← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

سورة فاطر [٣٥: ٣٩] ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِى الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾: ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يعود على الله عالم غيب السّموات والأرض. ﴿الَّذِى﴾: يفيد التّعظيم. ﴿جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِى الْأَرْضِ﴾: خلائف: جمع خليفة، وقيل خلائف جمع خلف، وكذلك: خلفاء: جمع خليفة أو خليف، والخليفة أصله خليف (بغير هاء)؛ لأنّه بمعنى الفاعل دخلته الهاء خليفة للمبالغة ليكون وصفاً لرجل بذاته. وتعريف الخليفة: كلٌّ يخلفُ الآخر بالزّمان والمكان. وخلائف في الأرض: مطلقة تشمل كلّ البشر كلّ فرد يخلف الآخر أو خلائف قد تعني الأمم في الأرض. ارجع إلى سورة الأنعام آية (١٦٥) للبيان ومعرفة الفرق بين خلائف في الأرض، وخلفاء الأرض. ثم بيَّن عاقبة من يكفر بالنّعمة ويسترها أو يكفر بالمنعم ولا يؤدِّي حق الله تعالى. ﴿فَمَنْ كَفَرَ﴾: الفاء استئنافية، من شرطية، كفر بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر. ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾: أيْ: عاقبة أو وبال أو جزاء كفره راجعٌ عليه وحده.

стр. 4272

﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾: أيْ: من استمر على كفره وازداد في كفره، استحق مقت الله والمقت هو أشد البغض والكراهية. ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾: وتكرار ولا يزيد الكافرين لتدل على التّوكيد. إلا: أداة حصراً وقصراً. خساراً: هلاك في الدنيا والآخرة بالإضافة إلى المقت في الدّنيا والآخرة إلا إذا تابوا وأنابوا إلى ربهم. سورة فاطر [٣٥: ٤٠] ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِّنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾: بعد بيان جزاء المؤمنين والكافرين، وذكر أنّ الظّالمين (المشركين ما لهم من نصير) وهدَّد الكافرين بالمقت والخسارة يبين للمشركين أن ما يدعون من دون الله لن ينفعهم إلا غروراً والله سبحانه الإله الحق خالق السّموات والأرض وحده من غير شريك. ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ : أرأيتم: الهمزة همزة استفهام إنكاري والرّؤية رؤية قلبية فكرية، أيْ: أخبروني بعلم عن حال شركائكم. ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أيْ: تعبدون من غير الله من الأصنام والآلهة وكونوا أنتم أنفسكم حكماً في هذه المسألة. ﴿أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾: الهمزة في أروني استفهام إنكاري وتقرير، أيْ: أروني كيف استحقوا أن يكونوا شركاء. ماذا: استفهام إنكاري وتقرير أقوى من الاستفهام (بما) فقط.

стр. 4273

خلقوا من الأرض: من استغراقية، أيْ: ما هو الشّيء الّذي خلقوه من الأرض. ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السَّمَاوَاتِ﴾: أم للإضراب الانتقالي، والهمزة همزة للاستفهام التّقريري والإنكار والتّوبيخ. لهم: اللام لام الملكية والاختصاص، شرك في السّموات، أيْ: شراكة حقيقية، أيْ: يملكون جزءاً منها. ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا﴾: أم للإضراب الانتقالي نفس السّابقة. آتيناهم كتاباً: يُبيح لهم الشّرك أو يكون حُجة لهم أن يشركوا أو هم شركاء في السّموات. ﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِّنْهُ﴾: أيْ: لهم مع الله شراكة ذكرها في إحدى كتبه، أو في بينة (بيان). ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾: بل للإضراب الانتقالي. إن يعد: إن نافية، أقوى نفياً من ما، وتعني وما يعد الظالمون بعضهم بعضاً إلا غروراً. الظّالمين: المشركين والعاصين والكافرين. بعضهم بعضاً إلا: أداة حصر. غروراً: خداع وباطل. ارجع إلى الآية (٥) من نفس السّورة للبيان. أيْ: ما يعد الظّالمون بعضهم بعضاً من شفاعة الآلهة أو أنّهم يقربونهم عند الله زلفى أو نصرتهم إلا باطلاً أو غروراً: الغرور هو إيهام أو تصور خاطئ يحمل الإنسان أو يجره إلى فعل شيئاً هو غافل عنه والإيهام أو التّصور الخاطئ هنا أنّ الأصنام تشفع لهم أو تقربهم عند الله زلفى، أو تنفعهم أو تضرهم.

стр. 4274

سورة فاطر [٣٥: ٤١] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾: هذه الآية تتمة للآية السّابقة إذا كان هناك شركاء وهم لا يشاركون في خلق السّموات والأرض، ولم يخلقوا شيئاً نطلب منهم أقل من ذلك، فهل يستطيعون أن يمسكوا السّموات والأرض أن تزولا؟ وهذا نوع من التحدي للمشركين وللآلهة التي يعبدونها. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد. ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾: يمسك، أيْ: يمنع السّموات والأرض من الزّوال أو الاضطراب، وذلك بالمحافظة على القوى الأربع القوة النّووية الشّديدة والضّعيفة والقوة الكهربائية والمغناطيسية وقوة الجاذبية وغيرها، يبقيها ثابتة متوازنة. أن: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾: الواو عاطفة، لئن: اللام للتوكيد، إن شرطية تفيد الاحتمال أو الافتراض. ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾: إن نافية بمعنى ما، أمسكهما في مدارهما من أحد: من لتوكيد النّفي، من بعده، أي: الله سبحانه. ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾: إنّه للتوكيد، كان تشمل كلّ الأزمنة كان وما زال وسيظل حليماً غفوراً. حليماً: لا يعجل العقوبة لعباده العصاة، وإنما يؤخِّرها لعلهم يتوبون ويرجعون إلى ربهم وحليماً؛ لأنّه كان وسيظل يمسك السّموات والأرض من الزّوال والاهتزاز.

стр. 4275

﴿غَفُورًا﴾: صيغة مبالغة، كثير الغفر لمن تاب وأناب إلى ربه يمحو الذّنوب ويثيب على الأعمال الصّالحة. يغفر الذّنوب مهما عظمت أو كثرت. سورة فاطر [٣٥: ٤٢] ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾: أيْ: كفار مكة. قبل مجيء الرّسول ﷺ أو بعثته ﷺ . والقسم يختلف عن الحلف، القسم في القرآن: يأتي في سياق الّذي يقسم وهو صادق النّية أو يظن أن قسمه حق وهو على غير حق أو هو مخطئ، أمّا الحلف فيأتي في سياق النّية غير الصادقة أو الحلف بالباطل. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: أقسموا بالله بأغلظ الأيمان، أيْ: أكدوا القسم وشدَّدوا عليها بأقصى وسعهم، الجهد: الوُسْع، أيْ: أغلظ الأيمان. ﴿لَئِنْ﴾: اللام للتوكيد، إن شرطية تفيد الاحتمال أو الافتراض. ﴿جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾: رسول أو نبي منذر، والإنذار هو الإعلام مع التّحذير. ﴿لَيَكُونُنَّ﴾: اللام للتوكيد، والنّون (نون التوكيد الثقيلة: وهي عبارة عن نونين) لزيادة التوكيد على القسم. ﴿أَهْدَى﴾: على وزن أفعل، أيْ: أكثر هداية. ﴿مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾: تعني: أهدى من أيِّ أمة سابقة، أهدى من إحدى الأمم المفضلة مثل اليهود، أهدى من اليهود والنّصارى. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾: الفاء جواب للشرط، لما: ظرفية بمعنى حين. جاءهم نذير: هو رسول الله ﷺ محمّد منذر لهم ولغيرهم. ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾: ما النّافية، زادهم مجيء رسول الله ﷺ ، إلا أداة

стр. 4276

حصر، نفوراً: زيادة في الضّلال والبغي والبعد عن الحق ونفر عن الشّيء: تجافى عنه وابتعد، أيْ: جافوا وابتعدوا عن رسول الله ﷺ . سورة فاطر [٣٥: ٤٣] ﴿اسْتِكْبَارًا فِى الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾: فلما جاءهم نذير كما تمنَّوا وهو رسول الله ﷺ ما زادهم إلا نفوراً (بُعداً عن الدِّين والحقِّ). ﴿اسْتِكْبَارًا فِى الْأَرْضِ﴾: ازدادوا نفوراً بسبب استكبارهم ولم يقبلوه ورفضوا اتباعه والتّصديق به. والألف والسين والتّاء في استكباراً تفيد الطلب أو تظاهروا بالكبر وعظم شأنهم فوق ما يستحقون. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزّخرف: ٣١]. ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]. ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾: هذا هو السّبب الثّاني، الأول: كان الاستكبار في الأرض، والمكر: هو التّدبير الخفي لإيقاع الضّرر بالغير من غير أن يعلم الممكور به. وهنا يعني إيقاع الأذى برسول الله ﷺ ومن آمن معه ليردُّوهم عن دينهم والتّآمر عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. ومكر السيِّئ: يدل على تكرار المكر السّيِّئ (أيْ: ماكرين) جملة اسمية تدل على الثّبوت. ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾: يحيق: يحيط إلا بهم أو تنزل عاقبة المكر السّيِّئ عليهم، كما بيَّن ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ [يونس: ٢٣]. لا: النّافية، يحيق: من حاق، أيْ: أحاط، إلا: أداة حصر، بأهله: بمن يقومون به.

