← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

سورة الأحزاب [٣٣: ٢٣] ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَنْ يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: من ابتدائية بعضية. ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: أسباب النّزول: قيل: نزلت هذه الآية كما روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك في أنس بن النضر فقد عاهد الله تعالى حين فاتته المشاركة في غزوة بدر، عاهد الله لو جاءت معركة أخرى ليبلون فيها بلاء حسناً فجاءت معركة أحد، فأبلى فيها بلاء حسناً حتّى استشهد فيها، فوجدوا في جسده بضعاً وثمانين جرحاً نتيجة ضربه بسيف أو طعنه برمح أو رميه بسهم وليست العبرة بخصوص السّبب وإنما بعموم اللفظ. ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: أيْ: أتموا وأوفوا بعهدهم حتّى ولو أدَّى ذلك إلى الشّهادة في سبيل الله أو التّضحية بنفسه وماله معاً. ﴿مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: ما: اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية بمعنى صدقوا عهد الله. ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: ليخرجنَّ مجاهداً في سبيل الله كما فعل أنس بن النضر.

стр. 4097

﴿فَمِنْهُم مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾: النحب في الأصل النذر، وقضى نحبه، أيْ: أوفى بنذره أو أتم نذره أو عهده أو يأتي بمعنى الأجل، وقيل: قضى نحبه: انقضى أجله أيْ: قد قتل: استشهد أو مات في سبيل الله، استُعير النحب مكان الأجل؛ لأنّ الأجل وقع بالنّحب (بالقتل). ومنهم من قال: نحبه: إرادته ورغبته. ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَنتَظِرُ﴾: تكرار ومنهم يفيد التّوكيد، ينتظر: الوفاء بعهده، أيْ: ساعٍ في ذلك ينتظر الشّهادة في سبيل الله واللحاق بمن سبقوه. ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾: أي: استقاموا وثبتوا على عهدهم مع الله ونيتهم ولم يبدلوا أدنى التّبديل، أيْ: تراجعوا عن القتال خوفاً أو دخل أحدهم الحرب رياء وسمعة أو تخاذلوا أبداً. سورة الأحزاب [٣٣: ٢٤] ﴿لِّيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ﴿لِّيَجْزِىَ﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد. ليجزي: من الجزاء (وهو المماثلة) وهو الثواب. ﴿اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾: الباء باء الإلصاق والسّببية بسبب صدقهم على ما عاهدوا الله عليه بوفائهم بعهدهم. ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾: إن شرطية تعني: الاحتمال أو الشّك يعذب المنافقين إذا لم يتوبوا لعدم وفائهم بعهدهم يعذبهم في الدّنيا أو في الآخرة أو كلاهما. ﴿أَوْ﴾: للتخيير.

стр. 4098

﴿يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾: إذا تابوا وأوفوا وأصلحوا وعملوا الصّالحات. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد. ﴿كَانَ﴾: تشمل كلّ الأزمنة كان في الماضي والحاضر والمستقبل. ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ارجع إلى الآية (٥) للبيان. سورة الأحزاب [٣٣: ٢٥] ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾: بعد أن بيَّن الله مصير الصّادقين والمنافقين يبيِّن مصير القسم الثّالث وهم الّذين كفروا من قريش (الأحزاب). ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾: الرّد هو العودة أو الرّجوع بإكراه وقسر، الّذين كفروا من قريش وكنانة وأسد وغطفان (الأحزاب). ردهم ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾: الغيظ: الحقد والغضب الّذي ملأ قلوبهم والباء للإلصاق وتدل على الدّوام ردهم خائبين مغتاظين. ارجع إلى سورة التّوبة آية (١٥) لمزيد من البيان. ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾: لم ينالوا أيَّ خير، نكرة تعني أيَّ خير سواء كان نصراً أو غنيمة أو أسراً ورجعوا وهم يشعرون أنهم هم الخاسرون أو المهزومون لم يحققوا أيَّ شيء مما جاؤوا من أجله. ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾: أيْ: لم يحتاجوا أن يقاتلوا الكفار حيث سلط الله عليهم الرّيح الّتي قلعت خيامهم والملائكة الّذين ألقوا الرّعب في قلوب الكافرين فولوا مدبرين خائبين.

стр. 4099

﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾: كان ولا يزال وسيظل قوياً: لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء. عزيز: يَغلب ولا يُغلب ويَقهر ولا يُقهر له عزة القوة والغلبة والممتنع لا يَضرُّه أحد من خلقه. سورة الأحزاب [٣٣: ٢٦] ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾: هذه الآية (٢٦) والآية (٢٧) جاءتا في سياق غزوة بني قريظة بعيد غزوة الخندق في السّنة الخامسة للهجرة، فبعد أن رجع الأحزاب مهزومين. وعاد رسول الله ﷺ والمؤمنون إلى المدينة، وكان بنو قريظة آنذاك قد نقضوا العهد مع رسول الله ﷺ وانضموا إلى الأحزاب ضد رسول الله ﷺ فما إن وصل رسول الله ﷺ إلى المدينة جاء جبريل ﵇ ليخبر رسول الله ﷺ بالخروج والسّير إلى بني قريظة، فبعث رسول الله ﷺ منادياً ينادي في المدينة بالخروج والسّير إلى بني قريظة قائلاً: لا يصلين أحدكم العصر إلا ببني قريظة. رواه البخاري في صحيحه ومسلم عن حديث عبد الله بن عمر، فاجتمع رسول الله ﷺ مع المؤمنين وحاصروا بني قريظة حوالي (٢٥) ليلة، وأجهدهم الحصار وقذف الله الرّعب والذّعر في قلوب بني قريظة وخيَّر رسولُ الله ﷺ بني قريظة على أحد أمرين إما أن يقبلوا بحكمه ﷺ أو بحكم سعد بن معاذ، فأبوا حكم رسول الله ﷺ فيهم، وقبلوا بحكم سعد فحكم بأن يقتل الرّجال وتسبى الذّراري والنّساء وتقسم الأموال، فقال له رسول الله: لقد حكمتَ فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات، وأنزل الله سبحانه في بني قريظة هاتين الآيتين فقال تعالى:

стр. 4100

﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾: وأنزل الله سبحانه بقدرته الّذين ظاهروهم أيْ: ظاهروا الأحزاب وعاونوهم ضد رسول الله ﷺ وهم يهود بني قريظة. من صياصيهم: أنزلهم من حصونهم بعد أن حاصرهم رسول الله ﷺ (٢٥) ليلة، صياصيهم: جمع صيصة: وهي كلّ ما يتحصن به أو يُتمنعُ به، أيْ: يلجأ إليه. ﴿وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾: الخوف الشّديد والذّعر الّذي يظهر على هيئة المرعوب مما سيحل به أدَّى بهم إلى القبول بحكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بقتل المقاتلين من بني قريظة من الرّجال. ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾: وهم الرّجال. ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾: وهم النّساء والذّراري (الأطفال) وهم لا يحملون أيَّ سلاح، انتبه قدَّم المفعول على الفعل حين قال: فريقاً تقتلون ولم يقل: تقتلون فريقاً التّقديم على الأهم والتّوكيد على أمر القتل العجيب الذي يحل بهم بعد أن ينزلوا من صياصيهم، بينما قدَّم الفعل على الفاعل كما هو المفروض حين قال: وتأسرون فريقاً وجاء بصيغة المضارع في كلا الفعلين للدلالة على حكاية الحال، رغم أنّ كلاهما حدث في الزّمن الماضي للدلالة على بشاعة القتل والأسر، وجاء بصيغة المضارع لكي يشعر كأنّه يحدث الآن. سورة الأحزاب [٣٣: ٢٧] ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا﴾: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾: كانت لهم أراضٍ زراعية والنّخيل والبساتين. ﴿وَدِيَارَهُمْ﴾: منازلهم المعمورة والحصون.

