← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

يحصل له الآن من ضر بعد أسابيع أو أشهر يجد أنّ ما حدث له وظنه ضراً إذا به نفعٌ، والأمر قد يكون في الظّاهر ضراً وفي الباطن رحمة، فلا يعلم الغيب إلا الله، وكلّ ما يجري الرّحمن من الأقدار هي من منطلق الرّحمة. التّفسير الثّاني: جاء باسم الرّحمن؛ للتذكير باللجوء إلى الرّحمن عند الإصابة بالضّر ليكشفه، ولم يقل إن يردن الرّحمن بضر أو رحمة، حذف ذكر الرّحمة؛ لأنّ الرّحمة مصدرها معروف من الرّحمن، والرّحمن هو رحمة بذاته ومن صفاته الثّابتة الرّحمة. ﴿لَا تُغْنِ عَنِّى شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾: لا النّافية، لا تغن عني شفاعتهم: على افتراض أنّ الآلهة قادرة على الشّفاعة فشفاعتها لن تجدي ولن تقبل، وهي أصلاً لا تسمع ولا تبصر ولا تغني شيئاً، فلا تسمع من يدعوها، شيئاً: نكرة أيّ شيء مهما كان، والشّيء هو أقل القليل، شيئاً: توكيد ويدل على المقدار؛ لا تغن: حذف الياء، ولم يقل: لا تغني؛ لأنها لا تغني ولو الشيء القليل؛ أي: لا تغن شيئاً مهما كانت. ﴿وَلَا يُنْقِذُونِ﴾: لا النّافية، ينقذون: لا يستطيعون إنقاذي، ولا ينقذون، وقدم الشفاعة على الإنقاذ؛ لأن الإنقاذ يلجأ إليه بعد عدم نفع الشفاعة؛ مما أرادني به الرّحمن من ضر. ولا ينقذون حذف الياء تعني: حتّى من أدنى الإنقاذ أو من الأمر القليل (ولم يقل ينقذوني) أو تعني ينقذون أنا أو غيري تشمل الكل ولو قال ينقذوني تعني: لا ينقذوني أنا وحدي وينقذون غيري وهو نفي مستمر. سورة يس [٣٦: ٢٤] ﴿إِنِّى إِذًا لَّفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد

стр. 4307

﴿إِذًا﴾: حرف جواب؛ أي: إنّي إذا اتخذت من دونه آلهة وعبدتها وطلبت شفاعتها. ﴿لَّفِى﴾: اللام للتوكيد، في: ظرفية؛ أي: ضلال يحيط بي من كلّ جانب ولا أستطيع الخروج منه. ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ضلال واضح بيّن لكلّ من يطّلع عليه؛ أي كلّ فرد، وضلال بيّن لا يحتاج إلى برهان أو دليل. سورة يس [٣٦: ٢٥] ﴿إِنِّى آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾: ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد. ﴿آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾: آمنت بالّذي خلقكم. قيل: إنّه خاطب الرّسل بهذا ليشهدوا له ويشجعهم على الاستمرار في الدّعوة لمّا همَّ قومُهُ على قتله، أو خطاب إلى قومه، أو قال: بربكم لإقامة الحجة عليهم، قال: ربكم لأنّ ربه وربهم واحد ولم يقل بربي وربكم؛ لكي لا يظنوا أنّ هناك أرباباً متعددة. ﴿فَاسْمَعُونِ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، اسمعون: النّون للتوكيد، (اسمعون) في بلاغي ودعوتي لكم بالإيمان والتّوحيد وتصديق الرّسل أو صدقوني أو (اسمعون) فيما أقوله لكم حذف ياء المتكلم؛ أي: ولو شيئاً قليلاً، ولم يقل فاسمعوني: التي تدل على السمع الكثير والطاعة أو تعني فاسمعون أنتم وغيركم؛ أي: الكل ولو قال فاستمعوني تعني: أنتم وحدكم بل أراد أن يشمل هم وغيرهم. سورة يس [٣٦: ٢٦] ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ﴾: ﴿قِيلَ﴾: مبني للمجهول قد تكون الملائكة الّتي قالت ذلك، أو يحكي الله

стр. 4308

تعالى عن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة (حبيب النجار) ما قاله بعد أن استشهد في سبيل الله وفاضت روحه. ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾: بعد أن استشهد، ولم يذكر الله سبحانه ما حدث له وكيف قُتل فلما دخلها: ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ﴾: ليت للتمني وتستعمل للتمني المستحيل الحدوث أو الأمور الصّعبة، يعلمون: بمغفرة ربي لي وبالنّعيم الّذي أنا فيه؛ أي بمكرمته لي. سورة يس [٣٦: ٢٧] ﴿بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾: ﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق، ما اسم موصول بمعنى الّذي أو حرف مصدري؛ أي: بغفران الله لي أو بالّذي غفر لي به ربي، فيؤمنون كما آمنت وسبقت المغفرة دخول الجنة؛ أي: التّطهير من الذّنوب أوّلاً ثمّ دخول الجنة، والغفران يعني محو الذّنب وترك العقوبة، والإثابة على الحسنات؛ أي: الأعمال الصّالحة. ﴿مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾: من: ابتدائية. المكرمين: جمع مكرم من كرم، وتفيد الدوام على التكريم والمبالغة فيه؛ أي: زمرة المقربين لله؛ أي: الشهداء.

стр. 4309

سورة يس [٣٦: ٢٨] ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ﴾: الواو استئنافية، ما: النّافية أقوى نفياً من لم. من: ابتدائية، بعده: من بعد قتله، أي لم ننزل على قومه (قوم حبيب النّجار) من بعد قتله جنداً من السّماء للقضاء عليهم وإهلاكهم، ونسب الإنزال إلى ذاته للتعظيم؛ لأنّ الأمر هيّن لا يحتاج إلى إنزال ملائكة، من بعده: من تفيد القرب، أي من بعد قتله مباشرة لم ننزل جنداً ولكن أهلكناهم مباشرة بالصّيحة. ﴿مِنْ جُندٍ﴾: من استغراقية أي لم ننزل واحداً ولا اثنين ولا أكثر، جند: اسم جنس، جند: جمع جندي، وتجمع على جنود أيضاً، وجند: تشمل واحداً أو اثنين أو أكثر، أمّا جنود: لا تشمل واحداً أو اثنين إنما هي لأكثر من اثنين، إذاً لنفي إنزال جندي واحد أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر أتى بكلمة جند، وجند تعني: من جنس واحد وهدفهم واحد، أمّا جنود قد تكون أهدافهم شتى، أو من أجناس مختلفة؛ مثل: الصيحة، أو الريح، أو النار، أو الرجز، أو الصواعق، أو غيرها من الآيات. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: من: ابتدائية، وما أنزلنا على قومه من جند من السّماء (ملائكة) كما أنزلنا يوم بدر؛ السماء: تعني: السموات السبع، وكل ما يعلو الإنسان يسمى سماء. ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾: في الماضي وعلى الأمم السّابقة ولا يعني في المستقبل؛ لأنّه أنزل في معركة بدر.

стр. 4310

سورة يس [٣٦: ٢٩] ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾: ﴿إِنْ﴾: نافية، أقوى في النّفي من ما؛ أي: ما كانت. ﴿كَانَتْ إِلَّا﴾: حصراً. ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾: صيحة واحدة للتأكيد؛ حلت أو نزلت بأهل القرية التي جاءها المرسلون، أو قوم الرجل الصالح (حبيب النجار)، أهلكوا بالصّيحة. كما أهلك أصحاب الحجر وغيرهم، ارجع إلى سورة الأعراف آية (٧٨) لبيان معنى الصيحة، وهذه الصيحة لا علاقة لها بنفخة الفزع والصعق؛ النفخة الأولى أو النفخة الثانية تعني البعث والقيام. ﴿فَإِذَا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، إذا فجائية تشير إلى السرعة سرعة خمودهم. ﴿هُمْ﴾: للتوكيد. ﴿خَامِدُونَ﴾: شبههم بالنّار المشتعلة المتأججة تحمساً لعدم الإيمان برسلهم وتكذيبهم، الّتي أخمدها الله بسرعة؛ أي: انطفأت، فكلمة (خامدون): تعني: زهقت أرواحهم وانقطعت أصواتهم وحركتهم. سورة يس [٣٦: ٣٠] ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾: يا النّداء للبعد، أسلوب نداء يراد به التعجب. والمنادي: هو الله سبحانه أو الملائكة، أو كلّ مؤمن يتحسر على الّذين كذبوا بالرّسل. ﴿يَاحَسْرَةً﴾: يا النّداء الحسرة أشد الندم مع الشعور بالحزن على نفع قد فات؛ أي يا حسرة احضري هذا زمانك أو أقبلي.

