Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.
стр. 4481
﴿زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾: أي كأنّهم ليسوا في النّار معنا، أو هم في النّار معنا ولكن لا نراهم، زاغت عنهم: مالت عنهم الأبصار لم تعد تراهم، عنهم: تفيد المجاوزة والمباعدة، الأبصار: أي الأعين.
ولمقارنة سِخرياً بكسر السّين مع سُخرياً بضم السّين ارجع إلى الآية (٣٢) من سورة الزّخرف للمقارنة.
سورة ص [٣٨: ٦٤]
﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد
﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة، واللام للبعد، ويشير على الّذي أخبرناك به بما يجري من حوار بين الرّؤساء والقادة من أئمّة الكفر والضّلال، والضعفاء أو الأتباع والمتبوعين في النّار.
﴿لَحَقٌّ﴾: اللام للتوكيد، والحق: هو الأمر الثّابت الّذين لا يتغير ولا يتبدل، وكأنّه وقع لا محالة (رغم أنّ السّياق في المستقبل).
﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾: شبّه ما جرى بينهم من سؤال وجواب وحجاج أو جدال بالتّخاصم؛ أي: شعور بنوع من الكراهية والعداوة بينهم.
سورة ص [٣٨: ٦٥]
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾:
﴿قُلْ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ ، قل لكفار مكة والنّاس عامة.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
﴿أَنَا مُنذِرٌ﴾: منذر: اسم فاعل من: أنذر، والإنذار: هو الإعلام مع التّحذير والتّخويف من عقاب الله وعذابه، منذر لكلّ من يكفر بآيات ربه ولقائه وعبادته، منذر لكم من القهار الجبار، والنّذير: كثير الإنذار صيغة مبالغة في الإنذار، ولم يقل: بشيراً ونذيراً؛ لأن الآيات جاءت في سياق جهنم، وذكر النار، والحميم والغساق.
стр. 4482
﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾: الواو عاطفة، ما: النّافية المطلقة؛ أي: الشاملة، من: استغراقية لا وجود لأي آلهة إلا الله.
﴿إِلَّا اللَّهُ﴾: إلا: أداة حصر وقصر، الله: الواحد القهار.
﴿الْوَاحِدُ﴾: الّذي لا شريك له ولا ولد. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) للبيان ومعرفة الفرق بين أحد وواحد.
﴿الْقَهَّارُ﴾: صيغة مبالغة من القهر، والقهر يعني: الغلبة والقدرة كماً وكيفاً؛ أي: القادر على قهر كلّ شيء بقوته وجبروته وعزته وعلمه، والمسيطر على كلّ شيء والخاضع له كلّ شيء، وقد ذكر الاسم الواحد القهار في ست آيات في القرآن.
سورة ص [٣٨: ٦٦]
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾:
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: أي خالق ومالك وحاكم السّموات السّبع والأرض وما بينهما.
﴿الْعَزِيزُ﴾: مشتقة من: العزة، عزة القوة والقهر والغلبة والمنعة، القوي الّذي لا يُقهر ولا يُغلب، والممتنع لا يحتاج لأحد ولا يضره ولا ينفعه أحد.
﴿الْغَفَّارُ﴾: صيغة مبالغة من: غفر، كثير المغفرة، يمحو السّيئات ويغفر الذّنوب جميعاً مهما كثرت أو تعددت إلا الشّرك والكفر، وأما الغفور: أي: دائم المغفرة، ولمعرفة المزيد من الفرق بين غفّار وغفور؛ ارجع إلى سورة طه آية (٨٢).
سورة ص [٣٨: ٦٧]
﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾:
﴿قُلْ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ إلى قومك وإلى النّاس أجمعين.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد؛ ويعني القرآن الكريم.
﴿نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾: النّبأ هو الخبر العظيم، والنبأ: أهم من الخبر، وفيه فائدة
стр. 4483
للناس، ويعني النبأ؛ أي: القرآن الكريم وما فيه من الأنباء والآيات والأحكام والوعد والوعيد وأنباء الرسل والغيب والبعث والوحدانية ولا (إلهٍ إلا الله الواحدُ القهار).
سورة ص [٣٨: ٦٨]
﴿أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾:
﴿أَنتُمْ﴾: للتوكيد، عن: تفيد المجاوزة والابتعاد.
معرضون: أي لا ترغبون في سماعه أو تأبَون سماعه ولا تهتدون به ولا تؤمنون به، وفي الآية توبيخ لهم.
﴿مُعْرِضُونَ﴾: تدل على أنّ الإعراض عندهم أصبح صفة ثابتة فيهم.
سورة ص [٣٨: ٦٩]
﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾:
﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾: ما النّافية، ينفي رسول الله ﷺ عنه بهذه الآية علم الغيب، كان: تشمل كلّ الأزمنة، من علم: استغراقية، أيّ علم، بالملأ الأعلى: أي الملائكة إلا عن طريق الوحي.
﴿إِذْ﴾: ظرف زمان للماضي.
﴿يَخْتَصِمُونَ﴾: ولم يقل إذ اختصموا، يختصمون: للدلالة على حكاية الحال؛ أي: يريد أن يضع فعل يختصمون كأنّه يحدث الآن وأمام مرأى العين، حين اختصموا بعد أن أخبرهم الله سبحانه أنّه جاعلٌ في الأرض خليفة، قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وفي شأن السّجود لآدم وامتناع إبليس. وبيّن نوع الخصام في الآية (٧١) القادمة.
