← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

سورة سبأ [٣٤: ٣٨] ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ﴾: ارجع إلى الآية (٥) من السّورة نفسها للبيان، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْ فِى آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، فالفرق بين الآيتين: سعوا: فعل ماض، سعوا وانتهى الأمر، وربما تابوا أو لم يُغفر لهم فلهم عذاب من رجز أليم، أما الذين يسعون بصيغة المضارع التي تدل على التجدد والتكرار والاستمرار أولئك في العذاب مُحضرون. ﴿فِى آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾: أي: بذلوا قصارى جهدهم لصرف النّاس عن آيات ربهم (آيات القرآن) بالقول: لا تسمعوا لها والغو فيها، وبالتكذيب بها. معاجزين: جمع معاجز: من يحاول أن يعجز غيره، وأعجزه: جعله عاجزاً عن نيل مراده، وأفلت منه، فلم يقدر عليه؛ أي: يحاولون أن يعجزوا من يُبلغُها؛ أي: يجعلونه عاجزاً عن تبليغها والكفّ عنها. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يفيد الذم. ﴿عَذَابٌ مِنْ رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾: عذاب أشد وأسوأ من العذاب الأليم، أمّا الآية (٣٨) يسعون: فعل مضارع يدل على تجدد وتكرار السعي في آياتنا معاجزين، كما شرحنا سابقاً. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٩) لبيان معنى الرجز والرجس والفرق بينهما. ﴿فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾: جمع محضر: اسم فاعل من: حضر يحضر؛ أي: حاضر ضد الغياب، أي يُحضر رغماً عن أنفه، تحضرهم الملائكة قسراً سواء رضوا أم لم يرضوا. وكلمة محضرون لا تأتي إلا في سياق العذاب في

стр. 4202

كل القرآن. ومحضرون: لا يغيبون عنه فقوله: محضرون؛ أي: مقيمون في هذا العذاب الأليم. سورة سبأ [٣٤: ٣٩] ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: المقصود في هذه الآية رجل يبسط الله له الرّزق يوسع عليه ويصبح غنياً ثمّ يضيّق عليه فيصبح فقيراً، أو بالعكس يكون فقيراً ثمّ يصبح غنياً؛ أي: هو نفسه يتحول من حال إلى حال. الآية (٣٦) من سورة سبأ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾: المقصود في هذه الآية رجل يُبسط له الرّزق؛ أي: يوسع عليه ويصبح غنياً طيلة حياته، ورجل آخر يضيق الله عليه الرّزق ويصبح فقيراً طيلة حياته. أمّا في سورة القصص الآية (٨٢): ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ هذه الآية خاصة بقارون، فالله بسط له الرّزق ولم يقل يقدر له، وإنما خسف به وبداره الأرض. ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ شَىْءٍ﴾: وما: الواو استئنافية، ما: شرطية، أنفقتم: تصدقتم في سبيل الله سواء كان صدقة أو زكاة أو قرضاً حسناً، من شيء: من ابتدائية استغراقية، تشمل كلّ شيء من مال أو طعام أو زمن، وشيء: نكرة والشّيء أقل القليل. ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾: الفاء للتوكيد، هو: لزيادة التّوكيد، ويعود إلى الله

стр. 4203

سبحانه، يخلفه: يعوضه بالمال أو الثّواب أو بالصّحة أو طول العمر، يخلفه في الدّنيا أو في الآخرة. ﴿وَهُوَ﴾: تكرار هو للتوكيد. ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: خير؛ أي: أفضلهم وأعلاهم؛ لأنّه سبحانه خلق الرّزق والمرزوق، فلا رازق إلا هو فهو الرّزاق الحقيقي وأمّا العباد فهم من تسخير الله سخّرهم ليقوموا بذلك، وأضفى عليهم من صفته وكرمه ووصفهم بأنّهم من الرّازقين. والرّزق يشمل المال والعلم والسلطان والأهل والصحة والأمن والحرية وغيرها.

стр. 4204

سورة سبأ [٣٤: ٤٠] ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾: بعد أن ذكر أنّ الأموال والأولاد لا تقربهم إلى الله زلفى، يذكر في هذه الآية وكذلك الملائكة لا تقربهم عند الله زلفى ولا تشفع لهم، فقد كانوا يزعمون أنّ الملائكة بنات الله ويمكن أن يشفعوا لهم. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾: يحشر المشركين يوم الحشر يوم القيامة والحساب، ونكّر اليوم؛ للتهويل والتعظيم. ﴿جَمِيعًا﴾: الأتباع والمتبوعين الرّؤساء والقادة (الّذين استكبروا) والّذين استضعفوا، المعبود والعابد، والملائكة وعيسى وعزير والأولياء والأصنام والأوثان، ثمّ يقول للملائكة: أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون. ثمّ: للترتيب الذكري (التسلسلي) وقد تعني الترتيب والتراخي في الزّمن. ثم يسأل الله سبحانه الملائكة (ثمّ يقول للملائكة): أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون؟ (أي في الدّنيا). ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾: أهؤلاء استفهام تقرير وتوبيخ للعابدين، هؤلاء: الهاء للتنبيه، أولاء: اسم إشارة للقرب ويفيد الذّم والتّحقير، يسأل الملائكة بعد أن أنكر الّذين أشركوا أنّهم كانوا يعبدونهم؛ ليقيم عليهم الحجة

стр. 4205

وتشهد الملائكة عليهم أنّهم كانوا كاذبين، والله سبحانه يعلم منذ الأزل فيما إذا عبدوهم أم لا، والسّؤال ليس ليعلم الله سبحانه ذلك وإنما ليقيم عليهم الحجة والله سبحانه غني عن سؤالهم، وفي السّؤال تنزيه للملائكة من أن يسألوا أحداً أن يعبدهم. سورة سبأ [٣٤: ٤١] ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُّؤْمِنُونَ﴾: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾: أي جاء الرّد المباشر من الملائكة على السّؤال: أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون؟ بقولهم: سبحانك؛ أي: ننزهك عن الشّريك وأن يُعبد سواك وننزهك من كلّ نقص وعيب في ذاتك وأسمائك وأفعالك وصفاتك. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾: أنت للتوكيد، ولينا: وحدك؛ أي: لا ولي لنا سواك، والولي أي المتولي أمورنا ومدبّرها، لم نسألهم أن يعبدونا أو يطيعونا. ﴿مِنْ دُونِهِم﴾: أي نتبرأ منهم لا نحن أولياؤهم ولا هم أولياؤنا، ونعتذر إليك ونسألك المغفرة. ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾: بل للإضراب الانتقالي، يعبدون الجن: أي شياطين الجن (إبليس وجنوده)، انتبه هنا لا تفهم من ظاهر هذه أنّ الملائكة تخبر الله أنّ المشركين كانوا يعبدون الجن، أليس الله سبحانه يعلم ذلك، وإنما المقصود بهذه الآية أنّ المشركين إن كانوا يعبدوننا، فهم كانوا في عبادتهم لنا يطيعون الجن (شياطين الجن إبليس وجنوده بالوسوسة والإغواء والتّزيين). ﴿أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُّؤْمِنُونَ﴾: أي أكثر المشركين يؤمنون بالجن: أي يصدقون

стр. 4206

الجن (شياطين الجن)، ويطيعونهم، وهذا ما ذكره الله سبحانه في الآية (١٢٨) من سورة الأنعام بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِنَ الْإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، مؤمنون: جمع مؤمن؛ أي: مصدّق وجاء بصيغة الجملة الاسمية لتدل على الثّبوت، ثبوت الإيمان، ثبوت إيمانهم بالجن؛ لأنّ الجن كانوا يسترقون السّمع ثمّ يخبرون بها أولياءهم من الإنس، فيظن النّاس أنّ الجن تعلم الغيب. وكما بين الله سبحانه ذلك في قوله في سورة الجن الآية (٦): ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾، وهناك القلة من الإنس الّذين كانوا لا يعبدون الجن كانوا يشركون بالله بدون تدخل الشّيطان. سورة سبأ [٣٤: ٤٢] ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِى كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾: ﴿فَالْيَوْمَ﴾: الفاء للتوكيد، اليوم: يوم الحساب أو القيامة. ﴿لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾: لا النّافية، يملك: بعضكم لبعض: المعبودون للعابدين أو المتبوعون للتابعين، لبعض: اللام لام الاختصاص. ﴿نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾: جاءتا بصيغة النّكرة؛ لتشملا كلّ نفع أو كلّ ضر مهما كان نوعه وقدره، لا شفاعة ولا زلفى ولا نجاة ولا نصراً ولا شيئاً مهما قلّ وصغر أو كبر، وقدّم النّفع على الضّر؛ لأنّ سياق الآيات في القربى والزّلفى والشّفاعة الّتي تعني الفائدة منها والرزق والأموال والأولاد والإنفاق. ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: نقول: للتعظيم، للذين: اللام لام الاختصاص،

