Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.
стр. 4376
جمع مجرم، والمجرم هو مرتكب الجريمة، وهي الذّنب الّذي يوجب العذاب، والمجرم: هو الكافر والمشرك والعاصي الّذي لا يؤمن بالله وحده؛ ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) لمزيد من البيان في المجرمين، ثمّ بيَّن العلَّة في الآية التّالية، والسّبب في تعذيبهم وهو الشّرك بالله.
سورة الصافات [٣٧: ٣٥]
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾:
﴿إِنَّهُمْ﴾: الضّمير يعود على المجرمين وإنّ للتعليل.
﴿كَانُوا﴾: في الدّنيا.
﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية تدل على الحتمية.
﴿قِيلَ لَهُمْ﴾: مبني للمجهول سواء كان القائل الله سبحانه أو رسول الله أو أيُّ مؤمن والمهم هنا المقولة، لهم: اللام لام الاختصاص لهم خاصة، أيْ: قيل لهم: قولوا: لا إله إلا الله. ارجع إلى الآية (٢٥٥) من سورة البقرة للبيان.
قولوا كلمة التّوحيد، أو آمنوا بالله وحده.
﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾: يتكبرون بغير حقِّ، أيْ: يشعروا بعظم شأنهم فوق ما يستحقون، يستكبرون عن الإيمان بالله وحده والقول لا إله إلا الله محمّد رسول الله. يستكبرون: يطلبون الكبر، ولا يملكون مؤهلاته.
سورة الصافات [٣٧: ٣٦]
﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾:
﴿وَيَقُولُونَ﴾: بصيغة المضارع لتدل على الاستمرار والتّجديد.
﴿أَئِنَّا﴾: الهمزة للاستفهام والإنكار إنا تعود على المجرمين.
﴿لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا﴾: اللام للتعليل تاركو عبادة آلهتنا.
стр. 4377
﴿لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾: بسبب ما يقوله محمّد الشّاعر المجنون، واللام لام الاختصاص، لكي نتبع عبادة الله وحده.
سورة الصافات [٣٧: ٣٧]
﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾:
﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي، أيْ: دعك عن قولهم الباطل هذا، أو أضرب عن قولهم شاعر ومجنون، ما قاله محمّد ﷺ هو الحق وما جاء به.
﴿جَاءَ بِالْحَقِّ﴾: جاء بالحق: وهو الأمر الثّابت الّذي لا يتغيَّر أو يتبدَّل، جاء بالقرآن الكريم وبالدِّين القيِّم ولا إله إلا الله أيْ: بالتّوحيد، والباء للإلصاق والدّوام.
﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾: أيْ: محمّد ﷺ صدق الرّسل الّذين جاؤوا قبله بكلمة لا إله إلا الله والإسلام فهو ليس بدعاً من الرّسل.
سورة الصافات [٣٧: ٣٨]
﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾:
﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾: هذه الآية توكيد للآية السّابقة (٣١) إنا لذائقون، ويبيِّن ما نوع العذاب وشدته وتبدلت فيها الصّيغة من صيغة الغائب (إنهم) إلى صيغة المخاطب (إنّكم) لزيادة الانتباه والتّهديد والتّحذير لكلّ مجرم ومذنب وعاصٍ.
﴿الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾: شديد الإيلام لن تطيقوه أو تقدروا على تحمُّله، ثمّ يُبيِّن أنّ هذا العذاب ليس ظلماً أو عدواناً إنما هو جزاء ما قدَّموه من الأعمال فقال:
سورة الصافات [٣٧: ٣٩]
﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما النّافية.
﴿تُجْزَوْنَ﴾: من الجزاء، والجزاء يكون للخير أو للشر.
стр. 4378
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿مَا كُنتُمْ﴾: في الدّنيا. ما: اسم موصول بمعنى الذي، وأوسع شمولاً من الذي.
﴿تَعْمَلُونَ﴾: الأعمال تضم الأقوال والأفعال ما تعملون من خير وشر ما كنتم تعملون من الشّرك والتّكذيب والمعاصي، وبعد ذكر ما أعده الله سبحانه للمجرمين المكذبين يذكر بعدها ما أعدَّه الله سبحانه لعباده المؤمنين.
سورة الصافات [٣٧: ٤٠]
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من قوله: إنكم لذائقوا العذاب الأليم إلا عباد الله المخلصين فإنّهم لن يذوقوا العذاب الأليم.
﴿عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: المخلَصين بفتح اللام اسم مفعول يعني: الّذين أخلصهم الله واصطفاهم لعبادته وطاعته بعد أن أخلَصوا أنفسهم أوّلاً.
إذن هناك فرق بين المخلِصين بكسر اللام الّذين يخلصون أنفسهم لله والمخلَصين بفتح اللام هؤلاء أعلى درجة في الإخلاص.
سورة الصافات [٣٧: ٤١]
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد يفيد بعد منزلتهم عند الله تعالى وجزاءَهم.
﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
﴿رِزْقٌ مَّعْلُومٌ﴾: الرّزق تعريفه: كلّ ما يُنتفع به، ويشمل الرّزق الطّيب الحلال ويشمل الطّعام والشّراب والعلم والجاه والمنزلة، هذا في الدنيا، أما في الجنة: فقد وصف هذا الرزق بالطعام والشراب في جنات النعيم، والسرر والكأس
стр. 4379
المعين، والحور العين وغيره. ووصفه بالمعلوم؛ أي: الجنة، وأما رزق الدنيا فهو ليس معلوماً لا بد من السعي من أجله، أما في الآخرة فهو معلوم رزق خاص بهم.
سورة الصافات [٣٧: ٤٢]
﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُّكْرَمُونَ﴾:
﴿فَوَاكِهُ﴾: بالضّم بدل من رزق، فسر الرّزق بالفواكه وغيرها، وهناك فرق بين فواكه وفاكهة، فواكه جمع لا تشمل الواحدة والاثنتين، ولا تشمل على كلّ أنواع الفاكهة، أمّا فاكهة فاسم جنس يشمل الواحدة والاثنتين والجمع ثلاثة أو أكثر، فكلمة فاكهة أعم من فواكه والفاكهة تطلق على النّوع الواحد أو الأنواع.
﴿وَهُمْ مُّكْرَمُونَ﴾: وهم: ضمير فصل يفيد التّوكيد، مكرمون: وإذا قارنا هذه الآية فواكه وهم مكرمون في الجنة برضوان الله تعالى، وبكلّ أنواع التّكريم والسّلام والنّعيم الّذي لهم مع الآية (٢٠) من سورة الواقعة ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾.
نجد أنّ آية الواقعة تخاطب السّابقين السّابقين، أمّا آية الصّافات فتخاطب أصحاب اليمين؛ أيْ: فاكهة تُقدَّم إلى المقربين وهم السّابقون السّابقون وفواكه تقدَّم إلى أصحاب اليمين.
سورة الصافات [٣٧: ٤٣]
﴿فِى جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾:
﴿فِى﴾: ظرفية.
﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: جنات النّعيم مثل جنات الفردوس جنات عدن، أو تشمل كلّ الجنات.
سورة الصافات [٣٧: ٤٤]
﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾:
﴿سُرُرٍ﴾: جمع سرير، أسرة للجلوس عليها.
стр. 4380
﴿مُتَقَابِلِينَ﴾: تعني: إذا أردت زيارة أخاً لك تجده أمامك لا تحتاج إلى الانتقال والسير إليه، أو إلى منزله والركوب في طائرة أو سيارة أو غيرها.
سورة الصافات [٣٧: ٤٥]
﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِنْ مَّعِينٍ﴾:
﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ﴾: على كلّ منهم، بكأس: الباء للإلصاق والدّوام، الكأس: يراد به القدح الّذي يوضع به الخمر.
﴿مِنْ مَّعِينٍ﴾: من الخمر الّذي يجري على وجه الأرض في أنهار، أو معين شيء تراه بعينك أي: ظاهر، من: ابتدائية لبيان الجنس، ثمّ يصف الخمر في الآية (٤٦ - ٤٧).
سورة الصافات [٣٧: ٤٦]
﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾:
﴿بَيْضَاءَ﴾: شديدة البياض والبيضاء قيل: هي أصفى أنواع الخمر عند العرب طيبة الرّائحة.