سورة ص [٣٨: ٧٠]
﴿إِنْ يُوحَى إِلَىَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾:
﴿إِنْ﴾: تفسيرية أو نافية.
﴿يُوحَى إِلَىَّ﴾: الوحي لغة: إعلام بالخفاء، وفي الشّرع: ما يُلقي الله سبحانه
стр. 4484
على أنبيائه ورسله من تكاليف وتعاليم دينية وآيات ووعد ووعيد. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣).
﴿إِلَّا﴾: للحصر.
﴿أَنَّمَا﴾: للقصر.
﴿أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: بيّنٌ واضح الإنذار، نذير: صيغة مبالغة من الإنذار، وهو الإعلام مع التّحذير والتّخويف، نذير لكلّ مسلم ولكلّ إنسان، وبيّن الإنذار واضح لا يخفى على أحد ولا يحتاج إلى دليل أو برهان.
سورة ص [٣٨: ٧١]
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّى خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾:
﴿إِذْ﴾: ظرف تعني: واذكر إذ أو إذ بمعنى حين؛ أي: واذكر حين قال ربك للملائكة.
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾: أي آدم، من ابتدائية، طين: يعني تراب + ماء. ارجع إلى سورة الحجر آية (٢٦) للبيان. والدراسات العلمية تشير إلى أن تركيب جسم الإنسان فيه (١٦) عنصراً من عناصر التّربة أو أكثر مثل الصّوديوم والبوتاسيوم والحديد والكلورايد والماغنزيوم والكالسيوم، خالق: بالتّنوين ليدل على الحال أو الاستقبال.
سورة ص [٣٨: ٧٢]
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُّوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾:
ارجع إلى الآية (٢٩) من سورة الحجر للبيان. والسؤال: ما هو الفرق بين: (فقعوا له)، أو (اسجدوا) أو (خروا سجداً)؟
فقعوا له: أي: مباشرة اسجدوا وبسرعة وبدون أي تأخير.
خروا سجداً: هبوط فيه صوت يشبه خرير الماء.
стр. 4485
وأما السجود: فهو السجود المعتاد سجود الصلاة أو التلاوة.
سورة ص [٣٨: ٧٣]
﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾:
ارجع إلى الآية (٣٠) من سورة الحجر للبيان.
سورة ص [٣٨: ٧٤]
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، استثناء منقطع؛ أي: المستثنى ليس من المستثنى منه أي:
﴿إِبْلِيسَ﴾: المستثنى، والمستثنى منه: الملائكة، وهو ليس من جنسهم فهو من الجن وكان مع الملائكة آنذاك، والأمر بالسّجود كان للملائكة وله أيضاً.
﴿اسْتَكْبَرَ﴾: أبى أن يسجد بسبب استكباره، وبيّن سبب استكباره في الآية (٧٦) القادمة، وارجع إلى الآية (٨٧) من سورة البقرة لبيان معنى استكبر وتكبر.
﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: كان لا تعني الزّمن الماضي، فهي تستعمل للحاضر والمستقبل أيضاً، كان بدءاً من تلك اللحظة من الكافرين ومن قبل لم يكن، من ابتدائية، ولم يقل أول الكافرين؛ لأن هناك من سبقه إلى الكفر من شياطين الجن.
سورة ص [٣٨: ٧٥]
﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾:
﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾: ما للاستفهام، وهل سبحانه لا يعلم ما منع إبليس من السّجود ليستفهم؟ طبعاً لا، ولكن هذا نوع من الاستفهام ليظهر للبشر الّذي لدى إبليس من التّكبر الّذي كان سبباً لطرده من الجنة، فلا يفعلوا ما فعل إبليس. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٣٢) من سورة الحجر وهي قوله تعالى: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾، والآية (١٢) من سورة الأعراف وهي قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٢) لبيان الفرق.
﴿أَنْ تَسْجُدَ﴾: أن حرف مصدري للتعليل والتّوكيد، وأصلها أن لا تسجد،
стр. 4486
والمانع إمّا أن يكون من الغير "عامل خارجي" مثل القهر والإكراه، وإمّا أن يكون عاملاً داخلياً مثل الكِبر أو التّكبر.
﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾: لما: للذي خلقت بيدي، بيدي: تكريماً له؛ أي: آدم ﵇.
﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾: الألف والسّين والتّاء تعني: الطّلب والهمزة للاستفهام والتّوبيخ والتّقريع لإبليس. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧).
﴿أَمْ﴾ للإضراب الانتقالي.
﴿كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾: قيل: العالين نوع من الملائكة مثل حملة العرش الّذين لم يشملهم الأمر بالسّجود.
سورة ص [٣٨: ٧٦]
﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِنْ نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾:
قال إبليس: أنا خير منه؛ أي: من آدم؛ خلقتني من نار وخلقته من طين، كان من الأفضل لإبليس أن يكتفي بالصّمت بقوله: أنا خير منه، ولكنه يريد أن يخبر أنّ النّار أفضل من الطّين، فهذا كان تصور إبليس وظنه.