стр. 4207

الّذين ظلموا بالشّرك والمعاصي وظلموا أنفسهم بالخسران وظلموا الآخرين بإضلالهم. ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِى كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾: ارجع إلى الآية (١٤) من سورة السّجدة لبيان معنى: ذوقوا عذاب النّار. ولا بد من مقارنة هذه الآية (٤٢) من سورة سبأ وهي قوله تعالى: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِى كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، والآية (٢٠) من سورة السّجدة وهي قوله تعالى: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: في آية سبأ: الّذين ظلموا يكذبون بوجود النّار أصلاً؛ أي: ينكرون ويجحدون بوجود النّار (أي يكفرون بها وبكلّ شيء يذكر عنها) فيقال لهم: ذوقوا عذاب النّار الّتي كنتم بها تكذبون. أمّا في آية السّجدة: الّذين فسقوا يقال لهم: ذوقوا عذاب النّار الّذي كنتم به تكذبون؛ أي: هم يؤمنون بوجود النّار ولكنهم ينكرون أنّهم من أهلها وسيعذبون بها، فتكذيبهم ليس للنار بل للعذاب نفسه، ولذلك جاء باسم الموصول الّذي العائد إلى العذاب. والظّلم أشد وأعظم ذنباً وإثماً من الفسق، فأعلى الدّرجات هي الكفر ثمّ الظّلم (الشّرك) ثمّ الفسق. سورة سبأ [٣٤: ٤٣] ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ

стр. 4208

آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: المناسبة: بعد قوله: ذوقوا عذاب النّار الّتي كنتم بها تكذبون، ولم تكذبوا بالنّار فقط بل كذبتم كذلك برسولنا محمّد ﷺ وكذبتم بالقرآن وآياته حين كانت تتلى عليكم. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾: وإذا: الواو استئنافية، إذا: ظرفية شرطية تفيد الحتمية حتمية حدوث ما يذكر بعدها وهي التّلاوة، تتلى: من التّلاوة: والتّلاوة تخص القرآن وآياته وهي: قراءة الآيات الآية تلو الأخرى، وتتلى بصيغة المضارع تدل على التّجدد والتّكرار، بينما "تليت عليهم آياته" تعني مرة واحدة، عليهم: على المشركين والكفار، آياتنا: آيات القرآن الحكيم، وقوله: "آياتنا" تفيد الشّرف شرف هذه الآيات وقدرها العظيم عند الله تعالى ولم يقل وإذا تتلى عليهم الآيات، بينات: واضحات الدّلالة وظاهرات المعنى. ﴿قَالُوا﴾: أي الّذين كفروا وأشركوا. ﴿مَا هَذَا﴾: ما: للنفي، وغالباً ما تكون لنفي الحال وقد تنفي غيره وأقوى في النّفي من ليس، هذا: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب وتعني النّبي رسول الله ﷺ وهم لا يقولون النّبي أو الرّسول وإنما: رجل. ﴿إِلَّا رَجُلٌ﴾: إلا: أداة حصر، رجل: أي محمّد ﷺ ، رجل: بصيغة النّكرة ينكرون نبوته؛ أي: هو رجل كأيّ رجل وليس له أيّ مزية خاصة، ونسوا أنّهم كانوا يلقبونه: الصّادق الأمين.

стр. 4209

﴿يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾: أن: حرف مصدري يفيد التّوكيد والتّعليل، يصدكم: من الصّد: أي المنع؛ أي يمنعكم أو يصرفكم، والصّد يعني: المنع مع النّية والقصد، والمنع قد يكون مع القصد أو بدون قصد. ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾: عن تفيد المجاوزة والمباعدة، أي يبعدكم عن، ما: للعاقل وغير العاقل، وهي اسم موصول بمعنى الّذي يعبد (أنزل الأصنام منزلة العقلاء) لأنّهم يعبدونها ويظنون أنها تشفع لهم، كان: للماضي والحاضر، آباؤكم: من الأصنام والأوثان والآلهة واللات والعزى. ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى﴾: ارجع إلى مطلع الآية، إلا: أداة حصر، إفك مفترى: أي القرآن ما هو إلا كذب متعمد مفترى؛ أي: لا حقيقة له، أي مختلق، والإفك يعني في الأصل: قلب الحقيقة، وقد بيّن ذلك في آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤]، ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١]. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾: للقرآن والرّسول أو لدين الإسلام، لما: ظرفية زمانية بمعنى: حين جاءهم، للحق: اللام لام التّوكيد، والحق هو: الصدق والأمر الثّابت الّذي لا يتغير، والذي ليس هناك غيره. ﴿إِنْ هَذَا﴾: إن نافية وأشد نفياً من ما وليس ولا. ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: إلا أداة حصر؛ أي: القرآن أو الرّسول سحر لما رأوا تأثيره القوي في النّفوس والقلوب وكانوا يظنون أن كلّ شيء خارق للعادة سحر كما يؤثّر السّحر في الأنفس.

стр. 4210

سحر مبين: سحر ظاهر بيّن لكلّ فرد لا يخفى على أحد، وسحر لا يحتاج إلى برهان لإثبات أنّه سحر، ولمعرفة تعريف السّحر ارجع إلى الآية (٥٨) من سورة طه للبيان، وتكرار "قالوا" وقال الّذين كفروا: يدل على ما في صدورهم من إنكار وإعراض شديد عن الرّسول ﷺ والقرآن والدّين. سورة سبأ [٣٤: ٤٤] ﴿وَمَا آتَيْنَاهُم مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُم مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾: ما للنفي، آتيناهم من كتب يدرسونها: وما أنزلنا على هؤلاء الّذين كفروا كتباً سماوية، يدرسونها: من التّدريس؛ أي: التّعليم، أو يدرسونها تدل على كثرة الدّراسة وتكرارها والإمعان فيها وتدبّرها، يدرسونها: أي فيها برهان على الإقرار بالشّرك وإباحته وما آتيناهم من كتب قبل القرآن يدرسونها كما قال تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الرّوم: ٣٥]. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾: تكرار "ما" يفيد توكيد النّفي وفصل الكتب عن النّذير، أرسلنا إليهم قبلك من نذير، من: استغراقية أي نذير، دعاهم إلى الشّرك أو أباح لهم الشّرك أو ينذرهم بالعقاب إذا أشركوا بالله، أو أرسلنا إليهم قبل محمّد ﷺ رسولاً يدعوهم إلى الحق وينذرهم بالعذاب، ولم يقل وما أرسلنا إليهم من قبلك من نذير، حذف من وحذفها يدل على أننا لم نرسل إليهم من نذير منذ زمن بعيد. سورة سبأ [٣٤: ٤٥] ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِى فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: ثمّ يخبر الله سبحانه أنّ تكذيب كفار قريش ليس بالأمر الجديد فقد كذّب