стр. 4311

﴿عَلَى الْعِبَادِ﴾: العباد جمع: عابد، وهم الّذين اختاروا الإيمان على الكفر أمّا عبيد تشمل الكافر والمؤمن؛ أي: يتحسر المؤمن على من لم يؤمن؛ لأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ﴿مَا يَأْتِيهِم مِنْ رَسُولٍ﴾: ما: النافية؛ يأتيهم: من أتى، والإتيان معناه: المجيء بسهولة؛ من استغراقية، تستغرق كلّ رسول؛ أي كلّ رسول استهزأ به قومُه. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: قدّم (به) تكريماً للرسول، ومن يستهزأ برسول فقد استهزأ بكل الرّسل، يستهزؤون من الاستهزاء بصيغة المضارع؛ لتدل على استمرار الاستهزاء وتجدده ولم ينقطع حتّى يومنا الحاضر. وتعريف الاستهزاء: هو تصغير قدر الآخر أو الشّيء، والتّحقير أو الاستخفاف به أو العيب بدون سبب، بينما السخرية تتميز بوجود سبب، ولا يقتضي وجود سبب للاستهزاء كما هو الحال في السخرية التي يسبقها فعل من المسحور منه، والاستهزاء عام قد يكون مثلاً بالله أو آياته أو رسله أو بشيء ما. سورة يس [٣٦: ٣١] ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتّوبيخ، قال: ألم ولم يقل أولم، (ألم) تدل على شيء غير مرئي وتنكره وقد تعني القلة، و (أولم) تدل على تدل على شيء مرئي وتنكره وقد تعني كثرة الّذين أهلكنا. ﴿يَرَوْا﴾: رؤية بصرية، يروا: مساكن وآثار هؤلاء المكذبين لرسلهم، يروا بيوتهم الخاوية على عروشها، ورؤية قلبية فكرية (رؤية علمية) ألم يعلموا (الرّؤية العلمية) ألم يأتهم أنباء الّذين أهلكناهم؟ ﴿كَمْ﴾: الخبرية تفيد الكثرة.

стр. 4312

﴿أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنَ الْقُرُونِ﴾: أهلكنا، نسب الهلاك إليه سبحانه؛ ليدل على شدة الهلاك وعظمته ويعني الموت والفناء، وتقديم الظّرف يدل على التّهديد والوعيد الشّديد. ارجع إلى سورة الأعراف الآية (٤) لمزيد من البيان في معنى الهلاك. لنقارن هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. مع الآية (١٣) من سورة يونس: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾. في آية يس قدّم الظّرف قبلهم فقال: قبلهم من القرون. في سورة يونس أخّر الظّرف فقال: القرون من قبلكم. في آية يس وكل آية أخرى في القرآن يقدّم فيها الظّرف قبلهم أو قبلكم على القرون فيها تهديد أكبر ووعيد أشد وتحذير. وفي آية يونس وسورة الإسراء فقط أخّر الظّرف؛ لأنّهما ليس فيهما تهديد ووعيد مثال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧]. ﴿قَبْلَهُم مِنَ الْقُرُونِ﴾: ولم يقل من قبلهم من القرون، مجيء من يدل على القرب. قبلهم من القرون: تعني القرون الماضية غير القريبة الّتي جاءت قبلهم؛ أي ينظروا في مصير تلك القرون.

стр. 4313

من ابتدائية، القرون: جمع قرن والقرن يقدر بـ (١٠٠ سنة) أو يعني جماعة أو قوماً عاشوا معاً في زمن واحد معين يقدر بقرن (١٠٠ سنة). ﴿أَنَّهُمْ﴾: تفيد التّوكيد. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: تقديمها يفيد الحصر؛ أي إليهم حصراً. ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾: لا النّافية، يرجعون: يرجعون إلى كفار مكة، فيكونون هادين لهم أو ناصحين واعظين حتّى يؤمنوا بالله فينجوا من العذاب فهذا لن يحدث. لا يَرجعون: ولم يقل لا يُرجَعون؛ أي يَرجعون بإرادتهم وليس قسراً وبإكراه، ولو أردنا هذا لفعلناه وعندها يستعمل يُرجعون. لا يَرجعون: الفاعل يعود على القرون المهلكة، قيل: لا يرجعون إلى الدّنيا ليعظوا هؤلاء: كفار مكة أو غيرهم من الأقوام، وبذلك يتجنبون العذاب. سورة يس [٣٦: ٣٢] ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ ﴿وَإِنْ﴾: الواو استثنائية، إن: (المخففة) تفيد التّوكيد. ﴿كُلٌّ﴾: تفيد العموم وتدل على كلّ فرد؛ أي: تعم الأفراد أو الأشياء على انفراد أمّا جميع تدل على كلّ الأفراد أو الأشياء في حالة اجتماع كلّ من القرون الهالكة والقرون الحية والقرون القادمة، كلّ إليه محضرون يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]. ﴿لَمَّا﴾: للاستثناء، تعني: إلا. ﴿جَمِيعٌ﴾: أي مجموعون في مكان واحد ومجتمعون؛ أي: في أرض المحشر للحساب والجزاء، المسلم وغير المسلم الصّالح والطّالح المؤمن والكافر وتفيد التّوكيد والكثرة.

стр. 4314

﴿لَّدَيْنَا﴾: تفيد الحصر، لدينا حصراً، وتفيد القرب مقارنة بقوله: عندنا. ﴿مُحْضَرُونَ﴾: ولم يقل حاضرون، محضرون بغير إرادتهم (جمع مُحضر) محضرون قسراً وقهراً، أحضر أي: أجبر على الحضور، بينما حاضرون؛ أي بإرادتهم واختيارهم محضرون؛ أي مجموعون ومحشرون. وكلمة محضرون: لا تأتي إلا في سياق العذاب في كل القرآن. ولدينا محضرون: تفيد التهديد والوعيد. سورة يس [٣٦: ٣٣] ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾: ثمّ يذكر الله سبحانه أدلة على قدرته على البعث وإحياء الموتى ويبدأ بآية الأرض الميتة. ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾: آية كونية؛ لهم: اللام: لام الاختصاص والملكية لهم خاصة، وليس لغيرهم؛ لهم: تعني لكل الناس، وليست لقوم دون قوم مقارنة بقوله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]؛ أي: هذه آية خاصة لكم لا لغيركم. الأرض الميتة: بسكون الياء التي تدل على أن الأرض قد ماتت فعلاً، بينما تشديد الياء: يدل أنها لا زالت على قيد الحياة وستموت إذا لم يصلها الماء؛ أي: الأرض القاحلة الجرداء لا نبات فيها ولا زرع. وبدأ بالأرض؛ لأنها أقرب إليهم ويعيشون فيها. ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾: بماء المطر، الّذي يتكون من تبخر ماء البحار والمحيطات الّذي يصعد في السّماء فيرسل الله الرّياح الّتي تحمل هذا البخار على شكل سحب وهذه السّحب لا تنزل أيّ مطر حتّى يرسل الله سبحانه ريحاً تحمل هباءات الغبار لتلقح ذرات بخار الماء فيتكثف ويشكل السّحب الرّكامية الّتي تنزل المطر. ودورة الماء على الأرض تقدر بـ (٦٠٠ ألف كم ٣) من الماء سنوياً

стр. 4315

تأتي من تبخر مياه البحار والمحيطات وهناك (١٠٠ ألف كم ٣) تأتي من تبخر مياه اليابسة ثم تنزل هذه بزيادة (٦٥ ألف كم ٣) فيصبح ما ينزل على اليابسة (١٦٥ ألف كم ٣) وهذه الزيادة تؤخذ من مياه البحار والمحيطات وما يزيد أو يطفو على الأرض يعود إلى البحار والمحيطات. ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾: بدأ بالحب؛ لأنّه أصل القوت، وأهم أنواع الحب: القمح والشّعير والرّز والذّرة، والحب: هو من أهم مقومات القوت على الأرض يصنع منه الخبز. ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾: قدّم الجار والمجرور ليدل على الاهتمام؛ لأنّه الغذاء الرّئيسي وكأن الأغذية بدون الحب، ليست غذاء، يأكلون: بصيغة المضارع لتدل على التّجدد والتّكرار والاستمرار على وجه الدّوام، وقدّم الحب على الفاكهة في الآية (٣٤) لأنّ الحب هو الأهم، أهم من الفاكهة (النّخيل والأعناب). سورة يس [٣٦: ٣٤] ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ﴾: في الأرض، جنات: بساتين كثيفة الشّجر. ﴿مِنْ نَّخِيلٍ﴾: من لبيان الجنس، من نخيل: أي شجر التّمر وهو من أهم الفواكه، وقدّم شجرة النّخيل الّتي هي مصدر التّمر على شجرة العنب. ﴿وَأَعْنَابٍ﴾: جمع عنب، وذكر النّخيل والأعناب إشارة إلى تفضيل هذه الثّمار على غيرها أو تفضيل بعضها على بعض في الفائدة الصحية. ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾: فجرنا: تفيد الكثرة، فيها: في الأرض، ظرفية، من العيون: من ابتدائية بعضية، العيون: عيون الماء هي المياه الجوفية في باطن الأرض، وأمّا أعين تعني: الّتي نبصر بها، فبعض ماء المطر يخزن في الأرض بشكل عيون وذلك بفضل الصخور المسامية والعالية النفوذية كالصخور الرّملية