стр. 4277

﴿فَهَلْ﴾: الفاء للتوكيد، هل للاستفهام، وتحمل معنى النّفي. ﴿يَنْظُرُونَ﴾: النّون للتوكيد، بدلاً من فهل ينظروا: وينظرون نظرة فكرية قلبية (تبصرية من البصيرة). ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾: السّنة في اللغة: الطّريقة المعتادة المحافظ عليها، أيْ: يتكرر الفعل بموجبها، فهناك السّنن الكونية وسنن الله في خلقه وسنن الأنبياء والصّالحين والسّنن غايتها لتحقيق مصالح النّاس، كما أرادها الله له، ولكي يسود الحق والثّبات في الكون. سنت الأولين: وهي إهلاك وتدمير وإنزال العذاب على الّذين كذبوا برسلهم من الأمم السّابقة بعد إنذارهم وإمهالهم وإصرارهم على الضّلال والغي والكفر والفسوق. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٣٧) وسورة النّساء آية (٢٦) لمزيد من البيان. ﴿فَلَنْ﴾: الفاء للتوكيد، لن: حرف نفي لنفي الحاضر والمستقبل القريب والبعيد. ﴿تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾: تبديل السّنة (أي: العقوبة أو العذاب) بغيرها أو بعذاب آخر، أو يبدل الهلاك بالعفو والمغفرة. والإبدال جعل الشّيء مكان الشّيء؛ أي: تغيُّر العقوبة بعقوبة أخرى. ولن تجد لسنت الله تحويلاً: تكرار لن تجد تفيد التّوكيد وفصل كلاً من التّبديل والتّحويل أو كلاهما معاً. والتّحويل غير التبديل؛ فالتحويل: هو أن يحول العذاب من قوم إلى

стр. 4278

قوم آخرين؛ أي: يحول العذاب من الظالمين إلى غيرهم أو المكذبين إلى غير المكذبين، فسنن الله تعالى لا تُبدَّل ولا تُغيَّر ولا تتحوَّل. سورة فاطر [٣٥: ٤٤] ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَىْءٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾: ﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتّعجب، الواو في أولم تشير إلى جملة أخبار مثل فهل ينظرون، أولم يسيروا في الأرض فينظروا. ولم يقل: أفلم: يأتي بالفاء، إذا كان ما قبلها هو سبب لما بعدها فيقول: أفلم يسيروا بدلاً من: أولم يسيروا، وكذلك يأتي بالفاء للأمور الأشد توكيداً أو تهديداً أو توبيخاً، والخبر في أفلم واحد. ﴿يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ﴾: جاء بصيغة المضارع الدّالة على التّجدُّد والتّكرار، أيْ: فيها حثٌّ وحضٌّ على تكرار السّير أو زيارة تلك الأمكنة الّتي شهدت مهلك الّذين كذبوا رسلهم، وكيف دمَّر الله عليهم. قال: في الأرض ولم يقل: على الأرض، في ظرفية؛ لأنّ الطّبقة الغازية المحيطة بالأرض تعود على الأرض فهي غلاف الأرض. ﴿فَيَنظُرُوا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، ينظروا: أيْ: نظرة عينية بصرية، على دمار وإهلاك الظّالمين من قبلهم مثل قوم عاد وثمود ولوط وفرعون. ﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام الإنكاري. ﴿كَانَ عَاقِبَةُ﴾: تذكير العاقبة بالقول كان عاقبة تدل على العذاب (من خصائص القرآن) وتأنيث العاقبة كما لو قال: كانت عاقبة لدلَّت على الجنة أو الحسنى. ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: الّذين اسم موصول من قبلهم: من تدل على الزّمن القريب، أيْ: من أهلك من قبلهم من زمن أو عهد قريب.

стр. 4279

﴿وَكَانُوا﴾: الواو للتوكيد، كانوا في الماضي. ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾: أشد من قريش قوة، أيْ: أكثر عدداً وعُدة. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَىْءٍ﴾: وما الواو استئنافية، ما النّافية. الله ليعجزه: اللام في ليعجزه للتعليل والتّوكيد، ليعجزه: أيْ: لا يفوته أو يسبقه شيء أو يفلتوا من عقابه. من شيء: من استغراقية شيء نكرة تعني: أيَّ شيء مهما كان صغره أو كبره أو حاله، والشّيء: هو أقل القليل، يفلت من عقابه. ﴿فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ﴾: تكرار لا، يفيد التّوكيد، لا في السّموات ولا في الأرض ولا في كلاهما. ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾: إنه للتوكيد، كان يشمل كلّ الأزمنة الماضي الحاضر والمستقبل، كان ولا زال وسيظل سبحانه عليماً قديراً. وما كان الله ليعجزه من شيء في السّموات والأرض؛ لأنّه سبحانه عليم قدير، فهو قد جمع العلم والقدرة. (عليماً) صيغة مبالغة من عالم بحال عباده ومخلوقاته وكونه وما يعملون. لا تخفى عليه خافية، يعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا يعلمه. (قديراً): على الانتقام، والأخذ ولا يعجزه شيءٌ في السّموات ولا في الأرض.

стр. 4280

سورة فاطر [٣٥: ٤٥] ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾: تدل هذه الآية على أنّه سبحانه رحيم بعباده حتّى الكافرين والعاصين لأوامره؛ لأنّه سبحانه هو ربهم وخالقهم، ويعلم سبحانه أنّ عبادهُ ضعفاء أمام شهوات أنفسهم وأهوائهم وأمام شياطينهم. ﴿وَلَوْ﴾: الواو استئنافية أو عاطفة لو شرطية. ﴿يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾: أيْ: يعاقب ويجازي النّاس (الإنس والجن). ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾: الباء للإلصاق باء السّببية أو البدلية. ما: اسم موصول بمعنى الّذي، وهي أشمل وأوسع من كلمة الّذي. كسبوا: أيْ: عملوا وبما أن السّياق في التّجارة والخسارة كقوله: ليوفيهم أجورهم وقوله: ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خساراً. استعمل كلمة كسبوا بدلاً من عملوا: كسبوا ولم يقل: اكتسبوا، كسبوا تستعمل في كسب الخير، بينما اكتسبوا في أفعال الشر أو السيئات، وهذا من خصائص القرآن. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٨٦) لمزيد من البيان. ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾: أيْ: لو يعاقب الله سبحانه النّاس

стр. 4281

جميعاً على ذنوبهم لأهلك أهل الأرض وما ترك على ظهر الأرض من دابة، أيْ: أهلكهم ودوابهم أيضاً لسوء معاصيهم. من دابة: من: استغراقية تستغرق كلّ دابة، وهو ما يدب على الأرض، تشمل الإنس والجن والدّواب وكل شيء يمشي في الأرض. ﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك. ﴿يُؤَخِّرُهُمْ﴾: يمهلهم أو يؤجل عقابهم. ﴿إِلَى﴾: حرف غاية. ﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: هو إما انقضاء أجلهم أو يوم القيامة أو مجيء عذابهم في الدّنيا كما حدث في غزوة بدر. ﴿فَإِذَا﴾: الفاء للترتيب والتعقيب إذا ظرفية زمانية شرطية تفيد الحتمية حتمية الحدوث. ﴿جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾: الأجل هو: هو الوقت المضروب لانقضاء الشّيء وأجل الإنسان هو الوقت المضروب لانقضاء عمره، والأجل إمّا الموت أو يوم القيامة أو العذاب. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء للتوكيد وإن لزيادة التّوكيد. ﴿كَانَ﴾: تشمل كلّ الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل. ﴿بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾: بصيراً من البصر وهو أقوى وسائل العلم والإدراك ويأتي بعد حاسة السمع، وحاسة البصر أقوى من السمع، فالبصر يرى على مسافات شاسعة وما تراه يكون حقاً، أمّا السمع فيكون أقل مسافة وغير متأكد مما تسمع، فالله سبحانه يرى عباده ويرى أعمالهم ولا تخفى عليه خافية.

