← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

من تراب: من ابتدائية وقد تكون بعضية وتعني تركيب جسم الإنسان، من تراب: فقد وجد أنّ هناك (١٦) معدناً من معادن الأرض موجودة في تركيب جسم الإنسان منها الكالسيوم والصوديوم والمغنزيوم والكلّوريد والنّحاس والزّنك والبوتاسيوم والحديد وغيرها. ارجع إلى سورة الروم آية (٢٠) لمزيد من البيان. ﴿ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ﴾: ثمّ للترتيب الذّكري العددي، أو التسلسلي، ثمّ خلقكم من نطفة آدم، ثمّ بالتّزاوج والتّكاثر. ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾: أيْ: ذكراناً وإناثاً، الذّكر يطلق عليه زوج والأنثى يطلق عليها زوج. ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾: ما النّافية، تحمل من أنثى: من استغراقية، من ذكر أو أنثى أو توءَم أو أكثر من ذلك من الأجنَّة الكاملة الخلق أو غير الكاملة. ﴿وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾: ولا تضع إلا بعلم الله سبحانه، لا: النّافية، إلا: للحصر، بعلمه: أيْ: يعلم زمن الوضع (الولادة) بالدّقيقة والثّانية، ومنذ الأزل، وكيفية الوضع والولادة وما يتعلَّق بها من اختلاطات. ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُّعَمَّرٍ﴾: ما النّافية، يعمر من معمر: المُعمَّر: الإنسان الّذي طعن في السّن أيْ: بلغ أقصى العمر أيْ: يعلم الله سبحانه ما تضع من أنثى ويعلم عمر كلّ معمَّر وكم سيعيش أو إلى متى سيطول عمره ومتى سيموت باليوم والدّقيقة والثّانية. وقيل ذلك موجود في المحفظة الوراثية في أحد الجينات أو الكروموزوم.

стр. 4237

﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾: هاء الضّمير في كلمة عمره، إما تعود على المعمر السّابق ذكره والّذي طال عمره أو تعود على أيِّ إنسان آخر. وهذا النقص له معنيان: الأول: ينقص من عمره فيموت وهو في سن مبكرة. الثّاني: إنسان مكتوب عمره إذا حج وكان واصلاً لرحمه ومحسناً فسوف يعيش (٩٠) سنة، وإذا حج ولم يكن واصلاً لرحمه ولا محسناً فسوف يعيش (٦٠) سنة، وهكذا. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿فِى كِتَابٍ﴾: أي: اللوح المحفوظ أو في شفرته الوراثية عمر فلان (٩٠) سنة؛ لأنّه سيكون واصلاً لرحمه ومحسناً، فالزّيادة في عمره داخل في تقدير عمره بصفة نهائية، والطّول والقصر كله بقضاء الله سبحانه وحده. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾: إن للتوكيد، ذلك اسم إشارة يشير إلى الطّول والقصر في العمر والخلق والتّدبير. ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: أيْ: هيِّن ولا يعني أنّ هناك أموراً أو أشياءَ عسيرة، أو صعبة على الله سبحانه، وأمور سهلة، وإنما قوله: يسير فقط لتقريب قدرته إلى أذهان البشر.

стр. 4238

سورة فاطر [٣٥: ١٢] ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ومن مظاهر قدرة الله وعظمته الدّالة على أنّه الإله الحق الّذي يجب أن يُعبد وحدَه هو تسخير البحرين. ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ﴾: الواو: عاطفة، وما: النّافية كثيراً ما تنفي الحال، بينما لا كثيراً ما تنفي الاستقبال، وتستعمل لا لنفي الأعمال وما يتعلق بها، بينما ما تنفي الاستواء في الحقائق والثوابت من الأمور، مثل: العمى، والبصير، والظلمات، والنور، والأحياء، والأموات، والفرات، والأجاج يستوي البحران: أيْ: سبحانه لم يسوِّ بينهما في كلّ الصّفات والخصائص لما تنطوي عليه مصلحة البشر والتّمكين من العيش؛ لأنّ الماء هو أصل كلّ شيء حيٍّ، وقد تعني التسوية أنّه لوحظ حين يلتقي الماء العذب بماء البحر نجد الماء العذب الحلو يطفو فوق الماء المالح؛ لأن الماء العذب أقل كثافة من الماء المالح، فيظل مفصولاً بينهما. البحران: البحر هنا النّهر العذب الّذي يصبُّ في بحر مالح. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه وذا اسم إشارة للقرب. ﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾: عذب: أي: الحلو اللذيذ الطّعم، فرات: الفرات

стр. 4239

المزيل للعطش. فرات لأنّه يفرت العطش أيْ: يزيله أو فرات للتوكيد، أيْ: هو عذب عذوبة بالغة. سائغ شرابه: سهل الابتلاع (سهل المرور في الحلق والمري). ﴿وَهَذَا﴾: تكرار هذا يفيد التّوكيد. ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾: أيْ: شديد الملوحة أو أجاج تعني: مرَّ الطّعم، أجَّ الماء اشتدت ملوحته وأجاج مشتقة من الأجيج النّار الملتهبة. وقيل: ملح أجاج: أيْ: شديد الملوحة ومُرُّ الطعم. وسُمِّي بذلك؛ لأنّ شرب ماءه يزيد العطش ويصبح الإنسان يشعر كأنّ في بطنه ناراً مشتعلة يريد أن يشرب أكثر فأكثر ولم يذكر في هذه الآية قدرته على أن جعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً وذكرها في سورة الفرقان آية (٥٣). ارجع إلى سورة الفرقان آية (٥٣) لمزيد من البيان. ﴿وَمِنْ﴾: ابتدائية. ﴿كُلٍّ﴾: للتوكيد. ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾: من البحر العذب والبحر المالح تأكلون لحماً طرياً: لحم السّمك بأنواعه المختلفة وغيره من الحيوانات البحرية الّتي تؤكل لحمها، لحماً: بصيغة النّكرة لتشمل كلّ أنواع اللحوم من الحيوانات المصطادة. ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ﴾: للتوكيد جاءت بالنّون ولم يقل: وتستخرجوا لتدلَّ على التّجدُّد والتّكرار.

стр. 4240

﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾: لم يُبيِّن في هذه الآية نوع الحلية وبيَّنها في سورة الرحمن، فقال: ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، تلبسونها: أي: الرّجل والمرأة ومع أن الحلية تلبسها النّساء عادة وهي زينة المرأة من أجل زوجها، فكأن الرّجل هو أيضاً يستمتع بالحلية. واللؤلؤ والمرجان غير محرَّم على الرّجال كالذهب والحرير. ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾: الفلك تطلق على المفرد والجمع وتسمَّى السفن. ﴿فِيهِ﴾: في البحر ظرفية. ﴿مَوَاخِرَ﴾: مواخر من المخر: وهو الشق؛ أي: يقال: السّفينة تمخر البحر أيْ: تشق طريقها بصوت خاص مُميز، مواخر: شواق للمياه بصدورها، قدَّم كلمة فيه على مواخر بينما في سورة النّحل آية (١٤) قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ أخَّر كلمة (فيه) السّبب في تقديم (فيه) في سورة فاطر؛ لأنّ الحديث أو السّياق عن البحرين أي: البحار، فقدَّم فيه الّتي تعني البحر، وأمّا في سورة النّحل فكان السّياق عن وسائل النّقل والأنعام والخيل والبغال والحمير وليس عن البحر، فأخَّر كلمة (فيه). ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: اللام لام التّعليل، من فضله: أيْ: من بعض فضل الله تعالى عليكم، والفضل يعني: الزّيادة عما تستحقون من الأجر، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٤) في سورة النحل وهي قوله تعالى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: نجد زيادة الواو في آية النحل؛ لأن آية النحل تشير إلى منافع أخرى (لتبتغوا منافع أخرى) لم تذكرها الآية بينما الآية فاطر يقصد بها المنافع التي ذكرت في الآية فقط.

