← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

والفصل: مشتق من جعل بينهما حاجزاً؛ أي: يجعل بينهما مسافة كأن يذهب أحدهم إلى الجنة والآخر إلى النار وينتهي الأمر. سورة السجدة [٣٢: ٢٦] ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِم مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾: ﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام، ولم يقل أفلم يهد لهم، ولم يقل أولم يروا، ما هي الفروق؟ ١ - الفرق بين أولم يهد لهم وأفلم يهد لهم: الفاء تستعمل عادة إذا كان ما قبلها سبب ما بعدها، والفاء أكثر توكيداً وتهديداً أو توبيخاً. ٢ - الفرق بين أولم يهد لهم وأولم يروا: أولم يهد لهم تستعمل في سياق الآخرة عادة مثل العقوبات أو الأمور الّتي تحتاج إلى تفكير وتدبر. بينما أولم يروا تأتي في سياق عقوبات الدّنيا أو الأمور الدنيوية. ﴿يَهْدِ لَهُمْ﴾: لهم: كفار قريش ولغيرهم، لمَ لا يتفكرون ويتبين لهم. والهداية تحتاج إلى ثلاثة عوامل: هادٍ ومهديٍّ والشيء المهدى إليه أو الغاية من الهداية، والهداية تحتاج إلى علم وتفكر ورؤية مشتركة (بصرية وقلية). ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾: كم الخبرية وتفيد الكثير، وكم للسؤال عن العدد. ﴿مِنْ قَبْلِهِم﴾: من تفيد ابتداء الغاية، من: تعني من زمن قريب، وفيها تهديد ووعيد أشد من قوله: قبلهم بدون إضافة من، (وتحتمل الزّمن القريب أو البعيد)، بينما (من قبلهم) للتّذكير بإهلاك القريب، فيه تهديد أكبر من التّهديد

стр. 4062

بإهلاك البعيد (قبلهم)، ولم يقل قبلهم؛ قبلهم: قد تعني الزمن القريب أو البعيد (غير محدد) كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم﴾ [يس: ٣١]، ومن قبلهم (القرب) يدل على شدة الإنذار والتخويف. ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾: جمع قرن والقرن يساوي (١٠٠) عام، وإذا قرن القرن بنبي قد يطول أكثر من (١٠٠) عام مثل قرن نوح دام (١٠٠٠) عام. أو تعني قوماً عاشوا في زمن واحد. ﴿يَمْشُونَ فِى مَسَاكِنِهِمْ﴾: أي كفار قريش يمشون في مساكن قوم صالح (مدائن صالح) الحجر أو لوط في فلسطين قرب البحر الميت أو الأحقاف (حضرموت). يمشون: تدل على التّجدد والتّكرار يمرون عليهم في أسفارهم وتجارتهم حين يذهبون إلى بلاد الشّام. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إن للتوكيد، واللام في كلمة لآيات للتوكيد، ذلك: اسم إشارة واللام للبعد تشير إلى ما حل بالأقوام السّابقة من هلاك. ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾: الهمزة للاستفهام والتّوبيخ والتّقرير والتّعجّب، ألا تفيد التّنبيه على الاستماع إلى أخبار الأقوام السّابقة الّتي أهلكناها، يسمعون سماع فائدة واتعاظ، واختيار حاسة السمع؛ لأنّهم قرون انقرضت ولم نعد نراها لذلك لم يقل أفلا يبصرون. سورة السجدة [٣٢: ٢٧] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: الخطاب ما زال لكفار قريش المكذبين بالبعث أنّا قادرون

стр. 4063

على إحيائهم وبعثهم من جديد كما يشاهدون كيف نسوق الماء إلى الأرض الجُرُز، أولم يروا: الهمزة همزة استفهام للتعجب والتّقرير، ما: تستعمل في الأمور الدّنيوية أو العقوبات؛ أي: يمكن أن نرى آثارها، بينما (أولم يهد) تستعمل في أحوال الآخرة أو عقوبات الآخرة من باب التّبصر أو البصيرة وليس من باب الرّؤية، والرّؤية هنا رؤية بصرية ورؤية تفكر وتبصّر (رؤية فكرية) وتعني: أولم يعلموا. ﴿أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ﴾: أنّا للتعظيم، نسوق الماء: أي الرّياح تحمل السّحاب والملائكة يسوقون السّحاب أو يوجّهون السّحاب الّذي يحمل المطر. ﴿إِلَى﴾: تفيد الغاية. ﴿الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾: أي الأرض قُطع نباتها أو تمّ حصادها، أو أصبحت جُرزاً بسبب عدم الرَّي والماء أو الرّعي وهي أرض صالحة للزراعة. ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، به: بالماء، زرعاً: نباتاً أو حباً جديداً. ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ﴾: تأكل منه: من النّبات أو الزّرع أو الحب أو التّبن أو الورق، أنعامهم: الإبل والبقر والغنم والماعز، وأنفسهم: يأكلون من الحب والزّرع والثّمر وغيرها. ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾: أفلا: الهمزة للاستفهام التّقريري والتّعجّب، أفلا يبصرون: رؤية بصرية بأعينهم إلى قدرة الله على الخلق والبعث، أفلا يبصرون تلك النّعمة فيهتدون إلى الخالق فيعبدونه ويشكرونه، ويتكرر ويتجدد هذا البصر.

стр. 4064

قدّم الأنعام على الزّرع؛ لأنّ الأنعام تحتاجه لتأكل منه فهو قوام حياتها وقدّم الأنعام على النّاس؛ لأنّ الأنعام هي طعام وقوام حياة النّاس (اللبن واللحم وغيرها .. ). مقارنة أفلا يسمعون وأفلا يبصرون: أفلا يسمعون: ما يُروى لهم ويُقصّ عليهم من هلاك الظّالمين الّذين جاؤوا من قبلهم أمثال قوم هود وصالح ولوط، وصل إليهم عن طريق السّماع ويرشدهم إلى الهداية لعلهم يهتدون ويتعظون ويؤمنون. أفلا يبصرون: الكلام هنا عن شيء مشاهد بالعين والبصر مثل: السّحاب والمطر والزّرع والأنعام، فناسبها قوله: أفلا يبصرون ويهتدون إلى قدرة الخالق وعظمته ويؤمنوا به ويوحّدوه. سورة السجدة [٣٢: ٢٨] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿وَيَقُولُونَ﴾: كفار قريش ومنكرو البعث، ويتجدد قولهم ويتكرر مرات كثيرة. ﴿مَتَى﴾: للاستفهام عن الزّمان، واستعمالها يدل على استفهام فيه استبعاد أو ربما استهزاء وفيه معنى البطء؛ أي: متى سيحدث هذا الأمر أو الفتح المستفهم عنه فقد تأخّر طويلاً. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يفيد القرب. ﴿الْفَتْحُ﴾: له معانٍ متعدّدة تشمل:

стр. 4065

١ - الفصل بيننا وبينكم، والقضاء والحكم بين المشركين والمؤمنين. ٢ - النّصر بدون قتال وحرب مثل فتح مكة وفتح الحديبية. ٣ - يوم القيامة يوم يفصل بين المؤمنين وأعدائهم. ٤ - غزوة بدر. ٥ - النّصر بشكل عام. ٦ - إظهار الحق ودحر الباطل. والفتح جاء معرفاً بأل التّعريف؛ يعني: يوم القيامة وهو الأرجح، والفتح قد يكون فتحاً مادياً أو معنوياً، قالوا ذلك ويكررون سؤالهم: متى هذا الفتح؟ إمّا تكذيباً أو استهزاءً به أو بالفصل والحكم وبكلّ المعاني الأخرى. ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن: شرطية تفيد الشكّ أو الاحتمال أو النّدرة؛ أي: نشكّ في كونكم صادقين في إنذاركم أو وعيدكم بالفتح. سورة السجدة [٣٢: ٢٩] ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾: قل لكفار مكة ومنكري البعث والحساب ولقاء الله تعالى. ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾: أي يوم الفتح: يوم القيامة (يوم البعث أو يوم الفصل) لا ينفع الّذين كفروا إيمانُهُم إذا آمنوا حينذاك أو تابوا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. وإذا كان الفتح يقصد به فتح مكة أو يوم بدر، فكيف يفسر قوله تعالى: (لا

