدء تهدّم النظام الكوني الحالي.
стр. 4032
﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾: والغيث أهم أسباب الحياة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وذكر الغيث - ماء السماء - أولاً؛ لأنه سبب الزرع والغذاء والحياة.
وينزل الغيث: بصيغة المضارع؛ لتدل على التجدد والتكرار والاستمرار. ولم يقل المطر؛ لأن الغيث يحمل معنى الخير والمطر يحمل معنى الشر (من خصائص القرآن): وما نراه من الأخبار عن الأحوال الجوية ليس صحيحاً وكاملاً في كثير من الأحيان، فهم لا يعلمون كما يعلم الله كمية الأمطار وأين ستحلّ، ونوع هذه الأمطار أو الثلوج أو الرياح وشدتها، فما يخبرون به عبارة عن تنبّؤات فقط، وهذا لا يقارن بعلم الله المنزل للمطر والمشكِّل للسحب والرياح والعواصف.
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَامِ﴾: ما: للعاقل وغير العاقل في أرحام كل أنثى من النّساء وغيرها من أرحام والجن والحيوان، يعلم الجنس ذكراً أو أنثى، ويعلم إن كان توأماً أم أكثر أو عدد الأجنة، ويعلم هل الجنين تام أو ناقص، وإذا فيه تشوهات خلقية أم لا، يعلم زمن وساعة ولادته، يعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد، يعلم علماً كاملاً شاملاً لا يقتصر على ذكورة أو أنوثة أو صفة أو صفتين، يعلم هل سيحيى أم يموت ويعلم صفاته الوراثية، وتشير الآية إلى جميع الأرحام، وأما الأطباء فيعلمون شيئاً ما ولكن علمهم قاصر ولا يتعارض مع هذه الآية؛ لأن الله سبحانه منحهم القدرة على علم بعض الصفات.
﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾: وما: النافية، تدري: من درى بمعنى: علم، والدراية: أخص من العلم، ولا تكون إلا بعد الجهل، والدراية تستعمل في حق البشر، ولا تستعمل في سياق الله، فبعد الولادة تأتي مرحلة الكسب،
стр. 4033
والكسب يشمل الرزق والمال، أو العلم والحسنات والسيئات والذنوب والصالحات والخير والشر.
غداً: لا تعني الغد بعينه وإنما في المستقبل من كل أنواع الكسب والحلال والحرام.
﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾: بعد الولادة والكسب، تأتي مرحلة الموت.
لا تدري بأيّ أرض ولا بأيّ زمن ولا أين تدفن، لا يعلم ذلك كاملاً إلا الله وحده سبحانه.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾: إن للتوكيد. الله عليم: بخلقه وكونه وبعباده ومخلوقاته، عليم بما يفعلون من صغيرة وكبيرة وما يفعلون من خير وشر، ويعلم المؤمن والكافر والمشرك. خبير: ببواطن كل الأمور وخفاياها، خفايا الأنفس، وعليم بظواهر الأمور، وعليم وخبير: صيغة مبالغة، تدل على كثرة العلم والخبرة.
وكل ما توصل إليه العلم الحديث والبحوث والاكتشافات والتجارب هي تعتبر ظاهراً من الحياة الدنيا وعلماً ناقصاً، ورغم ذلك يعتبر ذلك من فضل الله على خلقه ورحمة بهم، ولعلهم إذا توصلوا إلى بعض الحقائق والإعجازات العلمية يؤمنون بربهم ويتوبون إليه، ويحمدونه ويشكرونه بدلاً من الغرور.
стр. 4034
سورة السجدة [٣٢: ١]
سورة السجدة
سورة السّجدة [الآيات ١ - ١١]
ترتيبها في القرآن (٣٢)، وترتيبها في النزول (٧٥).
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: كان النّبي ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة: ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السّجدة، و: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾ الإنسان.
﴿الم﴾:
ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة؛ للبيان.
سورة السجدة [٣٢: ٢]
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾: تنزيلُ يدل على الطّريقة الّتي حصل فيها الإنزال، تنزيل عن طريق جبريل ﵇، والتّنزيل مهمة الملائكة، و (تنزيلُ) مشتقة من: نزل، وتفيد من جهة السّماء. وأنزل: تعني من الله تعالى جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا، نزل: تعني منجّماً أو على دفعات …
﴿الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: ارجع إلى سورة البقرة آية (٢) للبيان.
الكتاب: القرآن، لا: النّافية، ريب: الشك والتهمة فيه، والشك: تساوي طرفي النفي والإثبات؛ أي: لا ريب في كونه منزلاً من رب العالمين؛ أي: ليس مفتى ولا مختلق.
﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: يمكن القول: تنزيل الكتاب من رب العالمين.
стр. 4035
وجملة (لا ريب) اعتراضية، من: ابتدائية، رب العالمين: ارجع إلى الآية (٢) من سورة الفاتحة.
سورة السجدة [٣٢: ٣]
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام، أم المنقطعة بمعنى: بل يقولون افتراه، أو للإضراب الانتقالي من جملة إلى جملة.
﴿يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾: يقول كفار مكة وغيرهم: إن هذا القرآن غير منزل من الله، هو افتراءٌ على الله وكذب متعمد مختلق، يقولون: تدل على التّجدد والتّكرار وبحكاية الحال؛ أي: استحضار ما قالوه في الماضي إلى الحاضر؛ لبشاعته والتعجب منه، والنّون في (يقولون) للتوكيد، افتراه: من الافتراء وهو: الكذب المتعمد المختلق؛ أي: افتراه محمّد ﷺ واختلقه من تلقاء نفسه وأعانه عليه قوم آخرون: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ الفرقان آية: (٤).
﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: بل: للإضراب الإبطالي؛ أي: تبطل ما قبلها، (قولهم افتراه): وتثبت ما بعدها (هو الحق من ربك)، هو: ضمير يفيد التّوكيد، هو: تعني الكتاب أو القرآن.
﴿الْحَقُّ﴾: أي: الكتاب هو الحق، والحق هو الكتاب؛ الحق من ربك، أو منزل من ربك بالحق، والحق هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغير أو يتبدل؛ أي: الصّدق الّذي لا يطرأ عليه أيّ تبديل أو تغيير.
﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: أنزل من ربك.
стр. 4036
﴿لِتُنْذِرَ﴾: اللام للتعليل، تنذر: من الإنذار وهو الإعلام والتّحذير من القيام بعمل أو أمر حرّمه الله سبحانه؛ لتنذرهم بأس الله وعذابه إذا استمروا على شركهم وكفرهم، ولم يقل لتبشر أيضاً؛ لأنّ السّياق في الحديث عن الكفار، وليس هناك ما يدعو إلى تبشيرهم.
﴿قَوْمًا﴾ أي: قومك أهل مكة (قريش) ومن يأتي بعدهم.
﴿مَا أَتَاهُمْ﴾: ما النّافية، أتاهم: جاءَهم.
