← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

والسّلاح مقارنة بالفتح هو النّصر من دون قتال أو قوة وسلاح، كما قال تعالى في سورة طه آية (-٧٨ - ٨٠): ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ﴾. ﴿فَكَانُوا هُمُ﴾: للتوكيد، والفاء للترتيب والمباشرة. ﴿الْغَالِبِينَ﴾: الغلبة تكون بالقدرة، وقد تكون بالحُجَّة والبرهان والسّلطان، الغالبين على فرعون وجنوده. سورة الصافات [٣٧: ١١٧] ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا﴾: أي: موسى وهارون، الإيتاء يختلف من العطاء. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة للبيان. ﴿الْكِتَابَ﴾: التّوراة الكتاب، جاء بأل التّعريف ليدل على الكمال. ﴿الْمُسْتَبِينَ﴾: الواضح البيِّن الأحكام والشّرائع. سورة الصافات [٣٧: ١١٨] ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: وهديناهما الصّراط المستقيم: هو الإسلام دين الحق الّذي جاء به كافة الرّسل والصّراط المستقيم هو الطّريق الواسع السّهل المستقيم الموصل إلى الغاية بأقصر زمن ومسافة. سورة الصافات [٣٧: ١١٩] ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى الْآخِرِينَ﴾: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا﴾: أي: خلفنا لهما الذّكر والثّناء الحسن في الأجيال الّتي جاءت بعدهم وسلام الآخرين عليهما حين ذكر أسمائهما. سورة الصافات [٣٧: ١٢٠] ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٩) من نفس السّورة للبيان.

стр. 4412

سورة الصافات [٣٧: ١٢١] ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾: ﴿إِنَّا﴾: للتعظيم. ﴿كَذَلِكَ﴾: ارجع إلى الآية (٨٠) للبيان. أي: كما مننا وأنجينا ونصرنا وآتينا وهدينا وتركنا عليهما في الآخرين، نمن وننجي وننصر ونؤتي ونهدي ونترك الذّكر والثّناء الحسن، للمحسنين. وهذه الآيات تدل على أن رسالتهما كانت واحدة. سورة الصافات [٣٧: ١٢٢] ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾: ارجع إلى الآية (١١١) من نفس السّورة للبيان. بعد أن ذكر الله سبحانه نوح وإبراهيم وموسى وهارون يذكر ثلاثة من الرّسل إلياس ولوط ويونس. سورة الصافات [٣٧: ١٢٣] ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ﴾: إنّ للتوكيد، إلياس: من سبط هارون، وهو إلياس بن فنحاص من العيزار بن هارون بن عمران أخي موسى، وقيل: إلياس أو إلياسين اسم لمسمَّى واحد، وإلياس نبي من أنبياء بني إسرائيل، بعثه الله تعالى إلى قوم من بني إسرائيل كانوا يعبدون صنماً يقال له بعل في مدينة أو قرية سُمِّيت بعلبك في أرض الشّام فدعاهم إلى التّوحيد والإخلاص لله في العبادة، اسم إلياس في كتب بني إسرائيل إيليا. سورة الصافات [٣٧: ١٢٤] ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾: ﴿إِذْ﴾: واذكر إذ قال لقومه أو اذكر حين قال لقومه. ﴿قَالَ لِقَوْمِهِ﴾: فيها شعور بالعطف والحنان.

стр. 4413

﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾: ألا الهمزة همزة استفهام إنكاري ينكر عليهم شركهم، وألا أداة حثٍّ وحضٍّ، تتقون: تتقون الله ، أيْ: تتقون عذابه أو ناره وتتقون سخطه وغضبه، وذلك بامتثال أوامره وطاعته وتجنُّب نواهيه. سورة الصافات [٣٧: ١٢٥] ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾: ﴿أَتَدْعُونَ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، أتدعون، أيْ: أتعبدون. ﴿بَعْلًا﴾: اسم الصّنم، والبعل في اللغة: يعني السيد القائم، وبعلُ المرأة سيدها، وفيها معنى الاستعلاء؛ أي: يعتبرون هذا الصنم سيدهم وأعلاهم فيعبدونه. ﴿وَتَذَرُونَ﴾: تتركون أو تعرضون عن عبادة الإله الحق المستحق للعبادة وحده. ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾: ارجع إلى سورة المؤمنون الآية (١٤) وكأنّهم سألوه من هو أحسن الخالقين؟ فقال: سورة الصافات [٣٧: ١٢٦] ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: جمع في هذه الآية صفتي الألوهية والرّبوبية معاً، وأنّه هو الله وهو الرّب وهو رب كلّ شيء ورب الأولين والآخرين. فصفة الرّبوبية تدل على الخلق والتّربية والرّزق والتّدبير، أمّا صفة الألوهية فتدل على العبودية على أنّه هو الإله الحق الّذي يستحق العبادة، فلا معبود إلا هو، وهو الرّب المحيي والمميت واجب الوجود، وهو الخالق الحقيقي وحدَه.

стр. 4414

سورة الصّافات [الآيات ١٢٧ - ١٥٣] سورة الصافات [٣٧: ١٢٧] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: الفاء تدل على التّعقيب والمباشرة، أيْ: كذبه قومه مباشرة كذبوا نبوته ورسالته وما دعا إليه من توحيد. ﴿فَإِنَّهُمْ﴾: الفاء للتوكيد. ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾: اللام للتوكيد، محضرون: جمع مُحضر، أيْ: تحضرهم الملائكة قسراً ومن دون إرادتهم يوم القيامة إلى جهنم. ومحضرون لا تأتي إلا في سياق العذاب في كل القرآن. سورة الصافات [٣٧: ١٢٨] ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: الّذين أخلصوا لله في عبادتهم ووحَّدوه من قوم إلياس، أولئك ينجون ولا يُحضرون إلى العذاب. سورة الصافات [٣٧: ١٢٩] ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الْآخِرِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٧٨) من نفس السّورة. سورة الصافات [٣٧: ١٣٠] ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾: سلام من الله وملائكته على آل الياسين، أيْ: عليه وعلى آل ياسين (الّذين آمنوا معه).

стр. 4415

سورة الصافات [٣٧: ١٣١] ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾: إنا: للجمع والتّعظيم، أيْ: كما أنجينا آل ياسين من العذاب ننجي المحسنين، إنا للتعظيم وتحمل معنى التّوكيد والتّعليل. ارجع إلى الآية (٨٠) لمزيد من البيان. سورة الصافات [٣٧: ١٣٢] ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿إِنَّهُ﴾: إنّ للتعليل للإنعام عليه كونه من عبادنا المؤمنين أو علَّة الإحسان عليه أنّه من عبادنا المؤمنين. ارجع إلى الآية (١١١) لمزيد من البيان. سورة الصافات [٣٧: ١٣٣] ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: ﴿وَإِنَّ﴾: للتوكيد، لمن: اللام في لمن لزيادة التّوكيد. ﴿لُوطًا﴾: هو ابن هاران أخي إبراهيم، خرج لوط مع عمه إبراهيم ﵇ مهاجراً بعد أن آمن له أيْ: (صدق إبراهيم) بعد حادثة إلقاء إبراهيم في النّار فأرسله الله سبحانه إلى قرى سدوم وعمورة الّتي سُمِّيت بالمؤتفكات. ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾: بالجمع: جمع مرسل رغم أن لوطاً كان أحد المرسلين؛ لأن من يكذب رسولاً فقد كذب كل المرسلين؛ لأن رسالتهم واحدة من الله سبحانه إلى أقوامهم. ولقد ذُكر لوطٌ ﵇ في القرآن في (٢٧) آية بينما ذُكر عيسى ﵇ في (٢٥) آية؛ مما يدل على أن دعوة لوط كانت دعوة شاقة إلى الذين يعملون الخبائث. سورة الصافات [٣٧: ١٣٤] ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾: ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ﴾: أي: اذكر إذ نجيناه أو اذكر حين نجيناه وأهله، ونجيناه تدل على طول الزمن في دعوته لقومه.