стр. 4066

ينفعُهُم إيمانهم) وقد نفع يوم فتح مكة أو غزوة بدر بعض النّاس وآمنوا بعد ذلك. يمكن القول: أراد بالّذين كفروا لا ينفعهم إيمانهم؛ أي: المقتولين حال القتل كما حصل لإيمان فرعون حين أدركه الغرق لم ينفعه. ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: ولا النّافية، هم للتوكيد، ينظرون: يمهلون أن يتوبون أو يعتذرون أو يؤخر عنهم القتل أو العذاب (عذاب جهنم). سورة السجدة [٣٢: ٣٠] ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: الفاء للتوكيد والمباشرة، أعرض عنهم: انصرف عنهم واتركهم في تكذيبهم ولا تجادلهم أكثر من ذلك، عن: تفيد المجاوزة والابتعاد. ﴿وَانتَظِرْ﴾: وعد الله بالنّصر والغلبة عليهم أو هلاكهم، أو انتظر يوم القيامة أو موتهم. ﴿إِنَّهُمْ﴾: للتوكيد. ﴿مُنْتَظِرُونَ﴾: بك ريب المنون؛ أي: الموت أو الغلبة عليك، أو القتل أو حادث يمنعك ويكفّك عن إتمام دعوتك. (منتظرون): صفة ثابتة لهم؛ أي: منتظرون في كلّ الأزمنة؛ أي: على الدوام.

стр. 4067

سورة الأحزاب [٣٣: ١] سورة الأحزاب ترتيبها في القرآن السّورة (٣٣)، وترتيبها في النّزول السّورة (٨٩). ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾: يا أداة نداء للبعد، أيّها: الهاء في أيّها للتنبيه، النّبي: نداء تشريف وتكريم فلم يناده كما نادى نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى، فقال: يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى، يا عيسى. ولم ينادي نبيه محمّد باسمه محمد إلا في أربع آيات لأسباب خاصة، وهي: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِين مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِّجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّنَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. ﴿مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّهِمْ﴾ [محمّد: ٢]. وورد اسم أحمد في آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصّف: ٦].

стр. 4068

وليس في هذه الآيات الأربع نداء أو خطاب إلى رسول الله ﷺ ، وإنما إخبار عن شأن من شؤونه ﷺ . ففي كافة القرآن لم ينادِ الله نبيه محمّداً ﷺ إلا بقوله: يا أيّها النّبي، أو يا أيّها الرّسول تشريفاً له. وفي سياق الرّسالة والدّعوة والتّبليغ يخاطبه أو يناديه: يا أيّها الرّسول كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧]. وفي سياق الجانب الشّخصي أو الفردي أو الاجتماعي يخاطبه أو يناديه يا أيّها النّبي ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ قُلْ لِّأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وكقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ قُلْ لِمَنْ فِى أَيْدِيكُم مِنَ الْأَسْرَى﴾ [الأنفال: ٧٠]. ولنعلم أنّه حين ينادي أو يخاطب الله تعالى رسوله ﷺ ؛ المقصود بالنداء والخطاب هو أمته؛ لأنّه ﷺ هو قائد ورسول هذه الأمة وقدوتها. واعلم أنّ كلّ رسول هو نبي، وليس كلّ نبي رسولاً. ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾: تعريف التّقوى بشكل عام أن تتقي سخط الله وغضبه وناره، بأن تجعل بينك وبينه وقاية، أيْ: حاجزاً يمنع عنك سخطه وغضبه وناره ويتم ذلك بامتثال وإطاعة أوامره وتجنب نواهيه. والسّؤال: كيف يأمر الله رسوله بالتّقوى وهو سيد المتقين؟ وقوله: اتق الله؛ أي: استقم على تقوى الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢]، والتّقوى بالنّسبة للرسول غير التّقوى بالنّسبة لسائر الخلق، أو كما قلنا: الخطاب إلى الرّسول والمراد به أمته.

стр. 4069

تقوى تناسب مقام المخاطب ولا يعني اتق الله، أنّ رسول الله ﷺ يعصي ربه فيأمره بالتّقوى، ومن المفسرين من فسر اتق الله بقضية تبني زيد، أي: ادع زيداً لأبيه وهو ليس ابنك وأنت لست أبا أحد من الرّجال، كما سنرى في الآيات (٤ - ٥). ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾: حين سألوه أن يطرد الّذين يدعون ربهم أيْ: يطرد أتباعه من ضعفاء المسلمين حتّى يجلسوا ويستمعوا إليه. أو نزلت في أبا سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور السلمي حين قدموا إلى المدينة، وسألوا رسول الله ﷺ أن يرفض ذكر اللات والعُزى ومناة، ويقول: إن لها شفاعة فشقَّ على النّبي قولهم. (رواه الواحدي في أسباب النّزول). ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: إنّ للتوكيد، كان تشمل كلّ الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل، كان ولا زال وسيظل عليماً حكيماً. عليماً: صيغة مبالغة تعني: كثير العلم أحاط علمه سبحانه بجميع خلقه وكونه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السّموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وعليم بما يقال في السّر والعلن وعليم بنوايا عباده. حكيماً: أحكم الحكماء، وأحكم الحاكمين، حكيم في تدبير خلقه وكونه وشرعه، حكمته مقرونة بالعلم والقدرة والخبرة. سورة الأحزاب [٣٣: ٢] ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾: واتبع ما: بمعنى الّذي يوحى إليك من

стр. 4070

ربك، وما: أوسع شمولاً من الذي؛ أي: القرآن. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣) لمزيد من البيان في معنى يوحى إليك. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة. ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: الباء للإلصاق والدّوام دائم العلم بما تعملون، خبيراً: أيْ: يعلم بواطن الأمور وخفاياها، ومن يعلم ذلك من البديهي أن يعلم ظواهرها. صيغة مبالغة من الخبرة. وقدَّم العمل (بما تعملون) على (خبيراً)؛ لأنّ السّياق في التّقوى والطّاعة والعمل واتباع الوحي. سورة الأحزاب [٣٣: ٣] ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: أيْ: رُدَّ أمرك إلى القائم بتدبير خلقه وتدبير كلّ الأمور راجياً عونه وتيسيره وتوفيقه للوصول إلى الغاية بعد اتخاذ كلّ الأسباب المطلوبة. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٩) لمزيد من البيان في التوكل. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: أيْ: يكفي أو حسبك بالله: الباء للتوكيد، حافظاً ومدبراً ومعيناً. سورة الأحزاب [٣٣: ٤] ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ الَّائِى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ﴾: ما النّافية، جعل: خلق الله، لرجل: اللام لام الاختصاص والتّعليل، من قلبين في جوفه: من استغراقية ولبيان الجنس،

стр. 4071

والجعل يكون بعد الخلق أيْ: لم يجعل الله لأحد قلبين في صدره، وهذه حقيقة علمية، وهناك الكثير من التشوهات الخلقية تحدث في القلب، ولكن لم يُعثر على أحد خُلق وله قلبان. وذكر بعض المفسرين أن هذه نزلت في بعض الأفراد من بني فهر أو بني جمح من قريش يُضرب بهم المثل في الحفظ والذاكرة أو الدهاء. وقيل: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه هو مثل ضربه الله للذي يُظاهر امرأته والمتبني ولد غيره، أيْ: كما لم يجعل الله لرجل قلبين في جوفه لم يجعل زوجة لرجل أماً له، ولم يجعل أيَّ ابن بالتبني ابناً حقيقياً للأب المتبني، ولذلك قال تعالى: ادعوهم لآبائهم فقط. ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ الَّائِى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾: فقد كان شائعاً عند العرب وقريش زمن الجاهلية عادة اجتماعية تسمَّى الظّهار، فحين يحدث بين الرّجل وزوجته نشوز أو كره كان يقول لها: أنت كظهر أمّي، أيْ: أنت عليّ محرمة كحرمة أمّي فتصبح عليه محرمة إلى الأبد (تشبه الطّلاق)، فلما جاء الإسلام جعل لها كفارة ولم يعتبرها طلاقاً؛ لأنّ الزّوجة ليست أمّاً له كما ادَّعى، وحدَّد هذه الكفارة إمّا بعتق رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٣ - ٤].

