Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
الأعمال تقوم بها الأيدي وما دامت أنّ الأيدي أصبحت المدّعية في محكمة الحق سبحانه فالأيدي تحتاج إلى شاهد فتتطوع الأرجل فتشهد؛ فقد روى مسلم والنسائي عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يقول العبد يوم القيامة: لا أجيز علي إلا شاهداً من نفسي فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم على فيه، ويقال لأركانه انطفي، فتنطق بعمله، ثم يُخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعداً لكنَّ وسحقاً، فعنكن كنت أناضل». واختار في هذه الآية الأيدي والأرجل، وفي سورة النور آية (٢٤) قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أضاف الألسنة، وفي سورة فصلت آية (٢٠) قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أضاف السمع والأبصار والجلود، وإذا جمعنا الشهود نجدهم أصبحوا (٦) شهداء، وإذا أضفنا إلى هؤلاء الستة الملائكة الكتبة عن اليمين وعن الشمال والأرض التي يمشي عليها والسماء التي يمشي تحتها يصبح عدد الشهداء (١٠) شهداء، والرسول ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ٤٣] سبحان الله ألا يكفي ذلك؟!
أمّا كيف تنطق الأيدي؟! فلو نظرت إلى اللسان والأيدي الكل يتركب من عضلات ودم وأعصاب فمن أنطق اللسان يمكن أن ينطق الأيدي، والأمر ليس صعباً على الله تعالى.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: الباء للإلصاق، وما بمعنى الّذي أو مصدرية: بما كسبتم، والكسب: هو الفعل العائد على فاعله بنفع أو ضر، و الكسب يحتاج إلى تدريب وتكرار، والكسب تقوم به الجوارح والجوارح تسمى كواسب وحين يعمل الإنسان المعصية أو السّيئة ويفرح بها ويتحدث بها يعتبرها كسباً، ولم يقل
стр. 4342
بما كانوا يعملون؛ لأنّ الكسب يحتاج إلى العلم بما يكسب أو يعمل، والعمل: لا يحتاج إلى العلم بما يعمل.
سورة يس [٣٦: ٦٦]
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾:
﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾: الواو حرف عطف، لو شرطية.
﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾: اللام للتوكيد، طمسنا على أعينهم: الطّمس إزالة العين كاملة والجفن والشّق والمكان، فلا يكون هناك أي أثر يدل على أنه كانت هناك عينٌ، ولنعلم أنّ الطّمس هو المحو والإزالة وهو على نوعين:
١ - الطّمس على الأعين كما ورد في هذه الآية؛ يعني إزالة الأصل والأثر والعين كاملاً، فلا حاجب ولا جفن ولا أي أثر للعين.
٢ - والنّوع الثّاني: هو طمس العين كما ورد في سورة القمر آية (٣٧) ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ بدون كلمة على، فهذا الطّمس يعني العمى المؤقت (رغم وجود العين وما حولها) كما حدث لقوم لوط ﵇: ولو نشاء لطمسنا على أعينهم في الدّنيا فأصبحوا بدون أعين. فالطّمس في سورة يس أشد وأعظم تهديداً ووعيداً مما في سورة القمر.
﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾: الفاء جواب الشّرط، استبقوا الصراط؛ أي: بادروا إلى الإسراع؛ ليسيروا ويتسابقوا للوصول وللسير في شوارعهم وطرقهم المألوفة لهم والسّهلة الواسعة لما استطاعوا، ناهيك عن الطرق الضّيقة والفرعية.
ولكن لم نفعل ذلك، رحمة بهم لعلهم يتوبون ويرجعون.
﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾: الفاء للتوكيد، أنى تعني: كيف ومن أين؟ وللتعجب والاستفهام المؤكد، أنى يبصرون: أمامهم أو العودة إلى منازلهم، فيقفون في
стр. 4343
أماكنهم لا إلى الأمام ولا الخلف، وهذا تهديد لكفار مكة وتهديد لكلّ كافر بالطمس على أعينهم حتّى يخاف الله سبحانه. ولها معانٍ أخرى منها: ولو نشاء لأعميناهم وأضللناهم عن الهدى؛ أي: عمى البصيرة؛ فأنى يبصرون الحق ولكننا لم نفعل رحمة منا لعلهم يرجعون.
سورة يس [٣٦: ٦٧]
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾:
وهناك أشد من الطّمس على الأعين وهو المسخ.
﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾: الواو عاطفة، لو: شرطية.
﴿لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾: اللام للتوكيد، مسخناهم: من المسخ والمسخ تعريفاً: هو تحويل صورة إلى صورة أبشع أو أقبح منها إهانة وإذلالاً.
﴿مَكَانَتِهِمْ﴾: في أماكنهم، والمكانة قد تعني على حالتهم؛ أي: يجمدهم فلا يستطيعون أيّ حراك، أو تحويلهم إلى حجارة أو غيرها من الحيوانات الكريهة المنظر.
﴿فَمَا﴾: الفاء جواب الشّرط، ما: النّافية.
﴿اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾: المضيّ هو الابتعاد عن مكان الإقامة أو الذهاب إلى مكان آخر، والمضيّ هنا مطلق لم يحدّد؛ أي: أرادوا المضيّ إلى أيّ شيء فلا يستطيعون الذّهاب إليه سواء أرادوا أم لم يريدوا، ففي كلا الحالتين لا يستطيعون؛ لكونهم تجمّدوا في مكانهم ولا يستطيعون الحركة.
﴿وَلَا يَرْجِعُونَ﴾: لا لتوكيد النّفي، لا يرجعون: لم يحدّد نوع الرجوع إلى أين لا إلى أهلهم ولا إلى غير أهلهم ولا إلى ما كانوا عليه سابقاً، كما ورد في
стр. 4344
الآية (٥٠) السّابقة وحينما يقول: (ولا إلى أهلهم يرجعون) أسهل وأهون عليهم من القول ولا يرجعون (لأنّه لم يحدد الرّجوع إلى أيّ شيء) وهذا تهديد أشد من التّهديد الأوّل لكفار مكة وغيرهم من الكفار.
سورة يس [٣٦: ٦٨]
﴿وَمَنْ نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾:
المناسبة: ثمّ يحذر الله سبحانه من إضاعة مرحلة الشّباب والفتوة وما قد يحدث له في المستقبل إذا بقي حياً.
﴿وَمَنْ﴾: الواو استئنافية، من بمعنى الّذي، ومن تعني: العاقل، وتشمل المفرد والجمع.
﴿نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى الْخَلْقِ﴾: نعمّره: أي نمدّ له أو نطيل له في عمره، نعمّره تدل على الحاضر حالة مستمرة إلى الآن، ننكّسه في الخلق: نقلبه إلى الأسفل، وقيل: الانتكاس العودة إلى الوراء والرّجوع إلى ما كان عليه أولاً؛ أي: ننكّس خلقه فنجعل مكان القوة ضعفاً وبدل الشّباب الشّيخوخة فكأنّ طول العمر يعود بالإنسان إلى طفولته فيصبح الإنسان هرماً لا يستطيع الحراك بسهولة، وتضعف ذاكرته وأجهزته وقدرته على المشي.
﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾: الهمزة همزة إنكارية على عدم العقل وتوبيخ على أفعالهم، وألا: أداة حض وتنبيه وتحمل معنى الأمر والتّقرير على استعمال العقل، والفاء: تفيد التّوكيد والتّعقيب؛ أي: بعد كلّ هذا البيان لا يعقلون؛ أي: لا يدركون الحقيقة أنه لا إله إلا الله، وأنه المعبود الذي يجب أن يعبد ويطاع.
ولها معانٍ أخرى منها أفلا يعقلون: لا حاجة لإطالة عمر الإنسان أكثر مما قدّر الله له؛ لأنّه كلما طال ازداد ضعفاً وخرفاً، ومن الأفضل له أن يرحل إلى
стр. 4345
الآخرة. وقوله أفلا يعقلون؛ أي: يكفي العقل هنا ولا يحتاج إلى سواه ليدرك الحقيقة.
وقد تعني أفلا يعقلون: أي هؤلاء المكذبون بالآخرة والبعث والحساب أنّ من يفعل هذا التّنكيس قادر على أن يبعثهم من قبورهم ليجازيهم على ما عملوا في الدّنيا، أفلا يعقلون أن نعمة الصّحة والعافية هي أكبر نعم الله على عبده بعد نعمة الإسلام والإيمان والتّوحيد، فلا يضيعوا شبابهم.
