Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.
стр. 4131
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِىِّ﴾: نداء جديد إلى الّذين آمنوا بتكليف جديد هو عدم دخول بيوت النّبي، بيوت: جمع بيت وهو ما أُعد للمبيت، أي: الاستراحة والبيتوتة وبيوت النّبي غرف ضيقة ليست معدَّة للاستقبال.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد.
﴿يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾: لا بُدَّ من تحقق شرطين لدخول بيوت النّبي أوّلاً الدّعوة والإذن، ثانياً الطّعام فالإذن مقيَّد بالطّعام، والإذن يكون بالكلام أو الإشارة.
﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾: أيْ: نضجه وإعداده واستواءَه.
﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾: لكن للاستدراك والتّوكيد، إذا: شرطية تفيد الحتمية، دعيتم: طلب منكم الدّخول فادخلوا، وإن لم تدعوا فلا تدخلوا حتّى يؤذن لكم، فادخلوا: الفاء للمباشرة، عندما يكون الطّعام جاهزاً.
﴿فَإِذَا﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، إذا: شرطية ظرفية تفيد الحتمية.
﴿طَعِمْتُمْ﴾: أيْ: إذا أكلتم الطّعام أو فرغتم من الطّعام.
﴿فَانْتَشِرُوا﴾: اخرجوا عائدين إلى بيوتكم أو أعمالكم ولا يبقَ أحد أبداً، الفاء: للمباشرة والتّوكيد.
﴿وَلَا مُسْتَئْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾: لا النّاهية، تكرار (لا) يفيد توكيد النّفي، مستأنسين لحديث: أيْ: لا تمكثوا بعد الطّعام، يحدث بعضكم بعضاً في بيوت النّبي.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ﴾: إنّ للتوكيد، ذلكم: اسم إشارة يشير إلى عدة أمور مهمة، ولم يقل: إنّ ذلك يشير إلى أمر واحد منها المكث والجلوس والحديث بعد الطّعام كان يؤذي النّبي أو يشق عليه.
стр. 4132
﴿فَيَسْتَحْىِ مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْىِ مِنَ الْحَقِّ﴾: يستحيي أن يقول لكم: اخرجوا من عنده أو قوموا؛ لأنّ وقت النّبي ﷺ ضيق فهو يحتاج إلى الرّاحة والاستعداد للصلوات والوحي والذّكر وغيره من العبادات وشؤون بيته.
﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْىِ مِنَ الْحَقِّ﴾: والله لا يستحيي أن يقول الحق ويأمر به، أو يبيِّن ما هو الحق.
ثم تتحدَّث بقية الآية عن كيفية التّعامل مع زوجات النّبي ﷺ أمّهات المؤمنين.
﴿وَإِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد الحتمية.
﴿سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾: المتاع: يشمل أدوات المنزل أو الطّعام والشّراب، وما تحتاجونه من العلم والفتيا من رسوله ﷺ .
﴿فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: الفاء: للتوكيد، اسألوهنَّ من خلف ساتر أو جدار أو حاجز، ولم يقل: خلف حجاب؛ لأن وراء قد تكون المسافة من الحجاب قريبة أو بعيدة.
﴿ذَلِكُمْ﴾: اسم إشارة واللام للبعد، وذلكم يفيد الجمع، ويعني الأمر المهم والتوكيد.
﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾: أوّلاً بدأ بالقول: لقلوبكم: اللام للتوكيد ولم يؤكد باللام بالقول: لقلوبهنَّ، وإنما قال: قلوبهنَّ؛ لأنّ قلوب أمّهات المؤمنين أطهر بكثير من قلوب بقية النّاس، أطهر: من خواطر السّوء والرّيبة والشّك، وهذه الآية وإن كانت تخص نساء النّبي فهي عامة تشمل نساء المؤمنين عامة والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السّبب.
﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ﴾: ما النّافية، لكم خاصة، أيْ: لا يحق ولا يجوز لكم، وكان تعني: جميع الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل.
стр. 4133
﴿أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾: أن حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد، تؤذوا رسول الله: بأي أذية مهما كانت قولاً أو فعلاً، أو تؤذوا أزواجه أو أهله بأي نوع من الأذى.
﴿وَلَا أَنْ تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾: تكرار (لا) يفيد التّوكيد توكيد النّفي، أن: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد، تنكحوا أزواجه ﷺ والعياذ بالله، من بعده أبداً: من بعد موته ﷺ ، أبداً: تحريماً مؤبداً كحرمة أمّهاتكم عليكم مؤبداً.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾: إنّ للتوكيد، ذلكم: للتوكيد وأهمية الأمر استعمل ذلكم بدلاً من ذلك، ذلكم: ذا اسم إشارة واللام للبعد والكاف للخطاب، ذلكم تدل على الجمع وتشمل:
أوّلاً: السّؤال من وراء حجاب.
ثانياً: إيذاء النّبي ﷺ .
ثالثاً: نكاح أزواجه من بعده ﷺ ، ذلكم يعد إثماً وذنباً عظيماً، كان عند الله عظيماً: أيْ: ذلكم كان: تشمل كلّ الأزمنة عند الله: إثماً وذنباً عظيماً في شرعه ودينه أن تنكحوا أزواجه من بعده وعظيماً في الجزاء والحساب.
سورة الأحزاب [٣٣: ٥٤]
﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾:
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد النّدرة أو الاحتمال.
﴿تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾: تبدوا: أيْ: تظهروه أو تستروه أيَّ شيء حسياً أو معنوياً مهما كان صغيراً أو كبيراً، أو الشيء يشمل الكل كل شيء، أو أمر في نساء النبي ﷺ مثل إيذاء النّبي أو الرّغبة في الزّواج من نسائه أو إيذائهنَّ قولاً أو فعلاً. أو تخفوه: في أنفسكم بشأن أزواج النبي ﷺ وخاصة بعد موته ﷺ .
﴿فَإِنَّ﴾: الفاء للتوكيد، وإنّ لزيادة التّوكيد.
стр. 4134
﴿اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ﴾: في الماضي والمستقبل والحاضر.
﴿بِكُلِّ شَىْءٍ﴾: الباء للإلصاق، والدّوام، شيء مهما كان صغيراً أو كبيراً سراً أو جهراً قولاً أو فعلاً.
﴿عَلِيمًا﴾: عالماً به صيغة مبالغة متى حدث وأين وعالم بباطنه وظاهره لا يخفى على الله سبحانه شيئاً في الأرض ولا في السّماء.
لنقارن هذه الآية (٥٤) من سورة الأحزاب: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ مع الآية (١٤٩) من سورة النّساء: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾:
الاختلاف: في سورة الأحزاب قال: شيئاً، وفي النّساء قال: خيراً.
والشّيء: أعم من الخير؛ لأنّ الشّيء يشمل الخير والشّر وشيئاً نكرة يشمل أيضاً الصّغير والكبير والقول والفعل، والشيء: الأمر الحسي أو المعنوي.
فآية الأحزاب جاءت في الحديث عن نساء النّبي ودخول المنازل والسّؤال من وراء حجاب وعدم إيذاء النّبي ﷺ ، فالآية تخاطب الجميع المؤمنين والكفار والمنافقين، ولذلك استعملت شيئاً الّتي تشمل الخير والشّر، وانتهت الآية إنّ الله كان بكلّ شيء عليماً للتحذير.
أمّا آية النّساء فتخاطب المؤمنين وحدهم فهي تتحدَّث عن جانب واحد وهو الخير، ولذلك استعمل كلمة إن تبدو خيراً، وانتهت بقوله: إنّ الله كان غفوراً رحيماً للمؤمنين.
стр. 4135
سورة الأحزاب [٣٣: ٥٥]
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾:
سبب النّزول: لما نزلت آية الحجاب اشتكى أقارب أمّهات المؤمنين فقالوا: أو نحن أيضاً لا نكلمهنَّ إلا من وراء الحجاب فنزلت لا جناح عليهنَّ كما قال ابن كثير.
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾: أيْ: لا إثم ولا ذنب عليهنَّ؛ ارجع إلى الآية (٥) من نفس السورة، ولم يقل: ليس عليهنَّ جناح: لمعرفة الفرق ارجع إلى الآية (١٥٨) من سورة البقرة للبيان، لا حرج ولا إثم أن يدخل عليهنَّ ويكلمهنَّ من دون حجاب هؤلاء المذكورون في الآية: وهم الآباء والأبناء والإخوان وأبناء إخوانهنَّ وأبناء أخواتهنَّ.
﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾: اختلف الفقهاء في المراد بنسائهنَّ فقال بعضهم: المسلمات فقط، وهو قول أكثر الفقهاء ومنهم ابن عباس، وقال البعض: جميع النّساء المسلمة والكتابية والكافرة، وقوله: نسائهنَّ، ولم يقل: النّساء، تعني النّساء اللاتي هنَّ ملازمات لهنَّ مثل العاملات أو الخادمات. ارجع إلى كتب الفقه للاطلاع على المزيد من البيان والتّحقيق.
стр. 4136
﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾: معطلة في عصرنا الحاضر، ولم يذكر الأعمام والأخوال (العم والخال) رغم أنّ منزلتهما كمنزلة الوالد، بعضهم قال: لا يجوز وبعضهم قال: يجوز. ارجع إلى مصادر الفقه، والطّفل الّذين لم يظهروا على عورات النّساء، وتكرار لا يفيد التّوكيد وفصل كلّ قرابة عن الآخر.
﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾: من التّقوى وهي بامتثال وطاعة أوامر الله سبحانه وتجنُّب ما نهى عنه، أي: اتقين سخط الله وغضبه وناره فيما أمر به من الحجاب والعفة والقول والنّظر والتّبرج.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ للتوكيد.
﴿كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾: كان تشمل كلّ الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل، شهيداً: صيغة مبالغة من شاهد وشهيداً تعني: الرّقيب والمطلع على كلّ شيء والمحيط علمه بعباده وما تخفي صدورهم وتفعل جوارحهم وكلّ سر ونجوى وجهر.
أمّا الفرق بين إنّ الله كان بكلّ شيء عليماً، إنّ الله كان على كلّ شيء شهيداً:
فالشّهادة أخص من العلم، العلم = الشّهادة وزيادة.
فالعليم يعلم أكثر من الشّهيد والشّهادة علم يتناول الموجود والعلم يتناول الموجود والمعدوم، والمسموع الغائب والحاضر، وللمقارنة بالرّقيب. ارجع إلى الآية (٥٢) من نفس السّورة.
стр. 4137
سورة الأحزاب [٣٣: ٥٦]
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾:
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ﴾: إنّ للتوكيد، الله وملائكته: جمع الله سبحانه بين صلاته وصلاة ملائكته على النّبي؛ لأنّه سبحانه هو وحده الّذي يحق له أن يجمع أو لا يجمع، وأمّا نحن فلا يحق لنا أن نجمع بين الله سبحانه وأحدٍ من خلقه، ويصلون الضّمير يعود على الله والملائكة معاً، الصّلاة من الله على النّبي تعني: الرّحمة العامة المطلقة ورضوانه وثناؤه، والصّلاة من الملائكة على النّبي تعني: الاستغفار والدّعاء له.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين آمنوا بتكليف جديد هو الصّلاة على النّبي والتّسليم عليه، فكيف نصلِّي على النّبي ﷺ نصلِّي عليه ﷺ ، كما علمنا حين سُئِلَ: كيف نصلِّي عليك؟ فقال ﷺ : قولوا: اللهم صل على محمّد وعلى آل محمّد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد (ارجع إلى كتب الفقه).
واختلف الفقهاء في حكم الصّلاة على النّبي، فمنهم من قال: فرض ولو كان مرة واحدة، ومنهم من قال: شرط أو واجبة أو مندوبة، والصّلاة على النّبي ﷺ والتّسليم يجب أن تكون مصاحبة لطّاعة الرّسول وامتثال أوامره وإلا فكيف تصلي عليه وتعصيه.
стр. 4138
أمّا كيف يصلي رسول الله ﷺ على نفسه ويسلم؛ لأنّ الآية تنادي الّذين آمنوا ورسول الله ﷺ إمام المؤمنين؟
فالجواب: هو التّحيات حين يقول رسول الله ﷺ : اللهم صل على محمّد وعلى آل محمّد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، فالرّسول حين يقول ذلك يعتبر صلاةً على نفسه.
﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: اتباع الفعل سلموا بالمصدر تسليماً يفيد التّوكيد. ارجع إلى مصادر الفقه الأخرى للمزيد عن الصّلاة على النّبي وفضلها والأحاديث الّتي جاءت في سياقها.
سورة الأحزاب [٣٣: ٥٧]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾:
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: إنّ للتوكيد، الّذين اسم موصول يفيد الذّم.
﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: الإيذاء هو إيقاع الأذى، أي: الضرر بالقول أو الفعل بالمؤذَى، والإيذاء بحق الله ورسوله، أو أزواجه وأهله قد يعني: فعل ما يكرهه الله ورسوله من الكفر والمعاصي والتّكذيب، ومخالفة الشّريعة على سبيل المجاز، والإيذاء بحقِّ الله ورسوله له معنى خاص.
فالإيذاء الّذي يقع بحق الله تعالى لا يكون بالفعل فلا يستطيع أيُّ مخلوق من خلقه مهما كان شأنه في الأرض أو في السّماء أن يفكِّر أن يؤذي الله سبحانه؛ لأنّه سبحانه العزيز القوي القهار الجبار، والإيذاء قد يكون بالقول فقط حين يقولون أو يفترون الكذب على الله ، مثل قولهم: إنّ الله فقير ونحن
стр. 4139
أغنياء، أو إنّ الله هو المسيح ابن مريم، أو الملائكة بنات الله، أو يسبون الدّهر والله هو الدّهر، أو أن يجعلوا بينه وبين الجنة نسباً، والإلحاد في أسمائه وصفاته وذاته.
فقد روى البخاري في صحيحه قال: قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، أمّا إيذاء الرّسول ﷺ فقد يحصل بالقول والفعل حين قالوا: ساحر، أو كاهن أو مجنون أو شاعر، وبالفعل حين شجَّوا وجهه الشّريف وكسروا رباعيته يوم أحد وغيرها، وكلمة يؤذون: جاءت بصيغة المضارع للدلالة على تجدُّد وتكرُّر إيذائهم، وأنّه لم يتوقف.
﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: أيْ: طردهم وأبعدهم الله تعالى عن رحمته، ومثال على ذلك المعيشة الضّنكة والعذاب في الحياة الدّنيا بشتى أنواعه.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾: أعد: هيَّأ وجهَّز، لهم: اللام لام الاستحقاق والاختصاص، عذاباً مهيناً: أي: مخزياً لكونه أمام الخلائق يوم القيامة وبِذلَّة، والأليم.
سورة الأحزاب [٣٣: ٥٨]
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾:
﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد الذّم.
﴿يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: يؤذون: ارجع إلى الآية السّابقة، ويؤذون بصيغة المضارع تدل على التّجدُّد والتّكرار، والإيذاء يكون بالقول والفعل، بالقذف والظّن السّيِّئ والغيبة والنّميمة والكذب والبهتان، وبالفعل
стр. 4140
بالظّلم والعدوان والقتل والضّرب، وغيرها من وسائل الإيذاء والتّعذيب، وذكر المؤمنات بعد المؤمنين ذكر الخاص بعد العام؛ لأنّ المؤمنات يدخلن في كلمة المؤمنين، فقول والمؤمنات: تدل على التّوكيد على عدم إيذاء المؤمنات الغافلات.
﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾: أيْ: بغير ذنب أو سبب أو جريمة أو سيئة، والباء للإلصاق والدّوام، ما: بمعنى الّذي أو مصدرية، اكتسبوا: على وزن افتعلوا ولم يقل: كسبوا: اكتسبوا تدل على تكرار الكسب، أيْ: لم يفعلوا أيَّ شيء أو سبب لإيذائهم لكي يرموهم بالباطل والكذب.
﴿فَقَدِ﴾: الفاء للتوكيد، قد للتحقيق والتّوكيد.
﴿احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: البهتان هو الكذب المتعمَّد الّذي يبهت ويدهش السّامع: أيْ: يقع عليهم إثم ذلك البهتان، أي: الكذب، وإثماً مبيناً: أي: ظاهراً جلياً لا يخفى على أحد، ولا يحتاج إلى دليل أو برهان.