стр. 4101

﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾: المدخرة وهي الحلي والأثاث والمواشي والسّلاح والمال. ﴿وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا﴾: يقصد بها في المستقبل مثل أرض خيبر. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا﴾: كان ولا زال وسيظل سبحانه، كان تستغرق كلّ الأزمنة، على كلّ شيء قديراً: ارجع إلى الآية (٢٠) من سورة البقرة. سورة الأحزاب [٣٣: ٢٨] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ قُلْ لِّأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾: السّؤال هنا: ما سرُّ الانتقال من الحديث عن غزوة الأحزاب وغزوة بني قريظة إلى مخاطبة الرّسول ﷺ لأزواجه على النّفقة والحياة الدّنيا وزينتها. السّر هو أنّ رسول الله ﷺ قال بعد غزوة الأحزاب وهزيمة الكفار لن يغزونا بعد عامهم هذا، بل نغزوهم وبعد أن بشَّر رسول الله ﷺ أصحابه بفتح بلاد كسرى وفارس وكون المسلمين أخذوا من غنائم بني قريظة وأموالهم وأرضهم وديارهم، فزوجاته ﵅ أمّهات المؤمنين طلبن من رسول الله ﷺ أن يوسع عليهن في النّفقة فجاءت هذه الآيات رداً على طلبهنَّ. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ قُلْ لِّأَزْوَاجِكَ﴾: ياء النّداء والهاء للتنبيه، قل لأزواجك: اللام لام الاختصاص. يا أيها النبي: نداء عام إلى النبي وبشأن خاص به، ولكنه لا يتعلق بالدعوة والتبليغ لم يقل يا أيها الرسول؛ ارجع إلى الآية (١) من نفس السورة لمعرفة الفرق بين يا أيها النبي ويا أيها الرسول. ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾: إن: شرطية تفيد الاحتمال أو النّدرة بدلاً من قوله: إذا كنتن الّتي تفيد الحتمية والكثرة، الحياة الدّنيا: من طعام وشراب وملبس وحلي وزينة ومتاع.

стр. 4102

﴿فَتَعَالَيْنَ﴾: الفاء للمباشرة، أيْ: تعالين الآن، أيْ: أقبلن. ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾: أعطيكن ما يحق لكن من المهر المؤخر. ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾: التّسريح، أي: المفارقة ويعني: الطّلاق، وسراحاً جميلاً من دون مشادة أو غضب أو انتقام وبكلّ رأفة ورحمة ومن دون تجريح وبُغض ومشاحنة وخصومة. واستعمال إن كنتن تردن الحياة الدّنيا: إشارة إلى عدم المبالغة في الاهتمام بها فالأمر لا يعدو أن يكون مجرَّد سؤال نادر، ونساء النّبي كنَّ تسعة في ذلك الحين خمس من قريش: عائشة وحفصة وأم حبيبة وسودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أبي أمية، وأربعة من غير قريش صفية بنت حيي بن أحطب، جويرية بنت الحارث من بني المطلق، ميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش من بني أسد. سورة الأحزاب [٣٣: ٢٩] ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: مقابل قوله: إن كنتن تردن الحياة الدّنيا وزينتها هذا يسمَّى في فنون جمال اللغة الطّباق، وإن كنتن: الواو عاطفة، إن شرطية تدل على الاحتمال والافتراض، تردن الله ورسوله؛ أي: رضا الله تعالى ورضا رسوله ﷺ . ﴿وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾: الجنة، أو ثواب الآخرة. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، إنّ: للتوكيد. ﴿أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، المحسنات

стр. 4103

جمع محسنة، أعد: هيَّأ، وأعد: أعم من اعتد، وتشمل أمور عديدة منها: الأجر العظيم … وغيره مثل: المتكأ والرزق؛ المحسنة: الزّوجة الصّالحة الّتي تجاوزت درجة التّقوى في إيمانها وطاعتها ولم يعد إحسانها مقصوراً على نفسها وإنما تجاوز إلى الآخرين، أي: الإحسان إلى رسول الله ﷺ في العشرة. ﴿مِنْكُنَّ﴾: من لبيان الجنس جنس المحسنات؛ لأنّ زوجات النّبي أمّهات المؤمنين، كنَّ كلّهن محسنات. ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾: جنات الفردوس والخلود والنّعيم الدّائم، والأجر مقابل العمل، والأجر العظيم لا يفوقه أجر آخر. والعبرة في هذه الآية بعموم اللفظ وليس بخصوص السّبب فالخطاب موجَّه أيضاً إلى نساء المؤمنين كافة؛ لأنّ نساء النّبي هنَّ قدوة لنساء العالمين. سورة الأحزاب [٣٣: ٣٠] ﴿يَانِسَاءَ النَّبِىِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: خطاب موجَّه من الله سبحانه إلى نساء النّبي مباشرة ﵅ للدلالة على أهمية طاعة الله ورسوله ﷺ . ﴿مَنْ يَأْتِ﴾: من شرطية. ﴿مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾: بفاحشة مبينة: الفاحشة هنا تعني معصية الرّسول ﷺ ، أو النّشوز أو أذية الرّسول، أو عدم طاعته الّتي تحمل في معانيها معنى الكفر، وحذفت أل التّعريف من الفاحشة؛ لأنّ أل التّعريف في كلمة الفاحشة تعني: الزّنى. ﴿مُّبَيِّنَةٍ﴾: أيْ: في العلن والظّاهرة للناس أيْ: يعلم بها النّاس، وحدد

стр. 4104

الفاحشة بكونها مبينة، أمّا غير المبينة فهي غير المطلع عليها أحدٌ، أيْ: ذنب مقصور عليها نفسها فيكون عقابها كعقاب، أيْ: ذنب أو عقاب الآخرين أما المبينة عقابها ضعفين. ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾: أيْ: مرتين مقارنة بعذاب غيرهنَّ؛ لأنّهنَّ قدوة لغيرهنَّ من النّساء، ولأنّ ذلك يؤذي رسول الله ﷺ أيضاً، ولكونهنَّ أمّهات المؤمنين، فكل ذلك يستوجب مضاعفة العذاب، كما أنّها إذا فعلت حسنة يضاعف لها الأجر. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: أيْ: مضاعفة العذاب أمر سهل يسير عليه سبحانه، ولا نفهم من الآية أنّ هناك شيئاً سهلاً وشيئاً صعباً أو غير يسير على الله سبحانه، وإنما للتهديد والوعيد. ولم يبدأ سبحانه بالقول: يا نساء النّبي من يقنت منكنَّ لله ورسوله بدلاً من: يأت منكنَّ بفاحشة، بل بدأ بالتّحذير؛ لأنّ درء المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة رغم كون الفاحشة أمراً مستعبداً قدَّمها للتوكيد والاهتمام.

стр. 4105

سورة الأحزاب [٣٣: ٣١] ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾: ﴿وَمَنْ﴾: الواو عاطفة، من شرطية وتشمل الواحدة أو الجمع. ﴿يَقْنُتْ﴾: من القنوت قيل: هو الخضوع التّام والخشوع المصاحب للطاعة أو (العبادة) المصحوبة بالخضوع والخشوع، قنت: خشع وتذلل لله في دعائه، وكلمة يقنت جاءت بصيغة المذكر ولم يقل: تقنت بصيغة المؤنث، وسنرى بعد قليل السّبب. ﴿مِنْكُنَّ﴾: خاصة. ﴿لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: لله اللام لام التّوكيد والاختصاص خالصة لوجه الله ومرضاة وطاعة لرسوله ﷺ . ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾: قليلاً أو كثيراً من الفروض والنّوافل والذّكر وغيرها من الأعمال الصّالحة، تعمل صالحاً: جاءت بصيغة المؤنث (التّأنيث)، فالسّؤال الآن لماذا ذكر كلمة يقنت وأنَّث كلمة تعمل؟ ولنذكر أنّ التّذكير يدل على القلة والتّأنيث يدل على الكثرة، فالقنوت يقوم به القلة من النّساء فلذلك جاء بصيغة المذكر، مقارنة بالأعمال الصّالحة تقوم بها النّساء بكثرة، ولذلك أنث. ﴿نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾: الإيتاء: هو العطاء والإيتاء أعم من العطاء، العطاء يستعمل للأشياء المادية الحسية فقط، بينما العطاء يشمل ذلك + المعنوية. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة لمزيد من البيان.