﴿لَذَّةٍ﴾: فيها مبالغة من لذيذة لذة مصدر للمبالغة، أيْ: ذات لذة مثل لذة الطعم، أو لذة النظر … وغيرها، واللذة: تختص بالمحسوسات التي تظهر آثارها على البدن، بعكس الشهوة التي تختص بالآراء والأفكار والعقائد، وقد تكون مذمومة أو محمودة.
﴿لِلشَّارِبِينَ﴾ اللام لام الاختصاص والاستحقاق، الشّاربين: جمع شارب بينما خمر الدّنيا كريهة الطّعم وكريهة الرّائحة.
سورة الصافات [٣٧: ٤٧]
﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾:
انتبه إلى يُنْزَفُون بفتح الزاي في هذه الآية، وإلى كلمة يُنزِفون بكسر الزاي في سورة الواقعة آية (١٩) كما سنرى.
стр. 4381
﴿لَا﴾: النّافية.
﴿فِيهَا غَوْلٌ﴾: أيْ: لا تحتوي على غول وهو المادة المسكرة المذهبة للعقل.
﴿وَلَا هُمْ﴾: تكرار لا لتوكيد النّفي، هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾: بفتح الزاي عن تفيد المباعدة والمجاوزة، أيْ: لا تذهب بعقولهم، أو يُنزفون: من النزف: وهو نزف الدم من المعدة، أو المري الحاصل بسبب شرب الخمر في الدنيا الذي يؤدي إلى تشمع الكبد، والّذي قد يؤدِّي إلى نزيف حادٍّ وغير مميت أو قاتل، بينما ويُنزِفُون: بكسر الزاي: يدل على النزف المميت القاتل الحاصل بسبب شرب الخمر الذي لا يتوقف حتى بالمعالجة، والله أعلم. ارجع إلى سورة الواقعة لمزيد من البيان.
سورة الصافات [٣٧: ٤٨]
﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾:
وصف لنساء الجنة.
﴿وَعِندَهُمْ﴾: في جنات النّعيم.
﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: الحور العين أو نساؤهم في الدّنيا، قاصرات الطّرف: يدلُّ ذلك على العفاف ـ لا تنظر إلى غير زوجها ـ وأصل القصر الحبس، الطّرف: النّظر.
﴿عِينٌ﴾: حسان العيون مع وسعها، جمع عيناء وهي المرأة الحسناء الواسعة العين.
سورة الصافات [٣٧: ٤٩]
﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾:
﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ﴾: أمّا لون البشرة أو الوجه فهو البياض المخلوط بشيء من الصّفرة (اللون الأصفر) والعرب تشبه النّساء بالبيض لصفاء بياضهن، وهذا
стр. 4382
يسمَّى تشبيه مرسل، قيل: كبيض النّعام (أبيض مشرب باللون الأصفر) وهو أحسن الألوان على الإطلاق مقارنة بالأبيض كلون اللبن اللون الغير مستساغ كلون للبشرة.
﴿مَّكْنُونٌ﴾: مستور لا يصله غبار ولا تلوُّث.
سورة الصافات [٣٧: ٥٠]
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾:
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، هذه الآية جاءت في سياق إقبال أهل الجنة بعضهم على بعض يتساءلون بينما الآية السّابقة (٢٧) جاءت في سياق الأتباع والمتبوعين من المجرمين.
وكما دار حوار وتساؤل بين المجرمين يدور تساؤل وحوار بين أهل الجنة مختلف عن السّابق، وتبين لنا الآيات القادمة نوع التّساؤل.
سورة الصافات [٣٧: ٥١]
﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ﴾:
﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ﴾: أي: من أصحاب جنات النّعيم.
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿كَانَ لِى﴾: في الدّنيا.
﴿قَرِينٌ﴾: وسمَّاه قريناً، ولم يسمِّه صاحباً. والقرين: هو رفيق السّوء (يضر ولا ينفع) وأيضاً تطلق على الشّيطان القرين.
أمّا الصّاحب: فهو الرفيق الّذي ينتفع منه ويحفظ مصالح صاحبه ولا يفرط بها.
стр. 4383
سورة الصّافات [الآيات ٥٢ - ٧٦]
سورة الصافات [٣٧: ٥٢]
﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾:
﴿يَقُولُ﴾: أيْ: كان يقول القرين لي في الدّنيا يقول:
﴿أَإِنَّكَ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّعجب والاستبعاد.
﴿لَمِنَ﴾: اللام للتوكيد، من ابتدائية.
﴿الْمُصَدِّقِينَ﴾: أيْ: أأنت لمن المؤمنين بالبعث والحساب، أيْ: يُنكر عليَّ ويتعجَّب من كوني مؤمناً بالبعث والحساب.
سورة الصافات [٣٧: ٥٣]
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾:
وكان هذا القرين يسألني أيضاً:
﴿أَإِذَا﴾: الهمزة أيضاً للاستفهام الإنكاري والاستبعاد والتّعجُّب، إذا: ظرفية للاستقبال تفيد حتمية الحدوث.
﴿مِتْنَا﴾: مِتنا بكسر الميم يدل على الموت الطّبيعي، ولو قال: أإذا مُتنا بضم الميم فتدل على الموت بأسباب أخرى مثل الموت في سبيل الله (في الجهاد). ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٥٧ - ١٥٨) للبيان والفرق بين مِت ومُت.
﴿وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾: أيْ: تحولت أجسامنا إلى تراب وعظام.
стр. 4384
﴿أَإِنَّا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والاستبعاد، أيْ: يسألني مستنكراً حين أخبره أنا لمدينون.
﴿لَمَدِينُونَ﴾: اللام للتوكيد، مدينون: من دان ودِنْتُهُ على ما صنع: أيْ: جازيته على ما صنع. أيْ: أنحن مجازون على ما نعمل أو محاسبون أو مسؤولون.
والسّؤال لماذا استعمل لمدينون ولم يقل: أإنا لمبعوثون: لأنّ السّياق هو في الآخرة ويسأل عن قرينه بعد أن دخل الجنة فالبعث مضى وانقضى والموقف موقف بعد الحساب والجزاء، وأإنا لمبعوثون: تأتي في سياق السؤال في الدنيا عن البعث.
سورة الصافات [٣٧: ٥٤]
﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾:
﴿قَالَ هَلْ﴾: هل: للاستفهام الحقيقي.
﴿أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾: معي للبحث عن ذلك القرين لننظر ما حلَّ به.
سورة الصافات [٣٧: ٥٥]
﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾:
﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ﴾: الفاء للمباشرة، فاطلع المؤمن كشف له الحجاب فرأى قرينه في سواء الجحيم، أيْ: في وسط النّار.
﴿فِى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾: في ظرفية، سواء الجحيم: وسط النّار وسُمِّي الوسط: لاستواء تساوي المسافة إلى الجوانب.
سورة الصافات [٣٧: ٥٦]
﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾:
﴿قَالَ﴾: قال المؤمن الّذي في الجنة وكأنّه يتحدث مع قرينه مباشرة.
стр. 4385
﴿تَاللَّهِ﴾: التّاء تاء القسم، أي: أقسم بالله، والقسم للتوكيد، وفيه معنى التّعجُّب والتّفخيم، والتّاء أقوى أدوات القسم، أقوى من الواو والباء واللام.
﴿إِنْ﴾: للتوكيد.
﴿كِدْتَ﴾: من أفعال المقاربة، أي: أوشكت.
﴿لَتُرْدِينِ﴾: اللام لزيادة التّوكيد، تردين: أيْ: لتهلكني معك أو تؤدِّي إلى هلاكي بصدك إيّاي عن الإيمان بالله وبالبعث، يقال: أرديت فلاناً: أيْ: أهلكته وقضيت عليه، مشتقة من الرَّدى: وهو الهلاك وأردى فلان: أيْ: أهلكه، وقوله تعالى: لتردين وليس لترديني: لأن المحاولة التي قام بها قرينه كانت مؤقتة ولم تستمر طويلاً.
سورة الصافات [٣٧: ٥٧]
﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾:
﴿وَلَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود.
﴿نِعْمَةُ رَبِّى﴾: عليَّ بالإسلام والإيمان والهداية والتّوفيق.
﴿لَكُنْتُ﴾: اللام للتوكيد، كنت: أيْ: أصبحت.
﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾: من ابتدائية، المحضرين للعذاب أو المحضرين معك في النّار، ومحضرين جمع محضر: والمحضر هو الّذي أرغم على الحضور أيْ: من دون إرادته تُحضرهم الملائكة فتدخلهم النّار. محضرون: لا تأتي إلا في سياق العذاب في كل آيات القرآن.
стр. 4386
سورة الصافات [٣٧: ٥٨]
﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾:
﴿أَفَمَا﴾: الهمزة للاستفهام المشوب بالنّفي والتّعجب والتّقرير، والفاء للتوكيد، ما: النّافية.
﴿نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾: أيْ: ما نحن بميتين مرة أخرى إلا:
سورة الصافات [٣٧: ٥٩]
﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾: الّتي تلت الحياة الدّنيا فقط.
﴿وَمَا﴾: لتوكيد النّفي.
﴿نَحْنُ﴾: تفيد التّوكيد.
﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾: الباء للإلصاق، معذبين في النّار. أو بأيِّ نوع من أنواع العذاب الأخرى.
سورة الصافات [٣٧: ٦٠]
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾:
هذا: يمكن أن يكون قول الله تعالى أو الملائكة أو الرّجل المؤمن الّذي دخل الجنة.
إنّ واللام في لهو يفيدان التّوكيد.
﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يفيد القرب، ويشير إلى النّجاة من العذاب، ولن يكون هناك موت ثانٍ.
﴿لَهُوَ﴾: اللام لزيادة التّوكيد.
стр. 4387
﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: الفوز: النّجاة من النّار وبلوغ الغاية وهي نيل الجنة.
فالفرق بين الفوز والنّجاة: الفوز = النّجاة + الوصول إلى المحبوب (المطلوب).
أمّا النّجاة = فهي الخلاص من المكروه فقط.
والفوز العظيم: ليس هناك فوز أفضل منه أو أعلى منه، فهو أفضل من الفوز الكبير أو الفوز المبين. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٣) لمزيد من البيان.
سورة الصافات [٣٧: ٦١]
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾:
﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾: اللام في كلمة لمثل: لام التّعليل والتّوكيد.
﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه وذا اسم إشارة يشير إلى الفوز العظيم.
﴿فَلْيَعْمَلِ﴾: الفاء للمباشرة، أيْ: لا يتأخرون عن العمل العظيم واللام في ليعمل لزيادة التّوكيد.
﴿الْعَامِلُونَ﴾: في الدّنيا من الأعمال الصّالحة، والعمل يضم الأقوال والأفعال معاً. عاملون جملة اسمية تفيد الدوام والثبات على القيام بالأعمال الصّالحة.
سورة الصافات [٣٧: ٦٢]
﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾:
﴿أَذَلِكَ﴾: الهمزة للاستفهام التّقريري والتّهكم بالكفرة، ذلك: اسم إشارة للبعد يشير إلى جنات النّعيم.
﴿خَيْرٌ﴾: أفضل.
стр. 4388
﴿نُزُلًا﴾: مكانة نُزلاً من النُّزل ما يُعدُّ للضيف من المأكل والمشرب والمسكن وحسن الضّيافة والتّرحيب.
﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام المصحوب بالتّوبيخ، أم للإضراب الانتقالي.
﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾: شجرة خبيثة مرة الطّعم مُنتنة لا يوجد لها مثيل في الدّنيا، وتسمَّى الشجّرة الملعونة في القرآن. الإسراء آية (٦٠).
وقد ورد ذكرها في ثلاث آيات:
سورة الصّافات: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصّافات: ٦٣ - ٦٥].
وفي سورة الدخان: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِى الْبُطُونِ كَغَلْىِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦].
وفي سورة الواقعة: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٣].
سورة الصافات [٣٧: ٦٣]
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم.
﴿جَعَلْنَاهَا﴾: أي: شجرة الزّقوم.
﴿فِتْنَةً﴾: تعني: للابتلاء: الاختبار في الدّنيا، لمن يصدِّق بها أو يكذِّبها، وفي الآخرة نوع من أنواع العذاب للظالمين المشركين.
стр. 4389
﴿لِلظَّالِمِينَ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٤) لبيان معنى الظالمين.
سورة الصافات [٣٧: ٦٤]
﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾:
﴿تَخْرُجُ﴾: تنبت.
﴿فِى أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾: في قعر الجحيم، كما قال الحسن، وأغصانها وفروعها تمتد في دركات النّار السّبع. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) للبيان المفصل.
سورة الصافات [٣٧: ٦٥]
﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾:
﴿طَلْعُهَا﴾: قيل: هو ثمرها كأنّه رؤوس الشّياطين وسُمِّي طلعاً، أو طلعها ما ينمو أو ينبت من أوراقها وأغصانها أو حملها، له صورة رؤوس الشّياطين. والعرب تشبِّه كلّ شيء قبيح برأس الشّيطان.
وهل رأى أحدٌ رؤوس الشّياطين؟
وما دام المخبر هو الله سبحانه فقوله الحق، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النّساء: ١٢٢].
سورة الصافات [٣٧: ٦٦]
﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾:
﴿فَإِنَّهُمْ﴾: للتوكيد تعود إلى الظالمين.
﴿لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾: لآكلون: اللام للتعليل والتّوكيد حيث لا طعام لهم آخر، ولن يأكلوا منها على قدر الضّرورة، بل سيُؤمروا أن يملؤوا منها البطون.
стр. 4390
﴿فَمَالِئُونَ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، أي: يُكرهون ويجبرون على الأكل منها حتّى تمتلئ بطونهم منها.
سورة الصافات [٣٧: ٦٧]
﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: لا تدل على التّرتيب والتّراخي، وإنما للترتيب العددي.
﴿إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا﴾: للتوكيد، لهم عليها: اللام لام الاختصاص، عليها: تفيد المشقة والعلو.
﴿لَشَوْبًا﴾: اللام للتعليل، الشّوب هو الشّيء المخلوط الممزوج، يقال: شاب الطّعام أو الشّراب، أي: خلطه بشيء آخر.
﴿مِّنْ حَمِيمٍ﴾: الحميم: الماء البالغ غاية أو نهاية الحرارة، يشربونه فيختلط بالمأكول من شجرة الزّقوم، أيْ: أنّهم إذا أكلوا الزّقوم فملؤوا منها البطون عندها يحتاجون الماء ليطفئ لهم العطش، فيذهبون إلى الحميم (قيل: هو خارج جهنم) فيشربون من الحميم فيختلط الحميم في بطونهم مع الزّقوم والعياذ بالله.
سورة الصافات [٣٧: ٦٨]
﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾:
﴿ثُمَّ إِنَّ﴾: ثمّ للترتيب العددي، إنّ للتوكيد.
﴿مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾: بعد الشّرب من الحميم يُرجَعُ بهم إلى الجحيم؛ لأنّ الحميم خارج جهنم، فيخرجون خارج جهنم ليشربون من الحميم، ثمّ يُعادون إلى الجحيم، كقوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرّحمن: ٤٤].
سورة الصافات [٣٧: ٦٩]
﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾:
﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾: ألفوا: وجدوا وهناك فرق بين ألفوا ووجدوا: ألفوا
стр. 4391
من ألفى تستعمل للأمور المحسوسة المشاهدة، وفي الأمور غير المستحبة المذمومة، بينما وجدوا تستعمل في الأمور القلبية المعنوية، ووجدوا أعم وأشمل من ألفوا، ارجع إلى الآية (١٧٠) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
﴿آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾: وجدوا آباءهم ضالين عن طريق الهدى في الظّلمات. ظلمة الشّرك والجهل والتقليد والفساد.
سورة الصافات [٣٧: ٧٠]
﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾:
﴿فَهُمْ﴾: يحثُّ ويدفع بعضهم بعضاً على الإسراع في اتباع الآباء.
﴿يُهْرَعُونَ﴾: مشتقة من يُهرع بالأسير أيْ: يُسرع به بعد القبض عليه، أيْ: يسرعون، مندفعين إلى اتباع آبائهم من دون تفكُّر أو تعقل في الشّرك والكفر والضّلال.
سورة الصافات [٣٧: ٧١]
﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾:
﴿وَلَقَدْ ضَلَّ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق، أي: تحقق ضلال أكثر الأولين.