стр. 4416

﴿وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾: الأهل: تُطلق على الزوجة والأولاد وعشيرة الرّجل الأقربين. أهله: ابنتيه، أجمعين توكيد. سورة الصافات [٣٧: ١٣٥] ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِى الْغَابِرِينَ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء؛ لأن امرأته كانت من أهله. ﴿عَجُوزًا فِى الْغَابِرِينَ﴾: أي: امرأة لوط الكافرة لم تكن على دينه، في الغابرين: جمع غابر والغابر تعني: الباقي أو تعني الشّيء الّذي مضى وانتهى. في الغابرين: أي: الباقين في العذاب. سورة الصافات [٣٧: ١٣٦] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: لتباين الصّفات أو البعد بين النّجاة والدّمار. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾: دمرنا قومه بأن جعلنا قراهم عاليها سافلها وأرسل عليهم حجارة من طين، أيْ: أهلكناهم ودمرنا قراهم تدمير فلم ينجو منهم أحد. سورة الصافات [٣٧: ١٣٧] ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ﴾: ﴿وَإِنَّكُمْ﴾: للتوكيد، واللام في لتمرون والنّون في تمرون كلّها للتوكيد. ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ﴾: تمرون عليهم في قراهم قرى قوم لوط، في أسفاركم صباحاً ومساءً، مصبحين وقت الصّباح أو وقت دخول الصّباح. سورة الصافات [٣٧: ١٣٨] ﴿وَبِالَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أيْ: وتمرون عليهم بالليل في أسفاركم. ﴿وَبِالَّيْلِ﴾: الباء للإلصاق، والباء تعني: أيَّ وقت في الليل غير محدَّد ولم يقل: في الليل، وتعني: وقتاً محدَّداً بالليل.

стр. 4417

﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: الهمزة للاستفهام والتّوبيخ لعدم تفكرهم وتدبرهم والفاء للتوكيد، وألا أداة حضٍّ وحثٍّ على التّفكير، فلو فكروا أو عقلوا لعلموا أنّ الله الّذي أهلك ودمَّر قوم لوط قادر على أن يهلك ويدمِّر كفار قريش. ولم يذكر سلام على لوط في العالمين؛ لأنّه أُدخل في عداد المرسلين ونال السّلام من الله عليه في الآية القادمة (١٨١) حين قال: وسلام على المرسلين. سورة الصافات [٣٧: ١٣٩] ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: ﴿وَإِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿يُونُسَ﴾: يونس بن متى الملقب بذي النّون. ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: لمن: اللام للتوكيد، من ابتدائية، المرسلين من ربهم إلى أقوامهم. سورة الصافات [٣٧: ١٤٠] ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: ﴿إِذْ﴾: واذكر إذ أَبَقَ أو اذكر حين أَبَقَ. ﴿أَبَقَ﴾: تستعمل تحديداً للعبد الّذي يهرب بسرعة وخوف من سيده للتخلص من الأذى والمشقة، فشبه خروج يونس ﵇ من بين قومه وترك البلد بغير إذن أو أمر من ربه بهروب العبد من سيده، ولهذا الإباق سبب فسرته الآيات الأخرى، فانظر في سورة الأنبياء الآية (٨٧). ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: الفلك تستعمل للمفرد والجمع، والمشحون: المملوء بقوم نوح الذين نجوا معه، وبعض الحيوانات الأليفة والمتاع. رُوِيَ عن ابن عبّاس قال: لما أنذر يونس قومه بالعذاب القريب فلما تأخَّر نزول العذاب خرج يونس متخفياً فقصد البحر فركب السّفينة فبعد أن ركب فيها

стр. 4418

توقفت حركتها لا تتقدَّم ولا تتأخَّر، فقال ركاب السّفينة: فيها عبد آبق من سيده فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس، وأعادوا ذلك ثلاث مرات، وفي كلّ مرة يخرج اسمه، فقال يونس: أنا العبد الآبق فألقوه في البحر. سورة الصافات [٣٧: ١٤١] ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾: ﴿فَسَاهَمَ﴾: الفاء تدل على المباشرة والتّعقيب، ساهم: شارك في القرعة، من المساهمة: مشتقة من السّهام الّتي واحدها سهم وهي أعواد النّبال، وتسمَّى الأزلام أيضاً، فساهم: فقارع، فساهم، أيْ: دخل معهم في القرعة (طريقة للاختيار) وألقى بسهمه مع سهامهم. ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، من المدحضين: المدحض هو الخاسر أو المغلوب، من المغلوبين في القرعة والدّحض أصله الطّين الّذي يزلق القدم، وأدحضه أزاله عن مكانه، وعملية إلقاء السّهام عملية قدرية خالصة لا دخل لها فيها للهوى ودليل على العدالة. وهلاك واحد من الرّكاب أفضل وخيرٌ من هلاك الجميع، وقيل عندها: ألقوا يونس في البحر والاقتراع مشروع فقد كان رسول الله ﷺ ، كما روى البخاري ومسلم عن عائشة i قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد السفر أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه»، ولم يبين الشرع طريقة معينة للقرعة فبأي طريقة تمت فهو جائز. سورة الصافات [٣٧: ١٤٢] ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، التقمه الحوت، أي: التقمه الحوت بسرعة من لقم الشّيء تَلَقَّمه، أيْ: بقي كاللقمة في فم الحوت ولم يبلعه وينزل إلى معدته والحوت قد يكون إحدى الحيتان الزرقاء الضخمة البنيان ذات

стр. 4419

الوزن العظيم، وليس له أسنان وبقي يتنفس الهواء، أي: الأوكسجين الموجود في فم الحوت الواسع فترة من الزّمن، ثمّ نبذه الحوت، أي: طرحه وألقاه من فمه، وقيل: كان ذلك في نهر دجلة. ﴿وَهُوَ﴾: هو ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿مُلِيمٌ﴾: أي: فعل يونس ﵇ فعلاً أو شيئاً يُلام عليه: أيْ: يُعاتب عليه من ربه واللوم نوع من العتاب أو ضرب من العتاب والعتاب دليل على المحبة، ولا يصل إلى درجة العقاب، والعتاب يحصل بين الأحبة، فأنت لا تعاتب إلا من تحرص على صحبته. ومليم: مكتسب أو مستحق أن يُلام لكونه فارق قومه بغير إذن من ربه كما يفعل الهارب من سيده، وأَلامَ الرّجل: إذا أتى ما يُلام عليه من الأمر وإن لم يُلم، أمّا الملوم: فهو الّذي يُلام سواء أتى بما يستحق أن يلام عليه أم لا. سورة الصافات [٣٧: ١٤٣] ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾: ﴿فَلَوْلَا﴾: الفاء السّببية، لولا: حرف امتناع لوجود، أيْ: تسبيحه في حياته منعه من اللبث والبقاء في بطن الحوت إلى يوم يبعثون. ﴿أَنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾: أيْ: كان من الذّاكرين الله كثيراً والمسبحين بحمده والتسبيح يعني: الذّكر بشكل عام والدّعاء، أو المصلين (التّسبيح يعني: الصّلاة)، من: ابتدائية، المسبحين: جمع مسبِّح: وتدل على أن صفة التّسبيح مستمرة عندهم ثابتة. ارجع إلى سورة القلم آيات (٤٨ - ٥٠) لمزيد من البيان، وسورة الأنبياء آية (٨٧ - ٨٨).