стр. 4106

أسند الإيتاء، أي: الفعل إليه سبحانه وبصيغة التّعظيم، وهذا شرف لهنَّ ورحمة منه، بينما في الآية (٣٠) قال: يضاعف لها العذاب بنى الفعل للمجهول. نؤتها أجرها مرتين: أيْ: ضعف ما تستحقه غيرهنَّ من النّساء؛ لأنّهنَّ مثال للقدوة الصالحة. ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا﴾: أيْ: أعددنا لها: اللام لام الاختصاص لها خاصة وأعددنا لها من الآن فهو ينتظرها. ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾: أي: الجنة فهذه الآية بشارة لنساء النّبي ﷺ بالجنة، ووصف الرّزق بالكريم: الوافر الّذي لا ينقطع أو يقل أو ينقص والكريم؛ لأنّه يأتي الإنسان من دون أسباب عليه أن يقدِّمها كما هو الحال في الدّنيا يجب أن يسعى ويكد ويتعب، والرّزق الكريم لا يأتي إلا من الرّازق الكريم والرحيم بعباده. سورة الأحزاب [٣٣: ٣٢] ﴿يَانِسَاءَ النَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾: نداء ثانٍ مباشر إلى نساء النّبي ﷺ من الله سبحانه، وكان النّداء الأوّل في الآية (٣٠) للدلالة على أهمية الخبر أو الأمر المذكور في الآية: النّداء الأوّل بالتّحذير من الإيتاء بفاحشة مبينة والنّداء الثّاني بالتّحذير من عدم الخضوع بالقول. ﴿يَانِسَاءَ النَّبِىِّ لَسْتُنَّ﴾: ليس النّافية. ﴿كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾: الكاف كاف التّشبيه، أحد من النّساء: الأحد تشمل الواحدة والاثنتين والجمع، أيْ: لستنَّ كأيِّ امرأة من النّساء قاطبة. ولم يقل: واحدة من النّساء: أيْ: لا مثيل لها، لماذا لستنَّ كأحد من النّساء؟ أولاً: بحكم أنتنَّ أزواج النّبي ﷺ .

стр. 4107

ثانياً: بحكم أنتنَّ أمّهات المؤمنين. فأنتنَّ قدوة لغيركنَّ من النّساء فهذه ميزة خاصة. ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾: إن شرطية، أيْ: ليست التّقوى بكونكنَّ نساء النّبي وأمّهات المؤمنين، وإنما التّقوى هي امتثال وطاعة أوامر الله ورسوله ﷺ ، وتجنُّب نواهي الله تعالى ورسوله، أي: استقمن على التّقوى فلا تخضعن بالقول. ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾: الفاء للتوكيد، لا النّاهية، والخضوع بالقول؛ أي: الانقياد والإذعان، وفيه معنى الاستجداء، والخضوع: يكون في البدن، والخشوع: يكون بالصوت والبصر؛ أيْ: لا تخاطبن الرّجال بليونة أو ميوعة أو نبرات غير طبيعية في الكلام من ترخيم وغيره، ولا يعني ذلك التكلُّم بخشونة وغلظة أيضاً. ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾: مرض الرّيبة والفجور والفسق والنّفاق وضعف الإيمان والظن والخبال. ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾: معروفاً ما تعارف عليه النّاس من القول ليس فيه شبهة أو فتنة بعيداً عن الرّيبة والأطماع. سورة الأحزاب [٣٣: ٣٣] ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ﴾: أقمن أو ألزمن بيوتكنَّ من القرار، وهو السّكون لا تكثرن الخروج منها. ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: لا النّاهية، تبرجن: من التّبرج ويعني: إبداء المرأة للرجل الغريب مفاتن جسمها ومحاسنها مثل إظهار العنق والشّعر والسّاقين والصّدر؛ مما يثير الشّهوة أو الفتنة، والتّبرج مشتقة من البرج وهو الحصن، وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾

стр. 4108

[الحجر: ١٦]، وبرج المرأة: هو بيتها، وسمي البيت برجاً، وتعني: الخروج من الحصن حصن العفة والزوجية وإبداء الزّينة كما كنَّ يفعلن النّساء في الجاهلية الأولى: جاهلية الكفر ما قبل الإسلام، أو ما قبل القرآن؛ فقد روى ابن عباس وجرير: أن الجاهلية الأولى: هي التي تمتد في الفترة بين عيسى ﵇، ومحمد m، وجاهلية العصر الحديث تنطوي على الجاهلية الأولى وزيادة، وهناك من قال: إنّ الجاهلية الأولى هي التي ولد فيها إبراهيم ﵇، والجاهلية الآخرة الت يولد فيها محمد ﷺ . ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ﴾: إقامة الصّلاة؛ لأنّها أهم العبادات على الإطلاق وإقامتها تعني لأوقاتها وبجميع شروطها وأركانها وسننها والدّوام عليها. ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾: وتعني زكاتها غير زكاة زوجها فهي مكلفة بإيتاء زكاة أموالها الخاصة الّتي ورثتها مثلاً وكسبتها في تجارة أو عقار أو زكاة الحُلي والذَّهب. ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: في كلّ ما أمر به ونهى عنه. ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾: إنما كافة مكفوفة تفيد التّوكيد بما أمركنَّ ونهاكنَّ عنه من التّقوى والصّلاة والزّكاة وطاعة الله ورسوله أن يذهب عنكم الرجس ويطهركم تطهيراً. ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾: اللام للتعليل، يذهب: يبعد أو يجنبكم الوقوع في الرّجس، الرّجس: بالسّين يعني كلّ ما هو مستقذر تعافه النّفوس، وتعني الذّنوب بشكل عام والشّيطان والمعاصي والآثام والذّنوب والشّرك من الأمور المعنوية والخمر والميسر والأنصاب والأزلام والميتة والدّم المسفوح ولحم الخنزير من الأمور الحسية، أمّا الرّجز: فهو العذاب، عنكم ولم يقل: عنكنَّ. عنكم تشمل: الذّكور والإناث، أيْ: تشمل عنكنَّ، ولم يقل عنكن: مراعاة لشعور أزواج النّبي ﷺ وحيائهنَّ. ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾: أيْ: نساء النّبي كلّهنَّ من أهل البيت وذريته، وتطلق أهل

стр. 4109

البيت عادة على الزّوجة والأولاد، وقال آخرون: تطلق أيضاً على عشيرة الرّجل؛ أي: ذريته من نسل عبد المطلب (بنو هاشم). ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾: ولم يقل: يطهركنَّ تطهيراً: أيْ: تطهيراً كاملاً من الذّنوب، والمجيء بصيغة التّذكير يشمل الذّكور والإناث. سورة الأحزاب [٣٣: ٣٤] ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾: ﴿وَاذْكُرْنَ﴾: من الذّكر: يعني: تذكرنَّ واتلين أو أخبرن استحضرن كلّ معلومة كانت منسية لم تذكر لكي تذكر. ﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الذي، وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: (آيات القرآن الحكيم) بيوتكنَّ بيوت النّبوة. ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾: السّنة النّبوية (أحاديث رسول الله ﷺ بيوتكنَّ لأنّهنَّ مهابط الوحي على رسول الله ﷺ يتلى: بصيغة المضارع لتدل على التّجدُّد والتّكرار. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد. ﴿كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾: ارجع إلى الآية (١٦) من سورة لقمان للبيان. سورة الأحزاب [٣٣: ٣٥] ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾: أسباب النّزول: ١ - يُروى أنّ أزواج النّبي ﷺ قلن: يا رسول الله ذكر الله الرّجال في القرآن بخير

стр. 4110

أفما فينا خير نذكر به؟ إنا نخاف أن لا تُقبل منا طاعة. أخرجه الطّبراني، وقيل: السّائلة هي أمّ سلمة: في حديث أخرجه النّسائي والطّبراني والحاكم. ٢ - وروى أنّه لما نزل في نساء النّبي هذه الآيات في سورة الأحزاب وغيرها قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء (أخرجه الطّبراني) فنزلت هذه الآية. ٣ - وقيل: نزلت في أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن أبي طالب دخلت على نساء النّبي ﷺ فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن قلن: لا فأتت النّبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن النّساء لفي خيبة وخسارة، قال ﷺ : ولم ذلك؟ قالت: لأنّهنَّ لا يذكرن بخير كما يذكر الرّجال. فأنزل الله سبحانه هذه الآية التي اشتملت على عشر صفات للرجال والنساء: ١ - ﴿الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾: جمع مسلم ومسلمة، والإسلام يعني: الشّهادة والصّلاة والزّكاة والصّيام والحج. ٢ - ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: جمع مؤمن ومؤمنة؛ يعني: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. ٣ - ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾: جمع قانت وقانتة، والقنوت: هو الخضوع والخشوع المصحوب بالطّاعة أو العبادة. ٤ - ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾: جمع صادق وصادقة، الصّدق في القول والعمل صدق الإيمان والقول والحديث. ٥ - ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾: جمع صابر وصابرة، الصّبر على أداء العبادات وترك المعاصي والصّبر على المصائب والمحن. ٦ - ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾: جمع خاشع وخاشعة، الخشوع: هو السّكون والطّمأنينة والتّواضع لله في العبادات. ٧ - ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾: جمع متصدق ومتصدقة بما في ذلك

