← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

والنبيُّ: هو المبعوث لتقرير شرع من قبله وتبليغه. ارجع إلى سورة النساء آية (١٦٤) لمزيد من البيان. وذكر الله سبحانه في كتابه (٢٥) نبياً ورسولاً، من هؤلاء أربعة من العرب هم: هود ﵇، وصالح ﵇، وشعيب ﵇، ومحمد ﷺ . ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: الفضل لغة: الزيادة في الأجر، واصطلاحاً: الزيادة في الدرجات في الجنة، وكذلك القرب من الله تعالى في المنزلة كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣]، ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤]، ونا الجمع تدل على التشريف، وأفضل الرسل والأنبياء هم خمسة: محمّد ﷺ ، وإبراهيم ﵇، وموسى ﵇، وعيسى ﵇، ونوح ﵇، وهم أولوا العزم من الرسل، وأجمعت الأمة على أنّ الرسل أفضل من الأنبياء. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾: في المنزلة، والفضل بالقرب من الله ، ودرجاتٍ في الجنة: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. فالرّسول محمّد ﷺ : هو خاتم النّبيين، وأرسل كافة للناس بشيراً ونذيراً. وأمثال إبراهيم ﵇: كان أمة، واتخذه الله خليلاً. وأمثال عيسى ﵇: آتيناه البينات وأيدناه بروح القدس، ارجع إلى الآية (٨٧) للبيان. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾: أي: قوَّيناه بروح القدس جبريل ﵇، فكان في صحبة لا يفارقه في كل أمر من أمور الدِّين. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَنْ كَفَرَ﴾:

стр. 457

﴿اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم﴾: من بعد الرسل، والّذين اقتتلوا هم الأمم الّتي جاءت من بعد الرسل. فاليهود اختلفوا في دينهم، وتفرقوا شيعاً، والنصارى اختلفوا وانقسموا شيعاً، وكذلك أمة محمّد ﷺ صاروا شيعاً. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: أي: المعجزات، والدلائل على صدق نبوة الرسل: محمّد ﷺ ، وعيسى ﵇، وموسى ﵇، وغيرهم، وأنهم رسل الله، ويجب الإيمان بهم جميعاً. وهناك فرق بين جاءتهم البينات (تاء التأنيث)، وجاءهم (بالتذكير). البينات، والتذكير: فيه معنى القوة، ويستعمل جاءهم البينات: في سياق الأوامر، والأحكام، والآيات، ويستعمل جاءتهم البينات: في سياق الأدلة، والمعجزات الدالة على صدق نبوة الرسل؛ أي: الأقل شأناً. إذن: البينات يمكن أن تذكر، أو تؤنث، وانتبه إلى ذلك في الحفظ. ﴿اخْتَلَفُوا﴾: في المذاهب، والعقائد، والآيات، والأحكام، والتحريف، والتبديل، والنسيان، واختلفوا بسبب الأهواء، والحسد، وحب السيطرة، وحب الدّنيا. ﴿فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ﴾: بالرسل وبما أنزل الله، ﴿وَمِنْهُم مَنْ كَفَرَ﴾: وتكرار منهم: يفيد التّوكيد، كفروا بالله ورسله وفرقوا بين الله ورسله، وقالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾: لو: شرطية؛ أي: الّذين آمنوا، والّذين كفروا، ولكن اقتتلوا؛ لكي لا يحدث فسادٌ في الأرض، وليحق الحق، ويبطل الباطل، ولو كره المجرمون.

стр. 458

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾: تكرار (ولو شاء الله ما اقتتلوا): يفيد زيادة التّوكيد على أهمية القتال، والجهاد في سبيل الله، وعلى مشيئة الله تعالى، فلو شاء لما حدث الخلاف، ولو شاء لما حدث القتال، ولكن ليمحص الله المؤمنين ويمحق الكافرين. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾: للاستدراك، والتوكيد، ﴿يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾: ولم يقل: يفعل ما يشاء، فما هو الفرق؟ المشيئة: تكون أولاً، ثم الإرادة ثانياً، فالمشيئة تسبق الإرادة. فالمشيئة: هي ابتداء العزم على الفعل، والإرادة هي العزم على الفعل، أو ترك الفعل. فقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾؛ أي: إذا صدر الحكم منه بكن فيكون. سورة البقرة [٢: ٢٥٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين آمنوا بأمر تكليفي جديد: هو الإنفاق. ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾: الإنفاق: هو إخراج المال من الملك، فلا يعد يتملكه، بينما الإعطاء: يمكن أن تعطي زيداً ثوباً ليخيطه لك ويعيده إليك، فلا يخرج من ملكك. والنفقة الواجبة: هي الزكاة.

стр. 459

والنفقة المستحبة: هي نفقة التطوع، فالآية لم تحدد نوع الإنفاق فهي تحث على الإنفاق بكل أنواعه. وغاية الإنفاق هو التقرب إلى الله تعالى، وطاعة أوامره. ﴿مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾: مما؛ أي: من ابتدائية بعض ما رزقناكم (من البعضية)، وليس كل ما رزقناكم؛ أي: أنفقوا من رزقي عليكم. وفي آيات أخرى قال: ١ - ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ٢ - ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]. ٣ - ﴿وَأَنْفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. ٤ - ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: ﴿مِنْ﴾: للابتداء، ﴿قَبْلِ﴾: ظرف زمان، ﴿أَنْ﴾: للتوكيد. ﴿يَأْتِىَ﴾: ولم يقل: يجيء، المجيء: فيه معنى الصعوبة، والمشقة، ويأتي: فيه معنى السهولة؛ لأنه لم يأت بعد. ﴿يَوْمٌ﴾: نكرة، ويعني: يوم القيامة، وجاء نكرة لما فيه من الأحداث، والأهوال العظام. ﴿لَا﴾: النّافية، وهي أقوى في النفي من ليس. ﴿بَيْعٌ﴾: البيع: أصله الكسب، والناتج عن تبادل أثمان السلع، لا بيع فيه؛

стр. 460

أي: لا فداء فيه؛ لأنّ البيع يوم القيامة يعني الفداء، أو لا إنفاق فيه؛ لتدارك ما فاتكم من الإنفاق، فكل مصارف البيع، والإنفاق معطلة في ذلك اليوم. ﴿فِيهِ﴾: ظرف زماني ومكاني؛ يعني: للظرف والمظروف اليوم. ﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾: تكرار لا النّافية؛ ليزيد التّوكيد ولفصل كل منهما على حدة، لا بيع لوحده، ولا خلة لوحدها، ولا كلاهما معاً، وجاءت نكرة: لتشكل كل خلة. والخلة: تعني المودَّة، والصداقة، والتكريم، وسمِّيت المودَّة خلة؛ لتخللها في النفس، وجمعها خِلال. ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٢٥). ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾: لا وساطة، وجاءت نكرة؛ لتشمل كل شفاعة غير مقبولة مهما كان نوعها، مثل: شفاعة إبراهيم ﵇ في آزر، أو شفاعة الّذين آمنوا في المشركين. وهناك استثناء في باب الشفاعة؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، فهناك الشفاعة المقبولة، مثل شفاعة الرّسول ﷺ ، وشفاعة أهل التّقوى والإحسان. هذا من باب الإطلاق المقيد. ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: الكافرون: جمع كافر ويعني الكفر بالدين وتدل على أن صفة الكفر عندهم ثابت وتدل على العمل وهو الكفر. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل يفيد القصر المبالغ فيه؛ أي: هم المختصون بصفتي الكفر، والظلم دون غيرهم، ولو قال: والظالمون هم الكافرون؛ لشملت هذه كثيراً من النّاس، والله سبحانه لا يظلم مثقال ذرة. ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة لبيان معنى الكفر.