سورة ص [٣٨: ٧٧]
﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾:
﴿قَالَ﴾: سبحانه لإبليس.
﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، منها: من الجنة.
﴿فَإِنَّكَ﴾: الفاء تعليلية، إنّك للتوكيد.
стр. 4487
﴿رَجِيمٌ﴾: تعني من المبعدين والمطرودين من رحمة الله ومن كلّ خير، والرّجيم: الملعون والمذموم أو المرجوم بالشّهب الثّاقبة [الصافات: ١٠]، أو الشهب المبينة [الحجر: ١٨].
سورة ص [٣٨: ٧٨]
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾:
﴿وَإِنَّ﴾: الواو عاطفة، إنّ للتوكيد.
﴿عَلَيْكَ لَعْنَتِى﴾: على تفيد الاستعلاء والمشقة، واللعنة تعني: الطّرد من رحمة الله ومن كلّ خير، وقوله: لعنتي ولم يقل ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾ [الحجر: ٣٥] لعنتي أقوى تأكيداً وشدة من قوله: وإنّ عليك اللعنة، ولعنتي تفيد الاستمرار واستبعاد العفو؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (١٦١ - ١٦٢) لمقارنة آيات اللعن في القرآن.
﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾: يوم الحساب والجزاء، ارجع إلى الآية (١٦١) من سورة البقرة؛ للمقارنة والبيان.
سورة ص [٣٨: ٧٩]
﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾:
﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى﴾: قال إبليس: رب فأنظرني: الفاء للتوكيد، أنظرني: أخّرني أو أمهلني، وهذه الآية نفسها ذكرت في سورة الحجر آية (٣٦)، وفي سورة الأعراف آية (١٤)؛ حذف الفاء ﴿قَالَ أَنظِرْنِى إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ والسبب في وجود الفاء في آيتي (ص) والحجر: أنها تعيد السبب (أي: فاء السببية)؛ أي: ما قبلها سبب ما بعدها.
﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: إلى حرف غاية (لعموم الغايات) يوم يبعثون؛ أي: يوم البعث، فهو يريد أن ينجو من نفخة الموت، النّفخة الأولى نفخة الصّعق والموت، ويبقى أحياناً إلى النفخة الثانية (نفخة البعث)، ولم يستجيب الله سبحانه له.
سورة ص [٣٨: ٨٠]
﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾:
﴿قَالَ فَإِنَّكَ﴾: قال تعالى فإنّك: الفاء للمباشرة، إنّك للتوكيد.
﴿مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾: من ابتدائية، المؤخَّرين أو الممهلين إلى يوم الوقت المعلوم حتّى النّفخة الأوّلى.
سورة ص [٣٨: ٨١]
﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾:
﴿إِلَى﴾: حرف غاية لعموم الغايات (بداية أو نهاية أو ما بين ذلك).
стр. 4488
﴿يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾: أي يوم أو وقت النّفخة الأولى نفخة الصّعق والموت حيث تموت كلّ الخلائق.
سورة ص [٣٨: ٨٢]
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾:
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾: قال إبليس، فبعزتك: الفاء: للعطف، وتفيد التوكيد، بعزتك يا رب عن خلقك وغناك عنهم وعن طاعتهم، وأنّك تَقهر ولا تُقهر، وتَغلب ولا تُغلب، ولا يضرك ولا ينفعك أحد من خلقك، فبعزتك: الباء باء القسم، يقسم بعزة الرّب.
﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: اللام لام التّوكيد، والنّون في "أغوينهم" لتأكيد الإغواء، أغوينهم من الإغواء: الإضلال والفساد؛ أي: أغوين عبادك أجمعين. ارجع إلى سورة الحجر آية (٤٢) لمزيد من البيان.
﴿أَجْمَعِينَ﴾: للتوكيد، فلا ينجو أحدٌ من الغواية لن يُستثنى أحدٌ.
سورة ص [٣٨: ٨٣]
﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾: أخلصوا دينهم وطاعتهم لله ووحّدوا الله تعالى وتقبّل الله إخلاصهم فجعلهم من المخلَصين، فهؤلاء لن أقدر على إغوائهم وإضلالهم. ارجع إلى سورة الصّافات آية (٤٠) للبيان.
стр. 4489
سورة ص [٣٨: ٨٤]
﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾:
الاحتمال الأوّل:
﴿قَالَ فَالْحَقُّ﴾: قال تعالى: فالحق: لأملأنّ جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين.
﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾: أي ولا أقول إلا الحق.
الاحتمال الثّاني:
﴿فَالْحَقُّ﴾: قولي، أو الحق مني.
﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾: ولا أقول إلا الحق، أو لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين.
الاحتمال الثّالث:
﴿فَالْحَقُّ﴾: أي أنا الحق.
﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾: لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين، والحق هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير ولا يتبدل.
سورة ص [٣٨: ٨٥]
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾:
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾: اللام للتوكيد، والنّون في "أملأن" لزيادة التّوكيد.
﴿جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾ اسم من أسماء النّار أو دركة من دركاتها. ارجع إلى سورة الحجر آية (٤٣) لمزيد من البيان، والآية (٥٦) من نفس السورة لبيان معنى جهنم.