стр. 4316

الّتي تخزن هذه المياه خاصة في الأراضي الخالية من الأنهار والبحيرات، والّتي تحتاج إلى ماء فيخرجه ربنا على شكل عيون الماء. سورة يس [٣٦: ٣٥] ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾: ﴿لِيَأْكُلُوا﴾: اللام لام التّعليل، الأكل هنا من الفاكهة، وأكل الفاكهة ليس دائماً متواصلاً كأكل الحب المتواصل الدّائم الّذي قال عنه: فمنه يأكلون؛ لأننا نحتاج إلى الحب بشكل دائم، أمّا أكل الفاكهة الّتي تؤكل أحياناً قال: ليأكلوا. ﴿مِنْ ثَمَرِهِ﴾: أي ثمر النّخيل والأعناب. ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾: ما: نافية أو اسم موصول، أي: ما عملته أيديهم ولكن القدرة الإلهية هي الّتي أخرجته لهم، أو لم تعمله أيديهم بل أيدينا، أو ليأكلوا من ثمره والّذي عملته أيديهم؛ أي: هم الّذين قاموا برعايته والعناية به، فالله سبحانه يعطي الإنسان حقه ودوره مهما كان يسيراً، والاحتمالات كلّها واردة وكلها صحيحة. ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري على عدم شكرهم، وتوبيخ وتعجب على ترك الشّكر، وألا: أداة حث وحض وتحمل معنى الأمر على شكر المنعم. وإذا قارنّا أفلا يشكرون مع ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠]: في الواقعة فلولا تشكرون فيها حث وحض على الشّكر أشد وأقوى من أفلا يشكرون التي فيها تحذير وتهديد أقوى وأشد من أفلا تشكرون. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠) لمزيد من البيان في معنى الشكر.

стр. 4317

سورة يس [٣٦: ٣٦] ﴿سُبْحَانَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿سُبْحَانَ﴾: تنزيه لذات الله وصفاته وأفعاله من كلّ نقص وعيب وشريك وولد. ارجع إلى سورة الإسراء الآية (١) وسورة الحديد آية (١) للبيان. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم. ﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾: الأزواج: الأصناف: والزّوج يعني الشّيء الواحد ومعه مثله، فالله سبحانه خلق كلّ المخلوقات من نبات وحيوان وإنس وجن والجمادات واللبنات الأولية للمواد في زوجية كاملة مثل الذرّة المكونة من الكترون السالب وبروتون (الموجب)، وينطوي تحت هذه المادة وأضداد المادة والطاقة وأضداد المادة، فكل شيء خلقه الله سبحانه خلقه في زوجية كاملة حتّى يبقى سبحانه متفرداً بالوحدانية المطلقة. ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾: من بعض (بعضية)؛ ما: اسم موصول أوسع شمولاً من الذي؛ أصناف (أزواج) الحب والجنات والزّروع. ﴿وَمِنْ أَنفُسِهِمْ﴾: ومن: الواو عاطفة؛ من: للعاقل الزّوج الذّكر والأنثى. ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾: مما: من لبيان الجنس، لا: النّافية، يعلمون: من أزواج الذّكورة والأنوثة، والسالب والموجب والمادة وأضداد المادة والطاقة التي قد يعلمها علماء النبات فقط، وهناك أزواج ستبقى مخفية لا يعلمها إلا الله قد يصبح بعضها معلوماً في المستقبل. سورة يس [٣٦: ٣٧] ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُّظْلِمُونَ﴾: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾: الواو: استئنافية، وآية أخرى كونية تدل على عظمة الله وقدرته وتدل على الزوجية وهي الليل نسلخ منه النّهار، الليل آية والنّهار آية.

стр. 4318

﴿الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾: نحن نعلم أنّ هناك طبقة غازية محيطة بالأرض تبلغ (١٠٠ - ٢٠٠ كم) تسمى الطبقة المضيئة حينما تقع عليها أشعة الشّمس (في نصف الأرض المقابل للشمس) تضيء وتعطينا ضوء النّهار، والكون كلّه في ظلام والنّصف الآخر من الأرض الغير مقابل للشمس يكون في ليل. فالطبقة الغازية هي النّهار شبهها بجلد الذبيحة وأما جسم الذبيحة يتمثل بالظلام أو الأرض، فعندما تدور الأرض وتبدأ الشّمس تتحول شيئاً فشيئاً إلى القسم الآخر من الأرض؛ أي: تغيب عن جزء من الأرض؛ أي: تنسلخ عن ذلك الجزء، وتشرق على جزء آخر، فالليل هو الأصل؛ أي: الظّلام وشبهه بالشاة، والنّهار هو الطّبقة المضيئة الغازية المحيطة بالأرض تشبه الجلد، فالله سبحانه وحده القادر على سلخ النّهار من الليل (أي محو النّهار أو إزالة الطّبقة الغازية المضيئة عن الليل فإذا هم مظلمون). ﴿فَإِذَا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، إذا للفجأة. ﴿مُّظْلِمُونَ﴾: أي دخلوا في الظّلام، فهذه الآية تدل على نعمة الله من أكبر نعم عليهم؛ لكي يسكنوا فيه؛ أي: في الليل ثمّ يأتي ضوء النّهار في الصّباح فيستر ظلمة الليل، وهذا يدل على كروية الأرض أيضاً. سورة يس [٣٦: ٣٨] ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾: تجري: (مشتقة من جري الحصان) تجري كجري الأمواج صعوداً وهبوطاً؛ أي: بشكل متعرج وتذبذب يميناً وشمالاً، تجري لمستقر لها: فسره العلماء قديماً: تحت عرش الرّحمن، والتّفسير العلمي تجري بزاوية تميل (١٠) درجات جنوب غرب نجم النّسر، والشّمس والمجموعة الشّمسية تجري باتجاه نقطة محددة تسمى مستقر الشّمس (صولر

стр. 4319

ايبكس) وتجري أيضاً حول مركز المجرة وتستغرق دورتها (٢٥٠) مليون سنة وتجري باتجاه مستقرها الّذي هو (صولر ايبكس). كلمة تجري: تدل على سرعة الجري، تجري بسرعة تقدر (٢١٧) كم في الثّانية. وتجري لأجلٍ مسمىً، الأجل: هو يوم القيامة؛ أي: ستبقى تجري وتجري حتى يأتي يوم القيامة، اللام لام النّهاية عندها تكون قد استنفدت وقودها وتخمد وتنطفئ ويذهب نورها كما قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]. ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾: ذلك ما سبق من حركة وجريان يحتاج إلى علم وحساب وتقدير دقيق لا يستطيع القيام به إلا العزيز العليم، العزيز: الّذي لا يُغلب ولا يُقهر الّذي سنّ القوانين وكلها خاضعة لعظمته، العليم: بكونه وخلقه وجريان الشّمس والقمر والنّجوم والكواكب والمجرّات، والعليم بكلّ حركة وجري في كونه إلى أين ومتى. سورة يس [٣٦: ٣٩] ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾: قدّرنا: من التّقدير والحساب الدقيق، قدّرنا مسيره (٢٨) منزلاً ينزل القمر كلّ ليلة في واحد منها لا يتخطّاه ولا يتقاصر عنه ويغيب أو يستتر إذا زاد الشّهر عن (٢٨) ليلة (أي ليلتين) ومنازل القمر: مواقع تحركه في مداره حول الأرض ومواقعه بين الشّمس والأرض، وتبعاً لتغير هذه المواقع تتغير صورته، فالقمر حجمه ثابت والّذي يتغير هو ظل الشّمس عليه؛ أي: مساحة النّور على سطح القمر، فيَكبر ويَصغر بأشكال مختلفة تسمى منازل القمر وهي الهلال المتزايد وقرناه إلى الأعلى، والتّربيع الأوّل، والأحدب المتزايد، والبدر، والأحدب المتناقص، والربيع الثاني، والهلال المتناقص قرناه إلى الأسفل، والمحاق، ومنازل القمر قد تعني وقوع القمر في الأبراج الّتي هي تجمعات