سورة الأحزاب [٣٣: ٥٩]
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ قُلْ لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾:
أسباب النّزول: كما أخرج البخاري عن عائشة ﵂ قالت: خرجت سودة زوجة النبي ﷺ بعدما ضُرب الحجاب لحاجتها فرآها عمر، فقال: يا سودة أما والله تخافين علينا فانظري كيف خرجت، قالت: فانكفأت فأخبرت رسول الله ﷺ بما قال عمر فنزلت هذه الآية.
وقيل: كان بعض المنافقين يتعرضون للنساء في الليل إذا خرجن لحاجتهنَّ،
стр. 4141
فنزلت هذه الآية، والمهم هو عموم اللفظ وليس خصوص السّبب، وهذا ما يحدث في عصرنا الحاضر من تعرض نساء المؤمنين للإيذاء بالأقوال وبالأفعال من قبل ضعاف الإيمان وأولاد الشوارع.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾: نداء بياء النّداء، أيّها: الهاء للتنبيه، نداء تكريم وتشريف.
﴿قُلْ لِّأَزْوَاجِكَ﴾: اللام لام الاختصاص، أزواجك: وكنَّ تسعة حين نزول هذه الآية، وهنَّ: عائشة وحفصة وأمّ حبيبة وأمّ سلمة وسودة بنت زمعة وميمونة وزينب وجويرية وصفية.
﴿وَبَنَاتِكَ﴾: وكن أربعة: فاطمة وزينب ورقية وأمّ كلثوم.
﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: عامة وكلمة نساء جمع لا مفرد لها وليس مثل كلمة أزواج مفردها زوج، إذن كلمة نساء لا يعرف لها مفرد كما أنّ كلمة امرأة ليس لها جمع فلا تجمع على امرآت مثلاً، وأصل كلمة النّساء من النسيء: وهو التّأخير؛ لأنّ المرأة خلقت بعد خلق الرّجل كما قال البعض.
انتبه: إلى قوله: لأزواجك ولم يقل: ولبناتك ولنساء المؤمنين، وإنما قال: بناتك ونسائك، أكد باللام على أزواج النّبي؛ لأنّهن هن القدوة لكلّ النّساء وأمّهات المؤمنين، ولم يؤكد على بناته ونساء المؤمنين.
﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: الإدناء: هو الإرخاء والإسبال على الوجه والبدن أيْ: يسترن أجسامهنَّ من الرّأس إلى القدم، والإدناء أصله التّقريب، من جلابيبهنَّ: من ابتدائية، والجلباب هو ثوب يُلبس فوق الثّياب الدّاخلية وهو ثوب
стр. 4142
يستر جميع الجسم والصّدر، وأمّا الخمار فهو غطاء الرّأس تحديداً، وأمّا الجيب: فهو فتحة الصّدر.
﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد يشير إلى إدناء الجلابيب.
﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾: أدنى: أقرب أو أحرى أن يعرفن: أن حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد، أيْ: لكي يعرفن أو أقرب أن يعرفن ويُتبيَّن أنّهنَّ من الحرائر.
﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾: الفاء للتوكيد، لا النّافية، ويؤذين مبني للمجهول، أيْ: من قبل السّفهاء وأهل الرّيبة بالتّعرض لهنَّ، فكأن لباس الجلباب فيه إشارة أو علامة على أنّ المرأة حرة من الحرائر، فالأولى عدم التّعرض لها والإساءة لها.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: غفوراً لمن تركت منهنَّ السّتر قبل نزول هذه الآية، غفوراً: صيغة مبالغة كثير الغفر هو السّتر ستر الذّنوب ومحوها والثّواب على العمل الصّالح، رحيماً: بعباده المؤمنين في الدّنيا والآخرة يرشدهم إلى ما فيه الخير والصّلاح والسّداد والصّواب، رحيماً صيغة مبالغة كثير الرّحمة وصفة الرّحمة ثابتة له.
سورة الأحزاب [٣٣: ٦٠]
﴿لَئِنْ لَّمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾:
﴿لَئِنْ لَّمْ﴾: اللام لام التّوكيد، إن: شرطية تفيد النّدرة أو الاحتمال والشّك، لم: نافية.
﴿الْمُنَافِقُونَ﴾: جمع منافق وهو من يظهر خلاف ما يبطن، أيْ: من أظهر
стр. 4143
الإسلام وأضمر أو أبطن الكفر. ارجع إلى سورة النساء آية (١٣٨) لمزيد من البيان.
﴿وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: الرّيبة والشّك والفجور وضعاف الإيمان والفسقة.
﴿وَالْمُرْجِفُونَ﴾: من الإرجاف، جمع مرجف والمرجف الّذي يمشي بين النّاس لينشر الفتنة وأخبار السّوء والأكاذيب والأباطيل وزعزعة النّفوس؛ مما يؤدي إلى اضطرابها وتحريكها، والإرجاف: مأخوذة من الرّجفة الّتي هي الزّلزلة الأرضية الشّديدة. وهذه الآية قد تكون تحذير ووعيد لمن يخفي أو يبدي شيئاً يؤذي رسول الله ﷺ ، أو يطعن في أزواجه (أمهات المؤمنين).
وهناك من المفسرين مَنْ يرى أن الصّفات الثّلاث لجنس واحد هم المنافقون، أيْ: هناك من المنافقين مرجفون، وقوم يشكِّكون المسلمين، الواو هنا تعني عطف صفات مختلفة لشيء واحد، وجاءت الصّفات مستقلة؛ لأنّها أصبحت صفات واضحة غير مخفيَّة تكاد تكون مستقلة بذاتها.
﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾: اللام للتوكيد، نغرينك بهم: من الإغراء وهو أن تحمل المخاطب ليفعل أمراً ما أو تُحبب إلى شخص أمر ليفعله، أيْ: لنغرينك على مواجهتهم والتّصدي لهم وقتالهم وإجلائهم، أيْ: لنسلطنك عليهم، والنّون في نغرينك لزيادة التّوكيد.
﴿ثُمَّ﴾: عطف بها لتباين عظم الجلاء عن الأوطان، فهو أعظم عليهم من جميع ما أصيبوا به.
стр. 4144
﴿لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا﴾: أذلاء ملعونين أقلاء في المدينة، ولمدة قليلة من الزّمن، ثم يخرجون منها أو يهلكون، إلا تفيد الحصر.
﴿قَلِيلًا﴾: أيْ: زمناً قليلاً أو القلة منهم والباقي يرحل ويترك.
سورة الأحزاب [٣٣: ٦١]
﴿مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾:
﴿مَّلْعُونِينَ﴾: أيْ: لا يجاورونك إلا ملعونين، أيْ: مبعدين عن رحمة الله، أو مطرودين من المدينة بعد أن لعنهم الله سبحانه وفضحهم بسبب غدرهم ونفاقهم.
﴿أَيْنَمَا﴾: وردت في القرآن في أربع آيات هذه واحدة منهنَّ، ظرف مكان فيه معنى العموم والشّمول والإبهام.
﴿ثُقِفُوا﴾: أيْ: وجدوا في أيِّ مكان وزمان على شرط أن تكونوا قادرين عليهم أو تربصوا لهم فإذا تمكَّنتم من أسرهم وقتلهم فافعلوا.
﴿أُخِذُوا﴾: أيْ: أسروا: أخذوا أسرى.
﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾: أي: اقتلوهم بعنف وشدة ولا تأخذكم بهم رحمة أو رأفة، قتلوا: فيها مبالغة، ولم يقل: وقتلوا بتشديد التّاء، وإتْباع الفعل بالمصدر يفيد التّوكيد على قتلهم.
سورة الأحزاب [٣٣: ٦٢]
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾:
﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾: هي الطّريقة الّتي يصرف الله سبحانه بها كونه أو خلقه بما يحقق مصلحة ذلك الكون أو الخلق ومصلحة الإنسان أن يسود الحق ويبطل الباطل. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٣) والنّساء آية (٢٦) لبيان معنى سنة.
стр. 4145
ولمقارنة السّنة مع العادة: فالعادة مأخوذة من العود والمعاودة بمعنى التّكرار، وأمّا العرف: فما ألفه المجتمع واعتاده من قول أو فعل وعادة.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾: أيْ: أسر المنافقين ولعنهم في كلّ زمان، وقتلهم تقتيلاً وتسليط المؤمنين عليهم وقهرهم هي سنة الله تعالى، وطريقته الّتي أجراها منذ الأزل، والّتي جرت في الّذين خلوا من قبل أو مضوا أو جاؤوا من قبل هؤلاء من الأمم السّابقة.
﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾: لن: لنفي القريب والبعيد، واللام في كلمة لسنة: لام الاختصاص، تجد لسنة الله تبديلاً: أيْ: لا تغيير ولا تبديل ولا تحويل ثابتة دائمة على أمثال هؤلاء إلى قيام السّاعة. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٣) من سورة الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾: نجد أن آية الأحزاب جاءت في سياق المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين، والسُّنة هي: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾، وآية الفتح جاءت في سياق الذين كفروا، والسُّنة هي: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
стр. 4146
سورة الأحزاب [٣٣: ٦٣]
﴿يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾:
﴿يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾: يسألك النّاس؛ أي: الكل يسأل؛ إما سؤال إنكار من الّذين ينكرون السّاعة والبعث والحساب أو سؤال استعجال واستهزاء من المشركين أو من اليهود على سبيل الامتحان، أو من أهل العلم من الّذين يؤمنون بها للاستعداد لها.
﴿عَنِ السَّاعَةِ﴾: أيْ: متى قيام السّاعة، أيْ: عن وقت حدوثها والسّاعة هي بدء تهدم النّظام الكوني الحالي ونهاية الحياة الدنيا، وهي أمر مهم وخطير يهم كلّ النّاس، ويسألك ولم يقل: يسألونك، يسألك: يعني السّائل ليس بالضّرورة يقف أمامك ويسألك، أمّا يسألونك: فالسّائل يقف أمامك ويسألك بنفسه وعن تفيد المجاوزة والمساعدة.
﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله ﷺ .
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد والحصر.
﴿عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: أيْ: قل لهم: لا يعلمها إلا الله أو استأثر الله بعلمها، فلم يطلع عليه ملكاً ولا رسولاً ولا نبياً، ثم بين سبحانه أنّها قريبة الوقوع.
﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾: وما: الواو عاطفة، ما للاستفهام.
يدريك ولم يقل: أدراك ما هو الفرق بين يدريك وأدراك يستعمل القرآن
стр. 4147
الكريم يدريك في سياق الأمر أو الاستفهام الّذي لن يظهر أو يُعلم عليه حتّى يوم القيامة.
وأمّا أدراك فيستعملها في سياق الأمر أو الاستفهام الّذي سيظهر علمه أو يبدو لك عن قريب.
﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾: لعل للتعليل، السّاعة تكون قريباً لم يقل: قريبة: قريباً بالتّذكير؛ لأنّ المراد بالسّاعة ليس السّاعة الآلة بعينها، وإنما وقت قيامها، أي: الظّرف أيْ: زمن قيام قريب، فكل ما ورد في إدراك فقد أداره به، وكل ما جاء في سياق يدريك لم يطلعه الله عليه.
سورة الأحزاب [٣٣: ٦٤]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾:
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد.
﴿لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾: طردهم وأبعدهم عن رحمته والكافرين بشكل عام والكافرين بالبعث والسّاعة خاصة.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ﴾: أعد: هيَّأ وجهز، لهم: اللام للاختصاص والاستحقاق.
﴿سَعِيرًا﴾: ناراً شديدة الاستعار والاتقاد أو مستعرة.
سورة الأحزاب [٣٣: ٦٥]
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: الخلود يعني: البقاء الدّائم المستمر من دون انقطاع ويبدأ من زمن معيَّن هو دخولهم إياها وإلى ما لا نهاية.
﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: ولم يقل: لا يجدون من دون الله ولياً ولا نصيراً؛ لأنّ سياق الآية في الآخرة ففي الآخرة انتهى الأمر لا يوجد لله لا شريك
стр. 4148
ولا ولي، كما كانوا يزعمون في الدّنيا، ولو كان السّياق في الدّنيا لذكر من دون الله.
ولياً: من الولاية والولي هو القريب الّذي يتولَّى أمرهم والمحب المخلص لهم، ولياً نكرة تعني أيَّ وليٍّ.
ولا نصيراً: النّاصر والمدافع القوي يخلصهم من العذاب. نصيراً: نكرة تعني أيَّ نصير. ارجع إلى الآية (١٠٧) من سورة البقرة لمزيد من البيان؛ أي: لا يجد لا ولي لوحده، ولا نصير لوحده، ولا كلاهما معاً.
سورة الأحزاب [٣٣: ٦٦]
﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾:
﴿يَوْمَ﴾: نكرة للتهويل والتّعظيم، أيْ: يوم القيامة.
﴿تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ﴾: تعود على الكافرين، تقلب وجوههم: قد تعني مرة على الجانب الأيمن ومرة على الجانب الأيسر.
تقلب وجوههم مثل تلفح وجوههم النّار أو لا يكفون عن وجوههم النّار.
وخصَّ الوجه؛ لأنّه أشرف أعضاء الجسم وأهمها.
﴿يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا﴾: يا النّداء نداء حسرة، ليت تستعمل لطلب الأشياء المستحيلة الحدوث أو غير الممكنة الحدوث، أو هم يتمنَّون المستحيل؛ لأنّ طاعة الله ورسوله انتهت والآخرة ليس فيها تكليف.
﴿أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾: يا ليتنا أيْ: أطعنا الله سبحانه في الدنيا فيما أمر ونهى وأطعنا الرّسول ﷺ فيما فصَّلَ وبيَّن ويا ليتنا لم نعصه، وتكرار أطعنا يفيد التّوكيد وفصل طاعة الله عن طاعة الرّسول أو كلاهما معاً.
стр. 4149
﴿الرَّسُولَا﴾: فيها زيادة ا لألف الّتي تدل على طول الكلمة بدلاً من أطعنا الله والرّسول ولتدل على تمنٍّ ممزوج بصراخ وعويل طويل مرير من أهل النار.
سورة الأحزاب [٣٣: ٦٧]
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾:
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا﴾: لم يقولوا: يا ربنا: حذفوا ياء النّداء للبعد؛ لأنّ الموقف في الآخرة والله سبحانه قريب منهم يسمعهم.
﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾: السّادة جمع سيد: وهو الّذي يتولَّى تدبير القوم وعليهم طاعته؛ لأنّه ينظر في أمورهم فهو سيد القوم ورئيسهم.
﴿وَكُبَرَاءَنَا﴾: جمع للصفة كبير وهو الّذي يفضلهم في العلم أو السّن أو الشّرف.
فهم يلقون اللوم على السّادة والكبراء، لعلَّ الله يقبل اعتذارهم وسادتنا تدل على الكثرة، أيْ: أطعناهم فكانوا عوناً لنا على الشّرك والكفر والمعاصي. وهناك فرق بين كبراءنا، وأكابر؛ الأكابر: جمع أكبر، وهم أعظم أو أبلغ من كبراء.
﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾: أيْ: لم يهدوننا إلى الصّراط المستقيم وساروا بنا في طريق الضّلال.
وأضلونا السّبيلا: مد السّبيل فقال السّبيلا: لأنّ المقام مقام صراخ وعويل وبكاء، وعدم استقرار ولا سكون.
وإذا قارنا هذه الآية بالآية (٤) من نفس السّورة ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾: لم يمد السّبيل: لأنّ هذه السّبيل مليئة بالسّكون والطّمأنينة والاستقرار؛ لأنّه سبيل الله الحق يختلف عن سبيل السّادة والكبراء.
стр. 4150
سورة الأحزاب [٣٣: ٦٨]
﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾:
﴿رَبَّنَا﴾: ولم يقولوا: يا ربنا: ارجع إلى الآية السّابقة.
﴿آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾: قيل: عذاب مضاعف؛ لأنّهم أضلوا أنفسهم وأضلونا معهم، أيْ: ضلالهم لم يقتصر على أنفسهم، وإنّما تعدَّى إلى غيرهم، أي: اجعل عذابهم ضعفي عذابنا.
﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾: طلبوا لهم اللعن، أيْ: طلبوا من الله أن يطردهم من رحمته، وأن يكون هذا اللعن لعناً كبيراً؛ لأنّهم ضلوا وأضلونا وليس لعناً عادياً.