﴿مِنْ﴾: ابتدائية استغراقية.
﴿نَذِيرٍ﴾: صيغة مبالغة في الإنذار؛ أي: كثير الإنذار، نذير من قبلك.
﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: من للقرب؛ أي: ما أتاهم من نذير من قبلك؛ أي: لم يبعث الله إلى قريش رسولاً من قبلك.
قبلك: يا محمّد ﷺ فقد كان بين عيسى ﵇ ومحمّد ﷺ ما يقارب (٥٦٠) سنة بدون نذير أو نبي …
﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾: لعل: للتعليل، لعل هذا القرآن والنذير؛ أي: رسول الله ﷺ والتّبليغ والتّحذير يهتدون به إلى الصّراط المستقيم (الإسلام)؛ أي: يؤمنوا ويوحدوا الله سبحانه.
ومنهم من قال: لعل تفيد الرجاء؛ أي: رجاء هدايتهم بعد ضلالهم، ولا تعني الترجّي من الله تعالى، وقد يكون من رسول الله ﷺ .
ولو نظرنا إلى الآيتين (٢، ٣) معاً نرى أن: تنزيله من رب العالمين ولا ريب في ذلك ثمّ أضرب (أبطل) وأنكر قولهم: (أم يقولون افتراه) ثمّ عاد إلى إثبات أنّه الحق من ربك.
стр. 4037
سورة السجدة [٣٢: ٤]
﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾
انتهت الآية السّابقة بقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وبدأت هذه الآية: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: لعلهم يهتدون إلى الصّراط المستقيم وإلى الله الإله الحق الّذي خلق السّموات والأرض وما بينهما.
﴿اللَّهُ الَّذِى﴾: الّذي اسم موصول يفيد التّعظيم والتّحديد والدّلالة على أنّ الله وحده الّذي خلق السّموات والأرض.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٣٠) وإلى سورة فصلت الآيتين (٩ - ١٢) وسورة البقرة الآيتين (٢٩، ٢٢)، وسورة الأعراف آية (٥٤) للبيان.
﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: حيث ربط الغلاف الغازي للأرض بمكونات السّماء ولذلك أصبح هذا الغلاف الغازي ليس من الأرض بالكامل وليس من السّماء بالكامل، ولكنه ظل طبقة فاصلة بين السّماء والأرض.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: ثم: لتباين الرتبة والمنزلة بين صفة استوائه على العرش وخلق السّموات والأرض؛ أي: استوى على العرش أعظم وأكبر وأعجب من خلق السموات والأرض وما بينهما.
استوى على العرش: ارجع إلى الأعراف آية (٥٤)، وسورة يونس آية (٣)، وسورة هود آية (٧).
سئل الإمام أحمد ﵀ عن تفسير هذا الاستواء، فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسّؤال عنه بدعة. والعرش هو
стр. 4038
أعظم المخلوقات على الإطلاق، وبما أنّه سبحانه قال: (ليس كمثله شيء) فالأفضل عدم الخوض في الغيب بدون علم.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾: ما: النّافية، لكم: اللام للاختصاص فهو الّذي خلق السّموات والأرض وما بينهما بالحق، فهو الإله الحق واجب الوجود الّذي يجب أن يُعبد، ومالكم من دونه من ولي ولا شفيع.
من دونه: من سواه أو من غيره، من: ابتدائية استغراقية تستغرق كلّ ولي يشفع، والولي اشتقّت من: الولي؛ وهو الّذي يليك؛ أي: القريب منك (من الأقارب)، أو غيرهم؛ أي: ما لكم من ولي: يتولى ويرعى مصالحكم ويدبر أموركم.
﴿وَلَا شَفِيعٍ﴾: تكرار (لا) النّافية يفيد توكيد النّفي، شفيع: الّذي يشفع لكم أو يتوسط لكم لدفع العذاب أو الضّر أو تخفيفه إذا عبدتم غيره أو أشركتم به.
﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري وتوبيخ على عدم التذكر وتعجب، ألا: أداة تنبيه وحض.
أفلا تتذكرون: إن الله خالق السّموات والأرض وما بينهما هو الإله الحق فتعبدوه وتوحّدوه وتؤمنوا به، ولا تنسوا ذلك أبداً، ولو احتاج هذا الحدث خلق السموات والأرض إلى زمن طويل للتأمل والتفكير.
أفلا تتذكرون ولم يقل أفلا تذكرون، تتذكرون تحتاج إلى زمن أطول للتذكر؛ لأنّ السّياق في الصد عن الشّرك وعبادة الأصنام، فهم يحتاجون إلى زمن أطول للتذكر والتّفكر والتّأمل ليهتدوا إلى التّوحيد، أمّا تذكرون: تحتاج زمن أقصر للتذكر.
стр. 4039
سورة السجدة [٣٢: ٥]
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾:
﴿يُدَبِّرُ﴾: من التدبير: النظر أو التصرف (التقويم لما فيه صلاح العاقبة).
﴿الْأَمْرَ﴾: يحتمل أن يكون واحد من الأمور (الشؤون)، أو يحتمل أن يكون واحد من الأوامر؛ أي: يدبر كل شأن وله كل أمر؛ يتضمن التّكليف الشّرعي أو الوحي أو أمر المخلوقات (من حياة وموت وصحة وغنى وفقر وحرب وسلم وعزٍّ وذلٍّ … ) وأمر الكون كله والقضاء والقدر حسب ما تقتضيه حكمته وإرادته.
﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: من ابتدائية ابتداءً من السّماء من عرشه يبدأ الأمر.
﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾: وانتهاء إلى الأرض وينتهي الأمر إلى الأرض إلى الرّسول أو النّبي ثمّ يبلّغه إلى النّاس.
﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾: ثمّ للترتيب الذّكري، يعرج إليه الأمر؛ أي: يرفع إليه ليحكم فيه، والعروج يختلف عن الصّعود. ارجع إلى الآية (١٤) من سورة الحجر للبيان.
﴿فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: أي مسيرة ألف سنة أو الزّمن المستغرق (١٠٠٠) سنة للعروج أو للنّزول.
﴿مِمَّا تَعُدُّونَ﴾: أي: من أيام الدّنيا، وإذا قارنا هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، قالوا: خمسين ألف سنة تعني مقدار يوم القيامة (٥٠ ألف سنة)، أما ألف سنة الزمن الذي تحتاجه الملائكة للصعود بأعمال العباد. ارجع إلى سورة المعارج آية (٤) لمزيد من البيان.
стр. 4040
سورة السجدة [٣٢: ٦]
﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد، ويشير إلى أن تدبير الأمر من السّماء إلى الأرض هو من شأن عالم الغيب والشّهادة؛ أو: ذلك: ذا اسم إشارة واللام تفيد البعد والتّعظيم ويشير إلى عالم الغيب والشّهادة العزيز الرّحيم؛ أي: ذلك عالم الغيب والشّهادة الّذي يدبر الأمر.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: عالم الغيب: الغيب مصدر وهو: كلّ ما غاب واستتر عن عيون النّاس ولا يدرك بالحواس في السّماء والأرض، عالم الغيب المطلق أو الغيب النّسبي الّذي يطلعه على رسله ومن اصطفاه من خلقه.
﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: عالم الشّهادة: هو كلّ ما يشاهد بالمدركات والحواس من قِبل خلقه، فلا الغيب يغيب عنه ولا شيء مما يشاهده الخلق يغيب عن علمه.
﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي الّذي يَغلب ولا يُغلب ويَقهر ولا يُقهر، صيغة مبالغة: له عزة القوة والغلبة والقهر والامتناع.
﴿الرَّحِيمُ﴾: بعباده المؤمنين. ارجع إلى سورة الحمد آية (٢) لمزيد من البيان.
سورة السجدة [٣٢: ٧]
﴿الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾:
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم ويعود على الله.
﴿أَحْسَنَ﴾: أتقن وأحكم.
﴿كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ﴾: خَلَقَه بصيغة الماضي، أو خَلْقه بإسكان اللام مصدر: خَلْق، كل: توكيد، شيء: نكرة، أيّ شيء صغير أو كبير إنس أو جن أو حيوان أو نبات.
стр. 4041
أي: أحسن: خَلَقَ كلّ شيء جعله حسناً حسب ما اقتضته حكمته فجميع مخلوقاته خلقت على أحسن تقويم.
فإياك أن تُقبّحَ أو تعيب شيئاً لمجرد رؤيته، وكيف تقبّح شيئاً خلقه الله، أتعيب الصفة أو الشّيء أم تعيب الصّانع والخالق، وقل: ما شاء الله وسبحان الله.
﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾: أي بدأ خلق آدم من طين. ارجع إلى سورة الحجر آية (٢٦).
سورة السجدة [٣٢: ٨]
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للتراخي في الزّمن.
﴿جَعَلَ﴾: صيّر.
﴿نَسْلَهُ﴾: ذريته وولده؛ لأنها تنسل منه؛ أي: تنفصل عنه.
﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾: من ابتدائية، السّلالة: خلاصة الشّيء وأجود ما فيه أو السّلالة القليل مما يُنسل من حيوان منويّ يلقّح البيضة ويموت الباقي، سلالة: على وزن فعالة تعني: القليل.
من سلالة: من طين ثمّ من سلالة من ماء مهين.
﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾: من: ابتدائية تشير إلى الجنس، وسمّاه المهين المستقذر الضّعيف، ماء مهين: النّطفة منيّ الرّجل وبويضة المرأة.
стр. 4042
سورة السجدة [٣٢: ٩]
﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للتفاوت والتّباين بين التّسوية والماء المهين أو التّراخي في الزّمن.
﴿سَوَّاهُ﴾: التّسوية: أي هي اختيار الصفات الوراثية المميزة لكل فرد؛ أي: الشيفرة الوراثية الجينات والصبغيات.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُّوحِهِ﴾: نفخ الرّوح كما بيّنت أحاديث رسول الله ﷺ يكون في الليلة (٤٢) من بدء الحمل، كما ورد في حديث حذيفة أسيل ورواه مسلم، وليس بعد (٤) أشهر كما ظن بعض المفسرين وكما أثبتت الدراسات العلمية.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾: الجعل يكون بعد الخلق، وخلق الأذن للسمع، والعين للإبصار، والأفئدة: القلوب، ودائماً يسبق السمع البصر. ارجع إلى سورة البقرة آية (٧) للبيان.
وأما الفؤاد فهو: القلب الحاوي على خلايا الذاكرة، الخلايا العصبية الّتي هي مركز للحب أو الإيمان والأحاسيس المعنوية. ارجع إلى سورة الحج آية (٤٦) لمزيد من البيان.
﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾: أي قليل من عبادي الشّكور؛ أي: العدد الّذين يشكرونه قليل، أو مقدار وكمية الشّكر قليلة، والشّكر يكون باللسان والقلب والعمل. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠) لمزيد من البيان.
стр. 4043
سورة السجدة [٣٢: ١٠]
﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾:
﴿وَقَالُوا﴾: الواو استئنافية، قالوا: منكرو البعث والآخرة.
﴿أَإِذَا﴾: الهمزة همزة استفهام واستبعاد وإنكار وتعجّب.
﴿ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ﴾: أي بعد الموت صرنا تراباً واندثرت ذراتنا واختلطت بتراب الأرض.
﴿أَإِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: الهمزة استفهام إنكاري كالسّابقة، لفي: اللام للتوكيد، في: ظرفية.
﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: أيخلقنا ربنا من جديد؛ أي: مرة أخرى أو يُعيدنا أحياء؟ فيرد عليهم ربهم: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾:
﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي وتقرير حقيقة جديدة؛ وهي أنّهم بلقاء ربهم كافرون.
﴿هُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾: الباء للإلصاق، لقاء ربهم: يوم القيامة والبعث والعرض للحساب.
﴿كَافِرُونَ﴾: جاحدون، لا يؤمنون أو يصدّقون، وكافرون بالصّيغة الاسمية الّتي تفيد الثّبوت.
سورة السجدة [٣٢: ١١]
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾:
هم ينكرون أن يعودوا أحياء بعد أن يكونوا تراباً، فتأتي هذه الآية لتؤكد لهم
стр. 4044
أنّ ملك الموت سيتوفاهم، ثمّ إلى ربهم يرجعون للحساب والجزاء ولا مفرّ من ذلك.
﴿قُلْ﴾: يا رسول الله ﷺ للذين ينكرون البعث سوف يتوفاكم ملك الموت.
﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾: بأمر من الله سبحانه وملك الموت يقبض الرّوح، ثمّ يأمر الملائكة الموكّلين بنزع أرواح الكفار ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [النّازعات: ١ - ٢].
وفي آية أخرى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١].
﴿الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ﴾: وكّل بقبض أرواحكم.
﴿ثُمَّ﴾: ثمّ للترتيب والتّراخي في الزّمن؛ أي: يوم البعث.
﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أي: إلى ربكم وحده.
﴿تُرْجَعُونَ﴾: قسراً وسواء شئتم أو أبيتم إليه تُرجعون للحساب والجزاء.
стр. 4045
سورة السّجدة [الآيات ١٢ - ٢٠]
سورة السجدة [٣٢: ١٢]
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾:
﴿وَلَوْ﴾: الواو عاطفة، لو: شرطية، وقد تحمل معنى التّمنّي مثل: وليتك ترى، أو: لو امتناعية حُذف جوابها وهو: لرأيت أمراً مخيفاً مُهيناً.
﴿تَرَى﴾: الخطاب موجّه إلى رسول الله ﷺ وأمته، ترى رؤية فكرية، وإذا أخبرنا الله تعالى بخبر وقال: ولو ترى، فرؤيته تعالى أفضل من رؤيتنا بأم أعيننا فهي رؤية بدرجة عين اليقين.