стр. 4072

واستعمل كلمة اللائي هنا بدلاً من اللاتي؛ لأنّ اللائي بالهمزة أثقل من التّاء في اللاتي، واللائي يستعملها فقط في آيات الطّلاق، والظّهار فهو يستعمل أثقل الحروف مع أثقل الحالات وهي الطّلاق والظّهار، وكلمة اللائي مشتقة من اللأْي، أيْ: الاحتباس والشّدة، وهذا ما يناسب حالتي الطّلاق والظّهار اللتين في معناهما حبس النفس والشّدة. ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾: وظاهرة أخرى كانت شائعة في الجاهلية وفي مطلع الإسلام هي التّبني، وأجمع أهل التّفسير على أنّ هذه الآية نزلت في زيد بن حارثة، وروى الأئمّة أنّ ابن عمر قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمّد حتّى نزلت ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ رواه البخاري، ورواه الواحدي في أسباب النّزول. الدّعي: هو الّذي تدعي أنّه ابن لك بالتّبني، فأراد الله سبحانه أن يبطل ذلك فأنزل هذه الآية، ودعا الله سبحانه رسوله ﷺ والصّحابة وعامة المسلمين أن لا يدعوا أدعياءَهم أبناءَهم، وأن يدعوهم لآبائهم، وأظهر الله سبحانه أن: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾: ذلكم اسم إشارة واللام للبعد والكاف للخطاب، ذلكم تشير إلى الادِّعاءات الثّلاثة: أن رجلاً له قلبان في جوفه، وأزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمّهاتكم، وأدعياءَكم أبناءَكم هي مجرَّد أقوال باطلة لا حقيقة لها، وما يقوله الله سبحانه هو الحق بعينه، أيْ: حق اليقين. ذلكم: ولم يقل ذلك؛ لأنّها تشمل عدة أمور، وليس أمراً واحداً ولأنّها أمور بالغة الأهمية.

стр. 4073

﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾: أي: الصدق والحق هو الأمر أو القول الثابت الّذي لا يتغيَّر أو لا يكون غيره. ﴿وَهُوَ﴾: هو ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿يَهْدِى السَّبِيلَ﴾: أي: ادعوهم لآبائهم ولا تدعوا أزواجكم أمّهاتكم ذلك هو السّبيل: الإسلام الصّحيح. سورة الأحزاب [٣٣: ٥] ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾: انسبوهم لآبائهم الّذين ولدوهم فلان بن فلان أو هو ابن فلان، لا تقولوا: زيد بن محمّد ﷺ قولوا: زيد بن حارثة، لآبائهم: اللام لام التّعليل والتّوكيد والاختصاص. ﴿هُوَ﴾: ضمير للتوكيد. ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: على وزن أفعل التّفضيل نقول: هذا قِسْط وهذا أقسط مثل عدل وأعدل، أيْ: ما يرشدكم الله سبحانه إليه أقسط وأعدل ولماذا قال تعالى: أقسط وأعدل؟ أقسط من ماذا؟ ما اختاره رسول الله ﷺ حين نسب زيد إليه بقوله: زيد بن محمّد يُعدُّ قِسطاً وعدلاً بشرياً، ولكن الله سبحانه يبيِّن لنا الأقسط (الأفضل والأعدل) من ذلك بأن ندعوهم لآبائهم، ونقول: زيد بن حارثة. والفرق بين القسط والعدل: القسط هو العدل البيِّن الظّاهر، ولذلك سُمِّي

стр. 4074

المكيال قسطاً؛ لأنّه بيِّن، والقسط يعني أيضاً تطبيق العدل وليس فقط الحكم بالعدل، ولا بُدَّ من تطبيق الحكم بالعدل ليدعى قسطاً. ﴿فَإِنْ لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، إن شرطية تفيد الشّك أو الاحتمال، أيْ: في حالة احتمال لم يتبيَّن لكم من هم آباؤهم الّذين ولدوهم، ولم للنفي نفي الحال. ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينِ﴾: أيْ: هذا أخي كذا وكذا، هذا أخي زيد ولا تقولوا: هذا ابني زيد على شرط أنّهم أسلموا. والأخوة في الدّين: هي الأخوة الحقيقية، وتعتبر أهم وأقوى من أخوَّة الدّم والنّسب. ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾: أنصاركم (الخدم) ادعوهم بالقول: يا ابن العم وإن كانوا عتقاء محرَّرين نادوهم: يا أخي أو يا مولاي. ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾: وليس للنفي أيْ: ليس عليكم جناح: أيْ: الإثم أو الذنب، والجناح: أعم من الإثم والذنب ويقتضي العقاب فيما أخطأتم به، في ظرفية، ما: اسم موصول بمعنى الّذي أخطأتم به قبل النّهي أو نزول هذه الآية أو أخطأ باللسان من دون قصد ظناً أنّه ابنه، وليس عليكم جناح ولم يقل: ولا جناح عليكم: لا جناح أشد وأقوى من قوله ليس عليكم جناح؛ لأنّ لا جناح عليكم جملة اسمية، وليس عليكم جناح جملة فعلية والجملة الاسمية أقوى وأثبت من الفعلية، ولذلك لا جناح عليكم: تأتي في سياق الأمور الهامة، أو الأوامر مثل: العبادات، والحقوق الزوجية، والعقيدة، وتستعمل ليس عليكم: في القضايا أو الأمور الأقل أهمية، والنادرة كما في هذه الآية.

стр. 4075

﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: أيْ: بعد النّهي: لكن استدراك يفيد التّوكيد، ما تعمَّدت قلوبكم: أي: التّعمُّد والقصد في مخالفة أوامر الله بعد نزول الحكم عندها يكون عليكم جناح أيْ: إثم. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٠١) لبيان معنى جناح. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: كان تشمل كلّ الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل، غفوراً: صيغة مبالغة، غفوراً لمن تاب وأصلح ورجع عن خطئه، رحيماً: صيغة مبالغة، لم يعجل بالعقوبة لمن عصى وأخطأ لعله يتوب وبعد أن يتوب يقبل توبته ويغفر له. يغفر الذنوب جميعاً إلا الكفر والشّرك به. سورة الأحزاب [٣٣: ٦] ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِى الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾: أولى: أحق، ولهذه الآية عدة معانٍ، منها: ١ - إذا دعاهم الرّسول إلى شيء مثل الخروج في سبيل الله ودعتهم أنفسهم إلى شيء آخر كانت طاعته أولى (أحق) من طاعة أنفسهم، أيْ: إذا تعارض مراد الرّسول مع مراد أحد من النّاس أن يقدم مراد الرّسول كائناً من كان، وأن يفدوه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، أي: الرّسول أوّلاً وأنفسهم ثانياً. ٢ - أيْ: له الحق أن يحكم فيهم بما يشاء أو يقضي بينهم بما يشاء، أيْ: حق النّبي من أعظم الحقوق.