стр. 4490
منك: من جنس؛ أي: من الشّياطين منك ومن ذريتك.
﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ﴾: أي مَنْ سار على نهجك واتّبع خطواتك ووساوسك وإغواءك.
﴿مِنْهُمْ﴾: من الثّقلين الإنس والجن.
﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد لكلّ من تبعك من ذرية إبليس ومن ذرية آدم.
سورة ص [٣٨: ٨٦]
﴿قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله ﷺ .
﴿مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾: ما النّافية، أسألكم عليه: على تبليغ الوحي أو الرّسالة أو القرآن.
﴿مِنْ أَجْرٍ﴾: من استغراقية تعني: أيّ أجر قليل أو كبير، ولو أدنى الأجر أو أعظم الأجر.
﴿وَمَا أَنَا﴾: تكرار "ما" النّافية يفيد توكيد النّفي.
﴿مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾: المتقوّلين كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ لا أزيد ولا أنقص من الوحي، ارجع إلى قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠] للمقارنة.
سورة ص [٣٨: ٨٧]
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾:
﴿إِنْ﴾: النّافية أقوى نفياً من ما.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد، يعود على القرآن الكريم.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾: ذكر من الله تعالى، من: الذّكر والتّذكير والبيان كقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]، فالقرآن يذكرك بكلّ ما تحتاج إليه في دنياك وآخرتك. ارجع إلى الآية (١) من السّورة نفسها.
стр. 4491
العالمين: اللام لام الاختصاص، العالمين: عالم الإنس وعالم الجن (الثّقلين)، وذكر: أقوى وأشد توكيداً من قوله: ذكرى، يستعمل "ذكر" في سياق الدّعوة والتّبليغ والشرف ورفعة القرآن، وذكرى تستعمل في سياق النّسيان والتّذكير العادي، ولا ننسى بداية السّورة (ص) وهي قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِى الذِّكْرِ﴾ وختام السّورة قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ مما يدل على أن القرآن كأنه عقد واحد نظمت آياته وسوره على أكمل وجه في الاتصال المحكم الوثيق يدل على عظمة الخالق وقدرته وعلمه وأنه المعجزة الخالدة إلى يوم القيامة.
سورة ص [٣٨: ٨٨]
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾:
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾: الواو عاطفة، لتعلمن: اللام لام التّوكيد، والنّون في "تعلمن" لزيادة التّوكيد.
﴿نَبَأَهُ﴾: صدق أخباره وصدق ما وعد به، وصدق وعيده وما ذكر فيه، وصدق ما جاء به محمّد ﷺ .
﴿بَعْدَ حِينٍ﴾: بعد: ظرف للزمان والمكان، حين: ظرف للزمان غير محدد الزّمن، وقد يطول أو يقصر.
لتعرفن دلالة هذه الآيات وهذه الألفاظ بعد حين قد يطول أو يقصر، وتعني: لن تعرفوا دلالاتها كاملة في زمن واحد؛ لأنّ دلالات هذه الآيات قد يتضح معناها شيئاً شيئاً مع اتساع معرفة الإنسان، وليبقى القرآن فوق كلّ هذه المعرفة مهما اتسعت دوائرها وحتّى لا تنقضي عجائبه، ولمعرفة الفرق بين الحين والدّهر: الدّهر هو أوقات متوالية مختلفة.
стр. 4492
سورة الزمر [٣٩: ١]
سورة الزمر
سورة الزّمر [الآيات ١ - ٥]
ترتيبها في القرآن الكريم رقم (٣٩) أمّا ترتيب نزولها فكان (٥٩).
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾:
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾: التّنزيل يدل على النّزول على دفعات، تنزيلُ: والإنزال: يدل على النّزول جملة واحدة (دفعة واحدة). ونزل أو أنزل تدل من أعلى إلى أسفل.
وتدل على شرف المنزّل، وهو الله وعلو مكانته، وعلى شرف ما أُنزل (وهو الكتاب) وعلى شرف المُنزل عليه أو إليه (وهو رسول الله ﷺ .
ونزل عليك حين يكون المخاطب رسول الله ﷺ في شأن خاص به ﷺ ، ونزل إليك (إلى تفيد عموم الغايات) وتفيد النهاية، أيْ: أن ينتهي إلى النّاس كافة. أيْ: بداية عليك ونهاية إلى النّاس.
وكما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشّعراء: ١٩٢ ـ ١٩٤].
﴿الْكِتَابِ﴾: أي: القرآن الكريم سُمِّي الكتاب؛ لأنّه مكتوب في السّطور، وسُمِّي القرآن؛ لأنّه مقروء ومحفوظ في الصّدور، وجاء بأل التّعريف للدلالة على أنّه الكتاب الكامل التّام. ارجع إلى الآية (٢) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
стр. 4493
﴿مِنَ اللَّهِ﴾: الله: اسم علم يدل على واجب الوجود ارجع إلى سورة النّمل آية (٢٦) للبيان.
﴿الْعَزِيزِ﴾: مشتقة من العزة عزة القوة والمنعة والقهر والغلبة فهو القوي الممتنع الغني عن خلقه لا يضره أحد ولا ينفعه أحد، القوي الّذي يَقهر ولا يُقهر ويَغلب ولا يُغلب.