стр. 461

سورة البقرة [٢: ٢٥٥] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾: ﴿اللَّهُ﴾: هو الاسم الأعظم الّذي تفرد به الحق سبحانه، واختصه لنفسه، وقدَّمه على سائر أسمائه. هو الاسم الجامع لجميع صفات الكمال الإلهية، وكل اسم من أسمائه نعت له، فهو يدل على المعبود، ولا معبود إلَّا هو. وورد ذكر اسم الله سبحانه في حوالي (٢٦٩٩) مرة في القرآن، وأكثر سورة ورد فيها ذكر اسم الله تعالى سورة البقرة، فقد ورد فيها (٢٨٢) مرة. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا﴾: لا: النّافية للجنس. ﴿إِلَهَ﴾: معبود بمعنى مألوه على وزن مفعول: لا معبود بحق في الوجود إلَّا هو. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر وقصر. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. وانظر إلى قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: فهي تفيد النفي، وتفيد الإثبات، فقوله: ﴿لَا إِلَهَ﴾: تفيد النفي، ﴿إِلَّا هُوَ﴾: تفيد الإثبات، أو تؤكد النفي. ﴿الْحَىُّ﴾: أي: الحي الذي لا يموت، والذي لا تأخذه سِنة ولا نوم كامل الحياة، ويتضمن ذلك ذاته، وعلمه، وعزته، وقدرته، وعظمته، وكبرياءَه. الحي

стр. 462

الّذي لا يموت، الواجب الوجود، الباقي الدائم من أزل الأزل إلى أبد الأبد، والأزل هو دوام الوجود في الماضي، والأبد: هو دوام الوجود في المستقبل. ﴿الْقَيُّومُ﴾: قائم الوجود، القائم بذاته، وعظمته على الإطلاق، والمستغني عن خلقه، وعن غيره، القائم بتدبير خلقه، وحفظهم، والقائم على كل نفس بما كسبت. دائم القيام، وكامل القيُّومية، ولا يقوم شيء إلَّا به، وهو سبب وقوام لكل ما عداه، قامت به السموات السبع، والأرض، وما فيهن؛ من مخلوقات، فهو الّذي أوجدها، وأمدها، وأعدها؛ لكل ما فيه بقاؤها، وصلاحها، وقيامها. والقيُّوم: صفة مبالغة لقائم؛ أي: كثير القيام. ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: ﴿لَا﴾: النّافية لكل زمن (الماضي والحاضر والمستقبل)، والنافية للجنس، وتكرار (لا): لزيادة تأكيد النفي. ﴿تَأْخُذُهُ﴾: لا تعتريه، الأخذ: الغلبة، والاستيلاء؛ أي: لا يعتريه نوم، ولا يغلبه نعاس. ﴿سِنَةٌ﴾: أول ما يأتي من النعاس، كما في أول النوم، النوم الخفيف، ويبدو في العين والجفن. ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾: السبات العميق، وعادة تسبق السِنة النعاس، وافتقاد السِنة أبلغ في التنزيه من النوم؛ لأنه سبحانه إذا لم تأخذه سِنة فلن يأخذه نوم. أي: لا يغفل عن تدبر أمر خلقه أبداً؛ لأنه لا تأخذه سنة، ولا نوم؛ لأنّ

стр. 463

النعاس، والنوم من صفات النقص، والله تعالى ذو الكمال المطلق، وكيف يكون قيُّوماً على السموات والأرض وتأخذه سنة ونوم. ﴿لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: ﴿لَهُ﴾: اللام: لام الاختصاص، والملكية، تقديم الجار والمجرور يفدي الحصر له وحده لا لأحد غيره. ﴿مَا﴾: تشمل العاقل، وغير العاقل، ما: المطلقة ما في السموات وما في الأرض عبيده، وفي ملكه خاضعون لمشيئته، وتحت قهره وسلطانه. ﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ﴾: في: ظرفية زمانية ومكانية، ما في السموات: كظرف ومظروف السموات، وما فيهن من خزائن. ﴿وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: وله الأرض وما فيها من كنوز، ومخلوقات وخيرات. له ما في السموات، وما في خلقاً، وملكاً، وتصرفاً، وحكماً لا يشاركه أحد، ولا شريك له، فهو مالك الملك يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: ﴿مَنْ﴾: ابتدائية. ﴿ذَا﴾: اسم استفهام. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول. ﴿يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: بإذنه: الإذن اسم للكلام الذي يفيد إباحة فعل أو قول، والإذن يكون أو يستعمل لفعل أو قول ليس لنا أي تدخل فيه كالشفاعة. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥١)، والنساء آية (٨٥). ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾:

стр. 464

يعلم ما وراءهم، وما أمامهم، وما قدَّموا، وما أخَّروا؛ من عمل يعلم كل نفس ما قدَّمت وأخَّرت سبحانه هو الرقيب المحيط بخلقه، فهو الخبير البصير المحصي المبدئ المعيد السميع العليم، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات، ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر، لا تخفى عليه خافية، عليم بذات الصدور. يعلم ظواهر الأمور وبواطنها. يعلم ما كان وما هو كائن، وما سيكون، وهو بكل شيء عليم. وعنده مفاتح الغيب، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلَّا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب، ولا يابس إلَّا يعلمه. ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: النّافية، ﴿يُحِيطُونَ﴾: من الإحاطة، والإحاطة تعني: معرفة الشّيء من جميع جوانبه. ﴿بِشَىْءٍ﴾: الشّيء هو أقل القليل، شيء: نكرة؛ أي: مهما كان حجمه، وشكله، ولونه، ووزنه، وتكوينه، وبما أنّ علومنا قابلة للتغير، والتبديل، فلن نستطيع أنّ نحيط بأي شيء، ولو كان واحداً مهما بلغنا من العلم، كما يحيط به الله . ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾: إلا: أداة استثناء؛ أي: لا يعلمون إلا ما شاء الله أن يعلمهم إياه. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾: الكرسي قيل: هو السلطان، والقهر، والقدرة، والملكية.

стр. 465

وقيل: الكرسي العلم علمه ذاته. وقيل: الكرسي: هو ما دون العرش، والكرسي: أوسع من السموات السبع والأرضين، وما السموات السبع بالنسبة للكرسي إلَّا كحلقة ملقاة في فلاة، وما السموات السبع والكرسي للعرش إلا كحلقة مرماة في فلاة. أخرجه الإمام أحمد في المسند. ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: النّافية. ﴿يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾: يشق عليه، أو يثقله، أو يصعب عليه، حفظ السموات والأرض؛ أي: تدبيرهما، فالسماء الأولى تحوي مليارات المجرات داخلها مليارات المجموعات الشمسية ومجرتنا فقط تحتوي على (٢٠٠ مليار نجم). ﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد الحصر والتوكيد. ﴿الْعَلِىُّ﴾: علو الجلال والكمال، وعلو الذات، والصفات، والأسماء فوق مخلوقاته، أو ليس له مثيل في العلو في كل أمر، العلي عن خلقه علو القدر، والمنزلة، العلي عن الأشباه والأمثال، لا يعلوه شيء، ولا أحد له العلو المطلق من كل الوجوه. ﴿الْعَظِيمُ﴾: صيغة مبالغة من العظم في العز، والمجد، والكبرياء، والكمال، العظيم لا شيء أعظم منه، العظيم؛ لأنه مالك أمور خلقه يعظمه خلقه، وله صفة العظمة في كل الأحوال. لقد تضمنت آية الكرسي مختصر العقيدة الإيمانية، وتطرقت إلى الذات الإلهية.

