← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: أو: للتخيير، نسقط عليهم كسفاً من السّماء: كسفاً جمع كسفة: أي قطعاً. ارجع إلى سورة الشعراء آية (١٨٧) للبيان. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إنّ: للتوكيد، في ظرفية، ذلك: اسم إشارة واللام للبعد يشير إلى خسف الأرض أو إسقاط كسفٍ من السّماء. ﴿لَآيَةً﴾: اللام للتوكيد، آية: كلّ من الخسف أو الإسقاط آية عظيمة تدل على قدرة الخالق على البعث والحساب، ويستفيد منها العبد المنيب في زيادة إيمانه ويقينه. ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾: لكلّ: اللام لام الاختصاص، كلّ تفيد التّوكيد، عبد منيب: عبد منيب كثير الإنابة، والإنابة: السّرعة في التّوبة والرّجوع إلى الله؛ أي: كلما أذنب أعقبها بالتّوبة والاستغفار. سورة سبأ [٣٤: ١٠] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق تحقق وحدث ما نذكره بشأن داود. ﴿آتَيْنَا﴾: الإيتاء هو العطاء، ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة لمعرفة الفرق. ﴿دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾: داود بن ايشا بن عويد، يرجع نسبه إلى يهوذا بن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم ﵇، وتقديم داود على المفعول للاهتمام، منا فضلاً: أي آتيناه النّبوة والزّبور والملك والصّوت الحسن، وصنع السّابغات والدّروع وتسخير الجبال والطّير وألنّا له الحديد، منّا: تقديمها يفيد القصر أو الاختصاص،

стр. 4167

فضلاً: الشّيء الزائد على غيره من الأنبياء؛ أي: آتيناه الكثير من النّعم الّتي لم نعطها لكثير من الأنبياء. ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ﴾: التّأويب: التّسبيح، وأوّبي: رجعّي معه ما يقول (كما يحدث في انعكاس صدى الصوت من الجبال) أي: ردّدي معه ما يقرأ من الزّبور أو الذّكر. ﴿وَالطَّيْرَ﴾: منصوب بالعطف على يا جبال، أو مفعول به أو على النّداء والتّقدير: يا جبال أوّبي معه ويا طير أوّبي معه؛ أي: ردّدي معه؛ أي: يا جبال ويا طيور سبّحي مع داود. ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: جعلناه ليِّناً بدون حاجة إلى النّار أو إلى المطرقة، وهذه من المعجزات الأخرى لداود ﵇، فكان الحديد في يده مثل العجين أو الطّين الصّلصال. سورة سبأ [٣٤: ١١] ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِى السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾: أن تعليلية (مصدرية) أو التّقدير: ألنّا له الحديد لعمل السّابغات، أو أمرناه أن اعمل سابغات، أو لأن يعمل سابغات: صفة للدروع؛ أي: اعمل دروعاً سابغات فذكر الصّفة وحذف الموصوف؛ لأنّ الصّفة تدل على الموصوف، والسّابغات: هي الدّروع الواسعة الّتي تغطي كامل الجسم (تلبس في الحرب). ﴿وَقَدِّرْ فِى السَّرْدِ﴾: السّرد: النّسج، ويقال لصانع الدّروع: سَرَّاد؛ أي: انسج الدروع بحيث تكون متناسبة الحلق فلا ضيقة ولا واسعة؛ أي: متّسقة بحيث

стр. 4168

تدخل الحلق بعضها في بعض، ولها معنى آخر: أي اعمل من السّابغات على قدر ما تحتاج فقط. أمّا سبب تعليمه نسج السّابغات الدّروع قيل: إنّ داود ﵇ كان يأكل من بيت المال وينفق على عياله، وانتبه النّاس إلى هذه الخصلة فعاب عليه النّاس، فشعر داود بالألم فسأل الله تعالى أن يعلّمه صنعة ليعيش منها. ذكره الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود ﵇ عن طريق إسحاق بن بشر عن وهب عن ابن المنبه. وقيل: كان يبيع الدّرع فيأخذ من الأجر له ولعياله ويوزع الباقي على بني إسرائيل. ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾: الخطاب موجَّهٌ إلى داود وآل داود (أولاده وأهله) أي: اشكروا الله على منّته عليكم بأن علّمكم صنع السّابغات ورزقكم من فضله واعملوا الفرائض والواجبات. ﴿إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ إنّي: للتوكيد، بما: الباء للإلصاق والدّوام، ما: اسم موصول بمعنى الّذي تعملون أو مصدرية؛ أي: رقيب ومطّلع على ما تعملون (من عمل السّابغات وبيعها والأمانة). وفي سورة الأنبياء الآية (٨٠) قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾. سورة سبأ [٣٤: ١٢] ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: المناسبة: بعد ذكر فضل الله تعالى على داود الأب يذكر فضله على ابنه سليمان بن داود.

стр. 4169

﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾: ولسليمان: اللام لام الاختصاص؛ أي: سخرنا لسليمان الرّيح، غدوها: من غدا: السّير أوّل النّهار (من الصّباح إلى وقت الظّهر وقت الزّوال)، ورواحها: العودة آخر النّهار (من الظّهر إلى المغرب وقت الغروب)، ورواحها مصدر: راح يروح، غدوها شهر: أي جريها أو سيرها بالغداة مسيرة شهر، ورواحها شهر: أي جريها بالعشي مسيرة شهر؛ أي: سرعة جريان الرّيح يساوي مسيرة شهرين أو مسافة ما تقطعه الرّيح في (٢٤) ساعة يعادل مسيرة شهرين، وكلمة الرّيح في القرآن تحمل معنى الشّر وأمّا الرّياح فتحمل معنى الخير، وبما أنّها ريح قوية أعطت سليمان القوة والمنعة والغلبة فهي ريح خاصة به مغايرة لغيرها من الرّيح يتصرف بها كيف يشاء. ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾: أي وسخرنا له عيناً تنبع بالنّحاس كما ينبع الماء من العين، النّحاس المذاب ويسمى: القِطر، كما ألنّا لأبيه الحديد، وقيل: استمر سيلانه ثلاثة أيّام. ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾: من: بعضية؛ أي: بعض الجن وليس كلّ الجن، وهم الشّياطين كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص: ٣٧]، يعمل بين يديه بإذن ربه: أي بأمر ربه، بين يديه: أي: ما يطلبه منهم فقط، مثال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ أي: أمرهم الله بطاعة سليمان وهناك قسم من الجن لم يُسخر له. ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾: من: شرطية، يزِغ منهم عن أمرنا: زاغ عن الأمر:

стр. 4170

عدل عنه أو مال؛ أي: من يعدل من الجن عن أمرنا، أي ما يأمر سليمان بعمله مثل المحاريب والتّماثيل والغوص وغيره من الأعمال، أي من يعصِ من الجن أمر سليمان كأنّه يعصي أمر الله تعالى. ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: منهم من قال: عذاب السّعير في الآخرة، ومنهم من قال: في الدّنيا كان يعذب من يزِغ بسوط من نار، كما روى ابن عباس. سورة سبأ [٣٤: ١٣] ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ﴾: أي الجن يعملون لسليمان، له خاصة وليس لغيره، وتقديم له يدل على الحصر والاختصاص. ﴿مَا يَشَاءُ﴾: ما: اسم موصول بمعنى الّذي يشاء، و"ما" أوسع وأشمل من الّذي. ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾: من: ابتدائية بعضية ولبيان الجنس، محاريب: جمع محراب يطلق على المكان الّذي يتخذه النّاس للعبادة أو أبنية كالقصور الفخمة العالية المجاورة لأمكنة العبادة. ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾: جمع تمثال وهو ما ينحت على هيئة أو صورة إنسان (نبي أو عالم) أو حيوان من حجر أو خشب أو نحاس أو رخام أو غيره من المواد، وقيل: إن هذه التّماثيل كانت مباحة في الشّرع القديم ولم تصنع بنية الشّرك أو العبادة، أو صُنعت على شرط أن لا تُعبد، ثمّ نسخت الإباحة بعد مجيء رسول الله ﷺ . ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾: الجفان: جمع جَفْنة وهي القصعة الكبيرة: الصّواني