لنقارن (أفلا يعقلون) وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٢].
أفلا يعقلون: هم ما زالوا على قيد الحياة.
أفلم تكونوا تعقلون: هذا السّؤال يوجه إليهم في الآخرة: أفلم تكونوا تعقلون حينما كنتم على قيد الحياة؟!
سورة يس [٣٦: ٦٩]
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِى لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾:
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾: الواو استئنافية، ما النّافية لجميع الأزمنة؛ أي: ما علمناه الشّعر في الماضي ولا الحاضر ولن يتعلمه في المستقبل، وما علّمناه نحن ولا غيرنا، وهاء الضّمير تعود على رسول الله محمّد ﷺ ، وما علّمناه الشّعر: عن طريق الوحي ولا إرسال معلم بشر.
﴿وَمَا يَنبَغِى لَهُ﴾: لا يصلح له الشعر ولا يصحّ له ولا يستقيم أن يكون شاعراً ولا يليق به.
﴿إِنْ﴾: نافية، وأقوى في النّفي من ما النّافية؛ أي: ما هو.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد يعود على القرآن.
стр. 4346
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ذكر: سماه ذكراً وقرآناً مبيناً والقرآن الحكيم.
﴿ذِكْرٌ﴾: ذكر نوع من التذكير يذكر قارئه بخالقه وبأوامره ونواهيه، وبما يحتاجه العبد في دنياه وآخرته، وتبياناً لكل شيء، وليس شعراً وسحراً كما يدّعي الكافرون. ارجع إلى سورة (ص) آية (١) لمزيد من البيان.
﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾: قرآن بيّن واضح لكلّ قارئ يقرأ القرآن أنّه ليس من قول البشر أو شعراً، وهو واضح أنّه تنزيل العزيز الرّحيم.
وقد وردت أربع آيات في القرآن تقول: إن هو إلا ذكر للعالمين؛ يوسف (١٠٤)، يس (٦٩)، ص (٨٦)، التّكوير (٥)، ووردت آية واحدة: (وما هو إلا ذكر للعالمين) القلم (٥٢)، إن أقوى نفياً وتوكيداً من ما، ووردت آية واحدة في كلّ القرآن تقول: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠]. ارجع إلى سورة الأنعام لمعرفة الفرق بين ذكر، وذكرى، وللبيان. ثمّ يذكر الله سبحانه مهمة هذا الذّكر وهذا القرآن المبين في الآية (٧٠).
سورة يس [٣٦: ٧٠]
﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾:
﴿لِيُنْذِرَ﴾: اللام للتوكيد، ينذر: من الإنذار وهو الإعلام (التّبليغ) مع التّحذير والتّخويف، لينذر هذا الذّكر أو القرآن.
﴿مَنْ﴾: ابتدائية استغراقية بمعنى الّذي، ومن: تشمل المفرد، والجمع، وللعاقل.
﴿كَانَ حَيًّا﴾: حياً: مؤمناً؛ لأنّ الإيمان حياة والكفر موت؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وكما قال تعالى:
стр. 4347
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١]، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، لينذر من كان حياً؛ أي: من كان عاقلاً، وقد تعني: كلّ من هو حي فيه روح من إنس وجان (المؤمن والكافر والعاصي والطّائع).
﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: يحق: يوجب، والقول يعني: العذاب أو الحُجة؛ أي: يوجب الحجة أو العذاب على الكافرين.
ولو جمعنا آيات الإنذار في هذه السّورة نجدها عدة منها:
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [الآية: ٦].
﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الآية: ١٠].
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [الآية: ١١].
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الآية: ٧٠].
стр. 4348
سورة يس [٣٦: ٧١]
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾:
المناسبة: يتابع الله سبحانه ذكر الآيات الدّالة على قدرته وعظمته ووحدانيته.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: الهمزة للاستفهام، أولم: تستعمل لما هو مشاهدٌ بكثرة، بينما (ألم) تستعمل لما هو مشاهدٌ بقلّة، الواو تدل على الكثرة (عدة أمور) لم: نافية، يروا: رؤية بصرية، أو أولم يتفكروا أو يعلموا. ارجع إلى سورة السجدة آية (٢٦) لمزيد من البيان.
﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ﴾: أنّا للتعظيم، خلقنا لهم؛ أي: ابتداءً، ولو قال: أنا جعلنا؛ الجعل: يتم بعد الخلق، وقد لوحظ أنّه في مقام أو سياق التّذكير بقدرة الله تعالى وآياته يستعمل لهم (بصيغة الغائب) بينما في سياق تعداد النعم وسياق الشكر يستعمل لكم (صيغة المخاطب).
لهم: اللام لام الاختصاص والملكية؛ أي: للناس.
﴿مِمَّا﴾: من بعضية، ما: اسم موصول بمعنى الّذي، أو مصدرية، وهي أوسع شمولاً من الذي؛ أي: من عمل أيدينا وتشمل الاثنتين؛ أي: من الّذي عملته أيدينا أو من عمل أيدينا.
﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾: الأنعام ثمانية أزواج من البقر والغنم والإبل
стр. 4349
والماعز، أيدينا: جمع يد، واليد فيها معنى القوة والقدرة، أنعاماً: ذكر الأنعام هنا خاصة؛ لأنّها أعزّ الأشياء عند العرب لأنّها تستخدم في السّفر والأكل واللبن والزّينة والانتفاع بها والتّجارة، فهي أهم ما يملكون في القديم.
﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾: الفاء للتوكيد، هم: للتوكيد، لها: تقديم لها للاهتمام بالأنعام، مالكون: اسم فاعل يدل على الثّبوت، ثبوت الملك لهم، ولم يقل فهم لها يملكون، تدل على التّجدد والتّكرار.
وإذا قارنّا هذه الآية من سورة يس: ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ وقوله في سورة النّحل الآية (٥): ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾: نجد السّياق في سورة يس سياق تكريم أكثر مقارنة بسورة النّحل الّتي هي تعداد للنعم.
سورة يس [٣٦: ٧٢]
﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾:
في الآية السّابقة قال تعالى: الأنعام خلقها لهم وملكها لهم، وفي هذه الآية يذكر أنه ذلّلها لهم، إذن من قدرته تعالى أنّه خلق وملّك وذلّل الأنعام.
﴿لَهُمْ﴾: اللام لاختصاص النّاس لخدمة النّاس.
التّذليل: يُحتاج إليه لتصبح الأنعام سهلة يقودها الصّغير والكبير، والتّذليل يفيد الرّكوب، ولولا التّذليل لكان من الصّعب الانتفاع منها.
﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾: الفاء: استئنافية للتفصيل، ومن: للتبعيض؛ أي: من الأنعام ما يُركب ومنها ما لا يُركب.
﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾: منها (من) بعضية، من بعضها تأكلون؛ أي: لا تأكلون كلّ أجزائها، فالجلد والعظام لا تأكلونه، أو: لا تأكلون كلّ الأنعام وإنما قسماً منها،
стр. 4350
فمثلاً كثير من النّاس لا يأكلون لحم الجمل، (يأكلون) تدل على التّجدد والتّكرار والاستمرار.
سورة يس [٣٦: ٧٣]
﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾:
﴿وَلَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص.
﴿فِيهَا مَنَافِعُ﴾: مثل الجلود والأوبار والأشعار الّتي تستعمل في صناعة الفُرش أو الحرث.
﴿وَمَشَارِبُ﴾: مشارب: تعني: الشراب مثل: اللبن والحليب، ومشارب: قد تعني مما نصنع من جلودها أحياناً أواني (كالقِرب) لحفظ الماء، وقدّم الأكل على الشّرب؛ لأنّ الأكل أعم وأهم من الانتفاع من شرابها، وفي كلّ القرآن يقدّم الأكل على الشّراب؛ لأنّ الشّراب منها محدّد بزمن معين عند الولادة والإرضاع، ولأنّ الحصول على الطّعام أعسر وأصعب.
﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ لعدم الشّكر، والفاء: هي فاء السببية؛ و (ألا) تفيد الحض والحث على الشّكر، شكر المنعم باللسان والعمل الصّالح وتحمل معنى الأمر.