стр. 4241

﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: الواو في ولعلكم تشير إلى هذه المنافع المذكورة في الآية وغيرها من منافع أخرى لم يذكرها الله سبحانه في هذه الآية، أمّا حين يقول: لعلكم تشكرون من دون الواو فتعني فقط النّعم المذكورة في الآية. لعلكم: لعل تفيد التّعليل ولا تعني التّرجي؛ لأنّكم إن شكرتم شكرتم لأنفسكم، وإن لم تشكروا فإن الله غني عن العالمين. تشكرون المنعم على نعمه باللسان والطّاعة والإنفاق في سبيله وغيرها من وسائل الشّكر. ارجع إلى سورة الأعراف الآية (١٠) لمزيد من البيان. سورة فاطر [٣٥: ١٣] ﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾: ﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ﴾: ارجع إلى سورة لقمان آية (٢٩) لمزيد من البيان. يولج: يدخل والولوج أصعب من الدّخول، فيه معنى التماس والاختلاط أيْ: تعاقب الليل والنّهار الناتج عن كروية الأرض، وعن كونها تدور حول نفسها وحول الشّمس؛ مما يؤدِّي إلى تبادل الليل والنّهار، والنّهار والليل الضروري لاستقامة الحياة على هذه الأرض، وقدَّم الليل على النّهار؛ لأنّه هو الأصل أي: الظّلام. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: التّسخير، أي: التّذليل للانتفاع بها فالشّمس مصدر للطاقة والدفء، وتعطينا حزمة الطيف المرئي من أشعة الشّمس الّتي تضيء بامتزاجها بالطبقة الغازية المحيطة بالأرض لتعطينا ضوء النّهار وأشعة

стр. 4242

الشّمس المهمة في كثير من الوظائف العضوية، وأمّا القمر فهو يعكس لنا ضوء الشّمس وهو يلعب دوراً مهماً في عملية المد والجزر المهمة في تفتيت الصخور وحركة الرياح ودوران الأرض حول محورها، ويستفاد من الشّمس والقمر في معرفة الزّمن: السّنة والشّهر واليوم والسّاعة. لذلك كلّ آيات التّسخير جاءت بصيغة الماضي في كلّ القرآن بينما الإيلاج يتجدَّد في كلّ يوم، والتّكوير هو تعاقب الليل والنّهار. وفي هذه الآية حذف كلمة لكم ولم يقل: وسخر لكم؛ لأنّ السّياق ليس في سياق تعداد النّعم، كما هو الحال في سورة النّحل آية (١٢) السّياق هنا في تعداد الآيات الكونية الدّالة على عظمة الله تعالى وقدرته، وأنّه الإله الحق الّذي يستحق أن يعبد وحده. ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: اللام تفيد الانتهاء والاختصاص والتّعليل، أيْ: جريان الشّمس والقمر سوق يستمر حتّى يبلغا أجلهما المضروب لهما وهو يوم القيامة أو انتهاء زمن التّسخير. أمّا قوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ كما في سورة لقمان آية (٢٩) أي: الشّمس والقمر تجريان الآن في طريقهما للوصول إلى المنتهى، أي: المستقر. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾: ذلكم، ولم يقل: ذلك؛ للتعظيم والإشارة إلى فاعل كلّ تلك الأفعال من الخلق والتّسخير والإيلاج. الله ربكم: الله المعبود واجب الوجود، ربكم: الخالق والمدبر والمسخر والمنعم، جمع الألوهية والرّبوبية معاً.

стр. 4243

﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾: له الحكم وله الملك وتقديم له يفيد الحصر والقصر له وحده لا يشاركه أحد. ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾: والّذين اسم موصول وتشمل الأصنام والأوثان والملائكة وعيسى وعزير أو الآلهة المزعومة. تدعون: تعبدون، من دونه: من غيره أو سواه. ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾: ما النّافية، يملكون: شيئاً من السّموات والأرض، وشيئاً نكرة، أيْ: مهما كان صغيراً (والشّيء هو أصغر الأشياء). من: ابتدائية لبيان الجنس. قطمير: الغشاء الشّفاف الّذي يحيط بالنّواة نواة التّمر. وفي آية أخرى ذكر الفتيل، فقال سبحانه في سورة النّساء آية (٧٧) ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ والفتيل هو الخيط الّذي نجده في بطن النّواة. وفي آية أخرى ذكر النّقير: فقال سبحانه في سورة النّساء آية (١٢٤) ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾: والنّقير هو تجويف صغير أو نقرة في ظهر النّواة. إذن هذه الثّلاث: القطمير والفتيل والنّقير تضرب للشيء اليسير المتناهي في القلة، وكلها نجدها في نواة التّمرة الّتي جعلها الله موضعاً للمثل والعبرة.

стр. 4244

سورة فاطر [٣٥: ١٤] ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾: ﴿إِنْ﴾: شرطية تدل على الافتراض. ﴿تَدْعُوهُمْ﴾: أيْ: تعبدوهم أو تتوسلوا إليهم، أي: الشّركاء أو الأوثان. ﴿لَا يَسْمَعُوا﴾: لا النّافية، لا يسمعوا؛ لأنّهم أوثان وأصنام أو جمادات وأحجار. ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾: لو شرطية، سمعوا على سبيل الافتراض أنّهم كانوا ملائكة أو عيسى أو عزير. ﴿مَا﴾: النّافية. ﴿اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾: لعدم قدرتهم لعجزهم أو عدم السّماح لهم. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾: يجحدون وينكرون عبادتكم لهم ويتبرؤون منكم، ومن عبادتكم ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣]. ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ﴾: لا: النّافية، ينبئك: من النّبأ وهو الخبر العظيم، والكاف للمخاطب وهو رسول الله ﷺ ؛ أيْ: لا يخبرك يا رسول الله ﷺ مثل أو كما يُخبرك به الله بما سيكون في المستقبل أو ينبئك ببعض الغيب أيُّ خبير. ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾: مثل الله تعالى الخبير العالم ببواطن الأمور وظواهرها وأجريت هذه الآية مجرى المثل.

стр. 4245

سورة فاطر [٣٥: ١٥] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾: هذا هو النداء الثّالث في هذه السّورة إلى النّاس. ارجع إلى الآية (٣) لبيان معنى يا أيّها النّاس. ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾: أنتم تفيد التّوكيد، الفقراء جاء بأل التّعريف ليشمل الكل، كلّ النّاس، ولو قال: أنتم فقراء يعني: بعضكم فقراء إلى الله وبعضكم غير فقراء. وعرَّف الفقراء للمبالغة في فقرهم فهم شديدو الافتقار إلى الله وسائر الخلائق. أنتم الفقراء: أيْ: أنتم خاصة المفتقرون إلى الله سبحانه، والله ليس بمفتقر لكم؛ لأنّه سبحانه غني عنكم وعمن في الأرض جميعاً. أنتم الفقراء إلى الله على الإطلاق، أي: المحتاجون إليه في جميع أمور الدِّين والدّنيا. فقراء إليه حتى في تنفسكم الهواء (الأوكسجين)، وماءكم، وطعامكم، ونومكم، وبعثكم، وحياتكم، وإلى شمسه وليله ونهاره وكل شيء. ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾: هو تفيد التّوكيد والحصر، واستعمال هو حتّى لا يظن أحدٌ أنّه يشاركه في الغنى. الغني: لأنّ له ما في السّموات وما في الأرض، وإن من شيء إلا عنده خزائنه، ولا تنفد خزائنه، الغني عن خلقه وعن عبادتهم. ارجع إلى سورة الحديد آية (٢٤) للبيان. الحميد: أيْ: قرن غناه بكرمه وجوده والحميد، أي: الغني النّافع خلقه بغناه؛ فهو يحمد؛ لأنّه سبحانه يعطي خلقه ويُغني بعضهم حتّى ولو عصوه، والحميد من قبل أن يحمده خلقه، فهو المستحق الحمد من عباده لإحسانه إليهم.