﴿الْحَكِيمِ﴾: مشتقة من الحكم فهو أحكم الحاكمين، ومن الحكمة فهو أحكم الحكماء، الحكيم في تدبير خلقه وكونه وشرعه. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان.
سورة الزمر [٣٩: ٢]
﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم.
﴿أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾: أنزلنا، أيْ: جملة واحدة دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا، إليك: تفيد الانتهاء، إليه تستعمل لعموم الغايات، وتستعمل عادة في الأمور التي لا تختص بالدعوة، وعليك: تفيد المشقة والعلو، وتستعمل في سياق الدعوة والتبليغ. ارجع إلى الآية (٤) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
﴿الْكِتَابَ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (١) وارجع إلى الآية (٢) من سورة البقرة لمزيد من البيان والآية (٤١) من نفس السّورة.
﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق، أيْ: أنزلناه بالحق، الحق هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتبدل ولا يتغير وليس هناك غيره، أيْ: أنزلناه بالحق بداية وظل على الحق لم يتغيَّر ولم يتبدَّل وسيظل إلى يوم يُرفع من الأرض، والباء تدل على الإلصاق والملازمة كقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢].
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
стр. 4494
﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾: فاعبد: العبادة طاعة العابد للمعبود (أي: الله سبحانه) فيما أمر به وفيما نهى عنه والعبادة لها منهج ولها جزاء ولا تكون إلا للخالق وحده، وحسب ما أراده وتعني: الخضوع مع المعرفة بالمعبود. ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣) لمزيد من البيان.
﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾: الفاء لبيان العلة (أي: اعبد الله وحده، أو اعبده موحِّداً إياه لا تشرك به شيئاً).
﴿لَهُ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، له: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر.
﴿الدِّينَ﴾: له وحده العبادة والطّاعة والدّين ما يطاع به المعبود، ويشمل جملة الشرائع، أو الشرعة (ما ورد في القرآن) ويشمل المنهاج (ما ورد في السنة). ارجع إلى سورة البقرة آية (١٣٢) لمزيد من البيان في معنى الدِّين.
سورة الزمر [٣٩: ٣]
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾:
﴿أَلَا﴾: أداة تنبيه.
﴿لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾: لله الجار والمجرور يفيد الحصر له وحده الدِّين الخالص من أيِّ شائبة مثل الشّرك والولد والنّد والمثيل والرّياء، لله الدّين الخالص: لأنّه هو وحدهُ الّذي شرعه وهو الّذي يجزي عليه.
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾: والّذين عبدوا من دونه: من غيره (من غير الله أولياء: كالأوثان والأصنام والملائكة وعيسى وعزير).
стр. 4495
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾: أيْ: يقولون: ما نعبدهم (ما نعبدهم ما النّافية)، أو قائلين ما نعبدهم.
﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾: إلا أداة حصر، ليقربونا: اللام للتوكيد يقربونا عند الله زلفى: قربى أيْ: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله بالشّفاعة لنا.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: إن للتوكيد، يحكم بينهم: بين الّذين اتخذوا من دونه أولياء والأولياء، أيْ: بين المشركين وأوليائهم مثل الأصنام والآلهة وعيسى والملائكة وبين الموحدين والمشركين وبين الأمم والخلائق. والحكم أو القضاء يتم بين أفراد الأمة الواحدة، أو الملة الواحدة، بينما الفصل يتم بين الأمم المختلفة أو الملل.
﴿فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: من أمر الدّين والتّوحيد وعيسى ﵇، ولم يقل: فيما كانوا فيه يختلفون؛ لأنّه سياق الآية في الدّنيا وليس في الآخرة.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾: إن الله: للتوكيد، لا يهدي: لا النّافية، يهدي، من: ابتدائية استغراقية، من هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد، كاذب: أيْ: مفتر على الله الكذب يقول لله ولد أو يتخذ أصناماً آلهة لتشفع له أو تقربه عند الله زلفى.
كاذب: أي: الكذب صفة ثابتة فيه دائم الكذب.
كَفار: كثير الكفر صيغة مبالغة، وكفار: تدل على الاسم والكثرة، ولو قال: لا يهدي الكافرين؛ الكافرين، أو الكافرون: تدل على الحدث؛ أي: الفعل.
أيْ: لا يوفق ولا يُعين هؤلاء الّذين أرادوا الضّلالة لأنفسهم وأصروا عليها، على الرّجوع عنها، والعودة إلى الهداية والصّراط المستقيم.
стр. 4496
سورة الزمر [٣٩: ٤]
﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾:
﴿لَّوْ﴾: حرف امتناع لامتناع، امتناع وقوع الجواب لامتناع وقوع الشّرط.
﴿أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾: فالله سبحانه لم يرد أن يتخذ ولداً أصلاً ولا حتّى على سبيل الافتراض، ولو أراد ذلك لقال: كن فيكون (أيْ: وقع ما أراد).
﴿لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد، اصطفى: اختار، مما: من +ما، يخلق ما يشاء. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٤٤) لمزيد من البيان في معنى الاصطفاء، والفرق بين الاصطفاء والاختيار والاجتباء.