стр. 4320

نجمية محددة نستطيع أن نحدد منها الشهر، والأقرب إلى الصحة هي مساحة النور على سطح القمر؛ لقوله تعالى: (حتّى عاد كالعرجون القديم). فإذا كبر وبلغ (١٥) ليلة يصبح بدراً ثمّ يعود ظل الشّمس ينحني ويدق وينحني ويدق حتّى يصبح شكله شكل العرجون القديم يشبه الهلال. والعرجون: هو غصن النّخلة بعد زوال الأوراق ومع الأيّام يجف وإذا جف اعوجّ، والعرجون مائل فإذا جفّ ونشف زاد اعوجاجاً ودقة، ففي الأيّام الأخيرة يدق القمر وينحني حتّى يأخذ شكل العرجون القديم. سورة يس [٣٦: ٤٠] ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾: لا النّافية، لا ينبغي: لا يمكن أو يصلح لها، أن تدرك: أن مصدرية تعليلية، تدرك القمر؛ لأنّ الشّمس لها مدار فلك يختلف عن مدار القمر، فهما لا يجريان في المدار نفسه (الفلك) حتّى تدرك الشّمس القمر أو القمر يدرك الشّمس ولكلّ كوكب أو نجم فلكه أو مداره الخاص به. وهذه المدارات ليست في مستوى أفقي فهي حلزونية؛ أي: تجري في هيئة حلزونية حتّى تبقى المسافات والعلاقات بينها ثابتة تجري إلى أجل لا يعلمه إلا الله سبحانه. ﴿وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾: لأنّ الليل والنّهار تابع لدوران الأرض حول نفسها وحول الشّمس، فلا الشّمس تدرك القمر ولا القمر يدرك الشّمس، ولا الليل سابق النّهار، الأصل في الكون الظلام فالليل سابق النّهار وقوله تعالى: (ولا الليل سابق النّهار) يدل على كروية الأرض وكونها تجري حول نفسها وحول

стр. 4321

الشّمس فخاطب الله تعالى العرب في زمن نزول القرآن بلغتهم ولم يقل الأرض تجري؛ لأنّهم لا يشعرون بجريها وهذا ما أثبته العلم في السنين الأخيرة. ﴿وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: الواو تدل على وجود أشياء أخرى لها فَلَك مثل الكواكب الأخرى والمجرات الأخرى ولو أراد فقط الشّمس والقمر لقال كلٌّ في فلك يسبحان وحذف الواو (واو الجمع) واختار كلمة السّباحة الّتي تضم كلّ الأجرام السماوية كلّ جرم يسبح في فلك خاص به؛ أي: مدار خاص به والسّباحة يقوم بها الإنسان العاقل. وكأنّه شبه الفلك كأن لها عقلاً؛ لكونها لا يتغير مدارها ولا تصطدم ببعضها. ﴿فِى فَلَكٍ﴾: في ظرفية، فلك: المدار وجمعه أفلاك. يسبحون: تفيد العموم فالأرض والشّمس والقمر والنّجوم والكواكب والمجرات والغبار والغازات وكل ذرة جميعها تتحرك حركة اهتزازية مركبة، أشبه ما يكون بجسم يطفو على سطح الماء، وهذه الأمواج تتحرك في فلكها حركة اهتزازية تعرجية كأنّها تسبح على موجة صعوداً وهبوطاً ولذلك لا يستعمل القرآن كلمة تدور وإنّما كلمة (يسبحون) ولذلك يشعر رواد الفضاء حين يخرجون عن نطاق الجاذبية الأرضية كأنّهم يسبحون في الفضاء أو يطفون على سطح الماء، وهذا الإحساس حقيقي وليس وهمياً؛ لأنّهم ليسوا في فراغ كما قد يظن البعض بل في وسط مادي بكثافة منخفضة.

стр. 4322

سورة يس [٣٦: ٤١] ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: ﴿وَآيَةٌ﴾: الواو: استئنافية، وآية أخرى لهم. ﴿لَّهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أي: لهم خاصة لأهل مكة ولكل النّاس دالة على قدرة الله وعظمته ورحمته وتدعو إلى الإيمان به. ﴿أَنَّا﴾: للتعظيم. ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: ذرية نوح: أولاده سام وحام ويافث. يعتبر نوح وأولاده والّذين نجوا معه هم الأصل الثاني للبشرية، وآدم وحواء هما أصل البشرية الأوّل. والذّرية: الابن وابن الابن وتعني ليس فقط أنتم وإنما كذلك أبناءكم والّذين في أصلابكم، ويقصد بذلك الشفرة الوراثية الّتي انتقلت من نوح وذريته إلى أهل مكة والّذين سيأتون من بعدهم إلى يوم القيامة. ذريتهم: تعود على أولاد نوح، الذرية: النسل؛ أي: الأبناء ذرية للآباء والآباء ذرية للأبناء وهذا من الأضداد، وفي هذه الآية جعل الآباء ذرية للأبناء. ﴿فِى الْفُلْكِ﴾: في ظرفية، الفلك: تطلق على المفرد والجمع؛ تعني: السّفينة والفلك كلمة عامة (مطلقة) أمّا السّفينة خاصة أي: لها أصحاب مثال: (أمّا السّفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر). ﴿الْمَشْحُونِ﴾: المملوءة بالركّاب والأمتعة.

стр. 4323

سورة يس [٣٦: ٤٢] ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ﴾: للناس، من: ابتدائية. ﴿مِّثْلِهِ﴾: مثل سفينة نوح، مثل الفلك وتعني: القطارات والسّيارات والطّائرات والمراكب والزّوارق والسّفن وغيرها من وسائل المواصلات. ﴿مَا﴾: للإطلاق. ﴿يَرْكَبُونَ﴾: فعل مضارع تفيد التّجدد والتّكرار والاستمرار. سورة يس [٣٦: ٤٣] ﴿وَإِنْ نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والافتراض. ﴿نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾: الكلام عن كفار مكة وغيرهم من الناس. ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾: الفاء جواب شرط، لا: النّافية، صريخ لهم: فلا يستطيعون الصّراخ أصلاً حتّى يصرخوا؛ لأنّ الغريق يحاول أن يصرخ (والصّريخ الصّوت المرتفع العالي) ولا أحد ينقذهم ولا يغيثهم بأي وسيلة. ﴿وَلَا هُمْ﴾: تكرار (لا) يفيد التّوكيد، هم: تفيد زيادة التّوكيد. ﴿يُنْقَذُونَ﴾: من غرقهم؛ أي: ينجون من الموت. وقد يقول قائل: أهل مكة بعيدون عن البحر ولا يعرفون البحر فالمعنى: الله سبحانه يستطيع أن يغرقهم وهم في مكة، كأن ينزل عليهم ماء منهمر يسبب الطوفان فيصيبهم كما أصاب قوم نوح. سورة يس [٣٦: ٤٤] ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾: أي لرحمة منا فلا نغرقهم، وقوله: (رحمة منا)؛ أي: رحمة

стр. 4324

عامة تشمل الكل، ولو قال: رحمة من لدنا، أو رحمة من عندنا؛ لكانت رحمة خاصة تعني المقربين والمؤمنين. ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾: أي: نتركهم أحياء إلى أن يحل أجلهم، والمتاع والتّمتع هو كلّ ما يُنتفع به ويُتمتع به من أثاث وأداة ومال وطعام حتّى ينقضي أجلهم. ﴿إِلَى﴾: تفيد عموم الغايات. ﴿حِينٍ﴾: الحين هو الزمن غير المعلوم قد يطول أو يقصر. سورة يس [٣٦: ٤٥] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: شرطية تفيد حتمية الحدوث، لا بد من وقوع الأمر الّذي جاء في سياقها. ﴿قِيلَ لَهُمُ﴾: للكفار وغيرهم، القائل مبني للمجهول، ولا يهم، المهم هي المقولة؛ أي: ننظر إلى المقولة، وقيل لهم تدل على أن هذه المقولة قيلت لهم مراراً وتكراراً؛ أي طلب منهم. ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾: اتقوا: التقوى: هي طاعة أوامر الله، وتجنب نواهيه للوقاية من عذاب الله (عذاب النار)؛ ما: بمعنى الّذي، أو مصدرية، وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾: أي اتقوا الدّنيا؛ أي: عذابها ونوازلها وآفاتها، والوقاية تكون بامتثال أوامر الله تعالى ورسوله ﷺ . ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾: وهي الآخرة؛ أي: عذابها؛ أي: اجعلوا بينكم وبينها وقاية أو حاجزاً. وما بين أيديكم: قد تعني أمامكم؛ أي: الآخرة وما خلفكم الدّنيا، على الحالتين اتقاء ما تقدم وما تأخر.