стр. 4111

الزّكاة والتّصدق على الفقراء والمساكين، ولم يقل: المصدقين كما ورد في سورة الحديد آية (١٨)؛ إن المصدقين والمصدقات: فيها تضعيفان في الصاد، وتضعيف في الدال، أما المتصدقين فيها تضعيف واحد في الدال، المصدقين تعني: المبالغة في التصدق؛ أي: وهم المبالغون في الصّدقات، أيْ: يعطون الكثير، أمّا المتصدقون حتّى ولو بقليل، ولو قال: المصدقين فلم يدخل فيهم من يتصدقون بشيء قليل. ٨ - ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾: الصّيام الامتناع عن شهوتي البطن والفرج في أيام الصيام وغيره من آداب الصيام. ٩ - ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾: عن الحرام كالزّنى وما شابه، ولم يقل: والحافظات فروجهنَّ؛ لكي يستر أمر المرأة وشهوة الفرج جعلها الله لحفظ التّناسل، وليس لارتكاب الحرام. ١٠ - ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾: بالألسن والقلوب بالتّسبيح والتّحميد والتّهليل والذّكر والدّعاء والصّلاة، والذّكر هو أخف العبادات وأيسرها على النّفس وأثقلها في الميزان. ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾: أعدَّ الله لهم ولم يقل: ولهن؛ لأنها تدخل في لهم من باب التغليب وستر المرأة وصيانتها لا للتقليل من شأنها، قدَّم المغفرة على الأجر العظيم، هذه جملة من أعظم العبادات والصّفات الّتي تميز المسلم المؤمن من غيره من النّاس.

стр. 4112

سورة الأحزاب [٣٣: ٣٦] ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾: المناسبة: بعد أن ذكر الله سبحانه لنساء النبي ﷺ التّخيير بين الحياة الدّنيا وزينتها وبين إن كنتنَّ تردن الله ورسوله والدّار الآخرة، يذكر بعدها هناك أمور لا اختيار فيها لأحد، وذلك إذا قضى الله ورسوله أمراً، ثم ذكر مثال على ذلك قصة زيد بن حارثة وزينب بنت جحش ﵂، وزواج النّبي ﷺ من زينب تنفيذاً لأمر الله تعالى وإبطال التّبني في الإسلام. وسبب نزول هذه الآية: كما روى ابن عبّاس أنّ النّبي ﷺ خطب زينب بنت جحش لزيد الّذي تبناه في مطلع الإسلام، وكانت زينب ابنة عمة رسول الله ﷺ فظنت زينب أنّه يريدها لنفسه، فلما علمت أنّه يريدها لزيد فأبت هي وأخوها عبد الله بن جحش، فنزلت هذه الآية. ﴿وَمَا كَانَ﴾: أيْ: ما يصح أو يحق له، ما النّافية، أيْ: هو أمر مستبعد أن لا يقبل مؤمنٌ بالله ورسوله بما حكم الله ورسوله. ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾: اللام لام الاختصاص مثل عبد الله بن جحش (أخي زينب). ﴿وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾: لا النّافية، تكرار النّفي يفيد التّوكيد، مثل زينب بنت جحش. ﴿إِذَا﴾: ظرفية بمعنى حين. ﴿قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾: حكماً أو أمراً.

стр. 4113

﴿أَنْ﴾: للتوكيد. ﴿يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾: على ما قضاه الله تعالى ورسوله. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: من شرطية، يعص الله ورسوله: فيما أمر به أو نهى عنه. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء جواب الشّرط، قد للتحقيق والتّوكيد. ﴿ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾: هنا ثلاث توكيدات: قد وضلالاً (مفعول مطلق) ومبيناً. والضّلال يعني: عدم الاهتداء إلى الصواب وإلى الصّراط المستقيم (دين الإسلام) ابتعد ابتعاداً مبيناً: أيْ: ضلال بين لكلّ فرد اطلع عليه، وضلال واضح بين بنفسه لا يحتاج إلى دليل أو برهان، ضلال يصعب معه الهداية مرة أخرى أو يرجى توبته. وبعد أن نزلت هذه الآية رضيت زينب بالزّواج من زيد ورضي أخوها عبد الله بما قضى الله ورسوله. سورة الأحزاب [٣٣: ٣٧] ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِى أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَىْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾: كما أخبرت كتب السيرة اختار زيد البقاء مع رسول الله ﷺ عندما طلب منه أبوه العودة والعيش معه، فسمي زيد بن محمّد، ولما بلغ سن الرشد أراد الرّسول أن يزوِّجه من زينب بنت جحش، وهي ابنة عمة رسول الله ﷺ وسيدة من سيدات قريش فرفضت ورفض أخوها عبد الله، فنزلت الآية (٣٦) السّابقة، فأذعنوا لقدر الله وقضائه وقبلت بالزّواج من زيد، وكان هناك عدم تكافؤ اجتماعي

стр. 4114

بين زينب وزيد آنذاك، وتعالت زينب على زيد وحدث نشوز بينهما، وكان حبُّ زيد لرسول الله ﷺ يمنعه أن يطلِّقها، وكان ﷺ يقول لزيد: أمسك عليك زوجك واتق الله، وجاء الأمر الإلهي بأن يطلِّقها زيد ويُؤمر رسول الله ﷺ بالزّواج منها، وإلغاء مبدأ التّبني، فخشي رسول الله ﷺ من ألسنة الكفار؛ كيف يتزوج من امرأة ابنه زيد الّذي تبنَّاه خشية استحياء. ﴿وَإِذْ﴾: واذكر إذ ظرفية. ﴿تَقُولُ﴾: (يا محمّد ﷺ للذي أنعم الله عليه (بالإسلام والإيمان). ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾: بالعتق أوّلاً، وجعلته ابناً لك بالتّبني قبل تحريم التّبني، وأنعمت عليه بأن زوَّجته ابنة عمتك زينب: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾: تقول لزيد: أمسك عليك زوجك خوفاً من كلام النّاس أن يقولوا تزوَّج من امرأة ابنه الّذي تبناه. ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾: هذا قول رسول الله ﷺ لزيد، واتق الله؛ أي: في أمر طلاقها ولا تطلقها، والله سبحانه يريد من زيد أن يطلق زينب وأن يُنهي عادة التّبني، وأن يتزوّج رسول الله ﷺ زينب، وكان أمر الله مفعولاً لا رجعة فيه حاصل لا محالة. ﴿وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾: تخفي في نفسك ما أظهره الله لك على أنّك ستتزوج منها بعد طلاقها من زيد. ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾: تخشى من كلام النّاس خشية استحياء، والله أحق أن تخشاه. ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا﴾: أيْ: لم يعد له فيها حاجة ولم يعد بينهما أيُّ رابطة وطلقها زيد.

стр. 4115

﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾: الزواج: يدل على الدخول والاقتران، والنكاح: يدل على العقد؛ زوَّجه الله بها من فوق سبع سموات، وكانت زينب تفتخر على بقية أزواج رسول الله ﷺ فتقول: زوجني ربي، زوجناكها بعد انقضاء عدتها. وانتبه إلى قوله تعالى: زوجناكها: زوَّج أيْ: زَوَّجه غيره من فوق سبع سموات، أمّا تزوَّج: فتعني تزوَّج بنفسه وبرغبته بينما زُوج: قسراً ومن دون خيرة، والضّمير زوجناكها يعود على الله سبحانه والكاف لخطاب رسول الله والهاء تعود على زينب، زوجناكها لكي نرفع الحرج عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم الّذين تبنوهم بعد طلاقهنَّ التّام. ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾: كائناً لا محالة لا تبديل ولا تغيير، والأمر يشمل كلّ شيء وزيادة. وفي هذه الآية كان رسول الله ﷺ قدوة في تطبيق هذه الآية من ناحيتين: الأولى: فقد كان رسول الله ﷺ قدوة في تنفيذ أمر الله حين قال: ما كان لمؤمن إذا قضى الله أمراً أن يكون له الخيرة في أمره. الثّانية: لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم، فكان رسول الله ﷺ وزيد وزينب هم الّذين اختارهم الله سبحانه ليكونوا أوّل من ينفِّذ أمر الله سبحانه في هذه القضية وينالوا رضاه وثوابه، ويكونوا قدوة للآخرين، ولذلك ذكر اسم زيد في القرآن كثواب له ولم يذكر اسم زينب ستراً لها. وإذا انتبهنا إلى كلمة لكي لا يكون في هذه الآية كيف جاءت كلمة لكي مفصولة عن لا، ولم تكتب لكيلا، فالفصل بين الكلمتين (كي) و (لا) لتناسب سياق الآية في الطّلاق الّذي هو فصل بين الزّوج والزّوجة لترى أنّ كتابة الكلمة في القرآن بحد ذاته له معناه الخاص ويجاري سياق الكلام.