стр. 4076

٣ - أولى بالمؤمنين، أيْ: أرق وأرحم بهم وأعطف عليهم من أنفسهم؛ لأنّ أنفسهم قد تدعوهم إلى الهلاك والنّبي يدعوهم عادة إلى النّجاة؛ لأنّه بالمؤمنين رؤوف رحيم. ٤ - إذا مات المسلم دون أن يؤدِّي ما عليه من الدّين كان ﷺ يتحمل الدّين عمن يموت ويؤدِّي عنه دينه. ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾: تشبيه بليغ، أيْ: مثل أمهاتهم في الاحترام والتّعظيم وحرمة النّكاح، والأم: تعني الوالدة. فلا يحل لأحد من الخلق أن يتزوج بواحدة من أمّهات المؤمنين (زوجات الرّسول ﷺ كما لا يحل له أن يتزوج بأمّه. يجب تعظيمهنَّ واحترامهنَّ وعدم الطّعن بأي واحدة منهنَّ احتراماً للنّبي ﷺ سواء مات عنها النّبي أو لم يمت. ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾: الأقارب. ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾: أولى بميراث بعضهم بعضاً في حق الإرث. ﴿فِى كِتَابِ اللَّهِ﴾: في شرع الله أو في القرآن الكريم أو اللوح المحفوظ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾: بالمؤاخاة أو بالمهاجرة، فالمؤاخاة والمهاجرة لا تعطي حق الإرث للمسلم، كما كان في مطلع الإسلام، إذن الأقارب أحق بالإرث من المؤمنين المهاجرين بالحلف أو المؤاخاة والمهاجرة، فما حدث أنّ المهاجرين لما هاجروا من مكة إلى المدينة تركوا أموالهم وأهلهم وديارهم ولم يشأ الأنصار أن يتركوهم من دون مساعدة أو مال، فكانوا من شدة

стр. 4077

إيثارهم لإخوانهم يقدِّمون لهم نصف أموالهم وممتلكاتهم، وحين ألف وآخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار اقتضت هذه المؤاخاة أن يرث المهاجر أخاه الأنصاري، فلما أعز الله الإسلام والمسلمين وأوجد له طرق العيش أراد الحق سبحانه أن تعود الأمور إلى طبيعتها، ولم يعد هناك ضرورة؛ لأن يرث المهاجر أخاه الأنصاري، فجاءت هذه الآية فقالت: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض. ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا﴾: إلا أداة استثناء، أن تفعلوا: أن تعليلية، تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً: هنا ترك الله سبحانه باب الإحسان مفتوحاً، فقال: أيّها الأنصار أو المؤمنين عامة إذا أردتم أن تحسنوا إلى إخوانكم المؤمنين أو المهاجرين بالوصية، فذلك جائز ومسطور في اللوح المحفوظ، أيْ: مكتوب، والقريب أولى بالوصية من الأجنبي إذا كان القريب لا يرث، وهذا يعرف باسم الولاية بالدّين. ﴿كَانَ ذَلِكَ فِى الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾: ذلك اسم إشارة على ما ذكر من حق الوراثة والإحسان إلى الإخوان المؤمنين في الدّين مكتوباً ومسطوراً في اللوح المحفوظ أو في القرآن الكريم، ومسطوراً: لا يحل تبديله أو تغييره.

стр. 4078

سورة الأحزاب [٣٣: ٧] ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾: أيْ: واذكر إذ أخذنا، أو إذ ظرفية واذكر حين أخذنا، أخذنا: بصيغة الجمع: للتعظيم. ﴿مِنَ النَّبِيِّنَ مِيثَاقَهُمْ﴾: من ابتدائية واستغراقية، ميثاقهم: الميثاق عهد موثق أو مؤكد باليمين وأوثق الشّيء أحكم شده، ويتم بين اثنين، وهنا تم بين الله سبحانه من طرف وبين النّبيين من طرف ثانٍ، ولم يقل: الميثاق، وإنما نسب الميثاق لهم فقال: ميثاقهم؛ لأنّه مهم بالنّسبة لهم؛ لأنّ عليهم الالتزام به وتنفيذه وأن يكونوا للنّاس قدوة. ما هو الميثاق الّذي أخذه الله من النّبيين: هو أن يعبدوا الله تعالى وحده ويدعوا إلى توحيده (لا إله إلا الله) وإلى عبادته وإقامة دينه ويبلغوا رسالته، وقيل: هو أن يصدق بعضهم بعضاً وينصر بعضهم بعضاً، كما ورد في الآية (٨١) من سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ولم يكن هناك رسول واحد عُرضت عليه الرّسالة أو الميثاق فرفضها.

стр. 4079

والسّؤال متى أخذ الله هذا الميثاق من النّبيين؟ ١ - قيل: حين خرجوا من ظهر آدم كالذّر، كما ورد في سورة الأعراف الآية (١٧٢): ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. ٢ - وقيل حين اصطفى الله سبحانه رسلَه وأنبياءَه من البشر ليكونوا رسلاً وأنبياءَ ويبلغوا رسالته وشرعه، فكانت المسألة مسألة إيجاب وقبول. ﴿وَمِنْ نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾: الواو واو الجمع المطلق: أيْ: أخذنا من هؤلاء ومن غيرهم من الرّسل، وهنا عطف الخاص على العام من النّبيين (العام) ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم (الخاص)، أيْ: عطف الخاص على العام للتوكيد على أهمية هؤلاء الرّسل الخمسة الّذين اختارهم من بين الرّسل وسماهم أولو العزم من الرّسل. وقدَّم نبينا محمّد ﷺ تشريفاً وإكراماً له على بقية الرّسل ولفضله عليهم وأنّه للناس كافة، ثمّ ذكر نوحاً ﵇ ولم يذكر آدمَ ﵇ الأب الأوّل، وذكر هؤلاء الرّسل؛ لأنّهم أصحاب الكتب والشّرائع ولفضلهم على بقية الرّسل والأنبياء فنوح هو أبو البشر وإبراهيم أبو الأنبياء ومحمّد ﷺ للناس كافة بشيراً ونذيراً ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: وأخذنا التّكرار للتوكيد، ميثاقاً غليظاً: وهو الميثاق نفسه الّذي ذكر سابقاً وغليظاً يدل على اليمين أو القسم المؤكد على الوفاء بما حُملِوا. سورة الأحزاب [٣٣: ٨] ﴿لِّيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: ﴿لِّيَسْئَلَ﴾: اللام لام التّعليل. ﴿الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾: أي: الرّسل والأنبياء، وهذا السّؤال سيكون يوم

стр. 4080

القيامة، وسؤالهم هذا لا يقصد به الشّك في صدقهم أو عدم تبليغهم ما أرسلوا به، وإنما هو ليقيم الحُجَّة على الصّادقين وعلى الّذين كذبوا رسلهم. وما هو السّؤال الّذي سيسألونه هو: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]، أيْ: هل بلغتم ما أرسلتم به، فيؤتى بالرّسول ﷺ وبالرّسل وأولو العلم كما قال تعالى؛ ليشهدوا على الّذين كذبوا رسلهم ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النّساء: ٤١]، ﴿وَفِى هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]، ليشهدوا على المؤمنين الّذين آمنوا برسلهم، وعلى الكافرين الّذين كذبوا رسلهم، وإذا قارنا هذه الآية ﴿لِّيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ مع الآية (٢٤) من نفس السورة، وهي قوله تعالى: ﴿لِّيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ نجد ليس بينهما صلة، فالأولى: تتعلق بالسؤال، والثانية: تتعلق بالجزاء، والأولى: جاءت في سياق الكافرين، والثانية: جاءت في سياق المنافقين؛ ارجع إلى كلا الآيتين لمزيد من البيان. سورة الأحزاب [٣٣: ٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين آمنوا بالتّذكير بنعمة جديدة وهي ما حدث ليلة الأحزاب في السّنة الخامسة للهجرة. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾: إذ ظرفية فجائية، (في غزوة الخندق وتسمى غزوة الأحزاب)، أي: اشكروا واحمدوا ربكم، إذ جاءتكم وأنتم على ظهر جبل سُلْع، جنود المشركين من قريش بقيادة أبي سفيان وجنود من بني أسد وغطفان وعامر وسليم والنّضير وبني قريظة، وقيل: كان عددهم حوالي (١٠ آلاف) مقاتل، وكان عدد جيش المؤمنين (٣ آلاف) مقاتل.