стр. 4325

﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ لعل: تفيد التّعليل؛ أي: لعلكم ترحمون الآن أو في المستقبل أو الماضي؛ أي لعلكم ترحمون مطلقاً في أيّ زمان. لعلكم ترحمون: إذا اتخذتم الأسباب مع رجاء الرّحمة معاً واتخاذ الأسباب لا يكفي فلا بد من دعوة الله ورجائه. وترحمون بصيغة المضارع تفيد التّجدد والتّكرار، وحذف جواب إذا للتفخيم والتّعظيم، ليشمل كلّ الاحتمالات. ولمعرفة الفرق بين (لعلكم ترحمون) و (عسى ربكم أن يرحمكم) ارجع إلى الآية (٨) من سورة الإسراء للبيان. سورة يس [٣٦: ٤٦] ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو استثنائية، ما: نافية تفيد نفي الحال؛ أي الآن مقارنة باستعمال (لا) تنفي كلّ الأزمنة وخاصة المستقبل. ﴿تَأْتِيهِم﴾: أي كفار مكة أو غيرهم من الكفار، تأتيهم: فعل مضارع يدل على التّجدد والتّكرار والاستمرار والدّوام على الإعراض عن آيات الله وهي عادة مستمرة عندهم وفي كلّ زمان. ﴿مِّنْ آيَةٍ﴾: من استغراقية، آية: قرآنية أو كونية أو معجزات دالة على صدق النّبوة أو غيرها من الآيات. ﴿مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: إضافة (ربهم) إلى الآيات تدل على أهمية وخطورة هذه الآيات وشدة عاقبة الإعراض عنها وأهمية الأخذ بها مقارنة بقوله: من الآيات بدون ذكر كلمة: ربهم، لكان الأمر أقل خطورة. ﴿إِلَّا﴾: حصراً. ﴿كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾: جمع معرض: اسم فاعل يفيد الثّبوت على إعراضهم

стр. 4326

الدّائم فهم كانوا قبل إتيان الآيات وبعد الإتيان على الحال نفسها من الإعراض عنها، ولو قال أعرضوا؛ أي فعل ماض، لدلّ على أنّه شيء حدث وانتهى؛ أي شيء عارض وزال. ﴿عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾: تقديم (عنها) للقصر؛ أي الإعراض خاص بآيات الله ومقصور عليها، أمّا غيرها من الأمور فكانوا غير معرضين عنها. سورة يس [٣٦: ٤٧] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾: ارجع إلى الآية (٤٥). ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: أي أمروا أو حضّوا على الإنفاق في سبيل الله من مال أو طعام أو غيره، مما: من وما، من ابتدائية بعضية، وما تعني الّذي اسم موصول، وأوسع شمولاً من الذي. ﴿رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: أي أنفقوا شيئاً وليس كلّ ما رزقكم الله؛ أي جزءاً بسيطاً مما رزقكم الله أو مما جعلكم مستخلفين فيه. ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ﴾: الهمزة للاستفهام والإنكار والتّعجب. ﴿مَنْ لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾: أي كيف نطعم هؤلاء الّذين امتنع الله عن رزقهم؟ فلو شاء الله هو أطعمهم ورزقهم، فلو فعلنا ما تأمروننا لكنّا مخالفين لأمر الله ومشيئته، وقالوا: أطعمه، ولم يقولوا لأطعمه، لم يأتوا بلام التّوكيد؛ لأنّ الطّعام ميسور ومتوفر لديهم فلا يحتاج إلى توكيد، كما هو الحال مثلاً في أمر الهداية الذي يحتاج إلى توكيد فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩]. ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: إن نافية أقوى نفياً من ما؛ أي: ما أنتم.

стр. 4327

﴿إِلَّا﴾: أداة حصراً. ﴿فِى﴾: ظرفية ولم يقل على ضلال؛ لأنّ (في) تعني: ساقطين في الضّلال أو في ضلال يحيط بهم من كلّ جانب أو مستمرّين في ظلمات الضّلال وما هم بخارجين منها. ﴿فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: في ضلال: في بُعد عن الحق وفساد وعصيان، مبين: ظاهر جليّ غير خفيّ على أحد، ولا يحتاج إلى دليل أنّه ضلال واضح بيّن. سورة يس [٣٦: ٤٨] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿وَيَقُولُونَ﴾: تعود على كفار مكة أو غيرهم من الكفار، (يقولون) تدل على الاستمرار وعدم الانقطاع والتّجدد والتّكرار في سؤالهم: متى هذا الوعد؟ ﴿مَتَى﴾: استفهام إنكاري واستبعاد؛ أي: هم ينكرون البعث والحساب والجزاء والجنة والنّار. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقريب. ﴿الْوَعْدُ﴾: يوم القيامة أو العذاب والحساب والجزاء، والوعد عادة يدل على البشارة بالخير، بينما الوعيد يدل على الإنذار والتّخويف، فبدلاً من القول: متى هذا الوعيد؟ قالوا: متى هذا الوعد؛ لأنّهم لا يصدّقون به سواء كان عذاباً أو يوم القيامة. ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن شرطية تفيد الشّك والافتراض والاحتمال وأنّكم من الصّادقين؛ أي: إن كنتم من الصّادقين ائتوا بيوم القيامة أو بالعذاب؟ سورة يس [٣٦: ٤٩] ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾: ﴿مَا﴾: النّافية. ﴿يَنْظُرُونَ﴾: من النّظر وهو: وقوع الشّيء من غير ترقّب له؛ أي: فجأة من

стр. 4328

غير توقع حدوثه وبسرعة بعكس ما ينتظرون: أن يكون هناك زمن للاستعداد له أو الهروب أو النجاة. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ﴾: الصّيحة: نفخة إسرافيل الأولى في الصور، نفخة الصعق والموت تأخذهم بغتة وبشدة. ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾: هم ضمير فصل يفيد التّوكيد؛ أي: تفاجئهم الصّيحة وهم يتخاصمون في معاملاتهم، أو يجادل بعضهم بعضاً في أمور الدّنيا وفي أموالهم وشرابهم وطعامهم وبيعهم وشرائهم، يخصّمون: أصلها يختصمون، على وزن يفتعلون، بكسر الخاء، ففي هذه الآية إنذار للغافلين عن الموت والبعث والحساب. سورة يس [٣٦: ٥٠] ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾: ﴿فَلَا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، لا النّافية. ﴿يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾: لا يستطيعون أن يوصي بعضهم إلى بعض بما له من أملاك وما عليه من ديون أو يوصي بالوصية أو الميراث، أو حتّى يكلمهم أو يخبرهم بأيّ وسيلة. ﴿وَلَا﴾: الواو استئنافية، لا النّافية، وتكرار (لا) يفيد التّوكيد، توكيد النّفي. ﴿إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾: أي ولا يستطيعون الرّجوع إلى منازلهم وإلى أهلهم فلا يستطيعون التّوصية ولا يستطيعون الرّجوع ولا كلاهما؛ أي: لا يرجعون من أماكن عملهم أو مصانعهم أو مزارعهم أو دوائر أعمالهم، من سياراتهم ومن الشّوارع والأسواق إذا كان يمشون فيها. وبعد نفخة الفزع ونفخة الصعق لا يبق على ظهرها من دابة، ويحدث

стр. 4329

الانهيار الكوني، وقيام الساعة، وتموت الخلائق، وتتبدل الأرض والسماء، وهكذا حتى تحدث النفخة الثانية نفخة البعث والقيام. سورة يس [٣٦: ٥١] ﴿وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾: فقد روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما بين النّفختين أربعون) قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوماً؟ قال: أَبيْتُ، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيتُ، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيتُ (ثمّ يُنزل الله من السّماء ماءً فينبتون كما ينبت البقل) قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظماً واحداً وهو عَجْب الذّنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة. متفق عليه، واللفظ لمسلم، ومعنى قول أبي هريرة: (أبيْت) امتنعت عن الجواب لأنّي لا أدري ما هو الصّواب، (وعجب الذّنب) هو العظم الّذي في أسفل العمود الفقري، وهو رأس العُصعص، ويقال له: (عجم) بالميم، وهو أول ما يخلق من الآدمي، وهو الّذي يبقى من الإنسان ليعاد تركيب الخلق منه يوم البعث كما بينت الأحاديث النبوية الصحيحة. ﴿وَنُفِخَ فِى الصُّورِ﴾: النّفخة الثّانية نفخة البعث أو القيام، والنّفخة الأولى كانت نفخة الفزع والصعق، والنّفخة علامة للحدث؛ وهو الإحياء والبعث والقيام للحساب والجزاء. ﴿فَإِذَا هُمْ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، إذا: ظرفية تفيد الفجأة، هم الثّقلين الإنس والجن. ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾: من ابتدائية، الأجداث: جمع جدث وهو القبر ساعة خروج الميت منه وما يحدث فيه من حركة سريعة تحدث أصوات وضجة بعد أن كان ساكناً هامداً منقطع الحركة. ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد القصر فقط إلى ربهم.

стр. 4330

﴿يَنْسِلُونَ﴾: يسرعون إلى أرض المحشر، من النّسل، وهو مقاربة الخطوات مع الإسراع، يقال: نسل في مشيته؛ أي: أسرع، أو الثوب ينسل؛ أي: تخرج بعض الخيوط من أماكنها أو تنفلت. سورة يس [٣٦: ٥٢] ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: وهم يخرجون من الأجداث؛ أي الكفار قالوا لأنفسهم يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، وهم يساقون إلى أرض المحشر. ﴿يَاوَيْلَنَا﴾: ويدعون على أنفسهم يا هلاكنا؛ أي: أقبل أو يا حسرتنا أو يا مصيبتنا. ﴿مَنْ﴾: استفهامية تحمل معنى الدّهشة والتّعجب. ﴿بَعَثَنَا مِنْ مَّرْقَدِنَا﴾: البعث: هو الإيقاظ بإزعاج والإثارة والحث على الخروج بسرعة، من مرقدنا: ولم يقولوا من قبورنا؛ لأنّهم كانوا يظنون أنّهم كانوا نائمين وما زالوا في دار الدّنيا، وقيل: لأنّ الله رفع عنهم العذاب ما بين النّفختين، من: ابتدائية، مرقدنا: مكان نومنا والمصدر هو: الرّقاد، والبعث يكون من الأرض الجديدة. ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾: هذا: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقرب ويشير إلى البعث والحشر وأهوال يوم القيامة. ما وعد الرّحمن: ما اسم موصول بمعنى: الّذي وعد الرّحمن، أو مصدرية أي: هذا وعد الرّحمن. هذا ما وعد الرّحمن: أي هذا يوم البعث هذا هو الجواب على سؤالهم: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين.