وبدلاً من أن يشكروا الله على نعمه أشركوا به فاتّخذوا من دونه آلهة فقال:
سورة يس [٣٦: ٧٤]
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾:
فرغم كل تلك النعم: خلق الأنعام، وإحياء الأرض والجنات، والنخيل والأعناب، والشمس والقمر، والفلك وحمل ذريتهم … وغيرها من النعم التي تدل على الخالق، وتوجب عبادته وحده عبدوا غيره واتخذوا من دونه آلهة.
стр. 4351
﴿وَاتَّخَذُوا﴾: أي: وعبدوا؛ أي: المشركون من أهل مكة وغيرهم.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله؛ أي: لم يعبدوا معه آلهةً، أو اتّخذوا الآلهة وسيطاً أو شفيعاً لهم؛ أي: هم لا يعبدون الله وحده، وإنما يعبدون غيره وليس معه، وهنا أسوء؛ أي: بدلاً من أن يشكروه على نعمه عبدوا غيره.
﴿آلِهَةً﴾: الأصنام وغيرها.
﴿لَّعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾: لعل: للتعليل؛ ينصرون: أي: تدفع عنهم العذاب أو تحميهم من عذاب الله، أو تشفع لهم عند الله بأن لا يعذبهم، أو يخفف عنهم العذاب.
سورة يس [٣٦: ٧٥]
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾:
﴿لَا﴾: النّافية لكلّ الأزمنة.
﴿يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾: أي هذه الآلهة عاجزة أصلاً عن نصرة نفسها وبالتّالي هي عاجزة عن نصرتهم، ولنفرض أنّها قادرة على النّصر، فالله سبحانه لا يسمح لها؛ لأنّ الشّفاعة لا تحصل إلا بإذنه ولمن رضي له قولاً، وهي عاجزة وغير قادرة على نصر أحد، ولو أرادت ذلك على سبيل الفرض.
﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾: هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد وتعود على الكفار والمشركين أو الّذين اتّخذوا من دون الله آلهة (عبَدَة الأصنام)، لهم: للأصنام، جند محضرون: أي هم يدافعون عن الآلهة (الأصنام) فهم كمثابة جنود لها.
لأن الأصنام لا تستطيع أن تدافع عن نفسها إذا اعتدى عليها أحد فهم الّذين
стр. 4352
يدافعون عنها، فهم يعتبرون جند للآلهة (الأصنام) في الدّنيا يدافعون عنها وهم محضَرون لها في النّار يوم القيامة.
أو عبَدَة الآلهة يحضِرون الآلهة الّتي كانوا يعبدونها في الدّنيا يوم القيامة معهم إلى النّار، فالعابد والمعبود محضَرون في جهنم قسراً وكَرهاً، وكلمة محضرون في كل القرآن جاءت في سياق الشر.
سورة يس [٣٦: ٧٦]
﴿فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾:
﴿فَلَا﴾: الفاء للتوكيد، لا النّاهية.
﴿يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾: الخطاب إلى رسول الله ﷺ فلا يُحزنك قولهم: أنك شاعر أو مجنون أو كاهن أو ساحر، والحُزن: الغمّ النّفسي المؤقت بعكس الحَزَن: الدّائم المستمر حتّى يأتي الأجل، فالله سبحانه ينهى القول أن يُحزن رسوله ﷺ وكأنّه يقول: يا أيّها القول، لا تُحزِن رسولي، أو لا تحزن يا رسول الله ﷺ لما يقولونه.
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم.
﴿نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾: ما اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية، نعلم إسرارهم أو ما أسرّوه وما أعلنوه، وتدل على التّجدد والتّكرار.
ما يسرّون من القول والفعل، يسرّون: من السّر، وهو القول الخفي الّذي لا يعلمه إلا صاحبه.
﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: وما يعلنون من القول والفعل، وتكرار (ما) يفيد توكيد القول والفعل من العلن: وهو الإظهار والجهر.
стр. 4353
والسّر مقدّم على العلن؛ لأنّ كلّ قول أو فعل يُسرّ أوّلاً ثمّ يُعلن ثانياً فمن حيث التّرتيب السّر أسبق من العلن، ما يسرون من النّفاق أو العقائد الفاسدة والبدع والفواحش والمحرمات، وما يعلنون من الإيمان أو الكفر، والله يعلم منذ الأزل ما يسرّون وما يعلنون، وذكر أنّه يعلم ما يسرون وما يعلنون للتهديد والإنذار؛ للتهديد والتّحذير وإقامة الحجة عليهم، وفي هذه الآية تطمينٌ لرسول الله ﷺ أنّ الله يعصمه من مكر وكيد الّذين كفروا. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٦٥) في سورة يونس وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: نجد أن آية ياسين نزلت أولاً وآية يونس نزلت بعد ذلك فيكون الجمع بينهما لا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرك وما يعلنون وأن العزة لله جميعاً.
سورة يس [٣٦: ٧٧]
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ﴾: الخطاب إلى كلّ إنسان ينكر البعث والحساب والجزاء، وهو أعم وأشمل من قوله: أولم يروا أنّا خلقنا لهم مما علمت أيدينا أنعاماً، أولم: الهمزة للاستفهام، الواو تدل على الكثرة والجمع، وشدة الإنكار إنكار شيء مرئي؛ لم: النّافية، يرَ: الإنسان رؤية قلبية علمية؛ أي: يتفكر كيف خلقناه.
﴿أَنَّا﴾: للتعظيم.
﴿خَلَقْنَاهُ مِنْ نُّطْفَةٍ﴾: نطفة الرّجل وهي الحيوان المنويّ ونطفة المرأة البويضة.
﴿فَإِذَا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب والمباشرة؛ أي: مجرد ما أصبح في سن البلوغ أصبح خصيماً؛ أي: تفيد الإسراع في الخصومة، أو تدل على السّببية؛ أي:
стр. 4354
فإنّ خلقه كان سبباً للخصومة، أو تدل على البدلية بدلاً من أن يكون شاكراً لربه أصبح خصماً له، إذا: ظرفية تفيد الفجأة.
﴿خَصِيمٌ﴾: خصيم شديد الخصومة أو شديد الخصام لله ولرسوله ﷺ ، الخصيم: الّذي يجادل وينكر الآيات والبعث والحساب والجزاء، والمبالغ في إظهار خصومته وعداوته.
﴿مُبِينٌ﴾: بيّنُ الخصومة لخالقه، خصومته لا تخفى على أحد وظاهرةٌ، قد يكون الإنسان أحياناً خصماً لإنسان آخر، أما أن يكون خصماً أو خصيماً لخالقه العزيز الجبار القهار، هذا شيء لا يتصوره أيّ ذي عقل، خلقه من نطفة ومن ماء مهين فيصبح خصيماً مبيناً!
سورة يس [٣٦: ٧٨]
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْىِ الْعِظَامَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾:
سبب النّزول كما رواه الطبري والواحدي والبيهقي وغيرهم. قيل: إنّ أُبيّ ابن خلف أخذ عظماً قد بلي وراح يفتته أمام رسول الله ﷺ ويقول: أتزعم يا محمّد أنّ ربك سيُحي هذا؟ فردّ عليه رسول الله ﷺ قال: نعم، يميتك ثمّ يبعثك ثمّ يحشرك إلى النّار. قالها في وجهه، فنزلت هذه الآيات. وقيل: نزلت في العاص ابن وائل، وعبد الله بن سلول، أو أبي جهل، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السّبب، وهذه الآية جوابٌ لكلّ مكذّب بالبعث.
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾: المثل هو العظم البالي الّذي فتته بيده هذا الكافر ثمّ ذرّاه في الهواء.
стр. 4355
﴿وَنَسِىَ خَلْقَهُ﴾: ونسي هذا الإنسان كيف خُلق؛ أي: لو تذكّر خلقه (أو كيف خُلق) وتأمّل في ذاته، لما ضرب هذا المثل أو سأل هذا السّؤال.
﴿قَالَ﴾: أُبي بن خلف أو غيره.
﴿مَنْ﴾: استفهام مشوبٌ بالتّعجب والاستبعاد.
﴿يُحْىِ الْعِظَامَ﴾: يُعيدها حية.
﴿وَهِىَ رَمِيمٌ﴾: هي للتوكيد، رميم: بالية هشّة ميتة، يقال: رمّ العظم إذ بلي.
سورة يس [٣٦: ٧٩]
﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾:
﴿قُلْ﴾: يا رسول الله ﷺ .
﴿يُحْيِيهَا﴾: يُعيدها حية مرة ثانية.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم والمدح.