стр. 4081

﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾: الرّيح في القرآن تحمل الشّر بينما الرّياح تحمل الخير، أيْ: ريحاً شديدة قوية اقتلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم وأكفأت قدورهم وأذاعت الذّعر فيهم. ﴿وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾: أي: الملائكة الّذين اقتلعوا أوتادهم وأكفؤوا قدورهم ودبُّوا الهلع والرّعب في جنود المشركين؛ مما اضطرهم إلى الهرب والانسحاب من أرض المعركة بسرعة ومن دون قتال. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾: كان ولا زال وسيظل في المستقبل بما تعملون بصيراً، الباء للإلصاق والإلزام، ما اسم موصول بمعنى الّذي وقد تكون مصدرية، بما تعملون بصيراً: قدَّم العمل على (بصيراً) لأنّ السّياق في العمل، وتعملون: تضم الأقوال والأفعال، أيْ: من حفر الخندق والاستعداد للمعركة. سورة الأحزاب [٣٣: ١٠] ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: ﴿إِذْ﴾: ظرفية فجائية، أيْ: واذكر إذ، أو اذكروا حين. ﴿جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: من ناحية الشّرق من أعلى الوادي وهم غطفان وبنو قريظة وبنو النّضير، بقيادة عيينة بن حصن من فوقكم: أيْ: كأن جيش المشركين هبط على المؤمنين من فوقهم مباشرة. ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾: من أسفل الوادي من ناحية الغرب وهم قريش وكنانة. وأسفلَ: جاءت منصوبة؛ لأنها ممنوعة من الصرف، وقوله من فوقكم ومن أسفل منكم: لكي يحاصروكم فلا تستطيعوا الفرار، ولم يقل من تحتكم لعدم وجود فاصل يفصل بين الطرفين. ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾: واذكر إذ زاغت الأبصار: زاغ البصر مال يمنة

стр. 4082

ويسرة، أي: اضطرب من شدة الفزع، وقيل: زاغت الأبصار لم تعد تنظر إلا إلى عدوها لشدة الخوف والرّوع، أو لم تعد تتحرك في الاتجاهات الطبيعية لحركات العين أو محاورها العادية. ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾: اضطربت القلوب من شدة الفزع حتّى أصبحت ضربات القلب كأنّها تخرج أو صادرة عن الحناجر، أيْ: كأنّ القلوب تحركت وارتفعت إلى أن وصلت الحناجر من شدة النّبض القوي الّذي يصل إلى الحناجر، وما يسمَّى النبض القافز. ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: أيْ: تظنون بالله الظّنون المختلفة والكثيرة، الخطاب موجَّه للمؤمنين، كلٌّ حسب ظنه، حسب إيمانه، ظنون مختلفة منكم قوي الإيمان وضعيف الإيمان والمنافق، قوي الإيمان يظن أنّ الله سينصر رسوله والمؤمنين، وضعيف الإيمان يظن أن المشركين سينتصرون ويدحرون المؤمنين، وبما أنّ هذه الظّنون كثيرة لا حصر لها أطلق كلمة الظّنونا بدلاً من الظنون؛ لتدل على كثرتها وعدم حصرها، وقال: الظّنونا جاء بأل التّعريف لكونها كثيرة فهي معلومة عند الله وعند الصّحابة، فهي معارف؛ لأنّها تدور حول النّصر والغلبة، وزيادة الألف زيادة في المبنى، أيْ: تشير إلى زيادة في المعنى. سورة الأحزاب [٣٣: ١١] ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾: ﴿هُنَالِكَ﴾: اسم إشارة للمكان البعيد أيْ: في غزوة الخندق، ولم يقل: هناك اسم إشارة للمكان المتوسط. ﴿ابْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: بالخوف والجوع وشدة الحصار، ابتُلي المؤمنون ليتبيَّن الّذين صدقوا في إيمانهم والكاذبين. ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾: زلزلوا: كلمة مركبة من زل زل، وزل ومعناها سقط

стр. 4083

أو وقع من مكانه، وزل الثّانية تعني نفس ذلك، أيْ: سقط أو وقع من مكانه مرة أخرى، فهناك وقوع أوّل ووقوع ثانٍ، والوقوع الثّاني ليس استمراراً للوقوع الأوّل وإنما هو وقوع جديد. ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾: تعني: إصابتهم بالمصائب الكبرى المتكررة والواحدة بعد الأخرى، وهي لا تتكرر على نمط واحد، وإنما يتكرر عددها أصيبوا بكثير من عوامل الزّلزلة، ومنها الخوف والذعر من قوة العدو (١٠) آلاف مقابل (٣) آلاف من المسلمين، أيْ: قلة عددهم وأصيبوا بالمجاعة والبرد الشديد، وما أظهره المنافقون من تخاذل، ونقض بني قريظة عهدهم مع الرسول ﷺ وانضموا إلى الأحزاب. سورة الأحزاب [٣٣: ١٢] ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾: ظرفية فجائية، أيْ: واذكر إذ يقول المنافقون أو اذكر حين قال المنافقون. جمع منافق وهو الّذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، أو من لا يوافق قلبه لسانه. يقول: بصيغة المضارع لتدل على تجدُّد وتكرُّر قولهم، ولم يقل: وقال المنافقون والذين في قلوبهم مرض. ﴿وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: الرّيبة أو الشّك. ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾: ما النّافية، وعدنا الله ورسوله، بالنصر أو الفتح أو الغلبة على المشركين. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿غُرُورًا﴾: إلا باطلاً أو وهماً لا صحة له، والغرور إيهام الآخر على فعل

стр. 4084

شيء يضره إذا فعله مع حجب وجه الصواب عنه، والغرور قد يؤدي إلى هلاك المال والنفس والغرور قد يسمى خداعاً والخدع يسمى غروراً على التوسع. سورة الأحزاب [٣٣: ١٣] ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾: ﴿وَإِذْ﴾: واذكر إذ قالت طائفة منهم، أو اذكر حين قالت طائفة منهم. ﴿قَالَتْ طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾: قالت طائفة: جماعة (قيل: هم بنو حارثة). والطائفة: يطوفون أو يجتمعون على عقيدة واحدة خير أو شر، وتعني: التعصب والولاء لجماعة معينة. ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾: يا أهل المدينة (المدينة المنورة كانت تسمَّى يثرب قديماً) وسماها رسول الله طيبة أيضاً. ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾: أيْ: لا إقامة ولا مكان لكم (خاصة) هاهنا في سفح جبل سلع عند الخندق، والمُقام بضم الميم مكان الجلوس والإقامة والسّكن والبقاء، والمَقام بفتح الميم مكان القيام الوقوف مثل المكان الّذي وقف عليه إبراهيم يبني الكعبة. فارجعوا: الفاء للمباشرة الآن ارجعوا: إلى المدينة ارجعوا إلى منازلكم واتركوا محمّداً وأتباعه في جبل سلع. ﴿وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِىَّ﴾: في الرّجوع إلى بيوتهم. ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾: بحُجَّة أن بيوتنا: إن للتوكيد، عورة: غير حصينة أمام العدو، ذهب عنها السّتر أو ليس لها حائط عال، أو محصنة أو خالية من الرّجال؛ لأنّهم ستر لها ويحفظونها عورة، يعني: لا تمنع من أرادها بسوء.