стр. 4171

الكبيرة يأكل منها العشرة من النّاس، كالجواب: الكاف كاف التّشبيه، والجواب: الحوض شَبَّه القصعة الكبيرة بالحوض في السّعة والضّخامة، وهذا كناية عن كرم سليمان وكثرة إطعامه الطّعام. ﴿وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾: جمع قدر وهي للطبخ واسعة كبيرة صعب أن تحمل؛ أي: ثابتات لا تتحرك من أماكنها. ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾: أي: أدوا الحقوق التي عليكم فيما أتاكم الله من النعم؛ أي: اعملوا الصّالحات شكراً لله تعالى على ما آتاكم؛ أي: أطيعوا الله ربكم واشكروا الله على نعمه، أو اعملوا شاكرين، والشّكر لا يكون فقط باللسان بل بالعمل، ولا يكفي أن يكون باللسان بل بالطّاعة والعبادة والإحسان، والنفقة، وأن تؤدي حق الله تعالى في المال والعلم والنعم. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾: أي: العدد قليل من عبادي الذين يشكرون الله وهذا العدد عدد الشاكرين من النّاس قليل أو الكمية؛ أي: كمية أو مقدار الشّكر الصّادر من النّاس قليل، وقد تعني كلا الأمرين. سورة سبأ [٣٤: ١٤] ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِى الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: عاطفة، لما: ظرفية زمانية بمعنى حين متضمنة معنى الشّرط. ﴿قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾: قضينا من القضاء وهو ما كتب في اللوح المحفوظ قبل أن يقع، وقيل: حكمنا، وأمّا القدر فهو: ما وقع تصديقاً لذلك القضاء؛ أي:

стр. 4172

حكمنا على سليمان بالموت، فالموت قضاء كقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزّمر: ٣٠]، فالموت لا مفر منه وسواء كان الموت بسبب أو بغير سبب أو موتاً عادياً بسبب الكبر أو الموت بمرض أو بكارثة أو كرب كلّه قضاء. قضينا عليه الموت: على سليمان بأن تقبض روحه وهو قائم يصلي في المحراب ومتوكئٌ على منسأته (عصاه) ولم تعلم الجن بموته، وبقي الجن يعملون أعمالهم الّتي بدؤوها وكذلك الإنس لم يعلموا بموته، ولو علم الجن (الشّياطين) الغيب؛ أي: علموا بموت سليمان، ما لبثوا في العمل والتّعب طوال تلك المدة حتّى أكلت دابة الأرض منسأته فخرّ، وعندها تبيّنت الجن موته وتبيّن للجن أنّهم لا يعلمون الغيب، وتبيّن للإنس أيضاً أنّ الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يظنون خطأ. وموته بهذا الشكل كشف كثير من الحقائق للناس والجن عما افتروه على سليمان كما سنرى. ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ﴾: ما: النّافية، دلّهم على موته: الضّمير يعود على الجنّ؛ أي: ما دلّ الجن على موت سليمان. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾: قيل: هي الحشرة الّتي تأكل الخشب وتسمى: الأرضة أو العتة. ﴿تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾: أي تقرض منسأته؛ أي: تأكلها شيئاً فشيئاً، والمنسأة: هي العصا، وأمّا لماذا سميت مِنسأة: مشتقة من: نسأ؛ أي: أخّر وسميت منسأته وليس عصاه؛ لأنّها كانت سبباً لتأخير معرفة الجن بزمن موت سليمان، فقد كان

стр. 4173

سليمان ﵇ يعبد الله قائماً؛ أي: واقفاً حتّى يتعب فيراوح بين قدميه ويستعين بالعصا متكئاً عليها، وسميت العصا: منسأته؛ لأنّه يؤخّر بها الغنم أو الإبل؛ أي: تزجر بها أو تساق كي تغير طريقها أو مرعاها فهي آلة الزّجر. (تأخير) وسوق، ومنسأة سليمان كانت تسوق الجن للعمل لسليمان ﵇، وكذلك أخرت الجن من العلم بموت سليمان، ولذلك لبثوا في العذاب المهين مع أن سليمان كان ميتاً. ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة: خرّ: سقط على الأرض بشكل غير عادي أو بلا ترتيب مثل الهبوط على ركبتيه والاستعانة بيديه، سقط بلا نظام. ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾: انكشف وظهر كذب الجن أنّهم يعلمون الغيب، وكذلك تبيّنت الإنس أنّ الجن لا يعلمون الغيب. ﴿أَنْ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾: أن للتوكيد، لو: شرطية، يعلمون الغيب: كما زعموا باطلاً، لعلموا بزمن موته مباشرة. ﴿مَا لَبِثُوا فِى الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾: ما بقوا يعملون الأعمال الشّاقة الّتي فرضت عليهم من سليمان من قبل موته، وهم يظنونه حياً وكانوا يظنون أنّهم خير من الإنس، وكيف سخّروا لخدمة سليمان وهو أدنى منهم! فقد خلقوا من نار والإنس خلقت من طين، وأنّهم يعلمون الغيب والإنس لا يعلمون. وقيل: أرادوا أن يعرفوا زمن موته فجاؤوا بعصا مشابهة. والأرضة (دابة الأرض) فقدّروا ما أكلت في زمن معيّن، فوجدوا أنّه قد مات منذ سنة ورغم هذا الملك العظيم مات سليمان ﵇ وكان عمره (٥٣) سنة، وقيل: كان ملكاً وهو ابن

стр. 4174

(١٣) عاماً وبقي في ملكه (٤٠) عاماً وبدأ إعادة بناء المسجد الأقصى وهو ابن (٤٠) عاماً. ولماذا حدث هذا الأمر العجيب: أن تقبض روح سليمان وهو قائم يصلي متكئاً على منسأته ولم يخرّ على الأرض بعد موته حتّى تأكل دابة الأرض منسأته؟ قيل: كان النّاس يظنون أنّ الجن تعلم الغيب فأراد الله سبحانه أن يثبت للناس أنّ الجن ولا غيرهم من الإنس يعلمون الغيب وما يزعمونه من علم الغيب هو أمر باطل، فلو كانوا يعلمون الغيب؛ أي: موت سليمان، ما لبثوا في العذاب المهين. وقيل: إنّ سليمان ﵇ دعا ربه أن يعمّي على الجن موته فاستجاب له ربه؛ حتّى ينكشف ويعلم النّاس أنّ الجن لا يعلمون الغيب ويظهر كذب الجن وما افتروا على سليمان ما جاء به السحر، ارجع إلى الآية (١٠٢) من سورة البقرة لمزيد من البيان. وقيل: لأنّه بقي على عمارة بيت المقدس بقية؛ ولكي يتمّوا عمارة المسجد الأقصى، والله أعلم.

стр. 4175

سورة سبأ [٣٤: ١٥] ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾: المناسبة: بعد ذكر طرفٍ من قصة سليمان، يذكر طرفاً من قصة قوم سبأ الّذين بسبب كفرهم وعدم شكرهم أصابهم سيل العرم، وحلّ بهم العذاب ومزقهم كلّ ممزق. ﴿لَقَدْ﴾: اللام لام التّوكيد، قد: للتحقيق؛ أي: قد تحقق وحدث لقوم سبأ ما سنذكره بعد قليل. ﴿كَانَ﴾: للماضي. ﴿لِسَبَإٍ﴾: اللام: لام الاختصاص أو الاستحقاق، سبأ: اسم جد، اسم ابن يشحب بن يعرب بن قحطان، تعدى اسم الجد ليكون اسماً للقبيلة، ثمّ اسماً للمكان الّذي كانوا يسكنونه، إذن سبأ: يدل على اسم الجد، أو اسم القبيلة، أو اسم المكان الّذي كانوا يسكنونه. ﴿فِى مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾: في مكان إقامتهم في سبأ أو مأرب، آية: أي شيء عجيب نادر، آية دالة على عظمة الله وقدرته. ﴿آيَةٌ جَنَّتَانِ﴾: أي الآية جنتان، لا يقصد بالآية الجنتين نفسيهما، وإنما قصتهما هي الآية.