﴿أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: الإنشاء هو إيجاد الشّيء بعد أن لم يكن، والإنشاء فيه معنى النّمو والتّطور.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد يعود على الله سبحانه.
﴿بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾: عليم صيغة مبالغة، وعليم مطلقة؛ أي: عليم بكلّ شيء وبكلّ خلق، مقارنة بعالم الّتي هي خاصة بعالم الغيب والشّهادة، وعلّام خاصة بالغيوب: علّام الغيوب، والباء للإلصاق والدّوام.
سورة يس [٣٦: ٨٠]
﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾:
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم.
стр. 4356
﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾: أي: صير لكم خاصة.
﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾: هذا دليل آخر على قدرته سبحانه على البعث فإن كنتم تكذّبون بالبعث وإحياء الموتى والعظام وهي رميم، انظروا كيف جعل لكم من الشّجر الأخضر ناراً، فقد كانوا في الزّمن القديم يأخذون غصناً من شجر المَرْخ وغصناً من شجر العَفار، ويقدح أحدهما بالآخر فتخرج منهما شرارة من النّار، وأصل النّبات ماء كما نعلم فكيف يخرج منه نار (شرر) ونحن نطفئ النّار بالماء.
معنى آخر: خلق الشّجر من ماء ثمّ بعد نموه وتطوره يقطع ويجف ويصبح حطباً توقد به النّار، وكذلك هذا الشّجر قد يرسب في قعر البحار أو باطن الأرض ويتحول إلى بترول وغاز أو يتحول إلى فحم حجري، وكلها تستعمل كمصدر للطاقة.
﴿فَإِذَا﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، إذا: ظرفية فجائية.
﴿أَنْتُمْ مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾: توقدون النّار من الشّجر الأخضر (الحطب) توقدون: بصيغة المضارع الّتي تدل على التّجدد والتّكرار عند الحاجة.
سورة يس [٣٦: ٨١]
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾:
ثمّ يذكر الله سبحانه ما هو أعظم من خلق الإنسان وهو خلق السّموات والأرض.
﴿أَوَلَيْسَ﴾: الهمزة للاستفهام والتّقرير.
стр. 4357
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾: أي مَنْ قدر على خلق السّموات والأرض هذا الخلق العظيم، والّذي هو أعظم بكثير من خلق الإنسان، أغير قادر على أن يخلق بشراً مثلهم أو يعيدهم! ارجع إلى سورة البقرة الآيات (٢٢ - ٢٩) والأنبياء آية (٣٠) والأعراف آية (٥٤) للبيان.
﴿بَلَى﴾: حرف جواب لا يقع إلا بعد النّفي؛ لكي تنقض هذا النّفي.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿الْخَلَّاقُ﴾: صيغة مبالغة من: خالق، وتشير إلى كمال القدرة على الخلق وأنّه كثير الخلق.
﴿الْعَلِيمُ﴾: بخلقه وكونه وملكوت السّموات والأرض، العليم بكلّ شيء.
سورة يس [٣٦: ٨٢]
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾:
يذكر الله سبحانه في هذه الآية قدرته على خلق أيّ شيء بكلمة: كن فيكون.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
﴿كُنْ﴾: فعل أمر.
﴿فَيَكُونُ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب فيكون مخلوقاً موجوداً، وهو سبحانه لا يحتاج في خلق أيّ شيء أن يقول له: كن فيكون، وإنما ذلك القول ليقرّبه إلى عقولنا. ارجع إلى سورة النّحل الآية (٤٠) للبيان.
стр. 4358
سورة يس [٣٦: ٨٣]
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾:
﴿فَسُبْحَانَ﴾: الفاء للتوكيد، سبحان: تنزيهاً له أن يشبهه أحدٌ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، تنزيهاً له عن الولد والشّريك والمثيل، تنزيهاً له من كلّ عيب ونقص، سبحانه لما أولاه من النّعم الّتي ذكرها. ارجع إلى سورة الحديد الآية (١) لمزيد من البيان، وسورة الإسراء آية (١)، وسورة النحل آية (٤).
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم.
﴿بِيَدِهِ﴾: حصراً؛ أي: المتصرف في ملكه كما يشاء.
﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾: ملكوت صيغة مبالغة في الملك مع العزة والعظمة والسّلطان؛ أي ملك كلّ شيء، وزيدت التّاء للمبالغة في كبر الملك وعظمته، وملكوت تشمل عالم الغيب؛ أي: كلّ ما لا يدرك أو غير ظاهر؛ أي: الملك المستور الغير مشاهد أو المرئي، والملكوت أعظم من الملك.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: يوم القيامة إليه حصراً فقط، ترجعون: أي ترجعون قسراً وكرهاً للحساب والجزاء؛ لأنكم لم تخلقوا عبثاً.
وإذا نظرنا إلى هذه الآية العظيمة نجدها جمعت التّوحيد والحشر والتّنزيه، (فسبحان) تعني التّنزيه، (بيده ملكوت كلّ شيء) تعني التّوحيد، (وإليه ترجعون) تعني الحشر والبعث والحساب.
стр. 4359
سورة الصافات [٣٧: ١]
سورة الصافات
سورة الصّافات [الآيات ١ - ٢٤]
ترتيبها في القرآن (٣٧)، وترتيبها في النّزول (٥٦).
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾:
الواو: واو القسم، وأحرف القسم هي الواو والباء والتاء واللام، والمقسم به هو الصّافات صفاً، والقسم يؤكد على أهمية المقسم به وهم الملائكة والله سبحانه غني عن القسم.
يقسم سبحانه بالصّافات وهم الملائكة الصّافون في السّماء في صفوفهم للصلاة، أو الملائكة الصّافة أجنحتها في الهواء تنتظر أن يأمرها الله سبحانه، أو الملائكة في الصّفوف من حول العرش، والقسم يفيد التّوكيد.
والصّف: يعني: الجميع في انسجام وانضباط ومتراصين ويتمُّون الصّف الأوّل فالأوّل، والصّافون حسب مراتبهم في الفضيلة، كما روى مسلم وغيره عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «ألا تصفون كما يصف الملائكة عند ربهم، قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال ﷺ : يتمُّون الصّف الأوّل ويتراصون في الصّف».
وروى مسلم عن حذيفة بن اليمان أنه ﷺ قال: فضلنا على النّاس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلّها مسجداً وجعل لنا ترابها طهوراً إذا لم نجد الماء.
стр. 4360
سورة الصافات [٣٧: ٢]
﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾:
الفاء: عاطفة، والصفات المعطوفة بالفاء تكون لموصوف واحد ولو عطف بالواو، كما لو قال: والزاجرات زجراً بدلاً من فالزاجرات زجراً؛ لدل على تغاير الذات (الصفات) كما ذكر الألوسي.
فالزّاجرات زجراً: من زجر. وتعني:
١ - المنع والنّهي.
٢ - السوق والحثُّ.
الملائكة الّتي تزجر السّحاب كما قال ابن عباس والجمهور؛ أيْ: تسوقه حيث يشاء الله، وتزجر الشّياطين (أيْ: تمنع الشّياطين) عن استراق السّمع.
زجر الدّابة: صاح بها ليحثها على السّير أو يمنعها عن الحركة أيْ: يوقفها فالزّجر له معنيان متضادان السوق والحثُّ والمنع والنّهي.
سورة الصافات [٣٧: ٣]
﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾:
﴿فَالتَّالِيَاتِ﴾: الفاء: عاطفة؛ ارجع إلى الآية السابقة؛ الملائكة التّالية: من التّلاوة أي: القراءة القارئة؛ أي: التالية للوحي على الرسل أو لكتاب الله كما قال ابن مسعود والجمهور، أو التالية لذكر الله، أي: المسبحون والحامدون والمكبِّرون وغيرها من الذّكر.
﴿ذِكْرًا﴾: كتاب الله (القرآن).
والتاليات: قد تشمل الرّسل والبشر التالية لكتاب الله تعالى والذاكرون المسبحون.
стр. 4361
سورة الصافات [٣٧: ٤]
﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾:
هذا هو جواب القسم، يقسم الله بالصّافات والزّاجرات والتّاليات إنّ إلهكم لواحد، وقد أكد جواب القسم بإنّ واللام في قوله: لواحد.