стр. 4282

وقد يسأل سائل ما ذنب الدّواب المسخرة، أي: المذلَّلة للإنسان؛ لأن هلاك وموت الدّواب الّتي هي مصدر غذاء الإنسان وقوته يعني: سلب الإنسان نعمة كبيرة تخلُّ براحته حين يبحث عنها فلا يجدها متوافرة. ولنقارن هذه الآية (٤٥) من سورة فاطر: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾. مع الآية (٦١) من سورة النّحل: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَئْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. في آية فاطر: بما كسبوا، وفي آية النّحل: بظلمهم. الكسب أعم وأشمل من الظلم، والظلم جزء من الكسب. في آية فاطر: ما ترك على ظهرها، وفي آية النّحل: عليها. على ظهرها يشمل كلّ ظهر الأرض عليها قد يعني: جزءاً من الأرض. في آية فاطر: فإن الله كان بعباده بصيراً، وفي آية النّحل: لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. الإنذار والوعيد أشد في آية فاطر مقارنة بآية النّحل.

стр. 4283

سورة يس [٣٦: ١] سورة يس ترتيبها في القرآن السّورة (٣٦)، وترتيبها في النّزول السّورة (٤٠). سورة يس يتردد فيها ذكر الموت والإحياء والبعث ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الْمَوْتَى﴾، ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾، ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾، ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَّرْقَدِنَا﴾، ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾، ﴿قَالَ مَنْ يُحْىِ الْعِظَامَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾، ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنْشَأَهَا﴾. وفيها تذكير بوحدانية الله وقدرته في تسخير الشمس والقمر، وتسيير الفلك، وتذليل الأنعام وفائدتها، وعدم اتخاذ الأصنام آلهة، وتذكير بيوم القيامة والبعث. ﴿يس﴾. ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة للبيان. ومن معاني يس الأخرى: يا إنسان، رواه عكرمة عن ابن عباس. أو: يا رجل، هذا ما رجحه الطبري. أو: يس اسم للسورة. أو: معناها يشبه معاني الحروف المقطعة في افتتاح السور.

стр. 4284

سورة يس [٣٦: ٢] ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾: الواو: واو القسم (الواو حرف من أحرف القسم وهي: الواو والباء والتاء واللام)، والمقسم به: هو القرآن الحكيم، فالقسم يؤكد على أهمية المقسم به وجواب القسم؛ أي: أقسم الله بالقرآن الحكيم وسبحانه هو غني عن القسم، وجواب القسم: إنك لمن المرسلين. ﴿وَالْقُرْآنِ﴾: مصدر قرأ قراءة، وسمي بالقرآن؛ لأنّه مقروء في السّطور، ومقروء في الصدور، ومقروء من اللوح المحفوظ، ويسمى الكتاب؛ لأنّه مكتوب في السّطور وفي اللوح المحفوظ. والتّعريف بأل للدلالة على الكمال. فالكتابة والقراءة كلاهما ضروري لحفظ القرآن من النسيان والتغير والتبدل؛ لأن الإنسان الحافظ للقرآن عرضة للنسيان، والخطأ أو الغفلة، فلا بد من مرجع آخر وهو الكتاب. ﴿الْحَكِيمِ﴾: صفة مشتقة من: حكم يحكم، أو مشتقة من الحكمة: ١ - من حكم: أي هو القرآن الحاكم؛ أي: المهيمن على غيره من الكتب السّماوية يصدقها أو يكذبها، يعلو على جميع الأحكام. ٢ - والحكيم يعني: محكم: أحكمت آياته فهو محكم: لا تناقض فيه فهو محكم (لا يتناقض بعضه مع بعض، أو آية مع آية، أو حكم مع حكم). ٣ - والحكيم يعني: ذو حكمة: لأنّه منزل من الله الحكيم: أحكم الحكماء وأحكم الحاكمين، حكيم في حروفه وكلماته ومعانيه وترتيله، ومن الحكمة الّتي تكبح جماح الأهواء؛ لكي لا تشرد أو تميل عن الحق؛ لأنّه يميز بين الحق والباطل. ارجع إلى سورة هود آية (١) لمزيد من البيان.

стр. 4285

سورة يس [٣٦: ٣] ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: جواب القسم. بما أن كفار مكة كانوا يشكون في كون الرّسول ﷺ رسولاً من الرّسل، لذلك جاء الرّد من الله على ذلك بالتّوكيد فقال: ﴿إِنَّكَ﴾: إن للتوكيد، والكاف للخطاب. ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: اللام في (لمن) لزيادة التّوكيد، إذن أكد بإن واللام؛ ليناسب مقدار إنكار كفار مكة لنبوة رسول الله ﷺ أو غيرهم. ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾: الأنبياء والرّسل المرسلون من الله تعالى إلى أممهم أو أقوامهم. سورة يس [٣٦: ٤] ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: ﴿عَلَى﴾: تفيد العلو. ﴿صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: الصّراط: السّبيل أو الطّريق الموصل إلى الغاية، الواسع وبأقرب مسافة وأيسرها، مستقيم: أقرب الطّرق وأقصرها لا التواء فيه ولا اعوجاج، وتنكير الصراط؛ للتعظيم. والصّراط المستقيم: هو دين الإسلام، صراط الّذين أنعم الله عليهم من الأنبياء والرّسل والصّديقين والشّهداء والصّالحين. سورة يس [٣٦: ٥] ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾: ﴿تَنْزِيلَ﴾: أي القرآن تنزيل أو مُنزل من العزيز الرحيم ومن جهة العلو.

стр. 4286

﴿الْعَزِيزِ﴾: القوي الّذي لا يُغلب ولا يُقهر، والممتنع الّذي لا يضرهُ أحد ولا يُنال بأذى ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]. وهذا الاسم يدل على الرهبة والخشية. ﴿الرَّحِيمِ﴾: ذو الرحمة مشتقة من الرّحمة، على وزن: فعيل، تدل على ثبوت الرّحمة كصفة لذاته، فرحمته دائمة لا تنقطع رحيم بعباده المؤمنين. واختيار العزيز الرحيم ليجمع بين الترهيب والترغيب؛ العزة والرحمة في آن واحد مما يبعث على الأمل في الأنفس. سورة يس [٣٦: ٦] ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾: ﴿لِتُنْذِرَ﴾: اللام لام التّعليل، تنذر: من الإنذار وهو الإعلام مع التّحذير. ﴿قَوْمًا﴾: أي قريش. ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾: ما: لها ثلاث احتمالات: إما نافية، أو اسم موصول، أو مصدرية؛ إما نافية؛ أي: لم يأتهم (قريش أو أهل مكة وما حولها) نذير أو رسول من قبلك، و (ما): قد تكون اسم موصول بمعنى الّذي، وما: أوسع شمولاً من الذي؛ أي: لتنذر قوماً بالّذي أنذر به آباؤهم؛ أي: (إبراهيم وإسماعيل) أو لتنذر قوماً كما أنذر آباؤهم إبراهيم وإسماعيل ﵉. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٤٤) في سورة سبأ هي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾، وقوله تعالى في الآية (٢٤) في سورة فاطر: ﴿وَإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾: نجد آية سبأ تؤكد ما جاء في آية ياسين، وأما آية فاطر فهي تعني مطلق الأمم من آدم إلى بعثة رسول الله ﷺ فقد أرسل الله سبحانه نذيراً إلى كل أمة، والأمة تعريفها: جماعة من الناس بغض النظر عن العدد أو الحيز الجغرافي. ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾: هم تفيد التّوكيد، غافلون: جمع غافل؛ أي: صفة الغفلة