стр. 4331

واختار اسم الرّحمن: المشتق من الرّحمة الّتي بحاجة إليها المؤمن وغير المؤمن والحديث عن دار الآخرة والاستعداد لها رحمةً من الله. وصدق المرسلون: حين أخبرونا، عن البعث والحشر والحساب ويوم القيامة. سورة يس [٣٦: ٥٣] ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾: ﴿إِنْ﴾: نافية أقوى في النّفي من ما، أو إن المخففة تفيد التّوكيد. ﴿كَانَتْ إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾: واحدة للتأكيد وهي نفخة البعث (النّفخة الثّانية) النّفخ في الصور وهي علامة على البعث. ﴿فَإِذَا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، إذا الفجائية. ﴿هُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿جَمِيعٌ﴾: تعني الكلّ مجموعون في مكان واحد ومجتمعون تحت سقف السماء الجديدة، وجميع: تدل على الكثرة مقارنة بكلمة الجم الّتي تدل على القلة، جميع: توكيد ولم يقل كلٌّ؛ لأنّ الكلّ تعني مجموعون فقط بينما جميع تعني مجموعون ومجتمعين. ﴿لَّدَيْنَا﴾: تدل على القرب وتدل على الحصر والقصر. ﴿مُحْضَرُونَ﴾: جمع مُحضر؛ أي أُجبر على الحضور أو أُكره، حاضرون في مكان واحد ومجتمعون في أرض المحشر، للمثول بين يدي الله ، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥].

стр. 4332

سورة يس [٣٦: ٥٤] ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ﴿فَالْيَوْمَ﴾: الفاء للتوكيد، اليوم: بأل التّعريف؛ أي يوم القيامة. ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾: لا النّافية، تظلم نفس: ينقص من أجرها شيئاً ولو كان مثقال ذرة أو حسنة، ولا تظلم بزيادة سيئة إلى سيئاتها، والظّلم هو نقصان حق الغير، نفسٌ: نكرة تعني: أيّ نفس مؤمنة أو غير مؤمنة، شيئاً: نكرة تعني: شيئاً من الظّلم أو شيئاً من الأشياء مهما كان نوعه وصغره مادياً أو غير مادي، والشّيء هو أقل القليل. ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ﴾: الواو عاطفة، لا النّافية، تجزون: النّون للتوكيد، تجزون: من الجزاء، والجزاء بمقدار العمل؛ أي: بمقدار ما كنت تعمل تجزى والجزاء من جنس العمل إن كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر، هذا بالنّسبة للكافر أمّا المؤمن يجزى أضعافاً مضاعفة ويجزى بأحسن ما كانوا يعملون. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿مَا كُنتُمْ﴾: ما بمعنى الّذي كنتم: في الدّنيا. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: العمل يشمل القول والفعل؛ أي: ما كنتم تقولون وتفعلون.

стр. 4333

سورة يس [٣٦: ٥٥] ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِى شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾: بعد ذكر الآيات الدّالة على البعث، يبين الله ما أعده لأصحاب الجنة وما أعده للمجرمين فقال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾: إنّ للتوكيد، أصحاب الجنة: سكانها وأهلها بما قدموا من العمل الصّالح والإيمان، وأصحاب من الصّحبة: تعني عدم المفارقة، فالجنة صاحبة لهم وهم أصحاب لها لا يفارقونها وهي لا تفارقهم في صحبة دائمة لا تنقطع. ﴿الْيَوْمَ﴾: أي يوم القيامة. ﴿فِى شُغُلٍ﴾: في ظرفية، شغل: مشغولون؛ أي: ليس عندهم وقت فراغ، فهم مشغولون بالنّعيم الدّائم، لا يحدث لهم ملل من الفراغ بل هم في شغل متعة ولذة لا تعب ولا نصب وإعياء. ﴿فَاكِهُونَ﴾: من الفكاهة: وهي طيب العيش والنّشاط وقد تعني: فرِحون مسرورون ناعمون. فاكهون غير فكِهون: من الفَكِه والفاكهة، فاكهون: أوسع وأعم ومطلقة في كلّ الأوقات وغير مقيدة كما هو الحال في فكهين. ارجع إلى سورة الطّور الآية (١٨) لمزيد من البيان.

стр. 4334

سورة يس [٣٦: ٥٦] ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِى ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾: هم للتوكيد، وأزواجهم: نساؤهم (من أهل الدّنيا) وحين يذكر الأزواج في القرآن لا يذكر معها الحور العين. ﴿فِى ظِلَالٍ﴾: جمع ظل، في ظلال لا شمس في الجنة ولا حر ولا برد، بل ظلال، والظل من أحدى نعم الله تعالى على الناس، وفي سورة آية (٥٧) قال وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ والمكان الظليل؛ أي: ذو ظل وظل ظليل؛ أي: دائم الظل، والظل المكان الذي لا تصله أشعة الشمس بسبب حاجز أو مانع، وبالتحديد يكون في الغداة أول النهار، والفيء يكون عادة في العشي (الأصال)؛ فالظل يتحرك أو ينتقل من جهة الغرب إلى جهة الشرق ويتمدد وينقبض. ارجع إلى سورة الفرقان آية (٤٥ - ٤٦)، والظل له أنواع كما ورد في آيات القرآن منها الغمام البقرة آية (٢١٠) ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧] ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]، ﴿ظِلٍّ ذِى ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] وغيرها … ، والظل: قد يطلق على الظل النافع أو العذاب (الضار) حسب سياق الآيات. ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: جمع أريكة: وهو السّرير؛ أي: أسرَّة للجلوس عليها؛ أي: المقاعد المريحة بكل أنواعها وأشكالها. ﴿مُتَّكِئُونَ﴾: اتكأ: اضطجع والاتكاء يدل على تمام الرّاحة والدوام والثبات. سورة يس [٣٦: ٥٧] ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾: ﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، لهم وحدهم فقط. ﴿فِيهَا﴾: في الجنة ظرفية. ﴿فَاكِهَةٌ﴾: اسم جنس تشمل كلّ أنواع الفاكهة، فهي أعم وأشمل من فواكه وتشمل الواحدة أو الاثنتين أو الجمع بينما فواكه تقال للأنواع.

стр. 4335

﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾: تكرار لهم يدل على التّوكيد، يَدَّعون: مشتقة من: الدّعاء؛ أي: كلّ ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم؛ أي: ما يتمنون، يرغبون، يطلبون، يشتهون. وإذا قارنّا ما يدّعون في هذه الآية ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١]. في سورة فصلت: أطلق ما تدّعون على كلّ ما تشتهيه أنفسهم سواء طلبوه أم لم يطلبوه فأحياناً يشتهى ولا يطلب. في سورة يس: حدد بالطلب؛ وذلك لأنّ صنف أهل الجنة في سورة فصلت أعلى درجة ومنزلة من صنف أهل الجنة في سورة يس. سورة يس [٣٦: ٥٨] ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾: ﴿سَلَامٌ﴾: مطلق غير محدد، سلام: نكرة وتنكيره للتعظيم ولم يقل السّلام: سلام يشتمل على ثلاثة أنواع: سلام تحية وسلام أمن واطمئنان وسلام من كلّ الآفات والأضرار والمكروهات. ﴿قَوْلًا مِنْ رَّبٍّ﴾: من ابتدائية، رب رحيم: سلام من رب رحيم: أي الله سبحانه يسلم عليهم بواسطة الملائكة الّذين ينقلون سلامه، وسلام من الملائكة عندما يدخلون عليهم، وسلام بعضهم لبعض، سلام خالص لا شوب فيه. ولو قال السّلام، لحدّد السّلام بنوع واحد وهو سلام التّحية، وقولاً: توكيد، ويعني: سلام يقال لهم قولاً، وهو مُرسلٌ أو آتٍ من رب رحيم. وتنوين (رب) يفيد التّعظيم. سورة يس [٣٦: ٥٩] ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾: بعد الحديث عن أصحاب الجنة ينتقل إلى الحديث عن المجرمين. ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ﴾: يوم القيامة انفردوا تميّزوا عن المؤمنين.