﴿إِذِ﴾: ظرفية فجائية يوم القيامة.
﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: الكافرون المشركون المكذّبون بالبعث وبالآخرة وأهل المعاصي. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) لبيان معنى المجرمون.
﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾: جمع: ناكس، اسم فاعل من الفعل: نكس رأسه، والنّكس هو جعل الأعلى أسفل، وقد وردت هذه الكلمة في سورة الأنبياء آية (٦٥): ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾، ومعنى نكسوا على رؤوسهم في الدنيا؛ أي: عادوا إلى الباطل وعبادة الأصنام بعد أن تبيّنوا الرّشد، ﴿وَمَنْ نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨] والتّنكيس في الخلق؛ أي: نعيده ضعيفاً في قواه وعقله غير قادر على الحركة والتّفكير بعد أن كان قوياً وقادراً على اتخاذ القرار، أمّا: ﴿نَاكِسُو
стр. 4046
رُءُوسِهِمْ﴾ يوم القيامة بسبب شعورهم بالذّل والخزي والحياء والنّدم لم يرفعوا رؤوسهم عند ربهم ونظروا إلى الأرض.
﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾: أبصرنا: البصر والبصيرة؛ أي: أيقنّا بعين اليقين لا شريك لك ولا ولي ولا شفيع إلا أنت، وأبصرنا صدق ما وعدتنا وعدلك وأنك الحق وكل ما دونك هو الباطل، أبصرنا ما كنا فيه من الضّلال والظّلم والخطأ. وفي هذه الآية قدم البصر على السمع، وكذلك قدم البصر على السمع في سورة الكهف؛ لأن السياق في هاتين الآيتين هو في الآخرة، أما في باقي الآيات وعددها (١٧) آية قدم السمع على البصر؛ لأن السياق في الدنيا. ارجع إلى سورة الملك آية (٢٣)، وسورة البقرة آية (٧) لمعرفة السبب ومزيد من البيان.
وسمعنا: سماع الأحياء لأول مرة بعد أن كنّا في الدّنيا نسمع سماع الموتى، سمعنا آياتك وما أنزلته على رسولك ولا نكذّب بالدّين، فقد كنّا عمياً وصمّاً.
﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾: الفاء للمباشرة، ارجعنا الآن، ارجعنا إلى دار الدّنيا لكي نعمل صالحاً.
﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾: إنّا للتوكيد، موقنون: جمع موقن، من اليقين وهو العلم بالحق (الأمر الثّابت الّذي لا يتغير ولا يتبدل) والعلم بأنّه لا يكون غيره.
إنّا موقنون: أي أصبحنا نعلم حق اليقين أنّك أنت الحق وكل ما قلته ووعدته وأنزلته حق، موقنون: جملة اسمية تدل على محاولتهم الظّهور بمظهر الثّابت بالإيمان، ولم يستجب الله سبحانه لطلبهم وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ولم يعد ينفعهم قولهم ومعذرتهم في ذلك اليوم.
стр. 4047
سورة السجدة [٣٢: ١٣]
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾:
المناسبة: سأل المجرمون ربهم (فارجعنا نعمل صالحاً) فجاء الردّ عليهم (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنّهم لكاذبون) ولو شاء الله لهداهم قسراً ولكن لم يشأ.
﴿وَلَوْ﴾: شرطية غير امتناعية، ولو شئنا لآتينا كلّ نفس هداها ولكن لم نشأ فحقّ القول عليهم.
﴿شِئْنَا﴾: بصيغة الجمع للتعظيم، من المشيئة والمشيئة قبل الإرادة: وهي بدء العزم على الفعل، أما الإرادة: إتمام العزم أو البدء بالفعل، والإرادة قبل القدر، والقدر قبل القضاء، والقضاء قبل الإمضاء (وهو الخلق) وهو: إبراز المعدوم إلى الوجود وتأليفه وتركيبه.
﴿لَآتَيْنَا﴾: اللام لام التّوكيد (رابطة لجواب لو)، لآتينا: من الإيتاء وهو: العطاء. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة لمعرفة معنى الإيتاء والعطاء.
﴿كُلَّ﴾: للتوكيد.
﴿نَفْسٍ هُدَاهَا﴾: كما بيّن ذلك في آية أخرى: ﴿أَنْ لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرّعد: ٣١]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨].
لآتينا كلّ نفس هداها: بالقسر والجبر، ولكن لم يشأ سبحانه وقضت حكمته أن يترك اختيار أمر الإيمان والعمل الصّالح بدون إكراه، وأعطى للعبد حرية الاختيار بين الإيمان والكفر والطّاعة والعصيان. فمن اختار الهداية وطريق
стр. 4048
الإيمان ثمّ طلب منه المعونة والزّيادة في الإيمان والهدى، زاده إيماناً وهدى، ومن اختار طريق الكفر والضّلال وابتعد عن ربه، تركه فيما تهواه نفسه وحذّره وأنذره على لسان رسله وكتبه.
﴿وَلَكِنْ﴾: للاستدراك والتّوكيد.
﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّى﴾: ثبت ووقع وسبق ولن يتغير قضائي ووعدي، وقوله: مني تدل على خطورة وأهمية القول وهو: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: اللام والنّون في (لأملأن) للتوكيد، و (أجمعين) للتوكيد أيضاً، لأملأن جهنم من: ﴿الْجِنَّةِ﴾: مجموعة من الجن قد تكون قليلة أو كثيرة. ﴿وَالنَّاسِ﴾: أي: الإنس مجموعة قليلة أو كثيرة.
سورة السجدة [٣٢: ١٤]
﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
المناسبة: إذن لا رجعة إلى الدّنيا فذوقوا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم هذا.
﴿فَذُوقُوا﴾: الفاء للمباشرة، ذوقوا: أي العذاب، أي: ذوقوا العذاب بما قدّمت أيديكم وبما نسيتم لقاء يومكم هذا، ذوقوا: واختار حاسة الذّوق؛ لأنّ هذه الحاسة أهم الحواس لأنّها تختص بالأكل والشّراب وهما من مقومات الحياة الدّنيا، والطّعام والشّراب يؤثّران في كلّ عضو من أعضاء الجسم كما يفعل الجوع والعطش بالإنسان، ثمّ استعمل (ذوقوا العذاب) الّذي سيؤثّر في كلّ عضو من أعضاء الجسم كما يفعل الطّعام والشّراب والجوع والعطش.
﴿بِمَا﴾: الباء: باء السّببية، ما: حرف مصدري.
стр. 4049
﴿نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾: أي ذوقوا العذاب بسبب نسيانكم المتعمد للاستعداد لهذا اليوم، نسيانكم أوامر الله وفرائضه ونواهيه وسنة رسوله، وترككم العمل الصّالح والإيمان وعدم تصديقكم بالبعث والحساب، لقاء يومكم هذا: أي يوم القيامة، وقدّم اليوم للاهتمام ونكّره للتهويل والتعظيم.
﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾: إنّا: للتعظيم والتّوكيد، نسيناكم: النّسيان من قبل الله تعالى لا يعني عدم التّذكر، حاشا لله أن ينسى شيئاً، وإنما النّسيان يعني تركهم في العذاب وعدم الالتفات إليهم، وإهمالهم في نار جهنم وعدم النّظر إليهم أو تكليمهم.
﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾: تكرار (ذوقوا) للتوكيد والتّوبيخ والتّقريع والخطاب للمجرمين، عذاب الخلد: عذاب نكرة: يشمل كلّ أنواع العذاب، الخلد: الدّائم الّذي لا ينقطع أو يفتر أو يخفف ويبدأ من زمن دخولهم النّار.
﴿بِمَا كُنتُمْ﴾: الباء: باء السّببية، ما: بمعنى الّذي أو مصدرية.
﴿تَعْمَلُونَ﴾: كنتم في الدّنيا تعملون تضمّ الأقوال والأفعال، تعملون من الكفر والشّرك والمعاصي والتّكذيب، وجاءت بصيغة المضارع لتدلّ على تجدد وتكرار عملهم وأنّه لم يتوقف، وماتوا ولم يتوبوا ويرجعوا إلى ربهم.
سورة السجدة [٣٢: ١٥]
﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾:
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
﴿يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾: يؤمن: يصدّق ويعمل بها ويتبع ما جاء في آياتنا (آيات
стр. 4050
القرآن) والآيات الكونية والآيات الدّالة على نبوة محمّد ﷺ ، بآياتنا: بما جاء من الأدلة.
الباء للإلصاق والدّوام على الإيمان والثّبات.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد المدح.
﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية وشرطية تفيد حتمية الحدوث؛ أي: ما بعدها حتماً سيحدث وبكثرة، وهو هنا: خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم.
﴿ذُكِّرُوا بِهَا﴾: أي تُليت عليهم في الصّلاة أو قرؤوها وهم يتلون القرآن سجدوا سجود التّلاوة أو وعظوا بها (مثل سجود الشّكر)
﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾: الخرّ: هو أن تهوي إلى الأرض ومن أعلى إلى أسفل ساجداً لله هبوط مع صوت يشبه صوت خرير الماء. ارجع إلى سورة الإسراء الآيتين (١٠٧ - ١٠٩) لمزيد من البيان.
﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: سبّحوا: أي قدّسوا ونزّهوا ربهم في ذاته وصفاته وأفعاله عما لا يليق به وعن كلّ نقص وشريك وولد وعيب، سبّحوا بحمد ربهم: أي عند سجودهم بالقول: سبحان ربي الأعلى سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، وسبّحوا بحمد ربهم عقب الصّلوات وبكرة وعشياً.
﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾: هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد، لا: النّافية، يستكبرون: عن طاعة ربهم والسّجود إليه في كلّ مرة وكلّ حين خاضعين لله متذللين له باستمرار وتجدد. لا يستكبرون بالامتناع عن قبول الحق والإذعان له بالعبادة.
стр. 4051
سورة السجدة [٣٢: ١٦]
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾:
المناسبة: بعد أن ذكر الله سبحانه حال المجرمين يوم القيامة وكيف نسوا لقاء يوم القيامة وكيف سينساهم الله، يذكر حال أهل الطّاعة والإيمان وما يتقربون إليه به من النّوافل والسّجود والتّهجد في الليل والدّعاء والتّضرع إليه فيقول:
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾: تتجافى: اشتقّت من: جفا السّرج عن الفرس؛ أي: رفع السّرج عن الفرس وتجافى عن مكانه إذا لم يلزمه؛ أي: يتركوا فُرُش نومهم ليعبدوا الله. وقيل: تتجافى من الجفوة: التّرك مع كراهية المتروك؛ أي: سُررهم؛ أي: يتركون فُرشهم بدون تردّد مسرعين ليقوموا إلى لذة أعظم وأبقى وأحب إلى قلوبهم من لذة الفراش؛ وهي لذة قيام الليل والاتصال بالخالق ومناجاته والتّبتل إليه، جنوبهم: جمع جنب وهو: شقّ الإنسان ويراد به الشّخص.
﴿عَنِ﴾: حرف جر يفيد التّجاوز والابتعاد؛ أي: يبتعدون بجنوبهم عن مضاجعهم.
﴿الْمَضَاجِعِ﴾: جمع مضجع وهو: مكان النّوم أو الاتّكاء.
﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا﴾: بالاستغفار والتّوبة والحمد والشكر، خوفاً مما حدث منهم من تقصير في جنب الله أو مما أخطؤوا بغير عمد أو نسوه خوفاً من عقابه وعذابه، يدعون: جاءت بصيغة المضارع لتدل على التّجدد والتّكرار، وطمعاً في رحمة ومغفرة ربهم ورضوانه وجنته.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: من بعضية؛ أي: ينفقون من بعض أموالهم كالزكاة أو الصدقات. ارجع إلى الآية (٣) من سورة البقرة للبيان.
стр. 4052
سورة السجدة [٣٢: ١٧]
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿فَلَا﴾: الفاء للتوكيد، لا: النّافية.
﴿تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾: نفس: نكرة؛ أي: لا تعلم أيّ نفس (لا نفس ملك من الملائكة أو نفس رسول ولا نبي ولا أحد)، ما أخفي لهم، ما: اسم موصول بمعنى الّذي أو استفهامية، وما أوسع شمولاً من الذي، أخفي: بصيغة المبني للمجهول؛ أي: ما خُبِّئ لهم؛ أي: لهؤلاء الّذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، من: استغراقية، قرة أعين: قرة أعين مشتقة من القرور؛ أي: السكون، وقرّ في مكانه؛ أي: استقر فيه، ولا يستقر الإنسان في المكان إلا إذا توفرت فيه مقومات الحياة والرّاحة، وقرة أعين مشتقة من: القرّ وهو البرد الشّديد، وقيل: العين الباردة هي العين المسرورة، والعين السّاخنة هي العين الحزينة، والمراد به قرة أعين؛ أي: في جنات النّعيم والخلد ما تُسرّ به أعينهم وتفرح به وتطمئن، من المساكن والقصور والطّعام والشّراب والحور العين وغيرها.
وكما جاء في الحديث القدسي كما روى البخاري ومسلم والتّرمذي قال تعالى: أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: الجزاء: مقابلة الشّيء بالشّيء؛ أي: ثواباً، بما كانوا يعملون في الدنيا، ويعملون تضم الأقوال والأفعال. ارجع إلى الآية (١٤) من السّورة نفسها.
стр. 4053
سورة السجدة [٣٢: ١٨]
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُنَ﴾:
﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري فيه معنى التّعجب، من: تأتي للمفرد والجمع والمذكر والمؤنث، من: استفهامية.