стр. 4246

سورة فاطر [٣٥: ١٦] ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الافتراض أو الاحتمال. ﴿يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾: يميتكم أو يسلط عليكم وباءً أو داءً فيقضي عليكم جميعاً. ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: طائعين لا يعصونه، وهذه الطّاعة طاعة رضا واختيار، لا طاعة قهر وقسر وكراهية، وهذا يُعدُّ إنذاراً لمشركي قريش. سورة فاطر [٣٥: ١٧] ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما نافية. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة للبعد يشير إلى الذّهاب بكم، والإتيان بخلق جديد ما هو شيء عزيز، أيْ: ممتنع أو متعسِّر على الله . وقد ذُكرت هذه الآية، أيْ: (يشأ يذهبكم) في أربع آيات في القرآن النّساء آية (١٣٣)، والأنعام آية (١٣٣)، وفاطر آية (١٦)، وإبراهيم آية (١٩). سورة فاطر [٣٥: ١٨] ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو عاطفة، لا النّافية. ﴿وَلَا تَزِرُ﴾: لا تتحمل أو تحمل. ﴿وَازِرَةٌ﴾: أيْ: نفس وازرة، أيْ: مذنبة أو آثمة. ﴿وِزْرَ أُخْرَى﴾: الوزر الحمل ويعني: إثماً أو ذنباً أو خطيئة أو جرمَ نفس

стр. 4247

أخرى، فكل إنسان مجزيٌّ بعمله سواء كان صالحاً أو سيئاً كقوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]. أيْ: لا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، ويبدأ ذلك من زمن التّكليف (البلوغ) هذا إذا اقتصر ظلمه أو ضلاله على نفسه، أمّا إذا تعدَّى إلى غيره فعندها تنطبق عليه آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، أيْ: تتحمل إثمها وإثم غيرها. ﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الافتراض والاحتمال. ﴿تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾: وإن تدع نفس مثقلة بذنوبها أحداً إلى حملها؛ كي يحمل عنها، لا يحمل منه شيء ولو كان من تدعوه ذا قربى، أيْ: صاحب قربى. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾: أيْ: إنذارك يا محمّد ﷺ وتحذيرك لا ينتفع منه، أو لا يستفيد منه إلا الّذين آمنوا ويخشون ربهم بالغيب، والإنذار في القرآن يأتي في سياق الذين كفروا أو الذين آمنوا فهو ليس خاصاً للكفار والمنافقين دائماً؛ فهو إنذار قد يعم الكل أو إنذار خاص بفئة معينة. الخشية: هي الخوف المقرون بالتّعظيم والمهابة والعلم بالله تعالى، وتحمل معنى الأمل، وبالغيب: الباء للإلصاق وتعني: الدّوام والغيب يعني: عندما يكونوا في منأى عن النّاس ولوحدهم ومن يخشاه بالغيب يعني: يخشاه بالعلن ويخشاه بالغيب تعني يخشوا ربهم وما رأوه بأعينهم، وجاءت كلمة

стр. 4248

يخشون بصيغة المضارع؛ لأن الخشية ليس لها وقت محدد، بل هي مستمرة أو دائمة. أمّا الكافرون والجاحدون فإنهم لن يقبلوا أو ينتفعوا بإنذارك لهم. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: تعود على الّذين يخشون ربهم. وأقاموا الصّلاة بشروطها وأركانها وسنتها ولوقتها من دون تأخير والمحافظة عليها واختار الصّلاة من بين العبادات؛ لأنّها أهمها، ولأنها العبادة الّتي تؤدَّى خمس مرات باليوم.، وهي عماد الدين، وتمثل كل العبادات الأخرى، وجاءت ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: بصيغة الماضي؛ لأن لها أوقات محددة، وليس مستمرة كما هي الحال في الخشية. ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾: وهذه حقيقة أخرى بجانب ولا تزر وازرة وزر أخرى. ومن: شرطية، يتزكى: تطهر من الدّنس والكفر والذّنوب بالتّوبة والإيمان والعمل الصّالح وبفعل الطّاعات وترك المعاصي، فإنما: الفاء للتوكيد (جواب الشّرط). إنما: لزيادة التّوكيد والقصر. يتزكى لنفسه: يتطهر لنفسه حيث يعود الثّواب والأجر إليه. ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾: إلى الله تقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة يفيد الحصر، أيْ: إليه وحده المصير النّهاية، أي: الوقوف بين يديه للمحاسبة أو إليه ينتهي كلّ أمر للنظر فيه؛ أي: الحكم والقضاء.

стр. 4249

سورة فاطر [٣٥: ١٩] ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية، ما النّافية للجنس. ﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: الأعمى الجاهل أو الكافر، أيْ: لا يستوي الكافر مع الكافر، أيْ: مع الّذي أشد منه كفراً فالكفر درجات. والبصير: العالم أو المؤمن، أيْ: لا يستوي المؤمن مع المؤمن، أي: الّذي أشد منه إيماناً والإيمان درجات. الاستواء هنا يقصد به الاستواء في الجنس، وقد يقصد به غير الجنس ناهيك عن عدم استواء الكافر والمؤمن، فهذا شيء مفهوم لا يحتاج إلى تبيان. سورة فاطر [٣٥: ٢٠] ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾: ﴿وَلَا﴾: النّافية لزيادة توكيد المعنى. ﴿الظُّلُمَاتُ﴾: جمع ظلمة مثل (ظلمة الكفر والشّرك والمعاصي)، أو الظّلمات بعضها أشد من بعض فهي لا تستوي أيضاً. ﴿وَلَا النُّورُ﴾: الإيمان أفرد النّور؛ لأنّه نور واحد منزل في كتابه أو النّور لا يستوي مع النّور الأشد منه. سورة فاطر [٣٥: ٢١] ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾: وتكرار لا يفيد زيادة النّفي.

стр. 4250

﴿الظِّلُّ﴾: الجنة، الظّل: كناية عن ظل الجنة ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النّساء: ٥٧]، فالجنة درجات قيل: مئة درجة. ﴿وَلَا الْحَرُورُ﴾: النّار أو جهنم. دركات قيل: هي سبع دركات. سورة فاطر [٣٥: ٢٢] ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِى الْقُبُورِ﴾: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَحْيَاءُ﴾: ما: النّافية الأحياء: المؤمنون الّذين استجابوا لله ولرسوله حين دعاهم لما يحييهم كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. ﴿وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾: الكفار الّذين لم يستجيبوا لله وللرسول وتولَّوا وهم معرضون، وتكرار (لا) وما تؤكد عدم الاستواء كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]. وإذا نظرنا إلى الآية (١٩) قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ لم يضف لا كقوله: ولا البصير، لم يؤكد بحرف نفي. وأمّا الآية (٢٠) قال تعالى: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ فأضاف لا. والآية (٢١) قال تعالى: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾: أضاف لا. والآية (٢٢) قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾: أضاف لا. فقوله: وما يستوي الأعمى والبصير، قد يكون الشّخص جاهلاً، ويتعلَّم دينه أو كافراً فيؤمن فيطرأ عليه الوصفان؛ أي: كونه كان أعمى ثم أبصر يجتمع فيه الوصفان. وأمّا قوله: ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور، وما يستوي الأحياء والأموات، فهذه الثّلاث كلها متقابلات أو متناقضات لا تجتمع أبداً،

стр. 4251

فلا بُدَّ أن يكون إما ظلمةً أو نوراً لا ثالث لهما، أو ظلاً (جنة) أو حروراً (جهنم لا ثالث لهما) أو حياً أو ميتاً لا ثالث لهما، فاستعمل لا للتوكيد على النّفي. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾: إن للتوكيد، الله يسمع من يشاء: أيْ: يُسمع من اهتدى بنفسه واختار طريق الهداية، سماع هداية فيزيده هدى وتقوى. ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِى الْقُبُورِ﴾: وما النّافية، أنت يا محمّد ﷺ بمسمع من في القبور، أي: الكفار الأحياء الّذين هم كالأموات في نظر الله تعالى. كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]، أيْ: أنت يا رسول الله لن تسمع هؤلاء الكفار سماع الهداية المؤدِّي إلى عودتهم إلى الإيمان. وفي هذه الآية تهديد ووعيد للذين كفروا، وتبقى مهمتك هي: إن أنت إلا نذير. سورة فاطر [٣٥: ٢٣] ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾: ﴿إِنْ﴾: نافية تعني: ما، أيْ: ما أنت إلا نذير. ﴿إِلَّا﴾: إلا حصراً وتوكيداً. ﴿نَذِيرٌ﴾: أيْ: منذر والإنذار يعني: الإعلام مع التّحذير، أمّا الهداية فلله وحده. سورة فاطر [٣٥: ٢٤] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾: ﴿إِنَّا﴾: للتعظيم. ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق واللزوم، الحق: هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغيَّر ولا يتبدل والحق دين الإسلام دين الحق، والحق هو القرآن الكريم وهو الهدى أيضاً.