﴿قَبْلَهُمْ﴾: الضّمير يعود إلى قريش من المشركين وتعني: من زمن بعيد أو قريب ولو قال: من قبلهم لكانت تعني من زمناً قريباً.
﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾: الأمم الخالية لقد ضل قبلهم كثير ممن سبقوهم الكثرة ضلت والقلة آمنت.
سورة الصافات [٣٧: ٧٢]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: كالسّابقة في الآية (٧١).
стр. 4392
﴿أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: أيْ: لم نتركهم على غفلتهم، بل أرسلنا إليهم رسلاً منذرين لهم من العذاب والنّار، والإنذار يعني: الإعلام والتّحذير.
سورة الصافات [٣٧: ٧٣]
﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾:
﴿فَانظُرْ﴾: نظرة فكرية قلبية كيف أداة استفهام للسؤال عن الحال كان عاقبة (حين يذكر العاقبة بكلمة كان ولم يقل: كانت) يدل على أن العاقبة معناها العذاب، وحين يؤنث العاقبة فيقول: كانت عاقبة تعني: الجنة، وذلك في كلّ القرآن الكريم.
﴿كَانَ عَاقِبَةُ﴾: أيْ: عذابهم وهلاكهم.
﴿الْمُنذَرِينَ﴾: القوم الّذين أنذروا من رسلهم فأصروا على كفرهم ولم يتعظوا كيف كان عذابهم وهلاكهم.
سورة الصافات [٣٧: ٧٤]
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾:
أيْ: فانظر كيف أهلكنا المنذرين إلا عباد الله المخلصين الّذين استجابوا لرسلهم أنجيناهم.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٤٠) من نفس السّورة للبيان، أي: الموحِّدين الّذين استجابوا للإنذار وانتفعوا به فنجوا من العذاب أو الهلاك.
سورة الصافات [٣٧: ٧٥]
﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: ارجع إلى الآية (٧١) للبيان.
стр. 4393
﴿نَادَانَا نُوحٌ﴾: حين قال: ﴿أَنِّى مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، أو حين قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٧].
﴿فَلَنِعْمَ﴾: الفاء للتعقيب المباشرة، واللام في لنعم للتوكيد، ونعم من أفعال المدح العامة؛ نعم المجيبون: تعني: نحن الّذين أجبناه، فلنعم تعود لله ، ولم يقل: فلنعم المجيب وجاء الجمع بصيغة الجمع للتّعظيم؛ لأنّ إنقاذ نوح من الكرب تطلب القدرة والعلم والحكمة.
سورة الصافات [٣٧: ٧٦]
﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾:
﴿وَنَجَّيْنَاهُ﴾: تدل على بطء النجاة وطول الزّمن (بعد ٩٥٠ سنة) ولم يقل: أنجيناه الّتي تدل على السّرعة وقصر الزّمن، ونجاته التي تمت بعد صنع الفلك، وتعني: زمن الطوفان.
﴿وَأَهْلَهُ﴾: أولاده الثّلاثة سام وحام ويافث وزوجاتهم.
﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾: من ابتدائية، الكرب: من الغرق والطّوفان، ووصف ذلك بالكرب، والكرب هو المكروه الّذي لا تستطيع دفعه عن نفسك، ولا يدفعه عنك من حولك حين تستغيث بهم، فإن كان لك فيه حيلة للنجاة فلا يسمَّى كرباً، فالكرب: المكروه الّذي لا يملك أو يستطيع أحدٌ دفعه إلا الله وحده سبحانه، فإنه القادر على ذلك.
стр. 4394
سورة الصّافات [الآيات ٧٧ - ١٠٢]
سورة الصافات [٣٧: ٧٧]
﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾:
﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ﴾: وجعلنا أولاده الثّلاثة سام وحام ويافث (ذريته ﵇) هم أصل النّاس عامة، سام أصل العرب والرّوم وفارس، وحام أصل الأفارقة والقبط والبربر والسّودان، ويافث أصل التّرك والصّين والولايات الواقعة جنوب الاتحاد السّوفيتي ويأجوج ومأجوج.
﴿هُمُ﴾: للتوكيد والحصر.
﴿الْبَاقِينَ﴾: كلّ النّاس الّذين من غير ذريته ماتوا وانقرضوا، فالنّاس كلّهم من ولد نوح ﵇، أيْ: هم الّذين بقوا وتناسلوا.
سورة الصافات [٣٧: ٧٨]
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الْآخِرِينَ﴾:
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الْآخِرِينَ﴾: أبقينا له الذّكر الحسن في الأجيال الّتي أتت بعده فحين نسمع اسم نوح يُذكر نقول: ﵇، ويثنون عليه من بين الأنبياء وأنه من أولي العزم، وذكر اسمه في القرآن (٤٣ مرة)، وغيره من الكتب.
الآخرين: الأقوام الّتي جاءت بعده ولم تعاصره.
سورة الصافات [٣٧: ٧٩]
﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِى الْعَالَمِينَ﴾:
﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾: أيْ: تركنا عليه أن يسلم عليه في الذين جاؤوا من بعده، وسلام نكرة يشمل سلام التّحية والأمن والسّلام ويشمل السّلامة من كلّ مكروه. وقال ابن عباس: يُذكر بخير، والسلام الذي يأتي معرفة (بأل التعريف): يدل على
стр. 4395
سلام التحية فقط، وجاء السلام في كل القرآن بصيغة النكرة إلا آية واحدة هي قول عيسى ﵇: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ [مريم: ٣٣].
﴿فِى الْعَالَمِينَ﴾: في الملائكة والإنس والجن، أيْ: تركنا كلّ العالمين يسلمون عليه تسليماً ويقولون: ﵇؛ لأنّه كان مُحسناً أو تكريماً له؛ لأنّه من أولي العزم من الرّسل.
سورة الصافات [٣٧: ٨٠]
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم.
﴿كَذَلِكَ﴾: تعني: مثل ذلك وتعني الكاف للتّشبيه، ذلك: اسم إشارة، إنا كذلك: أي: مثل ذلك الجزاء وهو سلام عليه حين يُذكر اسمه والثّناء والذّكر الحسن والسّيرة الطيبة الّتي يتداولها النّاس.
﴿نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾: نجزي: من الجزاء: وهو الأجر والثواب، المحسنين: جمع مُحسن. ولبيان الإحسان ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة.
سورة الصافات [٣٧: ٨١]
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾:
إنّه للتوكيد، من ابتدائية بعضية، عبادنا المؤمنين: وهذا ثناء عليه إضافة نا للتشريف، فقد كان ﵇ محسناً وعبداً مؤمناً.
سورة الصافات [٣٧: ٨٢]
﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: لتبيان بعد منزلة المؤمنين من الكافرين.
﴿أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾: أي: الكافرين من قومه بالطّوفان، انتبه إلى لفظ الآخَرين بفتح الخاء الكافرين الّذين عاصروه، وأمّا الآخِرون بكسر الخاء فتعني: الأجيال الّتي جاءت بعده.
стр. 4396
سورة الصافات [٣٧: ٨٣]
﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾:
﴿وَإِنَّ مِنْ﴾: إنّ للتوكيد، من ابتدائية تعليلية.
﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾: أي: إبراهيم من شيعة نوح؛ أي: من أتباع نوح ﵇، والأشياع: أعم من الأتباع؛ الأتباع: هم فقط كانوا معه في زمنه؛ أي: من سار على ملة ومنهاج نوح، ودعا بدعوته.
﴿لَإِبْرَاهِيمَ﴾: اللام لام الاختصاص والتّوكيد، وكان ما بين نوح ﵇ وإبراهيم ﵇ ما يقارب (٢٦٤٠ سنة).
سورة الصافات [٣٧: ٨٤]
﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾:
﴿إِذْ﴾: ظرفية بمعنى حين.
﴿جَاءَ رَبَّهُ﴾: أقبل على ربه، ولم ينتظر حتّى يأتيه من يدعوه إلى الإيمان والتّوحيد.
﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: بفطرة الإسلام والتّوحيد، وقلب سليم من الشّرك والشّك والنّفاق، قلب سليم: قلب معافى من كلّ مرض في العقيدة والدّين، والباء للإلصاق واللزوم والاستمرار، وفي سورة الشّعراء آية (٨٩) قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. ارجع إلى سورة الشّعراء آية (٨٩) لمعرفة الفرق بين الآيتين.