سورة الأحزاب [٣٣: ٦٩]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾:
المناسبة: بعد أن ذكر الله سبحانه الّذين آذوا الله وآذوا رسوله ﷺ ، ثم الّذين آذوا المؤمنين، ثم ينادي الّذين آمنوا بنداء جديد بأن لا يكونوا كبني إسرائيل الّذين آذوا نبيهم موسى ﵇ الّذي جاء لينقذهم من الاستعباد والعذاب.
وهم آذوه مرات عديدة مثال: حين اتهموه بقتل أخيه هارون، أو حين اتهموه بالبرص، وحين اتهموه بالعيب الخلقي، وهو الأدرة وهو انتفاخ بالصفن بسبب كيسة، وحين اتهموه بالزّنى بالمرأة البغي بعد أن حرضها قارون على اتهام موسى بالفاحشة.
﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾: أيْ: أطلعهم الله تعالى على أنّه بريء من البرص والعيب الخلقي، وأنه آدر، كما قال ابن عباس: خرج موسى ذات يوم ليغتسل فوضع ثيابه على حجر فجرف الماء الحجر وعليه ثوبه فركض موسى عرياناً يطلب ثيابه، فرآه بنو إسرائيل فقالوا: والله ما به من بأس فبرَّأه الله من ذلك وبرَّأه الله من الزّنى ومن قتل أخيه.
стр. 4151
﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾: ذو جاهٍ، أيْ: قدر وقربة عند الله، أيْ: منزلة رفيعة.
سورة الأحزاب [٣٣: ٧٠]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾:
نداء جديد للذين آمنوا بتكليف أو أمر جديد.
﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: التّقوى أن تجعل بينك وبين الجبار العزيز القهار وقاية تقيك من غضبه وسخطه وناره، وذلك بامتثال أو طاعة أوامره وتجنُّب ما نهى عنه الله.
﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾: السّداد هو القصد إلى الحق، أي: القول الصّدق والعدل الّذي يفضي إلى الحق القريب من الصواب، والصواب: هو الحق الذي لا يوجد غيره؛ أيْ: لا تخوضوا في أيِّ حديث غايته غير القصد في الوصول إلى الحق مثل الخوض في حديث زينب وزيد، أو رجل له قلبان في جوفه أو زيد بن محمّد، أو أزواجكم أمهاتكم، وغير ذلك من الأقاويل الباطلة، أو تتهموا أحداً بالباطل (بالزّنى أو العيوب الخلقية أو غيرها) أيْ: راقبوا الله في حفظ ألسنتكم ولا تقولوا إلا الحق أو الزموا الصّمت.
سورة الأحزاب [٣٣: ٧١]
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾:
أيْ: يعدكم إذا اتقيتم الله وحده وقلتم قولاً سديداً أن:
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾: أيْ: يزكيها ويقبلها أيْ: يقبل حسناتكم.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾: (لكم خاصة) ذنوبكم، أيْ: جميع ذنوبكم ولم يقل: يغفر لكم من ذنوبكم.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: من شرطية، يطع الله ورسوله فيما أمرا به ونهيا عنه.
стр. 4152
﴿فَقَدْ﴾: الفاء جواب الشّرط، قد للتحقيق والتّوكيد.
﴿فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾: الفوز: النّجاة من النّار ونيل ما يتمناه سعادة الدّارين والفوز العظيم ليس هناك فوز أعظم منه، عظيم صيغة مبالغة على وزن فعيل الفوز العظيم: هو أعظم من الفوز المبين أو الفوز الكبير. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٣) لمزيد من البيان في الفوز وأنواعه أو درجاته.
سورة الأحزاب [٣٣: ٧٢]
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم تعود على الله سبحانه واجب الوجود.
﴿عَرَضْنَا﴾: من العرض يقال: عرضت على فلان الأمر يعني أطلعته عليه لأرى فيه رأيه يقبل أو لا يقبل والعرض يعني فيه تخيير لا إلزام، فله أن يطيع أو أن يعصي يؤمن أو يكفر.
﴿الْأَمَانَةَ﴾:
١ - أمانة الاختيار، وقيل: هي الفرائض الصّلاة والزّكاة وصيام رمضان وحج البيت والعدل في الميزان والمكيال.
٢ - أو سائر التّكاليف الشّرعية والّتي تضم افعل ولا تفعل؛ أي: الفرائض والإخلاص في العبادة والالتزام بشعائر الدين وسنته وصدق الحديث وقضاء الدين والعدل في الميزان والمكيال، وقيل أيضاً: غسل الجنابة وحفظ الفرج والإذن والعين واليد والوفاء بالعهود، وتشمل كلَّ ما ائتُمن عليه من مال أو وديعة أو غيرها مثل قضاء الدَّين، وقيل: الأمانة الطّاعة طاعة أوامر الله وتجنُّب نواهيه.
﴿عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾: على الأجرام العظيمة كالسّموات
стр. 4153
والأرض والجبال فلا تظن السّموات والأرض والجبال جمادات أو أشياء خلقت عبثاً، بل هي تسبح بحمد ربها وتصلي وتسجد لخالقها.
﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾: امتنعت أن تقبل تحمل الأمانة وخافت منها (أن لا تؤدِّيها) واختارت أن تكون مسخَّرة لمشيئة الله وإرادته.
﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾: أيْ: بعد أن خير السّموات والأرض والجبال خير الله آدم فاختار أن يحملها وقبل آدم أبو البشر على حملها على الرغم من ضعف قوته مقارنة بتلك الأجرام العظام.
﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾: إنه: للتوكيد، كان ظلوماً: لنفسه لأنّه حَملَ نفسه شيئاً لم يعرف عواقبه (الأمانة) ولم يَفِ بها أو غدر بالعهد ونكث أو لم يلتزم بها، ولم يحملها كما أُمر، جهولاً: بما ستصنع به الأغيار أو جهولاً لما يرتكبه من الأخطاء أو حملها بسبب جهله، والجهل هو عدم العلم وكلمة (ظلوماً جهولاً) صيغة مبالغة لظلمه وجهله.
سورة الأحزاب [٣٣: ٧٣]
﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾:
﴿لِيُعَذِّبَ﴾: اللام لام التّعليل يمكن أن تعود على عرضنا أو حملنا إذا عادت لام التّعليل إلى عرضنا: أيْ: عرضنا الأمانة على الإنسان ليظهر شرك المشرك ونفاق المنافق وإيمان المؤمن، ومن ثم يعذبهم على أعمالهم.
وإذا عادت لام التّعليل إلى حملنا: أيْ: حملنا المنافق والمشرك والعاصي الأمانة فلم يؤدِّها، فلذلك يعذَّب، وأما المؤمن المطيع فيثاب:
١ - وليس المقصود بتحميل الإنسان الأمانة والتّكليف بها هو تعذيبه أبداً، وإنما ليثاب على حملها.
стр. 4154
٢ - ولم يعطف التّوبة على العذاب وفصل بينهما بتكرار الفاعل وهو الله للتوكيد، فقال: ليعذب الله ويتوب الله بدلاً ليعذب الله ويتوب على … إلخ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾: كان وما زال وسيبقى غفوراً رحيماً، وكان الله غفوراً رحيماً.
غفوراً: مقابل كلمة الظّلوم فالله سبحانه غفور لمن ظلم، ثم بدل حسناً بعد سوء.
رحيماً: مقابل (جهولاً) أيْ: رحيماً بالجاهل إذا تاب أو أناب إلى ربه.
ومن الجدير بالذكر الانتباه كيف بدأت السّورة بقوله: فلا تطع الكافرين والمنافقين، وانتهت السّورة بقوله: ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات.
стр. 4155
سورة سبأ [٣٤: ١]
سورة سبأ
سورة سبأ هي السّورة رقم (٣٤) في ترتيب المصحف، أمّا في النزول فقد كانت السّورة (٥).
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِى الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: ارجع إلى الآية (٢) من سورة الفاتحة، وسورة الأنعام لبيان معنى الحمد، وسورة سبأ هي إحدى السور الخمسة التي افتتحت بالحمد لله: وهي الفاتحة والأنعام والكهف وسبأ وفاطر.
