Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص.
﴿مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: المُلك: يعني الحكم والملك معاً، فهو مالك الملك وما بينهما؛ أي: ألهم مُلك السّموات والأرض وما بينهما فإن كان لهم ذلك:
﴿فَلْيَرْتَقُوا فِى الْأَسْبَابِ﴾: الأسباب: جمع سبب: هو كلّ ما يتوصل به إلى الشّيء أو الحدث، والسبب في الأصل الحبل، والأسباب الطرق والمسالك والأبواب التي توصلهم إلى العرش؛ أي: أبواب السّموات. الفاء للترتيب والتّعقيب. ليرتقوا في الأسباب: ليصعدوا سبباً بعد سبب؛ أي باباً بعد باب حتّى ينتهوا إلى العرش ويمنعوا الوحي النّازل على محمّد ﷺ من ربه، أو ليتولوا تدبير الخلق والكون بما يريدون ويعطوا ويحكموا بالعطاء والمنع وتدبير شؤون الخلق والكون، واللام في ليرتقوا: للتوكيد، وكما قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣]. ارجع إلى سورة الكهف (٨٤).
سورة ص [٣٨: ١١]
﴿جُندٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾:
﴿جُندٌ﴾: نكرة للتحقير، وتعني كفار مكة أو قريش؛ أي: كفار قريش مهزومون كما هزم أحزاب الباطل الّذين تحزّبوا على أنبيائهم وجاؤوا من قبلهم. ارجع إلى سورة يس آية (٢٨) لمعرفة الفرق بين جند وجنود.
﴿مَا﴾: للتوكيد.
﴿هُنَالِكَ﴾: أي: في بدر، (مهزومون في بدر) أو وضعوا أنفسهم في أمر ليسوا هم أهله.
﴿مَهْزُومٌ﴾: مغلوبون لا محالة.
стр. 4447
﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: كفار قريش ما هم إلا جند أو حزب من أحزاب الباطل مهزومون عما قريب، وقد تكون هذه الآية رداً على قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، فلا تعجل عليهم فإني سأسلب عزتهم وأهزم جمعهم.
سورة ص [٣٨: ١٢]
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾: أي قبل كفار قريش كذبت الأحزاب، وكذبت تدل على الكثرة.
قوم نوح كذبوا نوح ﵇، قوم عاد كذبوا هوداً ﵇، وفرعون ذو الأوتاد كذبوا موسى وهارون ﵉.
سورة ص [٣٨: ١٣]
﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لْئَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾:
وقوم ثمود كذبوا نبيهم صالحاً ﵇، وأصحاب الأيكة كذبوا شعيباً ﵇، وقوم لوط كذبوا لوطاً ﵇.
﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾: الأحزاب: الجماعات المتحزبة ضد رسلهم، أو المحاربة لرسلهم.
وجاء ذكر تكذيبهم كخبر عام بدون إيضاح سبب التّكذيب، ثمّ بيّن نوع التّكذيب في الآية (١٤) فقال تعالى: ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾.
سورة ص [٣٨: ١٤]
﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾:
﴿إِنْ﴾: نافية تعني: ما من أحد من هؤلاء الأحزاب إلا كذّب من أرسل إليهم من الرّسل، ولكن لم يقل الرّسول وإنما" الرّسل"؛ لأنّ من كذب واحداً من الرّسل كأنما كذب جميع الرّسل.
﴿إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: إلا أداة حصر.
﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾: وجب وثبت عليهم عقاب الله بسبب تكذيبهم للرسل، والعقاب مشتق من كونه يعقب الذنب، والعقاب يتراوح بين الشديد واليسير،
стр. 4448
وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٤) من سورة (ق) وهي قوله تعالى: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾: نجد الوعيد يسبق العقاب، والعذاب: وهو يُعد إنذاراً وتهديداً لوقوع العقاب.
سورة ص [٣٨: ١٥]
﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾:
﴿وَمَا﴾: النّافية.
﴿يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾: أي ما ينتظر كفار قريش.
﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾: إلا أداة حصر، صيحة واحدة، قيل: هي نفخة الفزع كقوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٤٩ - ٥٠].
﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾: ما لها من رادٍّ أو دافع؛ أي: من يصرفها أو يمنعها، ولن يعطوا إلا زمناً لا يزيد عن الزّمن ما بين حلبتي النّاقة وهو فواق النّاقة؛ أي: حتّى يمتلأ الضّرع بالحليب مرة أخرى بعد الحلبة الأولى؛ أي: لن ينتظروا طويلاً حتّى تقوم السّاعة ويحل بهم العذاب.
سورة ص [٣٨: ١٦]
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾:
﴿وَقَالُوا﴾: كفار مكة.
﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾: القط: أي نصيبنا من العذاب الّذي توعّدتنا به ولا تؤخّره إلى يوم الحساب. قالوا ذلك استهزاءً فهم لا يؤمنون بالبعث ولا بالآخرة ولا بالوعيد؛ أي: أرسله إلينا الآن قبل يوم الحساب، والقطّ: قد يعني الكتاب أو صحيفة الأعمال (الحسنات والسّيئات) كما قال ابن عباس؛ أي: عجّل لنا صحيفة أعمالنا أو الكتاب لنرى ما كتب فيها. وقيل: القط: الحساب أو القضاء.
стр. 4449
سورة ص [٣٨: ١٧]
﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾:
﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾: الخطاب موجّه إلى رسول الله ﷺ وإلى أمته على ما يقولون: على ما يقوله كفار مكة عنك بأنّك ساحر أو كاهن أو شاعر وغيره من الأباطيل، واصبر على ما يقولون: ربنا عجّل لنا قطّنا، استهزاءً، ويقولون: بصيغة المضارع؛ أي: اصبر بشكل متجدد ومتكرر أو دائم الصّبر، اصبر كما صبر أولو العزم من الرّسل أو كما صبر إخوانك من الرّسل.
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾: اصبر واذكر: صبر داود على العبادة والطّاعة فقد ذكر في الصّحيحين (البخاري ومسلم) من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : أحبُّ الصّيام إلى الله صيام داود؛ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وأحبُّ الصّلاة إلى الله صلاة داود؛ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه. عبدنا: اختار هذه الكلمة تشريفاً له إنه كان عبداً ونبياً وملكاً، ذا الأيد: أي ذا القوة في العبادة والطّاعة رغم كونه نبياً مكلفاً بأعباء النّبوة، والملك: الحكم.
﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: إنّه: للتوكيد، أوّاب: صيغة مبالغة؛ أي: كثير الرّجوع إلى ربه بالتوبة والإنابة، أو سريع التّوبة إلى الله، أوّاب: صيغة مبالغة من آب الرّجل إلى أهله؛ أي: رجع، وإذا قارنا أواب، وأناب، كما في الآية (٢٤) من نفس السورة، أواب: كثير الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار، وأناب: سريع التوبة، أو الرجوع إلى الله تعالى؛ أي: الإقبال.
стр. 4450
سورة ص [٣٨: ١٨]
﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِىِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم.
﴿سَخَّرْنَا﴾: من التّسخير: أي التّذليل، وسخّر: أخضع، سخّره: أخضعه وقهره ليفعل ما يريده بدون اختيار من المسخّر، وكما قال تعالى في سورة الأعراف آية (٥٤): ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾، أي: مسيّرات خاضعات مقهورات بأمر الله وإرادته لا باختيارها، وهي الّتي اختارت أن تكون مسخّرة بعد أن عرض عليها الأمانة فاختارت أن تكون مسخّرة.
﴿سَخَّرْنَا الْجِبَالَ﴾: أي أخضعنا وقهرنا.
﴿مَعَهُ﴾: أي مع داود.
﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِىِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾: يسبحن لله تعالى، وكما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، فالجبال والسّموات والأرض وكل شيء يسبح تسبيحاً لا يعلمه إلا الله ، والمعجزة هنا ليست التّسبيح بذاته فقط وإنما أن تسبّح الجبال مع داود وتردّد معه؛ أي: تسبّح مع تسبيحه، يسبّحن ولم يقل وسخّرنا الجبال معه مسبّحات، ولكن يسبّحن: بصيغة المضارع للدلالة على حكاية الحال والتّكرار والتّجدد؛ أي: يسبّحن الآن وكأنّنا نسمع تسبيحها وهي تسبّح، وإذا أخبرنا هذا الخبر الله سبحانه فهو أصدق من أسماعنا وعيوننا فيما لو كنا نسمعه ونراه.