стр. 466

فقد تضمَّنت الكثير من أسماء الله الحسنى، والكثير من صفاته العلى، والضمائر الّتي تعود على ذاته. فمن أسمائه فيها: الله، لا إله إلَّا هو، الحي القيوم، العلي، العظيم، وهي ستة أسماء. ونجد الكثير من الضمائر في هذه الآية، مثل: هو، لا تأخذه، بما شاء، كرسيه، ولا يؤده، وحفظهما، وهو، وهذه الضمائر تقرب من (١٢) ضميراً كلها تعود إلى ذاته سبحانه، وأنه الإله الواحد الحق الّذي يستحق أن يعبد، وتوحيد الربوبية، يعني: هو الخالق وحده. فهي أعظم آية في القرآن الكريم، أو سيدة آي القرآن، كما ورد في الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، وفي حديث رواه النسائي، وابن حبان في صحيحه، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ : «من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلَّا أن يموت»، وذلك لأنها تضمَّنت كما قلنا توحيد الألوهية، والربوبية، والأسماء، والصفات. سورة البقرة [٢: ٢٥٦] ﴿لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: قيل: نزلت هذه الآية في السنة الرابعة من الهجرة، وكان المسلمون أقوياء أعزاء. ﴿لَا﴾: النّافية للجنس. ﴿إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ﴾: الإكراه: هو أن تحمل الغير على فعل من الأفعال، وهو كاره له، سواء أكان خيراً، أو شراً. لم يجبر الله -جل وعلا-، ولم يُكرِه أحداً من خلقه على الدخول في دينه، وطاعته،

стр. 467

إلَّا بالاختيار، والتمكين. ارجع إلى الآية (١٣٢) من نفس السورة؛ لمعرفة معنى الدِّين. فقد قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]. أي: لو شاء الله سبحانه لقسرهم على الإيمان، ولكنه لم يفعل، وبنى الأمر على الاختيار فقال: ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق وتوكيد. ﴿تَبَيَّنَ﴾: تميز. ﴿الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ﴾: ﴿الرُّشْدُ﴾: بضم الراء؛ أي: كيف يتم أو يحصل الصلاح في الأمور الدنيوية والأخروية، وقد تبين الطريق الموصل للنجاة، وسعادة الدارين، والهدى، والإيمان، والصلاح، والرُّشد: أعم من الرَّشد بفتح الراء: الذي يعني: الصلاح فقط في أمور الدين والآخرة؛ ارجع إلى سورة النساء آية (٦) لمزيد من البيان. ﴿الْغَىِّ﴾: الفساد: فساد الرأي والعقيدة والمذهب الباطل، والجهل، والضّلال، والهلاك، والكفر، والطاغوت، والأصنام. ارجع إلى سورة الحجر آية (٤٢) لمزيد من البيان. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾: من: شرطية، تفيد الاحتمال، والشك، والندرة، يكفر بالطاغوت. والطاغوت: صيغة مبالغة مشتقة من طغى، والطغيان هو تجاوز حدود الله. الطاغوت: تطلق على كل معتد، وكل معبود من دون الله، وتستعمل في الواحد والجمع.

стр. 468

ويشمل كبراء الظلمة من شياطين الإنس والجن. وكل ما عبد من دون الله من البشر، وهو راض بهذه العبادة. وسمي الساحر، والكاهن، والمارد من الجن، والصارف عن الحق طاغوتاً. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾: يكفر بصيغة المضارع؛ لتدل على الاستمرار، والتجدد، ولم يقل كفر، بالطاغوت: الباء للإلصاق، والمداومة على الكفر. ﴿وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾: إيماناً يتضمن توحيده في ألوهيته، وربوبيته، وأسمائه، وصفاته، وعبادته، وكذلك يؤمن بالملائكة، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء خيره وشره. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾: ﴿فَقَدِ﴾: الفاء رابطة لجواب الشرط، قد: للتحقيق، والتوكيد؛ أي: تأكد استمساكه بالعروة الوثقى. استمسك، ولم يقل أمسك: لأنّ استمسك أشد استمساكاً، وفيها معنى الحرص على الإمساك بالمجاهدة والصبر على دينه، والدعوة إلى الله ومجاهدة أهواء النفس، والشيطان، والفتن. ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: الباء: للإلصاق، والمصاحبة، ﴿الْوُثْقَى﴾: تأنيث الأوثق، والوثيق الثابت المحكم. والعروة: وهي الّتي نراها في طرف الحبل على هيئة الحلقة، والعروة في الثوب المكان الّذي يُدخل به الزر، والمقبض الّذي يمسك به الدلو. فالعروة الوثقى: تحتاج إلى الحبل، وهو القرآن، أو دين الإسلام؛ أي: من تمسك بالقرآن والسنة؛ فقد استمسك بالعروة الوثقى. ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾: لا انفصام؛ أي: لن تنفك، أو تنحل ناهيك عن الانقطاع؛

стр. 469

أي: لا يخاف السقوط في النار، ولا الهلاك، وسوف ينجو، ويصل إلى غايته، وهي الجنة العالية. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾: لما يقوله من يؤمن بالله، ويكفر بالطاغوت، سميع لأقوال عباده في السر والعلن. ﴿عَلِيمٌ﴾: ببواطن وظواهر ما يخفونه، وما يبدونه؛ من أقوال، وأفعال. وبما تخفي الصدور من تصديق بالإيمان، أو تكذيب، وعليم بمعتقداتهم، وأفعالهم، وبإيمانهم، ونواياهم، وغاياتهم. وهذه الآية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ﴾: دليل واضح على بطلان من زعم أنّ الإسلام انتشر بالقوة والسيف. لنقارن هذه الآية مع الآية (٢٢) من سورة لقمان: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. في آية لقمان: لا يذكر لا انفصام لها، ويذكر وإلى الله عاقبة الأمور. أما في آية البقرة: يذكر لا انفصام لها، والله سميع عليم، وهذا الاختلاف يرجع إلى السياق في البقرة في اتباع الطاغوت. وفي لقمان: السياق في اتباع الآباء، وهو أقل شدة من اتباع الطاغوت، فلا يحتاج إلى توكيد بالقول لا انفصام لها، ولا التهديد بالقول، والله سميع عليم.

стр. 470

سورة البقرة [٢: ٢٥٧] ﴿اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ﴿اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: الولي: القريب المحب المعين. ارجع إلى الآية (١٠٧) من سورة البقرة للبيان. الّذي يتولَّى أمور الّذين آمنوا وشؤونهم، مثل الوالي الّذي تولَّى أمر الرَّعية. ﴿يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: الظلمات: جمع ظلمة؛ لأن ظلمات الجهل، والكفر، والشرك، والضّلال متعددة، ومصادرها منها: الشيطان، والهوى، والنفس، والشهوة … وغيرها، والظلمات: جمع ظلمة. ﴿إِلَى النُّورِ﴾: أفرد النور؛ لأن النور هو الدين، والدين واحد وهو الإسلام، والنور قد يعني: القرآن والإسلام (الحق)، أو الطريق المستقيم، والهدى، والصلاح، وكلها تصب في مصب واحد، والنور: هو من الله تعالى، وهو واحد سواء أكان القرآن، أم الإسلام، أم الدِّين. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ ارجع إلى الآية (٦) لمزيد من البيان، أولياء: جمع وليّ.