стр. 4252

﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾: ارجع إلى الآية (٢٨) من سورة سبأ للبيان. ﴿وَإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ﴾: وإن نافية تعني: وما من أمة، من استغراقية، الأمة جماعة من النّاس تجمعها عقيدة أو مقومات بغض النّظر عن الحيز الجغرافي والعدد. ﴿إِلَّا﴾: تفيد الحصر والقصر. ﴿خَلَا﴾: مضى أو أرسل إليها أو بعثنا فيها نذير. ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النّساء: ١٦٥]. سورة فاطر [٣٥: ٢٥] ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: الواو عاطفة، إن شرطية تفيد الاحتمال أو الافتراض أو النّدرة. ﴿يُكَذِّبُوكَ﴾: يا محمّد ﷺ ، يكذبوك كفار مكة وغيرهم، وجاءت بصيغة المضارع لتدل على التّجدُّد والتّكرار أو حكاية الحال، ولم يقل: وإن كذبوك تدل على الماضي وعلى مرة واحدة، وقال: كذب الّذين من قبلهم، ولم يقل: كذبت. كذب تدل على القلة (بصيغة التّذكير) وكذبت تدل على الكثرة (بصيغة التّأنيث). ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٨٤) للبيان، وسورة الأنعام آية (٣٣) للمقارنة. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، قد: حرف تحقيق، أيْ: قد كذب الّذين من قبلهم وحدث ذلك. ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: من الأمم الماضية كذبوا برسلهم، وبما جاؤوا به من البينات وبالزّبر وبالكتاب المنير. من: تدل على الزمن القريب. ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾: مقارنة بـ جاءهم رسلهم؛ جاءتهم: تدل على كثرة

стр. 4253

الرسل الذين جاءوهم، وجاءهم: تدل على القلة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [آل عمران: ١٨٣]. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمعجزات والدّلائل على النّبوَّة (نبوَّة رسلهم). ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾: جمع زبور، وهو كلّ كتاب ذي حكمة وموعظة وسُمِّي زبوراً؛ لأنّه يزجر عن الباطل وليس فيه أحكام شرعية. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣) لمزيد من البيان. ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾: الكتاب اسم جنس والكتاب المنير الواضح الحاوي على الأحكام مثل القرآن والتّوراة والإنجيل. وتكرار الباء بالبينات وبالزّبر وبالكتاب المنير يفيد التّوكيد، ويدل على عظم مقاومة الأمم لرسلها، فالمقام مقام إنذار وتبليغ ودعوة، واستمرار الّذين من قبلهم في تكذيب رسلهم، فلذلك أضاف ثلاثة باءات، للدلالة على شدة الموقف والإنذار وكذلك الآيات الّتي وردت في السّياق، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ و ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ و ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾، وكذلك المجيء بالباء ثلاث مرات تدل على فصل كلٌ من البينات عن الزبر عن الكتاب المنير أو توزيع ما جاء الرسل من ربهم فمنهم من جاءُهم البينات (مثل: صالح وهود … وغيرهم)، ومنهم من جاءُهم الزبر (داود)، ومنهم من جاءُهم الكتب (محمد ﷺ ، وموسى، وعيسى)، أما في قوله تعالى: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ بدون تكرار الباء: تدل على أن هناك من الرسل من جاءوا بالأنواع الثلاث. وإذا قارنا هذه الآية بالآية (١٨٤) من سورة آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾

стр. 4254

التّكذيب هنا بصيغة الماضي، ويدل على حادثة معينة وانتهى، ومقام التّبليغ والدّعوة في بدايته. سورة فاطر [٣٥: ٢٦] ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّعقيب والتّراخي؛ لأنّه سبحانه حليم لا يعجل بالعقوبة، مقارنة بقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ [غافر: ٥] الفاء: تدل على التعقيب والمباشرة. ﴿أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: والأخذ يدل على قوة الأخذ بالعذاب أو الانتقام، وكما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٥) في سورة غافر، وهي قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾: نجد أن أخذت: أكثر ذماً وأكثر توبيخاً. ﴿فَكَيْفَ﴾: استفهام يحمل معنى التّعجُّب والتّقرير. ﴿كَانَ نَكِيرِ﴾: من النّكر ما يجهله الإنسان ويستغربه وينكره حين يراه أو يعلم به؛ لأنّه يظنه لا يمكن أن يكون بهذا الشكل أو الشدة والدمار، مع أنّه حقيقة وصواب، وأصلها: فكيف كان نكيري. حذفت الياء. ونكير: اسم لشدة الإنكار، والإنكار يستلزم الجزاء بالعقاب على فعل إنكارهم، فيصبح المعنى: ثمّ أخذت الّذين كفروا بعذاب ملائم لإنكارهم، فكيف كان انتقامي منهم أو عقوبتي لهم أو أخذي لهم، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٥) في سورة فاغر، وهي قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ جاءت في سياق الأشد كفراً، مقارنة بـ ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ فالعقاب أشد من الإنكار. سورة فاطر [٣٥: ٢٧] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾: بعد أن ذكر الله سبحانه تكذيب كفار قريش لرسول الله ﷺ كما كذبت

стр. 4255

الأمم السّابقة لرسلهم، رغم البينات والزّبر والكتاب المنير، يذكر الله سبحانه دليلاً آخر على عظمته وقدرته جلَّ وعلا ووحدانيَّته، وأنه هو الإله الحق الّذي يستحق أن يُعبد، وهو ما يشاهده النّاس من الثّمرات المختلف ألوانها وأجناسها وطعمها، وما يشاهدونه من الجبال الجدد بيض وحمر المختلف ألوانها، وما يشاهدونه من اختلاف ألوان النّاس والدّواب والأنعام. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: الهمزة همزة استفهام تحمل معنى التّقرير والتّعجب، تَرَ: رؤية بصرية أو رؤية قلبية فكرية. ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾: أيْ: من السّحاب أو السّحب الركامية ماء (ماء المطر). ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾: الفاء للتعقيب، فأخرجنا به (بالماء). ﴿ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾: النّخيل والأعناب والثّمرات الأخرى المختلف ألوانها وطعمها. ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾: ومن: الواو عاطفة، من بعضية، من الجبال جدد: الجُدَد من الجبل القطعة منه. والجُدّة من الشّيء الجزء منه يخالف لونه لون سائرة. أيْ: من الجبال أجزاء ذات ألوان بيض وحمر أو مخططة بألوان مختلفة. ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾: الغرابيب: وهو شديد السّواد الّذي يشبه لونه لون الغراب. غرابيب سود وقيل: سود بدل من غرابيب وهي معطوفة على بيض فهناك سوداء (سُود) وشديدة السّواد (غرابيب) إذن نوعان من اللون الأسود، أسود وشديد السّواد.