سورة الصافات [٣٧: ٨٥]
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾:
﴿إِذْ قَالَ﴾: ظرفية بمعنى الماضي حين؛ أيْ: واذكر إذ قال لأبيه أو حين قال لأبيه وقومه.
﴿لِأَبِيهِ﴾: اللام لام الاختصاص، أبيه آزر أو تعني عمه، وهذا هو الأصح فالقرآن يسمِّي العم أباً، كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ
стр. 4397
إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]. ارجع إلى سورة الشعراء آية (٧٠) لمعرفة أبيه ومن هو آزر.
﴿وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾: ماذا استفهام توبيخ وإنكار، وماذا أقوى وأشد استفهاماً من (ما) تعبدون، وإبراهيم ﵇ يعلم ما يعبدون؛ لأنّه قال لأبيه آزر كما ورد في سورة الأنعام الّتي نزلت قبل سورة الصّافات: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤].
ولكنه ﵇ يريد أن ينكر على أبيه (أي عمه) وقومه ما يعبدون ويوبخهم على ذلك ويقيم عليهم الحُجَّة، وفي سورة الشعراء آية (٧٠) قال لهم ما تعبدون؟ استفهام في بداية الأمر استفهام حقيقي، ولذلك أجابوه: نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين، أما في سورة الصافات قال: ماذا تعبدون؟ استفهام إنكاري، وتوبيخ؛ لأنه يعلم ماذا يعبدون.
سورة الصافات [٣٧: ٨٦]
﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾:
الإفك هو الكذب المتعمَّد وهو أقبح الكذب؛ لأنه كذب على الله تعالى، ويكون بقلب الحقيقة أيْ: أكذباً آلهة دون الله تريدون.
﴿أَئِفْكًا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري فهو ينكر على عمه وقومه عبادة أو تأليه غير الله تعالى، والاستفهام أقوى من الإخبار؛ لتكون الإجابة منهم فتكون حجة عليهم.
﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾: آلهة أصناماً، دون الله: غير الله أو سواه.
﴿تُرِيدُونَ﴾: تبغون تعبدون، تريدون تدل على التّجدد والاستمرار وتقديم المفعول على الفعل (تريدون) للاهتمام والعناية بدلاً من القول أتريدون آلهة من
стр. 4398
دون الله إفكاً؛ أي: إنكم على إفك (باطل) في شرككم والآلهة التي تعبدونها هي أيضاً إفك وباطل.
سورة الصافات [٣٧: ٨٧]
﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿فَمَا﴾: الفاء عاطفة، ما استفهام إنكاري وتوبيخ وتحذير.
﴿ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أيْ: ما ظنكم برب العالمين حتّى عبدتم آلهة غيره، ولم يُبيِّن ما نوع هذا الظّن، فقد يعني: ما سوء ظنكم برب العالمين حتّى تعبدوا غيره، أو فما ظنكم أن يصنع بكم إذا أشركتم به ألا يعاقبكم ويسخط عليكم، أو ما ظنكم: أليس هو ربكم ويستحق العبادة وحده، والظّن: هو الاحتمال الراجح حين ترجح كفة الإثبات على كفة النّفي.
سورة الصافات [٣٧: ٨٨]
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى النُّجُومِ﴾:
أراد إبراهيم ﵇ أن يحطِّم الأصنام الّتي يعبدها قومه فانتظر قدوم عيد لهم، فلما عزموا إلى الخروج إلى العيد راح ينظر إلى السّماء والنّجوم، كما يفعل القوم حين يشعرون بقدوم المرض والسّقم ينظرون إلى السّماء يطلبون العون لكي لا ينكروا عليه عدم خروجه معهم، فلما سألوه أن يخرج معهم أخبرهم أنّه سقيم لا يستطيع الخروج؛ لأنّه يشعر أنّه مريض في بدنه.
سورة الصافات [٣٧: ٨٩]
﴿فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ﴾:
﴿فَقَالَ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، أيْ: قال لهم مباشرة: إنّه سقيم بعد أن نظر في النّجوم.
﴿إِنِّى سَقِيمٌ﴾: مريض، والسقيم: حالة خاصة من المرض، والمرض يشمل السقم، والمرض قد يكون مرضاً عضوياً؛ أي: يصيب البدن، أو نفسياً، والسقم مرض عضوي فقط، وحقاً هو مريض من إقبال قومه على عبادة الأصنام والشّرك
стр. 4399
بالله، كما كان رسول الله ﷺ يحزن على قومه لعدم إيمانهم فيصفه الله تعالى بقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦].
إنّي: للتوكيد، أي: اذهبوا وحدكم إلى عيدكم.
سورة الصافات [٣٧: ٩٠]
﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾:
﴿فَتَوَلَّوْا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، تولوا عنه: انصرفوا عنه، أيْ: تركوه.
﴿مُدْبِرِينَ﴾: ذاهبين إلى عيدهم، وفي سورة الأنبياء الآية (٥٧) قال إبراهيم ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ قال ذلك في نفسه أو بصوت خافت.
سورة الصافات [٣٧: ٩١]
﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾:
﴿فَرَاغَ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، أيْ: ذهب إبراهيم مسرعاً وبخُفية، أو تسلل إلى الأصنام بخُفية كما يتسلل الثعلب المراوغ بحيث لا يراه أحد، وقيل: وضعوا بعض طعامهم عند أصنامهم ليأكلوه بعد عودتهم، فقال إبراهيم للأصنام مباشرة:
﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾: ألا: أداة حضٍّ وحثٍّ، والهمزة في ألا همزة استفهام إنكاري وتوبيخ، فلم تجب الأصنام على سؤاله طبعاً.
سورة الصافات [٣٧: ٩٢]
﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾:
﴿مَا لَكُمْ﴾: ما للاستفهام والسّخرية والتهكم، لكم: اللام لام الاختصاص، لا النّافية.
﴿لَا تَنْطِقُونَ﴾: لا تجيبون.
стр. 4400
سورة الصافات [٣٧: ٩٣]
﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾:
﴿فَرَاغَ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، راغ: مال على الأصنام ضرباً باليمين، أيْ: راح يكسرها بيده اليمنى ويحطمها بقوة وشدة واليمين تدل على القوة والشّدة غيرة على دين الله.
سورة الصافات [٣٧: ٩٤]
﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾:
﴿فَأَقْبَلُوا﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، إليه يزفون: اتجهوا إليه مسرعين، بعد عودتهم من عيدهم، وبعد أن وجدوا آلهتهم جذاذاً إلا كبيراً لهم، وبعد أن تساءلوا عمن فعل هذا بآلهتهم وظنوا أنّه إبراهيم.
﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾: من زف يزفُ بمعنى أسرع يُسرع، أي: اتجهوا إليه أو نحوه مسرعين.
ولم يُذكر في هذه السّورة ما جرى بين إبراهيم وقومه من الحوار كاملاً وذكر ذلك في سورة الأنبياء آية (٥٩ - ٦٢).
سورة الصافات [٣٧: ٩٥]
﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾:
﴿أَتَعْبُدُونَ﴾: استفهام إنكاري وتقريع، العبادة تعني: امتثال أوامر المعبود وتجنب نواهيه.
﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية.
﴿تَنْحِتُونَ﴾: من النّحت الصّناعة من حجر أو خشب أو من فضة أو ذهب.
ثم قال لهم: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧].
стр. 4401
سورة الصافات [٣٧: ٩٦]
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا﴾: وما بمعنى الّذي، أي: الله خلقكم وآلهتكم (أصنامكم).
﴿تَعْمَلُونَ﴾: أيْ: بأيديكم من الأصنام والتّماثيل والآلهة، وما تعملون من النّحت والتّصوير والتّجارة.
سورة الصافات [٣٧: ٩٧]
﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِى الْجَحِيمِ﴾:
بعدما أصابتهم الحيرة أمام إبراهيم أرادوا به كيداً فقالوا:
﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾: البنيان هو البناء الثابت الأثري، واملؤوه بالحطب وأوقدوا النّار، ثمّ ألقوا إبراهيم فيه، له: اللام لام الاختصاص له خاصة.