стр. 4420

سورة الصافات [٣٧: ١٤٤] ﴿لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: ﴿لَلَبِثَ﴾: اللام للتوكيد، لبث: مكث وأقام، قيل: (٤٠) يوماً، وقيل: (٢٠) يوماً، وقيل: سبعة أيّام. اللبث: يقترن بزمن محدَّد؛ بينما المكث يدل على زمن غير محدد. ﴿فِى بَطْنِهِ﴾: في ظرفية، بطنه: تعود على الحوت، ولم يكن يونس في بطن الحوت كما قلنا، بل في فم الحوت، ولكن لو أراد الله أن يقضي على يونس لأماته، ثمّ نزل في بطن الحوت ومات، ثمّ بعد أن يميت الله الحوت فينزل إلى قاع البحر أو المحيط ويطمر في رسوبيات البحر مع الطّين والرّمل ويتحجر الحوت، ويصبح قبراً ليونس، ثمّ حين يُبعث الخلائق يوم البعث يبعث منه يونس. ﴿إِلَى﴾: حرف غاية. ﴿يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: يوم البعث والقيام لرب العالمين، أيْ: يصبح بطن الحوت قبراً له إلى يوم البعث (زمن النّفخة الثّانية). سورة الصافات [٣٧: ١٤٥] ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، نبذناه: النّبذ هو الطّرح والإلقاء للشيء استهانة به، وأمّا الطرح فأعم من النبذ، ويكون للشيء المهم وغير المهم. ﴿بِالْعَرَاءِ﴾: الفضاء الواسع من الأرض أو الأرض العارية من الشّجر أو النّبات، مشتقة من العُري: عدم السّترة. ﴿وَهُوَ﴾: هو ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿سَقِيمٌ﴾: مريض عليل أو ضعيف الجسم لما مرَّ عليه من الزّمن من دون

стр. 4421

طعام أو شراب. ارجع إلى الآية (٨٩) من نفس السورة لمعرفة الفرق بين سقيم ومريض. سورة الصافات [٣٧: ١٤٦] ﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾: ﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾: أي: الدّباء أو القرع، وتمتاز شجرة اليقطين بسرعة النّمو وورقها العريض الممتد فوق الأرض وأنّه لا يقربها الذّباب، وتحتوي على المضادات الحيوية المهمة في ترميم الجروح وتقرحات الجلد، كما دلت الدراسات العلمية. فكانت الشّجرة تضله وتحميه من الذّباب والحشرات وهي شجرة لم تكن موجودة سابقاً في هذا المكان، فهي من قدرة الله وعظمته، وكأنّها تحمل معها الدّواء والغذاء الغني بالأملاح والسكريات، وكلّ ما يحتاجه للشفاء العاجل للعودة إلى قومه مرة أخرى. سورة الصافات [٣٧: ١٤٧] ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ﴾: مرة أخرى إلى القوم الّذين هرب منهم وعددهم أكثر من مئة ألف، وقوله تعالى: أو يزيدون تعني: بل يزيدون عن مئة ألف، وما جرى لقوم يونس أنّهم لما تركهم يونس تضرعوا إلى الله تعالى وآمنوا فرفع عنهم العذاب، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]. سورة الصافات [٣٧: ١٤٨] ﴿فَئَامَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: ﴿فَئَامَنُوا﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، آمنوا بالله، أي: استمروا على إيمانهم بعد عودة يونس إليهم.

стр. 4422

﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، متعناهم: المتاع: من الانتفاع والتّمتع بالمأكل والمشرب والمسكن والملبس والحياة. ﴿إِلَى حِينٍ﴾: إلى: حرف غاية، إلى حين أجلهم المسمَّى أو منتهى أعمارهم. ثم ينتقل إلى الكلّام إلى قريش، ولم يقل: سلام على يونس في العالمين: لأنّه أبق إلى الفلك المشحون من دون إذن أو إيحاء من الله تعالى، وكانت النّهاية فالتقمه الحوت وهو مُليم، فلا يناسب بعد اللوم السّلام، ولكنه دخل في عداد المرسلين حين سلَّم الله تعالى عليهم، وقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصّافات: ١٨١]. سورة الصافات [٣٧: ١٤٩] ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾: المناسبة: بعد أن جاءت الآيات السابقة في تقرير البعث والتوحيد بالبراهين والأدلة أراد الله سبحانه إبطال مقولة الذين زعموا أن الملائكة هم بنات الله ، وهم كما قال القرطبي قبائل جهينة وخزاعة وبني سلمة وعبد الدار وغيرهم. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾: الفاء للاستئناف، أي: اطلب الفتوى من مشركي مكة وغيرهم من الأعراب على سبيل التّهكم والتّوبيخ، اسألهم ما الخبر. ﴿أَلِرَبِّكَ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري والإبطالي. ﴿الْبَنَاتُ﴾: حيث جعلوا الملائكة بنات الله، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزّخرف: ١٩]. ﴿وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾: لهم: اللام لام الاختصاص؛ لأنّهم كانوا يظنون أنّ الجنس الأفضل هم الذّكور.

стр. 4423

ويؤيِّد ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٥ - ٥٩]، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزّخرف: ١٧ - ١٨]. سورة الصافات [٣٧: ١٥٠] ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾: ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي، والهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ. ﴿خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾: أيْ: أُحضروا يوم خلقنا الملائكة وشهدوا كيف خلقناهم، فعرفوا بذلك أنّهم إناث أم شهدوا ولادة أحد الملائكة كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ [الزّخرف: ١٩]، أم هذا من وسوسة الشّياطين لهم والتّزيين والإضلال ليزعموا أنّ الملائكة إناثاً، وهم: للتوكيد، شاهدون: حاضرون. سورة الصافات [٣٧: ١٥١] ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾: ﴿أَلَا﴾: أداة استفتاح. ﴿إِنَّهُمْ﴾: للتوكيد. ﴿مِّنْ﴾: ابتدائية. ﴿إِفْكِهِمْ﴾: الإفك هو الكذب المتعمد الناتج عن قلب الحقائق أو الحقيقة، وهو أشد الكذب. ﴿لَيَقُولُونَ﴾: اللام للتوكيد، وكذلك النّون في كلمة يقولون تفيد زيادة

стр. 4424

التّوكيد، يقولون: بصيغة المضارع لتدل على التّجدُّد والتّكرار، وأنّهم استمروا يقولون الإفك: وَلَدَ الله، أو لحكاية الحال ليدل على بشع كذبهم كأنّهم يقولونه الآن. سورة الصافات [٣٧: ١٥٢] ﴿وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: أيْ: إفكهم لم يتوقف بأن زعموا الملائكة بنات الله أو أنّ الملائكة إناثاً، بل طغى إلى قولهم: وَلَدَ الله أن نسبوا لله الولد فقالوا: المسيح ابن الله أو العزير ابن الله، فردَّ الله عليهم سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. وقولهم: ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾: أشد سوءاً وطغياناً من قولهم ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] اتخذ الله ولداً يعني: تبنى الله ولداً وهي أهون من وَلَدَ الله، ورد الله سبحانه عليهم بقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣]. ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: إنّ للتوكيد واللام في كلمة لكاذبون لزيادة التّوكيد، وكاذبون: تفيد أنّ صفة الكذب ثابتة عندهم ومستمرة. سورة الصافات [٣٧: ١٥٣] ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾: ﴿أَصْطَفَى﴾: الهمزة للإنكار والتّعجب والاستبعاد والتّوبيخ، اصطفى: اختار (من نفس الجنس) ثبتت همزة الاستفهام وحذفت همزة الوصل؛ أي: أصطفى أصلها أَاِصطفى، استفهم مرة أخرى منهم، أربك اصطفى البنات الجنس الأدنى على الجنس الأعلى وهو خالق الجنسين؟، ثمّ أتبع الله سبحانه ذلك الاستفهام باستفهامين آخرين (ما لكم كيف تحكمون، أفلا تذكرون).

стр. 4425

سورة الصّافات [الآيات ١٥٤ - ١٨٢] سورة الصافات [٣٧: ١٥٤] ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: ﴿مَا﴾: للاستفهام والتّوبيخ والإقرار والتّعجُّب. ﴿لَكُمْ﴾: اللام للاختصاص. ﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام عن الحال وتفيد التّوبيخ والتّقرير. ﴿تَحْكُمُونَ﴾: أيْ: كيف تحكمون بعقولكم هذا الحكم الفاسد السّيِّئ الّذي لا يقبله أيُّ عقل لكم ما تشتهون ولله ما تكرهون، أو ماذا أصاب عقولكم لتحكموا هذا الحكم، فهذا حكم عجيب ما كان يصح أن يصدر من أحد. سورة الصافات [٣٧: ١٥٥] ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: يتتابع الاستفهام والتّوبيخ لهم. ﴿أَفَلَا﴾: الهمزة للاستفهام والإنكار والتّوبيخ، ألا للحثِّ والحضِّ. ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: أنه منزَّه عن الولد والشّريك والنّد والصّاحبة، وليس بحاجة إلى هؤلاء، وقد أُخبرتم بهذا سابقاً المرات الكثيرة، فلمَ لا تذكرونه: تذكرون: أيْ: تذكرون بوقت قصير لا تحتاجون إلى الوقت الطّويل للتذكر. سورة الصافات [٣٧: ١٥٦] ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾: ثمّ ينتقل من الدّليل العقلي المعنوي إلى الدّليل الحسي.