стр. 4176

﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾: عن يمين الوادي وعن شماله، يمين ويسار الوادي كلّها فواكه وخضر وكانت أخصب البلاد. ﴿كُلُوا مِنْ رِّزْقِ رَبِّكُمْ﴾: قيل لهم: كلوا من رزق ربكم واشكروا له؛ تذكيراً لهم: حيث كانت الثّمار تتساقط بكثرة وتمتاز بالجودة ومما يطيب أكله وطعمه، والخالية من الإصابة بالحشرات. ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾: الأكل مع الشّكر؛ أي: لا تنسوا المنعم وتنشغلوا بالنّعمة، اشكروا له باللسان والعمل الصّالح والطّاعة، اشكروا له ليزيدكم من النّعم والفضل. ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾: بمائها العذب وهوائها العليل، مطمئنة آمنة خالية من الأمراض والفيضانات والسّيول والكوارث الجوية. ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾: غفور: صيغة مبالغة من غفر؛ أي: يعفو عن سيئاتكم ويثيبكم على أعمالكم الصّالحة ويمدكم بنعمه. سورة سبأ [٣٤: ١٦] ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾: الفاء للمباشرة والتّرتيب، أعرضوا: عن شكر المنعم وجحدوا بنعمه، وكفروا بالله، وقيل: بعث الله سبحانه لهم عدة أنبياء يدعونهم إلى عبادة الله تعالى ويذكرونهم بنعمه، فكذبوهم وأنكروا نعمه، والإعراض هو أن لا تستمع إلى المحدّث وتنصرف عنه ولا تؤمن بما يقوله، فماذا كانت النّتيجة: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، أرسلنا عليهم سيل العرم بعد أن انهار سد مأرب مما أدى إلى سيل العرم: فطافت الأرض والجنان والبيوت، وغرقت البساتين والثّمار بسبب سيل العرم الّذي لا يطاق؛ لشدته

стр. 4177

والمندفع بقوة وغزارة، سيل: هو الماء الّذي يسيل على وجه الأرض بعد أن تشرب الأرض منه، العرم: السّيل المندفع بشدة لا يطاق لغزارته، يؤدي إلى الفيضان وإتلاف الحصاد والحب والثّمار والمنازل والأثاث، وغرق الكثير من النّاس. ﴿وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾: بعد أن سبّب سيل العرم الدّمار والخراب وإهلاك الحرث، تحولت جنتاهم إلى جنتين ذواتي أُكلٍ خمطٍ مرِّ الطّعم وحامض. ﴿وَأَثْلٍ﴾: شجر لا ثمر له كثير الأغصان. ﴿وَشَىْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾: شجر النّبق قليل الفائدة قليل الثّمار، شجر ذو أشواك. وسمّى الجنتين ذواتي الأُكل الخمط والأثل وشيء من سدر قليل: "جنتين" على سبيل التّوبيخ والتّهكّم وكان بإمكان الخالق أن يجعلهما جنتين خاويتين على عروشهما، ولكن يريد أن يذكّرهم ويريهم بأمّ أعينهم قدرته على إهلاك أشجارهم المثمرة وإبدالها بأشجار لا ثمار لها لتكون عليهم حسرة. سورة سبأ [٣٤: ١٧] ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِى إِلَّا الْكَفُورَ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد ويشير إلى السّيل العرم والتّبديل الّذي حدث للجنتين. ﴿جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا﴾: أي جزاءً لهم، بما: الباء: باء السّببية، وما: اسم موصول أو مصدرية، كفروا؛ أي: بسبب كفرهم بأنعمِ الله، والإعراض والتّكذيب بالرّسل والإيمان بالله. ﴿وَهَلْ﴾: استفهامية تفيد التّقرير والتّوبيخ والنّفي؛ أي: وما نجازي إلا الكفور.

стр. 4178

﴿نُجَازِى إِلَّا الْكَفُورَ﴾: الجزاء نوعان: عام وخاص، العام هو للكافر والمؤمن، والجزاء الخاص للكافر وحده، إلا: أداة حصر، الكفور: صيغة مبالغة: كثير الكفر، ولم يقل إلا الكافر، الكافر يعني: من يستر ويجحد بنعم الله تعالى مرة أو مرتين، أمّا الكفور: فهو شديد الكفر المصرّ على رفض الشّكر والجحود وعدم الاعتراف بالمنعم على الدّوام. سورة سبأ [٣٤: ١٨] ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾: ويعود سبحانه في هذه الآية ليذكرهم بالإضافة إلى الجنتين عن يمين وشمال والبلدة الطّيبة الّتي كانوا يعيشون فيها. ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا﴾ جعلنا بينهم: بين قوم سبأ وبين القرى الّتي باركنا فيها بالخيرات والماء والثّمار وشجر الزّيتون؛ ويعني بلاد الشّام، القرى: جمع قرية، والقرية اسم لمكان فيه مساكن ومقومات الحياة من طعام وشراب. ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾: متقاربة متواصلة ظاهرة للعيان لا تبعد عن بعضها البعض كثيراً. ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾: أي كان المسافر يعلم مقدار المسافات بين هذه القرية وتلك القرية، وكم يحتاج من زمن للوصول إلى الأخرى، وقدّرنا فيها السّير؛ أي: البعد أو المسافة والزّمن كم كيلو متراً أو كم ساعة. ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾: سيروا فيها إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنّهار آمنين لا تخافون من جوع أو خوف أو قطع طريق أو القتل والسّرقة، ليالي: جمع ليلة، وأيّاماً: اليوم يعني النّهار (من شروق الشّمس إلى غروبها) وليس (٢٤)

стр. 4179

ساعة، سيروا فيها عدة أيّام وليالي مرتاحين مطمئنين وهذا من فضل الله ورحمته بكم ونعمه الّتي لم تشكروه عليها. سورة سبأ [٣٤: ١٩] ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: لم يكتفوا بأن جحدوا بنعم الله سبحانه بل تمادوا في البطر وملّوا النّعم كما حدث لبني إسرائيل طلبوا البقل والقثّاء والفُوم والعدس والبصل بدلاً من المنّ والسّلوى، فلم يشكروا نعمة الله على أن قارب بين قراهم، وكأنّهم تمنّوا وطلبوا من الله أن يباعد بين أسفارهم؛ أي: أن يباعد بين مسافات أسفارهم؛ أي: قراهم فلا يجعلها قريبة من بعضها حتّى يحتكروا التّجارة لوحدهم فلا يخرج إليها الكثير؛ لبعد المسافات والمشقة وعدم الأمن. ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾: ولها معنًى ثانٍ؛ أي: قالوا ربنا باعد بين أسفارنا؛ أي: جعلها بعيدة عن بعضها البعض رغم كونها قريبة من بعضها كأنّهم استبعدوا أسفارهم بطراً وتعنتاً، وهذا هو الأرجح. ﴿وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾: بالكفر وجحود النّعمة والبطر وعدم التّوبة. ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة؛ أي: أهلكناهم وجعلناهم أحاديث لمن بعدهم؛ أي: قصة أو حكاية يتحدث بها النّاس يتعجبون بما فُعِل بهم، أحاديث تدل على كثرة الحديث عنهم فالكلّ يتحدث عنهم ويذكرهم. ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾: مزقناهم في البلاد بحيث لا يمكن جمعهم مرة أخرى. والتّمزيق يعني: يتناول كلّ الأجزاء؛ أي: مزقناهم في متاهات الأرض وقيل: لحقت الأوس والخزرج بيثرب (المدينة المنورة) وغسان وجذام ولخم