﴿لَوَاحِدٌ﴾: الواحد: الذي لا يكون معه آخر، لا يتجزأ، ولا يتفرق (غير مركب)؛ أي: الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، واحد لا شريك له، لا معبود إلا هو، المتصف بوحدانية الإلوهية والربوبية والأسماء والصفات.
وهناك فرق بين الواحد والأحد: وأما الأحد: يعني ليس له مثيل، ليس له ثان مثله، المتفرد بصفات الكمال، فلا نظير له، ولا ند، ولفظ أحد وصف خاص بالله وحده لا يوصف به غيره على الإطلاق. وأحد: أعم في النفي من واحد؛ فهو نفي للجنس؛ أي: لا أحد، ولا اثنان، ولا ثلاثة، ولا أكثر، وحين تقول لا واحد يجوز أن يكون هناك اثنان أو ثلاثة أو أكثر؛ فالله سبحانه أحد واحد في صفاته وأفعاله وأسمائه وعظمته وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته وسمعه وبصره.
وهذه الآية تمثل توحيد الألوهية الموجبة للعبودية والكاف للمخاطب وخاصة المشركون الّذين تعجَّبوا من كون الآلهة إلهاً واحداً، وقالوا: إنّ هذا لشيء عجاب.
سورة الصافات [٣٧: ٥]
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾:
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: إنّ إلهكم لواحد رب السّموات والأرض أيْ: إنّ إلهكم لواحد هو خالق السّموات والأرض وما بينهما ومالك السّموات والأرض وما بينهما من المخلوقات، والرّب هو المدبر، والمحيي والمميت، والرازق، وما بينهما: ارجع إلى سورة الفرقان آية (٥٩) للبيان.
﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾: مشارق الشّمس فللشمس كلّ يوم مشرق ومغرب بعدد
стр. 4362
أيّام السّنة، أيْ: تشرق كلّ يوم بزاوية محددة، وكلّ يوم تغرب في زاوية معينة، ولم يذكر المغارب واقتصر على المشارق؛ لأنّ المشارق تدل على المغارب فحين تشرق لا بُدَّ لها من أن تغرب، لذلك هذا بيِّن وواضح، فلا داعي لذكر ذلك.
وفي آية أخرى يقول: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرّحمن: ١٧] ارجع إلى سورة الرّحمن الآية (١٧) للبيان.
وآية أخرى يقول: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [المزمل: ٩].
سورة الصافات [٣٧: ٦]
﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم؛ لأنّ تزيين السّماء بالكواكب يحتاج إلى علم وقدرة وحكمة.
﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾: السّماء الدّنيا هي أقرب السّموات إلى الأرض.
﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾: الزينة: ما يُتزين به من الحلي (الذهب والفضة)، والنبات، والزهور، والنجوم … وغيرها من مواد الزينة، وفي هذه الآية زينا السماء الدنيا بضوء الكواكب؛ أيْ: بالكواكب المضيئة والكوكب هو جسم بارد مستمد حرارته من الشّمس والنّجوم ويضاء لسقوط الضّوء عليه، أيْ: يعكس الضّوء كالقمر مثلاً، وهو ليس مضيء بنفسه (كالنّجم)، والكواكب والنّجوم كلها تُزين السّماء الدّنيا، وكذلك بعض هذه النجوم تتحول إلى شهاب ثاقب لقذف الشياطين والقضاء عليهم.
سورة الصافات [٣٧: ٧]
﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾:
بالإضافة إلى تزيين السّماء بالكوكب حفظناها من كلّ شيطان مارد.
حفظناها بالشّهب الثّاقبة أو الشّهب المبينة كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ
стр. 4363
فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصّافات: ١٠]، وكقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨].
﴿مِنْ﴾: استغراقية تشمل كلّ شيطان.
﴿كُلِّ شَيْطَانٍ﴾: (الكافر من الجن)، واسم الشّيطان مشتق من شطن. ارجع إلى الآية (٣٦) من سورة البقرة للبيان.
﴿مَّارِدٍ﴾: عاق خارج عن طاعة الله (متمرِّد على طاعة الله) البالغ الغاية في الشّر والفساد، وأمرد: أيْ: يعني: قد مرد في الشّر أو متجرِّد عن الخير أو شره ظاهر، وأمرد: أملس، كقوله صرح ممرَّد: أيْ: أملس يعني: سريع الانفلات لا تقوى على الإمساك به.
سورة الصافات [٣٧: ٨]
﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾:
﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾: لا: النّافية، يسمعون: أي: الشّياطين، وهناك فرق بين سمع ويسمع: سمع بقصد أو بغير قصد أو نية، أمّا يسَّمَّع: فيعني: بقصد وتكليف وجهد وسواء سمع أو لم يسمع شيئاً أيْ: يحاول هؤلاء الشّياطين أن يسمعون إلى الملأ الأعلى: الملائكة.
﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾: بالشّهب الثّاقبة أو المبينة ويقذفون تدل على التّجدد والتّكرار، والقذف: الرّجم بالشّهب، والقذف فيه معنى البعد والقوة أي: الرّجم بقوة ومن بعيد، من كلّ جانب: من استغراقية، كلّ جانب: من الجهات السّتة اليمين والشّمال والأمام والوراء والأعلى والأسفل.
سورة الصافات [٣٧: ٩]
﴿دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾:
﴿دُحُورًا﴾: الدّحور الطّرد والإبعاد، طرداً وإبعاداً، دَحَره: أبعده، مطرودين مبعدين عن السّماء الدّنيا.
стр. 4364
﴿وَلَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾: أيْ: عذاب دائم وصب الشّيء: دام وثبت، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥٢]، أي: الطّاعة دائماً.
سورة الصافات [٣٧: ١٠]
﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿مَنْ﴾: ابتدائية.
﴿خَطِفَ﴾: الخطف: أخذ الشّيء بسرعة وخفة (اختلاس) وعلى غفلة من صاحبه، ومن دون حق، بل أخذها اعتداءً وظلماً.
﴿الْخَطْفَةَ﴾: على وزن مرة، لا يسمعون (الشّياطين) إلا للذي سلب أو خطف الخطفة بخفة وسرعة وعلى غفلة من كلام الملائكة، ويتحدثون عما سيحدث في الأرض قبل أن يعلمه أهل الأرض.
﴿فَأَتْبَعَهُ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة يلحق به.
﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾: نجم مُحرق يخترق وينفذ الأجواء حتّى يصل إلى هدفه بأسرع وقت، أيْ: يصل إلى هذا الشّيطان فيقضي عليه قبل أن يوصل الخبر إلى أوليائه وتارة يخبر بها قبل أن يدركه الشّهاب ويكذبون معها مئة كذبة، ولا يعني أن النّجم بكامله يلحق بالشّيطان ليقضي عليه، وإنما تنطلق من النّجم بعض الأشعة أو ألسنة النّار لتحرق الشّيطان المارد الّذي يحاول الاستماع إلى الملأ الأعلى. ارجع إلى سورة الحجر آية (١٨) لمزيد من البيان.
سورة الصافات [٣٧: ١١]
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِنْ طِينٍ لَّازِبٍ﴾:
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾: الفاء للتوكيد، استفتهم: الألف والسّين والتّاء للطلب أيْ:
стр. 4365
سلهم واطلب منهم الفتوى، أيْ: يُفتوا لك أو يجيبوا هم بأنفسهم ويقروا والإقرار سيد الأدلة، اسأل هؤلاء الكفار المنكرين للبعث أهم أشد خلقاً.
﴿أَهُمْ﴾: الهمزة للاستفهام ويحمل معنى التّوبيخ والتّقرير.
﴿أَشَدُّ خَلْقًا﴾: أعظم خلقاً.
﴿أَمْ مَّنْ خَلَقْنَا﴾: أي: السّموات والأرض لقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧].
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم تدل على القدرة والعلم والحكمة.
﴿خَلَقْنَاهُم مِنْ طِينٍ لَّازِبٍ﴾: طين لازب: تراب + ماء، طين لين، لازب أيْ: يلتصق باليد والطّين اللازب غير موصوف بالصّلابة والقوة كالإسمنت أو الحديد، فهو يدل على الضّعف البنية مقارنة بخلق السّموات والأرض فالإنسان يتغذى من النّباتات الّتي تتغذَّى من تربة الأرض أو يأكل لحم الحيوانات وألبانها، وهي تتغذَّى من النّباتات وكل الخضار والفواكه مستمدة من الأرض أو عناصر أو معادن الأرض كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، وكما قال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]، وقد وجد أن جسم الإنسان يتركَّب من أكثر (١٧) عنصراً أو معدناً من العناصر أو المعادن الّتي تتركَّب منها تربة الأرض، وإذا عرف الإنسان أصله من تراب أو من ماء مهين عليه أن يتواضع ولا يتكبر.