стр. 4426

﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخي والتّقرير أم للإضراب الانتقالي. ﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص، أيْ: لكم خاصة. ﴿سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾: السّلطان إما أن يكون سلطاناً حُجَّةً وبرهاناً على ما تقولون، حقٌّ أو سلطانُ قوة وقهر. أي: أعندكم حُجَّة وبرهان أنَّ ما تقولونه حقٌّ وليس باطلاً إذن: أخرجوا لنا هذا السلطان، أو هل هناك من قهركم وأرغمكم على القول بذلك. سورة الصافات [٣٧: ١٥٧] ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، فائتوا بكتابكم، أيْ: أحضروا كتابكم الّذي فيه السّلطان والحُجَّة، أيْ: هذا الكتاب الّذي أنزل عليكم من السّماء، يخبركم بأنّ لله ولداً وبناتٍ وصاحبةً، وبينه وبين الجِنة نسباً. الباء للإلصاق والإلزام. ﴿إِنْ﴾: شرطية فيها معنى الشّك والافتراض. ﴿كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: في أقوالكم أو أفعالكم أم مجرَّد إفك وباطل. سورة الصافات [٣٧: ١٥٨] ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: ﴿وَجَعَلُوا﴾: الجعل، أي: التّصيير والضّمير يعود على مشركي وكفار مكة وغيرهم. فهم لم يكتفوا بافترائهم بأن له ولداً أو شريكاً، بل ذهبوا أبعد من ذلك في إفكهم وجعلوا ﴿بَيْنَهُ﴾ أيْ: بين الله سبحانه ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾: صلةً وارتباطاً ناتجة عن التّزاوج والجنة يعني: الملائكة أو الجن وسُمُّوا بالجنة؛ لأنّهم لا يُرون

стр. 4427

أو لاستتارهم عن الأبصار، فقد افتروا على الله الإفك فقالوا: إن الله سبحانه تزوج من صنف من الملائكة يقال لهم: الجنَّة، فأصبح له بناتٌ من الملائكة. قاله قتادة وابن السائب. ﴿وَلَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق. وهناك من قال: إنّ الجِنة هم الجن، وسُمُّوا بالجن؛ لأنّهم لا يُرون أيضاً، فقد جاء عن ابن عبّاس أنّ قريشاً كانت تقول: سروات الجن بنات الرّحمن وأن سروات الجن هن أمهات الملائكة؛ أيْ: أنّ الله تزوج من الجن فجعلوا بينه وبين الجنة نسباً، ويكون معنى ولقد علمت الجنة، أي: الجن إنّهم لمحضرون، إنّهم أنفسهم لمحضرون إلى العذاب. وقيل هذا ردّاً على زعمهم أن بين الله سبحانه وبين الجِنة (الجِن نسباً) فلن يعذب الله الجن بالنّار فأبطل الله سبحانه ذلك الزّعم. ﴿وَلَقَدْ﴾: اللام للتوكيد قد للتحقيق. ﴿عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾: أي: الجن. ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: أيْ: كلّ ما يفتري على الله الكذب، لمحضرون: اللام للتوكيد محضرون إلى العذاب. سورة الصافات [٣٧: ١٥٩] ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: يُجيب الله الواحد الأحد عليهم منزهاً ذاته عن الولد والشّريك والنّد ومنزهاً صفاته وأفعاله أن يشاركه فيها أحد من خلقه منزَّه

стр. 4428

تنزيهاً مطلقاً. ارجع إلى سورة الإسراء آية (١)، وسورة الحديد آية (١) لبيان معنى سبحان الله. ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾: عن تفيد المجاوزة والمباعدة، ما: اسم موصول بمعنى الّذي يصفون أو مصدرية، أيْ: سبحانه عن وصفهم. وعما يصفون أنّ بينه وبين الجِنة نسباً، أو أنّ له ولداً أو شريكاً أو ندّاً أو صاحبةً، يصفون بصيغة المضارع الدّالة على تجدُّد وتكرار وصفهم أو لحكاية الحال للدلالة على بشاعة وصفهم كأنهم يقولونه الآن؛ فقد جاء في الحديث القدسي الذي رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي؛ فقوله: لن يُعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي؛ فقوله: اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد. سورة الصافات [٣٧: ١٦٠] ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: قيل: جاءت: سبحان الله عما يصفون اعتراضية، ويكون السّياق: ولقد علمت الجِنة إنّهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع. ﴿عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: أيْ: عباد الله المخلصين لا يصفون الله بالنّقائص كما يصف مشركو مكة وكفارها، أو غيرهم أو عباد الله المخلصين لا يكونون

стр. 4429

من المحضرين في النّار، كما هو حال الجن أو لا يدخلون النّار مع هؤلاء المحضرين. ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٤٠) من نفس السّورة للبيان. سورة الصافات [٣٧: ١٦١] ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾: ﴿فَإِنَّكُمْ﴾: الفاء للتوكيد، إنكم: الخطاب موجَّه إلى المشركين والكفار الّذين يفترون على الله الكذب بالولد أو الشّريك أو النّسب أو النّد أو المثيل. ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾: ما بمعنى الّذي (اسم موصول) أو مصدرية وما أوسع شمولاً من الّذي، أيْ: فإنكم وعبادتكم لهذه الأصنام أو أنتم ومعبوداتكم، أو ما تعبدون من آلهة، أو من دون الله، أو غير الله بشكل متكرِّر ومستمرٍّ مثل الأوثان والأصنام وعيسى أو عزير أو الآلهة أو الطّاغوت. سورة الصافات [٣٧: ١٦٢] ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾: ﴿مَا﴾: النّافية. ﴿أَنتُمْ﴾: جميعاً أنتم ومعبوداتكم (الخطاب لعبدة الأصنام). ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور، وتقديمها يدل على الحصر، وتعود على الله. ﴿بِفَاتِنِينَ﴾: الباء للإلصاق، فاتنين: من الفتنة الابتلاء، وهي أشد من الابتلاء، وتكون بالخير والشر، بالإغواء والوساوس، والإضلال والتّزيين، والنّزغ والفساد؛ فاتنين: من أحد من الإنس والجن، أيْ: لا تستطيعون فتنة أحد عن دينه بأيِّ طريقة، أو قادرين على حمل أحد على الفتنة والفساد بين الله وخلقه.

стр. 4430

سورة الصافات [٣٧: ١٦٣] ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿مَنْ هُوَ﴾: من ابتدائية هو للتوكيد. ﴿صَالِ الْجَحِيمِ﴾: أي: لا يستطيعون فتنة أحد إلا من هو صال الجحيم: من هو مستحقٌّ ومستوجبٌ الجحيم، أي: الّذي سبق في علم الله سبحانه أنّه من أصحاب الجحيم، أي: المصرُّ على الشّرك والكفر. ارجع إلى الآية (٢٣) من نفس السورة، وسورة الرعد آية (١٨) لبيان معنى الجحيم. سورة الصافات [٣٧: ١٦٤] ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾: المناسبة: يخبر الله تعالى عن موقف الملائكة وبراءتهم مما قاله المشركون من إفك وباطل أنّهم بنات الله، أو أنّهم إناث، أو بينهم وبين الله تعالى نسباً وصهراً، وأن الملائكة لا يبعدون إلا الله وحده وأنهم منزهون عن كل تلك الافتراءات على الله سبحانه. ﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما النّافية. ﴿مِنَّا﴾: أيْ: واحد منا (من الملائكة). ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿لَهُ﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾: مكان في السّموات يقوم فيه للعبادة، أيْ: يُعبد الله فيه ولا يتعدَّاه فمنهم الرّاكع أو السّاجد أو المسبح، وقد يعني: المقام المعلوم درجة أو مرتبة أو مكانته عند الله تعالى.