﴿الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: الّذي: اسم موصول يفيد المفرد المذكر، والمجيء بالّذي هنا يفيد التّعظيم؛ لأنّ له ما في السّموات وما في الأرض، لم يقل الحمد لله من له، الّذي: أخص من (من)؛ أي: الذي أكثر تحديداً ووضوحاً، فالّذي تستعمل للأخص المعلوم، له ما في السّموات وما في الأرض: ارجع إلى الآية (٢) من سورة إبراهيم.
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِى الْآخِرَةِ﴾: تكرار وله الحمد يفيد التّوكيد والاستمرار، وأنّ حمده لا ينقطع في الدّنيا ولا في الآخرة، والحمد في الآخرة: أكبر وأعظم، يحمده أولياؤه أصحاب الجنان، أمثلة على ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزّمر: ٧٤]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ
стр. 4156
عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، له ما في السّموات وما في الأرض؛ أي: له وحده، اللام لام الاختصاص والملكية.
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾: تقديم الجار والمجرور له يفيد الاختصاص والحصر؛ أي: له الحمد وحده لا لغيره.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿الْحَكِيمُ﴾: مشتقة من الحكم فهو أحكم الحاكمين، ومن الحكمة فهو أحكم الحكماء في خلقه وشرعة وكونه. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان.
﴿الْخَبِيرُ﴾: العليم ببواطن الأمور: مثل السّر والنّجوى وخائنة الأعين وما تخفي الصّدور، الخبير بأحوال كونه وعباده وخلقه.
سورة سبأ [٣٤: ٢]
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾:
في الآية السّابقة قال تعالى: "الخبير" ببواطن الأمور وكذلك يعلم:
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الْأَرْضِ﴾: يلج من الولوج: وهو الدّخول بصعوبة مثل دفن الموتى كقوله: ألم نجعل الأرض كفاتاً أحياء وأمواتاً، فكلمة كفاتاً فيها معنى الولوج، إذن يعلم عدد من يدفن فيها وما يُخفى فيها تحت الأرض من الكنوز والمعادن والبترول والغازات والمواد النّووية والمواد المدمرة، وغيرها من الأشياء الّتي تلج في الأرض؛ أي تسقط: من السّماء كما هو الحال في إنزال الحديد من السماء وتشكيله لب الكرة الأرضية الصلبة والسائلة. في: تفيد الظّرفية.
стр. 4157
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: من بترول وغازات وبخار ماء ومعادن وكنوز (بواسطة الاستخراج والكشف) وبراكين والمياه، والنّبات والزّرع، من: ابتدائية ظرفية، وتكرار ما يفيد التّوكيد، وفصل الولوج عن الخروج والنّزول عن العروج.
﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾: من مطر وبقايا الأجرام السّماوية المتفككة فقد أشارت وكالة الفضاء الأمريكية أن هناك (١٧٠ مليون) قطعة من بقايا الأجرام السماوية تدور حول الأرض عليها تتراوح أحجامها بين (١ ملم)، وبعضها يقدر بـ (٣٠ ألف) بحجم البرتقالة، وبعضها القليل بحجم الأقمار الاصطناعية، ومعظم هذه البقايا تسقط في البحار والمحيطات التي تشكل (٧٠%) من حجم اليابسة، وهذا من رحمة الله تعالى، ولو سقطت القطع الكبيرة لسببت الدمار والخراب في الأرض. ارجع إلى سورة الشعراء آية (١٨٧) للبيان، أو ما ينزل من الملائكة وما ينزل من صواعق وبرق وبرد، وأشعة ضارة أو نافعة وغيرها.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾: العروج هو الصّعود بشكل مائل، ارجع إلى الآية (١٤) من سورة الحجر؛ أي: الملائكة والمركبات الفضائية والطّائرات والصّواريخ، ورياح وسحب وبخار ماء.
﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾: هذه هي الآية الوحيدة في القرآن الّتي قدّم الرّحيم على الغفور وبقية الآيات كلّها قدّم الغفور على الرّحيم؛ قد يكون والله أعلم أن الرّحمة عامة تشمل المؤمن وغير المؤمن، ولم يتقدّم هذه الآية أيّ ذكر عن المؤمنين أو غيرهم، وإنما فيها ذكر صفات وأسماء الله، فقدم الرحيم (لعامة الناس) على الغفور؛ لأنّ الغفران لا يكون إلا (لخاصة الناس) فقدم العام على الخاص، ولأن الرحمة تسبق المغفرة.
الرّحيم: بكم يحفظكم من عواقب ما يحدث في الأرض من الولوج
стр. 4158
والخروج، وما يحدث في السّماء من النّزول والعروج، الرّحيم: صيغة مبالغة من الرّحمة. فلو سقطت هذه القطع الكبيرة والتي تقدر بواحدة كل يوم على مدينة أو منطقة آهلة بالسكان لقتل الكثير، وسببت الحرائق والدمار في البنيان، أو حدثت البراكين والزلازل الكثيرة، وملئت السماء الغازات السامة لما عاش الكثير، ونحن نشاهد الصواعق التي تسبب الحرائق الهائلة في الأرض، وكذلك الفيضانات وغيرها من الظواهر الجوية والأعاصير المدمرة.
الغفور: صيغة مبالغة؛ أي: كثير الغفران؛ أي: يعفو ولا يعاقب ويثيبكم على أعمالكم الصّالحة، يعفو عن كثير (كثير من ذنوبكم وسيئاتكم وخطاياكم) فلا يعاقبكم. ارجع إلى سورة الحديد الآية (٤) لمزيد من البيان.
سورة سبأ [٣٤: ٣]
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بالله ورسوله وأنكروا البعث والحساب والآخرة.
﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾: لا النّافية، تأتينا السّاعة: أي ساعة تهدّم النّظام الكوني الحالي، وسمّي بالسّاعة: السّاعة جزء من (٢٤) جزءاً من النهار والليل، وقد يكون معناها إطلاق الجزء على الكلّ أو السّاعة هي آخر ساعة في الحياة الدّنيا وبعدها النّفخة الأولى ويبدأ تهدّم النّظام الكوني الحالي والفزع والصعق؛ أي: الّذين كفروا زعموا أنّه ليس هناك السّاعة ولا حساب ولا آخرة، ولا بعث، ولا جنة، ولا نار.
﴿قُلْ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ ؛ أي: أقسم لكم بربي لتأتينّكم.
стр. 4159
﴿بَلَى وَرَبِّى﴾: بلى: حرف جواب يفيد تقرير ما بعد النّفي، وما بعد النّفي إتيان السّاعة؛ أي ستأتينّ وربي: الواو واو القسم؛ أي: أداة القسم، والمقسم به ربي، والمقسم عليه لتأتينكم، والله سبحانه غني عن القسم، ولا يقسم إلا بشيء هام وعظيم، وهو قيام الساعة.
﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾: اللام والنّون في تأتينكم للتوكيد: توكيد القسم.
﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾: الغيب كلّ ما غاب عن عيون البشر في السّموات وفي الأرض، وعن كل المدركات كالسمع والبصر وغيرها من الحواس، وعالم السّر والنّجوى وما تخفي الصّدور، عالم الغيب هنا يعني الغيب المطلق، ومنه علم قيام الساعة وغيرها، وهناك الغيب النسبي الذي قد يظهره لمن ارتضى من رسله. ارجع إلى سورة الروم آية (١ - ٤).
﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: لا يعزب: لا النّافية، يعزب من: عزب الشّيء؛ أي: غاب وبَعُد، أي لا يغيب عن علمه أيُّ شيء مهما دقَّ وصغر، وما كان نوعه وشكله وحجمه ولونه، ارجع إلى سورة يونس الآية (٦١) لبيان معنى ذرة.
وهذه الآية من سورة سبأ هي إحدى ثلاث آيات فقط في كلّ القرآن الّتي أمر الله سبحانه رسوله بأن يقسم بربه على مجيء السّاعة، وأمّا الآية الثّانية فهي الآية (٥٣) من سورة يونس وهي قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبِّى إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ القسم في هذه الآية على مجيء العذاب، أمّا الآية الثّالثة فهي الآية (٧) من سورة التّغابن وهي قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ والقسم في هذه الآية على مجيء يوم البعث، إذن القسم كان على مجيء السّاعة والبعث والعذاب.
стр. 4160
ولمقارنة هذه الآية (٣) من سورة سبأ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ مع الآية (٦١) من سورة يونس: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ﴾ ارجع إلى سورة يونس الآية (٦١) للبيان.