стр. 4180

بالشّام، والأزد بعمان، وخزاعة بتهامة فكانت العرب تضرب بهم المثل في التّفرق والتّشرد فتقول: تفرقوا أيدي سبأ أو أيادي سبأ. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾: إنّ: للتوكيد، في: ظرفية، أي فيما حدث لسبأ، ذلك: اسم إشارة واللام للبعد، وتشير إلى إسباغ النّعمة على سبأ وكفرهم بها وعدم شكر المنعم وبطرهم وظلمهم للفقراء ومحاولتهم احتكار النّعمة لأنفسهم وما فُعل بهم بعد ذلك، لآيات: اللام للتوكيد، آيات وليس آية؛ أي: عبراً كثيرة. ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: لكلّ: اللام لام التّعليل، صبار: صيغة مبالغة: كثير الصّبر على ظلم الطغاة وتحمّل أذاهم، وكثير الصّبر على طاعة الله وعن المعاصي وعلى المصائب، أو مليء بالصّبر كماً وكيفاً، شكور: كثير الشّكر صيغة مبالغة من: شكر، شكور لنعم الله فلا يجحد بها مهما قلّت أو كثرت، أو كثير الشّكر لله أن جعله يصبر على الظالمين. سورة سبأ [٣٤: ٢٠] ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: لا زالت الآيات في سياق الحديث عن سبأ وما أصابهم. ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، اللام للتوكيد، قد: للتحقيق؛ أي تحقق ما تتحدث عنه الآية وهو: ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾: صدَّق شدّد الدّال ولم يقل صَدَق: أي بذل إبليس قصارى جهده من الوسوسة والإغراء والتّزيين والإضلال لقوم سبأ حتّى تحقّق ظنه عليهم؛ أي: على سبأ، وعلى تفيد العلو والمشقة؛ أي: تغلب عليهم بإغوائه، والظّن: بمعنى الشّك الرّاجح، والشّك هو التّردد بين أمرين النّفي والإثبات، والظّن الّذي ترجح فيه كفة الإثبات، وظنه: غايته وهي: أي يتبعوه فاتّبعوه وكفروا بنعم الله وجحدوا بها وأعرضوا عن الإيمان وكان مصيرهم

стр. 4181

التّمزق والهلاك وأصبحوا عبرة لغيرهم، وغاية الشّيطان أن يقود الإنسان ليكفر بنعم الله وينكرها ويكذب ويعرض عن الإيمان بربه مما يؤدي به إلى الهاوية، والله سبحانه حذر من ذلك وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾: ساروا وراء الشّيطان واتبعوا خطواته (في الوسوسة والتّزيين والإغواء) وحقق الشّيطان ظنه ونال غايته منهم إلا فريقاً من المؤمنين. ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: إلا: أداة استثناء، فريقاً من المؤمنين: لم يستطع إبليس أن يغويهم ويحقق ظنه فيهم، آمنوا بالله واتبعوا الرّسل وشكروا الله على نعمه وصبروا على ما أصابهم في سبيله. سورة سبأ [٣٤: ٢١] ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ﴾: ما النّافية، كان لإبليس، له: اللام لام الاختصاص، والضمير يعود على الشّيطان. ﴿عَلَيْهِم مِنْ سُلْطَانٍ﴾: عليهم: على سبأ، من: استغراقية؛ أي: سلطان مثل سلطان القهر والغلبة أو سلطان الحجة والبرهان؛ أي: لم يجبرهم بالقوة أو القهر أو الحجة والإقناع وإنما بالوسوسة والإغراء والتّزيين بالشّهوات والجشع. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّ﴾: لنعلم: اللام للتعليل؛ أي: ما تركنا، أو أذنّا لإبليس بإغوائهم وإغرائهم والتّزيين إلا فقط لنقيم عليهم الحجة في الآخرة؛ لأنّ الله سبحانه لا حاجة له بهذا العلم لأنّه يعلم منذ الأزل وقبل خلقهم ما سيعملونه؛ أي: ليعلموا هم أنفسهم ما عملوه في الدّنيا فتقام عليهم

стр. 4182

الحجة، فلا يدّعوا أنّ الله لم يبتليهم، من يؤمن بالآخرة: الباء للإلصاق والدّوام يؤمن: يصدق بالآخرة والبعث والحساب والجزاء والجنة والنّار، ممن هو في شك: هو تفيد التّوكيد، منها في شك: في تردد، والشّك: تساوي كفة النّفي وكفة الإثبات؛ أي: ممن يكذب بالآخرة ولا يصدق بها. ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾: حفيظ: صيغة مبالغة من الحفظ، يحفظ أعمال العباد ليجازيهم عليها من خير أو شر، يحفظ عباده وأولياءه من مكايد الشّيطان والوقوع في الذّنوب والمعاصي واتّباع الشّيطان والمهالك، يحفظ خلقه وكونه حتّى تنقضي آجالهم. سورة سبأ [٣٤: ٢٢] ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِنْ ظَهِيرٍ﴾: المناسبة: بعد ذكر قصة داود وسليمان وقصة قوم سبأ يعود سبحانه لمخاطبة مشركي قريش فيقول: ﴿قُلِ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ ، قل للمشركين من قريش وغيرهم. ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: ادعوا: أي نادوا على هؤلاء الأصنام والآلهة أو غيرهم من الّذين زعمتم أنّهم شركاء، الّذين: اسم موصول يفيد الذّم والتّحقير، الّذين: تفيد المعرفة؛ أي: ادعوا شركاءكم الّذين زعمتم: من الزّعم وهو القول غير المستند إلى دليل وأكثر ما يقع الزّعم في الباطل، من دون الله: من غير الله من الأصنام والآلهة، نادوهم ليكشفوا عنكم الضّر أو ينفعوكم أو ادعوهم ليستجيبوا لكم فهم لا يضرون ولا ينفعون، قل ادعوا: وهل دعوا كما قال لهم رسول الله ﷺ ؟ طبعاً لا؛ لعلمهم أنّ هذه الأصنام أو الآلهة لا تسمع ولا تبصر ولا تجيب فهم لم يدعوا، ولنفرض أنّهم دعوا آلهتهم واستجابوا وسمعوا

стр. 4183

فإنّهم لا يملكون مثقال ذرة في السّموات ولا في الأرض ليكونوا شركاء، ارجع إلى سورة يونس الآية (٦١) لبيان معنى ذرة. ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾: لا يملكون ذرة بشكل مستقل (خاص) ولا يملكون ذرة بشكل شراكة مع الله، وتكرار لا: يفيد النّفي، وما لهم: تعود على الآلهة والأصنام وما يعبدون من دون الله، فيهما: في السّموات والأرض من شرك اسم بمعنى المشارك أو الشّريك ولو بأدنى نسبة كالذرة، وما له: أي لله تعالى، له: اللام لام الاختصاص، منهم: من هؤلاء الشّركاء. ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾: من استغراقية، ظهير: أي مُعين على أيّ شيء مهما كان، ظهير: مشتقة من الظّهر وهو أقوى الأعضاء للحمل؛ أي: يحمل عنك: يُعينك في حمل الأثقال، من ظهير: معين يحتاج الله سبحانه إليه أو بحكم حاجة الرب إليه يدعوه يشفع. إذن فلمَ تعبدونهم وهم لا يملكون ذرة في السّموات ولا في الأرض؟! وأيضاً ليسوا شركاء وليسوا شفعاء، ولا ينفعوكم ولا يضرون، ولو بمقدار ذرة في السّموات والأرض، فمسألة الشّركاء مسألة باطلة.

стр. 4184

سورة سبأ [٣٤: ٢٣] ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾: المناسبة: في الآية السّابقة ذكر الآلهة وعدم ملكها ذرة في السّموات والأرض وليس لها شراكة فيهما. ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾: هذه الآية ردٌّ على من يزعمون أن الآلهة تشفع لهم عند الله، الواو: عاطفة، لا: النّافية، الشّفاعة: ارجع إلى الآية (٨٥) من سورة النّساء للبيان. ولا تنفع أو تقبل الشّفاعة، يوم القيامة للنفس المشفوع لها (وهي النّفس الّتي تنفعها الشّفاعة) عنده: عنده تعالى، إلا: أداة حصر، لمن: اللام لام الاختصاص، من: اسم موصول بمعنى الّذي، أذن له: من الملائكة أو النّبيين أو الصّالحين من النّاس، فالإذن هذا هو الشّرط الأوّل من شروط قبول الشّفاعة، أن يأذن له الله سبحانه للشافع حتّى يشفع للمشفوع له كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، والشّرط الثّاني: أن يأذن للمشفوع له (أو النّفس المشفوع لها) بالشّفاعة، ومن شروط الإذن أن يكون أو تكون من أهل التّوحيد، إذن لا بدّ من إذن لمن أراد أن يشفع ولا بد من إذن لمن أريد الشّفاعة له، الشّرط الثّالث: هو لمن ارتضى: كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَّلَكٍ فِى السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِى شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النّجم: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، أي: ارتضى بمعنى: أن