﴿كَانَ مُؤْمِنًا﴾: بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
﴿كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾: الكاف كاف التّشبيه، من: اسم موصول بمعنى الّذي كان فاسقاً، الفاسق: من الفسق وهو: الخروج عن الإيمان وطاعة الله تعالى. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٦) لمزيد من البيان.
والمؤمن والفاسق لا يستوون أو لا يستويان؛ لأنّ هذا مفهوم عند العامة من النّاس ولا يحتاج إلى سؤال ولكن الغاية من هذا السّؤال هو أن نقرّ نحن بالجواب ونقول: لا يستوون حتّى نقيم الحُجة على أنفسنا، ولم يقل لا يستويان وقال: لا يستوون: لأنّ الفاسق صنف والفسق أنواع والفاسقون درجات، والمؤمن صنف والإيمان درجات وأنواع، فالمؤمنون درجات والفاسقون درجات ولذلك قال: لا يستوون بالجمع، ويجوز أن تعني الآية اثنين كلّ منهما يمثل جماعة، ثمّ ذكر الله سبحانه جزاء الفريقين فقال: أمّا الّذين آمنوا … وأمّا الّذين فسقوا.
سورة السجدة [٣٢: ١٩]
﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿أَمَّا﴾: حرف تفصيل.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ﴾: الفاء: للتوكيد، لهم: اللام لام الاختصاص والاستحقاق الذين آمنوا بالله إيمان التوحيد إيمان القلب وليس الإيمان باللسان فقط، وعملوا الصالحات: أي: كل ما يرضي الله من عمل يشمل جميع أوجه الحياة بالإضافة إلى العبادات المعروفة.
стр. 4054
﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾: فلهم: الفاء: للتوكيد، لهم: خاصة، نوع من أنواع الجنات مثل جنات عدن، جنات النّعيم، جنات الفردوس، المأوى: مشتقة من المكان الّذي يأوي إليه الكائن الحي ليحفظه من المكروه. والمأوى مكان الإيواء؛ أي: الاستقرار والرّاحة والطمأنينة.
﴿نُزُلًا﴾: من النُّزل: وهو ما يُعدّ للضيف من طعام وشراب ومسكن؛ أي: ثواباً.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ارجع إلى الآية (١٤) من السّورة نفسها.
بما: الباء السّببية، ما: بمعنى الّذي كانوا يعملون أو مصدرية، كانوا: في الدّنيا يعملون من الأقوال والأفعال الصّالحة، ثمّ ذكر الله سبحانه ثلاث آيات بخصوص الّذين فسقوا، الآيات (٢٠ - ٢٢).
سورة السجدة [٣٢: ٢٠]
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾:
﴿وَأَمَّا﴾: حرف تفصيل.
﴿الَّذِينَ فَسَقُوا﴾: الفسوق: هو الخروج عن طاعة الله وعدم امتثال أوامره ونواهيه. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٦) لمزيد من البيان.
﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾: الفاء: للتوكيد، المأوى: هو المستقر المريح والآمن الذي يصل إليه بعد جهد وسعي، فكيف يصف النار بالمأوى؟ قد يكون الكلام هنا على سبيل السّخرية أو التّهكّم كما يقول: فبشّرهم بعذاب أليم. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٥١) لبيان معنى مثوى والفرق بين مثوى ومأوى.
стр. 4055
﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾: كلما: مركبة من (كلّ وما) المصدرية الظّرفية، فهي أداة شرط تفيد التّكرار.
﴿يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾: من النّار أعيدوا فيها، وفي الآية (٢٢) من سورة الحج: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾: من قبل الملائكة خزَنَة جهنم.
﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ﴾: ارجع إلى الآية (١٤) من السّورة نفسها.
﴿الَّذِى كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: الّذي كنتم به في الدّنيا تكذبون: لا تصدقون، تكذبون: تدل على التّجدد والتّكرار والاستمرار حتّى متّم وأنتم كفار. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٤٢) من سورة سبأ، وهي قوله تعالى: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِى كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ نجد أن آية السجدة: جاءت في سياق الذين فسقوا، والفاسق قد يطلق على المؤمن، ويمكن أن يكون كافراً، وهؤلاء يكذبون بالعذاب، وليس بالنار، وأما آية سبأ: جاءت في سياق المشركين والكفار، فهؤلاء يكذبون وينكرون النار نفسها والعذاب.
стр. 4056
سورة السّجدة [الآيات ٢١ - ٣٠]
سورة السجدة [٣٢: ٢١]
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾:
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ﴾: تعود على الّذين فسقوا. اللام: لام التّوكيد والنّون في (نذيقنّهم) لزيادة التّوكيد.
﴿مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾: من ابتدائية، العذاب الأدنى: القريب، والعذاب: هو النكال والعقوبة؛ أي: عذاب الدّنيا مثل القحط والقتل والأسْر والخسارة والهزيمة كما حدث في بدر، والأدنى الأخفّ (الأقل شدة) دون الأكبر من مصائب الدنيا في الأموال والأولاد وغيرها.
﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ دون: تعني: قبل العذاب الأكبر عذاب الآخرة؛ لأنّه عذاب دائم وباق لا يتغير ولا يخفّف أو يزول. والعذاب الأكبر: عذاب النار بأنواعه المختلفة؛ مثل: عذاب الحريق، والزمهرير، والزقوم، وغسلين، والماء الحميم، والسلاسل، والأغلال … وغيرها.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لعل: للتعليل، يرجعون: بإرادتهم يرجعون عن ضلالهم وكفرهم وفسقهم إلى الإيمان بالتّوبة والاستقامة قبل أن تزهق أنفسهم وهم كارهون.
стр. 4057
سورة السجدة [٣٢: ٢٢]
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾:
المناسبة: ومن أظلم من هؤلاء الّذين فسقوا ثمّ ذكّروا بآيات ربهم مرة بعد أخرى، فاستمروا على فسقهم وإعراضهم رغم الزّمن الطويل الّذي أُعطوه ليتوبوا.
﴿وَمَنْ﴾: الواو استئنافية، من استفهامية.
﴿أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾: جاء الخبر في هذه الآية بصورة الاستفهام؛ لتأكيد الكلام، وكأنّ المخبر بالخبر يدعو المستمع إلى الإقرار ليقيم عليه الحجة ولم يأت بالجواب. ليقول أو يقر المستمع: لا أحد أظلم ممن فعل ذلك، أو ليس هناك أظلم من هذا الإنسان الّذي ذكّر بآيات ربه بالوعظ والإنذار والتّبليغ أو سمع آيات الله تتلى عليه (القرآنية) أو شاهد الآيات الكونية ثمّ أعرض عنها.
﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾: ثمّ للترتيب والتّراخي في الزّمن، وعن تفيد المجاوزة والابتعاد، ولم يقل فأعرض عنها كما ورد في سورة الكهف الآية (٥٧): ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾، الفاء: تدل على الترتيب والمباشرة فالإعراض في سورة السّجدة وقع بعد فاصل زمني بين التّذكير وحدوث الإعراض؛ أي: عدم التّصديق والرّفض، بينما الإعراض في سورة الكهف وقع مباشرة عقب التّذكير؛ لأنّ الّذين ذكّروا بآيات ربهم في قلوبهم أكنّة وفي آذانهم وقرٌ فلذلك أعرضوا مباشرة، فالإعراض في آية الكهف أسرع من الإعراض في سورة السّجدة.
فالمذكورون في آية السّجدة هم الّذين فسقوا وذكّروا بآيات ربهم فاستمروا
стр. 4058
على فسقهم، وبعد زمن طويل أعرضوا عنها واستمروا على ذلك حتّى ماتوا ولم يتوبوا.
﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾: إنّا: للتعظيم، من المجرمين: أي هذا الّذي ذكّر بآيات ربه ثمّ أعرض عنها بعد مدة يدخل في زمرة المجرمين الّذين لم يؤمنوا، واستمروا على كفرهم وشركهم وعصيانهم. ارجع إلى سورة الجاثية آية (٣١)، وسورة الأنعام آية (٥٥) لمزيد من البيان في معنى المجرمين.
سورة السجدة [٣٢: ٢٣]
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِى مِرْيَةٍ مِنْ لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق؛ أي: قد تحقّق إيتاء موسى الكتاب منذ زمن طويل.
﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: أي آتيناه التّوراة، والإيتاء يختلف عن العطاء، لمعرفة المعنى ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة.
﴿فَلَا تَكُنْ﴾: الفاء للتوكيد، لا النّاهية، تكن: الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ ، تكن ولم يقل فلا تك؛ أي: ليس هناك ما يدعو إلى شدة المِرية لاستعمال تكُ.
﴿فِى مِرْيَةٍ مِنْ لِّقَائِهِ﴾: في ظرفية، مِرية: المِرية هي الجدال بعد ظهور الحق أو تبيّن الحق، في مِرية من لقائه: لقاء موسى ﵇ وكان ذلك ليلة الإسراء والمعراج فقد لقيه ﷺ في السّماء السّادسة.
стр. 4059
ومن المفسرين من قالوا: فلا تكن في مِرية من لقائه؛ لقاء موسى يوم القيامة حين الشّفاعة.
﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: أي وجعلنا التّوراة أو موسى أو كلاهما، هدى لبني إسرائيل، أو الهدى لبني إسرائيل للوصول إلى الحق والرّشد وسبل السّلام والصّراط المستقيم.
سورة السجدة [٣٢: ٢٤]
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾:
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾: جعلنا؛ أي: من بني إسرائيل، أئمّة: أنبياء قدوة وهو المرجّح، أو هداة صالحين ليسوا بأنبياء.
﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾: بأمرنا: بإذننا بإذن منّا، يهدون: يدعون النّاس إلى طاعة الله وعبادته أو يهدون بالتّوراة.
﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾: ظرفية زمانية بمعنى: حين صبروا على أذى قومهم وصبروا على الدّعوة إلى الله ومشاقّ التّكليف، وصبروا على فرعون وجنوده، أو لما: اللام للتعليل؛ أي: جعلناهم أئمّة لأجل صبرهم.
﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾: الباء للإلصاق والدّوام، بآياتنا: التّوراة والآيات الكونية وآيات الأحكام، يوقنون: من اليقين؛ أي: العلم بالحق الّذي لا يكون غيره؛ أي: يصدقون ويؤمنون ولا يشكّون فيها أبداً؛ آيات التّوحيد والبعث والآخرة، يوقنون: بصيغة المضارع تدل على التّجدد والاستمرار. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) لمزيد من البيان في اليقين.
стр. 4060
سورة السجدة [٣٢: ٢٥]
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿رَبَّكَ هُوَ﴾: هو ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: بين الأنبياء وأممهم أو بين المؤمنين والكافرين. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٦٢): لمعرفة الفرق بين الحكم والقضاء والفصل.
﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: بين الأنبياء وأممهم أو بين الأمم أو الملل فيما كانوا في الدنيا فيه يختلفون من أمور الاعتقاد والدّين والحساب والثّواب والأعمال، والتّوحيد والإشراك وأهل الحق والباطل ومن على الحق ومن هو على الباطل، يختلفون باستمرار وتجدد وتكرار في الدّنيا.
الفرق بين الخلاف والاختلاف: الاختلاف أمر مشروع، ومنه الاختلاف المذموم والمحمود، أمّا الخلاف: منبوذ وهو من مظاهر الهوى والعناد. والاختلاف قد يكون بين أفراد الأمة الواحدة، أو الاختلاف بين أمة وأمة، فحين يكون الاختلاف بين أفراد الأمة الواحدة يقول سبحانه: يقضي بينهم، وحين يكون الاختلاف بين الأمم أو الملل المختلفة يقول سبحانه: يفصل بينهم، والفصل يعني: يذهب فريق إلى الجنة وفريق إلى السعير، والفصل يعني: الحكم والفصل معاً، ولذلك الاختلاف بين الأمم أو الملل المختلفة يتطلب حكماً أولاً وفصلاً ثانياً، فالحكم: هو القضاء، وأما الفصل: فهو الحكم، والفصل: هو أشد وآكد،
стр. 4061
والفصل: مشتق من جعل بينهما حاجزاً؛ أي: يجعل بينهما مسافة كأن يذهب أحدهم إلى الجنة والآخر إلى النار وينتهي الأمر.
سورة السجدة [٣٢: ٢٦]
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِم مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾:
﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام، ولم يقل أفلم يهد لهم، ولم يقل أولم يروا، ما هي الفروق؟
١ - الفرق بين أولم يهد لهم وأفلم يهد لهم: الفاء تستعمل عادة إذا كان ما قبلها سبب ما بعدها، والفاء أكثر توكيداً وتهديداً أو توبيخاً.
٢ - الفرق بين أولم يهد لهم وأولم يروا: أولم يهد لهم تستعمل في سياق الآخرة عادة مثل العقوبات أو الأمور الّتي تحتاج إلى تفكير وتدبر.
بينما أولم يروا تأتي في سياق عقوبات الدّنيا أو الأمور الدنيوية.
﴿يَهْدِ لَهُمْ﴾: لهم: كفار قريش ولغيرهم، لمَ لا يتفكرون ويتبين لهم.
والهداية تحتاج إلى ثلاثة عوامل: هادٍ ومهديٍّ والشيء المهدى إليه أو الغاية من الهداية، والهداية تحتاج إلى علم وتفكر ورؤية مشتركة (بصرية وقلية).
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾: كم الخبرية وتفيد الكثير، وكم للسؤال عن العدد.