بالعشي: الباء للإلصاق والدّوام، والعشي: من الزّوال إلى الغروب (من العصر إلى المغرب) أو من الظّهر إلى المغرب، والإشراق: أي شروق الشّمس.
وقد أخذ بعض الأئمّة من هذه الآية دليلاً على مشروعية صلاة الضّحى أو
стр. 4451
صلاة الشّروق، وكونها جاءت بصيغة المعرفة "بالعشي والإشراق" فهذا يدل على الدّوام، ولم يقل مثلاً بكرة وعشياً الّتي تدل على وقت محدد.
وإنما تدل على التّسبيح الدائم ولكل مكان زمان للعشي وزمان للإشراق.
سورة ص [٣٨: ١٩]
﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾:
﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾: مجتمعة (الحشر هو السَّوق والجمع) والحشر يعني جملة واحدة وليس جماعة بعد جماعة، وهناك فرق بين الحشر والجمع: الحشر هو السَّوق، والجمع ويكون للجماعة، محشورة حول داود تسبّح معه.
﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾: تعني الجبال والطّير وداود الكل لله أوّاب؛ أي: يردد التّسبيح، كلّ له مطيع بالتّسبيح أو خاضع له وراجع له، له: لله تعالى، وقد تعني لداود أيضاً؛ أي: مطيعة لداود تأتيه وتسبّح معه.
سورة ص [٣٨: ٢٠]
﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾:
﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾: أي قوّيناه بكلّ أسباب القوة المادية والمعنوية من نصر ومهابة، وقوّيناه بالحرس والجنود وإلقاء الرّعب في قلوب أعدائه.
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾: النّبوة، وقيل: علم الأحكام والشّرائع أو الزّبور، وقيل: الحكمة كلّ كلام وافق الحق فهو حكمة. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٦٩) لبيان معنى الحكمة.
﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾: القضاء والحكم في الخصومات والدّعاوي، والفصل يعني التّمييز بين الشّيئين، وقيل: الكلام البيّن الّذي لا لَبسَ فيه.
стр. 4452
سورة ص [٣٨: ٢١]
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾:
﴿وَهَلْ﴾: الواو عاطفة، هل للاستفهام والتّعجب والتّشويق إلى الاستماع.
﴿نَبَأُ الْخَصْمِ﴾: النّبأ هو الخبر العظيم الّذي ينبغي أن يُعلم ويُهتمّ به وفيه فائدة مهمة، والخصم: يطلق على المفرد والمثنى والجمع، والذّكر والأنثى.
﴿إِذْ﴾: ظرف للزمان الماضي.
﴿تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾: السُّور: الحائط المرتفع؛ أي: علو سور المحراب تسلقوا الحائط ودخلوا من أعلى الحائط، ولم يدخلوا من الباب، وتسوّروا: جاءت بصيغة الجمع؛ لأنّ الخصم يطلق على الواحد أو الاثنين أو الأكثر، والمحراب: مسجده مكان صلاته، فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان.
اختلف في تفسير الخصم الّذين تسوّروا المحراب: قيل: كانا ملكين، وقيل: كانوا إنساً من الإنس تسوّروا الحائط ودخلوا عليه وهو في غير وقت جلوسه للحكم، ففزع منهم ظاناً أنّهم يريدون قتله ظناً خطأً فاستغفر ربه من الظّن السّيئ وخرّ راكعاً وأناب، أو عزم أن ينتقم منهم وقتلهم ففكر عندها أنّ قتلهم غير مبرر ولا يحق له، والعفو أولى وأقرب إلى الصّواب.
سورة ص [٣٨: ٢٢]
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾:
﴿إِذْ﴾: ظرف للزمان الماضي أو بمعنى لما:
﴿دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾: الفاء تدل على التّعقيب والمباشرة، فزع منهم: الفزع: الخوف المفاجئ الّذي يؤثّر في القلب فيؤدي إلى تسرّع ضربات القلب فيدل على شدة الخوف والاضطراب في القلب، ففزع منهم؛ لأنّهم دخلوا عليه
стр. 4453
في غير زمن القضاء أو الحكم بين النّاس وبغير إذنه. وانظر كيف قال: ففزع منهم، ولم يقل: منهما، وقد سبق ذلك قوله تعالى: خصمان، وقال الخصم؛ لأن كلمة الخصم ـ كما قلنا ـ تأتي في سياق المفرد والمثنى والجمع.
﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾: لا النّاهية، لا تخف: حين رأوه في حالة الفزع، وقولهم: لا تخف يدل على أنّهم من الملائكة؛ لأنّ لا أحد يجرؤ أن يقول لداود: لا تخف ولا يجرؤ أحد أن يدخل على داود ﵇ لأنّ الحرس يمنعهم ولكونهم من الملائكة فهم أهلٌ لذلك.
﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾: بغى: من البغي وهو التّعدّي أو أخذ حق الغير بقهر وقوة وتعسُّف.
﴿فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾: فاحكم: الفاء للمباشرة، احكم: افصل بيننا بالحق: الباء للإلصاق، ولا تشطط: ولا تبتعد عن الحق أو لا تَجُرْ أو تتجاوز الحد، وهذا الطّلب: احكم بالحق ولا تشطط لا يجرؤ على قوله أحد لنبي وملك إلا الملائكة.
﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾: أي دلّنا أو أرشدنا إلى سواء؛ يعني الوسط؛ أي: العدل، والصّراط: الطّريق المستقيم؛ أي: احكم بالعدل وعدم الجور أو لا تمِل عن الحق.
سورة ص [٣٨: ٢٣]
﴿إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى الْخِطَابِ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يشير إلى أخيه.
стр. 4454
﴿أَخِى﴾: أخوه في الدّين أو في الصّداقة أو الشّراكة، ومن حق الإخوّة أن لا يأخذ حق أخيه بقهر أو تعسُّف.
﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾:
﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾: ضمّها إليّ فاجعلني كافلها: يعولها وينفق عليها.
﴿وَعَزَّنِى فِى الْخِطَابِ﴾: غلبني في المحاجَّة أو الكلام.
سورة ص [٣٨: ٢٤]
﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾:
﴿قَالَ﴾: داود لصاحب النّعجة الواحدة.
﴿لَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
﴿ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾: فهو يؤكد ظلم صاحب النِّعاج (٩٩) بدون أن يستمع له، وهذا خطأ لا يجوز في القضاء.
وقيل: أخطأ داود عدة أخطاء.
١ - لم يستمع داود ﵇ للطرف الآخر: لصاحب (٩٩) نعجة.
٢ - حكم داود وهو في حالة الفزع والخوف، وهذا مخالف لأركان الحكم الصّحيح أو القواعد الشّرعية.
٣ - حكم بدون أيِّ بينة.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾: وإنّ للتوكيد، كثيراً من الخلطاء: من الشّركاء في التّجارة أو المال؛ أي: خلطوا أموالهم مع بعضهم البعض.
стр. 4455
﴿لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: اللام للتوكيد، يبغي: من البغيّ وهو: التّعدي؛ وهو أخذ مال أو حق الغير بقهر وتعسُّف وظلم.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: لأنّ إيمانهم يمنعهم من أن يبغي بعضهم على بعض.
﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾: أي عددهم قليل، قليل: نكرة تفيد التّهويل والتّعجب من قلتهم، وما: تفيد التّوكيد.
﴿وَظَنَّ دَاوُودُ﴾: الظّن هو الاعتقاد أو الاحتمال الرّاجح؛ أي: علم داود.
﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾: أن مصدرية قد تقلب الظّن يقيناً، فتنّاه: ابتليناه.
﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، استغفر ربه: لأنّه شعر أو أحسّ بالذّنب أو الخطأ في حكمه.
﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾: بدلاً من وخرّ ساجداً، وهذه هي الآية الوحيدة الّتي قيل فيها: خرّ راكعاً، وبقية الآيات: خرّ ساجداً، فكيف نفسر ذلك؟ قيل: أطلق الرّكوع وأريد به السّجود (عبر بالرّكوع عن السّجود) أي: خرّ راكعاً ثمّ سجد أو خرّ بعد أن كان راكعاً، أو خرّ مطأطئاً رأسه؛ أي: سجد. والرّكوع يعني: الخضوع، وقد ثبت في السّنة أنّ داود بعد انحنائه خضوعاً سجد لله بعد ذلك، أسرع بالرّجوع إلى الله بالتّوبة.