стр. 4431

سورة الصافات [٣٧: ١٦٥] ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾: ﴿وَإِنَّا﴾: ضمير متصل يفيد الجمع، ويعني: الملائكة. ﴿لَنَحْنُ﴾: اللام للتوكيد، ونحن لزيادة التّوكيد. ﴿الصَّافُّونَ﴾: للعبادة والصّلاة أو الصّافون حول العرش، أو الصّافون لتلقي أوامر الله تعالى، الصّافون صفة ثابتة فيهم. سورة الصافات [٣٧: ١٦٦] ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ﴾: كما في الآية السّابقة. ﴿الْمُسَبِّحُونَ﴾: جمع مسبح والتّسبيح هو تنزيه ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله من كلّ عيب ونقص وعما لا يليق به، فكيف نرضى أن نُعبد من دون الله وخُلقنا لنسبِّحه ليلاً ونهاراً. والتّسبيح يعني: الصّلاة. وكما قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْئَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]. ﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. سورة الصافات [٣٧: ١٦٧] ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: الواو استئنافية، إن: نافية أقوى نفياً من (ما). ﴿كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾: تعود الآيات لتتم الحديث أو الأخبار عن المشركين وما كانوا يتحدثون به قبل بعثة محمّد ﷺ . ليقولون: اللام للتوكيد، والنّون في يقولون لزيادة التّوكيد، يقولون: في كثير من الأحيان لو أنّ عندنا ذكراً من الأولين.

стр. 4432

سورة الصافات [٣٧: ١٦٨] ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾: ﴿لَوْ﴾: شرطية. ﴿أَنَّ﴾: مصدرية للتعليل والتّوكيد. ﴿عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾: ذكراً: كتاباً مُنزلاً مثل ما أُنزل على الأولين: من الّذين خلوا من قبل من الأمم أو كالّذي أُنزل على الرّسل السّابقين أو اليهود والنّصارى ذكراً مثل التّوراة أو الإنجيل. سورة الصافات [٣٧: ١٦٩] ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: ﴿لَكُنَّا﴾: اللام للاختصاص. ﴿عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: أولم يأتيهم أو يرسل إليهم سيد المرسلين وخاتم النّبيين ويُنزل إليهم القرآن الكريم، عباد الله المخلصين. ارجع إلى الآية (٤٠) من نفس السّورة. سورة الصافات [٣٧: ١٧٠] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: فيه اختصار فنزلنا عليك الذّكر، بل سيد الأذكار وهو القرآن الكريم كما طلبوا. ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، فكفروا به: به تعود على القرآن الكريم، كفروا به مباشرة بعد أن جاءهم، جحدوا به وأعرضوا عنه وقالوا سحر مبين، وقالوا أساطير الأولين، وقالوا افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، وقالوا إنه لقول شاعر وقول كاهن. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: الفاء للتوكيد، سوف للاستقبال القريب والبعيد.

стр. 4433

يعلمون: عاقبة كفرهم إن لم يتوبوا ويرجعوا عن غيِّهم وضلالهم ويؤمنوا بما أنزل الله، فسوف يعلمون عاقبة أمرهم في الدّنيا أو في الآخرة. سورة الصافات [٣٧: ١٧١] ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد للتحقيق، أيْ: قد تحقق وعدنا ونصرنا لعبادنا وجندنا الّذين سبقوكم بالإيمان. ﴿سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: لقد تقدَّم وعدنا للمرسلين بنصرهم، فهذا ليس بشيء جديد. ﴿لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾: اللام للاختصاص، المرسلين: من الرّسل والأنبياء. وكلمتنا: قيل: هي ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِى﴾ [المجادلة: ٢١]. وقيل: هي ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصّافات: ١٧٢ - ١٧٣]. وسمَّاها كلمة، وهي أكثر من كلمة؛ لأنّ كلمة قد تعني واحدة أو كلمات. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الرّوم: ٤٧]. سورة الصافات [٣٧: ١٧٢] ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾: ﴿إِنَّهُمْ﴾: إن للتوكيد. ﴿لَهُمُ﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿الْمَنصُورُونَ﴾: المنصورون من الله بالمعونة على الأعداء بالغلبة أو

стр. 4434

بالحُجَّة. والبرهان، والمنصورون: جمع منصور، وتدل على الثبات؛ أي: نصر دائم، وهذه بشرى للرسل. سورة الصافات [٣٧: ١٧٣] ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾: ﴿وَإِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿جُنْدَنَا﴾: ولم يقل: جنودنا، الفرق بينهما: جند اسم جنس جمع جندي تشمل الواحد والاثنين والثّلاثة، جنود تعني: ثلاثة أو أكثر، ولا تشمل الواحد والاثنين. والجند تجمعهم أهداف واحدة، ومن جنس واحد، أمّا الجنود فلهم أهداف مختلفة ومن أجناس مختلفة. ﴿لَهُمُ﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿الْغَالِبُونَ﴾: الغلبة تكون بفضل القدرة وبفضل العلم والذّكاء والفطنة، والمعونة والتأييد من الله تعالى أولاً. سورة الصافات [٣٧: ١٧٤] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، تولَّى: أعرض عنهم عن المشركين وكفار مكة وصبر على أذاهم؛ لأن النّصر والعاقبة لك. ﴿حَتَّى حِينٍ﴾: حتّى حرف نهاية الغاية أو حتّى يأتي أمر الله بقتالهم أو أسرهم أو موتهم أو إهلاكهم، وقيل: كان ذلك يوم بدر، والحين الثانية التي جاءت في الآية (١٧٩) من نفس السورة تعني يوم القيامة، وفي الآية تهديد ووعيد للمشركين. حين: زمن غير معلوم مدته قد يطول أو يقصر.

стр. 4435

سورة الصافات [٣٧: ١٧٥] ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾: أيْ: ترقَّب ما سيحدث، أو انظر إلى عاقبة أمرهم وحالهم وما سيحل بهم من العذاب والنّكال والقتل والأسر لمخالفتهم إياك وتكذيبهم. ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾: الفاء للتوكيد، سوف للاستقبال البعيد. يبصرون: هم أنفسهم عاقبة كفرهم في الحياة الدّنيا. سورة الصافات [٣٧: ١٧٦] ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾: رداً على سؤالهم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢]. ﴿سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿أَفَبِعَذَابِنَا﴾: الهمزة: استفهام إنكاري، وتعجب، وتوبيخ؛ بصيغة المضارع يدل على تكرار الاستعجال والاستمرار عليه، والاستعجال يدل على جهلهم وسفههم وجرأتهم وكفرهم. سورة الصافات [٣٧: ١٧٧] ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾: ﴿فَإِذَا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، إذا شرطية، تدل على حتمية الحدوث، أيْ: لا بُدَّ أن ينزل العذاب بساحتهم. ﴿نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾: السّاحة في الأصل الفناء الواسع الّذي لا يشعر فيه النّاس

стр. 4436

بالضّيق. ساحة القوم: قال الفراء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم؛ أي: نزل: حلَّ بهم وفاجأهم. ﴿فَسَاءَ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، ساء من أفعال الذّم. ﴿صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾: الصّبح هو الزّمن المفضل والميعاد الحق للمعركة لمفاجأة العدو قبل أن يستعدوا، أيْ: بئس ذلك الصباح على القوم المنذرين؛ لأنّه سيكون يوم هلاكهم ودمارهم. سورة الصافات [٣٧: ١٧٨] ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾: هذه الآية ليست تكرار للآية (١٧٤) وإنما للتّهديد والوعيد ليوم القيامة، وهذه الآية ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾، والآية ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ (١٧٩) هما في سياق الآخرة (يوم القيامة). سورة الصافات [٣٧: ١٧٩] ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾: هذه الآية ليست تكراراً للآية (١٧٥)، الآية (١٧٥) تعني في سياق الدنيا (يوم بدر)، والآية (١٧٩) في سياق الآخرة (يوم القيامة)، وإنما تهديد ووعيد في سياق الآخرة (يوم القيامة). سورة الصافات [٣٧: ١٨٠] ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: يختم الله سبحانه السّورة بالتّسبيح مرة أخرى والسّلام والحمد. ﴿سُبْحَانَ﴾: أيْ: تنزيه الرّب والإله الحق عما يشركون وعما يقولون وعما يفترون، وعن كلّ نقص وعيب وولد وشريك وصاحبة، يشمل الذّات والصّفات