﴿سُبْحَانَهُ﴾: أيْ: أنزهه من كلّ شريك وندٍّ ومثيل وولد، ومن كلّ ما لا يليق بذاته وصفاته وأفعاله. ارجع إلى سورة الإسراء آية (١)، وسورة الحديد آية (١) لمزيد من البيان في التسبيح.
﴿هُوَ اللَّهُ﴾: هو ضمير فصل يفيد الحصر والتّوكيد، الله: واجب الوجود.
﴿الْوَاحِدُ﴾: لا ثاني له ولا شريك له ولا ولد ولا ولي، وكذلك هو أحد، أيْ: لا مثيل له، ليس كمثله شيء لا مثيل ولا ندَّ. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) لمزيد من البيان، ومعرفة الفرق بين أحد وواحد.
﴿الْقَهَّارُ﴾: صيغة مبالغة من قهر؛ أيْ: ذلَّت له جميع المخلوقات والكائنات؛ لأنّه هو القوي العزيز الجبار؛ فلا يحدث أي شيء في العالمين إلا بإذنه، وجميع الخلائق فقراء إليه. ارجع إلى سورة ص آية (٦٥) لمزيد من البيان.
سورة الزمر [٣٩: ٥]
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾:
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: الحق الشّيء الثّابت الّذي لا يتغيَّر
стр. 4497
فالسّموات والأرض ثابتة لا تتغير في تركيبها وبعدها ومدارها ودورانها. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (١٨) للبيان، وارجع إلى سورة الأنبياء آية (٣٠)، وسورة فصلت آية (٩ - ١٢)، وسورة الأعراف آية (٥٤) لبيان كيفية كان الخلق.
﴿يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ﴾: وهذه الآية تشير أنّ الأرض كروية الشّكل وتدور حول نفسها وحول الشّمس فالنصف المقابل للشّمس يضيء بسبب الطّبقة الغازية المحيطة بالأرض والّتي تضيء بحزمة من أشعة الشّمس فتسبب النّهار، وتكون طبقة الضّياء مكورة لطبقة الظّلام بينما النّصف غير مقابل للشّمس تكون فيه طبقة الظّلام مكورة طبقة النّهار غير المضيئة بأشعة الشّمس (فيكون الليل سائد في ذلك النّصف من الكرة الأرضية).
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: ارجع إلى سورة فاطر آية (١٣) للبيان وسورة الأعراف آية (٥٤) وسورة يونس آية (٥).
﴿أَلَا هُوَ﴾: أداة تنبيه وافتتاح.
﴿الْعَزِيزُ﴾: ارجع إلى الآية (٦٦) من سورة (ص) للبيان.
﴿الْغَفَّارُ﴾: ارجع إلى الآية (٦٦) من سورة (ص) للبيان.
وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إشارة إلى حتمية فناء الكون ونهاية الشّمس والقمر، وكل مخلوق له أجل مسمّىً، ومنها الجمادات والنّباتات فكل مخلوق له بداية ونهاية.
стр. 4498
سورة الزّمر [الآيات ٦ - ١٠]
سورة الزمر [٣٩: ٦]
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِى ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾:
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: أيْ: خلقَ آدم وخلقَ حواء وخلق كلّ باقي الإنس من نفس واحدة، أيْ: من ذات واحدة من أصل واحد. ارجع إلى سورة النّساء آية (١) والأعراف آية (١٨٩) للبيان.
﴿ثُمَّ﴾ ليست للترتيب والتّراخي، وإنما للتباين في الصّفات، أيْ: رغم أن النّفوس متشابهة في الأصل تبقى مختلفة في الطباع والفطرة، مثل تغليب العاطفة على العقل في الأنثى بشكل عام، ومن ناحية الحب والكراهية وغيرها.
﴿جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: الجعل هو مرحلة بعد الخلق؛ أي: خلقه ثم جعله، والجعل من جعل؛ أي: صيَّر.
﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾: وأنزل لكم: أي: خلق لكم من الأنعام ثمانية أزواج، والإنزال يجب أن لا ينظر إليه كجهة فقط فالإنزال قد يأتي بمعنى إنزال الماء (المطر) الّذي يسبب النّبات والعشب الّذي تعيش وتتغذَّى به الأنعام فهو سبب عيشها، أو بمعنى أنزل الشّفرة أو الصّفات الوراثية لهذه الأنعام بأن جعل لكلّ زوج صفاته الخاصة به، وقد تعني: أنزلها من جنة أخرى، ولا تعني: جنة الخلد التي في السماء إنما جنة مثل جنة آدم. (جنة على الأرض)، والله أعلم.
стр. 4499
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾: من الضّأن اثنين ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين. ارجع إلى سور الأنعام آية (١٤٣).
﴿يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾: يخلقكم في بطون أمهاتكم من نطفة، ثم من علقة، ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة، ثم مرحلة العظام، ثم يكسو العظام لحماً.
﴿فِى ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾: قيل ظلمة البطن (جدار البطن)، وظلمة الرّحم (جدار الرّحم)، وظلمة الأغشية المحيطة بالجنين الغشاء غشاء المشيمة، والغشاء الأميونسي، وقيل: الظّلمات الثّلاثة: ظلمة جدار الرّحم وظلمة الغشاء الأميونسي والغشاء الكريوني، وسُمِّيت ظلمة لعدم وجود النّور مثل ظلمة الليل، والظّلمة قد تعني: السّكون والهدوء (في الرّحم).