стр. 4211

الّذين من قبلهم من الأمم والقرون الماضية، وتكذيب هؤلاء كأنّه سنّةٌ متبعة في الأمم. ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾: ما النّافية، بلغوا: أي كفار مكة الّذين كذّبوا رسول الله ﷺ ما بلغوا معشار: أي العشر؛ أي: عشرة في المئة أو (١/ ١٠) مما أتينا الأمم السّابقة من القوة وطول العمر وكثرة المال والبنيان، فحين كذّبوا رسلي فكيف كان نكير؛ أي: ﴿فَكَيْفَ﴾: استفهام يحمل معنى التّعجب والتّقرير. ﴿كَانَ نَكِيرِ﴾: من النّكر: ما يجهله الإنسان ويستغربه وينكره؛ لأنّه يظنه خطأً مع أنّه حقيقة وصواب، وأصلها: فكيف كان نكيري حذفت الياء، ونكير: اسم لشدة الإنكار، والإنكار يستلزم الجزاء على الفعل النُّكر بالعقاب فيصبح المعنى: ثمّ أخذت الّذين كفروا بعذاب ملائم لإنكارهم، فكيف كان انتقامي منهم أو عقوبتي لهم أو أخذي لهم. ارجع إلى سورة الكهف آية (٧٤) لمزيد من البيان، وبيان الفرق بين نكراً ونكير. سورة سبأ [٣٤: ٤٦] ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: بعد أن نبّه كفار قريش لما حدث لمن سبقهم من المكذبين من العقاب أو الهلاك، يعود ليخاطبهم عن طريق نبيهم: ﴿قُلْ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ . ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾: أي بموعظة واحدة، واستعمل (إنما) وهي

стр. 4212

كافة مكفوفة تفيد الحصر أو القصر؛ أي: لا أعظكم إلا بواحدة فقط، وما هذه الموعظة؟ ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾: أن للتعليل، تقوموا لله؛ أي: تتجرّدوا من كلّ هوى وشهوة واستعلاء وتقوموا مخلصين لله؛ أي: تقوموا بالعدل والقسط، وعند ذلك تعلمون الحق وأنّه ليس به جِنَّة؛ أي: برسول الله ﷺ . ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾: أي تقوموا من عند رسول الله ﷺ مثنى أو فرادى واحداً واحداً أو اثنين اثنين. ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾: وليتفكر كلّ واحد منكم وحده، أو ليخلو بغيره اثنين اثنين فيتفكروا ليصلوا إلى الحق، والقيام هنا قيام تفكر، وتتفكروا بموضوعية وتجرّد من الهوى في أمر محمّد ﷺ كيف كان فيكم وسيرته وأخلاقه، وهل علمتم كذباً عليه، وهل كان ساحراً أو كذاباً أو كاهناً أو فيه علامات من الجنون. ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾: ما: النّافية قوله تعالى: ما بصاحبكم، إشارة إلى أنّهم صاحبوه وعرفوا أحواله وعقله وأمانته بالصّحبة الطّويلة قبل أن يصبح رسولاً إليكم، من جنّة: من استغراقية، جنّة: أي ما به من أيّ علامة من علامات الجنون. ﴿إِنْ هُوَ﴾: إن نافية؛ أي: ما هو، هو ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿نَذِيرٌ لَكُمْ﴾: نذير من الإنذار وهو الإعلام والتّحذير؛ أي: منذر لكم محذّركم خاصة.

стр. 4213

﴿بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: عذاب قادم في الآخرة بين يدي: يدل على قرب العذاب، وقد يعني السّاعة أو يوم الحساب كقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]. سورة سبأ [٣٤: ٤٧] ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ ، ما: شرطية، سألتكم من أجر فهو لكم: أي إن كنت أخذت منكم أيَّ أجر على التّبليغ فسوف أعيده لكم، أو سيعود جزاؤه عليكم، أو قل لهم يا محمّد ﷺ : لا أسألكم على إنذاري لكم أيَّ أجر أو على تبليغي الرّسالة لكم. ﴿إِنْ أَجْرِىَ﴾: والأجر: هو الجُعل أو الثّمن مقابل العمل، إن أجري: إن حرف نفي أشد نفياً من (ما) كقوله وما أجري. ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾: إلا أداة حصر، على الله تعالى واجب الوجود الإله الحق المعبود الذي أرسلني إليكم. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾: هو ضمير يفيد التّوكيد، على كلّ شيء شهيد: ارجع إلى الآية (١٣٣) من سورة البقرة للبيان، والآية (٦) من سورة المجادلة. سورة سبأ [٣٤: ٤٨] ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾: قل يا رسول الله ﷺ ، إنّ: للتوكيد، إنّ ربي يقذف بالحق: يقذف يعني يُلقي، يتكلم بالحق مع رسله وأنبيائه أو يُلقي بالوحي أو بالقرآن أو يقذف بالحق على الباطل فيدمغه (الأنبياء الآية ١٨) ولماذا اختار سبحانه كلمة "يقذف" خاصة؛ لأنّها توحي بالقوة والعنف، هذا إذا جاءت من

стр. 4214

البشر فكيف إذا كان القاذف هو الله سبحانه العزيز الحكيم، وأمّا المقذوف هو الحق، والحق: هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير، فالله سبحانه يقذف بالحق ليزيل الباطل، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، والباء في بالحق: تدل على الإلصاق والدّوام. ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: أي يقذف بالحق فلا يخطئ في قذفه هدفاً أو شيئاً؛ لأنّه سبحانه علام الغيوب؛ أي: عالم بكلّ غيب، فوحيه لا يصل إلا لمن اختاره من عباده من الرّسل. وعلام: صيغة مبالغة من علم؛ عالم؛ عليم؛ علام الغيوب: جمع غيب، والغيب: هو ما غاب أو خفي عن العيون والآذان والحواس والمدركات؛ فهو سبحانه يعلم ما غاب عن أسماع خلقه وأبصارهم وحواسهم.

стр. 4215

سورة سبأ [٣٤: ٤٩] ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ : جاء الحق: دين الإسلام دين الحق والقرآن، ﴿هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التّوبة: ٣٣]. ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ﴾: الباطل: هو الظلم والكفر والشّرك والشّيطان. الباطل لغةً: هو الذاهب الزائل، أو الفاسد، وليس له وجود في الأصل، وما يبدئ الباطل: لا بداية أخرى له. ﴿وَمَا يُعِيدُ﴾: لا عودة له مرة ثانية؛ أي: إذا جاء الحق زهق الباطل (الشّرك والكفر) أي: ذهب الباطل اضمحل وزال ولم يبق له أثر لا بداية جديدة ولا عودة. يبدئ: ولم يقل بدأ؛ أي: بدأ لأول مرة، أمّا يُبدئ تعني: تكرار البداية الأولى. وما يعيد: تكرار الإعادة أو العودة. أي: إذا زال الباطل واضمحل فليس له بداية جديدة أو عودة، وتكرار "ما" مرتين يفيد توكيد النّفي. سورة سبأ [٣٤: ٥٠] ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِى وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبِّى إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾: ﴿قُلْ إِنْ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ ، إن شرطية تفيد الافتراض على فرض؛ وهو احتمال غير وارد أو نادر. ﴿ضَلَلْتُ﴾: عن الحق والصّواب والصّراط المستقيم؛ أي: ابتعدت وأضعت

стр. 4216

السّبيل فذلك بسبب نفسي وسيئاتي، أي: نسب الضّلال الّذي هو نتيجة للسيئات الّتي تقترفها النّفس. ﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء للتوكيد، إنما كافة مكفوفة تفيد الحصر. ﴿أَضِلُّ عَلَى نَفْسِى﴾: أي إثم ضلالي أو وزر ضلالي يكون على نفسي. نسب الضلال إلى النفس؛ لأن النفس التي تقترف السيئات، والضلال نتيجة السيئات. ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال والافتراض. اهتديت إلى الحق والصواب، وبالنسبة للرسول ﷺ : الهداية تكون بالوحي، والإلهام، أما هداية الأمة: تكون بواسطة الرسول والكتاب. ﴿فَبِمَا﴾: الفاء للتوكيد، بما: الباء باء السّببية. ﴿يُوحِى إِلَىَّ رَبِّى﴾: من القرآن والوحي والحكمة والموعظة، نسب الهداية إلى الله . ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿سَمِيعٌ﴾: لكلّ ما يقال من قول ودعاء وصوت. ﴿قَرِيبٌ﴾: بعلمه من عبده فهو أقرب إليه من حبل الوريد. سورة سبأ [٣٤: ٥١] ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾: الواو استئنافية، لو شرطية، جواب الشّرط محذوف والتّقدير: ولو ترى يا رسول الله ﷺ . ﴿إِذْ﴾: ظرفية زمانية بمعنى حين. ﴿فَزِعُوا﴾: من الفزع: وهو الخوف الشّديد حين القيام من القبور والبعث والحساب في أرض المحشر وعند الميزان (وقد تشمل ساعة الموت)، فزعوا؛