стр. 4085

﴿وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ﴾: ما النّافية، هي بعورة: هذا ردُّ الله عليهم، بل هي حصينة والعلَّة أو السّبب الحقيقي هو. ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾: إن تفسيرية تعليلية، إلا: أداة حصر، فراراً: الفرار: هو الهرب بسرعة مع الخوف، وبدون محاولة التستر، والهرب: هو الجري بسرعة مع الخوف ومحاولة التستر؛ أي: بالخفاء من القتال مخافة القتل أو الهزيمة. سورة الأحزاب [٣٣: ١٤] ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم﴾: ولو: شرطية، دخلت عليهم: أن لو أن الأحزاب (قريش) دخلوا المدينة المنورة. ﴿مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾: من جميع الجوانب أو نواحي المدينة من الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب، ولو دخل عليهم العدو الغازي المدينة من جميع أقطارها، واستولوا عليها. ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾: طُلب من هؤلاء الّذين يقولون: إن بيوتنا عورة الرّدة أو العودة إلى الشّرك، أو مقاتلة المسلمين، ثمّ: للترتيب الذّكري، وليس الزّمني. ﴿لَآتَوْهَا﴾: لبادروا في التّخلي عنها وتركها وإعطاء الدّيار للعدو. ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾: أيْ: لأعطوهم ما طلبوا وأسرعوا في الإجابة، وما تلبثوا: ما أقاموا فيها إلا الزّمن اليسير، إذن قولهم: عورة، مجرَّد حُجَّة باطلة. سورة الأحزاب [٣٣: ١٥] ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق. ﴿كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾: قيل: من قبل غزوة الخندق، وكان ذلك يوم غزوة أُحد، أو بعد بدر الكبرى قالوا ذلك (أيْ: من فاتهم بدر): والله لئن شهدنا

стр. 4086

قتالاً لنقاتلنَّ معك، وقيل: كان ذلك في بيعة العقبة حين عاهدوا الرّسول على النّصر والمؤازرة. ﴿لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾: لا النّافية، والنّون في يولون للتوكيد أيضاً. لا ينهزمون من أرض المعركة، وكنى عن الفرار والانهزام بتولي الأدبار؛ لأنّ المنهزم الفارَّ يولي دبره، ولم يقل: ظهره للتوبيخ والتّبكيت الشديد. ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾: العهد هو وعد مع شرط، أيْ: مطلوباً من صاحبه بالوفاء ومحاسب على تركه فهم نقضوا عهدهم حين سألوا رسول الله بالإذن لهم بالرّجوع إلى بيوتهم بحُجَّة أنّ بيوتهم عورة وما هي بعورة.

стр. 4087

سورة الأحزاب [٣٣: ١٦] ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُم مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله ﷺ . ﴿لَنْ﴾: حرف نفي لنفي المستقبل القريب والبعيد. ﴿يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ﴾: هو الجري بسرعة مع الخوف وعدم محاولة التستر أو اللواذ بشيء ما. أمّا الهرب فهو الجري بسرعة مع محاولة الخفاء والسّتر. ﴿إِنْ فَرَرْتُم﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال أو الشّك في أمر الفرار، ولم يقل: إذا فررتم الّتي تفيد حتمية الفرار أو بكثرة. ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾: من ابتدائية، الموت العادي، كما قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾: [الجمعة: ٨]. ﴿أَوِ الْقَتْلِ﴾: القتل يؤدي إلى الموت، ولكن في القتل يموت البدن أولاً بسبب القتل مما يلزم ويجبر الرّوح أن تخرج من البدن الّذي أصبح غير صالحاً لبقاء الرّوح فيه. وأما في الموت العادي فتخرج الرّوح أولاً وبعد خروجها يموت البدن. ﴿وَإِذًا﴾: حرف جواب. ﴿لَا تُمَتَّعُونَ﴾: في الحياة أو بالعيش والبقاء إلا قليلاً. ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: إلا أداة حصر، أيْ: زمناً قليلاً بعد الفرار وتموتون وذلك بانقضاء آجالكم.

стр. 4088

ولا تمتعون إلا قليلاً: جواب شرط، أيْ: إن نفعكم الفرار ظاهراً أو كما تظنون فالفرار لا يزيد في آجالكم والقتل لا ينقص منها شيئاً. سورة الأحزاب [٣٣: ١٧] ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُم مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: ﴿قُلْ﴾: يا رسول الله ﷺ . ﴿مَنْ﴾: استفهام تقريري وتخص العاقل وتشمل المفرد أو الجمع. ﴿ذَا﴾: اسم إشارة يفيد القريب. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّوكيد. انتبه: كيف جاءت هذه الآية على صورة الاستفهام ولم تأت على صورة الخبر مثل قوله: قل لا يعصمكم من الله أحد إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة؛ لأنّ الجملة الاستفهامية يقصد بها التّوكيد وإن يقروا بأنفسهم أي: استفهام تقريري والله سبحانه يعلم جوابهم منذ الأزل. وليعلموا أن لا أحد يقدر على أن يعصمهم من الله لا في الدّنيا ولا في الآخرة. ﴿يَعْصِمُكُم مِنَ اللَّهِ﴾: يجيركم أو يمنعكم، أو يحفظكم أو يحميكم من الله سبحانه. ﴿مِنَ﴾: ابتدائية. ﴿إِنْ أَرَادَ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال والنّدرة. ﴿أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾: بكم خاصة سوءاً: كالهلاك والهزيمة والعذاب، أو القتل

стр. 4089

أو الضّرر والفقر والمرض (السّوء يعني كلّ ما يسيء إلى النّفس) أيْ: تكرهه النّفس. ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾: أو للتفصيل، أراد بكم رحمة: نصر غنى سلامة والسّوء أو الرّحمة جاء بصيغة نكرة ليشملا كلّ أنواع السّوء أو الرّحمة. ﴿وَلَا يَجِدُونَ﴾: النّون للتوكيد بدلاً من ولا يجدوا: أي: الفارون من أرض المعركة. ﴿لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: لهم اللام لام الاختصاص من غير الله أو سواه. ﴿وَلِيًّا﴾: القريب المعين المحب القادر على جلب النّفع لهم. ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾: تكرار لا تفيد توكيد النّفي، لا ولي لوحده ولا نصير لوحده ولا كلاهما، نصيراً: القادر على نصرهم ودفع السّوء عنهم. سورة الأحزاب [٣٣: ١٨] ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق وتوكيد، أيْ: يعلم الله سبحانه بكل توكيد المعوقين منكم. ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾: يعلم بصيغة المضارع فالله سبحانه يعلم ما يفعله المعوقين. المعوقين: جمع معوق من عاق يعوقه أيْ: صرفه عن الوجه الّذي يريده، أو المعوق الشّخص الّذي يضع العوائق أمام شخص آخر كي يثبطه أو يخذله عن تحقيق ما يصبو إليه وقيل: المعوق المثبط. فقد كان هناك جماعة أو طائفة من المنافقين يثبطون ويضعون العوائق أمام كلّ من أراد نصرة رسول الله ﷺ ، أو الدّخول في الإسلام أو أراد القتال معه أو الانضمام إلى صفه.

стр. 4090

﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾: القائلين لإخوانهم من ساكني المدينة: هلمَّ إلينا أقبلوا إلينا كونوا معنا ولا تسمعوا له، ارجعوا إلينا ودعوا محمّداً ولا تخرجوا معه إلى القتال، فإنا نخاف عليكم الهلاك والقتل والهزيمة والأسر. ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: تعود على المعوقين، البأس: الحرب والقتال، أيْ: هم أنفسهم لا يحضرون القتال في سبيل الله، إلا: أداة حصر، قليلاً: أيْ: نادراً، ويحضرون فقط للسمعة والرّياء وليس للقتال في سبيل الله، أيْ: هم لا يقاتلون في سبيل الله ولا يريدون من الآخرين أن يقاتلوا في سبيل الله أيضاً. سورة الأحزاب [٣٣: ١٩] ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾: أشحة: من الشح: وهو الحرص على تحصيل ما ليس عنده، والبخل: الامتناع من الإنفاق منه بعد الحصول عليه، وقيل: الشح أن تأكل مال أخيك ظلماً، كما قال ابن مسعود، وقيل: الشح أكثر ما يكون في النفس؛ أي: مجبول على الشح، وقيل: الشّحيح هو الّذي يبخل على الغير، وقد يكون كريماً على نفسه وأهله، أمّا البخيل فهو الّذي يبخل على نفسه وعلى الغير. فلذلك قال تعالى: أشحة عليكم وليس على أنفسهم، أيْ: لا يقدِّمون لكم أيَّة معونة أو لا ينفقون على الفقراء أو الجهاد في سبيل الله أو لا ينفقون في سبيل الله عامة، ولا يقدمون لكم يد العون في حفر الخندق. ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾: الفاء للتوكيد أو المباشرة، الخوف: الحرب أو القتال والفزع واختار جاء لتدل على الشّدة والصّعوبة، ولم يقل: أتى الخوف.