﴿فَأَلْقُوهُ فِى الْجَحِيمِ﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة؛ الجحيم: أي: إذا اضطربت وتأججت ألقوه في النّار المستعرة المتأجِّجة.
سورة الصافات [٣٧: ٩٨]
﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾:
﴿فَأَرَادُوا بِهِ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، أرادوا به: أيْ: بإبراهيم.
﴿كَيْدًا﴾: الكيد: هو إيقاع المكروه بالغير قهراً سواء علم أو لا، والكيد أقوى من المكر، والكيد هو إحراقه على مرأى من النّاس.
﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾: ردّاً على قولهم: فألقوه في الجحيم بما أنّ الإلقاء يكون من الأعلى إلى الأسفل، فجاء الرّد على كيدهم كأنّهم هم الّذين سقطوا في النار بدلاً من إبراهيم.
فكانوا هم الأسفلين وإبراهيم ﵇ لم يُصَبْ بأيِّ أذى.
стр. 4402
وإذا قارنا هذه الآية ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ مع الآية (٦٩) من سورة الأنبياء ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾:
نجد في سورة الأنبياء قالوا: حرقوه وانصروا آلهتكم، فجاء الرّد فجعلناهم الأخسرين مقابل انصروا آلهتكم (النّصر قابله بالخسارة).
وفي سورة الصّافات مقابل الإلقاء (من أعلى إلى أسفل) جعلهم هم الأسفلين.
سورة الصافات [٣٧: ٩٩]
﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾:
﴿وَقَالَ﴾: إبراهيم ﵇ بعد نجاته من النّار وعدم استجابة قومه لدعوته.
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى﴾: أيْ: مهاجر إلى ربي أو إلى حيث أمرني ربي، وهي الهجرة إلى الشّام.
﴿سَيَهْدِينِ﴾: السّين للاستقبال القريب، سيهدين إلى أين أذهب لإقامة الدّعوة والتّبليغ ولإعلاء كلمته وعبادته، وسيهدين عامة تشمل إبراهيم وغيره فكل من يهاجر إلى الله سبحانه سيهديه، وليست خاصة بإبراهيم وحده ولو كانت تعني: إبراهيم وحده لقال سيهديني.
سورة الصافات [٣٧: ١٠٠]
﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصَّالِحِينَ﴾:
ثمّ دعا إبراهيم ﵇ ربه فقال:
﴿رَبِّ هَبْ لِى﴾: الهبة: العطاء من دون مقابل، ارجع إلى سورة إبراهيم الآية (٣٩) للبيان، أي: ارزقني.
стр. 4403
﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ذرية صالحة أو ولداً صالحاً يحمل الرّسالة من بعده ويتحمل مسؤولية النّبوة، من ابتدائية بعضية، أيْ: بعض الصّالحين.
سورة الصافات [٣٧: ١٠١]
﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾:
﴿فَبَشَّرْنَاهُ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، بشرناه: من البشارة وهي الخبر السّار لأوّل مرة.
﴿بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾: الباء للإلصاق، غلام حليم: هو إسماعيل، كما قال أكثر المفسرين، وحليم: ذو حلم وصبر وأناة ولا يستفزه الغضب وإسماعيل أكبر من إسحاق بـ (١٣) سنة، ولم يقل: غلام عليم: يعني: إسحاق، كما جاء في سورة الذّاريات (٢٨) والّذي يؤيد أنّه إسماعيل قوله في الآية (١١٢) من نفس السّورة: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أيْ: بعد ذكر حادثة الذبح جاء ذكر البشارة بإسحاق.
سورة الصافات [٣٧: ١٠٢]
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَابُنَىَّ إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء عاطفة، لما: ظرفية للزمان الماضي بمعنى حين.
﴿بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾: أي: بلغ إسماعيل السّن الّذي يقدر فيه على السّعي؛ أي: العمل كما قال ابن عباس. قيل: (١٣) سنة وهو المرجح، معه: أيْ: مع أبيه إبراهيم ﵇، بلغ معه السعي، ولم يقل بلغ السعي بشكل عام؛ لأن إسماعيل في ذلك العمر له قدرته وطاقته على العمل فيقوم بما يقدر عليه ويترك ما لا يقدر عليه لأبيه، وأبوه لن يكلفه إلا على قدر طاقته وقدرته فهذا هو سر بلغ معه.
﴿قَالَ يَابُنَىَّ﴾: فيها معنى العطف والحنان ولم يقل: يا ابني.
﴿إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ﴾: إنّي للتوكيد، أرى في المنام: ولم يقل: رأيت في
стр. 4404
المنام أرى تدل على كثرة الرّؤيا والتّجدُّد. فقد رأى إبراهيم نفس الرّؤيا في كلّ ليلة لمدة ثلاث ليال، فلو رأى الرّؤيا مرة واحدة لقال: رأيت. كما جاء في سورة يوسف آية (٤) حين قال: ﴿إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾.
﴿أَنِّى أَذْبَحُكَ﴾: أيْ: لم يَرَ إبراهيم أنّه ذبح إسماعيل في منامه بيده، وإنما أُمر في المنام بذبحه، ويدلُّ على ذلك قوله: افعل ما تؤمر، أي: ما طلب منك.
﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ أيْ: فكِّر وتدبَّر في هذه الرّؤيا، ماذا: استفهام أقوى وآكد من حرف ما.
ماذا ترى من الرّأي على وجه المشاورة (وهو في سن ١٣ سنة) وشاوره ليعلم إسماعيل ما يقوله أبوه إبراهيم أنّه بلاء من الله، ويثبته ويصبره ويعلمه الانقياد إلى أمر الله، فهو أمام أمرين الأمر الأوّل البرُّ بربِّه، والثّاني البرُّ بأبيه.
﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾:
﴿قَالَ﴾: إسماعيل لأبيه إبراهيم: افعل ما تؤمر به.
﴿سَتَجِدُنِى﴾: السّين للاستقبال القريب.
﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: إن شرطية.
﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾: من ابتدائية، ولم يقل: صابراً من الصّابرين أفضل من صابر؛ لأن الدّعاء بصيغة الجمع أفضل من الدّعاء بصيغة الإفراد من الصّابرين على قضاء الله وقدره.
стр. 4405
سورة الصّافات [الآيات ١٠٣ - ١٢٦]
سورة الصافات [٣٧: ١٠٣]
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للترتيب الذّكري، لما: ظرفية زمانية للماضي بمعنى حين.
﴿أَسْلَمَا﴾: الابن إسماعيل أسلم نفسه لله، وأسلم الأب إبراهيم ابنه لله وكلاهما رضيا بقضاء الله وحكمه وعزما على تنفيذ أمره، أو فوَّضا أمرهما لله تعالى.
﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾: أصل تلَّه ألقى به على التّل (مجمع الرَّمل)، والجبين هو الجزء الخارجي المجاور للجبهة، وللوجه جبينين وجبهة، وتلَّه للجبين، أيْ: أضجعه على جبينه فصار أحد جبينيه على مجمع الرّمل كي لا يرى وجهه وهو يتعذَّب، وأصبح هذا المكان فيما بعد مكان رمي الجمرات، وقد وصف الله سبحانه إسماعيل بثلاث صفات: الحليم، صادق الوعد، ومن الصالحين، كما ورد في الآية (١٠٠ - ١٠١) في هذه السورة، والآية (٥٤) من سورة مريم، وللجبين: اللام لام الاختصاص، أيْ: غائراً أو ملازماً لجبينه.
وقد ذكر الله سبحانه الجبهة في القرآن، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التّوبة: ٢٥].
سورة الصافات [٣٧: ١٠٤]
﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾:
﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾: الواو للتوكيد، أن تفيد التّعليل، أيْ: قد صدقت الرّؤيا بعد أن
стр. 4406
حاول إبراهيم بالفعل ذبح ولده بالسكين، ولكن الله سبحانه نزع منها خاصية القطع أو الذبح وحولها إلى أداة غير حادة.
سورة الصافات [٣٧: ١٠٥]
﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّءْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾:
﴿قَدْ﴾: للتحقيق، أيْ: قد حققت المطلوب منك.