стр. 4217

أي: الّذين لم يؤمنوا وكذبوا بالقرآن وبالرّسول ﷺ وبما جاء من الحق، وجاء بصيغة الماضي "فزعوا" والمراد به الاستقبال؛ أي: كأن الأمر حدث وانتهى. ﴿فَلَا فَوْتَ﴾: الفاء تعليلية، لا النّافية، لا فوت: مصدر لفعل فات؛ أي: لا مهرب ولا نجاة لهم؛ لأنّ الإنسان قد يفزع: يخاف خوفاً شديداً من أمر ما ويستطيع الهرب منه والنّجاة أو ينقذه أحد، أمّا هؤلاء فلا مفر ولا ملجأ. ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾: أخذوا إلى النّار سيقوا إلى جهنم مباشرة من مكان الحساب؛ أي: الحشر بدون تأخير. وحذف جواب الشّرط وتقديره: لرأيت الشّيء العجاب والأمر الهائل الّذي يحلّ بهؤلاء وليتصوّره كلّ فرد بما يتصوّره. سورة سبأ [٣٤: ٥٢] ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾: ﴿وَقَالُوا﴾: أي الكفار بعد "إذ فزعوا" ورأوا أن لا ملجأ لهم يومئذ وما لهم من نكير. ﴿آمَنَّا بِهِ﴾: به؛ أي بالله وبالبعث والحساب وبمحمّد وبالقرآن وبكلّ ما جاء من الحق، آلآن تؤمنوا ولم تؤمنوا في الدّنيا؟ ﴿وَأَنَّى لَهُمُ﴾: أنى لها أربع معان: كيف تؤمنوا، ومن أين لهم الإيمان، والتّعجب، والسّعة في المعنى من كيف، لهم: اللام لام الاختصاص. ﴿التَّنَاوُشُ﴾: التّناول؛ أي: تناول الإيمان والتّوبة في الآخرة وقد فات الأوان؛ أي: زمن التّوبة والإيمان وبعدت دار الدّنيا دار التكليف. التناوش: من: ناشه ينوشه نوشاً؛ أي: تناوله. ويقال: تناوش القوم بالرماح: تناول بعضهم بعضاً بالرماح فهم يريدون أن يتوبوا حينذاك ويؤمنوا (إيماناً سهلاً بدون جهد أو تكليف وفي الدّار الآخرة البعيدة عن الدّنيا). فمثلكم كمثل الّذي رمى رمحاً إلى أبعد ما يمكن ولم يعد يقدر الوصول إليه؛ ليستعمله مرة أخرى، فلن ينفعهم إيمانهم أو توبتهم في الآخرة. وهناك من

стр. 4218

قال: التناوش من: نأشت؛ أي: إذا أبطأت وتأخرت؛ أي: تأخر إيمانهم وتوبتهم فلم تعد تقبل. ﴿مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾: أي في الآخرة البعيدة عن الدّنيا، ويعين على تفسير معنى المكان البعيد الآية التّالية وهي قوله: ويقذفون بالغيب من مكان بعيد، وهو الدّنيا. سورة سبأ [٣٤: ٥٣] ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾: وقد: الواو للتوكيد (حالية)، قد: للتحقيق، قد تحقّق كفرهم به، كفروا به: (بالإيمان وبالله وبالبعث وبمحمّد وبالقرآن). ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أي في الدّنيا، حين عُرض عليهم، من: تدل على الزّمن القريب. ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾: العرب تقول لكلّ من يتكلم بالظّن وفيما لا علم له به بأنّه: يقذف ويرجم بالغيب؛ أي: يقذفون بألسنتهم بالغيب: بالظّن أو بما لا علم لهم به، يرجمون ويقذفون الله تعالى بأنّ له الولد والشّريك والنّدّ والمثيل، وأنّ الملائكة بنات الله والعُزير والمسيح ابن الله! وأنّ هناك نسباً بين الله والجنّة! أو يقولون: لا بعث ولا حساب ولا آخرة ولا جنة ولا نار، أو يقولون: ساحر ومجنون وكاهن. ﴿مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾: أي كانوا يقذفون بالغيب حين كانوا في مكان بعيد (أي الدّنيا) وهم الآن في الآخرة. وإذا قارنّا هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ آية (٤٨) من السّورة نفسها، فالله يقذف بالحق (بالأمر الثّابت الّذي لا يوجد غيره ولا يتغيّر ولا يتبدّل). وهم يقذفون بالباطل. والله سبحانه يقذف؛ لأنّه علام الغيوب فيحقّ له أن يقذف، أمّا هم يقذفون

стр. 4219

بالغيب بدون علم، وإنما مجرد الافتراء والظّن والتّخمين، فقذفهم لا يصيب الهدف ويرجع قذفهم عليهم حسرات. سورة سبأ [٣٤: ٥٤] ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِى شَكٍّ مُّرِيبٍ﴾: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾: حيل: جعل بينهم وبين ما يشتهون حائلاً أو مانعاً أو سداً يمنعهم من الوصول إلى ما يشتهون، ما: بمعنى الّذي، يشتهون: من الشّهوة شهوة النّفس، وماذا يشتهون؟ لم يُبيّن في هذه الآية ما يشتهون: مثل الإيمان الحقيقي المقبول والتّوبة، والنّجاة من النّار والفوز بالجنة، أو الرّجوع إلى الدّنيا ليعملوا صالحاً ويتوبوا. ﴿كَمَا﴾: الكاف للتشبيه، ما أيضاً بمعنى الّذي. ﴿فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم﴾: الأشياع جمع: شيع، وشيع جمع: شيعة، وشيعة الرّجل: أنصاره وأتباعه أو الجماعة المجتمعة على نِحلة واحدة أو عقيدة، سواء كانوا على حق أو باطل، وأشياعهم تعني: أمثالهم من الكفار والمشركين والمكذبين أو من كان مذهبه مذهبهم (أي الكفر). ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل هؤلاء. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِى شَكٍّ مُّرِيبٍ﴾: إنّهم للتوكيد؛ أي: مشركي وكفار قريش، وقد تعني غيرهم من الكفار كانوا في الدّنيا، شك مريب: في شك والشّك تساوي كفة النّفي والإثبات؛ أي: تردّد الذهن بين أمرين على حد سواء، مريب: من الرّيبة وهي التّهمة: في شك مريب في تردد وحيرة، واتهام الغير في أمر الدّين والوحدانية والرّسل والبعث والحساب، والجنة والنّار والعذاب ولقاء الله، مريب: في موقع ريب أو: ذي ريب أودى بهم إلى أن يموتوا على الكفر والشّرك، ثمّ إلى العذاب والهلاك في نار جهنم.