стр. 4287

ثابتة عندهم غفلتهم دائمة ومستمرة، والغفلة: عبارة عن عدم حضور الشّيء في البال مع بقاء الصّورة أو المعنى في الخيال، غافلون عن التّوحيد والبعث وغافلون عن الشّرائع والأحكام وعاقبة ما هم عليه من الشّرك والمعاصي. ارجع إلى سورة البقرة آية (٧٤) لمزيد من البيان في معنى الغفلة. سورة يس [٣٦: ٧] ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿لَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق؛ أي: حق القول على أكثرهم. ﴿حَقَّ الْقَوْلُ﴾: حق: وجب وثبت، القول: العذاب. وجب وثبت وقوع العذاب عليهم ولكنه لم يقع بعد (سيقع في المستقبل) أي: هم استحقوا وقوع العذاب عليهم بما قدموه أو كسبت أيديهم، ولو قال سبحانه: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم﴾ [النّمل: ٨٥]، أي: وقع العذاب، تم وقوعه وانتهى، وقيل: القول قيام السّاعة، وقيل: هو ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السّجدة: ١٣]، والقول قد يشمل كلّ تلك المعاني معاً. ولا بد من مقارنة هذه الآية مع الآية (٢٥) من سورة فصلت وهي قوله تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: نجد أنه في آية ياسين قدم القول على أكثرهم (الجار والمجرور)، وفي آية فصلت قدم الجار والمجرور عليهم على القول، والتقديم والتأخير يحمل معنى الاهتمام؛ أي: من الأهم، ففي آية ياسين الاهتمام على العذاب (القول) فقدمه، وفي آية فصلت قدم (عليهم)؛ أي: أعداء الله تعالى والخاسرين. ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾: على أكثر أهل مكة وغيرهم وليس عليهم جميعاً دليلاً على أنّ منهم من سيؤمن. وإذا نظرنا في هذه الآية نجد أنه قدم القول على الجار

стр. 4288

والمجرور أكثرهم، ولم يقل لقد حق على أكثرهم القول للأهمية أهمية القول؛ أي: العذاب أو الساعة، أو لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، أو لأن السياق في العذاب. ﴿فَهُمْ﴾: الفاء تعليلية، هم ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: لأنّ الله سبحانه علم من الأزل أنّهم سيصرون ويستمرون على كفرهم ويموتون وهم كفار، فأخبر الله تعالى عنهم فقال: لا يؤمنون. سورة يس [٣٦: ٨] ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُّقْمَحُونَ﴾: في الآية السّابقة قال تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: سيموتون وهم كفار. وفي هذه الآية يصف لنا الله سبحانه ما سيحدث لهم يوم القيامة وفي النّار. ﴿إِنَّا﴾: للتعظيم والتّهويل. ﴿جَعَلْنَا فِى أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾: في أعناق الّذين ماتوا وهم كفار، أغلالاً: جمع غل؛ وهو سلسلة من الحديد تشد به اليد إلى العنق. ﴿فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾: بعد شد الغلّ تحت الذّقن يرتفع الرّأس، وبالتّالي يرتفع النّظر فلا يكاد يرى طريقه أو يهتدي إلى موضع قدميه، ولا يستطيع أن يلتفت يمنة أو يسرى فيمشي على حيرة وتردد. ولم تذكر الأيدي؛ لأنّه مفهوم أن الغل يقيد اليد والعنق. ﴿فَهُمْ مُّقْمَحُونَ﴾: الفاء للتعليل، مقمحون؛ أي: رافعو رؤوسهم لا يستطيعون خفضها من شدة الغل، ورفع الذّقن، مأخوذة من: إبل قماح؛ أي: حين ترفع رأسها عن حوض الماء ولا تشرب.

стр. 4289

وقيل: هذا تنكيل بهم؛ لأنّهم لم يؤمنوا بالله تعالى ولم يصدقوا برسوله ﷺ ، واستكبارهم ورفع رؤوسهم في الدّنيا وعدم السّماع للرسول وآيات الله تعالى والحق. سورة يس [٣٦: ٩] ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾: أي من أمامهم سداً ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: ولم يقل من بعدهم؛ لأن بعدهم قد تعني الزمان والمكان، وخلفهم تعني فقط المكان؛ سداً: السّد: الحاجز أو المانع، واستعمال (من) هنا تفيد القرب أو الالتصاق بالسّد من الأمام فهم يقفون مباشرة وراء السّد الّذي أمامهم فلا يوجد أيّ مسافة فاصلة، لزيادة عذابهم، وكذلك من ورائهم مباشرة سدٌّ آخر لا فاصل بينهم وبينه لا في الأمام ولا في الخلف؛ كي لا يسمح لهم بالحركة وعدم رؤية أي شيء. وإذا سألك سائل ما هو الفرق بين (ومن خلفهم، أو من بعدهم؟) الجواب: هو أن خلفهم: تستعمل في سياق المكان في الأصل، وبعدهم: تستعمل في سياق الزمان على الغالب وبعد نقيضها قبل. وتكرار (سداً) للتوكيد. ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾: الفاء السّببية، أغشيناهم: بالإضافة إلى السّد من بين أيديهم ومن خلفهم سداً، أغشيناهم؛ أي: جعلنا على أبصارهم غشاوة؛ أي: جعلناهم كالعُمي، أو أغشيناهم بالسد الذين بين أيديهم وخلفهم لكونه عالياً أو كلاهما. ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾: فهم الفاء السّببية، هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد، لا يبصرون شيئاً أمامهم ولا خلفهم ولا عن اليمين ولا عن الشمال، وكما قال تعالى: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥]. والسؤال هنا: إذا كانوا لا

стр. 4290

يبصرون فهل يسمعون كما بين ذلك في الآية (١٠٠) من سورة الأنبياء وسواء كان ذلك بسبب السد أو الختم على سمعهم المهم لا يبصرون ولا يسمعون، وفي هذا إنذار ووعيد لهم. وهذا تنكيل بهم ومن أشد أنواع العذاب؛ لأنّهم كانوا لا يرون الحق والهدى من أمامهم، وأعرضوا، وجعلوا بينهم وبين الإيمان بالله سداً، وبما أنّهم ازدادوا كفراً زدناهم غشاوة جزاء بما كانوا يعملون. سورة يس [٣٦: ١٠] ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾: أي استوى عندهم، والاستواء من: السّي وهو المثل كأن بعضه سي بعض؛ أي: مثله، ونقيضه التّفاوت؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (٦) لمقارنة وسواء عليهم، سواء عليهم. وفي هذه الآية قال تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾: أضاف الواو إلى سواء، بينما في سورة البقرة آية (٦) قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ بدون الواو، وذلك لأن آية ياسين آية مستقلة عن الآية التي سبقتها، وهي معطوفة على ما قبلها بالواو، وآية البقرة هي خبر (إن) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾. ﴿ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾: الهمزة همزة التّسوية، والإنذار هو الإعلام المصحوب بالتّحذير والتّخويف. ﴿أَمْ﴾: المتصلة للإضراب الانتقالي، تفيد الاستفهام المصحوب بالإنكار والتّوبيخ. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي يفيد استمرار النّفي؛ يعني: لن يؤمنوا وسيستمرون على عدم الإيمان.

стр. 4291

﴿تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي إنذارك لهم أو عدمه سيان عندهم؛ لأنّهم اختاروا الكفر على الإيمان وأصروا عليه، فطبع على قلوبهم فهم لا يؤمنون. ﴿لَا﴾: النّافية تنفي كلّ الأزمنة. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: لا يصدقون بالله تعالى وبما أنزل ولا برسوله ﷺ ، لا يؤمنون: تدل على التّجدد والاستمرار. ورغم ذلك فإنذارك لهم لإقامة الحجة عليهم، وإنذارك ينتفع منه من اتبع الذّكر وخشي الرّحمن بالغيب. سورة يس [٣٦: ١١] ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾: الذكر: القرآن. ارجع إلى سورة (ص) آية (١) للبيان. ﴿وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾: خشي الرّحمن: الخشية تعني: الخوف المصحوب بالتّعظيم والمحبة لمن تخشاه وكذلك العلم؛ أي: إنذارك ينتفع به من يذكر الله ويخافه ويؤمن به وبقدرته وعظمته ويتبع القرآن ويخشى الرّحمن. ﴿بِالْغَيْبِ﴾: أي ساعة يكون غائباً عن أعين النّاس؛ أي: في السّر، ومن يخشاه بالسّر حين يخلو مع نفسه يخشاه بالعلن؛ أي: (أمام أعين النّاس)، أو يخشاه بالخفاء وفي الظّهور، وأما من يخشاه في العلن قد لا يخشاه في السر. ﴿وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾: تعني أيضاً من خشي الرّحمن ولم يشاهده؛ أي: آمن به ولم يشاهده أو يراه، وخشي الرّحمن: خشي عقابه وعذابه يوم القيامة وفي