﴿مِنْ قَبْلِهِم﴾: من تفيد ابتداء الغاية، من: تعني من زمن قريب، وفيها تهديد ووعيد أشد من قوله: قبلهم بدون إضافة من، (وتحتمل الزّمن القريب أو البعيد)، بينما (من قبلهم) للتّذكير بإهلاك القريب، فيه تهديد أكبر من التّهديد
стр. 4062
بإهلاك البعيد (قبلهم)، ولم يقل قبلهم؛ قبلهم: قد تعني الزمن القريب أو البعيد (غير محدد) كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم﴾ [يس: ٣١]، ومن قبلهم (القرب) يدل على شدة الإنذار والتخويف.
﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾: جمع قرن والقرن يساوي (١٠٠) عام، وإذا قرن القرن بنبي قد يطول أكثر من (١٠٠) عام مثل قرن نوح دام (١٠٠٠) عام.
أو تعني قوماً عاشوا في زمن واحد.
﴿يَمْشُونَ فِى مَسَاكِنِهِمْ﴾: أي كفار قريش يمشون في مساكن قوم صالح (مدائن صالح) الحجر أو لوط في فلسطين قرب البحر الميت أو الأحقاف (حضرموت). يمشون: تدل على التّجدد والتّكرار يمرون عليهم في أسفارهم وتجارتهم حين يذهبون إلى بلاد الشّام.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إن للتوكيد، واللام في كلمة لآيات للتوكيد، ذلك: اسم إشارة واللام للبعد تشير إلى ما حل بالأقوام السّابقة من هلاك.
﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾: الهمزة للاستفهام والتّوبيخ والتّقرير والتّعجّب، ألا تفيد التّنبيه على الاستماع إلى أخبار الأقوام السّابقة الّتي أهلكناها، يسمعون سماع فائدة واتعاظ، واختيار حاسة السمع؛ لأنّهم قرون انقرضت ولم نعد نراها لذلك لم يقل أفلا يبصرون.
سورة السجدة [٣٢: ٢٧]
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: الخطاب ما زال لكفار قريش المكذبين بالبعث أنّا قادرون
стр. 4063
على إحيائهم وبعثهم من جديد كما يشاهدون كيف نسوق الماء إلى الأرض الجُرُز، أولم يروا: الهمزة همزة استفهام للتعجب والتّقرير، ما: تستعمل في الأمور الدّنيوية أو العقوبات؛ أي: يمكن أن نرى آثارها، بينما (أولم يهد) تستعمل في أحوال الآخرة أو عقوبات الآخرة من باب التّبصر أو البصيرة وليس من باب الرّؤية، والرّؤية هنا رؤية بصرية ورؤية تفكر وتبصّر (رؤية فكرية) وتعني: أولم يعلموا.
﴿أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ﴾: أنّا للتعظيم، نسوق الماء: أي الرّياح تحمل السّحاب والملائكة يسوقون السّحاب أو يوجّهون السّحاب الّذي يحمل المطر.
﴿إِلَى﴾: تفيد الغاية.
﴿الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾: أي الأرض قُطع نباتها أو تمّ حصادها، أو أصبحت جُرزاً بسبب عدم الرَّي والماء أو الرّعي وهي أرض صالحة للزراعة.
﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، به: بالماء، زرعاً: نباتاً أو حباً جديداً.
﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ﴾: تأكل منه: من النّبات أو الزّرع أو الحب أو التّبن أو الورق، أنعامهم: الإبل والبقر والغنم والماعز، وأنفسهم: يأكلون من الحب والزّرع والثّمر وغيرها.
﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾: أفلا: الهمزة للاستفهام التّقريري والتّعجّب، أفلا يبصرون: رؤية بصرية بأعينهم إلى قدرة الله على الخلق والبعث، أفلا يبصرون تلك النّعمة فيهتدون إلى الخالق فيعبدونه ويشكرونه، ويتكرر ويتجدد هذا البصر.
стр. 4064
قدّم الأنعام على الزّرع؛ لأنّ الأنعام تحتاجه لتأكل منه فهو قوام حياتها وقدّم الأنعام على النّاس؛ لأنّ الأنعام هي طعام وقوام حياة النّاس (اللبن واللحم وغيرها .. ).
مقارنة أفلا يسمعون وأفلا يبصرون:
أفلا يسمعون: ما يُروى لهم ويُقصّ عليهم من هلاك الظّالمين الّذين جاؤوا من قبلهم أمثال قوم هود وصالح ولوط، وصل إليهم عن طريق السّماع ويرشدهم إلى الهداية لعلهم يهتدون ويتعظون ويؤمنون.
أفلا يبصرون: الكلام هنا عن شيء مشاهد بالعين والبصر مثل: السّحاب والمطر والزّرع والأنعام، فناسبها قوله: أفلا يبصرون ويهتدون إلى قدرة الخالق وعظمته ويؤمنوا به ويوحّدوه.
سورة السجدة [٣٢: ٢٨]
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾:
﴿وَيَقُولُونَ﴾: كفار قريش ومنكرو البعث، ويتجدد قولهم ويتكرر مرات كثيرة.
﴿مَتَى﴾: للاستفهام عن الزّمان، واستعمالها يدل على استفهام فيه استبعاد أو ربما استهزاء وفيه معنى البطء؛ أي: متى سيحدث هذا الأمر أو الفتح المستفهم عنه فقد تأخّر طويلاً.
﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يفيد القرب.
﴿الْفَتْحُ﴾: له معانٍ متعدّدة تشمل:
стр. 4065
١ - الفصل بيننا وبينكم، والقضاء والحكم بين المشركين والمؤمنين.
٢ - النّصر بدون قتال وحرب مثل فتح مكة وفتح الحديبية.
٣ - يوم القيامة يوم يفصل بين المؤمنين وأعدائهم.
٤ - غزوة بدر.
٥ - النّصر بشكل عام.
٦ - إظهار الحق ودحر الباطل.
والفتح جاء معرفاً بأل التّعريف؛ يعني: يوم القيامة وهو الأرجح، والفتح قد يكون فتحاً مادياً أو معنوياً، قالوا ذلك ويكررون سؤالهم: متى هذا الفتح؟ إمّا تكذيباً أو استهزاءً به أو بالفصل والحكم وبكلّ المعاني الأخرى.
﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن: شرطية تفيد الشكّ أو الاحتمال أو النّدرة؛ أي: نشكّ في كونكم صادقين في إنذاركم أو وعيدكم بالفتح.
سورة السجدة [٣٢: ٢٩]
﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾:
﴿قُلْ﴾: قل لكفار مكة ومنكري البعث والحساب ولقاء الله تعالى.
﴿يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾: أي يوم الفتح: يوم القيامة (يوم البعث أو يوم الفصل) لا ينفع الّذين كفروا إيمانُهُم إذا آمنوا حينذاك أو تابوا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
وإذا كان الفتح يقصد به فتح مكة أو يوم بدر، فكيف يفسر قوله تعالى: (لا
следующие страницы →