﴿صَدَّقْتَ الرُّءْيَا﴾: الرؤيا: ما يراه النائم في منامه، ورؤيا الأنبياء صدق؛ أي: جعلت الرّؤيا المنامية رؤيا صادقة، والرؤيا تختلف عن أضغاث الأحلام المختلطة، والتي قد لا تكون صادقة.
﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾: إنا للتعظيم، كذلك: الكاف للتشبيه، ذلك: اسم إشارة يشير إلى ما فعله إبراهيم ﵇ بالقيام بما أمره الله به.
أيْ: كما عفونا إبراهيم عن ذبح ولده وخلصناه من ابتلائه:
﴿نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾: أيْ: نجزي كلّ محسن على طاعته وامتثاله أوامر الله أيْ: ننجيه من كربته وشدته ومحنته، ونثيبه على صبره وإحسانه وإخلاصه.
سورة الصافات [٣٧: ١٠٦]
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاؤُا الْمُبِينُ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، واللام في كلمة لهو لزيادة التّوكيد.
﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يشير إلى ما ابتلينا به إبراهيم من ذبح ولده.
﴿لَهُوَ﴾: اللام لزيادة التّوكيد، هو للتوكيد أيضاً.
﴿الْبَلَاؤُا الْمُبِينُ﴾: البلاء: هو الاختبار بالمكروه أو الشدة أو الكرب لاستخراج أو معرفة ما عند العبد من الطّاعة والصّبر، والبلاء قد يكون بالخير والشّر، أي: ابتلاء إبراهيم بذبح إسماعيل وصبر إسماعيل على تنفيذ حكم الله
стр. 4407
تعالى هو من أشد الابتلاءات على الإطلاق، المبين: الّذي يَقرُّ به كلّ فرد ـ والمبين الواضح ـ لا يحتاج إلى دليل أو بيِّنة أنّه أصعب وأشد الابتلاءات.
سورة الصافات [٣٧: ١٠٧]
﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾:
﴿وَفَدَيْنَاهُ﴾: الواو عاطفة، فديناه: من الفداء: هو ما يُجعل بدل الشّيء سواء كان مثله أو أنقص منه، والهاء في فديناه تعود على إسماعيل ﵇، أيْ: بدلنا ذبح إسماعيل ﵇ بذبح كبش عظيم.
والأدلة كثيرة على أنّ الذّبيح كان إسماعيل ﵇ منها:
الآية (١١٢) من نفس السّورة الّتي جاءت بعد ذكر الذّبح لتبشر بقدوم إسحاق.
كون إسماعيل ابنه الوحيد في تلك الفترة الزّمنية وكون إسماعيل عاش في مكة ولم يكن في الشّام.
﴿بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾: كبش كبير أملح لا عيب فيه.
سورة الصافات [٣٧: ١٠٨]
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الْآخِرِينَ﴾:
ارجع إلى الآية (٧٨) تركنا عليه في الأجيال الّتي جاءت بعده بالذّكر والثّناء الحسن بالقول عند ذكر إبراهيم ﵇ عليه وسيرته الحسنة الّتي يتداولها النّاس.
سورة الصافات [٣٧: ١٠٩]
﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾:
سلام من الله تعالى على إبراهيم وملائكته، وسلام عليه من كلّ من يذكر اسمه من الإنس والجن، سلام تحية وسلام وأمن في الآخرة، وسلام من كل مكروه ومن النار.
стр. 4408
سورة الصافات [٣٧: ١١٠]
﴿كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾:
لم يذكر (إنا) في هذه الآية؛ لأنّه ذكرها في الآية (١٠٥) فاكتفى بذكرها هناك.
أيْ: كما جزينا إبراهيم ﵇ نجزي غيره من المحسنين بالذّكر والثّناء الحسن سواء في الملأ الأعلى، أو في الأرض، وكما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] نجزي المحسنين الدّرجات العُلى.
سورة الصافات [٣٧: ١١١]
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾:
ثناء وشهادة أخرى لإبراهيم.
ودعوة وحثٌّ إلى الإيمان والترغيب فيه.
وكل محسن مؤمن وليس كلّ مؤمن محسناً.
فالإيمان يسبق الإحسان، وقد تعني: أنه كان من عبادنا المؤمنين قبل أن يكون من المحسنين.
سورة الصافات [٣٧: ١١٢]
﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾:
﴿وَبَشَّرْنَاهُ﴾: الواو عاطفة، بشرناه: أيْ: بشرته ملائكتنا حين دخلوا على إبراهيم، وهم في طريقهم إلى قوم لوط بشروا إبراهيم بغلام عليم، كما ورد في سورة الذّاريات الآية (٢٨)، وإضافة الله سبحانه للملائكة؛ لأنّ البشرى هي أصلها من الله تعالى وتشريفاً لإبراهيم وتكريماً له والبشرى هي الخبر السّار لأوّل مرة.
﴿بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾: الباء للإلصاق واللزوم، بإسحاق (من امرأته سارة) وبأنّ
стр. 4409
هذا الولد سيكون نبياً من الصّالحين، فالبشارة تحمل بشارتين الأولى الولادة والثّانية النّبوة.
﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: من ابتدائية، الصّالحين: ارجع إلى الآية (١٣٠) من سورة البقرة للبيان.
سورة الصافات [٣٧: ١١٣]
﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾:
﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ﴾: البركة في اللغة هي الزّيادة والنّماء ومشتقة من البروك وهو اللزوم والثّبوت، أيْ: تعني كلّ خير إلهي ثابت ولازم ولا يسند فعل البركة إلا إلى الله وحده.
وباركنا عليه، أيْ: على إبراهيم بكثرة الذّرية بأن جعل من صلبه أكثر الأنبياء والرّسل وباركنا عليه بالنّعم والبركات الدّنيوية والأخروية، فقد أصبح خليل الرّحمن وأولو العزم من الرّسل ومن المقربين.
﴿وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾: أيْ: وباركنا على إسحاق بيعقوب وأولاده الأسباط ويوسف وبنيامين.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا﴾: من ابتدائية، ذريتهما: أيْ: إبراهيم وإسحاق، والذرية هم: النّسل، أي: الأولاد.
﴿مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾: محسن: المؤمن المتقي الّذي لم يقتصر إحسانه على نفسه، وإنما تعداه إلى غيره وأصبح محسناً كماً وكيفاً ومراقباً الله تعالى في أعماله. ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة لبيان معنى المحسنين، وظالم لنفسه: إمّا بالشّرك أو بالعصيان أو بالتّقصير في عبادته، مبين: ظاهر الظّلم أو بين العصيان، ظلمه ظاهر لكلّ من يطلع عليه ويعرفه، وظلمه غير خفي ولا يحتاج إلى دليل أو برهان.
стр. 4410
ومن هذه الآية وغيرها يتبين أنّ قول إبراهيم ﵇ حين ابتلاه ربُّه بكلمات فأتمهن قال: إنّي جاعلك للناس إماماً، قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِى قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤].
سورة الصافات [٣٧: ١١٤]
﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق، أي: قد تحقق وتم ذلك.
﴿مَنَنَّا﴾: بصيغة الجمع للتعظيم، والمن: الإنعام والعطاء.
﴿عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾: على موسى وأخيه هارون بالنّبوة والرّسالة.
سورة الصافات [٣٧: ١١٥]
﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾:
﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾: أي: نجينا موسى وهارون وقومهما، أي: بني إسرائيل، والنّجاة تعريفها: النّجاة من الأمر المكروه فقط، وأمّا الفوز فهو النّجاة من الأمر المكروه، والنيل أو الوصول إلى الأمر المرغوب فيه أو الغاية.
﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾: من ابتدائية، الكرب تعريفه، ارجع إلى الآية (٧٦) من نفس السّورة والكرب العظيم: هو من الغرق والهلاك في البحر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٥٠]، ولا يجوز خلطه بالنّجاة من البلاء العظيم: وهو النّجاة من آل فرعون ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِى ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩]، إذن هناك نجاة من البلاء العظيم ببطء (وإذ نجيناكم) ونجاة من الكرب العظيم بسرعة (فأنجيناكم).
سورة الصافات [٣٧: ١١٦]
﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾:
﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾: الضّمير يعود على موسى وهارون وقومهما، نصرناهم: على فرعون وجنوده، نصرناهم: من النّصر: هو الغلبة العسكرية المادية بالقوة
стр. 4411
والسّلاح مقارنة بالفتح هو النّصر من دون قتال أو قوة وسلاح، كما قال تعالى في سورة طه آية (-٧٨ - ٨٠): ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ﴾.