стр. 4292

البرزخ وفي الدّنيا، واختيار اسم الرّحمن (المشتق من الرّحمة) هنا والرّحمن على وزن: فعلان، يرحم الكافر والمؤمن، ومع ذلك لا تظن أن الرّحمن المتصف بالرحمة لا يعاقب ولا تغتر برحمته، أو تتكلوا عليها فلا بد من العمل الصّالح، وإياك أن تفعل المنكر بقصد أيِّ نية وتقول: سيغفر لي، فمن أطلعك على أنه سيغفر لك؟ وخشية الرّحمن يجب أن تكون مطلقة في كلّ الأحوال وعامة (أي بالحضور والغيب)، كما ورد في سورة الرعد آية (٢١): ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾؛ أي: خشية مطلقة في السر والعلن، وفي أي حال وشأن. ﴿فَبَشِّرْهُ﴾: الفاء للتوكيد، بشِّره من البشارة وهي الإخبار بما يسرّ به المخبر به ولأول مرة. ارجع إلى سورة النّحل آية (٨٩) لمزيد من البيان في البشارة. ﴿بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾: الباء للإلصاق والدّوام، المغفرة تعني: محو الذّنب وترك العقوبة والإثابة على العمل الصّالح. ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾: نوع من أنواع الأجور فهناك أجر عظيم وأجر كبير وأجر غير ممنون وأجر حسن وأجر بغير حساب، والأجر يكون مقابل العمل الصّالح، أجر كريم من معطي الأجر وهو الله الكريم، فالأجر الكريم يتناسب مع كرم الكريم، فيا له من أجر وهو الجنة وما فيها من النّعيم، وقيل: المغفرة هي جزاء الإيمان بالله وعدم الشّرك به وعدم معصيته. وقدّم المغفرة على الأجر؛ لأنّ المغفرة لا بدّ أن تكون أولاً ثمّ الأجر والثّواب ثانياً.

стр. 4293

ولنقارن هذه الآية ﴿مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ والآية (٢١) من سورة الرّعد ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾. خشية الله تعالى في آية ياسين مقيدة بالغيب، أمّا الخشية في آية الرّعد مطلقة في السر والعلن. سورة يس [٣٦: ١٢] ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِى إِمَامٍ مُبِينٍ﴾: ﴿إِنَّا﴾: بصيغة الجمع؛ للتعظيم. ﴿نَحْنُ﴾: ضمير فصل يفيد القصر والتّوكيد والتّعظيم، يعني: لا شريك له سبحانه في شأن الموت والحياة والكتابة والإحصاء. فهذا الضّمير (نحن) يدل على أسماء الله الحسنى وصفاته العلى ففيه معنى العظمة المتكاملة؛ لأنّ كلّ فعل من أفعال الله وفضل من أفضاله يحتاج إلى علم كامل وحكمة وقدرة كاملة لا يملكها إلا هو سبحانه. ﴿نُحْىِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾: نحي الموتى: مرتين كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]. نحي الموتى: ابتداء وإعادة، ابتداءً لتحيوا الحياة الدّنيا وللابتلاء والكتابة أولاً والإعادة للحياة الأخرى والحساب والجزاء. والثّواب أخيراً، وكيف يتم هذا الإحياء (البعث)؟ ارجع إلى سورة الروم آية (١٩). ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾: كتابة يقوم بها الكرام الكاتبين: الّذين يقومون

стр. 4294

بتدوين كلّ ما ينطقه اللسان ويعمله العبد، ووصفهم الله تعالى: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١١ - ١٢]. ونكتب بصيغة الجمع للتعظيم والأهمية، والكتابة لإقامة الحجة عليهم، وجمع الحسنات والسّيئات للحساب والجزاء. ﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الّذي. ﴿قَدَّمُوا﴾: في الدّنيا من الأعمال، الّتي تشمل الأقوال والأفعال. ﴿وَآثَارَهُمْ﴾: جمع أثر؛ أي: ما خلّفوه وراءهم أو ما تركوه من بعد موتهم من آثار الخير مثل علم يُنتفع به أو صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له، أو آثار الشّر من بدعة أو فساد في الأرض أو ضلال. ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِى إِمَامٍ مُبِينٍ﴾: وكل شيء: كلّ بالنّصب بالفتحة ولم يقل وكلُّ شيء بالرفع بالضم؛ النصب بالفتحة: يدل على كلّ شيء مهما كان نوعه وشكله وصغره وكبره بلا استثناء أحصيناه. وشيء: نكرة يشمل كلّ شيء. أحصيناه: أي لم نتركه بدون عد وكتابة وحفظ وبالتّالي إحصاء، ولو جاءت بالرّفع بالضمة لدلّت أنّ هناك أشياء أحصاها وأشياء لم يحصها. ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾: من الإحصاء، والإحصاء يختلف عن العد، الإحصاء هو العد والجمع والحفظ معاً، فالكتابة لا تكفي فلا بد من الإحصاء لحفظ الكتابة وجمعها في إمام مبين لمعرفة النتائج، ولماذا العد والإحصاء والكتابة ما دام ربنا يعلمها منذ الأزل، ويعلم ما عملنا وما سنعمل وما لم نعمل؛ لإقامة الحجة على الشّخص فليس الله بحاجة إلى شيء من الكتابة أو الإحصاء وليقرأ كلٌّ صحيفته. ﴿فِى إِمَامٍ مُبِينٍ﴾: في ظرفية، إمام مبين: قيل: اللوح المحفوظ، والإمام

стр. 4295

هو ما يؤتم به وكما قال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٢ - ٥٣] أي: مسطور مكتوب. ﴿مُبِينٍ﴾: أي ما كتب فيه بيّن واضح لكلّ ملك يقرأه بين الأحكام والشرائع، ومبين ليس بحاجة إلى من يوضحه بيّن بنفسه. لنقارن هذه الآية (١٢) من سورة يس: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِى إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ مع الآية (٢٢) من سورة الحجر ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾. الفرق: في آية الحجر أضاف اللام في كلمة لنحن: وزيادتها تدل على زيادة التّوكيد، وذلك لأنّ آية الحجر مطلقة يحي ويميت الإنس والجن والحيوان أو الأرض أو غيرها، وأما آية يس محدودة بإحياء الموتى فقط وليست مطلقة، ولذلك زاد اللام لزيادة التّوكيد.

стр. 4296

سورة يس [٣٦: ١٣] ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾: ضرب المثل: أسلوب لتوضيح أمر ما أو مسألة ما حتّى تتبين الحقيقة؛ أي: بين لهم واذكر لهم، والمخاطب رسول الله ﷺ ؛ لهم مثلاً: لكفار مكة، اضرب: لهؤلاء الّذين كذبوك وكفروا بالله وتطيّروا بك وكذبوك أنّهم مثل أصحاب القرية، قل لهم: مثلكم مثل أصحاب القرية، وصِف لهم ما حدث لأصحاب القرية. ﴿الْقَرْيَةِ﴾: تعني أهل القرية والدّيار معاً ورغم أنّ القرية جاءت معرّفة بأل التّعريف، لم يبين الله سبحانه اسم القرية والزّمن ومن هم المرسلون، فكل ذلك لا يهم والمهم ما حدث بين أصحاب القرية والرّسل الثّلاثة. مع العلم أن بعض كتب التّفسير ذكرت أنّ القرية كانت أنطاكية وبعد زمن عيسى ﵇ ورفعه إلى السّماء وذكرت أسماء المرسلين. ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾: ولم يقل أتاها المجيء فيه بعض المشقة والصّعوبة؛ لأنّ أهلها معاندون ومكذبون، إذ: ظرفية بمعنى حين. ﴿جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾: ولم يقل جاءهم المرسلون، جاءها تعني جاء إلى القرية، المرسلون: يظهر أنّهم ليسوا من أصحاب القرية، ويظهر أنّها قرية كبيرة؛ لإرسال ثلاثة رسل وليس هناك دليل قاطع على أنّها أنطاكية، وقيل: كانت هذه القصة قبل مجيء أو في زمن عيسى ابن مريم.