سورة الصافات [٣٧: ١٢]
﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾:
﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي، الانتقال من كلام إلى كلام آخر.
﴿عَجِبْتَ﴾: يا رسول الله ﷺ من تكذيبهم إيّاك وإنكارهم وحدانية الله
стр. 4366
والبعث، أو عجبت من كفرهم وإنكارهم لقدرة الله تعالى رغم وجود كلّ تلك الأدلة.
﴿وَيَسْخَرُونَ﴾: السّخرية هي التقليل من حق من يسخر منه والتقليل من قيمته وذلته. ارجع إلى الآية (٧٩) من سورة التّوبة للبيان، يسخرون مما تقوله عن البعث والحشر والجزاء والحساب ويسخرون من دعوتك للإيمان بالله أو من دعوتهم للإيمان بيوم القيامة والبعث، ومن القرآن (أو الآيات القرآنية)، ويسخرون: تدل على التّجدُّد والتّكرار، أيْ: ما زالوا يسخرون.
سورة الصافات [٣٧: ١٣]
﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: شرطية ظرفية تحتمل حتمية الحدوث.
﴿ذُكِّرُوا﴾: وعظوا لا يتعظون، أيْ: لا ينتفعون بالموعظة أو الذّكرى أو إذا ذكر لهم شيءٌ مما عرفوه في الماضي لا يبالون، ويستمرون على ما هم عليه من العمى والجهل والعناد.
﴿لَا﴾: النّافية.
﴿يَذْكُرُونَ﴾: يتعظون أو يأخذون به أو إليه.
سورة الصافات [٣٧: ١٤]
﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: شرطية ظرفية تفيد الحتمية.
﴿رَأَوْا﴾: رؤية عينية أو قلبية كونية بأعينهم أو معجزة دالة على قدرة الله سبحانه وعظمته.
﴿آيَةً﴾: نكرة تعني: دليلاً أو آية قرآنية أو كونية أو معجزة على البعث أو التّوحيد أو الإيمان أو النّبوة.
стр. 4367
﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾: للمبالغة في السّخرية وتعريف السّخرية. ارجع إلى الآية السّابقة (١٢) من نفس السّورة. ارجع إلى الآية (٧٩) من سورة التّوبة للبيان، ويستسخرون: يبالغون في السّخرية يستدعي بعضهم بعضاً ليسخر منها أو يحثون غيرهم للسخرية منها، أو يبالغون في السّخرية منها عناداً واستكباراً.
سورة الصافات [٣٧: ١٥]
﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾:
﴿وَقَالُوا﴾: أي: الكفار والمشركون.
﴿إِنْ﴾: حرف نفي أشد نفياً من (ما) أيْ: ما هذا.
﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يشير إلى الآية أو البعث أو التّوحيد أو الإيمان أو القرآن.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: أيْ: سحر صنعه محمّد ليسحرنا به اتهموه بالسّحر؛ لأنّهم رأوا تأثيره القوي في النّفوس وكونه خارقاً للعادة، وسحر مبين: واضح بين لكلِّ من اطلع عليه ونظر إليه، مبين: لا يحتاج إلى دليل أو برهان يُبيِّن أنّه سحر. ولتعريف السّحر ارجع إلى سورة طه آية (٥٨).
سورة الصافات [٣٧: ١٦]
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾:
﴿أَإِذَا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّعجب والاستبعاد.
﴿مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾: تحولت أجسامنا إلى تراب وعظام.
﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّعجب كالسّابقة، لمبعوثون: اللام للتوكيد، مبعوثون: من البعث: العودة إلى الحياة بعد الموت والخروج من القبور لنحشر ونحاسب.
стр. 4368
سورة الصافات [٣٧: ١٧]
﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾:
﴿أَوَآبَاؤُنَا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والاستبعاد.
﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾: أيْ: أيبعثُ آباؤنا الأولون أيضاً، أي: الّذين ماتوا منذ زمن طويل، فهذا الأمر لا يصدق.
سورة الصافات [٣٧: ١٨]
﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ﴾:
﴿قُلْ نَعَمْ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ : نعم، أنتم وآباؤكم تبعثون وأنتم داخرون.
﴿وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ﴾: داخرون: من دَخرَ، يدخر: صَغُرَ وذل، منقادون صاغرون أذلاء، وداخرون: صفة ثابتة عندهم، أي: الصّغار والذّل.
سورة الصافات [٣٧: ١٩]
﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾:
أي: البعث أمر سهل جدّاً مجرد نفخة في الصّور يأمر بها الله فإذا الكلّ من الأجداث ينسلون.
﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء جواب الشّرط أإذا، إنما: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
﴿هِىَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾: صيحة واحدة، واحدة: توكيد ويقال: زجر البعير، أيْ: صاح عليه، زجرة: صيحة للحث على البعث والقيام من القبور، وسُمِّيت زجرة لأنّها تسوقهم إلى أرض المحشر. ارجع إلى الآية (٢) من نفس السّورة.
﴿فَإِذَا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، إذا: الفجائية.
﴿هُمْ﴾: للتوكيد.
стр. 4369
﴿يَنْظُرُونَ﴾: هنا وهناك على وجه السّاهرة (وجه الأرض) ينظرون إلى الأرض الجديدة غير الّتي كانوا عليها، منظر جديد لم يروه من قبل، ينظرون ما سيفعل بهم أو أين سيذهبون.
سورة الصافات [٣٧: ٢٠]
﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾:
﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا﴾: يا هلاكنا يا عذابنا، يا: أداة نداء للبعد يا هلاكنا أقبل أو احضر.
﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب.
﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾: يوم الحساب والجزاء، أي: اليوم الّذي نُدان فيه، أيْ: نجازى على أعمالنا أو لم نكن نصدِّق به.
سورة الصافات [٣٧: ٢١]
﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِى كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾:
﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾: قيل: هذا كلام الملائكة أو تتمة لكلّام الكفار بعضهم لبعض، هذا: الهاء للتنبيه وذا اسم إشارة للقرب يشير إلى يوم الفصل، يوم الفصل: يوم الفصل بين الرّسل وأقوامهم المكذبين أو يوم القصاص، والفصل بين الحق والباطل والمؤمن والكافر والمحسن والمسيء، وفريق في الجنة وفريق في السّعير.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد المعرفة.
﴿كُنْتُمْ بِهِ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الاهتمام، أيْ: به خاصة تكذبون لا بغيره.
﴿تُكَذِّبُونَ﴾: لا تصدِّقون أو لا تؤمنون به.
стр. 4370
سورة الصافات [٣٧: ٢٢]
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾:
﴿احْشُرُوا﴾: خطاب إلى الملائكة، والحشر هو الجمع أي: اجمعوا في أرض المحشر، والحشر له غاية لكي يروا أين آلهتهم الّتي كانوا يعبدونها.
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أشركوا وكفروا وضلوا وظلموا أنفسهم وغيرهم في الدّنيا.
﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾: لها معانٍ متعدِّدة منها: احشروا الكافر مع الكافر أو الزّاني مع الزّاني والسّارق مع السّارق.
أو احشروا الّذين ظلموا مع نسائهم أزواجهم الكافرات.
أو احشروا معهم قرناءَهم من الشّياطين.
عابد الصّنم مع عبدة الأصنام.
أو التّابع والمتبوع أو الرّؤساء والقادة مع التّابعين من الّذين استضعفوا.
﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾: إذن أصبحوا ثلاثة، احشروا: الّذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون في الدّنيا ويعبدون من الأصنام والشّياطين والطّواغيت، أمّا عيسى وعزير والملائكة فهؤلاء سبقت لهم الحسنى وهم استثناء من هذه الآية. ارجع إلى سورة الأنبياء آية (١٠١).
يعبدون: بصيغة المضارع تدل على الاستمرار على عبادة غير الله حتّى ماتوا وهم كفار.
سورة الصافات [٣٧: ٢٣]
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾:
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله أو سواه أو معه أو أيِّ وسيط.