стр. 4256

سورة فاطر [٣٥: ٢٨] ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاؤُا إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: الواو عاطفة، من ابتدائية، النّاس: (الإنس والجن). ﴿وَالدَّوَابِّ﴾: جمع دابة؛ كلّ ما يدب على الأرض عدا النّاس. ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾: البقر والغنم والإبل والماعز ومن كلّ زوجين. ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾: أيْ: كاختلاف ألوان الثّمار والجبال. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد الحصر؛ أي: حصر الخشية بالعلماء (خاصة). ﴿يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاؤُا﴾: أيْ: أن الذين يخشون الله (سبحانه) حق الخشية هم العلماء أو تعني: من المفروض أن يكون العلماء هم أخشى النّاس لله تعالى لما يرونه بأعينهم من الحقائق والاكتشافات العلمية والآيات الكونية، وقدَّم المفعول به (اللهَ) ليفيد الاختصاص. ﴿مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاؤُا﴾: لا يقصد بهؤلاء العلماء الكفرة الملحدين الّذين لا يذكرون الله مهما شاهدوا من آيات كونية أو حقائق، فهؤلاء لا يُثني عليهم مهما وصلوا إليه من علوم ومعارف. والمقصود بهؤلاء العلماء الّذين عرفوا الله سبحانه وملأت قلوبهم الخشية تعظيماً لما رأوا من قدرته وعظمته من آيات كونية تدل على أنّه الخالق والإله الحق، والخشية هي مزيج من الخوف والتّعظيم والعلم بالله وأسمائه وصفاته ووحدانيته، وقال تعالى: ﴿الْعُلَمَاؤُا﴾ ولم يقل العالمون، العلماء: هم طلاب العلم عامة، أما العالمون: فهم أساتذة العلم، أو من يعلمون العلماء أو هم قمة العلم أو ليس هناك من هو أعلم منهم. وهناك قراءة شاذة إنما يخشى الله من عباده العلماء، والخشية: هنا لا تعني

стр. 4257

الخوف والتعظيم، وإنما تعني: إنما يمدح أو يُثني ويعظم الله عباده العلماء الّذين اكتشفوا بعض الأسرار والآيات الكونية، وكانوا سبباً لهداية غيرهم من الضالين. ويؤيِّد ذلك قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾: وبهذا يكون معنى يخشى يُعظم ويثني وليس يخاف. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد. ﴿عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾: تعليل لوجوب خشية، أيْ: خشوه لأنّه: عزيز: قوي لا يُغلب ولا يُقهر وممتنع له العزة جميعاً والشّرف عزة القوة والمنعة والقهر والغلبة والقادر على عقوبة العصاة وقهرهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر. غفور: لمن تاب وأناب إليه وغفور صيغة مبالغة كثير المغفرة، وتعني: محو الذّنوب وترك العقوبة، وغفور: تدل على دوام الغفران أو المغفرة، وغفار: تدل على التجدد والتكرر، وغفار وغفور: صيغ مبالغة تدل على كثرة الغفر أو المغفرة مع قدرته تعالى على منحها أو منعها. سورة فاطر [٣٥: ٢٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾: بعد ذكر الّذين يخشون الله من العلماء يذكر الّذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصّلاة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾: إن للتوكيد، الّذين اسم موصول. يتلون كتاب الله: من التّلاوة أيْ: تلاوة القرآن أو الآيات والتّلاوة هي القراءة الخاصة بالكتاب ولها ثواب، ويتلون بصيغة المضارع تدلُّ على التّكرار والتّجدُّد والاستمرار في التّلاوة.

стр. 4258

﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: بشروطها وأركانها ومواقيتها وخشوعها والدّوام عليها وأقاموا بصيغة الماضي؛ لأنّ إقامة الصّلاة لها أوقات محدَّدة، وهي عماد الدين، وأعظم العبادات وأجلها. ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: أنفقوا سراً: بعيدين عن الرّياء وابتغاء وجه الله، وعلانية: أحياناً في الزّكاة المفروضة، كما ذكر بعض الأئمة ليشجع الآخرين على التّصدق والإنفاق في سبيل الله وأنفقوا بصيغة الماضي؛ لأنّ الإنفاق غير دائم مثلاً: الزكاة تدفع حين النصاب، وكثير من الآيات الأخرى جاءت في صيغة المضارع ينفقون لتدل على تجدُّد وتكرار الإنفاق والتّذكير به كالصدقات. ولو نظرنا إلى الحكمة في الإنفاق على الفقير والمسكين كما يراها البعض، فالله سبحانه بين للناس أنّ المال ماله وما ينفقون هو مما جعلهم الله مستخلفين فيه، وكأنّ الغني ينفق على الفقير بدلاً من الله سبحانه، فالله يعطي الغني ويحثُّه ويحضُّه على أن ينفق على المحتاج بدلاً من الله تعالى كي تسود المحبة بين النّاس ويضمحل الحقد والحسد والكراهية، ولنعلم أنّ الله سبحانه قادر على أن يغني الفقير، ويجعل كلَّ الفقراء أغنياء، وعندها قد تقل روح التّعاطف والتّراحم. ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: كما قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً﴾: يرجون من الإنفاق في سبيل الله الربح الوافر الكثير، أي: الثّواب أو الأجر الكبير، يرجون: من الرّجاء وهو الأمل في الخير الّذي يعتري صاحبه الشّك. ﴿لَنْ تَبُورَ﴾: لن: لنفي المستقبل القريب أو البعيد، لن يبطل ثوابها في المستقبل القريب ولا البعيد، أيْ: لن تبور في الدّنيا ولا في الآخرة، تبور: من

стр. 4259

البوار الكساد أو الضّياع، أيْ: تجارة غير خاسرة، والبور أصلها: أرض بوار؛ أي: أرض لا تصلح للزراعة؛ أي: أرض لا خير فيها؛ فالمعنى يكون ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً﴾ كثيرة الخير والربح. سورة فاطر [٣٥: ٣٠] ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، وتعود على الّذين يتلون الكتاب وأقاموا الصّلاة وأنفقوا. يوفيهم: من وفى والتوفية أخذ الشّيء وافياً، أيْ: تامّاً، أيْ: يعطيهم أجورهم تامَّة غير ناقصة. ﴿أُجُورَهُمْ﴾: الأجر يكون مقابل العمل أجورهم على أعمالهم، ويزيدهم أكثر من أجورهم من فضله والفضل هو ما يعطى زيادة على الأجر، أي: الثواب. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿غَفُورٌ﴾: صيغة مبالغة لفعل غفر كثير الغفر، والغفر من الستر وهو العفو عن الذّنب وترك العقوبة والإثابة على الحسنات. ﴿شَكُورٌ﴾: صيغة مبالغة على وزن فعول من فعل شكر الثلاثي؛ كثير الثواب يثيب العبد على القليل من الطّاعة أو النّفقة الثّواب الكبير، أيْ: يجازيهم أوفى الجزاء والعطاء، أيْ: يثيب عباده الصالحين نعيماً في الآخرة غير محدود. ورد اسم الله الشّكور في أربع آيات في القرآن في سورة فاطر آية (٣٠ - ٣٤)، وفي سورة الشّورى آية (٢٣)، وفي سورة التّغابن آية (١٧).