стр. 4116

بينما كلمة لكيلا جاءت متصلة في سورة الحج الآية (٥) وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. ارجع إلى سورة الحج الآية (٥) للبيان. سورة الأحزاب [٣٣: ٣٨] ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِىِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾: ﴿مَا كَانَ﴾: ما النّافية، كان تستعمل للماضي والحاضر والمستقبل. ﴿عَلَى﴾: تفيد العلو والشمقة. ﴿النَّبِىِّ مِنْ حَرَجٍ﴾: من استغراقية تشمل أيَّ حرج والحرج هو الضّيق والمشقة أو العيب. ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾: فيما: ظرفية وما اسم موصول بمعنى الّذي، وأوسع شمولاً من الذي. فرض الله له: قدَّر الله له أو قسم الله له، وما فرض الله له ليس أمراً جديداً، وإنما هو سنة الله في الّذين خلوا من قبل. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾: السّنة تعريفها ارجع إلى الآية (٢٦) من سورة النّساء، وسورة آل عمران آية (١٣٧) للبيان. ﴿فِى الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾: الّذين خلوا: أيْ: مضوا أو جاؤوا من قبل من الرّسل والأنبياء؛ أي: فما نفعله لك يا رسول الله ﷺ ليس أمراً جديداً، بل هو سنة قديمة، من قبل: تدل على زمن معين ولم يقل: من قبلِ، الّتي لا تدل على زمن محدَّد طويل أو قصير. ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: كان في الماضي والحاضر والمستقبل. ﴿قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾: كائناً أو واقعاً لا محالة؛ لأنّه قدر مقدَّر منذ الأزل ولا شيء

стр. 4117

يخرج عن تقدير الله، وفي الآية السّابقة قال تعالى: وكان أمر الله مفعولاً: أيْ: واقعاً وهو تزويج رسول الله ﷺ من زينب، إذن هذا الزّواج مقدَّر منذ الأزل، والآن تم وقوعه من غير تبديل أو تحويل. سورة الأحزاب [٣٣: ٣٩] ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد المدح والتّعظيم ويعود على الرّسل والأنبياء. ﴿يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾: التّبليغ هو الإيصال مع الإعلام، أيْ: إيصال الرّسالة أي: الخبر أو النّبأ إلى النّاس ويبلغون رسالات الله (مجموع رسالة وكلّ رسالة أمر أو نهي، أي: افعل أو لا تفعل) لعباده، ولم يقل: ربهم؛ لأنّ السّياق في الدّعوة والتّبليغ والله هو المعبود والإله الحق وليس في سياق الرّزق أو سبل العيش. ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾: يخافونه والخشية لا تقتصر على الخوف من الله، بل كذلك التّعظيم والعلم بالله وقدره وعظمته، وفيها معنى الأمل. ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا﴾: ولا: لا النّافية، يخشون أحداً: توكيد وإضافة النّون لزيادة التّوكيد، وأحداً لزيادة التّوكيد. ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾: إلا أداة حصر، خشية حياء أو استحياء، وليس خشية خوف من تبليغ الرّسالات. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: يكفي الله وحده أن يكون حافظاً لأعمال العباد ومحاسبهم عليها، وليس حسابهم عليكم ولا حسابكم عليهم (أي: على الرسل).

стр. 4118

سورة الأحزاب [٣٣: ٤٠] ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِّجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّنَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾: المناسبة: بعد أن تزوَّج رسولُ الله ﷺ من زينب قال بعض النّاس: إنّ محمّداً تزوج امرأة ابنه فجاءت هذه الآية للرد عليهم، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٨) للبيان. ﴿مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾: السّؤال هنا: ألم يكن محمّد أباً لعبد الله وللقاسم ولإبراهيم؟ الجواب: نعم فهؤلاء الثّلاثة أولاده ﷺ ، ولكن ماتوا ولم يبلغوا سن الرّجال، ولأنّ الآية قالت: من رجالكم ويقصد به زيد، ولم يقل: أبا أحد منكم؛ لأنّ منكم تشمل الصّغير والكبير والولد الحقيقي والمتبنى، من: ابتدائية استغراقية. وقد خاطب الله سبحانه نبيه محمد باسمه محمد ﷺ في أربع آيات لأسباب خاصة، ومرة باسمه أحمد؛ ارجع إلى الآية (١) من نفس السورة. ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾: لكن للاستدراك والتّوكيد، رسول الله. ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّنَ﴾: أيْ: آخرهم وخاتم الشّيء آخره فلا نبي ولا رسول يأتي بعده إلى قيام السّاعة وكلّ بشر يدعي النّبوة بعد رسول الله ﷺ هو كذاب أفاك. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾: كان تشمل كلّ الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل، كان ولا زال وسيظل، بكلّ شيء: الباء للإلصاق والالتزام والدّوام، شيء عليماً: من قول وعمل عليم بأقوال العباد وأعمالهم، وما يجري في كونه ولا تسقط من ورقة إلا يعلمها ويعلم ما في السّموات وما في الأرض، يعلم من يدَّعي النّبوة ومن هو أبو، أو أمُّ كلِّ جنين ويعلم ما يُشرع لعباده وما هي مصلحتهم. ولم يقل سبحانه: وخاتم المرسلين: لكان هناك احتمال أن يأتي بعده نبي،

стр. 4119

ولكن حين قال: خاتم النّبيين (لأنّ كلّ رسول نبي، وليس كلّ نبي رسولاً) أيْ: لن يأتي بعده لا نبي ولا رسول. سورة الأحزاب [٣٣: ٤١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾: نداءٌ إلى الّذين آمنوا وتكليف جديد بذكر الله، فهو أيسر العبادات على المؤمن، ومن أعظمها أجراً، والذّكر يشمل التّحميد والتّهليل والتّقديس والتّكبير والأسماء الحسنى، والذّكر الكثير هو الدّائم والمتواصل، والذّكر يشمل كذلك الصّلاة والعبادات والدّعاء وحلقات العلم وتلاوة القرآن، والذّكر باللسان كالقول سبحان الله، لا إله إلا الله، الله أكبر، الحمد لله، لا حول ولا قوة إلا بالله، وسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، والذكر بالقلب. سورة الأحزاب [٣٣: ٤٢] ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾: التّسبيح هو تنزيه الله سبحانه باللسان من كلّ نقص وعيب في ذاته وأفعاله وصفاته ومن الولد والشّريك والنّد والمثيل، ولم يكن له كفواً أحد، وليس كمثله شيء، والتسبيح: هو القول: سبحان الله وسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم والتّسبيح قد يعني الصّلاة. ﴿بُكْرَةً﴾: أول النّهار؛ أي: الصباح، أو تعني صلاة الفجر. ﴿وَأَصِيلًا﴾: آخر النّهار؛ أي: المغرب، أو تعني صلاة الظّهر والعصر والمغرب والعشاء، وبكرة وأصيلاً تعني: ذكراً دائماً لا ينقطع. سورة الأحزاب [٣٣: ٤٣] ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾: ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد، ويعود على الله سبحانه.