стр. 4297

جاءها المرسلون ليدعوا أهلها إلى عبادة الله وحده (إلى التّوحيد والإخلاص وترك الشّرك). سورة يس [٣٦: ١٤] ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾: إذ: حين أرسلنا إليهم اثنين ولم يقل إذ أرسلنا إليها؛ لأنّ الرّسالة تخص أهل القرية فقال: إليهم، وليس إليها. ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب (المباشرة) كذبوهما: وهذا يدل على أنّهم أبلغوا أهل القرية ما أرسلوا به، ودعوهم إلى التّوحيد فأعرضوا وكذبوا؛ أي: لم يؤمنوا مباشرة. ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، عززنا أسند التعزيز إلى نفسه فقال عززنا من عز يعز؛ أي: قوى يقوي؛ أي: التقوية في الدعوية والإبلاغ والنصرة بثالث: وأرسلنا برسول ثالث بالرّسالة نفسها؛ أي: الدّعوة إلى توحيد الله والإيمان به. ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾: فقالوا؛ أي: الثّلاثة بعد تكذيب الاثنين، ولم يقل إنا إليكم مرسلون؛ قدم الجار والمجرور للحصر والاهتمام؛ أي: خاصة لكم؛ لتدل على خاصة الإرسال إلى أصحاب القرية، مرسلون: جمع مرسل؛ أي: تدل على ثبوت الإرسال إليهم، مرسلون: من الرّحمن؛ لأنّهم قالوا: ما أنزل الرّحمن من شيء. سورة يس [٣٦: ١٥] ﴿قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: أي أصحاب القرية قالوا للمرسلين. ﴿مَا أَنتُمْ﴾: ما النّافية.

стр. 4298

﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾: بشر مشتقة من البشارة: وهي حسن الهيئة، ولفظ البشر يعني الظّهور؛ أي: ما أنتم إلا بشر مثلنا، فما الّذي فضلكم أو جعلكم أفضل منا أو خصكم من دوننا؛ نأكل مما تأكلون ونشرب مما تشربون. ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَىْءٍ﴾: وما: ما النّافية وتكرارها يفيد توكيد النّفي، أنزل الرّحمن من شيء: من استغراقية، شيء نكرة أيّ شيء لم ينزل كتاباً ولم ينزل وحياً؛ أي: ما أنزل الرّحمن من شيء مطلقاً لا الآن ولا سابقاً، يدعونا إلى الإيمان بالله وحده، واختاروا اسم الرحمن بدلاً من الله أو غيره من الأسماء؛ لاستبعاد تنزيل شيئاً رغم كونه الرحمن ذو الرحمة، أو الرحمة الكاملة. ﴿إِنْ﴾: نافية تعني: ما، وهي أشد نفياً من ما. ﴿أَنتُمْ إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿تَكْذِبُونَ﴾ أنكم مرسلون. تكذبون بصيغة المضارع التي تدل على التّجدد والتّكرر فهم ينكرون نبوة رسلهم وينكرون رسالاتهم. سورة يس [٣٦: ١٦] ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾: ﴿قَالُوا رَبُّنَا﴾: أي قال الرّسل لأصحاب القرية: ربنا يعلم إنّا إليكم لمرسلون، يدل على أن الرّسل استمروا في التّبليغ ولم ييئسوا من إيمان أصحاب القرية وتكذيبهم وعنادهم، ربنا: اختاروا كلمة الرّب؛ لأنّه هو المربي، والرّسالة من سمات الرّبوبية. ﴿يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ﴾: تقديم (إليكم) أي خاصة إليكم وحدكم. ﴿لَمُرْسَلُونَ﴾: اللام للتوكيد، لما شاهدوا إنكارهم وتكذيبهم لهم، قالوا:

стр. 4299

إنّا مرسلون في بداية الأمر أو الدّعوة، وقالوا: إنّا إليكم لمرسلون، أضاف اللام للتوكيد في نهاية الدعوة ورداً على إنكار أصحاب القرية، وتكذيبهم ورفض الاستجابة لهم؛ أي: لما ازداد أصحاب القرية تكذيباً ازداد الرسل توكيداً. سورة يس [٣٦: ١٧] ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما النّافية. ﴿عَلَيْنَا إِلَّا﴾: للحصر. ﴿الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: البلاغ: التّبليغ؛ أي إيصال الرّسالة واضحة كاملة شاملة بدون أيّ نقص وإلى كلّ أصحاب القرية بدون استثناء. سورة يس [٣٦: ١٨] ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: لم تعد أمام أصحاب القرية من حيلة أو حجة لمواجهة رسلهم إلا اللجوء إلى اتهام رسلهم بالتّطيّر، والتّهديد والوعيد. ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾: تشاءمنا بكم، التّطير: التشاؤم، مثل قولهم: انقطع المطر عنا بسببكم، وتغيّرت أو ساءت حالتنا بسببكم، أو ما يصيبنا من شر هو بسببكم أنتم. ﴿لَئِنْ﴾: اللام للتوكيد، إن شرطية تفيد الاحتمال أو الافتراض. ﴿لَّمْ تَنْتَهُوا﴾: لم النّافية، تنتهوا: أي تكفّوا عن الدّعوة إلى وحدانية الله والإيمان وتبليغ الرّسالة. ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾: اللام والنون (نون التوكيد الثقيلة) في (نرجمنكم) للتوكيد، وهناك من قال إنها لام القسم، والرّجم يكون بالحجارة؛ أي: نقتلكم، أو بالقول والشّتم.

стр. 4300

﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: واللام والنّون (نون التوكيد الثقيلة) في ليمسنكم للتوكيد، وقيل: لام القسم؛ وقالوا: (لنرجمنكم وليمسنكم) ولم يقولوا لنرجمنكم أو ليمسنكم؛ أي: سيحصل لكم أو سيصبكم الأمران معاً الرّجم والمس وليس أحدهما، ولو قالوا: أو؛ أي أحدهما يكفي، وهذا يدل على مدى غيظهم وتصميمهم على الرّجم وإلحاق العذاب بهم. وقولهم: أو ليمسنكم منا: منا نحن وليس من الآلهة والأصنام؛ لأنّ الآلهة والأصنام غير قادرة على الضّر أو النّفع، عذاب أليم: عذاب شديد الإيلام. لنقارن هذه الآية من سورة يس: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾، مع الآية (٤٧) من سورة النّمل: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾. في سورة النّمل (اطيرنا) فيها تضعيفان ياء مشددة والطّاء المشددة، أصل اطير: تطير على وزن: تفعّل، أبدلت التّاء طاء وحدث إدغام في الطّائين. في سورة ياسين تطير فيها تضعيف واحد، واطّيّرنا بكم في سورة النّمل تضعيفان؛ أشد من تطيرنا بكم في سورة ياسين. والتّضعيف يفيد المبالغة والتّنكير، ولو قارنّا الآيتين في النّمل: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾، إذن في النّمل هناك قتل نبي وأهله كلهم، لذلك هو أشد من التّهديد بالرّجم والعذاب في يس. سورة يس [٣٦: ١٩] ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَّعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَّعَكُمْ﴾: قال المرسلون لأصحاب القرية، طائركم معكم: شؤمكم معكم؛ أي: سبب شؤمكم معكم مصاحب لكم فما يحصل لكم من شر

стр. 4301

أو فتنة فإنّه منكم ومن أعمالكم (أي: بما عملت أيديكم من الكفر والتّكذيب) ملازم لكم وأمّا نحن فليس سبب شؤمكم. ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُم﴾: الهمزة للاستفهام والتّوبيخ؛ أي: أئن وعظناكم وأنذرناكم ودعوناكم لعباده الله وحده، زعمتم أننا سبب شؤمكم وما أصابكم من ضر، أو أئن ذكرتم تطيرتم. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿أَنتُمْ﴾: للتوكيد. ﴿قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾: أي متجاوزون الحد في الكفر والشّرك، أو العدوان أو التّطير، لم يحدد نوع الإسراف؛ ليشمل كلّ الأنواع، مسرفون: جمع مسرف، مسرفون جملة اسمية تدل على الثّبوت، ثبوت صفة الإسراف عندهم. والسؤال هنا: ما الفرق بين قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وقوله تعالى: ﴿طَائِرُكُمْ مَّعَكُمْ﴾ [يس: ١٩]؟ آية الأعراف تدل على أن ما يحصل لهم من مصائب هو ابتلاء من عند الله، وآية يس تبين سبب ما يحصل لهم من شؤم وتطير هو منهم؛ أي هم السّبب لما قدر الله . سورة يس [٣٦: ٢٠] ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾: ﴿وَجَاءَ﴾ ولم يقل وأتى، المجيء فيه معنى المشقة والصّعوبة فالرّجل جاء بمشقة وصعوبة. ﴿مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ﴾: من ابتدائية؛ أي جاء من أبعد مكان في المدينة؛ أي كان موجوداً في أقصى المدينة؛ أي خرج من بيته الّذي كان في أقصى المدينة، قيل: هي أنطاكية، وفي الآية (١٣) سماها القرية وفي هذه الآية سماها المدينة، كيف نفسر ذلك؟ لا تعارض بين الآيتين؛ فقد يكون خبر أصحاب القرية التي جاءها