стр. 4437

والأفعال تنزيهاً مطلقاً. ارجع إلى سورة الإسراء آية (١) وسورة الحديد آية (١) للبيان. ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾: لأنّه رب العزة: عزة القوة وعزة القهر وعزة الإمتاع وعزة الملك له العزة جميعاً. ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾: أي: قول هؤلاء المفترين المعتدين. ارجع إلى الآية (١٥٩). سورة الصافات [٣٧: ١٨١] ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾: سلامٌ على الرّسل والأنبياء كافة، ومنهم: لوط، ويونس الذين لم يخصهم بسلام كما فعل مع نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس؛ سلام عليهم في الدنيا والآخرة، سلام من الله ومن ملائكته ومن الثّقلين، سلام تحية، وسلام أمن وطمأنينة، وسلام من كلّ مكروه وضر، سلام مطلق، وسلام نكرة ليشمل كل أنواع السلام؛ ارجع إلى الآية (٧٩) من نفس السورة لمزيد من البيان. سورة الصافات [٣٧: ١٨٢] ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٢) من سورة الحمد للبيان المفصل.

стр. 4438

سورة ص [٣٨: ١] سورة ص ترتيبها في القرآن (٣٨)، وترتيبها في النّزول (٣٧)، نزلت بعد سورة القمر وقبل سورة الأعراف. ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِى الذِّكْرِ﴾: ﴿ص﴾: من الحروف المقطعة، ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة للبيان. ﴿وَالْقُرْآنِ ذِى الذِّكْرِ﴾: والقرآن: الواو: واو القسم يقسم الله سبحانه بالقرآن والقسم يؤكد على أهمية المقسم به، وجواب القسم قيل: محذوف، وقيل: بل الّذين كفروا في عزة وشقاق، وقيل: كم أهلكنا من قبلهم من قرن، وقيل: إنّ ذلك لحق تخاصم أهل النّار، أو: إن كلّ إلا كذب الرّسل، ولم يُبين جواب القسم ليشمل كلّ الاحتمالات وغيرها من الأجوبة والآيات، أو أن محمداً لرسول الله، أو أن القرآن لحق. وسمي بالقرآن: لأنّه مقروء ومحفوظ في الصّدور، ذي الذّكر: ذي اسم من الأسماء الخمسة (أب، أخ، حم، فو، ذو) ذي: بمعنى صاحب. ١ - ذي الذكر؛ ذي الشّرف: والعرب تقول: فلان له ذكر أو مذكور؛ أي: يتردد اسمه بكثرة لشرفه وشهرته. ٢ - والذّكر من التّذكير؛ أي: ذي التذكير يُذكر قارئه بما أمره ربه أو نهاه عنه وبما يحتاجه العبد في دنياه وآخرته.

стр. 4439

٣ - ذي البيان: كما قال ابن عباس تبياناً لكلّ شيء؛ أي: ص والقرآن ذي الشّرف وذي التّذكير وذي البيان، وذي الذكر صفة للقرآن. سورة ص [٣٨: ٢] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾: ﴿بَلِ﴾: للإضراب الانتقالي أو للتقرير والتّعيين. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: كفار مكة وغيرهم الّذين كفروا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبما أنزل الله. ﴿فِى عِزَّةٍ﴾: في ظرفية، عزة: عزة الامتناع عن قبول الحق والإيمان والرّسول والقرآن، وهم في حميّة وجاهلية وتجبّر وعناد وتكبر في قبول ما أنزل الله وأمر به، وفي قراءة أخرى: غِرة؛ من الغرور. ﴿وَشِقَاقٍ﴾: في مخالفة لله سبحانه ولرسوله ﷺ وعداء. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٣٧) لمزيد من البيان. سورة ص [٣٨: ٣] ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِم مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾: كم الخبرية وتفيد الكثرة؛ أي أهلكنا الكثير من القرون من قبلهم، ولمعرفة معنى الهلاك ارجع إلى سورة الأعراف آية (٤) للبيان. ﴿مِنْ قَبْلِهِم﴾: من تفيد الزّمن القريب؛ أي: أهلكنا القرون الكثيرة قبل مجيئهم بزمن قريب. ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾: من ابتدائية، قرن: نكرة وتعني جماعة تعيش معاً في زمن واحد (قرن واحد)، والقرن يعادل مائة سنة. ﴿فَنَادَوْا﴾: الفاء تدل على التّرتيب الذّكري، نادوا: تعود على القرون التي أهلكت من قبلهم؛ النّداء هو رفع الصّوت طالبين العون، ولم يحدد القرآن من

стр. 4440

ينادون فربما كانوا ينادون ربهم؛ لكي ينقذهم، أو نادوا لكلّ من يستطيع أن ينقذهم من الهلاك. ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾: ولات: مركبة من (لا) النّافية (عموم النّفي)، وزيدت فيها التّاء للمبالغة والتّوكيد، ولات: تستعمل لنفي الحين؛ أي: حين لا مناص، وهي من أخوات ليس مختصة بنفي الزّمن كما قال عطاء والفراء: لات بمعنى ليس. حين: يعني زمن غير محدد، مناص: بمعنى الفرار والخلاص يقال: ناص إذا فاته ونجا، فمعنى ولات حين مناص: وليس هناك وقت للهروب والنّجاة وليس الزّمن زمن فرار ونجاة من عذاب الله . سورة ص [٣٨: ٤] ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾: ﴿وَعَجِبُوا﴾: كفار مكة. ﴿أَنْ﴾: تعليلية. ﴿جَاءَهُمْ﴾: والمجيء فيه نوع من المشقة والصّعوبة، مقارنة بأتاهم الّذي فيه معنى السهولة. ﴿مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾: أي رسول منذر (من الإنذار وهو الإعلام والتّحذير)، منهم: من العرب أو من جنسهم وليس من الملائكة وهو رسول الله محمّد ﷺ . ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا﴾: هذا: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يشير إلى رسول الله ﷺ ، وإذا قارنا هذا بالآية (٢) من سورة (ق) فقال الكافرون: ﴿هَذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ﴾: جاء بالفاء في سورة (ق) فاء السببية؛ لأن ما قبلها قد يكون سبباً لما بعدها، أو الفاء: تدل على الترتيب والمباشرة؛ أي: في آية (ق) قال الكافرون مباشرة: ﴿هَذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ﴾، بينما في سورة (ص): ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾.

стр. 4441

﴿سَاحِرٌ﴾: أي سحرنا بأشياء فنراها على غير حقيقتها؛ أي: جاءنا بنوع من السّحر؛ لأنه ﷺ أثر في أنفسهم، ولم يستطيعوا الحد من رسالته؛ فاتهموه بالساحر. ﴿كَذَّابٌ﴾: صيغة مبالغة كثير الكذب كأن حرفته الكذب أو دائماً يكذب، مع أنّهم قبل البعثة كانوا يصفونه بالصّادق الأمين، ولأنّه دعاهم إلى عبادة الله وحده وترك ما يعبد آباؤهم وأبطل عبادة الآلهة فاتهموه بالسّاحر والكذاب والشّاعر والمجنون كما اتهم فرعون وهامان وقارون موسى ﵇ ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٤]. سورة ص [٣٨: ٥] ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ﴾: ﴿أَجَعَلَ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري وتعجب. ﴿الْآلِهَةَ﴾: اللات والعزى ومناة الثّالثة وغيرها. ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾: أي الله وحده لا إله إلا هو: إلهاً واحداً لا شريك له. ﴿إِنَّ هَذَا﴾: إنّ للتوكيد، هذا: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب ويشير إلى: جعل الآلهة إلهاً واحداً. ﴿لَشَىْءٌ﴾: اللام للتوكيد، شيء: أمر. ﴿عُجَابٌ﴾: مثير للعجب، وعجاب: أشد صيغ المبالغة في العجب وهي أشد من عجيب وعجب، فهم عجبوا أن جاءهم منذر، وبما أنّهم وصفوه بالسّاحر والكذاب فقد أصبحت دواعي العجب كثيرة فلذلك أكّد بإنّ وأكد باللام، فهم عجبوا العجاب الشّديد أن جعل آلهتهم إلهاً واحداً. لمقارنة قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ﴾، مع قوله تعالى في سورة ق آية