﴿فَاهْدُوهُمْ﴾: الفاء تدل على المباشرة والتّعقيب، فاهدوهم: الهداية لا
стр. 4371
تكون إلا إلى الصّراط المستقيم والنّجاة فاستعمل كلمة فاهدوهم للسخرية والتّهكم منهم، أيْ: دلُّوهم على طريق جهنم.
﴿إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾: الصّراط: الطّريق الواسع السّهل المؤدي إلى جهنم أو الجحيم أو النّار، الجحيم: النّار والجحيم اسم للنار مشتق من التّأجج والاضطراب فلا تخمد أبداً، وقيل: هي دركة من دركات النّار، فهناك صراط الجحيم وسواء الجحيم وأصل الجحيم، أمّا سواء الجحيم: فهو وسط الجحيم (النّار) وسُمِّي السّواء وسطاً لاستواء المسافة منه إلى الجانب، أمّا أصل الجحيم: فهو قعرها، وصراط الجحيم: الطّريق إليها. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) لمزيد من البيان.
سورة الصافات [٣٧: ٢٤]
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾:
أي: احبسوهم للسؤال وللحساب (في الموقف أو عند الصّراط) وتعني: كلّ هؤلاء الكفرة سيسأل والسؤال ليس سؤال استفهام إنما سؤال توبيخ وتقريع وسؤال تقرير؛ لأنّه سبحانه عالم بكل أعمالهم.
﴿إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾: عن جميع أعمالهم (الأقوال والأفعال والعقائد) إنهم يسألون عما كانوا يعبدون، وعن لا إله إلا الله، كما روي عن ابن عبّاس.
إنّهم مسؤولون: لقوله سبحانه: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
وأمّا في آية المؤمنون (١٠١): ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِى الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ فالتّوفيق بين هذه الآية والآيات الأخرى أنّ هناك في يوم القيامة مواطنَ لا يُسألون فيها، ومواطنَ في يوم القيامة يسألون فيها عما كانوا يعملون.
стр. 4372
سورة الصّافات [الآيات ٢٥ - ٥١]
سورة الصافات [٣٧: ٢٥]
﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾:
﴿مَا﴾: للاستفهام والتّوبيخ والتّقريع.
﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص.
﴿لَا تَنَاصَرُونَ﴾: الخطاب إلى المشركين لماذا لا ينصر بعضكم بعضاً اليوم للنجاة من العذاب، كما كنتم تناصرون في الحياة الدّنيا، أو تخفيف العذاب ولو يوماً واحداً.
سورة الصافات [٣٧: ٢٦]
﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾:
﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي.
﴿هُمُ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿الْيَوْمَ﴾: يوم القيامة يوم الفصل أو يوم الدّين.
﴿مُسْتَسْلِمُونَ﴾: منقادون ذليلون لا حيلة لهم يخذل بعضهم بعضاً، جملة اسمية تدل على الثّبوت، أيْ: صفة الاستسلام ثابتة.
سورة الصافات [٣٧: ٢٧]
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾:
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: الواو استئنافية، أقبل بعضهم على بعض، أي: الْتقى الأتباع والرّؤساء والقادة أو التّابع والمتبوع العابد والمعبود.
стр. 4373
﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾: يسأل بعضهم بعضاً، أيْ: يتلاومون كلٌّ يُلقي المسؤولية على غيره، كما سيأتي في الآيات التالية.
سورة الصافات [٣٧: ٢٨]
﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾:
﴿قَالُوا﴾: الأتباع للقادة والرّؤساء أو الأتباع للمتبوعين.
﴿إِنَّكُمْ﴾: إنّ للتوكيد.
﴿كُنتُمْ﴾: في الدّنيا.
﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾: لها عدة تفسيرات: عن اليمين: مشتقة من اليد اليمنى كناية عن القوة والقهر، أيْ: تأتوننا بالقوة والجبروت والتّرويع لكي نشرك بالله ونكفر به.
أو تعني تأتوننا بالأيمان الكاذبة (اليمين: الحلف أو القسم) أيْ: عن طريق حلف الأيمان الكاذبة واتخاذ الأحزاب والأحلاف.
أو تأتوننا عن طريق الدّين وتقولون لنا أنّ دين محمّد باطل وتقليد الآباء أفضل وتخدعوننا.
أو عن جهة اليمين: جهة الخير (من التّيمن) البدء باليمين، أيْ: تأتوننا عن طريق الحق لتصرفونا عنه إلى اتباع الباطل.
وعن اليمين: قد تعني كلّ ذلك معاً.
سورة الصافات [٣٧: ٢٩]
﴿قَالُوا بَلْ لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾:
﴿قَالُوا﴾: أي: القادة والرّؤساء أو المتبوعين للأتباع.
﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي.
стр. 4374
﴿لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: لم: نافية، تكونوا مؤمنين: أيْ: كنتم أصلاً كافرين وغير مصدقين بدين محمّد أو بمحمّد، فلم نضلكم أصلاً، أيْ: لم نخرجكم من الإيمان إلى الكفر، مؤمنين: لم تكن صفة الإيمان موجودة عندكم أصلاً، أو على إيمان ثابت راسخ.
سورة الصافات [٣٧: ٣٠]
﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾:
﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم﴾: الواو عاطفة، ما النّافية، كان: تشمل كلّ الأزمنة، لنا: اللام لام الملكية، عليكم: خاصة.
﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾: من استغراقية، سلطان: أيْ: سلطان سواء كان سلطان القوة والقهر أو سلطان الحُجَّة والإقناع لكي تتبعونا وتسمعوا لنا.
﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي.
﴿كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾: طغاةً ظلمةً متجاوزين الحدَّ في الشّرك والظّلم والإسراف.
سورة الصافات [٣٧: ٣١]
﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾:
هذا تتمة لقول الرّؤساء أو المتبوعين للأتباع.
﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾: وجب، ولكنه لم يقع بعد أو لم يبدأ بعد. قول ربنا: العذاب.
علينا: جميعاً التّابع والمتبوع، أيْ: نحن وإيّاكم، وقيل: قول ربنا هو: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].
﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾: إنا: للتوكيد، لذائقون: اللام للتعليل والنّون في (ذائقون)
стр. 4375
للتوكيد، ولم يقل: لذائقو العذاب الأليم، ذائقون: تدل على الإذاقة الدّائمة المستمرة و (لذائقو) تدل على الإذاقة المؤقتة.
سورة الصافات [٣٧: ٣٢]
﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾:
﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، أغويناكم: من أغوى يغوي. ارجع إلى الآية (٤٢) من سورة الحجر للبيان، أيْ: أضللناكم عن طريق الحق والهداية أو أفسدنا عقولكم؛ لأننا نحن أصلاً: غاوون.
﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾: ضالين في الدّنيا أو فاسدين فأردنا أن تضلوا معنا وتكونوا شركاء لنا في الغواية والفساد، غاوين: جمع غاوٍ، أيْ: صفة الغواية ثابتة عندهم.
سورة الصافات [٣٧: ٣٣]
﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾:
في هذه الآية يُنهي الله سبحانه هذه المواجهة بين الأتباع والمتبوعين فيقول:
﴿فَإِنَّهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، ولم يخاطبهم مباشرة؛ لأنّهم لا يستحقون، إنّ للتوكيد.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم الفصل يوم الدِّين.
﴿فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾: الأتباع والمتبوعون كلاهما سيذوقان العذاب، ولن ينجو أحدهما منه، ولن يُغني بعضهم عن بعض شيئاً.
سورة الصافات [٣٧: ٣٤]
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم.
﴿كَذَلِكَ﴾: أيْ: كما عذبنا التّابعين والمتبوعين كذلك نعذِّب المجرمين.
﴿نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾: الباء للإلصاق والدّوام والاستمرار، المجرمين:
стр. 4376
جمع مجرم، والمجرم هو مرتكب الجريمة، وهي الذّنب الّذي يوجب العذاب، والمجرم: هو الكافر والمشرك والعاصي الّذي لا يؤمن بالله وحده؛ ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) لمزيد من البيان في المجرمين، ثمّ بيَّن العلَّة في الآية التّالية، والسّبب في تعذيبهم وهو الشّرك بالله.
سورة الصافات [٣٧: ٣٥]
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾:
﴿إِنَّهُمْ﴾: الضّمير يعود على المجرمين وإنّ للتعليل.
﴿كَانُوا﴾: في الدّنيا.
﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية تدل على الحتمية.