وهناك من قال: إنّ داود لم يرتكب معصية متعمدة وإنما اجتهد في حكمه، والخطأ في الحكم أقل من المعصية، والمعصية تحتاج إلى سجود والخطأ غير المتعمد يناسبه الرّكوع الّذي هو دون السّجود.
стр. 4456
سورة ص [٣٨: ٢٥]
﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَئَابٍ﴾:
﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: الفاء تدل على التّعقيب والمباشرة، غفرنا: أي مَحَونا ذنبه أو الخطأ الّذي ارتكبه.
له: اللام لام الاختصاص. ذلك: أي ذنبه أو خطأه.
﴿وَإِنَّ﴾: للتوكيد له: لداود.
﴿عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾: اللام للتوكيد، زلفى: قربى، منزلة أو درجة، أو مكانة عالية عند الله من الله تعالى كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣].
﴿وَحُسْنَ مَئَابٍ﴾: حسن مرجع أو مآل؛ أي: الدّرجات العلى في الجنة كما قال تعالى: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤].
سورة ص [٣٨: ٢٦]
﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾:
﴿يَادَاوُودُ﴾: نداء بيا النّداء للبعد؛ لاسترعاء انتباه المخاطب والاهتمام بما سيقال له.
﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾: إنّا: للتعظيم، خليفة في الأرض: خليفة خلافة عامة، خليفة لمن قبلك وليس خليفة لله تعالى، وقد تعني: خليفة لمن سبقك من الأنبياء، أو حاكماً أو ملكاً.
﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾: الفاء للتوكيد، احكم بين النّاس بالحق: أي بالعدل والقسط، والحق هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير، والباء: للإلصاق والدّوام.
стр. 4457
﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾: الهوى ما تميل إليه النّفس باطلاً بما لا ينبغي ولا دليل، وبعيد عن الحق ويغلب على الهوى الذّم.
﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: الفاء السّببية، يُضلك عن سبيل الله: أي عن دين الله (عن تفيد المجاوزة والمباعدة) أي: يبعدك عن دين الله؛ أي: لا تحكم إلا بما أمر الله به وبالبينة والشّهود وعدم التّسرع في الحكم، والاستماع إلى الطّرفين.
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: إنّ للتوكيد، الّذين: اسم موصول.
﴿يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي دين الله؛ أي: ينحرفون ولا يرشدون.
﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا﴾: اللام لام الاستحقاق، عذاب شديد في الدّنيا والآخرة.
﴿بِمَا﴾: الباء السّببية، ما: اسم موصول بمعنى الّذي وهي أوسع شمولاً من الذي.
﴿نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾: لم يستعدّوا له بالتّقوى، نسوا: من النّسيان المتعمد بالإهمال وترك الاهتمام به، ويسمى يوم القيامة: يوم الفصل يوم الدّين، وسمّي يوم الحساب؛ لما يجري فيه من حساب، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.
стр. 4458
سورة ص [٣٨: ٢٧]
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾:
وما: الواو استئنافية، ما: النّافية، خلقنا السّماء والأرض وما بينهما باطلاً: أي عبثاً لا جدوى منه ولا فائدة، وبلا حكمة، والباطل ضد الحق، فهي تسبّح الله وهي تعتبر سقفاً محفوظاً ومصدراً للرزق، وما خلقنا السّموات والأرض وما بينهما إلا بالحق؛ أي: بالدّقة التّامة وبالقوانين الثّابتة الّتي تحكم السّموات وما فيها من أجرام ومجرّات ونجوم تجري في أفلاك ثابتة لا تصطدم ببعضها منذ خلقها الله تعالى.
والسّماء تعريفها: كلّ ما علاك، وتشمل السّموات السّبع والسُّحب والطّبقات الغازية المحيطة بالأرض.
﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة، واللام للبعد، والكاف للخطاب، ذلك: إشارة إلى خلقهما عبثاً.
﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ظنوا ذلك باطلاً؛ لأنّهم لا يؤمنون أنّها تسبّح وتسجد وأن لها مهمة كما لهم مهمة، وأنّها من الآيات الدّالة على وحدانيته وقدرته وعظمته، وظنهم لا يغني من الحق شيئاً.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الويل: الهلاك والعذاب، للذين: اللام لام الاختصاص
стр. 4459
والاستحقاق، الّذين كفروا: الّذين لم يؤمنوا بالله وكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر، تهديد ووعيد للذين كفروا حتّى يرتدعوا ويرجعوا إلى الإيمان.
﴿مِنَ النَّارِ﴾: من عذاب النّار.
سورة ص [٣٨: ٢٨]
﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾:
المناسبة: لو كان خلق السّماء والأرض عبثاً أو باطلاً لبطل الجزاء والحساب، ولاستوت عند الله أحوال المصلحين والمفسدين والمتقين والفجّار، ولفسدت السّموات والأرض وما بينهما، ولكن هذا لا يتّفق مع حكمة الله ورحمته.
﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والإنكار أم للإضراب الانتقالي (أم المنقطعة)، إنكار التّسوية بين الفريقين الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات والمفسدين؛ أي: من ظن (الظّن: هو الاعتقاد أو الاحتمال الرّاجح، رجحت فيه صفة الإثبات فوق صفة النّفي)، إنّ الله يساوي بين المتقي والفاجر والمؤمن الصّالح كالمفسد في الأرض، فقد ظنّ ظناً باطلاً خطأً قبيحاً جديراً بالإنكار.
والفاجر: هو الفاسق الّذي يصرّ على المعاصي ويتوسّع فيها، فكأنّها أصبحت تتفجّر منه كالينابيع وكالزّنى القتل والفساد. والفجار: تدل على الثبات والدوام على المعاصي والمحارم.
سورة ص [٣٨: ٢٩]
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾:
﴿كِتَابٌ﴾: أي هذا كتاب: قرآنٌ، وبصيغة النّكرة للتعظيم.
стр. 4460
﴿أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾: أنزلناه جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا، إليك: تفيد النّهاية إليك أوّلاً ثمّ إلى أمتك.
﴿مُبَارَكٌ﴾: كثير الخير والنّفع والبركة سواء المنافع الدّنيوية والأخروية يأتي بالخير الكثير الإلهي والثّابت، مبارك مشتقة من: البركة وهي النّمو والزّيادة.
﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾: اللام لام التّعليل، وأصلها: ليتدبروا آياته، واختار يدَّبَّروا مبالغة في التّدبر؛ أي: يحتاج إلى تدبر عميق وفهم بالغ، وأمّا ليتدبروا؛ أي: يحتاجون إلى طول التّدبر (زمن أطول) فهم بحاجة إلى تدبر عميق، ولو قال ليتدبروا؛ يعني طول تدبُّر وتمعُّن زمن أطول.
والتّدبر: هو النّظر في عواقب الأمور وما تؤول إليه، ويكون بالعقل والقلب والنّظر في الأمور الخفية والحكمة وليس النّظرة السّطحية مع الاستفادة والتّطبيق.
﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: اللام للتعليل، وليتذكر أولوا الألباب: أي يحتاجون إلى وقت أطول للتذكر والتّأمل، أمّا لو قال وليذكر أولوا الألباب: أي يحتاجون إلى وقت قصير للتذكر، التّذكر: يكون لأمر يعرفونه سابقاً، أولوا الألباب: أصحاب العقول النّيرة الواعية، والألباب مشتقة من: لب المخ؛ أي: منطقة الإدراك والتّفكير والفهم والبصيرة، ولمزيد من البيان ارجع إلى سورة البقرة الآيتين (١٧٩، ١٩٧)، وسورة الزّمر آية (١٨).
سورة ص [٣٨: ٣٠]
﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾:
﴿وَوَهَبْنَا﴾: الوهب عطاء بدون مقابل، والوهب لا يكون خاضعاً لقانون
стр. 4461
أو أسباب حتّى ولو توفرت؛ لأنّ الأسباب في ذاتها قد تكون هبة، والإنجاب كُلُّهُ يعد هبة من الله تعالى بدون مقابل، في كلّ القرآن.
﴿لِدَاوُودَ﴾: اللام لام الاختصاص.
﴿سُلَيْمَانَ﴾: ابنه سليمان.
﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾: يعني سليمان، نعم: من أفعال المدح العامة.