стр. 4302

المرسلون قد انتشر، ووصل إلى المدينة التي كان يسكن فيها الرجل الصالح الذي جاء يسعى، فالقرية المذكورة في الآية (١٣) ليست هي نفس المدينة التي ذكرت في الآية (٢٠). من أقصى: قدم الجار والمجرور (من أقصى) على الفاعل (رجل). قيل: أن الرجل كان يسكن في أقصا المدينة، وجاء من المدينة إلى القرية التي جاءها المرسلون؛ أي: هناك اختلاف بين المدينة والقرية، أو أراد الله سبحانه أن يبين للسامع أن القرية كانت متسعة وكبيرة، وأطلق عليها المدينة. ﴿رَجُلٌ﴾: نكرة: والنكرة لتعظيم شأنه؛ أي رجل كامل الرّجولة، رجل من الرّجال لا يعرفه أهل المدينة ولا يعلمون شيئاً عن إيمانه حتّى لا يقال إنّهم تواطؤوا معه، قيل: هو حبيب بن النّجار. ﴿يَسْعَى﴾: يسرع في مشيه لبعد مكان إقامته واهتمامه على نصرة الحق والجهر بالدّعوة إلى الله وتبليغ النّاس وإعلان إيمانه بدون خوف وليؤيد الرّسل ومخاطراً بنفسه. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾: يا قوم: يا النّداء نداء ينبئ عن إشفاقه على قومه، ودعاهم قومه. ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾: في دعوتهم إلى توحيد الله وعبادته فهذه هي الغاية، ثمّ بيّن الأسباب الأخرى الدّاعية إلى اتباع المرسلين كما سيأتي في الآيات (٢١ - ٢٣). لنقارن هذه الآية (٢٠) من سورة يس: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾، مع الآية (٢٠) من سورة القصص: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾:

стр. 4303

أولاً: آية يس قدّم (من أقصى المدينة) على (رجل)؛ أي هو رجل جاء من أقصى المدينة؛ لأنّه يسكن في أقصى المدينة (خرج من بيته الّذي هو في أقصى المدينة) وجاء يسعى، أمّا في آية القصص قدّم (رجل) على (أقصى المدينة): هو رجل كان في أقصى المدينة حينذاك ولم يكن يسكن في أقصى المدينة وإنما صدفة كان موجوداً في أقصى المدينة فجاء يسعى. ثانياً: مهمة الرّجل في آية يس أهم وأخطر بكثير من مهمة الرّجل في آية القصص، في يس جاء لينصر الحق ويجهر بالدّعوة إلى الله ويعلن إيمانه ويؤيد الرّسل، أمّا في القصص جاء الرّجل ليحذّر موسى لكي يخرج من المدينة ولم يكن مهدداً بالخطر، كما هو الحال في آية يس. ارجع إلى سورة القصص آية (٢٠) لمزيد من البيان والمقارنة. سورة يس [٣٦: ٢١] ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾: هذا هو السّبب الثّاني لاتباع المرسلين. ﴿اتَّبِعُوا﴾: تكرار للآية اتبعوا المرسلين، والتّكرار للتوكيد على اتباع المرسلين. ﴿مَنْ﴾: للعاقل وتشمل الواحد والاثنين والجمع، وجاء بمن لكونهم ثلاثة أنبياء أو رسل، وقد تعني الّذي، ولكن الّذي يدل على واحد؛ أي: اتبعوا أي واحد، أو أي رسول يدعوكم إلى الله، ولا يسئلكم أجراً، أو استعمل من التي تدل على المفرد أو المثنى أو الجمع. والرّسل كانوا أكثر من واحد وقد يكون هناك غيرهم من الداعين إلى الله تعالى الّذين يجب اتباعهم أيضاً ولذلك استعمل (من). ﴿لَا﴾: النّافية.

стр. 4304

﴿يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا﴾: أي هو مخلص لله لا مصلحة له أو لا منفعة كهؤلاء الرّسل الثّلاثة. أجراً: على إبلاغكم الدّعوة إلى الله وهدايتكم إلى الطريق المستقيم. ﴿وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾: هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد، وهم: تعني الرّسل الثّلاثة، مهتدون: هذا هو السّبب الثّالث لاتباع المرسلين أو الأمر الآخر الدّاعي إلى اتباعهم، مهتدون؛ لأنّهم رسل من الله تعالى، هم مهتدون في أنفسهم وهادون لغيرهم ولذلك اختارهم الله من بين النّاس، مهتدون صفة الهداية ثابتة عندهم. سورة يس [٣٦: ٢٢] ﴿وَمَا لِىَ لَا أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: ﴿وَمَا لِىَ﴾: الواو عاطفة، ما استفهامية تحمل معنى الالتزام. ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِى﴾ أعبد: من العبادة، ارجع إلى سورة النّحل آية (٧٣) للبيان. الّذي فطرني: وهو الله بصيغة المفرد ويدل على وحدانيته، فطرني من الفطر: ويعني الخلق والإيجاد، ارجع لمزيد من البيان عن فطرني إلى سورة الأنعام الآية (١٤). ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: قدّم (إليه) للحصر؛ أي: إليه وحده حصراً، تُرجعون: بضم التاء، رغماً وقسراً يوم القيامة للحساب والجزاء، وترجعون فيها تحذير وتهديد، ولم يقل وإليه ترجعون بفتح التاء الّتي تدل على الرجوع برغبة وإرادة. ولم يقل وإليه نرجع؛ لأنّه استثنى نفسه فهو يريد الرجوع إلى ربه برغبة وهم لا يريدون إلا بالقسر والإكراه.

стр. 4305

سورة يس [٣٦: ٢٣] ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّى شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾: ﴿أَأَتَّخِذُ﴾: الهمزة للاستفهام والتّعجب والإنكار والتّقرير، ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾؛ أي: أتخذ معبوداً غيره فهو ينكر كيف يتخذون من دون الله آلهة وهو الّذي خلقهم وخلقها، وهي في الحقيقة ليست آلهة ولا تستحق الذكر، وتفيد التّقرير يريد من السّامع أن يقرّر حتّى تقام عليه الحجة. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: من ابتدائية: من غيره ولا معه ولا واسطة (أو وسيط) لأنّ شفاعتهم لا تغني شيئاً ولا تضر ولا تنفع. ﴿آلِهَةً﴾: مثل الأصنام والأوثان، والملائكة وغيرهم. ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال أو الافتراض، يردن: فعل مضارع، وجاء بعد إن الشّرطية فهذا يدل على التّجدد والتّكرار؛ أي: يردن مرة بعد المرة؛ أي: باستمرار، ولم يقل إن أرادني: فعل ماض يعني مرة واحدة، ومجيئه بعد إن الشّرطية يفيد الاستقبال وعدم التّكرار، وحذف ياء المتكلم من يردن ولم يقل يردني؛ للدلالة على أنّ الإرادة ولو كانت بضر خفيف أو قليل لا تغني شفاعتهم شيئاً (أي لا عن الكثير ولا عن القليل الضئيل) وتعني: إن يردن (أنا أو غيري) تشمل الكل وهو يعني: مستمر. ﴿الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾: بضُر: بضم الضاد؛ الباء: للإلصاق، وتدخل على مدار الاهتمام، وهناك فرق بين الضُّر والضَّر، فالضُّر: ما يصيب الفرد من سوء الحال والمرض والفقر، والضَّر: بفتح الضاد هو ضد النفع؛ لماذا اختار اسم الرّحمن مع احتمال إرادة الضّر؟ لأنّ الرّحمن مشتق من الرّحمة، والضّر عكس الرّحمة فكيف نجمع بينهما: التّفسير الأوّل: نقول قد يظن الإنسان حسب موازينه أنّ ما