стр. 4336

﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾: نداء إلى المجرمين الكافرين والمشركين والظّالمين، والهاء في أيّها للتنبيه، يقال للمجرمين: ابتعدوا عن المؤمنين. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) لبيان معنى المجرمون. سورة يس [٣٦: ٦٠] ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِى آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة همزة استفهام. ﴿أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾: أي أوصيكم أو آمركم، والعهد: قد يكون تكليف أو وصية أو أمر، وعهد إليه إذا وصّاه. ﴿يَابَنِى آدَمَ﴾: يا النّداء للبعد، بني آدم: ولم يقل يا أيّها النّاس. ينادي على النّاس ببني آدم في سياق مقام التّكريم، أو حين يريد أن يذكرهم بعداوة الشّيطان لآدم، ولبني آدم. ﴿أَنْ﴾: مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿لَا﴾: النّاهية. ﴿تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾: كلّ خروج عن الشّرع أو المنهج الرّباني هو طاعة للشيطان؛ أي: عبادة له، وعبادة الشّيطان تعني طاعته واتباع خطواته ووسوسته ونزغاته وتزيينه، وعبادته تعني الخضوع له والاستسلام بالأقوال والأفعال. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ﴾: إنّه للتوكيد، لكم: اللام لام الاختصاص؛ أي: لكم خاصة أو خاص بكم؛ أي وظيفته عداوتكم. ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: ظاهرة العداوة؛ لأنّ العداوة قسمان: قسم ظاهر وقسم خفي (باطن) لا تنسوه بالإضافة إلى القسم الظّاهر.

стр. 4337

فعدو مبين؛ أي: عداوته ظاهرة وجلية لكلّ فرد وعداوته غير خفية لا تحتاج إلى برهان أو دليل. سورة يس [٣٦: ٦١] ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِى هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾: ﴿وَأَنِ﴾: مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿اعْبُدُونِى﴾: من العبادة وهي: طاعة العابد للمعبود في أيّ أمر وفيما نهى عنه: افعل أو لا تفعل، والعبادة لها منهج ولها جزاء ولا تكون إلا للخالق وحده. ارجع إلى سورة النّحل آية (٧٣) لمزيد من البيان في معنى العبادة. وأن اعبدوني: لم يحذف ياء المتكلم في هذه كما هي الحال في آية الأنبياء (٢٥ أو ٩٢)؛ أي أطيعوني ووحّدوني؛ لأن السياق في آية ياسين في مقام التوحيد وعدم الشرك وتجنب الشيطان والإخلاص لله تعالى فقد أكبر على عبادة الله وحده مقارنة بعبادة الأصنام والأوثان التي لا تفيد ولا تضر. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب؛ ويعني الصّراط المستقيم. ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾: الصّراط: هو أوسع السّبل المستقيم الموصل للغاية بأقصر مسافة وزمن والخالي من العوائق أو المصاعب، والصّراط المستقيم يقصد به الدّين الحق دين الإسلام؛ أي: عبادة الله وحده. وقدّم النّهي عن عبادة الشّيطان على الأمر بعبادة الله وحده؛ لأنّ عبادة الشّيطان تفسد عبادة الله ولا تنفع معها؛ أي: عبادة أو طاعة لله تعالى لذلك بدأ بالنّهي عن عبادة الشّيطان.

стр. 4338

سورة يس [٣٦: ٦٢] ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: عاطفة، لقد: اللام للتوكيد، قد للتحقيق؛ أي: قد أضل منكم جِبِلّاً كثيراً. ﴿أَضَلَّ مِنكُمْ﴾: ولقد أخرج الكثير منكم عن الصّراط المستقيم وأضلهم؛ أي: أغواهم وأبعدهم من الحق وزيّن لهم الباطل والشّرك ومعصية الله، أضل منكم الكثير بالوسوسة والتّزيين والإغراء والنّزغ. ﴿مِنكُمْ﴾: خاصة. ﴿جِبِلًّا﴾: خلقاً، وجبلاً مشتقة من كلمة الجبَل: الّذي يتميز بشدته وصلابته وعلوّه منهم كانوا كالجبال قوة وشدة. ﴿كَثِيرًا﴾: خلقاً أو أقواماً كثيرين كانوا أشداء وأقوياء، وكانوا أقوى منكم فأصبحوا جُنداً للشيطان وأتباعه. واختار كلمة جبلاً؛ لأنّها تعني الكثرة والشّدة والغلظة. ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾: أفلم استفهام للتوبيخ والإنكار، والفاء: للتوكيد أي: لمَ لا تفكرون بعاقبة أمركم من اتباع الشّيطان؟ أو: لو عقلتم لتوصلتم إلى الحق وتُبتم وأنبتم إلى ربكم ولما اتبعتم الشّيطان. أو: كيف ضللتم واتبعتم الشّيطان بعد أن حذرناكم منه وقلنا لكم: إنّه لكم عدو مبين. ولمعرفة الفرق بين أفلم، أولم، ألم: ارجع إلى سورة السجدة آية (٢٦)، وارجع إلى الآية (٣١) من نفس السورة.

стр. 4339

سورة يس [٣٦: ٦٣] ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾: تقول لهم خزنة جهنم: هذه النّار الّتي كنتم توعدون، أو ينادي منادٍ أو الله سبحانه بعد أن يقفوا أمامها وعلى شفيرها. ﴿هَذِهِ﴾: الهاء للتنبيه، ذه: اسم إشارة للتأنيث والقرب. ﴿جَهَنَّمُ﴾: اسم من أسماء النّار أو دركة من دركاتها. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) لمزيد من البيان في معنى جهنم. ﴿الَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾: كنتم توعدون بها في الدّنيا على ألسنة الرّسل، ونحن قد حذرناكم منها ومن شرها في آيات القرآن الحكيم. ﴿تُوعَدُونَ﴾: من الوعد، والوعد يأتي في سياق الخير عادة واستعمل هنا للاستهزاء بهم والتّوبيخ، توعدون: فعل مضارع يدل على التّجدد والتّكرار والاستمرار. سورة يس [٣٦: ٦٤] ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: ﴿اصْلَوْهَا﴾: اصطلوا بها أو احترقوا بها أو ادخلوها وقاسوا حرّها، جواباً للوعد الّذي سألتم عنه مراراً وتكراراً: متى هذا الوعد؟ ﴿الْيَوْمَ﴾: ادخلوها في هذا اليوم (يوم القيامة). ﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق باء البدلية أو السّببية. ﴿كُنتُمْ﴾: في الدّنيا ﴿تَكْفُرُونَ﴾: ولم يقل: بما كفرتم؛ تكفرون: بصيغة المضارع لتدل على تجدد كفرهم، وكأنه مستمر دائم، وأنهم ماتوا وهم كفار؛ أي: تجحدون بالله ولا

стр. 4340

تؤمنون به، وتجحدون بنعمه: تكفرون من الكفر والكفر نقيض الإيمان، والكفر نقيض الشّكر، والكفر: لغةً هو الستر. ارجع إلى سورة البقرة آية (٦) لمزيد من البيان في معنى الكفر. سورة يس [٣٦: ٦٥] ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: ﴿الْيَوْمَ﴾: يوم القيامة. ﴿نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾: نختم: بصيغة الجمع: للتعظيم؛ أي: يختم الله سبحانه على أفواههم في يوم القيامة، كما ختم على قلوبهم في الدّنيا فلا يدخلها إيمان، ولا يخرج منها كفر؛ أي: يمنعهم من الكلام حتّى لا يعتذروا ولا يَستعتبوا، فالمقام مقام حساب فلا جدوى من الاستغفار والاعتذار فقد انتهى زمن التكليف وزمن الكلام وحان زمن الختم على الأفواه، فلم يعد للسان دور، وتقيّد الألسن لتنطق الجوارح. ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾: تكلمنا أيديهم تطوعاً لا أمراً ولا إكراهاً. ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم﴾: تتطوع الجوارح بالشّهادة مثل الأرجل والسّمع والأبصار والجلود والأيدي ومع أنّها هي الجوارح نفسها الّتي فعلت المعاصي والذّنوب في الدّنيا فهي لا تشهد على ذاتها؛ أي الأيدي لا تشهد على الأيدي نفسها أو الأرجل على الأرجل إنما تشهد على النّفس الّتي أخضعت الجوارح وأمرتها أن تسير حسب هواها وشهواتها، فالجوارح والأعضاء في الآخرة تتحرر من تبعيتها للنفس وتصبح تابعة لله سبحانه وحينذاك الأيدي تتكلم وتشهد الأرجل، ولكن لماذا نسب الكلام إلى الأيدي والشّهادة للأرجل؟ لأنّ معظم