стр. 471

الطاغوت: تستعمل للمفرد والجمع؛ أي: أولياؤهم الشياطين، وعلى رأسهم إبليس، أو أئمة الكفر والإلحاد. ارجع إلى الآية السابقة لمزيد من البيان. ﴿يُخْرِجُونَهُم﴾: ولم يقل: يخرجهم، وإنما أضاف النون، فقال: يخرجونهم للتأكيد على إضلالهم، وإخراجهم من النور إلى الظلمات. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعيد. ﴿أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٩) من سورة البقرة للبيان. سورة البقرة [٢: ٢٥٨] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجَّ إِبْرَاهِمَ فِى رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِمُ رَبِّىَ الَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: المناسبة: بعد أن ذكر الله سبحانه ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ جاء بهذه الآية؛ ليضرب لنا مثلاً لهذا الطاغوت، فاختار النمرود بن كنعان، كما قال أكثر المفسرين، وكان ملكاً على العراق، فقد ادَّعى الربوبية، كما سنرى. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: الهمزة في ألم همزة استفهام، وتعجُّب، وإنكار إلى الّذي حاجَّ إبراهيم. أي: ألم ينته إليك أو يصل إليك خبر، أو نبأ الّذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه.

стр. 472

﴿تَرَ﴾: هذه رؤية قلبية، وليس رؤية بصرية؛ لأنّ الرّسول ﷺ لم يكن حاضراً تلك المحاجة. ولنعلم أنّ الله سبحانه حين يخبرنا عن شيء كان، أو يقص علينا قصة فذاك الخبر، أو القصة، أو النبأ هو من عين اليقين، وأفضل مما لو رأيناه بأم أعيننا. ﴿إِلَى الَّذِى حَاجَّ إِبْرَاهِمَ فِى رَبِّهِ﴾: وحاجَّ: من المحاجَّة، وهي نوع من الحوار، وكل من المتحاورين يأتي بحجَّته الّتي تؤيد رأيه، ويكون أحدهما على حقٍّ، والآخر على باطل، وإلا لما جرت المحاجَّة؛ لأنّ المحاجَّة لا داعي لأنْ تجري بين حقٍّ وحقٍّ، أو باطل وباطل. ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾: ﴿أَنْ﴾: تعليل، ﴿آتَاهُ﴾: من الإيتاء، ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة. ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِمُ﴾: إذ: ظرف زمان (للماضي)، بمعنى: حين قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّىَ الَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ﴾: أي: الإحياء، والإماتة بيد الله لا ينكرها أحد حتّى الكافرون. ﴿قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ﴾: أي: أجابه الطاغوت أنا أحيي وأميت، فقد كان يظن هذا الطاغوت لكونه ملكاً أنه قادر على قتل أي أحد، أو تركه حيّاً، وهكذا فسر الإحياء والإماتة. ﴿قَالَ إِبْرَاهِمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾.

стр. 473

﴿فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَ﴾: البهت؛ يعني: الدهشة، والحيرة، والسكوت، وعدم معرفة ما يقول، أو يرد به على السائل على سؤاله المثير للدهشة، ويدل ذلك على خسارته للحوار، أو المحاجَّة، والوصول إلى النتيجة، وهي حُجَّة إبراهيم هي الحق، وحجَّة الآخر هي الباطل. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: الله سبحانه لا يهدي القوم الظالمين إلى دليل، أو سلطان؛ لأنه ليس وليهم، وإنما أولياؤهم الشياطين والطاغوت. فجاءت هذه المحاجَّة دليلاً، وبرهاناً ساطعاً على وجود الله سبحانه وعظمته، وقدرته، وأنه هو الإله الحق؛ الّذي يجب أن يُعبد، ثم جاء بعد ذلك بدليل وبرهان على قدرته على البعث والإحياء بعد الموت والفناء بذكر الّذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها. سورة البقرة [٢: ٢٥٩] ﴿أَوْ كَالَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْىِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ﴿أَوْ﴾: حرف عطف، أو للتخيير؛ أي: ألم تر إلى الّذي حاجَّ إبراهيم في ربه، أو الّذي مر على قرية، وهي خاوية على عروشها.

стр. 474

﴿كَالَّذِى﴾: الكاف: للتشبيه، الّذي: اسم موصول يفيد المدح هنا، ولم يُبن اسمه. ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾: القرية: تعني البنيان، أو العمران، والأهل معاً؛ لأنّ أهل القرية جزء منها. قرية، ولم يقل القرية: نكرة؛ لأنها كانت خاوية على عروشها، ولم تعد قرية. وبما أنها خاوية على عروشها، وهو ليس من سكانها الأوائل، فهو يمر بها في طريقه إلى جهة ما. من هو المار، ومن هذه القرية أبهم الله سبحانه ذلك؛ لكون الأسماء لا تهم في هذه الحالة، وقال أكثر المفسرين: إنه عزير (نبي من أنبياء بني إسرائيل). ﴿وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: وصف للقرية الخالية من السكان، والّتي سقطت أسقفها، وجدرانها، وأبنيتها مهدمة، والعروش هي السقوف، فكأنها سقطت أولاً، ثم تراكمت الجدران فوق بعضها البعض. قال الذي مرَّ على قرية: ﴿قَالَ أَنَّى يُحْىِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: قدَّم هذه (الهاء للتنبيه) ذه: اسم إشارة، على اسم الله؛ لتدل على الحصر والقصر، هذه القرية لا غيرها لشدة خرابها والإحياء هنا يكون لأهل القرية خاصة، وليس المهم هو إعادة البنيان والعمران. و ﴿أَنَّى﴾: هنا للاستفهام، وتحمل معنى كيف (الكيفية)، وتحمل من أين،

стр. 475

وكذلك تحمل معنى التعجب لشدة خرابها وفنائها كيف سيحيي الله هذه القرية بعد موتها؛ يعني: إحياء أهلها بعد موتهم، فهو لا يشك بقدرة الله تعالى، وإنما يُريد أن يطلع على عملية الإحياء، وكيف تجري، أو تتم؛ لأنه هو مؤمن بالله تعالى، وهو من الأنبياء، وكما فعل إبراهيم ﵇ حين قال: ﴿رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]. ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾: فاستجاب له سبحانه، وأراد أن يجعل السائل عن الكيفية هو نفسه موضع التجربة، وليس غيره، وتمت التجربة كما يلي: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة، أماته الله مباشرة مائة عام، واستعمل كلمة عام بدلاً من السنة؛ لأنّ القرآن يستعمل السنة للشدة، والمشقة، والعام يستخدم للخير والبركة، وهذا من خصائص القرآن، ولكون السائل لم يلاقِ أي مشقة، أو تعب في هذه المائة عام حيث كان نائماً. ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾: البعث فيه معنى الإحياء، والتهيج، والإثارة، والشدة. واستعمال (ثم) تدل على التراخي في الزمن، فقد مرَّ (١٠٠) عام على موته. ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾: ﴿كَمْ﴾: استفهامية لتعيين العدد، وتحتاج إلى جواب، والسائل كم لبثت هو الله -جل وعلا-، والله أعلم؛ أي: كم أقمت في مكانك أو نومك، ولم يقل كم مكثت. المكث: الاستقرار الغير محدد بزمن، بينما اللبث: استقرار أو إقامة أو بقاء محدد بزمن معين.