стр. 4306

يحصل له الآن من ضر بعد أسابيع أو أشهر يجد أنّ ما حدث له وظنه ضراً إذا به نفعٌ، والأمر قد يكون في الظّاهر ضراً وفي الباطن رحمة، فلا يعلم الغيب إلا الله، وكلّ ما يجري الرّحمن من الأقدار هي من منطلق الرّحمة. التّفسير الثّاني: جاء باسم الرّحمن؛ للتذكير باللجوء إلى الرّحمن عند الإصابة بالضّر ليكشفه، ولم يقل إن يردن الرّحمن بضر أو رحمة، حذف ذكر الرّحمة؛ لأنّ الرّحمة مصدرها معروف من الرّحمن، والرّحمن هو رحمة بذاته ومن صفاته الثّابتة الرّحمة. ﴿لَا تُغْنِ عَنِّى شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾: لا النّافية، لا تغن عني شفاعتهم: على افتراض أنّ الآلهة قادرة على الشّفاعة فشفاعتها لن تجدي ولن تقبل، وهي أصلاً لا تسمع ولا تبصر ولا تغني شيئاً، فلا تسمع من يدعوها، شيئاً: نكرة أيّ شيء مهما كان، والشّيء هو أقل القليل، شيئاً: توكيد ويدل على المقدار؛ لا تغن: حذف الياء، ولم يقل: لا تغني؛ لأنها لا تغني ولو الشيء القليل؛ أي: لا تغن شيئاً مهما كانت. ﴿وَلَا يُنْقِذُونِ﴾: لا النّافية، ينقذون: لا يستطيعون إنقاذي، ولا ينقذون، وقدم الشفاعة على الإنقاذ؛ لأن الإنقاذ يلجأ إليه بعد عدم نفع الشفاعة؛ مما أرادني به الرّحمن من ضر. ولا ينقذون حذف الياء تعني: حتّى من أدنى الإنقاذ أو من الأمر القليل (ولم يقل ينقذوني) أو تعني ينقذون أنا أو غيري تشمل الكل ولو قال ينقذوني تعني: لا ينقذوني أنا وحدي وينقذون غيري وهو نفي مستمر. سورة يس [٣٦: ٢٤] ﴿إِنِّى إِذًا لَّفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد

стр. 4307

﴿إِذًا﴾: حرف جواب؛ أي: إنّي إذا اتخذت من دونه آلهة وعبدتها وطلبت شفاعتها. ﴿لَّفِى﴾: اللام للتوكيد، في: ظرفية؛ أي: ضلال يحيط بي من كلّ جانب ولا أستطيع الخروج منه. ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ضلال واضح بيّن لكلّ من يطّلع عليه؛ أي كلّ فرد، وضلال بيّن لا يحتاج إلى برهان أو دليل. سورة يس [٣٦: ٢٥] ﴿إِنِّى آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾: ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد. ﴿آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾: آمنت بالّذي خلقكم. قيل: إنّه خاطب الرّسل بهذا ليشهدوا له ويشجعهم على الاستمرار في الدّعوة لمّا همَّ قومُهُ على قتله، أو خطاب إلى قومه، أو قال: بربكم لإقامة الحجة عليهم، قال: ربكم لأنّ ربه وربهم واحد ولم يقل بربي وربكم؛ لكي لا يظنوا أنّ هناك أرباباً متعددة. ﴿فَاسْمَعُونِ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، اسمعون: النّون للتوكيد، (اسمعون) في بلاغي ودعوتي لكم بالإيمان والتّوحيد وتصديق الرّسل أو صدقوني أو (اسمعون) فيما أقوله لكم حذف ياء المتكلم؛ أي: ولو شيئاً قليلاً، ولم يقل فاسمعوني: التي تدل على السمع الكثير والطاعة أو تعني فاسمعون أنتم وغيركم؛ أي: الكل ولو قال فاستمعوني تعني: أنتم وحدكم بل أراد أن يشمل هم وغيرهم. سورة يس [٣٦: ٢٦] ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ﴾: ﴿قِيلَ﴾: مبني للمجهول قد تكون الملائكة الّتي قالت ذلك، أو يحكي الله

стр. 4308

تعالى عن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة (حبيب النجار) ما قاله بعد أن استشهد في سبيل الله وفاضت روحه. ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾: بعد أن استشهد، ولم يذكر الله سبحانه ما حدث له وكيف قُتل فلما دخلها: ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ﴾: ليت للتمني وتستعمل للتمني المستحيل الحدوث أو الأمور الصّعبة، يعلمون: بمغفرة ربي لي وبالنّعيم الّذي أنا فيه؛ أي بمكرمته لي. سورة يس [٣٦: ٢٧] ﴿بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾: ﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق، ما اسم موصول بمعنى الّذي أو حرف مصدري؛ أي: بغفران الله لي أو بالّذي غفر لي به ربي، فيؤمنون كما آمنت وسبقت المغفرة دخول الجنة؛ أي: التّطهير من الذّنوب أوّلاً ثمّ دخول الجنة، والغفران يعني محو الذّنب وترك العقوبة، والإثابة على الحسنات؛ أي: الأعمال الصّالحة. ﴿مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾: من: ابتدائية. المكرمين: جمع مكرم من كرم، وتفيد الدوام على التكريم والمبالغة فيه؛ أي: زمرة المقربين لله؛ أي: الشهداء.

стр. 4309

سورة يس [٣٦: ٢٨] ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ﴾: الواو استئنافية، ما: النّافية أقوى نفياً من لم. من: ابتدائية، بعده: من بعد قتله، أي لم ننزل على قومه (قوم حبيب النّجار) من بعد قتله جنداً من السّماء للقضاء عليهم وإهلاكهم، ونسب الإنزال إلى ذاته للتعظيم؛ لأنّ الأمر هيّن لا يحتاج إلى إنزال ملائكة، من بعده: من تفيد القرب، أي من بعد قتله مباشرة لم ننزل جنداً ولكن أهلكناهم مباشرة بالصّيحة. ﴿مِنْ جُندٍ﴾: من استغراقية أي لم ننزل واحداً ولا اثنين ولا أكثر، جند: اسم جنس، جند: جمع جندي، وتجمع على جنود أيضاً، وجند: تشمل واحداً أو اثنين أو أكثر، أمّا جنود: لا تشمل واحداً أو اثنين إنما هي لأكثر من اثنين، إذاً لنفي إنزال جندي واحد أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر أتى بكلمة جند، وجند تعني: من جنس واحد وهدفهم واحد، أمّا جنود قد تكون أهدافهم شتى، أو من أجناس مختلفة؛ مثل: الصيحة، أو الريح، أو النار، أو الرجز، أو الصواعق، أو غيرها من الآيات. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: من: ابتدائية، وما أنزلنا على قومه من جند من السّماء (ملائكة) كما أنزلنا يوم بدر؛ السماء: تعني: السموات السبع، وكل ما يعلو الإنسان يسمى سماء. ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾: في الماضي وعلى الأمم السّابقة ولا يعني في المستقبل؛ لأنّه أنزل في معركة بدر.

стр. 4310

سورة يس [٣٦: ٢٩] ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾: ﴿إِنْ﴾: نافية، أقوى في النّفي من ما؛ أي: ما كانت. ﴿كَانَتْ إِلَّا﴾: حصراً. ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾: صيحة واحدة للتأكيد؛ حلت أو نزلت بأهل القرية التي جاءها المرسلون، أو قوم الرجل الصالح (حبيب النجار)، أهلكوا بالصّيحة. كما أهلك أصحاب الحجر وغيرهم، ارجع إلى سورة الأعراف آية (٧٨) لبيان معنى الصيحة، وهذه الصيحة لا علاقة لها بنفخة الفزع والصعق؛ النفخة الأولى أو النفخة الثانية تعني البعث والقيام. ﴿فَإِذَا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، إذا فجائية تشير إلى السرعة سرعة خمودهم. ﴿هُمْ﴾: للتوكيد. ﴿خَامِدُونَ﴾: شبههم بالنّار المشتعلة المتأججة تحمساً لعدم الإيمان برسلهم وتكذيبهم، الّتي أخمدها الله بسرعة؛ أي: انطفأت، فكلمة (خامدون): تعني: زهقت أرواحهم وانقطعت أصواتهم وحركتهم. سورة يس [٣٦: ٣٠] ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾: يا النّداء للبعد، أسلوب نداء يراد به التعجب. والمنادي: هو الله سبحانه أو الملائكة، أو كلّ مؤمن يتحسر على الّذين كذبوا بالرّسل. ﴿يَاحَسْرَةً﴾: يا النّداء الحسرة أشد الندم مع الشعور بالحزن على نفع قد فات؛ أي يا حسرة احضري هذا زمانك أو أقبلي.
следующие страницы →