стр. 4220

سورة فاطر [٣٥: ١] سورة فاطر ترتيبها في القرآن (٣٥)، وترتيبها في النّزول (٤٢) نزلت بعد سورة الفرقان. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِى أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِى الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الحمد أعم من الشكر، والحمد كالحمد على صفاته الذاتية كالعلم، والقدرة، والحمد على تفضله على العالمين حمداً مطلقاً دائماً وتاماً على نعمه الظّاهرة والباطنة وأهمها نعمة الإيمان والإسلام والقرآن، نِعمُه الّتي لا تعد ولا تحصى، وسورة فاطر إحدى السور الخمسة التي بدأها بالحمد، وهذه السور هي: الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر. ارجع إلى سورة الفاتحة الآية (٢) وسورة الكهف الآية (١) لمزيد من البيان. لله: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، الله: الاسم الدّال على ذاته سبحانه الدّال على واجب الوجود، والجامع لجميع صفاته وأسمائه، والّذي تفرد به وحده واختصه لنفسه. ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: بعد الافتتاح بالحمد يُذكر الله بعظمته وقدرته على فطر السّموات والأرض وخلق الملائكة بأجنحة مختلفة العدد، فاطر السّموات والأرض: أيْ: خالق السّموات والأرض ابتداءً أيْ: هو الّذي أوجدهما وأظهرهما، على غير مثال سابق وفاطر اسم فاعل من فعل فطر: أيْ: شق يقال:

стр. 4221

تفطَّر الشّجر: إذا تشقق بالورق، والفطر: الإبداع. ارجع إلى سورة الأنعام الآية (١٠) لمزيد من البيان. فكونه فاطر السّموات والأرض فهو يستحق الحمد والعبادة، وكذلك تسخيرهما يعدُّ من أكبر النّعم الرّبانية. ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾: إلى الأنبياء والرّسل، ورسلاً لتدبير أمور الخلق وتصريف الرّياح والسّحاب وكتابة أعمال الخلق ورعايتهم والدّعاء والاستغفار للمؤمنين، وقد خلقهم الله تعالى من نور، فهم مخلوقات نورانية لا تأكل ولا تشرب ولا تنام ومطهرون من الشّهوات لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ﴿أُولِى أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾: ومن صفاتهم الخلقية الّتي يخبرنا الله بها أنّ لهم أجنحة يتفاوتون في أعدادها، أولي: أيْ: أصحاب أجنحة مثنى، وثلاث، ورباع، ويعني: ذلك جماعة من الملائكة ذوو جناحين، وجماعة ذوو ثلاثة أجنحة، وجماعة ذوو أربعة أجنحة؛ أي: اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، ولا يعني: ملك واحد له جناحين، أو ثلاثة، أو أربعة أجنحة. ﴿يَزِيدُ فِى الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾: يزيد الله في الخلق ما يشاء من أجنحة، يزيد في صور وأشكال خلقه من طول قامة وشعر، وألوان وحواس وقوة وصفات وراثية غير متشابهة. فقد أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنّ رسول الله ﷺ رأى جبريل ﵇ وله ستمئة جناح، والآية مطلقة تتناول كلّ زيادة في الخلق.

стр. 4222

﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: قدير: صيغة مبالغة على وزن فعيل، وأبلغ من قادر. ارجع إلى سورة البقرة الآية (٢٠) للبيان. سورة فاطر [٣٥: ٢] ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ﴿مَا﴾: شرطية. ﴿يَفْتَحِ اللَّهُ﴾: حركت بالكسر لالتقاء السّاكنين، يفتح، أيْ: يمنع أو يعطي أو يؤتي. ﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام لام الاختصاص أو الاستحقاق، النّاس: الثقلين الإنس والجن، وكلمة النّاس مشتقة من النّوس، أيْ: كثرة الحركة. ﴿مِنْ رَّحْمَةٍ﴾: من: ابتدائية استغراقية، تستغرق كلّ رحمة مهما كان نوعها من السماء أو الأرض في الدّنيا أو في الآخرة، من رحمة: جاءت بصيغة النّكرة لتشمل كلّ رحمة مثل النّبوة والعلم والمطر والغنى والعافية والأمن، والمطر والطّعام والشّراب وإرسال الرّسل، وتدل على الكثرة وسواء كانت رحمة حسية أو معنوية، ورحمته سبحانه وصفها بأنّها واسعة ﴿ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ [الأنعام: ٤٧]. ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، لا نافية للجنس، فلا ممسك لها: فلا مانع لها أو حابس لها، أيْ: لا أحد من الخلق يستطيع أن يمنع وصولها إلى أصحابها. ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾: أي: الله سبحانه ولم يحدِّد ما يمسك، وأطلق ما يمسك من

стр. 4223

رحمة أو عقوبة أو ضراء أو نعمة أو نقمة أو سراء، بينما في قيد في الأولى (ما يفتح من رحمة). ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾: أيْ: لا أحد قادر على إرسال وبعث أو إطلاق ما يمنع أو يمسك الله سبحانه. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد، العزيز: عزة القوة والغلبة والقهر والامتناع، الحكيم: أحكم الحاكمين وأحكم الحكماء في تدبير خلقه وشرعه وكونه. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) للبيان. سورة فاطر [٣٥: ٣] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: نداء إلى النّاس جميعاً (الإنس والجن) الثّقلين استعمل فيها ياء النّداء للبعد والهاء في أيّها للتنبيه. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: باللسان والطّاعة وتجنب المعاصي وغيرها من وسائل الذّكر أي: الشّكر، أي: اشكروا نعمة الله عليكم مثل نعمة الدّين والإسلام والأمن والعافية والعلم والأهل والرّزق وغيرها من النّعم. ﴿هَلْ﴾: استفهام يفيد التّقرير والنّفي والتّحدي، ولم يأت بالآية بصيغة الخبر كقوله تعالى: يا أيّها النّاس الله الّذي خلقكم ويرزقكم من السّماء والأرض وإنما استعمل هل للاستفهام؛ لكي يأتي الرّد أو الإجابة على السّؤال من السّامع نفسه، والإجابة تعني الإقرار، والإقرار يعني: إقامة الحُجَّة عليه وتعني النّفي أيْ: ما من خالق غير الله وتعني التّحدي، ومن: الاستغراقية.

стр. 4224

إن كان لكم خالق غير الله فأين هو: ﴿مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: والجواب لا، فهو وحده الخالق والرّازق من السّماء والأرض، وبما أنّه لا يوجد غيره فهو سبحانه الّذي يستحق العبادة والشّكر. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: ارجع إلى سورة البقرة الآية (٢٥٥) للبيان. ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: أنى لها أربعة معان كيف تؤفكون، من أين تؤفكون، وللتعجب، والاستفهام أقوى من كيف، تؤفكون: مشتقة من أفكه عن الشّيء، أيْ: صرفه عنه أو قلبه، أيْ: كيف تصرفون عن الإيمان بالله تعالى وتوحيده وطاعته إلى عباده وطاعة غيره بقصد وتعمد، أو كيف تصرفون عن الحق إلى الباطل، تؤفكون من الإفك هو الكذب المتعمد، أو كيف تصرفون خلق الله ورزق الله وتجعلونه لغيره، ثمّ يحث رسول الله ﷺ بالصّبر والتّأسي بالرّسل الآخرين.

стр. 4225

سورة فاطر [٣٥: ٤] ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: الواو استئنافية، إن شرطية تحمل معنى الاحتمال أو الافتراض أو النّدرة في أن يكذبوك. ﴿يُكَذِّبُوكَ﴾: جاءت بصيغة المضارع لتدل على التّجدُّد والاستمرار. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، قد للتحقيق (أيْ: قد حدث هذا لمن جاء قبلك من الرّسل وتحقق). ﴿كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾: كذبت جاء بتاء التّأنيث بدلاً من القول فقد كذب رسل من قبلك لتدل على كثرة الرّسل الّذين كذبوا. ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: وإلى الله تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر أيْ: لله وحده فقط ترجع الأمور، ترجع الأمور للفصل والحكم فيها والمجازاة عليها إن كانت خيراً يثاب عليها وإن كانت شراً يعاقب عليها. وفي هذه الآية حثٌّ وحضٌّ للرّسول ﷺ بالصّبر على تكذيب قومه والتّأسي بمن جاء قبله من الرّسل. ولمقارنة هذه الآية مع الآية (١٨٤) من سورة آل عمران: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾، والآية (٣٣) من سورة الأنعام: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٨٤) للبيان.