стр. 4091

﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾: ونسمِّي هذا في عالم الطّب بـ منعكس عيني الدُّمية الّذي يراه أطباء العصبية حين يشارف المريض على الموت إذا أدرت رأسه إلى اليسار ترى عينه تتجه إلى اليمين أو بالعكس: تدور أعينهم كما تدور عينا الّذي دنا من الموت يمنة أو يسرة؛ دليلاً على قرب موت الدّماغ. ﴿كَالَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾: أي: اقترب أجله وليس هناك أملٌ في شفائه، ودوران العين يعني: عدم ثباتها واستقرارها. ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾: أي: انتهت الحرب أو انتهى القتال وأصابكم من الغنيمة شيء. ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾: سلقوكم: خاطبوكم أشد مخاطبة والسّلق يعني الضّرب. ألسنة حداد: على وزن فعال جمع حاد بمعنى القاطع كحد السيف القاطع. وسلقوكم بألسنة حداد: أيْ: آذووكم بالكلام أو الغيبة والتّهمة والسّب للمطالبة بقسم من الغنيمة، أو لما لا تعطونهم أكثر مما تعطونهم أو بأنهم سبب النّصر والفوز الّذي أصابكم أو بأنهم فعلوا كذا وكذا وقدَّموا لكم العون، وكل ذلك كذب وافتراء. ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾: أيْ: بخلاء على الغير في كلّ عمل خير حتّى بالقول، وكيف بالفعل أو عندما يتولَّون تقسيم الغنائم بأيديهم يصبحون بخلاء أشحاء لا يعطون غيرهم شيئاً من الغنائم أو المال (الخير). ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾: أولئك اسم إشارة تدل على التّحقير، لم يؤمنوا: نفى

стр. 4092

عنهم الإيمان الصّحيح وإن أظهروا أنّهم مؤمنون؛ لأنّهم منافقون، أولئك لم يؤمنوا حقيقةً، بل هم منافقون. ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، أحبط الله أعمالهم: أبطل الله ثواب أعمالهم الصّالحة من الحبط مرض يصيب الماشية، فتظن أنّها مليئة باللحم، ولكنها مريضة ومصابة بالوذمات واحتباس السوائل في بدنها ولحمها فاسد لا يؤكل؛ لأنّها مريضة ومصابة بمرض الحبن أو الكبد، أيْ: أبطل الله ثواب خروجهم وما أنفقوا مهما كان قليلاً أو كثيراً، وكان ذلك على الله يسيراً، أيْ: إبطال أعمالهم وإحباطها هيِّن وسهل على الله تعالى. سورة الأحزاب [٣٣: ٢٠] ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِى الْأَعْرَابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾: يحسبون من حسب وهو الظّن الرّاجح المبني على التّقدير والحساب والتّجربة، ويعني الاعتقاد أو لم يصدقوا أنّ الأحزاب لكثرة عددهم (١٠ آلاف) مقاتل كيف ينصرفون من دون قتال ويولون الأدبار ولم يدحروا المسلمين القلة، فهم يعتقدون أنّ الأحزاب وهم قريش وغطفان ما زالوا حول المدينة ولم يعودوا بعد إلى ديارهم منهزمين. يحسبون: فيها نون التّوكيد، وجاءت بصيغة المضارع لتدل على حكاية الحال حدث في الماضي يأتي بصيغة الحاضر ليدل على عدم تصديقهم أنّ الأحزاب انهزموا وتركوا أرض المعركة رغم عددهم الكبير. ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال والنّدرة، يأت الأحزاب

стр. 4093

أيْ: تتجمع الأحزاب مرة أخرى ضد المسلمين، ويعود لمقاتلة المسلمين على فرض ذهبوا وسيعودون مرة أخرى. ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِى الْأَعْرَابِ﴾: أيْ: يود المنافقون لو أنهم بادون في الأعراب: أيْ: أنهم مع البدو المقيمون في البادية مع الأعراب، أيْ: بعيدون عن المدينة أو خرجوا إلى البادية ليكونوا مع البدو، بادون: اسم فاعل جمع بادي من بدا، وأصلها باديون وحذفت الياء لالتقاء السّاكنين لكي لا يحاربوا الأحزاب؛ لأنّهم غير واثقين بنصر الله تعالى للمسلمين ورسوله، أو لا يحاربوا مع المسلمين فيصيرون أعداءً للأحزاب، فالأفضل لهم في كلا الحالتين أن يكونوا في البادية (مع البدو). ﴿يَسْئَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ﴾: يسألون الأعراب وغيرهم ممن قدِم إلى زيارة المدينة ورجع ما آل حالكم إليه أو ما جرى لكم. أنبائكم: أخباركم والنّبأ هو الخبر العظيم. ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾: ولو شرطية، كانوا فيكم: أيْ: في أرض المعركة وخاضوا المعركة معكم أو كانوا في حزبكم. ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾: ما النّافية، قاتلوا معكم إلا: أداة حصر، قليلاً: أيْ: ظاهرياً أو رياء أو سمعة خوفاً أن يلحق بهم عار. فهم في ريبهم يتردَّدون بين هل الأفضل لهم العيش في البادية مع البدو أو العيش معكم عيشة نفاق، فلا تأس عليهم ولا تحزن.

стр. 4094

سورة الأحزاب [٣٣: ٢١] ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾: ﴿لَّقَدْ﴾: اللام لام التّوكيد، قد للتحقيق أيْ: قد تحقق كونه أسوةً لكم. ﴿كَانَ لَكُمْ﴾: لكم لام الاختصاص لكم خاصة. ﴿فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾: أسوة مصدر الائتساء من يتأسى به؛ أي: الاقتداء، والمؤتسى به: المقتدى به، أسوة حسنة: قدوة حسنة، في أقواله وأفعاله وجميع أحواله لكل من يرجو الله واليوم الآخر. ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾: لمن اللام لام الاختصاص، لم من: للعاقل اسم موصول تعني الذي. ﴿يَرْجُوا اللَّهَ﴾: أيْ: يرجو ثواب الله ولقائه والبعث والحساب والجزاء، أي: الجنة ونعيمها. ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾: يؤمن باليوم الآخر أو يخشى اليوم وأهواله. ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾: ولا تتحقق الأسوة الحسنة إلا بذكر الله سبحانه ذكراً كثيراً وبالصّلاة وبالتّسبيح والتّحميد والتّهليل والنّوافل والشّكر والقيام بالتّكاليف الإيمانية وغيرها. سورة الأحزاب [٣٣: ٢٢] ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾: الواو عاطفة، لما ظرفية بمعنى حين تتضمن معنى الشّرط، رأى المؤمنون الأحزاب: لها احتمالان:

стр. 4095

الأول: رأوهم حين جاؤوا من فوقهم ومن أسفل منهم والمؤمنون في سفح جبل سلع، قالوا عندها: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله. والاحتمال الثّاني: رأوا الأحزاب يفرون من أرض المعركة مهزومين قالوا: هذا وما وعدنا الله ورسوله، أو الاحتمالان معاً قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله عند البداية وعند النّهاية. ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾: الوعد بالنّصر والغلبة كما أخبرهم رسول الله ﷺ أنّ الله ناصرهم عليهم أو الوعد بالابتلاء والاختبار، ثم النّصر القريب، هذا: الهاء للتنبيه، ما اسم موصول بمعنى الّذي وعدنا الله ورسوله. ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾: وما: النّافية، زادهم: تجمع الأحزاب (١٠ آلاف) مقاتل أو ما أصابهم من الزّلزلة والشّدة يوم الخندق أو ما زادهم النّصر على أعدائهم يوم الخندق. إلا: أداة حصر. إيماناً وتسليماً: إيماناً بالله وبقضائه وقدره وتسليماً، أي: انقياداً لأمره وقضائه، إيماناً بصدق ما وعد الله ورسوله وتصديقاً برسول الله ﷺ وقوله تعالى: وما زادهم إلا إيماناً: اتخذوا هذه الآية دليلاً على أن الإيمان قد يزيد وينقص.