سورة سبأ [٣٤: ٤]
﴿لِّيَجْزِىَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾:
﴿لِّيَجْزِىَ﴾: اللام لام التّعليل؛ أي: لتأتينكم ليجزي الّذين آمنوا وليجزي الّذين سعوا في آياتنا ويرى الّذين أوتوا العلم.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: الّذين: اسم موصول، آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وعملوا الصّالحات: الفرائض والنّوافل، وما أمرهم به ربهم أو نهاهم عنه.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد.
﴿لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾: لهم: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، مغفرة لذنوبهم، والمغفرة تعني: ستر الذّنب وبالتّالي العفو وإسقاط العقاب وإيجاب الثّواب.
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: وصف الرّزق ذاته بالكريم، والكريم: هي صفة الرّزاق الّذي يرزق، فالرّزق كريم من الكريم ويشمل جنات الفردوس والخلد وعدن والنّعيم، كريم؛ لأنّه رزق في الجنة ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: [غافر: ٤٠]، ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]، ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُّكْرَمُونَ فِى جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات: ٤٢ - ٤٣]، ويشمل المأكل والمشرب والملبس والحور العين وكل ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزّخرف: ٧١].
стр. 4161
سورة سبأ [٣٤: ٥]
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْ فِى آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾:
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْ فِى آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾: والّذين: اسم موصول، سعوا في آياتنا: من السّعي: هو المشي الحثيث أو الجاد، عملوا جهدهم على صرف النّاس عن الاستماع لآياتنا والطّعن فيها وإبطالها، أو صد النّاس عنها باللغو والتّكذيب بها، معاجزين: جمع معاجز من: عاجزه وأعجزه؛ أي: غالبه وسبقه؛ أي: يحاولون أن يُعجزوا ويسبقوا من جاء بها أو يدعو إليها فيجعلونه عاجزاً عن تبليغها والكف عنها.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد يفيد الذّم والتّحقير.
﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
﴿عَذَابٌ مِنْ رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾: الرّجز عذابٌ من السّماء (مثل الطّاعون أو البرق أو صاعقة) أليم لا ينجون منه، أو كثير الإيلام لا يطيقونه. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٩) للبيان المفصل في معنى رجز، والفرق بين رجز ورجس.
سورة سبأ [٣٤: ٦]
﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِى أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِى إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾:
مقابل الكفار الّذين سعوا في آياتنا معاجزين بالفساد والصّد عن سبيل الله.
﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: الذين أوتوا العلم؛ أي: المؤمنون بالله أتباع الرسول ﷺ ، والّذين أوتوا العلم من أهل الكتاب وغيرهم أوتوا العلم؛ يعني: علم الدين.
يروا ﴿الَّذِى أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾: أي القرآن أو من الآيات.
стр. 4162
﴿هُوَ الْحَقَّ﴾: هو ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر، الحق: الأمر الثّابت الّذي لا يتغير أو يتبدل، والذي ليس هناك غيره.
﴿وَيَهْدِى إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾: صراط العزيز الّذي لا يُغلب ولا يُقهر، الحميد على نعمه الدّائمة الباطنة والظّاهرة وعلى ما يعطي من نعم، صراط العزيز الحميد: هو دين الإسلام دين الحق أو الدّين القيّم. ارجع إلى سورة الحج آية (٢٤) للمقارنة.
سورة سبأ [٣٤: ٧]
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بعضهم لبعض، وبما أنّه لم يذكر لمن قالوا، فلا يهم والمهم هنا المقولة.
﴿هَلْ﴾: استفهام فيه تعجب وإنكار.
﴿نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾: أي محمّد ﷺ ، رجل نكرة، ولم يذكروا اسمه ﷺ بل وصفوه بالنّكرة؛ للاستهزاء به والسّخرية والتّقليل من شأنه.
﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾: من النّبأ: وهو الخبر العظيم؛ أي: يخبركم خبراً عظيماً وهو إذا مزِّقتم كلّ ممزَّق إنّكم لفي خلق جديد.
﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد الحتمية.
وهناك فرق بين التّمزق والتّقطع، مزّقتم كلّ ممزّق؛ أي: مزقت أجسادكم بعد الموت وأصبحت عظاماً ورفاتاً أو في بطون السّباع أو البحار أو الطّير أو القبور، والتّمزق: تعريفه هو إتلاف الشّيء بحيث لا يمكن إصلاحه أو إعادته أو جمعه مرة أخرى، أمّا التّقطع: هو قطع الشّيء إلى كتل: وقطعناهم في الأرض
стр. 4163
أمماً، في التّقطّع هناك إمكانية الجمع وليس كما هو الحال في التّمزق لشدة إنكارهم للنشر والبعث.
﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾: تعني تقطّعت أوصالكم فلم يبق عضو متصل بعضو آخر أو شيء متصل بشيء من أبدانكم، كما في قوله: ﴿ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ﴾ [السّجدة: ١٠] أي: غبنا في متاهة الأرض أو تبعثرت ذرات أجسادكم واختلطت بتراب الأرض.
﴿إِنَّكُمْ لَفِى﴾: إنّكم للتوكيد، لفي: اللام للتوكيد، في: ظرفية.
﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: أي تخلقون من جديد؛ أي: يؤكد لكم أنّه سيتجدد خلقكم، وتخلقون مرة أخرى.
стр. 4164
سورة سبأ [٣٤: ٨]
﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِى الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾:
﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾: الهمزة والإنكار والتّعجب، وأفترى: تعني تعمّد الكذب حين زعم أنّا سنبعث ولفي خلق جديد؛ أي: لا ندري أهو مفترٍ على الله أم به جنة (أي مجنون أو به جنون) قالوا ذلك عن الرّسول، وهم أنفسهم كانوا يصفون رسول الله بالصّادق الأمين، ثمّ يردّ الله سبحانه على هؤلاء فيقول بل: الّذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضّلال البعيد.
﴿بَلِ﴾: للإضراب الإبطالي؛ أي: ليس رسول الله هو الكاذب ولا المجنون البتة، بل هم الّذين لا يؤمنون بالآخرة وهم الكذَبة الجهَلة.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد الذّم والتّحقير.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: لا النّافية، لا يؤمنون بالآخرة: لا يصدقون؛ أي: يجحدون بالبعث والحساب ويوم القيامة، بالآخرة: الباء للإلصاق والدّوام.
﴿فِى الْعَذَابِ﴾: مقابل اتهامهم رسول الله ﷺ بالافتراء.
﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾: مقابل وصفهم لرسول الله ﷺ بالجنة؛ أي: الجنون،
стр. 4165
أي: هم في الضّلال البعيد عن الحق أو البعيد في الدّنيا والّذي من الصّعب العودة منه إلى طريق الهدى، وليس هو ﷺ .
سورة سبأ [٣٤: ٩]
﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾:
﴿أَفَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتّوبيخ والتّقريع.
﴿يَرَوْا﴾: رؤية بصرية ورؤية قلبية فكرية، يروا: بصيغة المضارع تفيد التكرار المرة بعد الأخرى أو يجددوا ويعيدوا النّظر؟ ارجع إلى سورة السجدة آية (٢٦)، وسورة لقمان آية (٢٠) لمعرفة الفرق بين أفلم، أولم، ألم.
﴿إِلَى مَا﴾: إلى تفيد عموم الغاية، ما بمعنى الّذي.
﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: أي أمامهم من السّماء والأرض، فالسّماء والأرض محيطة بهم، أو السّماء المرفوعة بلا عمد أو الآيات الكونية في السّماء والأرض كالشّمس والقمر والجبال والبحار.
﴿وَمَا خَلْفَهُم﴾: أي وراءهم من السّماء والأرض.
﴿مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: ما فيهما من آيات كونية تدل على قدرة الخالق وعظمته ووحدانيته، من ابتدائية، السّماء تضم السّموات السبع.
﴿إِنْ نَّشَأْ﴾: إن شرطية تفيد النّدرة أو الاحتمال أو الشّك.
﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾: نخسف بهم؛ أي: بالكفار المنكرين للبعث والّذين يستهزؤون برسول الله ﷺ ويكفرون به؛ أي: كما فعلنا بقارون، أي: الخسف.