стр. 4185

يقبل الله هذه الشّفاعة حتّى ولو كان الشافع والمشفوع له أهلاً للشفاعة، ويبقى الحكم بالقبول لله تعالى وهذا تأكيد لإبطال شفاعة هذه الآلهة عند الله. ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾: حتّى: حرف نهاية الغاية، إذا: شرطية تفيد الحتمية، فزِّع عن قلوبهم؛ أي: كشفَ وأزيل عن قلوبهم الفزع: الخوف الشّديد المفاجئ مع توقع مكروه، هذا الفزع يحدث حين انتظار الإذن لمن يشفع؛ أي: للشافع وللمشفوع له فالكلّ قلق أيؤذن للشافع أم ترد شفاعته ولا يشفع، وما نتيجة الشّفاعة تقبل أو لا تقبل، والمشفوع له هل هو أهل للشفاعة أم لا، والانتظار والتّربص كلّ ذلك يؤدي إلى فزع الكلّ حتّى تتم الشّفاعة وتقبل وعندها يزول الفزع عن قلوبهم يقول بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم في الشّفاعة؟ ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾: أي وهو الإذن بالشّفاعة لمن ارتضى: أي اختار. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿الْعَلِىُّ﴾: فوق خلقه وقهره وجبروته. ارجع إلى سورة الحج الآية (٦٢). ﴿الْكَبِيرُ﴾: ارجع إلى سورة الرّعد الآية (٩). وبعض المفسرين قالوا: إنّ الضّمير في قوله: "حتّى إذا فزّع عن قلوبهم" (أي قلوب الملائكة) فقد روى عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السّماء صلصلة كجرّ (أي سحب) السّلسلة على الصّفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتّى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم فزّع عن قلوبهم؛ أي: زال الخوف عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل، ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق؛ أي: الصدق، فينادون: الحق الحق. رواه أبو داود والسيوطي والبيهقي وابن جرير.

стр. 4186

وفي رواية أبي هريرة عن النّبي ﷺ أنّه قال: إذا قضى الله الأمر في السّماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان (حجر أملس) فإذا فزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: للذي قال الحق (الله) وهو العلي الكبير. رواه البخاري وأبو داود والترمذي. سورة سبأ [٣٤: ٢٤] ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: في الآية (٢٢) قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: الآلهة المزعومة الّتي لا تملك لكم الشّفاعة. وفي هذه الآية (٢٤) قال تعالى: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: والآلهة المزعومة لا ترزقكم أيضاً. ﴿قُلِ﴾: قل يا رسول الله ﷺ للمشركين من أهل مكة وغيرهم عبَدَة الأصنام والأوثان. ﴿مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: من: للاستفهام والتّقرير، ومن: للعاقل وتشمل المفرد والجمع؛ يعني: من يرزقكم المطر والشّمس والطّاقة والرّياح، ومن الأرض: مثل النّبات والحب والأرز والمعادن والثّمار والبترول والغاز والذّهب والفضة وغيرها. قل الله: أي إذا لم يجيبوا على سؤالك، قلِ: الله، وإذا أجابوك وقالوا: الله، أقيمت عليهم الحجة فقل لهم: فلمَ تعبدون سواه، ولا تؤمنون به وحده؟ ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: انتبه هنا قدّم إنّا على إياكم وقدّم الهدى على الضّلال، إنّا تناسب الهدى، وإنّا لعلى هدى أو إياكم وأنتم في

стр. 4187

ضلال مبين، والهدى والضلال من المتناقضات والمتناقضان لا يجتمعان أبداً؛ أي: إن كان أحدنا على الهدى فلا بُدَّ أن يكون الآخر في الضلال ولا ثالث لهما. واستعمل لعلى هدى (على) تفيد الاستعلاء؛ لأنّ الّذي على الهدى كأنّه راكب على مطية اسمها الهدى لكي توصله إلى غايته، وهو متمكن منها على ظهرها لا يخاف السّقوط أو الانحدار، ولم يقل أو على ضلال مبين وإنما قال: في ضلال مبين؛ لأنّ الضّلال هو انحدار وسقوط والضّال عادة يكون منغمساً في الظّلمات وليس بخارج منها. والضّلال المبين: الضّلال الظّاهر والواضح لكلّ فرد يريد أن يطّلع عليه، والمبين يعني: الواضح بنفسه لا يحتاج إلى أحد حتّى يظهره. وهذا من أدب الحوار مع غير المؤمنين لإقناعهم بخطئهم حتّى يقرّوا بأنفسهم ويعلموا الحق. سورة سبأ [٣٤: ٢٥] ﴿قُلْ لَا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾: قل لهم يا رسول الله؛ أي: للمشركين من قريش. ﴿لَا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾: لا النّافية، تسألون عما أجرمنا: النّون في "تسألون" للتوكيد، عما أجرمنا: عن تفيد المجاوزة والمباعدة، ما بمعنى الّذي أو مصدرية، أجرمنا: الإجرام: هو التمرد على أوامر الله ونواهيه، ورفض الخضوع إليها. ارجع إلى الآية (٣٢) من نفس السورة؛ أي أذنبنا، بصيغة الماضي؛ أي: كأن الإجرام حدث أو وقع من قبلنا، والفرق بين أجرمنا وتجرمون: أجرمنا في الماضي ومرة واحدة، تجرمون: ليس إجراماً واحداً بل هو إجرام مستمر يتجدد ويتكرر، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَا بَرِاءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود: ٢٥] أي: أنتم لستم

стр. 4188

مسؤولين عن إجرامنا؛ أي: إن كانت عبادتنا وطاعتنا لله تعالى جريمة أو ذنباً فلستم مسؤولين عنها. ﴿وَلَا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: لا النّافية، نُسأل عما تعملون ولم يقل عما تجرمون مع أنّهم هم المجرمون حقاً، وقال بدلاً عنها: عما تعملون بصيغة المضارع، وهذه الآية تدل على أعلى درجات الارتقاء، والسّمو في الحوار والدّعوة إلى الله والتّلطف بالآخر لعله يتوب إلى الله وينوب إليه، ويستميل قلبه لقبول الحق والهداية، وإذا قارنا هذه الآية بآية (٣٥) من سورة هود، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا بَرِاءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ هذه الآية جاءت في سياق قول نوح لقومه إذا كنت أفتري على الله الكذب فعلي إجرامي، وإذا كنت بريء من ذلك، أو لست كذلك فأنتم مجرمون بحقي، بينما آية سبأ جاءت في سياق الدعوة إلى الله. سورة سبأ [٣٤: ٢٦] ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾: ﴿قُلْ﴾: قل لهم يا رسول الله. ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾: يوم القيامة في أرض المحشر يوم الجمع. ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾: أي الفصل والحكم بيننا بالحق: بالعدل، والباء للإلصاق واللزوم، فيثيب المطيع ويعاقب العاصي، يدخل المؤمنين الجنة ويدخل المجرمين النّار. ثمّ: ليست للترتيب والتّراخي هنا وإنما للترتيب الذّكري (التسلسلي) وسمى الحكم فتحاً؛ لأنّه يفتح شيئاً عن شيء ويحدث بينهما فرج أو فصل حيث كانا ملتبسين فيفصل بين الحق والباطل والمؤمن والكافر. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٦٢) وسورة السجدة آية (٢٨) للبيان.

стр. 4189

﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿الْفَتَّاحُ﴾: الحاكم بين الخلائق أو الّذي يفصل بين الخلائق ويخبر الحق من الباطل، والفاتح والفتاح صيغة مبالغة من فتح، والفتح قد يعني الكشف والتبين وهذه هي المرة الوحيدة الّتي ذكر هذا الاسم في القرآن الكريم. ﴿الْعَلِيمُ﴾: بكلّ خلقه وكونه والعليم بما يقضي ويحكم على علم؛ لأنّه يعلم ما فعله كلّ مخلوق سواء كان في السر أو العلن. ومعنى هذه الآية: لن نطيل معكم الحوار أو الجدال؛ لأننا إما على الحق أو على الباطل، وأنتم كذلك فالله سبحانه يفصل بيننا ويقضي يوم القيامة. سورة سبأ [٣٤: ٢٧] ﴿قُلْ أَرُونِىَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ﴿قُلْ﴾: الخطاب إلى رسول الله ﷺ وأمته: قل للمشركين من قريش، قل لهم يا رسول الله. ﴿أَرُونِىَ﴾: الهمزة للاستفهام التّوبيخي والإنكار والتّبكيت، أروني: لا يقصد بها الرّؤية الحقيقية؛ لأنّ رسول الله ﷺ كان يرى ويعلم ما يعملون، والغاية من السّؤال ليريهم خطأهم في إلحاق الشّركاء بالله تعالى، والرّؤية هنا تعني قلبية فكرية؛ أي: فكروا بما تصفون. ﴿أَلْحَقْتُم بِهِ﴾: أي بالله، ألحقتم؛ أي: أضفتم إليه شركاء: جمع شريك. ﴿كَلَّا﴾: كلمة زجر وردع؛ أي: كفّوا عن إلحاق الشريك بالله وتوبوا إلى ربكم. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي إبطال ما قبلها وإثبات ما بعدها.