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.
﴿أَوَّابٌ﴾: كثير الإنابة والرّجوع والتّوبة إلى الله مع الإسراع، لا ينتظر طويلاً. ارجع إلى الآية (١٧) من نفس السورة.
سورة ص [٣٨: ٣١]
﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِىِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾:
﴿إِذْ﴾: ظرف للزمان الماضي.
﴿عُرِضَ عَلَيْهِ﴾: من العرض وهو: الإحضار أمام الرّائي للشّيء المعروض، وهي الجياد، وعليه: تعود على سليمان ﵇؛ أي: أحضرت أمامه الجياد في عرض كالعرض العسكري أو الرّياضي.
﴿بِالْعَشِىِّ﴾: العشي: ما بين الظّهر والمغرب، أو من الزّوال إلى الغروب، وقيل: من العصر إلى الغروب، والباء للإلصاق.
﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾: الصّافنات: جمع صافن وهو الجواد (الحصان) الأصيل العريق الّذي يقف على ثلاث قوائم والرّابعة يقف على طرفها؛ أي: على الحافر أهبة واستعداداً للجري والانطلاق، وتعني السكون عند الوقوف فالصّافن تعني كلا المعنيين.
стр. 4462
الجياد: جمع جواد وهو الفرس القوي السّريع (شديد العدو)، وقد تطلق على الإنسان: السّريع الكرم.
سورة ص [٣٨: ٣٢]
﴿فَقَالَ إِنِّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّى حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾:
﴿فَقَالَ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، قال سليمان ﵇ لنفسه.
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّى﴾: الخير تعني: الصّافنات الجياد؛ أي: آثرت حب الصّافنات الجياد، عن: للمجاوزة والإبعاد، ذكر ربي يعني: صلاة العصر أو نسيت ذكر ربي؛ أي: لم أذكره (أسبّحه أو أحمده) طوال ذلك الزّمن (زمن العرض).
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية.
﴿تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾: حتّى غابت الشّمس عن أعين النّاس أو توارت عن أعين النّاس.
فعندها قام يذكر ربه ويصلي وبعد إتمام ذلك قال ردّوها عليَّ.
سورة ص [٣٨: ٣٣]
﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾:
﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ﴾: أعيدوها عليَّ.
﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾: الفاء: للمباشرة والتعقيب؛ طفق: شرع وبدأ يمسح بيده سُوقها وأعناقها تكريماً لها فقد تبيّن من الدراسات العلمية أنّ سُوقها وأعناقها هي أكثر المناطق حساسية والمسح عليها من أفضل طرق
стр. 4463
ترويض الخيل البري، حيث اتهمها وهي لا ذنب لها بأنّها شغلته عن صلاته أو ذكر ربه.
وما ترشد إليه الآية هو: تجنب الانشغال عن الصّلاة وعن ذكر الله حين يحين وقتها مهما كان الأمر وترك أمور الدّنيا والانتقال من الانشغال بالدّنيا (بالكون) إلى الانشغال بالمكوِّن (وهو الله سبحانه).
وأمّا القول بأنّه شرع طفقاً بالسُّوق والأعناق؛ أي: بالسّيف، فهذا لا يليق بأخلاق النّبوة وهو من الإسرائيليات وغير صحيح.
سورة ص [٣٨: ٣٤]
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾: الفتنة: الاختبار والفتنة: ارجع إلى سورة العنكبوت الآية (٢) الفتنة أشد من الاختبار وأصلها عرض الذّهب على النّار؛ ليتبين درجة جودته من فساده وتكون في الخير والشّر، فتنة سليمان قيل: هي أنه لم يرزقه الله أيّ ولد. رغم الملك الواسع وتسخير الرّيح والجن والقصور والمحاريب.
﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾: الجسد: بدن مع روح بدون نفس؛ فرغم كلّ المحاولات لإنجاب الأطفال لم يستطع، وأخيراً ولدت له إحدى نسائه بوليد غير كامل البناء كأنّه مشلول غير قادر على الحركة، جاءت به المولدة ووضعته على كرسيه؛ أي: عرشه بعد الولادة، وهناك من قال: إن سليمان مرض مرضاً شديداً وضعف جسده بعد أن كان قوياً مسيطراً على الجن وغيرهم، وأراد الله أن يبتليه بالمرض؛ أي: السّقم.
стр. 4464
﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾: ارجع إلى الآية (١٧) من نفس السورة. اعتبر سليمان ﵇ عدم رزقه بولد كامل البنية ابتلاء أو عقوبة على ذنب ارتكبه أو بغير ذنب، أو اعتبر مرضه المضني الّذي أفقده قوته وعافيته ابتلاء أو عقوبة، ثمّ أناب: أي أسرع بالتّوبة والرّجوع إلى الله والاستغفار، ثم: تفيد التّرتيب الذّكري، وقيل: ثمّ أناب؛ رجع إلى حالته الأولى صحيحاً معافى، ثم: قد تفيد التّرتيب والتّراخي في هذه الحالة.
سورة ص [٣٨: ٣٥]
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَا يَنبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِى إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾:
﴿قَالَ﴾: سليمان ﵇.
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِى﴾: بدون استعمال ياء النّداء؛ لأنّه علم أنّ ربه قريب سميع الدّعاء فلم يحتاج إلى ياء النّداء الدّالة على البعد، اغفر لي: اغفر لي ذنبي أو ذنوبي؛ أي: امحوها واعفو عني وتقبل صالح أعمالي.
﴿وَهَبْ لِى مُلْكًا﴾: هب: من الهبة. ارجع إلى الآية (٣٠) لمعرفة معنى الهبة، ملكاً: الملك: استفاضة الملك واتساع المقدور؛ أي: ملكاً أعظم من مُلكي السّابق.
﴿لَا يَنبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِى﴾: لا: النّافية؛ أي: ملكاً لن تعطي أحداً مثله من بعدي، أو قيل: لا يسلبه أحد مني ولم يكن في ملكه يومئذ الرّيح والشّياطين.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾: أنت: ضمير متصل يفيد الحصر والقصر؛ أي: أنت وحدك الوهاب.
﴿الْوَهَّابُ﴾: صيغة مبالغة تدل على كثرة الوهب: العطاء بدون مقابل وبدون
стр. 4465
أسباب، واهب جميع النّعم الباطنة والظّاهرة، دائم الإحسان الّذي شمل ببره وكرمه كلّ الكائنات.
سورة ص [٣٨: ٣٦]
﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾:
﴿فَسَخَّرْنَا﴾: الفاء تدل على المباشرة والتّعقيب، سخرنا: ارجع إلى الآية (١٨) من السّورة نفسها لمعرفة معنى التّسخير؛ وهو التّذليل بصورة عامة، سخرنا: بنون التّعظيم.
﴿لَهُ﴾: اللام لام الاختصاص له خاصة.
﴿الرِّيحَ﴾: أي أضفنا الرّيح إلى ملكه.
﴿تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾: رخاء: لينة هادئة ناعمة أو عاصفة كما في سورة الأنبياء (٨١)؛ أي: لها عدة استعمالات حسب ما يريد من السّرعة، أو يأمرها سليمان.
﴿حَيْثُ﴾: ظرف مكاني.
﴿أَصَابَ﴾: من الصّواب؛ أي: حيث أراد الصّواب، أي السّفر أو القصد أي: النية.
سورة ص [٣٨: ٣٧]
﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾:
﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾: جمع شيطان، والشّياطين: كفَرَة الجن، وسخرنا له الشّياطين: بالإضافة إلى الرّيح استجابة لدعائه: هب لي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي.
﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾: كلّ بناء يحتاجه؛ لكي يبنوا له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجِفان كالجواب وقدور راسيات.
стр. 4466
﴿وَغَوَّاصٍ﴾: في البحار؛ لكي يستخرجوا له الحلية من اللآلئ والمرجان، كلّ بناء وغواص: هؤلاء كانوا من الشّياطين المطيعين له.
سورة ص [٣٨: ٣٨]
﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى الْأَصْفَادِ﴾:
﴿وَآخَرِينَ﴾: أي: شياطين آخرين بالإضافة إلى كل بناء وغواص.
﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ﴾: هم مَرَدة الشّياطين غير الصالحين، مقرونين في الأصفاد، مشدودين في القيود للتأديب والكف عن الفساد.