стр. 4120

﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم. ﴿يُصَلِّى عَلَيْكُمْ﴾: الصّلاة من الله تعني: المغفرة والرّحمة والرّأفة والنّجاة وتعني أن يذكركم فيمن عنده، أيْ: في الملأ الأعلى، وكقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾: بالدّعاء للمؤمنين والاستغفار. ﴿لِيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: اللام لام التّعليل، يخرجكم من الظّلمات: جمع ظلمة منها ظلمة الكفر والشّرك، والظلم والمعصية، إلى النّور: نور الإيمان والتّوحيد. ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾: كان تشمل كلّ الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل، بالمؤمنين: الباء للإلصاق والدّوام، رحيماً: صيغة مبالغة كثير الرّحمة بالمؤمنين في الدّنيا والآخرة. ارجع إلى سورة الفاتحة الآية (٢) لمزيد من البيان.

стр. 4121

سورة الأحزاب [٣٣: ٤٤] ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾: ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾: تعني: المؤمنين. ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾: يوم القيامة أو البعث والهاء في يلقونه ترجع إلى الله سبحانه، أيْ: تحيتهم من الله سبحانه يوم يلقونه (يوم القيامة). ﴿سَلَامٌ﴾: من ربكم سلام تحية السّلام عليكم) وسلام من السّلام، أي: الأمان والاطمئنان وسلام يعني: من كلّ مكروه وضر مثل الموت والمرض وكل ما تكرهه النّفس. كقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. وقد تعني تحيتهم من الملائكة يوم يلقونه يقولون لهم: سلام من ربكم سلام تحية وسلام أمان واطمئنان وسلام من كلّ مكروه وضر. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾: أعد: هيأ وجهز، لهم: اللام لام الاختصاص، أجراً على العمل في الدّنيا كريماً: هو الجنة وما فيها من النّعيم نعيم المأكل والمشرب والملبس وكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. كريماً: الأجر الكريم من الرّب الغني الكريم، أي: الأجر الأكثر بكثير مما يستحقه العبد أو يتصوَّره العقل. سورة الأحزاب [٣٣: ٤٥] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾: نداء إلى النّبي ﷺ مباشر

стр. 4122

بياء النّداء، أيها: الهاء للتنبيه، النّبي: نداء تكريم وتعظيم بدلاً من قوله: يا محمّد إنا أرسلناك. ﴿إِنَّا﴾: للجمع والتّعظيم. ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾: ولم يقل: بعثناك. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة للبيان ومعرفة الفرق بينهما. ﴿شَاهِدًا﴾: على أمتك وعلى الرّسل جميعاً. ﴿وَمُبَشِّرًا﴾: بالجنة لمن آمن وعمل صالحاً. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة لمزيد من البيان. ﴿وَنَذِيرًا﴾: أيْ: منذراً لمن يخرج عن منهج ربه ويعصي ربه ويعمل السيئات. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة لمزيد من البيان. ولنعلم أنّ رسول الله ﷺ هو الرّسول الوحيد الّذي أرسل مبشراً ونذيراً لكافة النّاس (الثقلين). سورة الأحزاب [٣٣: ٤٦] ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾: أيْ: داعياً إلى الإيمان به وعبادته وتوحيده وطاعته فيما أمر أو نهى عنه، بإذنه: بأمره وإرادته ومشيئته، وكما أمر. ﴿وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾: هادياً ودالاً النّاس إلى الصّراط المستقيم (الإسلام الدّين الحق) كالشّمس المضيئة الّتي تهدي النّاس بنورها وضوئها إلى رؤية الأشياء وإدراكها. وهو تشبيه بليغ للنّبي ﷺ في الهداية إلى دين الله تعالى، فهو ﷺ الشّمس

стр. 4123

والقرآن العظيم هو النّور. كقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٧٤]، وكقوله تعالى: ﴿وَالنُّورِ الَّذِى أَنزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨]. سورة الأحزاب [٣٣: ٤٧] ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: من البشارة وهي الخبر السّار. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة لمزيد من البيان. ﴿بِأَنَّ﴾: الباء للتوكيد، أن لزيادة التّوكيد. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: من ابتدائية. ﴿فَضْلًا كَبِيرًا﴾: الفضل هو الزّيادة على ما يستحق العبد من الأجر أو الثّواب ارجع إلى الآية (٤) من سورة الجمعة للبيان. وفضلاً كبيراً: دخول جنات النعيم ورضوان من الله أكبر. فضلاً كبيراً على سائر الأمم بالتّقوى والعمل الصّالح. سورة الأحزاب [٣٣: ٤٨] ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾: أليس هذا تكرار للآية الأولى، والآية (٣) من نفس السّورة يا أيّها النّبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين الجواب: لا. الآية الأولى كانت في بداية الدّعوة والآية (٤٨) كانت في السّنة الخامسة من الهجرة، نهي جديد لعدم الاستماع إلى الكفار والمنافقين والاستمرار والثّبات على الدّعوة إلى الله وعدم الرّكون إليهم. ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾: تجاوز عنهم واصفح ولا تجازيهم على إساءتهم ولا تأبه بهم.

стр. 4124

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٩) للبيان. سورة الأحزاب [٣٣: ٤٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾: نداء جديد إلى الّذين آمنوا بتكليف أو حكم جديد يتعلَّق بالنّكاح. ﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد الحتمية. ﴿نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: النّكاح هنا المقصود به عقد النّكاح على النّساء المؤمنات، والسّؤال هنا لماذا خص المؤمنات؟ لأنّ في ذلك إشارة إلى الحثِّ والحضِّ على الزّواج بالمؤمنات، كما قال رسول الله ﷺ اظفر بذات الدّين تربت يداك. رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن. ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾: ثم: لتباين الصّفات أو الفضل بين النّكاح والطّلاق، وليس للترتيب الزّمني والتّراخي. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾: من قبل: الزّمن غير محدد، أن: تفيد التّعليل والتّوكيد، تمسوهن: أن تدخلوا بهن كناية عن الجماع أو الزّواج أو الوطء. ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشّرط، ما النّافية، لكم: خاصة، من ابتدائية، عدة: ارجع إلى سورة الطّلاق الآية (١) للبيان، تعتدونها: أيْ: تستوفون عددها، أيْ: تنتظرون انتهاء عدد أيّامها. ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾: الفاء للتوكيد، متعوهن: ارجع إلى سورة البقرة الآية (٢٣٦) لمعرفة معنى المتعة، قيل: نزلت هذه الآية فيمن لم يُفرض لها مهر، والّتي فرض لها مهر نصف المهر المفروض، وبعض العلماء قالوا: نصف المفروض +

стр. 4125

المتعة، والمتعة بشكل عام هو ما يعطيه الزّوج من مال أو كسوة أو حلي أو غيرها إلزاماً لها وتخفيفاً ورحمة. وقوله: فمتعوهن: قيل: تعني الوجوب، وقيل: تعني النّدب واختلف العلماء في ذلك، ومنهم من قال: مستحب. ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾: خلوا سبيلهنَّ من غير إضرار أو أذية ولا منع من إعطائهن المتعة. سورة الأحزاب [٣٣: ٥٠] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الَّاتِى آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ الَّاتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِى أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: لفهم هذه الآية يجب أن نعلم أنّ هناك أربع فئات من النّساء اللاتي أباح الله لنبيِّه وحده بالزّواج منهن: الأولى: الزّواج بالمهر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾: ارجع إلى الآية (١) من مطلع سورة الأحزاب لبيان معنى يا أيها النبي. ﴿إِنَّا﴾: للجمع والتّعظيم. ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الَّاتِى آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾: أحللنا: من الحلال هو المباح شرعاً، أو ما نصَّ الشّارع على حلِّه، أحللنا مشتقة من الحل: أي: انحل من عقد التّحريم أو عقدة التّحريم، لك: اللام لام الاختصاص، أزواجك: بصيغة المذكر، ولم يقل: زوجاتك؛ لأنّ الزّوج يطلق على الذّكر والأنثى والزّوج يعني الجنس،

стр. 4126

اللاتي: اسم موصول للجمع المؤنث، أتيت أجورهن: أعطيت مهورهن وسمَّى المهور: أجور ويعني إيتاء المهر كاملاً دون تأخير شيء منه، كما يحدث الآن. والسّؤال: كيف يسمَّى المهر أجراً: لأنّ الأجر يُعطى على منفعة موقوتة وأمّا النّكاح فليس موقوتاً إنما شروطه الدّوام، فالإجارة تتنافى مع عقد النّكاح، إذ الإجارة عقد مؤقت والنّكاح عقد دائم، النّكاح ليس عقد تمليك وإنما هو عقد استباحة، والمهر في النّكاح ليس عوضاً وإنما هو عطية أوجبها الله تعالى. الفئة الثانية: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾: وما: اسم موصول بمعنى الّتي، ملكت يمينك: أيْ: ما ملكتها يمينك عليك، مما أفاء الله عليك: الفيء هو ما أخذ بغير حرب أو قتال من السّبي والغنائم مثل صفية بنت حُيي بن أخطب من سبي خيبر، وجويرية بنت الحارث من سبي بني المصطلق. الفئة الثّالثة: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ الَّاتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾: أمّا الّتي لم تهاجر فلا تحل له، ومن الملاحظ أنّ رسول الله ﷺ لم يتزوج من بنات عمه ولا بنات عماته ولا بنات خاله ولا بنات خالاته والعم والخال اسم جنس يطلق على المفرد والجمع. انتبه: أفرد في العم والخال يراد به الجنس وجمع في العمات والخالات؛ أي: كل بنات العم، وبنات الخال، وبنات العمات، وبنات الخالات؛ فقد كان لرسول الله ﷺ عم واحد وخال واحد أمّا الخالات والعمات فقد كان لرسول الله ﷺ أكثر من خاله وعمه، ولذلك جاء القرآن يصدع بالحق.