стр. 4341

الأعمال تقوم بها الأيدي وما دامت أنّ الأيدي أصبحت المدّعية في محكمة الحق سبحانه فالأيدي تحتاج إلى شاهد فتتطوع الأرجل فتشهد؛ فقد روى مسلم والنسائي عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يقول العبد يوم القيامة: لا أجيز علي إلا شاهداً من نفسي فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم على فيه، ويقال لأركانه انطفي، فتنطق بعمله، ثم يُخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعداً لكنَّ وسحقاً، فعنكن كنت أناضل». واختار في هذه الآية الأيدي والأرجل، وفي سورة النور آية (٢٤) قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أضاف الألسنة، وفي سورة فصلت آية (٢٠) قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أضاف السمع والأبصار والجلود، وإذا جمعنا الشهود نجدهم أصبحوا (٦) شهداء، وإذا أضفنا إلى هؤلاء الستة الملائكة الكتبة عن اليمين وعن الشمال والأرض التي يمشي عليها والسماء التي يمشي تحتها يصبح عدد الشهداء (١٠) شهداء، والرسول ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ٤٣] سبحان الله ألا يكفي ذلك؟! أمّا كيف تنطق الأيدي؟! فلو نظرت إلى اللسان والأيدي الكل يتركب من عضلات ودم وأعصاب فمن أنطق اللسان يمكن أن ينطق الأيدي، والأمر ليس صعباً على الله تعالى. ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: الباء للإلصاق، وما بمعنى الّذي أو مصدرية: بما كسبتم، والكسب: هو الفعل العائد على فاعله بنفع أو ضر، و الكسب يحتاج إلى تدريب وتكرار، والكسب تقوم به الجوارح والجوارح تسمى كواسب وحين يعمل الإنسان المعصية أو السّيئة ويفرح بها ويتحدث بها يعتبرها كسباً، ولم يقل

стр. 4342

بما كانوا يعملون؛ لأنّ الكسب يحتاج إلى العلم بما يكسب أو يعمل، والعمل: لا يحتاج إلى العلم بما يعمل. سورة يس [٣٦: ٦٦] ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾: الواو حرف عطف، لو شرطية. ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾: اللام للتوكيد، طمسنا على أعينهم: الطّمس إزالة العين كاملة والجفن والشّق والمكان، فلا يكون هناك أي أثر يدل على أنه كانت هناك عينٌ، ولنعلم أنّ الطّمس هو المحو والإزالة وهو على نوعين: ١ - الطّمس على الأعين كما ورد في هذه الآية؛ يعني إزالة الأصل والأثر والعين كاملاً، فلا حاجب ولا جفن ولا أي أثر للعين. ٢ - والنّوع الثّاني: هو طمس العين كما ورد في سورة القمر آية (٣٧) ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ بدون كلمة على، فهذا الطّمس يعني العمى المؤقت (رغم وجود العين وما حولها) كما حدث لقوم لوط ﵇: ولو نشاء لطمسنا على أعينهم في الدّنيا فأصبحوا بدون أعين. فالطّمس في سورة يس أشد وأعظم تهديداً ووعيداً مما في سورة القمر. ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾: الفاء جواب الشّرط، استبقوا الصراط؛ أي: بادروا إلى الإسراع؛ ليسيروا ويتسابقوا للوصول وللسير في شوارعهم وطرقهم المألوفة لهم والسّهلة الواسعة لما استطاعوا، ناهيك عن الطرق الضّيقة والفرعية. ولكن لم نفعل ذلك، رحمة بهم لعلهم يتوبون ويرجعون. ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾: الفاء للتوكيد، أنى تعني: كيف ومن أين؟ وللتعجب والاستفهام المؤكد، أنى يبصرون: أمامهم أو العودة إلى منازلهم، فيقفون في

стр. 4343

أماكنهم لا إلى الأمام ولا الخلف، وهذا تهديد لكفار مكة وتهديد لكلّ كافر بالطمس على أعينهم حتّى يخاف الله سبحانه. ولها معانٍ أخرى منها: ولو نشاء لأعميناهم وأضللناهم عن الهدى؛ أي: عمى البصيرة؛ فأنى يبصرون الحق ولكننا لم نفعل رحمة منا لعلهم يرجعون. سورة يس [٣٦: ٦٧] ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾: وهناك أشد من الطّمس على الأعين وهو المسخ. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾: الواو عاطفة، لو: شرطية. ﴿لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾: اللام للتوكيد، مسخناهم: من المسخ والمسخ تعريفاً: هو تحويل صورة إلى صورة أبشع أو أقبح منها إهانة وإذلالاً. ﴿مَكَانَتِهِمْ﴾: في أماكنهم، والمكانة قد تعني على حالتهم؛ أي: يجمدهم فلا يستطيعون أيّ حراك، أو تحويلهم إلى حجارة أو غيرها من الحيوانات الكريهة المنظر. ﴿فَمَا﴾: الفاء جواب الشّرط، ما: النّافية. ﴿اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾: المضيّ هو الابتعاد عن مكان الإقامة أو الذهاب إلى مكان آخر، والمضيّ هنا مطلق لم يحدّد؛ أي: أرادوا المضيّ إلى أيّ شيء فلا يستطيعون الذّهاب إليه سواء أرادوا أم لم يريدوا، ففي كلا الحالتين لا يستطيعون؛ لكونهم تجمّدوا في مكانهم ولا يستطيعون الحركة. ﴿وَلَا يَرْجِعُونَ﴾: لا لتوكيد النّفي، لا يرجعون: لم يحدّد نوع الرجوع إلى أين لا إلى أهلهم ولا إلى غير أهلهم ولا إلى ما كانوا عليه سابقاً، كما ورد في

стр. 4344

الآية (٥٠) السّابقة وحينما يقول: (ولا إلى أهلهم يرجعون) أسهل وأهون عليهم من القول ولا يرجعون (لأنّه لم يحدد الرّجوع إلى أيّ شيء) وهذا تهديد أشد من التّهديد الأوّل لكفار مكة وغيرهم من الكفار. سورة يس [٣٦: ٦٨] ﴿وَمَنْ نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾: المناسبة: ثمّ يحذر الله سبحانه من إضاعة مرحلة الشّباب والفتوة وما قد يحدث له في المستقبل إذا بقي حياً. ﴿وَمَنْ﴾: الواو استئنافية، من بمعنى الّذي، ومن تعني: العاقل، وتشمل المفرد والجمع. ﴿نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى الْخَلْقِ﴾: نعمّره: أي نمدّ له أو نطيل له في عمره، نعمّره تدل على الحاضر حالة مستمرة إلى الآن، ننكّسه في الخلق: نقلبه إلى الأسفل، وقيل: الانتكاس العودة إلى الوراء والرّجوع إلى ما كان عليه أولاً؛ أي: ننكّس خلقه فنجعل مكان القوة ضعفاً وبدل الشّباب الشّيخوخة فكأنّ طول العمر يعود بالإنسان إلى طفولته فيصبح الإنسان هرماً لا يستطيع الحراك بسهولة، وتضعف ذاكرته وأجهزته وقدرته على المشي. ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾: الهمزة همزة إنكارية على عدم العقل وتوبيخ على أفعالهم، وألا: أداة حض وتنبيه وتحمل معنى الأمر والتّقرير على استعمال العقل، والفاء: تفيد التّوكيد والتّعقيب؛ أي: بعد كلّ هذا البيان لا يعقلون؛ أي: لا يدركون الحقيقة أنه لا إله إلا الله، وأنه المعبود الذي يجب أن يعبد ويطاع. ولها معانٍ أخرى منها أفلا يعقلون: لا حاجة لإطالة عمر الإنسان أكثر مما قدّر الله له؛ لأنّه كلما طال ازداد ضعفاً وخرفاً، ومن الأفضل له أن يرحل إلى

стр. 4345

الآخرة. وقوله أفلا يعقلون؛ أي: يكفي العقل هنا ولا يحتاج إلى سواه ليدرك الحقيقة. وقد تعني أفلا يعقلون: أي هؤلاء المكذبون بالآخرة والبعث والحساب أنّ من يفعل هذا التّنكيس قادر على أن يبعثهم من قبورهم ليجازيهم على ما عملوا في الدّنيا، أفلا يعقلون أن نعمة الصّحة والعافية هي أكبر نعم الله على عبده بعد نعمة الإسلام والإيمان والتّوحيد، فلا يضيعوا شبابهم. لنقارن (أفلا يعقلون) وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٢]. أفلا يعقلون: هم ما زالوا على قيد الحياة. أفلم تكونوا تعقلون: هذا السّؤال يوجه إليهم في الآخرة: أفلم تكونوا تعقلون حينما كنتم على قيد الحياة؟! سورة يس [٣٦: ٦٩] ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِى لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾: الواو استئنافية، ما النّافية لجميع الأزمنة؛ أي: ما علمناه الشّعر في الماضي ولا الحاضر ولن يتعلمه في المستقبل، وما علّمناه نحن ولا غيرنا، وهاء الضّمير تعود على رسول الله محمّد ﷺ ، وما علّمناه الشّعر: عن طريق الوحي ولا إرسال معلم بشر. ﴿وَمَا يَنبَغِى لَهُ﴾: لا يصلح له الشعر ولا يصحّ له ولا يستقيم أن يكون شاعراً ولا يليق به. ﴿إِنْ﴾: نافية، وأقوى في النّفي من ما النّافية؛ أي: ما هو. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد يعود على القرآن.
следующие страницы →