стр. 4260

سورة فاطر [٣٥: ٣١] ﴿وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾: ﴿وَالَّذِى أَوْحَيْنَا﴾: من الوحي في اللغة الإعلام بالخفاء والإسرار (الكلّام الخفي). والوحي شرعاً هو ما يُلقي الله تعالى إلى رسله وأنبيائه من آيات وتكاليف وتعاليم. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣) لمزيد من البيان في معنى الوحي. ﴿إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: إليك تقديمها يفيد الحصر، من استغراقية، الكتاب: القرآن أو اللوح المحفوظ أو الآيات. ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾: هو ضمير فصل يفيد التّوكيد، الحق: الأمر الثّابت الّذي لا يتغير ولا يتبدل وليس هناك غيره. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: شاهداً بصحة التّوراة والإنجيل ومقراً لما فيها من التعاليم والتكاليف إذا لم يصبها تحريف أو تغيير. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد. ﴿بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾: الباء: للإلصاق والمصاحبة؛ لخبير: اللام: للتوكيد؛ خبير: عليم ببواطن الأمور، والأمور المتناهية في الصفر، وبصير عليم بالمشاهدات أو المبصرات؛ أيْ: بظواهر الأمور المبصرة أو الظاهرة؛ أيْ:

стр. 4261

أنّ الله محيط بأحوال عباده يعلم بواطن أمورهم وظواهرها، فيشرع لهم من الأحكام الّتي تناسب أحوالهم في كلّ زمان ومكان فينزل الوحي على رسله بما اقتضت حكمته، وتقديم الخبير على البصير؛ لأن الخبير أعم وأشمل؛ أي: الخبير هو أيضاً بصير، وإضافة اللام للخبير للإشارة إلى أهمية الأعمال الباطنة مقارنة بالأعمال الظاهرة، وفي سورة الشورى الآية (٢٧)، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ بدون اللام المؤكدة في خبير؛ لأن الآية في سياق الرزق فقط. سورة فاطر [٣٥: ٣٢] ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: تفيد التّرتيب والتّراخي في الزّمن. ﴿أَوْرَثْنَا﴾: التوريث عطاء لمن يستحق من غير كدٍّ أو تعب، شبه إعطاء الكتاب (القرآن) بتوريث الوارث، أورثنا: بصيغة الجمع: للتعظيم؛ أي: عظم المورث وعظم الموروث، فالمورِّث هو الله سبحانه، الورثة: الّذين اصطفينا، والموروث هو القرآن الكريم. وقدم الكتاب (القرآن) على الذين اصطفينا للأهمية، ولأن سياق الآيات على الكتاب مقارنة بقوله تعالى في سورة غافر آية (٥٣) ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ الْكِتَابَ﴾ فقد قدم بني إسرائيل؛ لأن السياق في بني إسرائيل؛ أي: موسى وهارون ومن حملوا الرسالة إلى بني إسرائيل. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾: أي: اختيروا من عبادنا من أفراد أمة محمد ﷺ ، وأمة محمد اختيرت من بين الأمم فهذا يُعد اصطفاء من أهل الإيمان والتّوحيد، ومن قال: لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله فهو يعتبر مصطفى.

стр. 4262

عبادنا: إضافة عباده إليه تشريف لهم وتكريم وقدَّم الكتاب (القرآن) وهو الأهم على حملة الكتاب (الّذين اصطفينا). ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾: اختلف المفسرون في تعريف الظّالم لنفسه والمقتصد، فمنهم: الفاء للتفصيل. الظّالم لنفسه: الظّالم لنفسه بالتّقصير في حق الكتاب (القرآن)، وقيل: الظالم لنفسه: من رجحت سيئاته على حسناته أو المسيء الظالم لنفسه. ﴿وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾: تكرار منهم للتوكيد، المقتصد: الّذي يقرأ القرآن ويحفظ شيئاً منه، وقيل: هو من استوت حسناته وسيئاته أو من اعترف بذنبه وخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وقيل: هم بين الخوف والرجاء. ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾: سابق نكرة هناك درجات مختلفة في السّبق الحافظ والمتدبر والعامل به والّذي يُعلمه، وهناك الحافظ للقرآن فقط والحافظ للقرآن والذي يتدبَّره أو الحافظ والعامل به، أو الحافظ والّذي يعلمه للآخرين، وهناك من يقوم بكلّ تلك الأعمال، وقيل: هو الّذي رجحت حسناته على سيئاته أو المخلص المجتهد. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بإرادة الله وبتوفيقه، وبإذن الله: في القرآن تأتي غالباً في سياق العمل الذي ليس لنا تدخل أو يد فيه؛ أي: هو بتدبير خارج عن إرادة العبد. ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾: ذلك: ذا اسم إشارة واللام للبعد ويشير إلى السّبق بالخيرات أو يعود على توريث الكتاب أو توفيقه للسبق. هو: للتوكيد.

стр. 4263

﴿الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾: جنات عدن يدخلونها يحلَّون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير، وهذا الترتيب: تقديم الظالم، ثمّ المقتصد، ثمّ السابق: ترتيب من الأدنى إلى الأعلى أجراً أو حسب المقام أو ترتيب من الأكثر عدداً إلى الأقل عدداً فالظّالمون كثرة والسابقون قلَّة. وقيل: الكلّ في الجنة في نهاية الأمر. سورة فاطر [٣٥: ٣٣] ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: جمع جَنَّة، وليست جَنَّة واحدة للذين اصطفينا من عبادنا. عدن: يعني: إقامة دائمة لا تنتهي، عدن الإنسان في المقام، أيْ: أقام فيه واستقر ولم يتركه أو يسافر. ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾: تقديم جنات على يدخلونها: للإخبار مباشرة إلى أين ذاهب حتى يطمئن قلبه، ويؤكد له الوصول إلى جنات عدن، وإعادة ذكرها بهاء الضمير يدخلونها تفيد أيضاً التوكيد. ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾: يلبسون فيها، من الحلية والتّحلية في الآخرة تكون من الذّهب والفضة، ومن الحرير، ويحلون: تدل على التّجدُّد والتّكرار في المستقبل، أي: عندما يدخلونها بينما قوله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١] الآية جاءت في سياق كونهم في الجنة تدل على مرَّة أو القلَّة.

стр. 4264

﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾: من ليست للتبعيض هنا، وإنما لبيان الجنس، والأفضل والكثرة. ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾: أي: نوع الحلية. أساور: جمع كثرة، بينما أسورة جمع قلة. كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٥٣]. ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ اللؤلؤ: حلية من البحر، وهذا يدل على الأجر والثّواب أعلى وأعظم من قوله: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١]. ارجع إلى سورة الرحمن الآية (٢٢) لمزيد من البيان. ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾: بنوعية السّندس والإستبرق، وذكر لونها فقال تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]. سورة فاطر [٣٥: ٣٤] ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾: ﴿وَقَالُوا﴾: تعود على الّذين اصطفينا من عباده والذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصّلاة. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾: وقبل ذلك قالوا: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزّمر: ٧٤] عندما دخلوا الجنة. وقالوا كذلك: الحمد لله ﴿الَّذِى هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ﴾ [الأعراف: ٤٣] والآن يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. وهل في الجنة حمد وتسبيح وسلام نعم، وليس تكليفاً، وإنما من وسائل

стр. 4265

متاعهم في الجنة كما يتمتعون بنعيمها والخلود فيها يتمتعون بذكر الله العظيم وحمده على كلّ هذه النّعم والرّضوان. والحمد لله: على إحسانه وفضله وكرمه. الّذي: اسم إشارة يفيد التّعظيم. أذهب عنا الحزن: أزال وكشف عنا الحَزَنَ بكلّ أنواعه وأسبابه. الحَزَنَ: الألم النّفسي النّاتج عن ضيق في الصّدر فإذا كان دائماً لا ينتهي حتّى يموت الإنسان سُمِّي الحَزَن بفتح الحاء، أمّا إذا كان مؤقتاً (في الدّنيا) ومحدَّداً بزمن وينتهي، سُمِّي الحُزن بضم الحاء، وسماه الحَزَن؛ لأنّه استمر حتّى دخلوا الجنة سواء كان في الدّنيا أو في مقام أرض المحشر، فقد طال، وقد يعني أذهب عنا الخوف والحزن النّاتج عن ارتكاب الذّنوب والتّقصير في العمل للآخرة. ﴿إِنَّ رَبَّنَا﴾: إنّ للتوكيد، ربنا: لأنّ السّياق ليس في ذكر النّعم قالوا: ربنا. ﴿لَغَفُورٌ﴾: اللام للتوكيد، غفور صيغة مبالغة من غفر، أيْ: ستر ذنوبنا ولم يفضحنا أمام الخلائق، وستر لنا تقصيرنا في العبادة والطّاعة. ﴿شَكُورٌ﴾: لأنّه يثيبنا على طاعتنا ويضاعف لنا حسناتنا ويدخلنا بفضله وإحسانه الجنة، ويعني: الثّواب الجزيل على العمل القليل، وشكور صيغة مبالغة، أيْ: كثير الشّكر، كثير الثّواب والإحسان والفضل. ارجع إلى الآية (٣٠) من نفس السّورة. سورة فاطر [٣٥: ٣٥] ﴿الَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾: ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم ويعود على الله تعالى.