стр. 4226

ولمعرفة الفرق بين ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾. سورة فاطر [٣٥: ٥] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: نداء جديد إلى النّاس جميعاً بتبليغ جديد وتحذير يا أيّها النّاس. ارجع إلى الآية (٣) للبيان. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: إن للتوكيد، وعد الله حق: بالبعث والحساب والجزاء بالثّواب أو العقاب وبالجنة أو النّار، وكل ما وعد الله حق، أيْ: صدق ثابت لا يتغيَّر أبداً. والوعد يأخذ حقيقته من الواعد فالواعد هو الله وهو الحق بذاته، ولا يوصف أيُّ وعد بأنّه مؤكد إلا وعد الله؛ لأنّه سبحانه قادر على الوفاء بالوعد وهو الحي القيوم، أمّا وعد الإنسان فهو وعد غير مؤكد، وقد يكون باطلاً. ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: الفاء فاء السّببية أيْ: تفيد الدّلالة على السّبب، تغرنكم: النّون في تغرنكم للتوكيد، تغرنكم من الغرور، وانتبه إلى لفظ الغَرُور. الغُرُور: بضم الغين وهو كلّ ما يغترُّ به الإنسان من متاع الدّنيا والشّهوات والمال والجاه والأنعام والحرث حتّى ثناء النّاس عليه وغيرها، وهو نوع من الخداع، ناجم عن غفلة أو نقص في التدبر أو التفكير، وهو زائل وغير باقٍ أو دائم، مقارنة بمتاع الآخرة الدّائم الّذي لا ينفد. والغَرُور بفتح الغين تعني: الشّيطان صيغة مبالغة على وزن مفعول، أيْ: كثير الغرور بالوسوسة والتّزيين والإغواء والإضلال والنزغ. ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: بجمالها وزينتها ومتاعها وشهواتها الفانية.

стр. 4227

ولا يغرنكم الشّيطان بالوسوسة والأوهام والتّزيين والهوى وطول الأمل وحب الدّنيا. وهناك فرق بين الغرور والخدع: فالغرور إيهام أو تصور يحمل الإنسان أو يجرُّه إلى فعل شيء هو غافل عنه، مثال: يرى السّراب فيظنه ماء، أو كما فعل إبليس بآدم فقال له: هل أدلك على شجرة الخلد ومُلك لا يبلى، أمّا الخدع: فهو ستر الصّواب ليوقع بالآخر أمراً غير مستحبٍّ، مثال: يخدعه في البيع والشّراء أو يظهر له خلاف الحقيقة. والغرور قد يسمَّى خدعاً أو الخدع يسمَّى غروراً على سبيل التّوسع في المعنى، فالغرور له علاقة بالغفلة، والخداع له علاقة بستر الحقيقة. سورة فاطر [٣٥: ٦] ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: المناسبة: هذه الآية تتمة للآية السّابقة فقد قال: ولا يغرنكم بالله الغَرُور، أي: الشّيطان، إن الشّيطان لكم عدوٌّ. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ﴾: إن للتوكيد، الشّيطان: هو الكافر من الجن أو الإنس وكلمة الشّيطان مشتقة من شطن، أي: ابتعد عن الحق والخير وتمادى في الشّر أو شاط: احترق والشّاطن يعني: الخبيث. أمّا الشّيطان الرّجيم. فارجع إلى الآية (٣٦) من سورة البقرة للبيان. ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ﴾: قدم لكم للاهتمام. ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾: الفاء فاء السّببية، اتخذوه: اجعلوه عدواً، بمخالفتكم وساوسه وخطواته؛ لأنه عدو مبين. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد الحصر.

стр. 4228

﴿يَدْعُوا حِزْبَهُ﴾: أتباعَه وحزبَه جماعتَه أولياءَه، والحزب هم جماعة تعصَّبوا لفكرة ما، أو رأي أو مبادئ ويعملون من أجلها. ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: اللام في ليكونوا لام التّعليل، من: ابتدائية بعضية، أصحاب السّعير: ارجع إلى الآية (١٠) من سورة الملك للبيان، والرعد آية (١٨) لبيان معنى السعير. سورة فاطر [٣٥: ٧] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: المناسبة: بعد التّحذير من اتباع الشّيطان وطاعته يُبيِّن في هذه الآية جزاء من أطاع الشّيطان وجزاء من أطاع الله تعالى. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الّذين اسم موصول يفيد الذّم والتّحقير، كفروا: جحدوا بوجود الخالق أو آياته أو رسله وكتبه واليوم الآخر. ﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق. ﴿عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: مقارنة بالعذاب الأليم والعذاب المهين والعذاب العظيم في الدّنيا والآخرة. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد العلو. ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعملوا الصّالحات: الفرائض والنّوافل وشعب الإيمان. ﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق. ﴿مَّغْفِرَةٌ﴾: المغفرة تعني: محو الذّنوب وترك العقاب وإثابة صاحبها على ما فعله من الحسنات.

стр. 4229

﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: الأجر يكون مقابل العمل والأجر قد يوصف بالكبير أو الكريم أو العظيم أو غير الممنون أو الحسن، أيْ: له درجات حسب درجات أعمالهم وإيمانهم وإحسانهم والمغفرة والأجر الكبير قد يعني: الجنة، ولو قارنا هذه الآية مع الآية (١٢) في سورة المُلك، وهي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: نجد أن خشية الرب وهي صفة من صفات الذين آمنوا وعملوا الصالحات، اقترنت بالمغفرة والأجر الكبير؛ مما يدل على أهمية خشية الله تعالى بالغيب. سورة فاطر [٣٥: ٨] ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِى مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾: المناسبة: في الآيات السّابقة بين الله سبحانه أنّ الشّيطان هو العدو وفي هذه الآية يبيِّن ما يعمله الشّيطان هو التّزيين للوقوع في الشّرك والمعاصي. ﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، الفاء لتوكيد زيادة الإنكار، من: اسم موصول بمعنى الّذي، ومن: للعاقل، وقد تنزل منزلة غير العاقل. ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: أيْ: رأى عمله السّيِّئ القبيح أو الباطل حسناً، فهو يظن مثلاً أن الشّركاء يقرِّبونه عند الله زلفى، أو يشفعون له. ﴿فَرَآهُ حَسَنًا﴾: أي: من الأصنام والأوثان سيقبله الله تعالى وله أجره وثوابه وخبره محذوف تقديره أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً كمن لم يُزيَّن له سوء عمله، والحق سبحانه لم يذكر الجواب؛ لأنّه معلوم، أيْ: لا يستويان. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾: أيْ: هذا الّذي زين له سوء عمله فرآه حسناً لا تظن أو تعتقد أن الله سبحانه أضلَّه، ولا تظن أنّ الّذي لم يُزيَّن له سوء عمله

стр. 4230

أنّ الله هداه؛ لأنّ الله سبحانه ترك لكلّ منهما حرية الاختيار، فالّذي اختلت عنده الموازين والرّؤية، وسار في طريق الضّلال واتَّبع الشّيطان وضل عن طريق الهدى وطاعة الله، فالله سبحانه يتركه وشأنّه، وإذا ابتعد كثيراً عن الحق واستمر في طريق الضّلال فإن الله عندها يختم على قلبه وسمعه وبصره، وأمّا من اختار طريق الهدى وطاعة الله وطلب العون من الله فالله سبحانه سيكون له عوناً ويزيده هدىً. ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾: فلا: الفاء للتوكيد، لا: النّاهية، تذهب أو تهلك نفسك يا رسول الله ﷺ على أمثال من زيِّن له سوء عمله فرآه حسناً بالحسرة عليهم؛ لأنّهم ضلوا وكفروا، ولم يؤمنوا، فقد كان ﷺ حريصاً على هداية قومه ويألم الألم الشّديد إذا ضل أحدهم حتّى وصفه كأنّه باخع نفسه (قاتل نفسه) ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]. حسرات: جمع حسرة: وهي غم ناشئ عن فوت فائدة، وتعني: فرط التحسر. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾: إن الله: للتوكيد، عليم: صيغة مبالغة من عالم أيْ: كثير العلم، لا تخفى عليه خافية عليم بظواهر أعمالهم وبواطنها. بما: الباء للإلصاق، ما اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية. يصنعون: من المنكرات والسّيئات والفساد والقتل، واختار يصنعون ولم يقل يعملون: العمل يضم القول والفعل، ويصنعون يعملون بجودة واجتهاد؛ أي: يجتهدون في الأعمال السيئة أو السوء؛ أيْ: أصبح ارتكابهم للسيئات