стр. 4127

الفئة الرابعة: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: وأحللنا لك امرأة مؤمنة؛ أي: شرط أن تكون مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي بدون مهر، وأراد النبي أن يتزوجها فلا بأس، وقوله وهبت نفسها للنبي: فهذه حالة خاصة (خاصة لك) دون المؤمنين فالمؤمن لو وهبت له امرأة نفسها بدون مهر وعقد وولي وشاهدان لم تحل له. وانظر كيف كتبت امرأة بالتاء المربوطة، ولم تكتب بالتاء المفتوحة (أو المبسوطة). ارجع إلى سورة آل عمران آية (٣٠) لمعرفة السبب. ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِى أَزْوَاجِهِمْ﴾: قد: للتحقيق والتّوكيد، علمنا ما فرضنا عليهم: ما تعني الّذي، فرضنا عليهم: على المؤمنين من أحكام وشروط في النّكاح مثل العدد والمهر والعقد وغيرها. ولا يحل لكم الاقتداء برسول الله ﷺ فيما خصَّه الله به وحده تكريماً له أو لحكمة ما لا يعلمها إلا الله، فلا يحل لكم الزّواج المبني على الهبة. ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾: حكمها معطل الآن. ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾: حرج: أيْ: ضيق أو مشقة فيما يقوله أعداء الدّين. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: كان تشمل كلّ الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل، غفوراً: صيغة مبالغة من الغفر أيْ: ستر ومحو الإثم ورفع الحرج والضّيق، رحيماً: بالتّوسعة على عباده وترك العقوبة.

стр. 4128

سورة الأحزاب [٣٣: ٥١] ﴿تُرْجِى مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُئْوِى إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾: بالإضافة إلى حِل الواهبة نفسها للرسول ﷺ من دون المؤمنين يفوض له الحرية والاختيار في الإيواء والإرجاء ليفعل ما يشاء بالنّسبة لأمر القسمة أو التّسوية بين أزواجه. ﴿تُرْجِى مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾: أيْ: تؤخِّر من تشاء من أزواجك عن ليلتها والإرجاء هو التّأخير. ﴿وَتُئْوِى إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: تضم أو تبيت مع من تشاء. ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾: ومن طلبت، أيْ: أردت ممن تجنَّبت (من العزلة) أيْ: ممن لا تريد على الإطلاق. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾: الجناح: الإثم، أيْ: لا إثم عليك. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٥٨) لبيان المعنى، ومعرفة الفرق بين لا جناح عليك، وليس عليك جناح. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد يشير إلى التّخيير الّذي أباحه الله سبحانه له. ﴿أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾: أقرب أن تقرَّ أعينهنَّ: أن حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد، تقر أعينهن: مشتقة من قرَّ بالمكان: أيْ: أقام وثبت به، أيْ: عدم دورانها وحيرتها، أيْ: تسكن أيْ: ترتاح أعينهنَّ وتسر (من السّرور) إذا علمن أنّ

стр. 4129

هذا أمر من الله سبحانه، وكذلك قرَّ مشتقة من القرِّ: وهو البرد، أيْ: لا تحزن وتغضب كالعين السّاخنة الّتي تحزن وتغضب. ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾: من الحَزَن: ارجع إلى سورة الأنعام الآية (٣٣) للبيان ومعرفة الفرق بين الحَزَن والحُزُن. ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾: الرّضاء ضده السّخط، الرّضا بما قسمه الله وقدره والرّضا بما حدث من إيواء وإرجاء وتقريب وتأخير، بما: الباء للإلصاق والدّوام، ما: الّذي، وأوسع شمولاً من الذي، آتيتهنَّ كلّهنَّ: (للتوكيد) آتيتهنَّ من الإيتاء، ويشمل النّواحي المادية والمعنوية معاً، يرضين بالقسمة والتّسوية والعدل بينهنَّ. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قُلُوبِكُمْ﴾: من الميل إلى البعض دون البعض، والحب والنّوايا والرّضا والسّخط. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾: كان تستغرق كلّ الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل، عليماً: صيغة مبالغة من علم كثير العلم عليماً بخلقه، وما تخفي ذوات الصّدور، من سرائر وعليم بحاجاتهم وميل قلوبهم، حليماً لا يعجل لهم العقوبة ويقبل التّوبة. سورة الأحزاب [٣٣: ٥٢] ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ رَّقِيبًا﴾: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ﴾: لا النّاهية، يحل لك خاصة. ﴿النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾: هؤلاء التّسع اللاتي عندك، اللاتي اخترن الله ورسوله والدّار الآخرة أو من بعد الّذي أحللنا لك. ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾: أيْ: لا يحل له أن

стр. 4130

يتجاوز التسع وهو النصاب، ولا يحل له أن يستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أُخَرَ بكلهنَّ أو بعضهنَّ، كان ذلك كرامة لهنَّ من الله سبحانه. أن للتعليل والتّوكيد، تبدل: حذف التّاء بدلاً من تتبدل لأنّ حكمها مقصور على رسول الله ﷺ وحده، ولو كان حكماً يشمل المسلمين لقال: تتبدل، ولو: الواو تفيد التّوكيد، لو: شرطية؛ أعجبك حسنهنَّ: الحسن: هو شدة الجمال والمنظر؛ أيْ: ولو أعجبك حسنهنَّ لا يحق أو يجوز لك أن تبدل. ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾: إلا: أداة استثناء ما ملكت يمينك: من الإماء مثل مارية القبطية الّتي أنجبت إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، ومات في سن الرّضاعة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ رَّقِيبًا﴾: كان تشمل أو تستغرق كلّ الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل، على كلّ شيء: شيء نكرة كلّ شيء الصّغير والكبير ومهما كان نوعه وجنسه، والشّيء: هو كل ما يُعلم ويخبر عنه سواء أكان حسياً أم معنوياً هو أقل القليل، رقيباً: الّذي يراك والعالم بأحوالك فلا يخفى عليه فعلك. سورة الأحزاب [٣٣: ٥٣] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِىِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَئْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ فَيَسْتَحْىِ مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْىِ مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾: أسباب النّزول: جمهور المفسرين قالوا: إنّ سبب نزول هذه الآية أنّ رسول الله ﷺ لما تزوج زينب بنت جحش الّتي طلقها زيد أراد أن يحتفل بذلك بإقامة وليمة (طعام) فدعا النّاس فأكلوا، ثمّ مكث فريق منهم يتحدثون ولم يخرجوا واستحيا رسول الله ﷺ منهم أن يقول لهم: اخرجوا فخرج وظلوا جالسين فعاد إلى مجلسه، ثم انصرفوا.