стр. 4442

(٢): ﴿هَذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ﴾، وقوله تعالى في سورة هود آية (٧٢): ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ﴾: ففي سورة (ق) قال: ﴿شَىْءٌ عَجِيبٌ﴾: تدل على شدة العجب. وفي سورة هود قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ﴾: أكد بإن واللام؛ أي: أشد عجباً من عجيب. وفي سورة (ص) قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ﴾: أكد بإن واللام، وجاء بكلمة عجاب، فهذا أعجب العجب، وهو جعل الآلهة إلهاً واحداً، فهو أعجب من أن تلد عجوز عقيم، وهذا بدوره أعجب من جاءهم منذر منهم (في سورة ق)؛ ارجع إلى سورة (ق) لمزيد من البيان. وإذا قارنا قوله تعالى: ﴿عُجَابٌ﴾ مع قوله تعالى في الآية (١) من سورة الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾: نجد أن (عجباً): أقوى وأشد مبالغة من (عجاب)؛ لأن (عجباً): مصدر، والوصف بالمصدر أقوى وأشد من الوصف بالصفة. سورة ص [٣٨: ٦] ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ﴾: المناسبة: اجتمع المشركون مع رسول الله ﷺ في بيت أبي طالب يطلبون منه أن يكفّ عن عيب آلهتهم، وطلب منهم أن يقولوا: لا إله إلا الله. عندها خرجوا من بيت أبي طالب يقولون: أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب. كما روي عن ابن عبّاس. ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾: خرجوا مسرعين، والملأ هم أعيان قريش زعماء قريش وصناديدهم، خرجوا مسرعين يقول بعضهم لبعض: ﴿أَنِ امْشُوا﴾: أن للتوكيد، امشوا: استمروا على عبادتكم آلهتكم.

стр. 4443

﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾: اثبتوا على عبادتها وتحمّلوا سبها وشتمها وذكر معايبها. ﴿إِنَّ هَذَا﴾: إنّ للتوكيد، هذا: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة، يشير إلى التّوحيد، وما جاء به محمّد ﷺ . ﴿لَشَىْءٌ﴾: اللام للتوكيد، شيء يعني: أمر. ﴿يُرَادُ﴾: أي أمر مدبّر من محمّد ليصرفكم عن آلهتكم ومقصود، فلا حيلة لكم إلا الصّبر والاستمساك بالآلهة وعدم الاستجابة لدعواه ومطالبه. سورة ص [٣٨: ٧] ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى﴾: ما النّافية، سمعنا بهذا: التّوحيد، أو لا إله إلا الله الّذي يدعو إليه محمّد، ولم يخبرنا به أو يحدثنا عنه أحد من النّصارى. ﴿فِى الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾: ملة عيسى أو النّصرانية؛ أي: ما سمعناهم يوحدون الآلهة، بل يقولون: إنّ الله ثالث ثلاثة. ﴿إِنْ هَذَا﴾: إن نافية أشد نفياً من ما، هذا التّوحيد. ﴿إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾: أداة حصر؛ أي: حصراً اختلاق: كذب، اختلاق: ليس حقيقة؛ أي: افتعال وكذب، أو كذب مختلق اصطنعه محمّد من نفسه، فهم يحاولون إعادة الثّقة بعقيدتهم عقيدة الشّرك بعد أن زعزعها محمّد ﷺ بما جاء به من دين التوحيد. سورة ص [٣٨: ٨] ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ مِنْ ذِكْرِى بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾: ﴿أَأُنْزِلَ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّعجب. ﴿عَلَيْهِ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، وتعني: محمّد ﷺ أي عليه خاصة.

стр. 4444

﴿الذِّكْرُ﴾: أي القرآن الكريم. ﴿مِنْ بَيْنِنَا﴾: من ابتدائية، بيننا: أي على محمّد بالذّات وفينا السّادة والقادة لقريش، وهو ليس من سادتنا وأشرافنا، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٥) من سورة القمر وهي قوله تعالى: ﴿أَءُلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾: نجد أن الآية في سورة (ص) جاءت في سياق الحديث عن كفار مكة، والآية في سورة القمر جاءت في سياق الحديث عن قوم ثمود ونبيهم صالح، وأما الفرق بين ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾، و ﴿أَءُلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ﴾: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾: لأن الإنزال جاء في سياق القرآن والذكر كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١]، وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] … وغيرها الكثير من الآيات. وأما ﴿أَءُلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ﴾: جاءت في سياق النبي صالح، والإلقاء: قد يكون ليس لكتاب، وإنما لصحف، أو ألواح، أو الوحي، وفي آية (ص): قدم عليه (يعني رسول الله ﷺ تشريفاً، بينما في آية صالح قدم الذكر على صالح ﵇، والتقديم يعني: للأهم. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿هُمْ﴾: ضمير فصل للتوكيد. ﴿فِى شَكٍّ مِنْ ذِكْرِى﴾: الشّك هو تساوي طرفي الإثبات والنّفي؛ أي: في تردد وحيرة وغير مستيقنين. ذكري: أي قرآني؛ أي: هم في شك في القرآن وأنّه منزل من الله تعالى. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾: لما: ظرف زماني ينفي الحدث في الماضي مع إثبات

стр. 4445

حدوثه في المستقبل، يعني: حتّى الآن لم ينزل بهم أو يصيبهم العذاب ولكن سوف ينزل بهم في الحاضر أو في المستقبل لا محالة قبل موتهم أو بعد موتهم؛ أي: قد يكون في الدّنيا أو في الآخرة- وإذا قارنا هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] إضافة الياء تشير إلى شدة العذاب مقارنة بقوله عذاب. سورة ص [٣٨: ٩] ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾: المناسبة بعد أن نفى الله سبحانه قدرتهم على أن يقسموا رحمته: أي نبوته على عباده؛ أي: أن يعطوا النّبوة لمن يشاؤون، كما قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، ينفي عنهم أن تكون خزائن رحمته بأيديهم. ﴿أَمْ﴾: الهمزة للتسوية، أم: ﴿عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾: النّبوة رحمة ورحمة ربك تشمل النّبوة وغيرها من أنواع الرّحمة، فيعطوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون، والرّحمة هي كلّ ما يجلب ما يسرّ ويدفع ما يضرّ (الوقاية) وتعني الإنعام على المحتاج. ﴿الْعَزِيزِ﴾: القوي الممتنع لا يحتاج إلى أحد ولا يضره ولا ينفعه أحد، ولا يُقهر ولا يُغلب. ﴿الْوَهَّابِ﴾: صيغة مبالغة من: وهب وتدل على كثرة الوهب: العطاء بدون مقابل، واهب النّعم الباطنة والظّاهرة دائم الإحسان، شمل ببره وكرمه كلّ مخلوقاته. في هذه الآية خصص الوهاب بالرّحمة وأمّا في الآية (٣٧) من سورة الطّور قال: "خزائن ربك" لم يخصص أطلق، ولم يحدد ما نوع الخزائن. سورة ص [٣٨: ١٠] ﴿أَمْ لَهُمْ مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِى الْأَسْبَابِ﴾: ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي، والهمزة للاستفهام الإنكاري والتّقرير.