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾: ذلكم: ذا اسم إشارة واللام للبعد والتّعظيم والكاف للمخاطب، أي: الّذي خلقكم في ظلمات ثلاث وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج هو الله ربكم، فهذا الخلق والقدرة تدل على عظمته ووحدانيَّته، ولذلك بدأ بقوله: (الله) أي: المعبود والإله الحقيقي الّذي يستحق العبادة وحدَه؛ لأنه خلقكم وأنزل لكم من الأنعام.
﴿رَبُّكُمْ﴾: الّذي خلقكم ورزقكم ومربيكم ومدبِّر أموركم، فجمع الألوهية والرّبوبية معاً في هذه الآية. وذلكم: تفيد التعظيم، وأوسع معنى للجمع من ذلك وآكد.
﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾: له تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، له: اللام لام الاختصاص، له الملك: له الحكم والملك (فهو الحاكم والمالك).
стр. 4500
﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾: أنى: تعني كيف ومن أين وتعني الاستفهام الإنكاري والتّعجب من انصرافهم عن عبادة الله الإله الحق إلى عبادة غيره أو انصرافهم عن الحق إلى الباطل، ومن التّوحيد إلى الشّرك، رغم هذه الأدلة والبراهين القاطعة.
سورة الزمر [٣٩: ٧]
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾:
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والنّدرة.
﴿تَكْفُرُوا﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط إن الله: للتوكيد. ارجع إلى سورة البقرة آية (٦) لبيان معنى الكفر.
﴿غَنِىٌّ عَنكُمْ﴾: أيْ: غني عن إيمانكم وعبادتكم وغني تعني: لا حاجة به إليكم.
﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾: ورغم كونه غنياً عنكم وعن إيمانكم فهو لا يحب أن تكونوا كافرين رحمةً بكم؛ لأنّكم من خلقه ولا يريد أن يعذبكم.
لعباده: اللام لام الاختصاص.
الكفر هو السّتر ويعني: الجحود بوجوده والإيمان به أو عبادته أو بنعمه عليكم.
﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾: إن شرطية تفيد القلَّة والنّدرة.
وإن تؤمنوا بربكم وتطيعوه وتستجيبوا له يرضه لكم، الرّضا القبول أن يقبل
стр. 4501
منكم، ولم يقل: وإن تؤمنوا بربكم قال: وإن تشكروا؛ لأنّ الإيمان والطّاعة من مظاهر الشّكر له، وإن تشكروا الله على نعمه الّتي لا تعد ولا تحصى وعلى نعمة الإيمان والإسلام يرضه لكم.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: لا: النافية، ولا تزر: ولا تحمل أو تتحمَّل، الوزر: الحمل ويعني: الذّنب والإثم، ولا النّافية.
وازرة؛ أي: نفس وازرة آثمة، وزر أخرى: ذنب أو إثم أو جرم نفس أخرى فكل إنسان مجزيٌّ بعمله، أيْ: لا تحمل نفس آثمة ذنب نفس أخرى، ويبدأ ذلك من زمن التّكليف، وعلى شرط أن لا تكون سبباً في إضلال النّفس الأخرى فعندها يتعدَّى ظلم النّفس إلى ظلم نفس الأخرى عندها تتحمَّل إثمها وإثم النّفس الأخرى، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣].
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ﴾: وإن لم تؤمنوا بربكم فاعلموا أنكم سترجعون إليه وستجزون على كفركم، ثم: للترتيب والتّراخي في الزّمن.
إلى ربكم مرجعكم: إلى ربكم تقديمها يفيد الحصر والقصر إليه وحده مرجعكم، وإلى تفيد عموم الغايات، أيْ: بعد البعث ترجعون إليه للحساب والجزاء.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، ينبئكم: يخبركم ويطلعكم على سجل أعمالكم في الدّنيا. وينبئكم مشتقة من النّبأ وهو الخبر العظيم الّذي يعني أعمالكم.
﴿بِمَا كُنتُمْ﴾: الباء للإلصاق، ما اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية.
стр. 4502
﴿تَعْمَلُونَ﴾: في الدّنيا وتعملون تشمل الأقوال والأفعال.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: إنه: إن: تفيد التّوكيد، عليم: صيغة مبالغة كثير العلم أن يعلم ما تسرون وما تعلنون وما تبدون وما تكتمون ويعلم السّر وأخفى، ويعلم خفايا صدوركم، وما يجول في خواطركم وقلوبكم على الدّوام وما يسكن فيها من الأسرار.
سورة الزمر [٣٩: ٨]
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: الواو استئنافية، إذا: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث وكثرة الحدوث.
﴿مَسَّ الْإِنسَانَ﴾: المس يأتي للضر وغير الضر، يأتي مع الرحمة ويأتي مع العذاب.
ضُر: بضم الضّاد، الضُّر بالضّم يعني: الهزال وسوء الصّحة، أي: المرض وسوء الحال.
أمّا الضَّر بفتح الضّاد فضد النّفع، أيْ: ما تضر به غيرك وتنفع به نفسك مع عدم علمه بأنّك تضره. ولنقارن معنى الضُّر مع السّوء والكرب.