стр. 4231

والمنكرات والشّرك والفساد صناعة من كثرة ممارستها والقيام بها والمهارة في إتقانها (شبهها بالصناعة). سورة فاطر [٣٥: ٩] ﴿وَاللَّهُ الَّذِى أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾: المناسبة: ثمّ يذكر الله سبحانه بعض الآيات الكونية الدّالة على نعمه على الخلق والدّالة على قدرته على البعث والنّشور. ﴿وَاللَّهُ الَّذِى أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾: أرسل فعل ماضي فتثير سحاباً فعل مضارع، المجيء بالفعل المضارع بدلاً من أثارت سحاباً، تدل على حكاية الحال أيْ: كأن الأمر يحدث أمّام عينيك الآن وأنت تراه للدلالة على قدرته الرّبانية، ولأن إثارة السحاب يحدث في المستقبل؛ أي: بعد إرسال الرياح، وكذلك للدلالة على أنّ إرسال الرّياح فتثير سحاباً، أمر يتكرَّر ويتجدَّد باستمرار، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٤٨) في سورة الروم، وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾: نجد أن يرسل: بصيغة المضارع، وليس بصيغة الماضي كما في الآية فاطر. ﴿فَسُقْنَاهُ﴾: الفاء تدل على التّعقيب والمباشرة. سقناه: أيْ: سقنا السّحاب الّذي يحمل المطر إلى بلد ميت، ويعني: السحاب الركامي، وانظر كيف تحولت صيغة الغائب ﴿وَاللَّهُ الَّذِى أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ إلى صيغة المتكلم (سقناه) و (أحيينا) للدلالة على أهمية السوق والإحياء، وعبر بالفعلين الماضيين (سقناه وأحيينا) بعد المجيء بالفعل المضارع (تثير) للدلالة

стр. 4232

على تحقق الفعل؛ لأنه سبحانه خالق الزمان والمكان فاستوى عنده الماضي والحاضر والمستقبل. ﴿إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾: إلى بلد مقارنة إلى بلدة؛ البلدة: جزء من البلد، والأرض أعم من البلدة، والبلدة وميِّت: بتشديد الياء؛ أيْ: لم يمت بعد، أيْ: لا نبات فيها ولا زرع. ارجع إلى الفرقان آية (٤٩) لمعرفة الفرق بين ميِّت بتشديد الياء وميْت بسكون الياء الذي يعني: مات وانتهى. ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾: بالماء. ﴿الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: بالحب وبالنّبات والعشب والزّرع والثّمرات، ولم يقل من بعد موتها، حذف من: يدل على الزمن قد يطول أو يقصر بعد موتها قبل عودة إحيائها. ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾: أيْ: كما أنّ الله سبحانه أنزل من السّماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها؛ كذلك يُحيي الموتى بعد موت طويل فيُنزل الله ماءً من السّماء، فيختلط بتراب الأرض ويخترقها فيصل إلى عجب الذّنب المدفون في التراب، والحاوي على خلية، أو خلايا جذعية كاملة القدرات في حالة سبات (أو معطلة) تنتظر هذا الماء لتنمو من جديد بقدرة القادر المقتدر على أن يُعيد الخلق، وينبت الإنسان من جديد، كما ينبت البقل. وكيف يتم ذلك؟ ارجع إلى سورة الروم آية (١٩)، ومع إضافة الماء تعود الرّوح إليه من جديد وتبدأ عملية نشز العظام وكسوها لحماً (كما بيَّن في الآية (٢٥٩) من سورة البقرة).

стр. 4233

النّشور: عودة الحياة إلى الأموات ومن ثمّ ظهورهم على الأرض، الحشر: هو السّوق والجمع إلى أرض المحشر. سورة فاطر [٣٥: ١٠] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾: هذه الآية جاءت لتردَّ على المشركين الّذين ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: ٨١]. ولتردَّ على المنافقين ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ [النساء: ١٣٩]. ﴿مَنْ﴾: شرطية، تشمل المفرد والمثنى والجمع، ومن للعاقل. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾: من: يطلب ويرجو العزة والشّرف، فليعلم أن لله العزة جميعاً والعزة لها أنواع عزة القوة وعزة المنعة وعزة الغلبة والقهر، فليطلبها أو يرجوها من الله سبحانه وحده، ولا يرجوها من صنم أو وثن أو طاغوت؛ لأنّ العزة الحقيقية كلها جميعاً له وحده والعزة الحقيقية هي الّتي لا تزول ولا تضعف ولا تتحوَّل. ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾: تقديم الجار والمجرور، فلله: يفيد الحصر والتّوكيد أنّ العزة له وحده، جميعاً: للتوكيد. وعزة العبد لا تنال إلا بطاعة الله والقرب منه، وليست بعبادة الآلهة والأصنام والتّقرب منها، وإذا كانت العزة لله جميعاً، فكيف نفسر قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]؟ هذا من فيض الله وكرمه على رسوله وعلى المؤمنين وصفهم بأن لهم عزة، وهي عزة مؤقتة عارضة

стр. 4234

ومعرضة للأغيار. وهي نابعة من شرف الإيمان بالله والقرآن واتباع الرّسول ﷺ والتّوحيد والإخلاص. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾: تقديم إليه يفيد الحصر، أيْ: إليه وحده، يصعد: من الصّعود، ويختلف الصعود من الارتفاع؛ الصعود: لا يحتاج إلى فاعل، أما الرفع: فيحتاج إلى فاعل؛ أي: الكلم الطيب يصعد إليه سبحانه مرة واحدة من قائله دون الانتقال في منازل. الكلم الطّيب: الكلم أوسع وأعم من الكلام، الكلم: قد تعني كلمة أو كلمتين أو ثلاث، أما الكلام: يعني الجمع (أكثر من ثلاث) ولا يشمل الكلمة، والكلمة والكلم قد تكون لا إله إلا الله محمّد رسول الله، والصّلاة وتوحيد الألوهية والرّبوبية والأسماء والصّفات، والذّكر والتّلاوة والدّعاء، وكل كلام فيه ثواب أيْ: يثاب عليه العبد من الله تعالى، والكلم لا يشترط أن يكون له معنى، أما الكلام: له معنى، والكلم: جمع كثرة، وكلمات: جمع قلة. ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الواو: عاطفة، العمل الصّالح كأداء الفرائض والنّوافل، وذكر الله تعالى والإحسان، واجتناب المحارم، وكل عمل يثاب عليه العبد كالإصلاح بين النّاس وإماطة الأذى عن الطّريق. والعمل الصّالح يرفعه: الهاء في يرفعه قد تعود إلى العمل الصّالح أي: العمل الصّالح يرفع الكلم الطّيب؛ أي: إذا وافق القول الفعل قُبل العمل الصّالح، وإن خالف رُدَّ، أو الهاء في يرفعه تعود على الكلم الطّيب أيْ: لا عمل صالح يُقبل إلا من موحِّد، فالتّوحيد هو الأصل للقبول فالمشرك بالله لا يُقبل منه أيُّ عمل صالح حتّى يتوب، ويرجع إلى الله، أو الهاء تعود إلى الله سبحانه أيْ: والعمل الصّالح يقبلُه الله.

стр. 4235

فالإيمان يجب أن يقرن بالعمل الصّالح وبالعكس حتّى يُقبل. ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: الّذين اسم موصول، يمكرون: من المكر: وهو التّدبير الخفي لإيقاع الضّرر بالغير من دون علمه، ويمكرون: بصيغة المضارع تدل على التجدد والتكرار والاستمرار، ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [النحل: ٤٥] تدل على الماضي. أيْ: يدبرون السّيئات: مثل الشّرك والمعاصي والفساد أو إيذاء رسول الله ﷺ والمؤمنين، والنّيل منهم، كما فعلوا في دار النّدوة مثلاً، وفي غيرها من اجتماعات أهل الكفر والنّفاق والشّرك للنيل من المؤمنين. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: اللام لام الاختصاص لهم خاصة. عذاب شديد: شديد الإيلام. ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾: أولئك اسم إشارة واللام للبعد، ويشير إلى الكفار والمشركين والمنافقين والعصاة، هو: ضمير يفيد التّوكيد. ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾: من بائر باطل من البوار: الأرض البوار الّتي لا تنبت بالزّرع أو الثّمر ولا تنتج شيئاً، أيْ: مكر هؤلاء صناديد قريش الّذين حاولوا المكر برسول الله ﷺ ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه هو باطل، ولن يتحقق. سورة فاطر [٣٥: ١١] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِى كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾: أيْ: خلق أباكم آدم من تراب، لأنّكم من آدم وآدم من تراب، وكان خلقه على مراحل: طين، ثمّ طين لازب، ثمّ حمأ مسنون، ثمّ صلصال كالفخار، ثمّ نفخ فيه الرّوح.