стр. 476

﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾: قال الرجل: لبثت يوماً أو بعض يوم: هذه الإجابة فيها معنى التردُّد والشك، واليوم يعني: النهار في القرآن (١٢) ساعة فقط، وليس (٢٤) ساعة، كما يظن البعض؛ أي: من الفجر إلى غروب الشّمس، وقد قال المفسرون: لعله وجد النهار قد قارب على الزوال، فقال: لبثت يوماً أو بعض يوم (بعض ساعات من اليوم). ويبدو أنّ الرجل قد نظر في حاله، وما حوله، فأجاب على السّؤال حسب تقديره، فهو يشعر بأنه لم يتغير في قوته، ونشاطه، فيبدو أنّ إجابته صادقة. ﴿قَالَ بَلْ لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾: قال الله الحق رداً على جواب عزير: بل لبثت مئة عام. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب انتقالي. ﴿لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾: لبثت في موتك (١٠٠ عام)، أو منذ سألت سؤالك (١٠٠) عام، ولم يقل: مئة سنة. السنة: تستعمل في سياق المشقة والبؤس، ولأنّ مكثه في تلك الحالة كان أمراً سهلاً، لم يعتريه مشقة، أو صعوبة؛ حيث كان نائماً فاستعمل العام. ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: فانظر الفاء تدل على المباشرة والتعقيب. ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ﴾: الّذي كان معك، وقيل: كان من التين والعنب، وعصيراً، أو لبناً.

стр. 477

﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم يتغير؛ أي: لم تمر عليه السنون، أو الزمن الطويل؛ حتى يتغيَّر طعمه، أو لونه، أو يفسد. فنظر الرجل إلى طعامه وشرابه فوجد أنه لم يتغيَّر لونه، ورائحته وكميته. وكون طعامه وشرابه لم يتسنَّه: يدل على أنه لبث يوماً، أو بعض يوم، ويبدو أنّ الرجل كان صادقاً في زعمه، وسأل الله سبحانه الرجل: أن ينظر إلى حماره؛ لكي يريه أنه لبث مئة عام، فنظر فوجد عظام الحمار قد تبعثرت على الأرض، ولم تعد مكسوة باللحم، والحمار قد تحول إلى هيكل عظمي، ملقى على الأرض. وهذا مستحيل أن يحدث في يوم واحد، فنحن أمام حادثة، أو معجزة بعض مظاهرها يؤيِّد أنه لبث يوماً أو بعض يوم، وبعض مظاهرها يؤيِّد أنه لبث مئة عام، وكلاهما حق وصدق، فالنظر إلى ما حدث للحمار دليل على صدق مرور مئة عام. والنظر إلى الطعام دليل على صدق مرور يوم أو بعض يوم، فالله سبحانه قادر على أن يقبض الزمن، أو يبسطه، وهذا من مظاهر القدرة الإلهية المطلقة، أن يقبض الزمن، أو يبسطه فيجعل اليوم كسنة، ويجعل السنة كيوم، أو يقبض الزمن لشيء، ويبسطه لشيء آخر في الوقت نفسه، فالله سبحانه خالق الأضداد، فهو القادر على الجمع بين ضدين كهذين. ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾: الواو: عاطفة، اللام للتوكيد، نجعلك آية للناس: أي: علامة على قدرة، وعظمة الله على البعث والإحياء إضافة إلى العلامات الأخرى.

стр. 478

وقدَّم كلمة آية بدلاً من القول: ولنجعلك للناس آية. ارجع إلى سورة مريم، آية (٢١) لمعرفة السبب. ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾: ثم طلب الله سبحانه من السائل أن ينظر إلى عظام الحمار ليريه كيف يحيي الموتى فنظر فرأى كيف ﴿نُنْشِزُهَا﴾: نرفعها من الأرض، ونردها إلى أماكنها في الجسم، الإنشاز: هو الرفع، وكذلك له، معنى آخر هو نحييها، إذن ننشزها نحييها، ونردها إلى أماكنها. ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب العددي. ﴿نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾: نلصق العضلات والأعصاب، والعروق الشرايين والأوردة بها، ونربطها ربطاً محكماً. ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾: الفاء: للتوكيد، ﴿تَبَيَّنَ لَهُ﴾: فلما رأى عملية الإحياء. ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: قال العُزير: أعلم أنَّ، أنَّ: للتوكيد. ﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ارجع إلى الآية (٢٠) من نفس السورة للبيان.

стр. 479

سورة البقرة [٢: ٢٦٠] ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿وَإِذْ﴾: أي: واذكر؛ إذ قال، أو اذكر حين قال إبراهيم؛ إذ: ظرف زماني. ﴿قَالَ إِبْرَاهِمُ رَبِّ أَرِنِى﴾: إذ دعا إبراهيم ربه قال: رب. ولم يقل: يا رب. لم يستعمل ياء النداء؛ للبعد؛ لأنه يعلم أنّ ربه قريب منه. ﴿أَرِنِى﴾: رؤية بصرية عينية كيف تحيي الموتى، كيف تجري عملية إحياء الموتى. ﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام عن الحال. ﴿تُحْىِ الْمَوْتَى﴾: الموتى: جمع ميِّت؛ أي: لمن فارقته روحه ومات. وإياك أن تظن أنّ إبراهيم يشك في سؤاله هذا في قدرة الله سبحانه على إحياء الموتى، والبعث وإنما إبراهيم يريد معرفة الكيفية، وليس القدرة، فهو يعلم أنّ الله على كل شيء قدير، والدليل على ذلك المحاجة مع الكافر في الآية (٢٥٨). ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِمُ رَبِّىَ الَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ﴾.

стр. 480

﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾: الهمزة في أولم هي همزة استفهام، وتقرير؛ أي: ليقول بلى. ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾: ﴿بَلَى﴾: حرف جواب تختص بوقوعها بعد النفي فتجعله إثباتاً. ﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك يفيد التّوكيد. ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾: اللام: في ليطمئن لزيادة التّوكيد، يطمئن قلبي: أن يسكن، ولا يستمر في التطلع، والتشوق إلى معرفة الكيفية (حب الاستطلاع) في إحياء الموتى. ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: ﴿فَخُذْ﴾: الفاء: للمباشرة، والتعقيب؛ أي: خذ الآن، أو بسرعة أربعة من الطير، ﴿مِنَ﴾: تدل على المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر والمؤنث، وتنزل منزل العاقل أو غير العاقل. ﴿الطَّيْرِ﴾: أي: أربعة أنواع من الطير، ولم يقل أربعة طيور؛ لأنّ أربعة طيور قد تكون من صنف واحد. أما أربعة من الطير: أربعة أنواع مختلفة من الطير، الطير اسم جنس، والطير جمع طائر. والطير جاء بـ (ال) التعريف طيور معروفة لديك، أو يعرفها النّاس، مختلفة؛ لأنّ هناك كثيراً من الطيور لا يعرفها النّاس تطير في السماء، مثال: خذ حمامة، وغراب، وهدهد، وعصفور. ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: الفاء: تدل على المباشرة، والتعقيب. صرهن إليك: إما

стр. 481

تعني: اضممهن إليك؛ للتأكد من النوع، واللون، والشكل، أو تعني: أملْهِن إليك: من أملته فمال. أو تعني: قطعهن؛ أي: اذبحهن، ثم قطعهن، وقيل: فصرهن مشتقة من الصور: القطع؛ أي: واخلط الأجزاء بعضها. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للتراخي في الزمن حيث إبراهيم بحاجة إلى زمن ليصعد على كل جبل، وينزل، ثم يصعد إلى آخر، وهكذا ليضع جزءاً من لحم الطير المختلط هنا وهناك على كل جبل. أربعة جبال، والجبل، ولم يقل: الطور؛ أي: التل، الجبل: أعظم من الطور حجماً وارتفاعاً، ولمعرفة الفرق بين الجبل والطور؛ ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٧١) للبيان. ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾: ﴿ثُمَّ﴾: تعني: الواحد تلو الآخر بفاصل زمني. ﴿ادْعُهُنَّ﴾: اسألهن، أو اطلب منهن، ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾: السعي: هو المشي بسرعة، ولم يقل: يأتينك طيراناً، كما تطير الطيور؛ لأنها لو طارت أمامه؛ لما تحقق من أنها هي نفس الطير من حيث الشكل، واللون، وإنما: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾: تمشي أمامك، وتتأكد منها، وتعلم أنها نفس الطير. ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿وَاعْلَمْ﴾: علم اليقين، ﴿أَنَّ﴾: للتوكيد، ﴿اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: قوي قادر غالب على أمره، لا يُقهر، ولا يُعجزه شيء في الأرض، أو السموات، ﴿حَكِيمٌ﴾: في تدبيره لشؤون خلقه، وحكيم مشتقة من الحكمة،