стр. 4131

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِىِّ﴾: نداء جديد إلى الّذين آمنوا بتكليف جديد هو عدم دخول بيوت النّبي، بيوت: جمع بيت وهو ما أُعد للمبيت، أي: الاستراحة والبيتوتة وبيوت النّبي غرف ضيقة ليست معدَّة للاستقبال. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾: لا بُدَّ من تحقق شرطين لدخول بيوت النّبي أوّلاً الدّعوة والإذن، ثانياً الطّعام فالإذن مقيَّد بالطّعام، والإذن يكون بالكلام أو الإشارة. ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾: أيْ: نضجه وإعداده واستواءَه. ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾: لكن للاستدراك والتّوكيد، إذا: شرطية تفيد الحتمية، دعيتم: طلب منكم الدّخول فادخلوا، وإن لم تدعوا فلا تدخلوا حتّى يؤذن لكم، فادخلوا: الفاء للمباشرة، عندما يكون الطّعام جاهزاً. ﴿فَإِذَا﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، إذا: شرطية ظرفية تفيد الحتمية. ﴿طَعِمْتُمْ﴾: أيْ: إذا أكلتم الطّعام أو فرغتم من الطّعام. ﴿فَانْتَشِرُوا﴾: اخرجوا عائدين إلى بيوتكم أو أعمالكم ولا يبقَ أحد أبداً، الفاء: للمباشرة والتّوكيد. ﴿وَلَا مُسْتَئْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾: لا النّاهية، تكرار (لا) يفيد توكيد النّفي، مستأنسين لحديث: أيْ: لا تمكثوا بعد الطّعام، يحدث بعضكم بعضاً في بيوت النّبي. ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ﴾: إنّ للتوكيد، ذلكم: اسم إشارة يشير إلى عدة أمور مهمة، ولم يقل: إنّ ذلك يشير إلى أمر واحد منها المكث والجلوس والحديث بعد الطّعام كان يؤذي النّبي أو يشق عليه.

стр. 4132

﴿فَيَسْتَحْىِ مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْىِ مِنَ الْحَقِّ﴾: يستحيي أن يقول لكم: اخرجوا من عنده أو قوموا؛ لأنّ وقت النّبي ﷺ ضيق فهو يحتاج إلى الرّاحة والاستعداد للصلوات والوحي والذّكر وغيره من العبادات وشؤون بيته. ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْىِ مِنَ الْحَقِّ﴾: والله لا يستحيي أن يقول الحق ويأمر به، أو يبيِّن ما هو الحق. ثم تتحدَّث بقية الآية عن كيفية التّعامل مع زوجات النّبي ﷺ أمّهات المؤمنين. ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد الحتمية. ﴿سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾: المتاع: يشمل أدوات المنزل أو الطّعام والشّراب، وما تحتاجونه من العلم والفتيا من رسوله ﷺ . ﴿فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: الفاء: للتوكيد، اسألوهنَّ من خلف ساتر أو جدار أو حاجز، ولم يقل: خلف حجاب؛ لأن وراء قد تكون المسافة من الحجاب قريبة أو بعيدة. ﴿ذَلِكُمْ﴾: اسم إشارة واللام للبعد، وذلكم يفيد الجمع، ويعني الأمر المهم والتوكيد. ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾: أوّلاً بدأ بالقول: لقلوبكم: اللام للتوكيد ولم يؤكد باللام بالقول: لقلوبهنَّ، وإنما قال: قلوبهنَّ؛ لأنّ قلوب أمّهات المؤمنين أطهر بكثير من قلوب بقية النّاس، أطهر: من خواطر السّوء والرّيبة والشّك، وهذه الآية وإن كانت تخص نساء النّبي فهي عامة تشمل نساء المؤمنين عامة والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السّبب. ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ﴾: ما النّافية، لكم خاصة، أيْ: لا يحق ولا يجوز لكم، وكان تعني: جميع الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل.

стр. 4133

﴿أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾: أن حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد، تؤذوا رسول الله: بأي أذية مهما كانت قولاً أو فعلاً، أو تؤذوا أزواجه أو أهله بأي نوع من الأذى. ﴿وَلَا أَنْ تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾: تكرار (لا) يفيد التّوكيد توكيد النّفي، أن: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد، تنكحوا أزواجه ﷺ والعياذ بالله، من بعده أبداً: من بعد موته ﷺ ، أبداً: تحريماً مؤبداً كحرمة أمّهاتكم عليكم مؤبداً. ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾: إنّ للتوكيد، ذلكم: للتوكيد وأهمية الأمر استعمل ذلكم بدلاً من ذلك، ذلكم: ذا اسم إشارة واللام للبعد والكاف للخطاب، ذلكم تدل على الجمع وتشمل: أوّلاً: السّؤال من وراء حجاب. ثانياً: إيذاء النّبي ﷺ . ثالثاً: نكاح أزواجه من بعده ﷺ ، ذلكم يعد إثماً وذنباً عظيماً، كان عند الله عظيماً: أيْ: ذلكم كان: تشمل كلّ الأزمنة عند الله: إثماً وذنباً عظيماً في شرعه ودينه أن تنكحوا أزواجه من بعده وعظيماً في الجزاء والحساب. سورة الأحزاب [٣٣: ٥٤] ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾: ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد النّدرة أو الاحتمال. ﴿تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾: تبدوا: أيْ: تظهروه أو تستروه أيَّ شيء حسياً أو معنوياً مهما كان صغيراً أو كبيراً، أو الشيء يشمل الكل كل شيء، أو أمر في نساء النبي ﷺ مثل إيذاء النّبي أو الرّغبة في الزّواج من نسائه أو إيذائهنَّ قولاً أو فعلاً. أو تخفوه: في أنفسكم بشأن أزواج النبي ﷺ وخاصة بعد موته ﷺ . ﴿فَإِنَّ﴾: الفاء للتوكيد، وإنّ لزيادة التّوكيد.

стр. 4134

﴿اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ﴾: في الماضي والمستقبل والحاضر. ﴿بِكُلِّ شَىْءٍ﴾: الباء للإلصاق، والدّوام، شيء مهما كان صغيراً أو كبيراً سراً أو جهراً قولاً أو فعلاً. ﴿عَلِيمًا﴾: عالماً به صيغة مبالغة متى حدث وأين وعالم بباطنه وظاهره لا يخفى على الله سبحانه شيئاً في الأرض ولا في السّماء. لنقارن هذه الآية (٥٤) من سورة الأحزاب: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ مع الآية (١٤٩) من سورة النّساء: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾: الاختلاف: في سورة الأحزاب قال: شيئاً، وفي النّساء قال: خيراً. والشّيء: أعم من الخير؛ لأنّ الشّيء يشمل الخير والشّر وشيئاً نكرة يشمل أيضاً الصّغير والكبير والقول والفعل، والشيء: الأمر الحسي أو المعنوي. فآية الأحزاب جاءت في الحديث عن نساء النّبي ودخول المنازل والسّؤال من وراء حجاب وعدم إيذاء النّبي ﷺ ، فالآية تخاطب الجميع المؤمنين والكفار والمنافقين، ولذلك استعملت شيئاً الّتي تشمل الخير والشّر، وانتهت الآية إنّ الله كان بكلّ شيء عليماً للتحذير. أمّا آية النّساء فتخاطب المؤمنين وحدهم فهي تتحدَّث عن جانب واحد وهو الخير، ولذلك استعمل كلمة إن تبدو خيراً، وانتهت بقوله: إنّ الله كان غفوراً رحيماً للمؤمنين.

стр. 4135

سورة الأحزاب [٣٣: ٥٥] ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾: سبب النّزول: لما نزلت آية الحجاب اشتكى أقارب أمّهات المؤمنين فقالوا: أو نحن أيضاً لا نكلمهنَّ إلا من وراء الحجاب فنزلت لا جناح عليهنَّ كما قال ابن كثير. ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾: أيْ: لا إثم ولا ذنب عليهنَّ؛ ارجع إلى الآية (٥) من نفس السورة، ولم يقل: ليس عليهنَّ جناح: لمعرفة الفرق ارجع إلى الآية (١٥٨) من سورة البقرة للبيان، لا حرج ولا إثم أن يدخل عليهنَّ ويكلمهنَّ من دون حجاب هؤلاء المذكورون في الآية: وهم الآباء والأبناء والإخوان وأبناء إخوانهنَّ وأبناء أخواتهنَّ. ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾: اختلف الفقهاء في المراد بنسائهنَّ فقال بعضهم: المسلمات فقط، وهو قول أكثر الفقهاء ومنهم ابن عباس، وقال البعض: جميع النّساء المسلمة والكتابية والكافرة، وقوله: نسائهنَّ، ولم يقل: النّساء، تعني النّساء اللاتي هنَّ ملازمات لهنَّ مثل العاملات أو الخادمات. ارجع إلى كتب الفقه للاطلاع على المزيد من البيان والتّحقيق.
следующие страницы →