﴿الْأَصْفَادِ﴾: جمع صفد: السّلسلة أو القيد.
سورة ص [٣٨: ٣٩]
﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾:
﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾: هذا: الهاء للتنبيه، وذا اسم إشارة للقرب يشير إلى الرّيح والشّياطين.
عطاؤنا: العطاء فيه معنى التّملك؛ أي: جعلناه مُلكاً لسليمان بعكس الإيتاء ليس فيه تملك؛ أي: يمكن استرداده، وكل الأمور الّتي أعطيت لسليمان هي من نوع العطاء.
﴿فَامْنُنْ﴾: فأعطِ من تشاء.
﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾: أو امنع وأمسك عمن تشاء.
﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: لا حساب عليك في ذلك العطاء أو الإمساك، فلن نسألك كم أعطيت أو منعت.
стр. 4467
سورة ص [٣٨: ٤٠]
﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَئَابٍ﴾:
ارجع إلى الآية (٢٥) من السّورة نفسها.
سورة ص [٣٨: ٤١]
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾:
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾: من سلالة إسحاق ﵇ أيوب بن أموص بن أروم بن عيص بن إسحاق، واذكر: يا رسول الله لقومك قصة أيوب، أو صبر أيوب على ما ابتلاه الله تعالى، عبدنا أيوب: وصفه بعبدنا تشريفاً له، والعبودية لله تعالى كلها عز وشرف للعبد.
﴿إِذْ﴾: ظرف زماني للماضي بمعنى: حين نادى ربه.
﴿نَادَى رَبَّهُ﴾: النّداء يكون برفع الصّوت، أمّا الدعاء يكون برفع الصّوت أو خفضه.
﴿أَنِّى﴾: للتوكيد.
﴿مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ﴾: المس: هو دون اللمس؛ أي: أدنى درجات اللمس فهو اعتبر الإصابة بالمرض لسنين طويلة لمجرد المسِّ، ونسب المرض والنُّصب والعذاب الّذي يلاقيه إلى الشّيطان تأدباً مع الله سبحانه.
فقد أصابه المرض الشّديد لسنين طويلة، فكان الشّيطان يوسوس له بخواطر السّوء وكيف يحدث له ذلك وهو رسول ونبي ويتركه الله ولا يشفيه! فكانت وساوس الشّيطان تسبب له عذاباً نفسياً شديداً أشد من عذابه البدني، ورغم أنّ الله سبحانه هو ابتلاه بالمرض، فلم يذكر ذلك أبداً تأدباً مع الله تعالى. وفي سورة الأنبياء آية (٨٣) قال: ﴿مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
стр. 4468
﴿بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾: بضم النّون والنُّصب: الضُّر ولم يقل بنَصب بفتح النّون وتعني: التّعب والمشقة كلّ ما أصابه من عمل الشّيطان ووساوسه، وعذاب: نكرة يشمل خسارة الأولاد والمال والفقر وابتعاد النّاس عنه خوفاً من العدوى رغم أنّ مرضه كان غير معدٍ.
سورة ص [٣٨: ٤٢]
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾:
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾: الضّرب أي: اضرب برجلك الأرض؛ أي قلنا له: اضرب برجلك، ويقال: ركض الدّابة: جعلها تركض، إذا ضربها برجليه وهو يركبها ليحثها على السّرعة، فركضَ برجله الأرض فخرج الماء: نبع الماء فاغتسل بالماء ثمّ شرب من النّبع.
﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يشير إلى الماء الّذي هو مغتسلٌ لك وشرابٌ.
﴿مُغْتَسَلٌ﴾: أي ماء تغتسل به فتشفى به من مرضك الجلدي، وكان من غير الأمراض المعدية؛ لأنّ زوجته لم تصب به غير الّذي كان يظنه النّاس.
﴿بَارِدٌ﴾: لماذا بارد؛ لأنّ مرضه الجلدي كان يشعر معه بحكة وألم كالحرق، والحرق حين تضع عليه شيئاً بارداً كان يخفف الألم.
﴿وَشَرَابٌ﴾: شراب لك تشربه.
стр. 4469
سورة ص [٣٨: ٤٣]
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِى الْأَلْبَابِ﴾:
﴿وَوَهَبْنَا﴾: ارجع إلى الآية (٣٠) من السّورة نفسها للبيان.
﴿لَهُ أَهْلَهُ﴾: تقديم "له" يدل على الحصر، أهله: أولاده.
﴿وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾: عاد إليه أهله بعد شفائه من المرض بعد أن ابتعدوا عنه؛ أي: الذّرية، وعادوا بزيادة الضعف من بنين وحفدة (الذّرية: الآباء والأبناء).
﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾: رحمة عامة للمؤمن وغير المؤمن، وأمّا رحمة من عندنا أو من لدنا: فهي رحمة خاصة فقط بالمؤمنين، منا: لأنّ هذه الرّحمة لم تخصه وحده بل شملت أولاده فكانت رحمة عامة، وفي سورة الأنبياء قال تعالى: ﴿رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِنَا﴾ فهذه الرّحمة خاصة بأيوب، ورحمة منا رحمة له ولذريته.
﴿وَذِكْرَى لِأُولِى الْأَلْبَابِ﴾: تذكرة لذوي العقول النّيرة. ارجع إلى الآية (٢٩) من السّورة نفسها للبيان.
وفي سورة الأنبياء قال تعالى: ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ تذكرة للعابدين باللجوء إلى الله والصّبر على ما أصابهم وعدم اليأس، إذن ما حدث لأيوب ذكرى للعابدين بشكل عام وذكرى لأولي الألباب بشكل خاص، أو ذكرى للعابدين، فإن لم يتذكر هؤلاء فعلى الأقل تكون ذكرى لأولي الألباب، ويبدو أنّ الآيات في سورة الأنبياء أخص في سياق تكريم الأنبياء، وسياق الآيات في سورة ص سياق عام.
стр. 4470
سورة ص [٣٨: ٤٤]
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾:
تدل هذه الآية ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾: على أنّ أيوب حلف يميناً على زوجته؛ لأنّها قد فعلت فعلاً وهو مريض أغضب أيوب فدلّه الله سبحانه في هذه الآية كيف يوفي بيمينه ولا يحنث، والحنث: هو الإثم والذّنب.
والحنث في اليمين إذا لم يوف بما حلف عليه يأثم ويذنب، ولذلك يجب الوفاء باليمين المؤكد أو المعقود.
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾: الضّغث: جمعها: أضغاث، وتعني: التداخل وعدم الوضوح؛ أي: مختلطة؛ أي: حزمة من عيدان يابسة أو قضبان أو القش مختلطة ببعضها.
﴿فَاضْرِب بِهِ﴾: أي زوجتك، ولم يبين من يضرب به إكراماً لها؛ لأنّها كانت زوجة صابرة صالحة، فاضرب به ضربة واحدة وانتهى الأمر ويكون قد برَّ بيمينه وخرج من حنثه.
﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾: في يمينك؛ أي لكي لا تأثم بعدم الوفاء بما حلفت به، ولتكون قدوة لمن غيرك في الوفاء والبر بالقسم.
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾: على البلاء.
﴿نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: نِعم من أفعال المدح، العبد: أي أيوب، إنّه: للتوكيد، أوّاب: كثير وسريع الرّجوع إلى الله بالتّوبة والإنابة.
سورة ص [٣٨: ٤٥]
﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِى الْأَيْدِى وَالْأَبْصَارِ﴾:
المناسبة: بعد أن وصّى الله سبحانه رسوله بالصّبر على ما يقوله كفار مكة وذكره:
стр. 4471
أوّلاً: بصبر داود على طاعة الله وعبادته (صيام يوم وإفطار يوم) وقيام الليل.
وبصبر سليمان على ما ابتلاه ربه، ولم يهبه ولداً رغم ملكه العظيم وتسخير الرّيح له والجن.
وبصبر أيوب على ما ابتلاه ربه بالمرض والفقر والأهل.
جاء في هذه الآية ليذكّره بصبر إبراهيم حين ألقي في النّار وحين أمر بذبح ولده.
وبصبر إسحاق في دعوته لبني إسرائيل إلى الإيمان والصّلاح.
وبصبر يعقوب حين فقد ولده وذهب بصره.
وبصبر إسماعيل حين تلَّه للجبين (بالذّبح).
وبصبر اليسع وذي الكفل على أذى بني إسرائيل.
فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: عبادنا: إبراهيم الأب، وإسحاق الابن، ويعقوب ابن الابن (ابن إسحاق) ﵇.
﴿أُولِى الْأَيْدِى وَالْأَبْصَارِ﴾: أولي: أصحاب، الأيدي: جمع يد؛ وتعني القوة والكرم؛ أي: أصحاب القوة في العبادة وطاعة الله والصّبر والإيمان.
والأبصار: أولي البصيرة، أو أصحاب البصائر في الفقه في الدّين والعلم ومعرفة الأحكام.
سورة ص [٣٨: ٤٦]
﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم.
стр. 4472
﴿أَخْلَصْنَاهُم﴾: ميّزناهم بشيء خاص بهم، وأخلصناهم قد تعني: الإخلاص؛ أي: اصطفيناهم وجعلناهم من المخلَصين: بفتح اللام؛ أي: لنا خالصين.
﴿بِخَالِصَةٍ﴾: الباء للإلصاق والدّوام، خالصة: مزيّة صفة لا شائبة فيها وهي ذكرى الدّار؛ أي: دار الآخرة، كثيرو الحديث عن الموت وما بعده والدّار الآخرة والجنة ويذكِّرون النّاس بها.
سورة ص [٣٨: ٤٧]
﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾:
﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ﴾: لمن: اللام للتوكيد، من: ابتدائية بعضية.
﴿الْمُصْطَفَيْنَ﴾: الاصطفاء: هو الاختيار من الأشياء المتشابهة المتناظرة مثل: تختار من نفس الجنس الإنس؛ أي: المختارين من بين النّاس أولاً، والمصطفين من بين المرسلين.
﴿الْأَخْيَارِ﴾: أي هم من خير البرية، اخترناهم للنبوة وحمل الرّسالة، كانوا من الأخيار بإيمانهم بربهم والاستقامة على دينه وشرعه، وبأخلاقهم ومعاملتهم وصبرهم وطاعتهم المثلى.
سورة ص [٣٨: ٤٨]
﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾:
﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ﴾: الرّسول النّبي الحليم ومن الصّابرين على ابتلاء الله بالذّبح، والّذي كان صادق الوعد، وكان من الأخيار يأمر أهله بالصّلاة والزّكاة وكان عند الله مرضياً.
﴿وَالْيَسَعَ﴾: واذكر اليسع من الّذين فضّلنا على العالمين ومن الأخيار، وقد ورد ذكره في آيتين فقط الآية (٨٦) من سورة الأنعام: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وورد ذكره في هذه الآية (٤٨) من سورة
стр. 4473
(ص): ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ ولم يذكر القرآن من هو ولا متى بُعث ولا لمن أرسل.
﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾: ورد ذكره في آيتين فقط أيضاً من الصّابرين ومن الصّالحين ومن الأخيار: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِى رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥ - ٨٦]، ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٨].
وهناك من قال: إنّ ذا الكفل هو ابن أيوب ﵇، وهو الوحيد من بين أولاده أصبح نبياً وسمي ذا الكفل؛ أي: الحظ والنّصيب؛ لأنّه اصطفي للنبوة.
﴿وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾: الواو في كلمة "وكلّ" تدل على هؤلاء وغيرهم؛ أي: كلّ من ذكر داود وسليمان وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذو الكفل وغيرهم من الأنبياء والرّسل من الأخيار، الأخيار: ارجع إلى الآية (٤٧) للبيان.
سورة ص [٣٨: ٤٩]
﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَئَابٍ﴾:
﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب، ذكر: أي هذا ذكر بعض الأنبياء والرّسل. أو شرف وثناء جميل لهم يُذكرون في أقوامهم ومن جاء بعدهم. وقد تعني: هذا من الذّكر الحكيم؛ أي: القرآن لما جرى من ذكر هؤلاء الأنبياء.
﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾: إنّ للتوكيد، للمتقين: اللام للاختصاص والاستحقاق، خاص بالمتقين.
﴿لَحُسْنَ مَئَابٍ﴾: اللام في "لحسن": للتوكيد، مآب: مرجع؛ أي: الجنة، يرجعون إليها بعد البعث والحساب، وهناك فرق بين الإياب والرّجوع، الإياب: يستعمل للرجوع إلى منتهى الغاية أو القصد ويسكن بعدها ويستقر.
стр. 4474
سورة ص [٣٨: ٥٠]
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾:
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: عدن: إقامة واستقرار، إقامة دائمة بلا زوال أو تحوّل.
﴿مُّفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾: مفتّحة: اسم مفعول يدل على المبالغة في فتحها؛ أي: ليلاً ونهاراً دائماً مفتّحة، مفتّحة لهم: تكريماً لهم مفتّحة لا تغلق، ولو قال مفتوحة تعني: تفتح أحياناً وتغلق أحياناً أخرى، وكما جاء في الآية (٧٣) من سورة الزمر: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾؛ أي: وجدوها مفتوحة لهم.
سورة ص [٣٨: ٥١]
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾:
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾: متكئين فيها؛ أي: في جنات عدن على الأرائك، المتكئ: هو ما بين النّائم والجالس، أو ما بين النّائم والقاعد، والاتكاء يدل على الوضع الّذي يأخذ فيه الإنسان راحته كقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرّحمن: ٥٤]، ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِىٍّ حِسَانٍ﴾ [الرّحمن: ٧٦].
﴿يَدْعُونَ فِيهَا﴾: يطلبون فيها (في جنات عدن).
﴿بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾: الباء للإلصاق والدّوام، فاكهة: اسم جنس تشمل كلّ الفواكه مختلفة الأنواع والكثيرة الكمية.
﴿وَشَرَابٍ﴾: من مختلف الأنواع منه ما مزاجه من تسنيم، وشراب مزاجه من كافور، وشراب من عسل مصفى، وشراب من لبن لم يتغير طعمه ومن خمرٍ لذة للشاربين، ولم يذكر الطّعام؛ لأنّ الفاكهة والشّراب للتلذذ والمتعة أمّا الطّعام فلا داعي لذكره؛ لأنّه موجود قبل الفاكهة والشّراب.
سورة ص [٣٨: ٥٢]
﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾:
﴿وَعِندَهُمْ﴾: عند المتقين.
стр. 4475
﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: الطّرف: أي: العين، وفي سورة الصافات: وصفهن بقاصرات الطرف عين؛ قاصرات الطّرف: لا ينظرن إلى غير أزواجهن.
﴿أَتْرَابٌ﴾: جمع تِرب: متساويات في الحسن وفي السّن كلّهن جميلات في سن واحدة، قيل: في سن (٣٠) وحُسن القوام تتقلب في الصّورة الّتي يحبها.
سورة ص [٣٨: ٥٣]
﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾:
﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة ويشير إلى جنات عدن والنّعيم، والفاكهة والشّراب، وقاصرات الطّرف أتراب.
﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الّذي، أو ما مصدرية.
﴿تُوعَدُونَ﴾: من الوعد الّذي يعدكم ربكم يوم القيامة.
﴿لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾: اللام للتوقيت ظرفية زمانية، يوم الحساب: يوم الدّين يوم الجزاء.
سورة ص [٣٨: ٥٤]
﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾:
﴿إِنَّ هَذَا﴾: إنّ للتوكيد، هذا: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يفيد القرب.
﴿لَرِزْقُنَا﴾: اللام للتوكيد، رزقنا: عطاؤنا.
﴿مَا﴾: النّافية.
﴿لَهُ﴾: لرزقنا.
﴿مِنْ نَفَادٍ﴾: أي انقطاع أو فناء (زوال)، من نفد: فني وذهب أو زال أو قل.
سورة ص [٣٨: ٥٥]
﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَئَابٍ﴾:
﴿هَذَا﴾: تعني الكلام السّابق أو المذكور للمتقين.
стр. 4476
﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾: الواو استئنافية، إنّ للتوكيد، للطاغين: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، الطّاغين: جمع طاغٍ: وهو الّذي تعدّى حدود الله وخرج عن طاعة الله تعالى، وتمرّد وأصرّ واستمر بدون أن يتوب، طغوا في الكفر والفساد والضّلال.