стр. 4266

﴿أَحَلَّنَا﴾: أنزلنا من النُّزل: المكان المعد والمهيأ لإكرام الضّيف. ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾: الجنة وسميت دار المقامة الدّائمة، (المقامة مصدر من أقام والتّاء زائدة للمبالغة). أمّا الدّنيا: فدار إقامة مؤقتة وممر إلى الآخرة. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: أيْ: دخول الجنة، ليس بسبب أعمالنا في الدّنيا وإنما من فضله وكرمه وإحسانه ورحمته. ﴿لَا يَمَسُّنَا﴾: لا النّافية، يمسنا: والمس وهو أخف أو أدنى اللمس. ﴿فِيهَا﴾: في الجنة جنات عدن. ﴿نَصَبٌ﴾: التّعب البدني. ﴿وَلَا يَمَسُّنَا﴾: تكرار لا يسمنا لزيادة التّوكيد في عدم مسهم اللغوب وفصل النّصب عن اللغوب أو كلاهما معاً. ﴿فِيهَا لُغُوبٌ﴾: قيل: هو الإعياء أو الفتور النّاتج عن التّعب البدني النّاتج عن كثرة الحركة والعمل بالأيدي أو الأرجل، وقيل: هو التّعب النّفسي. وعادة يحدث النّصب أولاً، ثمّ اللغوب ثانياً. أيْ: لا يمسنا لا لغوب ولا نصب ولا كلاهما؛ لأنّ ليس في الجنة حاجة لكسب الرّزق والسّعي ورائه والجد والكد والتّعب.

стр. 4267

سورة فاطر [٣٥: ٣٦] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾: بعد ذكر الّذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصّلاة وذكر الّذين اصطفينا وما هو جزاؤهم يذكر بالمقابل الّذين كفروا وجزاؤهم. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الّذين يحمل معنى الذّم كفروا بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر. ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾: اللام في لهم للاختصاص والاستحقاق، نار جهنم: جهنم. ارجع إلى سورة الرّعد آية (١٨). ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ﴾: لا النّافية، يقضى عليهم: يُحكم عليهم أو تعني القضاء بمعنى الانتهاء (قضى: انتهى). ﴿فَيَمُوتُوا﴾: أيْ: موت ثانٍ بعد الموت الأول الّذي تلى الحياة الدّنيا، فيموتوا: فيتوقف عذابهم في جهنم، فالموت لهم آنذاك يُعد راحة. ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم﴾: ولا: لا تكرارها يفيد توكيد النّفي بالموت أو التّخفيف. ﴿مِّنْ عَذَابِهَا﴾: من ابتدائية، عذابها: عذاب نار جهنم، وقد ذكر أنّ هناك أكثر من (٦٤) نوعاً من العذاب وردت في القرآن والأحاديث الشّريفة، وبهذا يخبر الله سبحانه أنّ عذابها دائم ومستمر بلا فتور ولا انقطاع. وهذا التّمني ورد بشكل آخر، وهو النّداء على مالك (خازن النّار)، ونادوا: يا مالك ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزّخرف: ٦٧].

стр. 4268

﴿كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾: كذلك، أيْ: مثل ذلك الجزاء يُجزى كلّ كفور، وجاءت كلُّ بالنّصب وليس بالرّفع ليشمل كلّ كفور، ولو جاءت كلّ بالرّفع لكان يعني ذلك بعض الكافرين، وليس الكلّ وكفور صيغة مبالغة من كفر، أيْ: كثير الكفر أو دائم الكفر لا يتوب ولا ينوب إلى ربه ويمت وهو كافر. ارجع إلى سورة البقرة آية (٦) لبيان معنى الكفر. سورة فاطر [٣٥: ٣٧] ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾: ﴿وَهُمْ﴾: تفيد التّوكيد وتعود على الّذين كفروا. ﴿يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾: أيْ: يصرخون بشدة وبجهد أشد الصّراخ المألوف، يصرخون مستغيثين طالبين الغوث من شدة العذاب، فيها: تعود على نار جهنم، ظرفية زمانية. ﴿رَبَّنَا﴾: يدعون ربنا: ولم يقولوا: يا ربنا (ياء النّداء للبعد) لأنّهم أدركوا الحقيقة بأنّه سميع قريب. ﴿أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾: أخرجنا من النّار وردنا إلى الدّنيا لكي نعمل صالحاً من الفرائض والنّوافل وكل ما أمرتنا. ﴿غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾: من الشّرك والكفر والمعاصي وغيرها من الأعمال السّيئة، واستعمل الّذي: اسم موصول يدل على شيء محدد بعكس (ما)، ولم يقل غير ما كنا نعمل؛ لأنّه يشير إلى الكفر والشّرك.

стр. 4269

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾: كان هذا رد ربهم على سؤالهم السّابق. أولم: الهمزة للاستفهام والتّوبيخ والتّقريع، الواو لشدة الإنكار والتّوبيخ. نعمركم: ألم نُمد في أعماركم بما يكفي للتذكر والاعتبار. ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾: أي: الرّسول ينذركم، والإنذار هو الإعلام والتّحذير يحذركم من عاقبة غيكم وضلالكم، النّذير: بأل التّعريف، أيْ: رسول الله ﷺ أو الرّسل والأنبياء الآخرين فأعرضتم وأصررتم على شرككم ومعاصيكم. ﴿فَذُوقُوا﴾: أي: العذاب والفاء للتعقيب والتّرتيب، ذوقوا العذاب. ارجع إلى الآية (١٤) من سورة السّجدة للبيان. ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾: فما الفاء للتوكيد، ما النّافية، من استغراقية، للظالمين: للمشركين أو الظّالمين لأنفسهم بالكفر وبالمعاصي والذّنوب. نصير: مقارنة بالقول من ناصر، جمع ناصر: ناصرين وجمع نصير أنصار، فهذه الآية تنفي النصرة عن الظالمين؛ أي: ليس لهم يوم القيامة من يدافع عنهم وينصرهم أو يدفع عنهم العذاب أو يخففه. سورة فاطر [٣٥: ٣٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد. ﴿عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: عالم تدل على أنّ علمه صفة ثابتة لذاته بينما إنّ الله يعلم غيب السّموات والأرض، يعلم يدل على أنّ علمه يتجدَّد ويتكرَّر، أيْ: مستمر، فهو سبحانه عالم ويعلم.

стр. 4270

غيب هو كلّ ما غاب: الغيب ما غاب في السّموات والأرض عن عيون البشر وحواسهم والغيب مصدر غاب يغيب إذا لم يظهر لعيون البشر وحواسهم، وكل ما أُخبر به الرّسول ﷺ عن طريق الوحي مثل الجنة والنّار والصّراط والميزان وأشراط السّاعة، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٧٨) في سورة التوبة، وهي قوله تعالى: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ علام: صيغة مبالغة من فعل علم على وزن فعال، والتدرج يكون من عالم، عليم، علام، فهو علام الغيوب؛ لأنه سبحانه خالقها فلا يعلمها إلا هو، وهو كذلك عالم الغيب والشهادة. ارجع إلى سورة التوبة الآية (١٠٥) لمزيد من البيان. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة آل عمران للبيان. فالله سبحانه يعلم كلّ ما غاب في السّموات والأرض عن أعين النّاس ويعلم ما في ذوات الصّدور من المعتقدات والأحاسيس والخواطر الّتي تعيش في قلب الإنسان أو الملازمة لصدره ويعلم سبحانه لو ردهم إلى الدّنيا مرة أخرى لعادوا لما نهوا عنه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].