﴿فَكَانُوا هُمُ﴾: للتوكيد، والفاء للترتيب والمباشرة.
﴿الْغَالِبِينَ﴾: الغلبة تكون بالقدرة، وقد تكون بالحُجَّة والبرهان والسّلطان، الغالبين على فرعون وجنوده.
سورة الصافات [٣٧: ١١٧]
﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾:
﴿وَآتَيْنَاهُمَا﴾: أي: موسى وهارون، الإيتاء يختلف من العطاء. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة للبيان.
﴿الْكِتَابَ﴾: التّوراة الكتاب، جاء بأل التّعريف ليدل على الكمال.
﴿الْمُسْتَبِينَ﴾: الواضح البيِّن الأحكام والشّرائع.
سورة الصافات [٣٧: ١١٨]
﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾:
وهديناهما الصّراط المستقيم: هو الإسلام دين الحق الّذي جاء به كافة الرّسل والصّراط المستقيم هو الطّريق الواسع السّهل المستقيم الموصل إلى الغاية بأقصر زمن ومسافة.
سورة الصافات [٣٧: ١١٩]
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى الْآخِرِينَ﴾:
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا﴾: أي: خلفنا لهما الذّكر والثّناء الحسن في الأجيال الّتي جاءت بعدهم وسلام الآخرين عليهما حين ذكر أسمائهما.
سورة الصافات [٣٧: ١٢٠]
﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾:
ارجع إلى الآية (١٠٩) من نفس السّورة للبيان.
стр. 4412
سورة الصافات [٣٧: ١٢١]
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم.
﴿كَذَلِكَ﴾: ارجع إلى الآية (٨٠) للبيان.
أي: كما مننا وأنجينا ونصرنا وآتينا وهدينا وتركنا عليهما في الآخرين، نمن وننجي وننصر ونؤتي ونهدي ونترك الذّكر والثّناء الحسن، للمحسنين.
وهذه الآيات تدل على أن رسالتهما كانت واحدة.
سورة الصافات [٣٧: ١٢٢]
﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾:
ارجع إلى الآية (١١١) من نفس السّورة للبيان.
بعد أن ذكر الله سبحانه نوح وإبراهيم وموسى وهارون يذكر ثلاثة من الرّسل إلياس ولوط ويونس.
سورة الصافات [٣٧: ١٢٣]
﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾:
﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ﴾: إنّ للتوكيد، إلياس: من سبط هارون، وهو إلياس بن فنحاص من العيزار بن هارون بن عمران أخي موسى، وقيل: إلياس أو إلياسين اسم لمسمَّى واحد، وإلياس نبي من أنبياء بني إسرائيل، بعثه الله تعالى إلى قوم من بني إسرائيل كانوا يعبدون صنماً يقال له بعل في مدينة أو قرية سُمِّيت بعلبك في أرض الشّام فدعاهم إلى التّوحيد والإخلاص لله في العبادة، اسم إلياس في كتب بني إسرائيل إيليا.
سورة الصافات [٣٧: ١٢٤]
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾:
﴿إِذْ﴾: واذكر إذ قال لقومه أو اذكر حين قال لقومه.
﴿قَالَ لِقَوْمِهِ﴾: فيها شعور بالعطف والحنان.
стр. 4413
﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾: ألا الهمزة همزة استفهام إنكاري ينكر عليهم شركهم، وألا أداة حثٍّ وحضٍّ، تتقون: تتقون الله ، أيْ: تتقون عذابه أو ناره وتتقون سخطه وغضبه، وذلك بامتثال أوامره وطاعته وتجنُّب نواهيه.
سورة الصافات [٣٧: ١٢٥]
﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾:
﴿أَتَدْعُونَ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، أتدعون، أيْ: أتعبدون.
﴿بَعْلًا﴾: اسم الصّنم، والبعل في اللغة: يعني السيد القائم، وبعلُ المرأة سيدها، وفيها معنى الاستعلاء؛ أي: يعتبرون هذا الصنم سيدهم وأعلاهم فيعبدونه.
﴿وَتَذَرُونَ﴾: تتركون أو تعرضون عن عبادة الإله الحق المستحق للعبادة وحده.
﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾: ارجع إلى سورة المؤمنون الآية (١٤) وكأنّهم سألوه من هو أحسن الخالقين؟ فقال:
سورة الصافات [٣٧: ١٢٦]
﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾:
جمع في هذه الآية صفتي الألوهية والرّبوبية معاً، وأنّه هو الله وهو الرّب وهو رب كلّ شيء ورب الأولين والآخرين.
فصفة الرّبوبية تدل على الخلق والتّربية والرّزق والتّدبير، أمّا صفة الألوهية فتدل على العبودية على أنّه هو الإله الحق الّذي يستحق العبادة، فلا معبود إلا هو، وهو الرّب المحيي والمميت واجب الوجود، وهو الخالق الحقيقي وحدَه.
стр. 4414
سورة الصّافات [الآيات ١٢٧ - ١٥٣]
سورة الصافات [٣٧: ١٢٧]
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾:
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: الفاء تدل على التّعقيب والمباشرة، أيْ: كذبه قومه مباشرة كذبوا نبوته ورسالته وما دعا إليه من توحيد.
﴿فَإِنَّهُمْ﴾: الفاء للتوكيد.
﴿لَمُحْضَرُونَ﴾: اللام للتوكيد، محضرون: جمع مُحضر، أيْ: تحضرهم الملائكة قسراً ومن دون إرادتهم يوم القيامة إلى جهنم. ومحضرون لا تأتي إلا في سياق العذاب في كل القرآن.
سورة الصافات [٣٧: ١٢٨]
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: الّذين أخلصوا لله في عبادتهم ووحَّدوه من قوم إلياس، أولئك ينجون ولا يُحضرون إلى العذاب.
سورة الصافات [٣٧: ١٢٩]
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الْآخِرِينَ﴾:
ارجع إلى الآية (٧٨) من نفس السّورة.
سورة الصافات [٣٧: ١٣٠]
﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾:
سلام من الله وملائكته على آل الياسين، أيْ: عليه وعلى آل ياسين (الّذين آمنوا معه).
стр. 4415
سورة الصافات [٣٧: ١٣١]
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾:
إنا: للجمع والتّعظيم، أيْ: كما أنجينا آل ياسين من العذاب ننجي المحسنين، إنا للتعظيم وتحمل معنى التّوكيد والتّعليل. ارجع إلى الآية (٨٠) لمزيد من البيان.
سورة الصافات [٣٧: ١٣٢]
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿إِنَّهُ﴾: إنّ للتعليل للإنعام عليه كونه من عبادنا المؤمنين أو علَّة الإحسان عليه أنّه من عبادنا المؤمنين. ارجع إلى الآية (١١١) لمزيد من البيان.
سورة الصافات [٣٧: ١٣٣]
﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾:
﴿وَإِنَّ﴾: للتوكيد، لمن: اللام في لمن لزيادة التّوكيد.
﴿لُوطًا﴾: هو ابن هاران أخي إبراهيم، خرج لوط مع عمه إبراهيم ﵇ مهاجراً بعد أن آمن له أيْ: (صدق إبراهيم) بعد حادثة إلقاء إبراهيم في النّار فأرسله الله سبحانه إلى قرى سدوم وعمورة الّتي سُمِّيت بالمؤتفكات.
﴿الْمُرْسَلِينَ﴾: بالجمع: جمع مرسل رغم أن لوطاً كان أحد المرسلين؛ لأن من يكذب رسولاً فقد كذب كل المرسلين؛ لأن رسالتهم واحدة من الله سبحانه إلى أقوامهم. ولقد ذُكر لوطٌ ﵇ في القرآن في (٢٧) آية بينما ذُكر عيسى ﵇ في (٢٥) آية؛ مما يدل على أن دعوة لوط كانت دعوة شاقة إلى الذين يعملون الخبائث.
سورة الصافات [٣٧: ١٣٤]
﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾:
﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ﴾: أي: اذكر إذ نجيناه أو اذكر حين نجيناه وأهله، ونجيناه تدل على طول الزمن في دعوته لقومه.
следующие страницы →