стр. 482

لا يخلق شيئاً عبثاً، وحكيم؛ لأنه هو الحاكم، فهو أحكم الحكماء، وأحكم الحاكمين. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة لمزيد من البيان. سورة البقرة [٢: ٢٦١] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾: مثل نفقتهم كمثل حبة؛ أي: كل صدقة يتصدقون بها، أو نفقة ينفقونها كمثل حبة. الإنفاق: هو إخراج المال من الملك، فلا يعُد يملكه. ﴿يُنْفِقُونَ﴾: جاء بالفعل المضارع؛ لأنّ الإنفاق يجب أن يتجدد، ويتكرر، ولا يكون مرة واحدة، وإلا لقال: مثل الّذين أنفقوا أموالهم. وجاءت مرة واحدة المنفقين بالأسحار: المنفقين: أصبح الإنفاق سمة، وصفة ثابتة لهم، والجملة جملة اسمية تدل على الثبوت. ﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: الجهاد، أو جميع مصارف الصدقات، وكل ما يؤدي إلى مرضاته، وإعلاء كلمته. ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾: ﴿كَمَثَلِ﴾: الكاف: كاف التشبيه، ﴿حَبَّةٍ﴾: من القمح، أو الشعير، أو غيرها. ﴿أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾: أي: شبه الصدقة الّتي تنفق في سبيل الله بحبة زُرعت، فأنبتت سبع سنابل ﴿فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾: فأصبحت (٧٠٠) حبة. ﴿أَنبَتَتْ﴾: أسند الإنبات إلى الحبة مع العلم أنّ الله هو المنبت.

стр. 483

﴿سَبْعَ سَنَابِلَ﴾: ولم يقل: سبعَ سنبلات، سبع سنبلات: جمع قلة، وسبع سنابل: جمع كثرة، وما دمنا في ذكر الصدقات فهو مقام المضاعفة، والتكثير، وليس مقام التضعيف والقلة. أي: صدقة، أو نفقة واحدة لها ثواب، أو أجر (٧٠٠) صدقة درهم واحد له أجر، أو ثواب (٧٠٠) درهم، أو أكثر. ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: أي: ليس لكل منفق هذه المضاعفة، يضاعف لمن يشاء أكثر من (٧٠٠)، وهذه المضاعفة تعود إلى أحوال المنفقين أهم فقراء وينفقون، أم أغنياء وينفقون، وما هي نياتهم، وما يتبع الصدقة من المن والأذى، وهل كانت في السر، أم العلن، وغيرها. واللام في ﴿لِمَنْ﴾: للاختصاص، والاستحقاق. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: واسع الكرم، والفضل، والإحسان، وواسع الغنى، وواسع الملك. ﴿عَلِيمٌ﴾: بالمنفقين، وأحوالهم، ونياتهم، وما تكن صدورهم عليم بما يملكون من أموال وقدرات. سورة البقرة [٢: ٢٦٢] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ارجع إلى الآية السابقة للبيان. ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتراخي في الزمن، فالمنفق، أو المعطي صدقة قد لا يمن على صاحبها ساعة العطاء، أو في الأيام، أو الأسابيع

стр. 484

التالية، وإنما قد يتأخر شهوراً، أو سنة، أو سنتين، ثم يعود ليمن، أو ليذكر من أنفق عليه، أو تصدق عليه بصدقته. ﴿مَنًّا وَلَا أَذًى﴾: لا في الزمن القريب، ولا البعيد. المنُّ: هو أن يُذكر من أحسن إليه؛ أي: تصدق عليه بإحسانه، أو بصدقته، أو أنه صاحب فضل عليه. والأذى: أعم من المن، فهو يتضمن المن، كالمس بكرامة من تصدق عليه، أو إذلاله بين النّاس، أو أن يفضح المتصدق عليه، وهذا نوع من ذكر العام بعد الخاص؛ للتوكيد على العام. ﴿لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ﴿أَجْرُهُمْ﴾: ثوابهم عند ربهم. ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٨) من سورة البقرة للبيان. سورة البقرة [٢: ٢٦٣] ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ﴾: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾: كلام طيب للفقير، أو المتصدق عليه، إذا لم يجد ما يتصدق به. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾: الستر على المحتاج بعدم إظهار فقره، أو فضحه بين النّاس، والعفو عن سوء تصرفه إذا ألح بالسؤال، أو أزعج المسؤول، فهذا الكلام الطيب والمغفرة ﴿خَيْرٌ﴾: وأنفع من الصدقة الّتي ﴿يَتْبَعُهَا أَذًى﴾.

стр. 485

﴿وَاللَّهُ غَنِىٌّ﴾: يرزق العاصي والمطيع، والغني عن عباده، وعن صدقاتهم، وعبادتهم، غني؛ لأنّ له ما في السموات، وما في الأرض. ﴿حَلِيمٌ﴾: لا يعجل بالعقوبة، بل يصفح، ويعفو عمن يمن، ويؤذي بالصدقة أحياناً، فلما ذكر الأذى جاء بذكر الحليم؛ لأنه لا يعجل بالعقوبة على الأذى، حليم بمن يبخل ويشح لعله ينفق ويتصدق. سورة البقرة [٢: ٢٦٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِى يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: نداء جديد للذين آمنوا، وتحذير، ونهي. ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾: إبطال الصدقات؛ أي: إفساد ثوابها، وذهاب أجرها بالمن والأذى. وفي الآية السابقة ذكر ثواب من لا يتبع الصدقة بالمن والأذى، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ﴿بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾: إعادة ذكر المن والأذى: هو للتأكيد على تجنب ذلك، وشبه من يتبع صدقته بالمن والأذى: ﴿كَالَّذِى يُنْفِقُ مَالَهُ﴾: أي: لا تبطلوها مشابهين الّذين ينفقون مالهم رئاء النّاس. ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾: الرياء: أن يظهر جميل الفعل رغبة في حمد الناس لا في ثواب الله تعالى، ويسمى الشرك الخفي؛ أي: لا ينفقها ابتغاء مرضاة الله، بل

стр. 486

مرضاة النّاس، ينفقها مرائياً؛ لينال حمدهم، وثناءَهم عليه، وليقال: إنه كريم، وذو سمعة طيبة. النّاس: ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة لمزيد من البيان. والرياء: نوع من الشّرك، وهو الشّرك الخفي، وهو ينافي الإخلاص. وهذا المنفق رياءً له خصلة أخرى هي أنه: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: ولا يؤمن بالله، واليوم الآخر، فعدم الإيمان بأحدهما يكفي؛ لأن يكفر، والباء: باء الإلصاق، ولا يؤمن بالله إيمان عقيدة. ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾: والصفوان: هو الحجر الأملس، ويسمى المروة، وهو الّذي لا مسام له يمكن أن تشاهدها بالعين المجردة؛ أي: مثل المرائي في الإنفاق كمثل حجر أملس صلب. ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾: أي: تراكم عليه التراب. ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾: المطر الشديد الغزير، الفاء للتعقيب والسرعة. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: فأصبح أجرد ليس عليه تراب، والرأس الأصلد الّذي لا ينبت عليه شعر. أي: نفقات المرائين يبطل ثوابها، وتذهب هباءً كما تذهب ذرات التراب الّتي تراكمت على الحجر الأملس بعد أن أصابه مطر غزير، وشديد، فالرياء جرف حسناته، ولم يبقَ منها أثر. ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾: ﴿لَا﴾: النّافية.