стр. 4190

﴿بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر، الله: الإله الحق الّذي يستحق أن يعبد ويحمد فهو واجب الوجود، العزيز: القوي الّذي يَقهر ولا يُقهر ويَغلب ولا يُغلب له العزة جميعاً وكمال القدرة، الحكيم: أحكم الحاكمين وأحكم الحكماء في تدبيره لخلقه وكونه. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان. سورة سبأ [٣٤: ٢٨] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: المناسبة: بعد إعلام المشركين بأنّ الله هو الرّزاق وأنّه هو الإله الحق ولا شريك له وأن محمّداً هو النّبي المبعوث إلى الثّقلين بشيراً ونذيراً للناس كافة. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾: الواو عاطفة، ما النّافية، أرسلناك: الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ ، أرسلناك: ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة للبيان ومعرفة الفرق بين أرسلناك وبعثناك. ﴿إِلَّا﴾: للحصر. ﴿كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾: عامة لجميع النّاس (النّاس يعني الإنس والجن) لقوله تعالى: ﴿الَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [النّاس: ٥ - ٦] وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، للناس: الكافر والمؤمن والمطيع والعاصي، اللام لام الاختصاص خاص للناس، لكلّ زمان ولكلّ مكان. ﴿كَافَّةً﴾: من كفّ، وكفّ الشّيء: منع أو كفّ بمعنى جمع، واسم الفاعل كافٍ، وأصل كلمة كافة: كاففة فلما اجتمع حرفان متحركان سكن الأوّل

стр. 4191

وأدغم في الثّاني، فصار كاف وزيدت تاء التّأنيث للمبالغة فأصبحت كافة؛ أي: لتكفّ النّاس عن الكفر والشّر والشّرك وتدعوهم إلى الإسلام، وإذا كانت بمعنى كفّ جمع أي: للناس جميعاً، وقدّم كافة على كلمة النّاس ولم يقل للناس كافة: للاختصاص والتّوكيد. ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾: أي مبشراً للّذين آمنوا ومنذراً للذين كفروا، ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة للبيان المفصل، ولنعلم أنّ رسول الله ﷺ هو الرّسول (النّبي ﷺ الّذي وصف بالبشير والنّذير. للثقلين: الإنس والجن معاً. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لكن: حرف استدراك، أكثر النّاس لا يعلمون (لا النّافية) لا يعلمون أنّك أرسلت للناس كافة وأنّك البشير والنّذير وأنّك خاتم النّبيين، ولا يعلمون الوحدانية في الألوهية والرّبوبية والصّفات والأسماء، أكثر النّاس لا يعلمون وهناك القلة الّتي تعلم. سورة سبأ [٣٤: ٢٩] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿وَيَقُولُونَ﴾: أي منكرو البعث من الكفار، ويقولون: بصيغة المضارع ولم يقل وقالوا: للدلالة على تجدد وتكرار هذا السّؤال. ﴿مَتَى﴾: للاستفهام عن الزّمان (ظرف للزمان) وفيها معنى الإنكار والاستبعاد، أو الاستبطاء والتّعجب من كثرة هذا السّؤال. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب، ويشير إلى الوعد الّذي تعدنا به. ﴿الْوَعْدُ﴾: البعث قيام السّاعة أو يوم القيامة أو الحساب أو العذاب،

стр. 4192

والوعد في القرآن عادة يكون للخير والوعيد يكون بالشّر، يصفونه بالوعد؛ لأنّهم لا يصدقون به وغير مهتمين به بدلاً من قولهم: متى هذا الوعيد. ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن شرطية، تستعمل في سياق الشّك أو الاحتمال؛ أي: هم يشكّون في صدق الرّسول وفي الوعد، وهم الّذين قالوا عنه: الصّادق الأمين. سورة سبأ [٣٤: ٣٠] ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَئْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾: ﴿قُلْ لَكُمْ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ ، لكم: اللام لام الاختصاص لكفار قريش ومن جاء من بعدهم. ﴿مِيعَادُ يَوْمٍ﴾: مشتقة من الوعد، زمن التّواعد أو مكان التّواعد، إذن ميعاد للزمان والمكان، والميعاد: مصدر ميمي وهو الوقت المحدد أو المعيّن لحدوث الشّيء، يوم: يوم موتكم أو بعثكم أو هلاككم أو يشمل الكلّ، ويوم: نكرة؛ للتهويل والتّعظيم. ﴿لَا تَسْتَئْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً﴾: لا النّافية، تستأخرون عنه ساعة: إذا جاء لا يؤخّر ساعة ولا دقيقة، عن: تفيد المجاوزة والمباعدة. ﴿وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾: أي إذا لم يجيء: لا تستقدمون لا ساعة ولا دقيقة، تكرار لا يفيد توكيد النّفي، ارجع إلى سورة يونس الآية (٤٩) والأعراف (٣٤) للبيان. وردت هذه الآية (٤) مرات في القرآن: في هذه الآية ويونس الآية (٤٩) والأعراف الآية (٣٤) والنّحل الآية (٦١). سورة سبأ [٣٤: ٣١] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ

стр. 4193

الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾: المناسبة: في الآية السّابقة ذكر أنّ ميعادهم واقع لا محالة، وفي هذه الآية يذكر حالهم في ذلك اليوم وما يحدث فيه من الحوار بين الرّؤساء الّذين استكبروا والأتباع الّذين استضعفوا. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: من مشركي قريش قالوا لرسول الله ﷺ والمؤمنين وذلك أن المشركين سألوا بعض مؤمني أهل الكتاب عما ذكر بشأن محمّد ﷺ في كتبهم، فلما أخبرهم بما جاء في ذكر الرسول ﷺ في التوراة والإنجيل والبعث والجزاء قالوا عندها: ﴿لَنْ نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: لن: لنفي المستقبل القريب والبعيد، نؤمن بهذا القرآن: أي لن نصدّق بهذا القرآن، ولا النّافية (تكرار النّفي يفيد التّوكيد) بالّذي بين يديه من الكتب السّماوية مثل التّوراة والإنجيل والزّبور؛ أي: جاءت قبله. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾: هنا يبدأ بالحديث عن حالهم يوم القيامة، ولو ترى: لو شرطية تحتاج إلى جواب والجواب محذوف؛ للتهويل والتّنكير لما يصيبهم في ذلك اليوم من الخزي والهوان والمِراء واللوم والعتاب، ولو ترى: في الآخرة، أو حين ينتظرون الفصل والحساب أو في النّار، إذ: ظرفية للزمن المستقبل، الظّالمون: المشركون الكافرون الظّالمون لأنفسهم وغيرهم. ﴿مَوْقُوفُونَ﴾: محبوسون جمع موقوف من: وقف. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: بين يدي الله، ينتظرون حسابهم.

стр. 4194

﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾: يرجع من المراجعة، والمراجعة تعني كلّ واحد يقول كلاماً والآخر يرد على كلامه وينكره، وتعني المراجعة: كلّ منهم يرمي باللائمة على الآخر، ويتهمه بأنه هو السبب في كل ما يحدث من العذاب. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾: أي الأتباع استضعفوا في الدّنيا. استضعفوا: جمع مستضعف؛ أي: جرده من عناصر قوته، وأذله وعده ضعيفاً، والضعف: بفتح الضاد يكون في الجسم أو الرأي: والعقل أو ضمها ضد القوة (مختار الصحاح)؛ أي: ضعف في الجسم فقط. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾: المتبوعين وهم القادة والرّؤساء والكبراء. استكبروا: طلبوا الكبر وليسوا أهله. ﴿لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾: لولا: حرف شرط، لكنّا: اللام لام التّعليل أو الاختصاص، مؤمنين: مصدقين بالله والرّسول واليوم الآخر وما أمر به تعالى، مؤمنين: جملة اسمية تدل على الثّبات؛ أي: ذوي إيمان ثابت لا يتغير.