﴿لَشَرَّ مَئَابٍ﴾: اللام للتوكيد، شر: أسوأ مآب مرجع أو مآل منقلب، ثمّ فسره بالآية التّالية:
سورة ص [٣٨: ٥٦]
﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾:
﴿جَهَنَّمَ﴾: شر مآب جهنم دركة من دركات النّار، ومشتقة من كونها بعيدة القعر، وما يدل على بعد قعر جهنم ما رواه مسلم في صحيحه، عن أنس بن مالك قال: كنا جلوساً عند رسول الله ﷺ إذا سمع وجبة (صوت سقوط الشيء) كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]،؛ أي: سقطت؛ قال رسول الله ﷺ : «أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: هذا حجر رمي به في جهنم منذ سبعين خريفاً، وهو يهوي فيها الآن حتى انتهى إلى قعرها». ارجع إلى الآية (١٨) من سورة الرّعد لمزيد من البيان.
﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: يدخلونها يقاسون حرها، يحرقوا بها، من: صَلَى اللحم يَصليه: ألقاه في النّار ليشويه
﴿فَبِئْسَ﴾: الفاء للتوكيد، بئس: فعل من أفعال الذّم.
﴿الْمِهَادُ﴾: الفِراش، شبّه ما تحتهم من النّار بالمهد المريح الّذي يُعدّ للوليد ليحميه من الأذى؛ أي: لبئس ما مهدوه لأنفسهم في الدّنيا.
стр. 4477
سورة ص [٣٨: ٥٧]
﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾:
﴿هَذَا﴾: تستعمل في الانتقال من غرض إلى غرض، أو تثنية للغرض الّذي قبله.
﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾: الفاء للتوكيد، ليذوقوه: اللام للتعليل، والهاء تعود على العذاب المتضمن الحميم والغسّاق، من الإذاقة والذّوق فليذوقوا العذاب.
﴿حَمِيمٌ﴾: الحميم: الماء البالغ أقصى درجات الغليان.
﴿وَغَسَّاقٌ﴾: صديد يسيل من أجسام الطّاغين من أهل النّار، غسق الجرح: إذا سال منه ماء أصفر يسمى القيح، غسقت العين: سال دمعها؛ أي: شرابهم الحميم والغسّاق.
سورة ص [٣٨: ٥٨]
﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾:
﴿وَآخَرُ﴾: أي وعذاب آخر كالحميم والغسّاق.
﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾: من ابتدائية، شكله: مثله؛ أي: مثل الحميم والغسّاق في الشّدة والكره.
﴿أَزْوَاجٌ﴾: أصناف وأجناس مثل الزّمهرير وعذاب السّموم وأكل الزّقوم، سأرهقه صعوداً.
سورة ص [٣٨: ٥٩]
﴿هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾:
﴿هَذَا﴾: قد تستعمل للانتقال من غرض إلى غرض، والهاء: للتنبيه، وذا: اسم إشارة يدل على القرب يشير إلى نوح.
﴿فَوْجٌ﴾: الجمع الكثير من الكافرين والضّالّين، وجمعه: أفواج، فوج من
стр. 4478
الأتباع. انظر هذا التّدرج من القلة إلى الكثرة: نفر رهط شرذمة قبيلة عصبة طائفة ثلّة فوج فرقة حزب زمرة فئة جيل.
﴿مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾: المقتحم الدّاخل أو الرّامي بنفسه في جهنم، من: أقحم الفرس في النّهر؛ أي: أدخل الفرس بشدة وبعنف.
فهم يرمون بأنفسهم؛ لأنّهم يضربون بمقامع من حديد فيلقون بأنفسهم في النّار خوفاً من الضّرب بالمقامع من حديد، معكم: أي أيّها الرّؤساء أو المتبوعون.
﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: دعاء يقوله الرّؤساء أو المتبوعون رداً على قول خزنة جهنم: هذا فوج مقتحم معكم، فيقولون: لا مرحباً بهم؛ الرّحب: هو السّعة؛ أي: لاتسعت بهم أمكنتهم ولا رحبت عليهم الأرض أو جهنم، وهذا يدل على انقطاع الصّلة والمودة بين الرّؤساء والأتباع.
ودليل على أنّ جهنم مكان ضيق مطبق غير واسع؛ لكي لا يشعروا بالرّاحة، وهذا نوع آخر من أنواع العذاب.
﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾: إنّهم للتوكيد، صالو النّار: داخلون في النّار ومقاسون حرّها ولهيبها، من: صَلَى اللحم، يصليه؛ أي: يلقيه في النّار ليشويه.
سورة ص [٣٨: ٦٠]
﴿قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾:
﴿قَالُوا﴾: أي الأتباع للرؤساء الّذين لم يرحبوا بهم.
﴿بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾: بل للإضراب الإبطالي؛ أي: أنتم أحق بما قلتم، وعللوا ذلك الرّد بأنّكم أنتم قدمتموه لنا؛ أي: الكفر والضّلال والفساد، أو دعوتمونا إليه بسبب إغوائكم إيّانا وإضلالكم لنا في الدّنيا ولولا أنتم لم نقع فيه.
стр. 4479
﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾: الفاء للتوكيد، بئس: من أفعال الذّم، بئس المقرّ والمآب أو المقام.
سورة ص [٣٨: ٦١]
﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِى النَّارِ﴾:
﴿قَالُوا﴾: أي الأتباع.
﴿رَبَّنَا﴾: اعترفوا وآمنوا بأنّه ربهم، آلآن؟ ويدعوه، فهم يحاولون أن يظهروا بمظهر المظلوم والمغرّر به. قالوا ربنا: حذف ياء النّداء الدّالة على البعد.
﴿مَنْ﴾: شرطية.
﴿قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾: أي من أضلّنا وأغوانا ودعانا للكفر والشّرك، وبالتّالي أوردنا النّار وسبّب لنا هذا العذاب.
﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِى النَّارِ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، زده عذاباً ضعفاً: أي ضاعف له العذاب بأن يصبح ضعفين أو مضاعفاً، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٨٦].
стр. 4480
سورة ص [٣٨: ٦٢]
﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾:
﴿وَقَالُوا﴾: الرّؤساء وقادة الضّلال والشّرك من كفار قريش ومشركيها، قالوا يوم القيامة.
﴿مَا لَنَا﴾: ما للاستفهام، تحمل معنى الإنكار والتّحقير.
﴿لَا نَرَى﴾: في النّار بعد أن نظروا حولهم.
﴿رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾: أين هم أصحاب محمّد ﷺ أمثال بلال وعمار وصهيب وسليمان وخباب الّذين كنا نعدّهم من الأشرار.
من ابتدائية، الأشرار: ضد الأخيار، جمع: أشرّ. اعتبروهم من الأشرار؛ لأنّهم اتبعوا دين محمّد ﷺ وخالفوا دين آبائهم.
سورة ص [٣٨: ٦٣]
﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾:
﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾: قرأ نافع وحفص والجمهور، الهمزة في "أتخذناهم" كهمزة استفهام وحذفوا همزة الوصل، أتخذناهم: الهمزة للاستفهام والإنكار على أنفسهم وتأنيب لها في الاستسخار منهم؛ لأنّهم أدركوا أنّ أصحاب محمّد في الجنة.
﴿سِخْرِيًّا﴾: من السخرية: وهي استنقاص حق من يسخر منه، وأصلها الذّلّة. ارجع إلى الآية (٧٩) من سورة التّوبة للبيان، ولمعرفة الفرق بين سِخرياً: بكسر السين، وسُخرياً: بضم السين؛ ارجع إلى الآية (٣٢) من سورة الزخرف.
﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي، الهمزة للتشكيك.
стр. 4481
﴿زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾: أي كأنّهم ليسوا في النّار معنا، أو هم في النّار معنا ولكن لا نراهم، زاغت عنهم: مالت عنهم الأبصار لم تعد تراهم، عنهم: تفيد المجاوزة والمباعدة، الأبصار: أي الأعين.
ولمقارنة سِخرياً بكسر السّين مع سُخرياً بضم السّين ارجع إلى الآية (٣٢) من سورة الزّخرف للمقارنة.
سورة ص [٣٨: ٦٤]
﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد
﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة، واللام للبعد، ويشير على الّذي أخبرناك به بما يجري من حوار بين الرّؤساء والقادة من أئمّة الكفر والضّلال، والضعفاء أو الأتباع والمتبوعين في النّار.
﴿لَحَقٌّ﴾: اللام للتوكيد، والحق: هو الأمر الثّابت الّذين لا يتغير ولا يتبدل، وكأنّه وقع لا محالة (رغم أنّ السّياق في المستقبل).
﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾: شبّه ما جرى بينهم من سؤال وجواب وحجاج أو جدال بالتّخاصم؛ أي: شعور بنوع من الكراهية والعداوة بينهم.
سورة ص [٣٨: ٦٥]
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾:
﴿قُلْ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ ، قل لكفار مكة والنّاس عامة.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
﴿أَنَا مُنذِرٌ﴾: منذر: اسم فاعل من: أنذر، والإنذار: هو الإعلام مع التّحذير والتّخويف من عقاب الله وعذابه، منذر لكلّ من يكفر بآيات ربه ولقائه وعبادته، منذر لكم من القهار الجبار، والنّذير: كثير الإنذار صيغة مبالغة في الإنذار، ولم يقل: بشيراً ونذيراً؛ لأن الآيات جاءت في سياق جهنم، وذكر النار، والحميم والغساق.
стр. 4482
﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾: الواو عاطفة، ما: النّافية المطلقة؛ أي: الشاملة، من: استغراقية لا وجود لأي آلهة إلا الله.
﴿إِلَّا اللَّهُ﴾: إلا: أداة حصر وقصر، الله: الواحد القهار.
﴿الْوَاحِدُ﴾: الّذي لا شريك له ولا ولد. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) للبيان ومعرفة الفرق بين أحد وواحد.
﴿الْقَهَّارُ﴾: صيغة مبالغة من القهر، والقهر يعني: الغلبة والقدرة كماً وكيفاً؛ أي: القادر على قهر كلّ شيء بقوته وجبروته وعزته وعلمه، والمسيطر على كلّ شيء والخاضع له كلّ شيء، وقد ذكر الاسم الواحد القهار في ست آيات في القرآن.
سورة ص [٣٨: ٦٦]
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾:
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: أي خالق ومالك وحاكم السّموات السّبع والأرض وما بينهما.
﴿الْعَزِيزُ﴾: مشتقة من: العزة، عزة القوة والقهر والغلبة والمنعة، القوي الّذي لا يُقهر ولا يُغلب، والممتنع لا يحتاج لأحد ولا يضره ولا ينفعه أحد.
﴿الْغَفَّارُ﴾: صيغة مبالغة من: غفر، كثير المغفرة، يمحو السّيئات ويغفر الذّنوب جميعاً مهما كثرت أو تعددت إلا الشّرك والكفر، وأما الغفور: أي: دائم المغفرة، ولمعرفة المزيد من الفرق بين غفّار وغفور؛ ارجع إلى سورة طه آية (٨٢).
سورة ص [٣٨: ٦٧]
﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾:
﴿قُلْ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ إلى قومك وإلى النّاس أجمعين.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد؛ ويعني القرآن الكريم.
﴿نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾: النّبأ هو الخبر العظيم، والنبأ: أهم من الخبر، وفيه فائدة
стр. 4483
للناس، ويعني النبأ؛ أي: القرآن الكريم وما فيه من الأنباء والآيات والأحكام والوعد والوعيد وأنباء الرسل والغيب والبعث والوحدانية ولا (إلهٍ إلا الله الواحدُ القهار).
سورة ص [٣٨: ٦٨]
﴿أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾:
﴿أَنتُمْ﴾: للتوكيد، عن: تفيد المجاوزة والابتعاد.
معرضون: أي لا ترغبون في سماعه أو تأبَون سماعه ولا تهتدون به ولا تؤمنون به، وفي الآية توبيخ لهم.
﴿مُعْرِضُونَ﴾: تدل على أنّ الإعراض عندهم أصبح صفة ثابتة فيهم.
سورة ص [٣٨: ٦٩]
﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾:
﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾: ما النّافية، ينفي رسول الله ﷺ عنه بهذه الآية علم الغيب، كان: تشمل كلّ الأزمنة، من علم: استغراقية، أيّ علم، بالملأ الأعلى: أي الملائكة إلا عن طريق الوحي.
﴿إِذْ﴾: ظرف زمان للماضي.
﴿يَخْتَصِمُونَ﴾: ولم يقل إذ اختصموا، يختصمون: للدلالة على حكاية الحال؛ أي: يريد أن يضع فعل يختصمون كأنّه يحدث الآن وأمام مرأى العين، حين اختصموا بعد أن أخبرهم الله سبحانه أنّه جاعلٌ في الأرض خليفة، قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وفي شأن السّجود لآدم وامتناع إبليس. وبيّن نوع الخصام في الآية (٧١) القادمة.
سورة ص [٣٨: ٧٠]
﴿إِنْ يُوحَى إِلَىَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾:
﴿إِنْ﴾: تفسيرية أو نافية.
﴿يُوحَى إِلَىَّ﴾: الوحي لغة: إعلام بالخفاء، وفي الشّرع: ما يُلقي الله سبحانه
стр. 4484
على أنبيائه ورسله من تكاليف وتعاليم دينية وآيات ووعد ووعيد. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣).
﴿إِلَّا﴾: للحصر.
﴿أَنَّمَا﴾: للقصر.
﴿أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: بيّنٌ واضح الإنذار، نذير: صيغة مبالغة من الإنذار، وهو الإعلام مع التّحذير والتّخويف، نذير لكلّ مسلم ولكلّ إنسان، وبيّن الإنذار واضح لا يخفى على أحد ولا يحتاج إلى دليل أو برهان.
سورة ص [٣٨: ٧١]
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّى خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾:
﴿إِذْ﴾: ظرف تعني: واذكر إذ أو إذ بمعنى حين؛ أي: واذكر حين قال ربك للملائكة.
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾: أي آدم، من ابتدائية، طين: يعني تراب + ماء. ارجع إلى سورة الحجر آية (٢٦) للبيان. والدراسات العلمية تشير إلى أن تركيب جسم الإنسان فيه (١٦) عنصراً من عناصر التّربة أو أكثر مثل الصّوديوم والبوتاسيوم والحديد والكلورايد والماغنزيوم والكالسيوم، خالق: بالتّنوين ليدل على الحال أو الاستقبال.
سورة ص [٣٨: ٧٢]
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُّوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾:
ارجع إلى الآية (٢٩) من سورة الحجر للبيان. والسؤال: ما هو الفرق بين: (فقعوا له)، أو (اسجدوا) أو (خروا سجداً)؟
فقعوا له: أي: مباشرة اسجدوا وبسرعة وبدون أي تأخير.
خروا سجداً: هبوط فيه صوت يشبه خرير الماء.
стр. 4485
وأما السجود: فهو السجود المعتاد سجود الصلاة أو التلاوة.
سورة ص [٣٨: ٧٣]
﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾:
ارجع إلى الآية (٣٠) من سورة الحجر للبيان.
سورة ص [٣٨: ٧٤]
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، استثناء منقطع؛ أي: المستثنى ليس من المستثنى منه أي:
﴿إِبْلِيسَ﴾: المستثنى، والمستثنى منه: الملائكة، وهو ليس من جنسهم فهو من الجن وكان مع الملائكة آنذاك، والأمر بالسّجود كان للملائكة وله أيضاً.
﴿اسْتَكْبَرَ﴾: أبى أن يسجد بسبب استكباره، وبيّن سبب استكباره في الآية (٧٦) القادمة، وارجع إلى الآية (٨٧) من سورة البقرة لبيان معنى استكبر وتكبر.
﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: كان لا تعني الزّمن الماضي، فهي تستعمل للحاضر والمستقبل أيضاً، كان بدءاً من تلك اللحظة من الكافرين ومن قبل لم يكن، من ابتدائية، ولم يقل أول الكافرين؛ لأن هناك من سبقه إلى الكفر من شياطين الجن.
سورة ص [٣٨: ٧٥]
﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾:
﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾: ما للاستفهام، وهل سبحانه لا يعلم ما منع إبليس من السّجود ليستفهم؟ طبعاً لا، ولكن هذا نوع من الاستفهام ليظهر للبشر الّذي لدى إبليس من التّكبر الّذي كان سبباً لطرده من الجنة، فلا يفعلوا ما فعل إبليس. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٣٢) من سورة الحجر وهي قوله تعالى: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾، والآية (١٢) من سورة الأعراف وهي قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٢) لبيان الفرق.
﴿أَنْ تَسْجُدَ﴾: أن حرف مصدري للتعليل والتّوكيد، وأصلها أن لا تسجد،
следующие страницы →