стр. 4446

﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: المُلك: يعني الحكم والملك معاً، فهو مالك الملك وما بينهما؛ أي: ألهم مُلك السّموات والأرض وما بينهما فإن كان لهم ذلك: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِى الْأَسْبَابِ﴾: الأسباب: جمع سبب: هو كلّ ما يتوصل به إلى الشّيء أو الحدث، والسبب في الأصل الحبل، والأسباب الطرق والمسالك والأبواب التي توصلهم إلى العرش؛ أي: أبواب السّموات. الفاء للترتيب والتّعقيب. ليرتقوا في الأسباب: ليصعدوا سبباً بعد سبب؛ أي باباً بعد باب حتّى ينتهوا إلى العرش ويمنعوا الوحي النّازل على محمّد ﷺ من ربه، أو ليتولوا تدبير الخلق والكون بما يريدون ويعطوا ويحكموا بالعطاء والمنع وتدبير شؤون الخلق والكون، واللام في ليرتقوا: للتوكيد، وكما قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣]. ارجع إلى سورة الكهف (٨٤). سورة ص [٣٨: ١١] ﴿جُندٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: ﴿جُندٌ﴾: نكرة للتحقير، وتعني كفار مكة أو قريش؛ أي: كفار قريش مهزومون كما هزم أحزاب الباطل الّذين تحزّبوا على أنبيائهم وجاؤوا من قبلهم. ارجع إلى سورة يس آية (٢٨) لمعرفة الفرق بين جند وجنود. ﴿مَا﴾: للتوكيد. ﴿هُنَالِكَ﴾: أي: في بدر، (مهزومون في بدر) أو وضعوا أنفسهم في أمر ليسوا هم أهله. ﴿مَهْزُومٌ﴾: مغلوبون لا محالة.

стр. 4447

﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: كفار قريش ما هم إلا جند أو حزب من أحزاب الباطل مهزومون عما قريب، وقد تكون هذه الآية رداً على قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، فلا تعجل عليهم فإني سأسلب عزتهم وأهزم جمعهم. سورة ص [٣٨: ١٢] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾: أي قبل كفار قريش كذبت الأحزاب، وكذبت تدل على الكثرة. قوم نوح كذبوا نوح ﵇، قوم عاد كذبوا هوداً ﵇، وفرعون ذو الأوتاد كذبوا موسى وهارون ﵉. سورة ص [٣٨: ١٣] ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لْئَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾: وقوم ثمود كذبوا نبيهم صالحاً ﵇، وأصحاب الأيكة كذبوا شعيباً ﵇، وقوم لوط كذبوا لوطاً ﵇. ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾: الأحزاب: الجماعات المتحزبة ضد رسلهم، أو المحاربة لرسلهم. وجاء ذكر تكذيبهم كخبر عام بدون إيضاح سبب التّكذيب، ثمّ بيّن نوع التّكذيب في الآية (١٤) فقال تعالى: ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾. سورة ص [٣٨: ١٤] ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾: ﴿إِنْ﴾: نافية تعني: ما من أحد من هؤلاء الأحزاب إلا كذّب من أرسل إليهم من الرّسل، ولكن لم يقل الرّسول وإنما" الرّسل"؛ لأنّ من كذب واحداً من الرّسل كأنما كذب جميع الرّسل. ﴿إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: إلا أداة حصر. ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾: وجب وثبت عليهم عقاب الله بسبب تكذيبهم للرسل، والعقاب مشتق من كونه يعقب الذنب، والعقاب يتراوح بين الشديد واليسير،

стр. 4448

وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٤) من سورة (ق) وهي قوله تعالى: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾: نجد الوعيد يسبق العقاب، والعذاب: وهو يُعد إنذاراً وتهديداً لوقوع العقاب. سورة ص [٣٨: ١٥] ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾: ﴿وَمَا﴾: النّافية. ﴿يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾: أي ما ينتظر كفار قريش. ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾: إلا أداة حصر، صيحة واحدة، قيل: هي نفخة الفزع كقوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٤٩ - ٥٠]. ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾: ما لها من رادٍّ أو دافع؛ أي: من يصرفها أو يمنعها، ولن يعطوا إلا زمناً لا يزيد عن الزّمن ما بين حلبتي النّاقة وهو فواق النّاقة؛ أي: حتّى يمتلأ الضّرع بالحليب مرة أخرى بعد الحلبة الأولى؛ أي: لن ينتظروا طويلاً حتّى تقوم السّاعة ويحل بهم العذاب. سورة ص [٣٨: ١٦] ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾: ﴿وَقَالُوا﴾: كفار مكة. ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾: القط: أي نصيبنا من العذاب الّذي توعّدتنا به ولا تؤخّره إلى يوم الحساب. قالوا ذلك استهزاءً فهم لا يؤمنون بالبعث ولا بالآخرة ولا بالوعيد؛ أي: أرسله إلينا الآن قبل يوم الحساب، والقطّ: قد يعني الكتاب أو صحيفة الأعمال (الحسنات والسّيئات) كما قال ابن عباس؛ أي: عجّل لنا صحيفة أعمالنا أو الكتاب لنرى ما كتب فيها. وقيل: القط: الحساب أو القضاء.

стр. 4449

سورة ص [٣٨: ١٧] ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾: الخطاب موجّه إلى رسول الله ﷺ وإلى أمته على ما يقولون: على ما يقوله كفار مكة عنك بأنّك ساحر أو كاهن أو شاعر وغيره من الأباطيل، واصبر على ما يقولون: ربنا عجّل لنا قطّنا، استهزاءً، ويقولون: بصيغة المضارع؛ أي: اصبر بشكل متجدد ومتكرر أو دائم الصّبر، اصبر كما صبر أولو العزم من الرّسل أو كما صبر إخوانك من الرّسل. ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾: اصبر واذكر: صبر داود على العبادة والطّاعة فقد ذكر في الصّحيحين (البخاري ومسلم) من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : أحبُّ الصّيام إلى الله صيام داود؛ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وأحبُّ الصّلاة إلى الله صلاة داود؛ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه. عبدنا: اختار هذه الكلمة تشريفاً له إنه كان عبداً ونبياً وملكاً، ذا الأيد: أي ذا القوة في العبادة والطّاعة رغم كونه نبياً مكلفاً بأعباء النّبوة، والملك: الحكم. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: إنّه: للتوكيد، أوّاب: صيغة مبالغة؛ أي: كثير الرّجوع إلى ربه بالتوبة والإنابة، أو سريع التّوبة إلى الله، أوّاب: صيغة مبالغة من آب الرّجل إلى أهله؛ أي: رجع، وإذا قارنا أواب، وأناب، كما في الآية (٢٤) من نفس السورة، أواب: كثير الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار، وأناب: سريع التوبة، أو الرجوع إلى الله تعالى؛ أي: الإقبال.

стр. 4450

سورة ص [٣٨: ١٨] ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِىِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾: ﴿إِنَّا﴾: للتعظيم. ﴿سَخَّرْنَا﴾: من التّسخير: أي التّذليل، وسخّر: أخضع، سخّره: أخضعه وقهره ليفعل ما يريده بدون اختيار من المسخّر، وكما قال تعالى في سورة الأعراف آية (٥٤): ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾، أي: مسيّرات خاضعات مقهورات بأمر الله وإرادته لا باختيارها، وهي الّتي اختارت أن تكون مسخّرة بعد أن عرض عليها الأمانة فاختارت أن تكون مسخّرة. ﴿سَخَّرْنَا الْجِبَالَ﴾: أي أخضعنا وقهرنا. ﴿مَعَهُ﴾: أي مع داود. ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِىِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾: يسبحن لله تعالى، وكما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، فالجبال والسّموات والأرض وكل شيء يسبح تسبيحاً لا يعلمه إلا الله ، والمعجزة هنا ليست التّسبيح بذاته فقط وإنما أن تسبّح الجبال مع داود وتردّد معه؛ أي: تسبّح مع تسبيحه، يسبّحن ولم يقل وسخّرنا الجبال معه مسبّحات، ولكن يسبّحن: بصيغة المضارع للدلالة على حكاية الحال والتّكرار والتّجدد؛ أي: يسبّحن الآن وكأنّنا نسمع تسبيحها وهي تسبّح، وإذا أخبرنا هذا الخبر الله سبحانه فهو أصدق من أسماعنا وعيوننا فيما لو كنا نسمعه ونراه. بالعشي: الباء للإلصاق والدّوام، والعشي: من الزّوال إلى الغروب (من العصر إلى المغرب) أو من الظّهر إلى المغرب، والإشراق: أي شروق الشّمس. وقد أخذ بعض الأئمّة من هذه الآية دليلاً على مشروعية صلاة الضّحى أو
следующие страницы →