стр. 4195

سورة سبأ الآيات [٣٢ - ٣٩] سورة سبأ [٣٤: ٣٢] ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُّجْرِمِينَ﴾: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾: القادة والرّؤساء؛ أي: المتبوعون. ارجع إلى الآية السابقة (٣١). ﴿أَنَحْنُ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والنّفي والتّعجب. ﴿صَدَدْنَاكُمْ﴾: أي منعناكم. والصد: هو المنع بقصد ونية، والمنع: قد يكون بقصد أو بغير قصد (نية). ﴿عَنِ الْهُدَى﴾: عن الإيمان بالله وبمحمّد وبالقرآن أو عن الإسلام. ﴿بَعْدَ﴾: ظرفية زمانية. ﴿إِذْ﴾: ظرفية بمعنى حين. ﴿جَاءَكُمْ﴾: حين جاءكم الهدى بواسطة محمّد ﷺ . ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿كُنْتُمْ مُّجْرِمِينَ﴾: كثيري الإجرام والآثام والكفر والشّرك؛ جمع مجرم، وهو من تمرد على أوامر الله ونواهيه، ورفض الخضوع إليها، وجرم يعني: قطع؛ أي: قطع كل صلة بالله، وَجَرَمَ الرجل: أذنب، وارتكب ذنباً.

стр. 4196

سورة سبأ [٣٤: ٣٣] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِى أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: بل: للإضراب الانتقالي؛ أي: لم يكن إجرامنا الّذي صدّنا عن الإيمان، بل مكركم بنا في الليل والنّهار: والمكر يعني الخديعة والاحتيال، والمكر يعني: التّدبير الخفي لإيقاع المكروه بالممكور به من حيث لا يعلم، ارجع إلى سورة الرّعد الآية (٣٣) وسورة إبراهيم الآية (٤٦) للبيان. ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾: أي مكركم بنا في الليل والنّهار ودعوتكم المستمرة لنا إلى الكفر بالله وما أنزل، وأن: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد، هو الّذي حملنا على الكفر وأن نجعل له أنداداً: جمع ندٍّ وهو النّظير والشّبيه. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٢) لمزيد من البيان. ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: الضّمير يعود على الجميع المستضعفين والمستكبرين، أسروا النّدامة. الندامة: التلهف على ما فات وعندما يشتد الندم يتحول إلى حسرة، فالحسرة هي أشد الندم؛ مصدر لفعل ندم؛ أخفوا النّدامة أضمر كلّ من الفريقين النّدامة على ما فعلوا من الكفر حتّى لا يشمت بهم الفريق الآخر. ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: حين انكشف لهم العذاب؛ أي: رأوا العذاب بأمّ

стр. 4197

أعينهم، رأوا العذاب المعدَّ أو المهيّأ لهم بعد الجدال والخصام الّذي دار بينهم وعلموا أنّ جدالهم لن يجدي ثمّ يقول الله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ﴾: جمع غل؛ أي: قيد أو طوق من حديد يوضع في عنق المجرم ويشد إلى اليد. ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: هل للاستفهام يفيد النّفي، يجزون: من الجزاء ويكون على العمل أي يجزون على أعمالهم في الدّنيا من الكفر والظّلم والعصيان، إلا: أداة حصر، ما كانوا: ما بمعنى الّذي أو مصدرية، كانوا في الدّنيا، يعملون: العمل يشمل القول والفعل فما يحصل لهم في الآخرة هو جزاء لهم على أعمالهم السّيئة في الدّنيا. سورة سبأ [٣٤: ٣٤] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾: المناسبة: بعد ذكر ما قال الّذين كفروا من كفار مكة، ومن الذين أوتوا الكتاب أنّهم لن يؤمنوا بهذا القرآن ولا بالّذي بين يديه من التوراة والإنجيل؛ يخبر الله سبحانه نبيه محمّداً ﷺ أنّ إعراض قومه عنه ليس بالأمر الجديد، فكلّ قرية بعث الله إليها نبياً نذيراً كذّبه المترفون في تلك القرية أو الكافرون. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾: الواو استئنافية، أرسلنا: ارجع إلى الآية (٢٥١) للبيان. ﴿فِى قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾: في ظرفية، قرية: أصغر من المدينة، من استغراقية، نذير؛ أي: نبي، والإنذار هو الإعلام والتّحذير. ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾: إلا أداة حصر، قال مترفوها: جمع مترف، وهو من

стр. 4198

أهل المال والثّروة الّذي طغته فتنة المال ونسي شكر المنعم. ارجع إلى سورة الزخرف آية (٢٣) لبيان معنى الترف، والمترف. ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾: إنّا للتوكيد، بما: الباء للإلصاق، ما بمعنى الّذي، أرسلتم به: من التعاليم والآيات والأحكام والنذر كافرون جاحدون: تفيد الثبات على الكفر. سورة سبأ [٣٤: ٣٥] ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾: ﴿وَقَالُوا﴾: أي: المترفون لرسلهم. ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾: من المؤمنين واغتروا بالمال والأولاد والمتاع، وظنوا أنّهم أعطوا المال والأولاد؛ لأنّهم مكرمون من ربهم في الدّنيا وما هم بمعذبين في الآخرة. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾: أي لن يعذبنا ربنا في الآخرة، ما: النّافية، معذبين: جملة اسمية تفيد الثّبوت. وقولهم: نحن أكثر أموالاً وأولاداً، حُجة عليهم لا لهم وبدلاً من أن يشكروا المنعم ويؤمنوا به قالوا لرسلهم: إنّا بما أرسلتم به كافرون! أي لسنا بحاجة إلى وعظكم وإنذاركم. وقدّم المال على الأولاد؛ لأنّ أكثر النّاس يملكون المال أكثر ممن عندهم الأولاد.

стр. 4199

سورة سبأ [٣٤: ٣٦] ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّى﴾: قل لهم يا رسول الله رداً على اغترارهم بكثرة الأموال والأولاد: إنّ ربي: إنّ: للتوكيد، ربي: أي الرّب فهو الرّازق والمغني والمدبر والمربي. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: يوسع ويغني بكرمه من يشاء، اللام: للتوكيد، من: للابتداء، يشاء: يريد، والمشيئة قبل الإرادة، والرّزق لا يقتصر على المال والأولاد بل هو كلّ ما ينتفع به ويشمل العلم والأخلاق والصّحة والأمن والطّعام والشّراب واللباس. ﴿وَيَقْدِرُ﴾: ويضيق على من يشاء. ارجع إلى الآية (٣٩) من نفس السورة للمقارنة بينهما. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أنّ بسط الرّزق ليس دليلاً على رضا الله تعالى، وأنّ الفقر وعدم بسط الرّزق ليس دليلاً على سخط الله أو عدم رضاه، وأنّ المال والأولاد فتنة والغنى والفقر فتنة وابتلاء من الله بالخير والشّر. سورة سبأ [٣٤: ٣٧] ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِى الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾: هذه الآية ردٌ على قولهم: نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين. ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم﴾: الواو: استئنافية، ما: النّافية، أموالكم ولا أولادكم: تكرار (لا) لتوكيد النّفي وفصل كلّ منهما "الأموال والأولاد" على حدة أو معاً؛ أي: لا هذه ولا تلك ولا كلاهما معاً، الكلام مخاطب به الكلّ.