﴿قِيلَ لَهُمْ﴾: مبني للمجهول سواء كان القائل الله سبحانه أو رسول الله أو أيُّ مؤمن والمهم هنا المقولة، لهم: اللام لام الاختصاص لهم خاصة، أيْ: قيل لهم: قولوا: لا إله إلا الله. ارجع إلى الآية (٢٥٥) من سورة البقرة للبيان.
قولوا كلمة التّوحيد، أو آمنوا بالله وحده.
﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾: يتكبرون بغير حقِّ، أيْ: يشعروا بعظم شأنهم فوق ما يستحقون، يستكبرون عن الإيمان بالله وحده والقول لا إله إلا الله محمّد رسول الله. يستكبرون: يطلبون الكبر، ولا يملكون مؤهلاته.
سورة الصافات [٣٧: ٣٦]
﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾:
﴿وَيَقُولُونَ﴾: بصيغة المضارع لتدل على الاستمرار والتّجديد.
﴿أَئِنَّا﴾: الهمزة للاستفهام والإنكار إنا تعود على المجرمين.
﴿لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا﴾: اللام للتعليل تاركو عبادة آلهتنا.
стр. 4377
﴿لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾: بسبب ما يقوله محمّد الشّاعر المجنون، واللام لام الاختصاص، لكي نتبع عبادة الله وحده.
سورة الصافات [٣٧: ٣٧]
﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾:
﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي، أيْ: دعك عن قولهم الباطل هذا، أو أضرب عن قولهم شاعر ومجنون، ما قاله محمّد ﷺ هو الحق وما جاء به.
﴿جَاءَ بِالْحَقِّ﴾: جاء بالحق: وهو الأمر الثّابت الّذي لا يتغيَّر أو يتبدَّل، جاء بالقرآن الكريم وبالدِّين القيِّم ولا إله إلا الله أيْ: بالتّوحيد، والباء للإلصاق والدّوام.
﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾: أيْ: محمّد ﷺ صدق الرّسل الّذين جاؤوا قبله بكلمة لا إله إلا الله والإسلام فهو ليس بدعاً من الرّسل.
سورة الصافات [٣٧: ٣٨]
﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾:
﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾: هذه الآية توكيد للآية السّابقة (٣١) إنا لذائقون، ويبيِّن ما نوع العذاب وشدته وتبدلت فيها الصّيغة من صيغة الغائب (إنهم) إلى صيغة المخاطب (إنّكم) لزيادة الانتباه والتّهديد والتّحذير لكلّ مجرم ومذنب وعاصٍ.
﴿الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾: شديد الإيلام لن تطيقوه أو تقدروا على تحمُّله، ثمّ يُبيِّن أنّ هذا العذاب ليس ظلماً أو عدواناً إنما هو جزاء ما قدَّموه من الأعمال فقال:
سورة الصافات [٣٧: ٣٩]
﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما النّافية.
﴿تُجْزَوْنَ﴾: من الجزاء، والجزاء يكون للخير أو للشر.
стр. 4378
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿مَا كُنتُمْ﴾: في الدّنيا. ما: اسم موصول بمعنى الذي، وأوسع شمولاً من الذي.
﴿تَعْمَلُونَ﴾: الأعمال تضم الأقوال والأفعال ما تعملون من خير وشر ما كنتم تعملون من الشّرك والتّكذيب والمعاصي، وبعد ذكر ما أعده الله سبحانه للمجرمين المكذبين يذكر بعدها ما أعدَّه الله سبحانه لعباده المؤمنين.
سورة الصافات [٣٧: ٤٠]
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من قوله: إنكم لذائقوا العذاب الأليم إلا عباد الله المخلصين فإنّهم لن يذوقوا العذاب الأليم.
﴿عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: المخلَصين بفتح اللام اسم مفعول يعني: الّذين أخلصهم الله واصطفاهم لعبادته وطاعته بعد أن أخلَصوا أنفسهم أوّلاً.
إذن هناك فرق بين المخلِصين بكسر اللام الّذين يخلصون أنفسهم لله والمخلَصين بفتح اللام هؤلاء أعلى درجة في الإخلاص.
سورة الصافات [٣٧: ٤١]
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد يفيد بعد منزلتهم عند الله تعالى وجزاءَهم.
﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
﴿رِزْقٌ مَّعْلُومٌ﴾: الرّزق تعريفه: كلّ ما يُنتفع به، ويشمل الرّزق الطّيب الحلال ويشمل الطّعام والشّراب والعلم والجاه والمنزلة، هذا في الدنيا، أما في الجنة: فقد وصف هذا الرزق بالطعام والشراب في جنات النعيم، والسرر والكأس
стр. 4379
المعين، والحور العين وغيره. ووصفه بالمعلوم؛ أي: الجنة، وأما رزق الدنيا فهو ليس معلوماً لا بد من السعي من أجله، أما في الآخرة فهو معلوم رزق خاص بهم.
سورة الصافات [٣٧: ٤٢]
﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُّكْرَمُونَ﴾:
﴿فَوَاكِهُ﴾: بالضّم بدل من رزق، فسر الرّزق بالفواكه وغيرها، وهناك فرق بين فواكه وفاكهة، فواكه جمع لا تشمل الواحدة والاثنتين، ولا تشمل على كلّ أنواع الفاكهة، أمّا فاكهة فاسم جنس يشمل الواحدة والاثنتين والجمع ثلاثة أو أكثر، فكلمة فاكهة أعم من فواكه والفاكهة تطلق على النّوع الواحد أو الأنواع.
﴿وَهُمْ مُّكْرَمُونَ﴾: وهم: ضمير فصل يفيد التّوكيد، مكرمون: وإذا قارنا هذه الآية فواكه وهم مكرمون في الجنة برضوان الله تعالى، وبكلّ أنواع التّكريم والسّلام والنّعيم الّذي لهم مع الآية (٢٠) من سورة الواقعة ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾.
نجد أنّ آية الواقعة تخاطب السّابقين السّابقين، أمّا آية الصّافات فتخاطب أصحاب اليمين؛ أيْ: فاكهة تُقدَّم إلى المقربين وهم السّابقون السّابقون وفواكه تقدَّم إلى أصحاب اليمين.
سورة الصافات [٣٧: ٤٣]
﴿فِى جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾:
﴿فِى﴾: ظرفية.
﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: جنات النّعيم مثل جنات الفردوس جنات عدن، أو تشمل كلّ الجنات.
سورة الصافات [٣٧: ٤٤]
﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾:
﴿سُرُرٍ﴾: جمع سرير، أسرة للجلوس عليها.
стр. 4380
﴿مُتَقَابِلِينَ﴾: تعني: إذا أردت زيارة أخاً لك تجده أمامك لا تحتاج إلى الانتقال والسير إليه، أو إلى منزله والركوب في طائرة أو سيارة أو غيرها.
سورة الصافات [٣٧: ٤٥]
﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِنْ مَّعِينٍ﴾:
﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ﴾: على كلّ منهم، بكأس: الباء للإلصاق والدّوام، الكأس: يراد به القدح الّذي يوضع به الخمر.
﴿مِنْ مَّعِينٍ﴾: من الخمر الّذي يجري على وجه الأرض في أنهار، أو معين شيء تراه بعينك أي: ظاهر، من: ابتدائية لبيان الجنس، ثمّ يصف الخمر في الآية (٤٦ - ٤٧).
سورة الصافات [٣٧: ٤٦]
﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾:
﴿بَيْضَاءَ﴾: شديدة البياض والبيضاء قيل: هي أصفى أنواع الخمر عند العرب طيبة الرّائحة.
﴿لَذَّةٍ﴾: فيها مبالغة من لذيذة لذة مصدر للمبالغة، أيْ: ذات لذة مثل لذة الطعم، أو لذة النظر … وغيرها، واللذة: تختص بالمحسوسات التي تظهر آثارها على البدن، بعكس الشهوة التي تختص بالآراء والأفكار والعقائد، وقد تكون مذمومة أو محمودة.
﴿لِلشَّارِبِينَ﴾ اللام لام الاختصاص والاستحقاق، الشّاربين: جمع شارب بينما خمر الدّنيا كريهة الطّعم وكريهة الرّائحة.
سورة الصافات [٣٧: ٤٧]
﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾:
انتبه إلى يُنْزَفُون بفتح الزاي في هذه الآية، وإلى كلمة يُنزِفون بكسر الزاي في سورة الواقعة آية (١٩) كما سنرى.
следующие страницы →