стр. 487

﴿يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾: أي: لا يقدر المنان، والمرائي، والمؤذي على الانتفاع بأي شيء (مما أنفقوا) مما كسبوا من أجر، أو حسنة لما أنفق، والإنفاق: هو أحد الأعمال الصالحة الّتي خسر ثوابها بسبب ما فعله. بينما الأعمال الأخرى من صلاة، وحج، وغيرها يبقى ثوابها. ولو قال: ﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَىْءٍ﴾ كما جاء في سورة إبراهيم، آية (١٨)، فذلك يعني: كل أعمالهم الحسنة خسروها؛ لقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا عَلَى كَسَبُوا شَىْءٍ﴾: أي: شيء من الصلاة، والزكاة، والعبادات، كلها بطلت، بينما في آية البقرة (٢٦٤) فقط الصدقة يبطل ثوابها. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: والله لا يهدي من اختار طريق الضّلال، والكفر، وعدم الإيمان بالله، واليوم الآخر، وأنفق ماله رئاء النّاس، ولم يرجع عن غيه، وضلاله، فهؤلاء الكافرين الّذين أصبحت سمة الكفر عندهم ثابتة الله لا يهديهم، ويتركهم في طغيانهم يعمهون. فائدة ضرب المثل: فمثله كمثل صفوان عليه تراب بعد تقرير الحكم لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى؛ ليثبت الحكم في النفس، فلا ينساه المستمع. وضرب المثل فائدته: إزالة غموض الإجمال.

стр. 488

سورة البقرة [٢: ٢٦٥] ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَئَاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: ﴿وَمَثَلُ﴾: المثل: أنّ الشّيء يشبه بشيء آخر، من وجه واحد، ولا يكون مثله في الحقيقة، إلَّا إذا أشبه من جميع الوجوه، وقولك هذا مثل هذا؛ أي: في الصفة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿يُنْفِقُونَ﴾: الإنفاق: هو إخراج المال من الملك، وصيغة المضارع تدل على التجدد، والتكرار. ﴿أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾: أي: طلباً لرضوان الله خالصة لوجه الله بإخلاص ومن دون رياء. ﴿وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾: أي: احتساباً، وتصديقاً من أنفسهم، ويدعون الله أن يتقبل نفقاتهم، فلا يبطلون ثواب أعمالهم بالمن، والأذى، أو يتأكدون، ويتحقَّقون حين الإنفاق أنها ستصل إلى الله تعالى، فكان أحدهم إذا هم بالصدقة يتثبت، فإن كانت لله أمضى، ومنهم من قال: التثبيت يعني مجاهدة النفس على البذل، ونبذ البخل، وتدريبها على الإنفاق. ﴿مِّنْ﴾: للابتداء.

стр. 489

﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾: الكاف: كاف التشبيه مثل جنة بربوة: الجنة البستان الكثير الأشجار والثمار. ﴿بِرَبْوَةٍ﴾: الربوة: ما ارتفع من الأرض ارتفاعاً يسيراً. ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾: الوابل المطر الشديد الغزير عظيم القطر. ﴿فَئَاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة، آتت أكلها ضعفين: أي: ثمارها. والضعف: ما يساوي الشّيء مرتين؛ أي: مثلَي ما كانت تثمر. ﴿فَإِنْ لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: ﴿فَإِنْ﴾: إن: شرطية. ﴿لَّمْ﴾: حرف نفي. ﴿يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾: الطل: المطر الخفيف، الرذاذ. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: ارجع إلى الآية (٢٣٧) لمزيد من البيان. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: (تضم الأقوال والأفعال) في الإنفاق والصدقات. ففي هذه الآية يشبه لنا الله سبحانه من ينفق ماله ابتغاء مرضات الله، وتثبيتاً من أنفسهم كجنة بربوة إن نزل عليها وابل من المطر أخذت منه حاجتها، وأتت أكلها ضعفين، وباقي المطر يذهب في مصارفه، وإن نزل عليها طل أيضاً أتت أكلها ضعفين، ومن المفسرين من قال: ضعفين؛ يعني: أربع مرات. سورة البقرة [٢: ٢٦٦] ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ

стр. 490

لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾: ﴿أَيَوَدُّ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري؛ أي: لا يود أحد ذلك. الود: حب الشّيء مع تمنيه، وكل مودة محبة، وليس كل محبة مودة، والمودة: هي حصيلة المحبة التي يرافقها الإخلاص. ﴿لَهُ﴾: اللام: لام الاختصاص، والملك. ﴿جَنَّةٌ مِنْ نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾: بستان من نخيل، وأعناب تجري من تحتها الأنهار. ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: له فيها من كل الثمرات، هذا ذكر العام بعد الخاص، (وهو النخيل والأعناب)، وذكر النخيل والأعناب؛ لأنهما من أكرم الشجر، ومن أنفعها، وذكر الشّيء مرتين مرة بخصوصه، ومرة بعمومه؛ يدل على أهميته. ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: من: ابتدائية، وقد تكون استغراقية؛ أي: فيها من كل ثمرة من دون استثناء. ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾: الواو: للحال؛ أي: أن تكون له جنة، وقد أصابه الكبر التقدم في العُمر، وتقديره: أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر؛ أي: أصابه العجز، ولم يعد له طاقة على العمل، أو اقترب من أجله. ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾: ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾: الذرية: هم النسل أو الأولاد؛ أي: نسل الإنسان،

стр. 491

والذرية: النساء والصغار، وله قد تعني من ذريته، أو من غير ذريته (كالأيتام وأولاد الفقراء) صغار غير قادرين على العمل مثل أولاد الفقراء، واليتامى؛ الّذين حياتهم قائمة على هذه الجنة، ضُعفاء: بضم الضاد يعني ضعف البنية والجسم مقارنة بقوله تعالى في سورة النساء الآية (٩) ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾؛ أي: فقراء؛ أي: ضعف مادي، أما الضعفاء في آية البقرة: هو ضعف بنية؛ أي: صغار. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (٢١) لمعرفة الفرق بين ﴿ضِعَافًا﴾ و ﴿الضُّعَفَاؤُا﴾. ارجع إلى سورة النساء آية (٩) لمزيد من البيان. ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾: الإعصار: ريح شديدة، عاصفة تنعكس من الأرض إلى السماء، مستديرة كالعمود، وتسمى زوبعة شديدة، وسمِّيت إعصار؛ لأنها تعصر ما تمر به من أي شيء، أو تتلفه، أو تلتف كما يلتف الثوب المعصور. أي: يا أيها المنفق رياء، وليس ابتغاء وجه الله، أو تتبع ما تنفق بالمن والأذى، أتود أن تذهب نفقاتك وصدقاتك يوم القيامة هباءً منبثاً، وتخسر كل شيء، وتكون عليك حسرة كالذي له جنة من نخيل وأعناب، وتجري من تحتها الأنهار، وله فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر، فهو لا يقدر على الكسب، وليس له إلَّا هذه الجنة، وله ذرية ضعفاء لا مورد لهم إلَّا هذه الجنة، فأصابها إعصار فيه نار؛ فاحترقت فأصبحت كالصريم. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ﴾: (خاصة) ﴿الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ﴾: لعل: للتعليل، ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾: أي: لتتفكروا في هذه الأمثال، وتنظروا في هذه البدائل، وتختاروا ما هو الأفضل لكم، والباقي الدائم من الفاني الزائل. انتبه إلى قوله: ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾: يرجح أنّ هؤلاء الذّرية هم ليسوا أولاده أو من نسله؛ لأن من النادر أنّ نرى شيخاً مسناً أصابه الكبر، وله أولاد صغار؛ لأنّ