стр. 4096

سورة الأحزاب [٣٣: ٢٣] ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَنْ يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: من ابتدائية بعضية. ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: أسباب النّزول: قيل: نزلت هذه الآية كما روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك في أنس بن النضر فقد عاهد الله تعالى حين فاتته المشاركة في غزوة بدر، عاهد الله لو جاءت معركة أخرى ليبلون فيها بلاء حسناً فجاءت معركة أحد، فأبلى فيها بلاء حسناً حتّى استشهد فيها، فوجدوا في جسده بضعاً وثمانين جرحاً نتيجة ضربه بسيف أو طعنه برمح أو رميه بسهم وليست العبرة بخصوص السّبب وإنما بعموم اللفظ. ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: أيْ: أتموا وأوفوا بعهدهم حتّى ولو أدَّى ذلك إلى الشّهادة في سبيل الله أو التّضحية بنفسه وماله معاً. ﴿مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: ما: اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية بمعنى صدقوا عهد الله. ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: ليخرجنَّ مجاهداً في سبيل الله كما فعل أنس بن النضر.

стр. 4097

﴿فَمِنْهُم مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾: النحب في الأصل النذر، وقضى نحبه، أيْ: أوفى بنذره أو أتم نذره أو عهده أو يأتي بمعنى الأجل، وقيل: قضى نحبه: انقضى أجله أيْ: قد قتل: استشهد أو مات في سبيل الله، استُعير النحب مكان الأجل؛ لأنّ الأجل وقع بالنّحب (بالقتل). ومنهم من قال: نحبه: إرادته ورغبته. ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَنتَظِرُ﴾: تكرار ومنهم يفيد التّوكيد، ينتظر: الوفاء بعهده، أيْ: ساعٍ في ذلك ينتظر الشّهادة في سبيل الله واللحاق بمن سبقوه. ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾: أي: استقاموا وثبتوا على عهدهم مع الله ونيتهم ولم يبدلوا أدنى التّبديل، أيْ: تراجعوا عن القتال خوفاً أو دخل أحدهم الحرب رياء وسمعة أو تخاذلوا أبداً. سورة الأحزاب [٣٣: ٢٤] ﴿لِّيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ﴿لِّيَجْزِىَ﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد. ليجزي: من الجزاء (وهو المماثلة) وهو الثواب. ﴿اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾: الباء باء الإلصاق والسّببية بسبب صدقهم على ما عاهدوا الله عليه بوفائهم بعهدهم. ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾: إن شرطية تعني: الاحتمال أو الشّك يعذب المنافقين إذا لم يتوبوا لعدم وفائهم بعهدهم يعذبهم في الدّنيا أو في الآخرة أو كلاهما. ﴿أَوْ﴾: للتخيير.

стр. 4098

﴿يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾: إذا تابوا وأوفوا وأصلحوا وعملوا الصّالحات. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد. ﴿كَانَ﴾: تشمل كلّ الأزمنة كان في الماضي والحاضر والمستقبل. ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ارجع إلى الآية (٥) للبيان. سورة الأحزاب [٣٣: ٢٥] ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾: بعد أن بيَّن الله مصير الصّادقين والمنافقين يبيِّن مصير القسم الثّالث وهم الّذين كفروا من قريش (الأحزاب). ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾: الرّد هو العودة أو الرّجوع بإكراه وقسر، الّذين كفروا من قريش وكنانة وأسد وغطفان (الأحزاب). ردهم ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾: الغيظ: الحقد والغضب الّذي ملأ قلوبهم والباء للإلصاق وتدل على الدّوام ردهم خائبين مغتاظين. ارجع إلى سورة التّوبة آية (١٥) لمزيد من البيان. ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾: لم ينالوا أيَّ خير، نكرة تعني أيَّ خير سواء كان نصراً أو غنيمة أو أسراً ورجعوا وهم يشعرون أنهم هم الخاسرون أو المهزومون لم يحققوا أيَّ شيء مما جاؤوا من أجله. ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾: أيْ: لم يحتاجوا أن يقاتلوا الكفار حيث سلط الله عليهم الرّيح الّتي قلعت خيامهم والملائكة الّذين ألقوا الرّعب في قلوب الكافرين فولوا مدبرين خائبين.

стр. 4099

﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾: كان ولا يزال وسيظل قوياً: لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء. عزيز: يَغلب ولا يُغلب ويَقهر ولا يُقهر له عزة القوة والغلبة والممتنع لا يَضرُّه أحد من خلقه. سورة الأحزاب [٣٣: ٢٦] ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾: هذه الآية (٢٦) والآية (٢٧) جاءتا في سياق غزوة بني قريظة بعيد غزوة الخندق في السّنة الخامسة للهجرة، فبعد أن رجع الأحزاب مهزومين. وعاد رسول الله ﷺ والمؤمنون إلى المدينة، وكان بنو قريظة آنذاك قد نقضوا العهد مع رسول الله ﷺ وانضموا إلى الأحزاب ضد رسول الله ﷺ فما إن وصل رسول الله ﷺ إلى المدينة جاء جبريل ﵇ ليخبر رسول الله ﷺ بالخروج والسّير إلى بني قريظة، فبعث رسول الله ﷺ منادياً ينادي في المدينة بالخروج والسّير إلى بني قريظة قائلاً: لا يصلين أحدكم العصر إلا ببني قريظة. رواه البخاري في صحيحه ومسلم عن حديث عبد الله بن عمر، فاجتمع رسول الله ﷺ مع المؤمنين وحاصروا بني قريظة حوالي (٢٥) ليلة، وأجهدهم الحصار وقذف الله الرّعب والذّعر في قلوب بني قريظة وخيَّر رسولُ الله ﷺ بني قريظة على أحد أمرين إما أن يقبلوا بحكمه ﷺ أو بحكم سعد بن معاذ، فأبوا حكم رسول الله ﷺ فيهم، وقبلوا بحكم سعد فحكم بأن يقتل الرّجال وتسبى الذّراري والنّساء وتقسم الأموال، فقال له رسول الله: لقد حكمتَ فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات، وأنزل الله سبحانه في بني قريظة هاتين الآيتين فقال تعالى:

стр. 4100

﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾: وأنزل الله سبحانه بقدرته الّذين ظاهروهم أيْ: ظاهروا الأحزاب وعاونوهم ضد رسول الله ﷺ وهم يهود بني قريظة. من صياصيهم: أنزلهم من حصونهم بعد أن حاصرهم رسول الله ﷺ (٢٥) ليلة، صياصيهم: جمع صيصة: وهي كلّ ما يتحصن به أو يُتمنعُ به، أيْ: يلجأ إليه. ﴿وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾: الخوف الشّديد والذّعر الّذي يظهر على هيئة المرعوب مما سيحل به أدَّى بهم إلى القبول بحكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بقتل المقاتلين من بني قريظة من الرّجال. ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾: وهم الرّجال. ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾: وهم النّساء والذّراري (الأطفال) وهم لا يحملون أيَّ سلاح، انتبه قدَّم المفعول على الفعل حين قال: فريقاً تقتلون ولم يقل: تقتلون فريقاً التّقديم على الأهم والتّوكيد على أمر القتل العجيب الذي يحل بهم بعد أن ينزلوا من صياصيهم، بينما قدَّم الفعل على الفاعل كما هو المفروض حين قال: وتأسرون فريقاً وجاء بصيغة المضارع في كلا الفعلين للدلالة على حكاية الحال، رغم أنّ كلاهما حدث في الزّمن الماضي للدلالة على بشاعة القتل والأسر، وجاء بصيغة المضارع لكي يشعر كأنّه يحدث الآن. سورة الأحزاب [٣٣: ٢٧] ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا﴾: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾: كانت لهم أراضٍ زراعية والنّخيل والبساتين. ﴿وَدِيَارَهُمْ﴾: منازلهم المعمورة والحصون.
следующие страницы →