стр. 4236

من تراب: من ابتدائية وقد تكون بعضية وتعني تركيب جسم الإنسان، من تراب: فقد وجد أنّ هناك (١٦) معدناً من معادن الأرض موجودة في تركيب جسم الإنسان منها الكالسيوم والصوديوم والمغنزيوم والكلّوريد والنّحاس والزّنك والبوتاسيوم والحديد وغيرها. ارجع إلى سورة الروم آية (٢٠) لمزيد من البيان. ﴿ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ﴾: ثمّ للترتيب الذّكري العددي، أو التسلسلي، ثمّ خلقكم من نطفة آدم، ثمّ بالتّزاوج والتّكاثر. ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾: أيْ: ذكراناً وإناثاً، الذّكر يطلق عليه زوج والأنثى يطلق عليها زوج. ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾: ما النّافية، تحمل من أنثى: من استغراقية، من ذكر أو أنثى أو توءَم أو أكثر من ذلك من الأجنَّة الكاملة الخلق أو غير الكاملة. ﴿وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾: ولا تضع إلا بعلم الله سبحانه، لا: النّافية، إلا: للحصر، بعلمه: أيْ: يعلم زمن الوضع (الولادة) بالدّقيقة والثّانية، ومنذ الأزل، وكيفية الوضع والولادة وما يتعلَّق بها من اختلاطات. ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُّعَمَّرٍ﴾: ما النّافية، يعمر من معمر: المُعمَّر: الإنسان الّذي طعن في السّن أيْ: بلغ أقصى العمر أيْ: يعلم الله سبحانه ما تضع من أنثى ويعلم عمر كلّ معمَّر وكم سيعيش أو إلى متى سيطول عمره ومتى سيموت باليوم والدّقيقة والثّانية. وقيل ذلك موجود في المحفظة الوراثية في أحد الجينات أو الكروموزوم.

стр. 4237

﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾: هاء الضّمير في كلمة عمره، إما تعود على المعمر السّابق ذكره والّذي طال عمره أو تعود على أيِّ إنسان آخر. وهذا النقص له معنيان: الأول: ينقص من عمره فيموت وهو في سن مبكرة. الثّاني: إنسان مكتوب عمره إذا حج وكان واصلاً لرحمه ومحسناً فسوف يعيش (٩٠) سنة، وإذا حج ولم يكن واصلاً لرحمه ولا محسناً فسوف يعيش (٦٠) سنة، وهكذا. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿فِى كِتَابٍ﴾: أي: اللوح المحفوظ أو في شفرته الوراثية عمر فلان (٩٠) سنة؛ لأنّه سيكون واصلاً لرحمه ومحسناً، فالزّيادة في عمره داخل في تقدير عمره بصفة نهائية، والطّول والقصر كله بقضاء الله سبحانه وحده. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾: إن للتوكيد، ذلك اسم إشارة يشير إلى الطّول والقصر في العمر والخلق والتّدبير. ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: أيْ: هيِّن ولا يعني أنّ هناك أموراً أو أشياءَ عسيرة، أو صعبة على الله سبحانه، وأمور سهلة، وإنما قوله: يسير فقط لتقريب قدرته إلى أذهان البشر.

стр. 4238

سورة فاطر [٣٥: ١٢] ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ومن مظاهر قدرة الله وعظمته الدّالة على أنّه الإله الحق الّذي يجب أن يُعبد وحدَه هو تسخير البحرين. ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ﴾: الواو: عاطفة، وما: النّافية كثيراً ما تنفي الحال، بينما لا كثيراً ما تنفي الاستقبال، وتستعمل لا لنفي الأعمال وما يتعلق بها، بينما ما تنفي الاستواء في الحقائق والثوابت من الأمور، مثل: العمى، والبصير، والظلمات، والنور، والأحياء، والأموات، والفرات، والأجاج يستوي البحران: أيْ: سبحانه لم يسوِّ بينهما في كلّ الصّفات والخصائص لما تنطوي عليه مصلحة البشر والتّمكين من العيش؛ لأنّ الماء هو أصل كلّ شيء حيٍّ، وقد تعني التسوية أنّه لوحظ حين يلتقي الماء العذب بماء البحر نجد الماء العذب الحلو يطفو فوق الماء المالح؛ لأن الماء العذب أقل كثافة من الماء المالح، فيظل مفصولاً بينهما. البحران: البحر هنا النّهر العذب الّذي يصبُّ في بحر مالح. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه وذا اسم إشارة للقرب. ﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾: عذب: أي: الحلو اللذيذ الطّعم، فرات: الفرات

стр. 4239

المزيل للعطش. فرات لأنّه يفرت العطش أيْ: يزيله أو فرات للتوكيد، أيْ: هو عذب عذوبة بالغة. سائغ شرابه: سهل الابتلاع (سهل المرور في الحلق والمري). ﴿وَهَذَا﴾: تكرار هذا يفيد التّوكيد. ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾: أيْ: شديد الملوحة أو أجاج تعني: مرَّ الطّعم، أجَّ الماء اشتدت ملوحته وأجاج مشتقة من الأجيج النّار الملتهبة. وقيل: ملح أجاج: أيْ: شديد الملوحة ومُرُّ الطعم. وسُمِّي بذلك؛ لأنّ شرب ماءه يزيد العطش ويصبح الإنسان يشعر كأنّ في بطنه ناراً مشتعلة يريد أن يشرب أكثر فأكثر ولم يذكر في هذه الآية قدرته على أن جعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً وذكرها في سورة الفرقان آية (٥٣). ارجع إلى سورة الفرقان آية (٥٣) لمزيد من البيان. ﴿وَمِنْ﴾: ابتدائية. ﴿كُلٍّ﴾: للتوكيد. ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾: من البحر العذب والبحر المالح تأكلون لحماً طرياً: لحم السّمك بأنواعه المختلفة وغيره من الحيوانات البحرية الّتي تؤكل لحمها، لحماً: بصيغة النّكرة لتشمل كلّ أنواع اللحوم من الحيوانات المصطادة. ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ﴾: للتوكيد جاءت بالنّون ولم يقل: وتستخرجوا لتدلَّ على التّجدُّد والتّكرار.

стр. 4240

﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾: لم يُبيِّن في هذه الآية نوع الحلية وبيَّنها في سورة الرحمن، فقال: ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، تلبسونها: أي: الرّجل والمرأة ومع أن الحلية تلبسها النّساء عادة وهي زينة المرأة من أجل زوجها، فكأن الرّجل هو أيضاً يستمتع بالحلية. واللؤلؤ والمرجان غير محرَّم على الرّجال كالذهب والحرير. ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾: الفلك تطلق على المفرد والجمع وتسمَّى السفن. ﴿فِيهِ﴾: في البحر ظرفية. ﴿مَوَاخِرَ﴾: مواخر من المخر: وهو الشق؛ أي: يقال: السّفينة تمخر البحر أيْ: تشق طريقها بصوت خاص مُميز، مواخر: شواق للمياه بصدورها، قدَّم كلمة فيه على مواخر بينما في سورة النّحل آية (١٤) قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ أخَّر كلمة (فيه) السّبب في تقديم (فيه) في سورة فاطر؛ لأنّ الحديث أو السّياق عن البحرين أي: البحار، فقدَّم فيه الّتي تعني البحر، وأمّا في سورة النّحل فكان السّياق عن وسائل النّقل والأنعام والخيل والبغال والحمير وليس عن البحر، فأخَّر كلمة (فيه). ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: اللام لام التّعليل، من فضله: أيْ: من بعض فضل الله تعالى عليكم، والفضل يعني: الزّيادة عما تستحقون من الأجر، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٤) في سورة النحل وهي قوله تعالى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: نجد زيادة الواو في آية النحل؛ لأن آية النحل تشير إلى منافع أخرى (لتبتغوا منافع أخرى) لم تذكرها الآية بينما الآية فاطر يقصد بها المنافع التي ذكرت في الآية فقط.
следующие страницы →