стр. 4166
﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: أو: للتخيير، نسقط عليهم كسفاً من السّماء: كسفاً جمع كسفة: أي قطعاً. ارجع إلى سورة الشعراء آية (١٨٧) للبيان.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إنّ: للتوكيد، في ظرفية، ذلك: اسم إشارة واللام للبعد يشير إلى خسف الأرض أو إسقاط كسفٍ من السّماء.
﴿لَآيَةً﴾: اللام للتوكيد، آية: كلّ من الخسف أو الإسقاط آية عظيمة تدل على قدرة الخالق على البعث والحساب، ويستفيد منها العبد المنيب في زيادة إيمانه ويقينه.
﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾: لكلّ: اللام لام الاختصاص، كلّ تفيد التّوكيد، عبد منيب: عبد منيب كثير الإنابة، والإنابة: السّرعة في التّوبة والرّجوع إلى الله؛ أي: كلما أذنب أعقبها بالتّوبة والاستغفار.
سورة سبأ [٣٤: ١٠]
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق تحقق وحدث ما نذكره بشأن داود.
﴿آتَيْنَا﴾: الإيتاء هو العطاء، ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة لمعرفة الفرق.
﴿دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾: داود بن ايشا بن عويد، يرجع نسبه إلى يهوذا بن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم ﵇، وتقديم داود على المفعول للاهتمام، منا فضلاً: أي آتيناه النّبوة والزّبور والملك والصّوت الحسن، وصنع السّابغات والدّروع وتسخير الجبال والطّير وألنّا له الحديد، منّا: تقديمها يفيد القصر أو الاختصاص،
стр. 4167
فضلاً: الشّيء الزائد على غيره من الأنبياء؛ أي: آتيناه الكثير من النّعم الّتي لم نعطها لكثير من الأنبياء.
﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ﴾: التّأويب: التّسبيح، وأوّبي: رجعّي معه ما يقول (كما يحدث في انعكاس صدى الصوت من الجبال) أي: ردّدي معه ما يقرأ من الزّبور أو الذّكر.
﴿وَالطَّيْرَ﴾: منصوب بالعطف على يا جبال، أو مفعول به أو على النّداء والتّقدير: يا جبال أوّبي معه ويا طير أوّبي معه؛ أي: ردّدي معه؛ أي: يا جبال ويا طيور سبّحي مع داود.
﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: جعلناه ليِّناً بدون حاجة إلى النّار أو إلى المطرقة، وهذه من المعجزات الأخرى لداود ﵇، فكان الحديد في يده مثل العجين أو الطّين الصّلصال.
سورة سبأ [٣٤: ١١]
﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِى السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾:
﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾: أن تعليلية (مصدرية) أو التّقدير: ألنّا له الحديد لعمل السّابغات، أو أمرناه أن اعمل سابغات، أو لأن يعمل سابغات: صفة للدروع؛ أي: اعمل دروعاً سابغات فذكر الصّفة وحذف الموصوف؛ لأنّ الصّفة تدل على الموصوف، والسّابغات: هي الدّروع الواسعة الّتي تغطي كامل الجسم (تلبس في الحرب).
﴿وَقَدِّرْ فِى السَّرْدِ﴾: السّرد: النّسج، ويقال لصانع الدّروع: سَرَّاد؛ أي: انسج الدروع بحيث تكون متناسبة الحلق فلا ضيقة ولا واسعة؛ أي: متّسقة بحيث
стр. 4168
تدخل الحلق بعضها في بعض، ولها معنى آخر: أي اعمل من السّابغات على قدر ما تحتاج فقط.
أمّا سبب تعليمه نسج السّابغات الدّروع قيل: إنّ داود ﵇ كان يأكل من بيت المال وينفق على عياله، وانتبه النّاس إلى هذه الخصلة فعاب عليه النّاس، فشعر داود بالألم فسأل الله تعالى أن يعلّمه صنعة ليعيش منها. ذكره الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود ﵇ عن طريق إسحاق بن بشر عن وهب عن ابن المنبه. وقيل: كان يبيع الدّرع فيأخذ من الأجر له ولعياله ويوزع الباقي على بني إسرائيل.
﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾: الخطاب موجَّهٌ إلى داود وآل داود (أولاده وأهله) أي: اشكروا الله على منّته عليكم بأن علّمكم صنع السّابغات ورزقكم من فضله واعملوا الفرائض والواجبات.
﴿إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ إنّي: للتوكيد، بما: الباء للإلصاق والدّوام، ما: اسم موصول بمعنى الّذي تعملون أو مصدرية؛ أي: رقيب ومطّلع على ما تعملون (من عمل السّابغات وبيعها والأمانة).
وفي سورة الأنبياء الآية (٨٠) قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾.
سورة سبأ [٣٤: ١٢]
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾:
المناسبة: بعد ذكر فضل الله تعالى على داود الأب يذكر فضله على ابنه سليمان بن داود.
стр. 4169
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾: ولسليمان: اللام لام الاختصاص؛ أي: سخرنا لسليمان الرّيح، غدوها: من غدا: السّير أوّل النّهار (من الصّباح إلى وقت الظّهر وقت الزّوال)، ورواحها: العودة آخر النّهار (من الظّهر إلى المغرب وقت الغروب)، ورواحها مصدر: راح يروح، غدوها شهر: أي جريها أو سيرها بالغداة مسيرة شهر، ورواحها شهر: أي جريها بالعشي مسيرة شهر؛ أي: سرعة جريان الرّيح يساوي مسيرة شهرين أو مسافة ما تقطعه الرّيح في (٢٤) ساعة يعادل مسيرة شهرين، وكلمة الرّيح في القرآن تحمل معنى الشّر وأمّا الرّياح فتحمل معنى الخير، وبما أنّها ريح قوية أعطت سليمان القوة والمنعة والغلبة فهي ريح خاصة به مغايرة لغيرها من الرّيح يتصرف بها كيف يشاء.
﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾: أي وسخرنا له عيناً تنبع بالنّحاس كما ينبع الماء من العين، النّحاس المذاب ويسمى: القِطر، كما ألنّا لأبيه الحديد، وقيل: استمر سيلانه ثلاثة أيّام.
﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾: من: بعضية؛ أي: بعض الجن وليس كلّ الجن، وهم الشّياطين كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص: ٣٧]، يعمل بين يديه بإذن ربه: أي بأمر ربه، بين يديه: أي: ما يطلبه منهم فقط، مثال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ أي: أمرهم الله بطاعة سليمان وهناك قسم من الجن لم يُسخر له.
﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾: من: شرطية، يزِغ منهم عن أمرنا: زاغ عن الأمر:
стр. 4170
عدل عنه أو مال؛ أي: من يعدل من الجن عن أمرنا، أي ما يأمر سليمان بعمله مثل المحاريب والتّماثيل والغوص وغيره من الأعمال، أي من يعصِ من الجن أمر سليمان كأنّه يعصي أمر الله تعالى.
﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: منهم من قال: عذاب السّعير في الآخرة، ومنهم من قال: في الدّنيا كان يعذب من يزِغ بسوط من نار، كما روى ابن عباس.
سورة سبأ [٣٤: ١٣]
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾:
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ﴾: أي الجن يعملون لسليمان، له خاصة وليس لغيره، وتقديم له يدل على الحصر والاختصاص.
﴿مَا يَشَاءُ﴾: ما: اسم موصول بمعنى الّذي يشاء، و"ما" أوسع وأشمل من الّذي.
﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾: من: ابتدائية بعضية ولبيان الجنس، محاريب: جمع محراب يطلق على المكان الّذي يتخذه النّاس للعبادة أو أبنية كالقصور الفخمة العالية المجاورة لأمكنة العبادة.
﴿وَتَمَاثِيلَ﴾: جمع تمثال وهو ما ينحت على هيئة أو صورة إنسان (نبي أو عالم) أو حيوان من حجر أو خشب أو نحاس أو رخام أو غيره من المواد، وقيل: إن هذه التّماثيل كانت مباحة في الشّرع القديم ولم تصنع بنية الشّرك أو العبادة، أو صُنعت على شرط أن لا تُعبد، ثمّ نسخت الإباحة بعد مجيء رسول الله ﷺ .
﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾: الجفان: جمع جَفْنة وهي القصعة الكبيرة: الصّواني
следующие страницы →