стр. 492

أولاده يجب أن يكونوا قد كبروا، وبلغوا مرحلة الشباب، والقوة، وقادرين على كسب معاشهم. إذن: من هؤلاء الذّرية؟ هم أولاد الفقراء، والمحتاجين، والّذين هم بحاجة إلى من ينفق عليهم، فهم كذريته. سورة البقرة [٢: ٢٦٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد بتوصية جديدة، والهاء: للتنبيه. ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾: قلنا: الإنفاق: هو إخراج المال من الملك، فلا يعد ملكه. ما: أوسع شمولاً من الذي؛ كسبتم: من الكسب الذي يأتي في سياق الحسنات أو الخير، واكتسب: تأتي في سياق الشر والمعاصي، وعلى وزن افتعل الذي يدل على بذل الجهد. أنفقوا من الكسب الحلال الطيب، وليس من الخبيث الحرام؛ لأنّ الله طيب، ولا يقبل إلَّا طيباً (رواه مسلم عن أبي هريرة)، وأنفقوا: تشمل الزكاة، والتطوع. ﴿طَيِّبَاتِ مَا﴾: اسم: موصول؛ بمعنى: الّذي، ولكنها أوسع شمولاً للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث وللعاقل وغير العاقل. ﴿كَسَبْتُمْ﴾: من المال، والتجارة، والزراعة، والصناعة، وغيرها. الكسب: قد يكون لنفسه، ولغيره، ويأتي في سياق الحلال. أما الاكتساب: فهو لنفسه وحده، ويأتي في سياق الحرام.

стр. 493

﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾: ﴿وَمِمَّا﴾: أي: من البعضية، ما: اسم موصول كالسابقة، أو حرف مصدري، وتشمل الحبوب، والثمار، والمعادن، والبترول، والذهب، والفضة. ولم يقل: ما أخرجتم؛ لأن ما يخرجه الله سبحانه يفوق الأضعاف الكثيرة مما يخرجه الإنسان، أو ما يخرجه الإنسان لا يكون إلَّا بإذن الله، وتوفيقه، وهو من ملك الله. ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾: ﴿وَلَا﴾: النّاهية، ﴿تَيَمَّمُوا﴾: أصلها تتيمَّموا، تاءان أدغمت أحدهما في الأخرى، والتيمم في اللغة: القصد؛ أي: لا تقصدوا. ﴿الْخَبِيثَ﴾: الرديء، السيَّئ، غير الصالح، وقد يعني الحرام. أي: لا تقصدوا وتختاروا الرديء غير الجيد، أو غير الصالح، أو الحرام؛ لتنفقوا منه، فهذا لا يليق بالمؤمن، ولا يقبله الله سبحانه. ﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾: ﴿وَلَسْتُم﴾: الواو: للتأكيد، لستم: للنفي. ﴿بِآخِذِيهِ﴾: الباء: للإلصاق، آخذيه لأنفسكم: أي: لا يرضى الواحد منكم أن يأخذه لنفسه، أو لعياله؛ لكونه سيئاً، ورديئاً، وغير صالح، فكيف يرضى أن يعطيه لغيره. ﴿إِلَّا أَنْ﴾: إلا: للحصر، وأن: للتوكيد. ﴿تُغْمِضُوا فِيهِ﴾: الإغماض: هو الأصل إطباق الجفن على الجفن، واستعير للتساهل، وللتغافل. فيكون المعنى: لا تأخذوه إلَّا أن تغضوا أبصاركم عن النظر إلى رداءته؛

стр. 494

أي: تنظروا إليه بشكل سريع، ولا تدققوا في جودته، ونقائه، أو تفحصوه في باطنه وأسفله، ويعني ذلك: تتجاوزوا، وتتغافلوا عن عيبه، فتأخذوه، أو تأخذوا بعضه. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾: ﴿أَنَّ﴾: تأكيد؛ لكون الله غنياً حميداً: ١ - أي: إذا أردت أن تنفق من الخبيث، والرديء، والسيئ، والحرام؛ فالله غني عن إنفاقك، وليس لك ثواب عليه، فالله طيب، ولا يقبل إلَّا طيباً. ٢ - حميد: المحمود من جميع صفات الحمد كلها؛ أي: محمود في الأرض والسماء؛ لما أنعم من النعم على خلقه، وحميد؛ لكونه أخبركم ونبهكم إلى أخطائكم، فيجب أن تحمدوه على ذلك، والحمد لله. ولم يقل في هذه الآية: غني حليم، كما في الآية (٢٦٣)؛ لأنه ليس فيها ذكر الأذى، ولكن ذكر الخبيث والرديء والسيئ، فالله غني عن ذلك، ويستحق الحمد على شرعه، وأحكامه. سورة البقرة [٢: ٢٦٨] ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿الشَّيْطَانُ﴾: ارجع إلى الآية (٣٦)؛ لمعرفة اشتقاق كلمة الشيطان. ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾: ولم يقل: يعدكم الشيطان فقراً، وإنما قدَّم الفاعل على الفعل؛ للتحذير، والانتباه من الشيطان. ﴿يَعِدُكُمُ﴾: يوسوس لكم: أنّ الإنفاق سيجركم، أو يسبب لكم الفقر، أو يخوِّفكم من الفقر، أو أن تصدقوا بالخبيث، أو الرديء.

стр. 495

يعدكم: من الوعد، والوعد يكون في الخير، أو الشر، إذا قيَّد، وإذا أطلق: اختصَّ بالخير، وأما الوعيد: لا يكون إلَّا في سياق الشر. ﴿الْفَقْرَ﴾: هو سوء الحال، وقلة اليد، وأصله مشتق من كسر فقار الظهر، يقال: رجل فقر وفقير إذا كان مكسور الفقار. ﴿وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾: أي: يُغريكم من إغراء الأمر للمأمور؛ أي: التزيين. الفحشاء: ما عظُم قبحه، أو خبثه من الأفعال، والأقوال؛ أي: شديد القبح، أو الخبث، فهو فاحش، والفاحشة قد تعني عبادة الأصنام، والزنى، واللواطة، والقذف، والإفك، ومعصية الرسول، والافتراء على الله، وشرب الخمر، ومنهم من قال: الفحشاء الذنوب الّتي فيها حد، أو المعاصي (القبيح من القول والفعل)، وفي هذه الآية تعني: يعدكم الفقر، ويأمركم بالإنفاق من الخبيث الرديء السيِّئ. ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾: الوعد هنا مقيَّد ومختصٌّ بالخير. ﴿يَعِدُكُمْ﴾: وفيها تقديم الفاعل على الفعل؛ للتأكيد، والتنبيه، وأصلها يعدكم اللهُ مغفرة منه على إنفاقكم في سبيله. والمغفرة: تعني: ستر الذّنب؛ أي: يغطي الذّنب، يستر عليه ذنبه، أو جرمه، ولا يفضحه، وإذا ستر عليه يعني لا يعاقبه عليه؛ أي: يغفره؛ أي: يمحوه (يمحو سيئاته)، ويعطيه ثواب أعماله الصالحة. فالمغفرة = العفو + الثواب؛ أي: ستر الذّنب، ومحوه، والثواب على الأعمال الصالحة، فلا يطرح سيئة من حسنة، والعفو: إسقاط الذّنب، وترك العقوبة، ولا يقتضي الثواب.
следующие страницы →