стр. 4200

﴿بِالَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾: زلفى؛ أي: قربى إلى الله. زلفى: مصدر زُلف. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع. ﴿مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: من ابتدائية، آمن بالله وعمل صالحاً وأنفق من أمواله في سبيل الله وابتغاء مرضاته، فهذا الإنفاق من أعظم القربات، وكذلك الأولاد لا تقرب إلى الله زلفى ولكن إذا آمنوا وعملوا صالحاً وقالوا: ربنا ارحم واغفر لآبائنا وأمهاتنا، فذلك أيضاً من الّذي يقرب إلى الله زلفى. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء للتوكيد، أولئك اسم إشارة واللام للبعد تفيد العلو، الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات. ﴿لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾: لهم: اللام لام الاستحقاق، جزاء الضّعف: المضاعف المكرر مرات ومرات حتّى يبلغ (٧٠٠) ضعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى (٧٠٠) ضعف أو أكثر. ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾: الباء بدلية أو باء السّببية؛ أي: بسبب أو بدل ما عملوا في الدّنيا من الأعمال الصّالحة. ﴿وَهُمْ فِى الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾: وهم: للتوكيد والحصر؛ أي: وكأنّهم وحدهم لا غيرهم في الغرفات آمنون، في: ظرفية، الغرفات: جمع غرفة، والغرفة: اسم جنس غرف الجنة، آمنون: من الموت ومن كلّ خوف وضر وسوء ومرض أو مكروه، آمنون جمع: آمن وآمنون: جملة اسمية تفيد الثّبوت. ارجع إلى سورة الفرقان آية (٧٥) لمزيد من البيان.

стр. 4201

سورة سبأ [٣٤: ٣٨] ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ﴾: ارجع إلى الآية (٥) من السّورة نفسها للبيان، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْ فِى آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، فالفرق بين الآيتين: سعوا: فعل ماض، سعوا وانتهى الأمر، وربما تابوا أو لم يُغفر لهم فلهم عذاب من رجز أليم، أما الذين يسعون بصيغة المضارع التي تدل على التجدد والتكرار والاستمرار أولئك في العذاب مُحضرون. ﴿فِى آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾: أي: بذلوا قصارى جهدهم لصرف النّاس عن آيات ربهم (آيات القرآن) بالقول: لا تسمعوا لها والغو فيها، وبالتكذيب بها. معاجزين: جمع معاجز: من يحاول أن يعجز غيره، وأعجزه: جعله عاجزاً عن نيل مراده، وأفلت منه، فلم يقدر عليه؛ أي: يحاولون أن يعجزوا من يُبلغُها؛ أي: يجعلونه عاجزاً عن تبليغها والكفّ عنها. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يفيد الذم. ﴿عَذَابٌ مِنْ رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾: عذاب أشد وأسوأ من العذاب الأليم، أمّا الآية (٣٨) يسعون: فعل مضارع يدل على تجدد وتكرار السعي في آياتنا معاجزين، كما شرحنا سابقاً. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٩) لبيان معنى الرجز والرجس والفرق بينهما. ﴿فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾: جمع محضر: اسم فاعل من: حضر يحضر؛ أي: حاضر ضد الغياب، أي يُحضر رغماً عن أنفه، تحضرهم الملائكة قسراً سواء رضوا أم لم يرضوا. وكلمة محضرون لا تأتي إلا في سياق العذاب في

стр. 4202

كل القرآن. ومحضرون: لا يغيبون عنه فقوله: محضرون؛ أي: مقيمون في هذا العذاب الأليم. سورة سبأ [٣٤: ٣٩] ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: المقصود في هذه الآية رجل يبسط الله له الرّزق يوسع عليه ويصبح غنياً ثمّ يضيّق عليه فيصبح فقيراً، أو بالعكس يكون فقيراً ثمّ يصبح غنياً؛ أي: هو نفسه يتحول من حال إلى حال. الآية (٣٦) من سورة سبأ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾: المقصود في هذه الآية رجل يُبسط له الرّزق؛ أي: يوسع عليه ويصبح غنياً طيلة حياته، ورجل آخر يضيق الله عليه الرّزق ويصبح فقيراً طيلة حياته. أمّا في سورة القصص الآية (٨٢): ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ هذه الآية خاصة بقارون، فالله بسط له الرّزق ولم يقل يقدر له، وإنما خسف به وبداره الأرض. ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ شَىْءٍ﴾: وما: الواو استئنافية، ما: شرطية، أنفقتم: تصدقتم في سبيل الله سواء كان صدقة أو زكاة أو قرضاً حسناً، من شيء: من ابتدائية استغراقية، تشمل كلّ شيء من مال أو طعام أو زمن، وشيء: نكرة والشّيء أقل القليل. ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾: الفاء للتوكيد، هو: لزيادة التّوكيد، ويعود إلى الله

стр. 4203

سبحانه، يخلفه: يعوضه بالمال أو الثّواب أو بالصّحة أو طول العمر، يخلفه في الدّنيا أو في الآخرة. ﴿وَهُوَ﴾: تكرار هو للتوكيد. ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: خير؛ أي: أفضلهم وأعلاهم؛ لأنّه سبحانه خلق الرّزق والمرزوق، فلا رازق إلا هو فهو الرّزاق الحقيقي وأمّا العباد فهم من تسخير الله سخّرهم ليقوموا بذلك، وأضفى عليهم من صفته وكرمه ووصفهم بأنّهم من الرّازقين. والرّزق يشمل المال والعلم والسلطان والأهل والصحة والأمن والحرية وغيرها.

стр. 4204

سورة سبأ [٣٤: ٤٠] ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾: بعد أن ذكر أنّ الأموال والأولاد لا تقربهم إلى الله زلفى، يذكر في هذه الآية وكذلك الملائكة لا تقربهم عند الله زلفى ولا تشفع لهم، فقد كانوا يزعمون أنّ الملائكة بنات الله ويمكن أن يشفعوا لهم. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾: يحشر المشركين يوم الحشر يوم القيامة والحساب، ونكّر اليوم؛ للتهويل والتعظيم. ﴿جَمِيعًا﴾: الأتباع والمتبوعين الرّؤساء والقادة (الّذين استكبروا) والّذين استضعفوا، المعبود والعابد، والملائكة وعيسى وعزير والأولياء والأصنام والأوثان، ثمّ يقول للملائكة: أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون. ثمّ: للترتيب الذكري (التسلسلي) وقد تعني الترتيب والتراخي في الزّمن. ثم يسأل الله سبحانه الملائكة (ثمّ يقول للملائكة): أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون؟ (أي في الدّنيا). ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾: أهؤلاء استفهام تقرير وتوبيخ للعابدين، هؤلاء: الهاء للتنبيه، أولاء: اسم إشارة للقرب ويفيد الذّم والتّحقير، يسأل الملائكة بعد أن أنكر الّذين أشركوا أنّهم كانوا يعبدونهم؛ ليقيم عليهم الحجة

стр. 4205

وتشهد الملائكة عليهم أنّهم كانوا كاذبين، والله سبحانه يعلم منذ الأزل فيما إذا عبدوهم أم لا، والسّؤال ليس ليعلم الله سبحانه ذلك وإنما ليقيم عليهم الحجة والله سبحانه غني عن سؤالهم، وفي السّؤال تنزيه للملائكة من أن يسألوا أحداً أن يعبدهم. سورة سبأ [٣٤: ٤١] ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُّؤْمِنُونَ﴾: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾: أي جاء الرّد المباشر من الملائكة على السّؤال: أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون؟ بقولهم: سبحانك؛ أي: ننزهك عن الشّريك وأن يُعبد سواك وننزهك من كلّ نقص وعيب في ذاتك وأسمائك وأفعالك وصفاتك. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾: أنت للتوكيد، ولينا: وحدك؛ أي: لا ولي لنا سواك، والولي أي المتولي أمورنا ومدبّرها، لم نسألهم أن يعبدونا أو يطيعونا. ﴿مِنْ دُونِهِم﴾: أي نتبرأ منهم لا نحن أولياؤهم ولا هم أولياؤنا، ونعتذر إليك ونسألك المغفرة. ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾: بل للإضراب الانتقالي، يعبدون الجن: أي شياطين الجن (إبليس وجنوده)، انتبه هنا لا تفهم من ظاهر هذه أنّ الملائكة تخبر الله أنّ المشركين كانوا يعبدون الجن، أليس الله سبحانه يعلم ذلك، وإنما المقصود بهذه الآية أنّ المشركين إن كانوا يعبدوننا، فهم كانوا في عبادتهم لنا يطيعون الجن (شياطين الجن إبليس وجنوده بالوسوسة والإغواء والتّزيين). ﴿أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُّؤْمِنُونَ﴾: أي أكثر المشركين يؤمنون بالجن: أي يصدقون
следующие страницы →