стр. 4271

سورة فاطر [٣٥: ٣٩] ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِى الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾: ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يعود على الله عالم غيب السّموات والأرض. ﴿الَّذِى﴾: يفيد التّعظيم. ﴿جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِى الْأَرْضِ﴾: خلائف: جمع خليفة، وقيل خلائف جمع خلف، وكذلك: خلفاء: جمع خليفة أو خليف، والخليفة أصله خليف (بغير هاء)؛ لأنّه بمعنى الفاعل دخلته الهاء خليفة للمبالغة ليكون وصفاً لرجل بذاته. وتعريف الخليفة: كلٌّ يخلفُ الآخر بالزّمان والمكان. وخلائف في الأرض: مطلقة تشمل كلّ البشر كلّ فرد يخلف الآخر أو خلائف قد تعني الأمم في الأرض. ارجع إلى سورة الأنعام آية (١٦٥) للبيان ومعرفة الفرق بين خلائف في الأرض، وخلفاء الأرض. ثم بيَّن عاقبة من يكفر بالنّعمة ويسترها أو يكفر بالمنعم ولا يؤدِّي حق الله تعالى. ﴿فَمَنْ كَفَرَ﴾: الفاء استئنافية، من شرطية، كفر بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر. ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾: أيْ: عاقبة أو وبال أو جزاء كفره راجعٌ عليه وحده.

стр. 4272

﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾: أيْ: من استمر على كفره وازداد في كفره، استحق مقت الله والمقت هو أشد البغض والكراهية. ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾: وتكرار ولا يزيد الكافرين لتدل على التّوكيد. إلا: أداة حصراً وقصراً. خساراً: هلاك في الدنيا والآخرة بالإضافة إلى المقت في الدّنيا والآخرة إلا إذا تابوا وأنابوا إلى ربهم. سورة فاطر [٣٥: ٤٠] ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِّنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾: بعد بيان جزاء المؤمنين والكافرين، وذكر أنّ الظّالمين (المشركين ما لهم من نصير) وهدَّد الكافرين بالمقت والخسارة يبين للمشركين أن ما يدعون من دون الله لن ينفعهم إلا غروراً والله سبحانه الإله الحق خالق السّموات والأرض وحده من غير شريك. ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ : أرأيتم: الهمزة همزة استفهام إنكاري والرّؤية رؤية قلبية فكرية، أيْ: أخبروني بعلم عن حال شركائكم. ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أيْ: تعبدون من غير الله من الأصنام والآلهة وكونوا أنتم أنفسكم حكماً في هذه المسألة. ﴿أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾: الهمزة في أروني استفهام إنكاري وتقرير، أيْ: أروني كيف استحقوا أن يكونوا شركاء. ماذا: استفهام إنكاري وتقرير أقوى من الاستفهام (بما) فقط.

стр. 4273

خلقوا من الأرض: من استغراقية، أيْ: ما هو الشّيء الّذي خلقوه من الأرض. ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السَّمَاوَاتِ﴾: أم للإضراب الانتقالي، والهمزة همزة للاستفهام التّقريري والإنكار والتّوبيخ. لهم: اللام لام الملكية والاختصاص، شرك في السّموات، أيْ: شراكة حقيقية، أيْ: يملكون جزءاً منها. ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا﴾: أم للإضراب الانتقالي نفس السّابقة. آتيناهم كتاباً: يُبيح لهم الشّرك أو يكون حُجة لهم أن يشركوا أو هم شركاء في السّموات. ﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِّنْهُ﴾: أيْ: لهم مع الله شراكة ذكرها في إحدى كتبه، أو في بينة (بيان). ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾: بل للإضراب الانتقالي. إن يعد: إن نافية، أقوى نفياً من ما، وتعني وما يعد الظالمون بعضهم بعضاً إلا غروراً. الظّالمين: المشركين والعاصين والكافرين. بعضهم بعضاً إلا: أداة حصر. غروراً: خداع وباطل. ارجع إلى الآية (٥) من نفس السّورة للبيان. أيْ: ما يعد الظّالمون بعضهم بعضاً من شفاعة الآلهة أو أنّهم يقربونهم عند الله زلفى أو نصرتهم إلا باطلاً أو غروراً: الغرور هو إيهام أو تصور خاطئ يحمل الإنسان أو يجره إلى فعل شيئاً هو غافل عنه والإيهام أو التّصور الخاطئ هنا أنّ الأصنام تشفع لهم أو تقربهم عند الله زلفى، أو تنفعهم أو تضرهم.

стр. 4274

سورة فاطر [٣٥: ٤١] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾: هذه الآية تتمة للآية السّابقة إذا كان هناك شركاء وهم لا يشاركون في خلق السّموات والأرض، ولم يخلقوا شيئاً نطلب منهم أقل من ذلك، فهل يستطيعون أن يمسكوا السّموات والأرض أن تزولا؟ وهذا نوع من التحدي للمشركين وللآلهة التي يعبدونها. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد. ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾: يمسك، أيْ: يمنع السّموات والأرض من الزّوال أو الاضطراب، وذلك بالمحافظة على القوى الأربع القوة النّووية الشّديدة والضّعيفة والقوة الكهربائية والمغناطيسية وقوة الجاذبية وغيرها، يبقيها ثابتة متوازنة. أن: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾: الواو عاطفة، لئن: اللام للتوكيد، إن شرطية تفيد الاحتمال أو الافتراض. ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾: إن نافية بمعنى ما، أمسكهما في مدارهما من أحد: من لتوكيد النّفي، من بعده، أي: الله سبحانه. ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾: إنّه للتوكيد، كان تشمل كلّ الأزمنة كان وما زال وسيظل حليماً غفوراً. حليماً: لا يعجل العقوبة لعباده العصاة، وإنما يؤخِّرها لعلهم يتوبون ويرجعون إلى ربهم وحليماً؛ لأنّه كان وسيظل يمسك السّموات والأرض من الزّوال والاهتزاز.

стр. 4275

﴿غَفُورًا﴾: صيغة مبالغة، كثير الغفر لمن تاب وأناب إلى ربه يمحو الذّنوب ويثيب على الأعمال الصّالحة. يغفر الذّنوب مهما عظمت أو كثرت. سورة فاطر [٣٥: ٤٢] ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾: أيْ: كفار مكة. قبل مجيء الرّسول ﷺ أو بعثته ﷺ . والقسم يختلف عن الحلف، القسم في القرآن: يأتي في سياق الّذي يقسم وهو صادق النّية أو يظن أن قسمه حق وهو على غير حق أو هو مخطئ، أمّا الحلف فيأتي في سياق النّية غير الصادقة أو الحلف بالباطل. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: أقسموا بالله بأغلظ الأيمان، أيْ: أكدوا القسم وشدَّدوا عليها بأقصى وسعهم، الجهد: الوُسْع، أيْ: أغلظ الأيمان. ﴿لَئِنْ﴾: اللام للتوكيد، إن شرطية تفيد الاحتمال أو الافتراض. ﴿جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾: رسول أو نبي منذر، والإنذار هو الإعلام مع التّحذير. ﴿لَيَكُونُنَّ﴾: اللام للتوكيد، والنّون (نون التوكيد الثقيلة: وهي عبارة عن نونين) لزيادة التوكيد على القسم. ﴿أَهْدَى﴾: على وزن أفعل، أيْ: أكثر هداية. ﴿مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾: تعني: أهدى من أيِّ أمة سابقة، أهدى من إحدى الأمم المفضلة مثل اليهود، أهدى من اليهود والنّصارى. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾: الفاء جواب للشرط، لما: ظرفية بمعنى حين. جاءهم نذير: هو رسول الله ﷺ محمّد منذر لهم ولغيرهم. ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾: ما النّافية، زادهم مجيء رسول الله ﷺ ، إلا أداة
следующие страницы →