السّوء: ما يسيء إلى النّفس مع العلم به.
والكرب: هو المكروه أو العذاب أو الضّر الّذي لا تملك أو تستطيع دفعه عن نفسك ولا أحد آخر إلا الله وحده. ارجع إلى الصّافات آية (٧٦) للبيان.
﴿دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾: دعا: من الدّعاء، دعا ربه خالقه ورازقه ومدبر أمره
стр. 4503
ليكشف عنه الضّر، وأقبل على ربه وتضرع إليه بذل وانكسار وتاب إليه، ووعد ربه بالاستقامة والرّجوع عن ذنبه والإيمان.
﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ﴾: ثم: تفيد التّباين بين موقف دعا ربه منيباً إليه وكونه نسي ما كان يدعو إليه من قبل، أو ثم تفيد التّراخي في الزّمن والتّرتيب، أيْ: بعد مدة طويلة.
﴿إِذَا﴾: شرطية تفيد حتمية الحدوث وبكثرة.
﴿خَوَّلَهُ﴾: أعطاه وملَّكه نعمه من دون عوض.
﴿نِعْمَةً مِّنْهُ﴾: النّعمة هي ما يهبه الله لعبده من خير يجلب له المسرة ويدفع عنه المضرة، نعمة منه: نعمة جاءت بصيغة النّكرة لتشمل كلّ أنواع النّعم من الصّحة والمال والغنى والأهل والأمن والطّعام والشّراب وغيرها.
نعمة بالتّاء المربوطة، ولم يقل: نعمت بالتّاء المفتوحة؛ فتدل على نعمة ظاهرة للعيان، وليست خفية أو عامة للبشر. ولو جاءت بالتّاء المفتوحة نعمت لدلَّت على أنّها نعمة خاصة أو لا يمكن إحصاؤها، وخاصة بالمؤمنين. نعمة منه: أي: نعمة عامة تخص المؤمن أو الكافر، أو الصالح والطالح، ولم يقل نعمة من عندنا، أو من لدنا التي تخص فقط المؤمنين والأولياء الصالحين، أو الأنبياء والرسل.
﴿نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾: نسي: تعني: نسي من كشف عنه الضّر وأنقذه وهو ما زال يذكر ضره وبليته ولا ينساها، أو نسي ما أصابه من ضر وبلية ونسي من كشف عنه الضّر وأنقذه، أيْ: نسي كلّ شيء.
стр. 4504
﴿مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ﴾: ما للعاقل وغير العاقل، أيْ: عامة وتعني: الّذي أو مصدرية.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أيْ: حين أصابه الضّر.
فهذا الإنسان ابتلاه ربه فأصابه الضّر، فدعا ربه فكشف عنه ضره، ثم خوَّله ربه نعمة بعد ضره فنسي ما أصابه من ضر، وفرح بها وراح يشرك بالله بدلاً من أن يشكر ربه ويتوب إليه ويستقيم إيمانه.
﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا﴾: بدلاً من شكر النّعم والاستقامة اتخذ لله أنداداً، النّد: هو المثيل والنّظير، أيْ: جعل لله تعالى شركاء، أيْ: أشرك بالله تعالى. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٢) لمزيد من البيان.
﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: اللام للتعليل، عن سبيله: عن دين الله وشرعه، يُضل: أيْ: يضل نفسه ويُضل غيره عن دين الله وهو الإسلام والتّوحيد.
﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾: قل يا رسول الله له: تمتع بكفرك: التّمتع: الانتفاع والتّلذُّذ العاجل، بكفرك: الباء للإلصاق واللزوم.
الكفر قد تعني جحود نعمة الله وسترها وعدم شكر المنعم، أو كفر العقيدة والإيمان، أيْ: تمتع بالشّرك وعبادة الأصنام وغيرها.
﴿قَلِيلًا﴾: أيْ: زمناً قليلاً بقية أجلك (متاع موقوت بالدّنيا أو مدة حياته) ومهما طال فهو قليل بالنّسبة للآخرة.
﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾: إن للتوكيد، من: ابتدائية.
﴿أَصْحَابِ النَّارِ﴾: أصحاب جمع صاحب، وصاحب مشتقة من الصّحبة
стр. 4505
وتعني: الملازمة فهم لا يفارقونها وهي لا تفارقهم. وفي الآية تهديد ووعيد لهؤلاء الّذين يفعلون مثل ذلك.
سورة الزمر [٣٩: ٩]
﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾:
﴿أَمَّنْ﴾: أصلها أم + من أدغمت أم في من (اسم موصول) أمن الهمزة للاستفهام والتّقرير والتّخيير بين أمرين، وأم قد تكون للإضراب الانتقالي والاستفهام جوابه محذوف ليشمل كلّ الاحتمالات.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿قَانِتٌ﴾: من القنوت، أي: الطّاعة والدّعاء، قانت مطيع لله.
وقد تعني دائم الخضوع والعبادة، وتشمل في معناها الخشوع والدّعاء والخشوع غير القنوت. ارجع إلى سورة المؤمنون آية (٢) للبيان.
﴿آنَاءَ الَّيْلِ﴾: آناء جمع إنُو، أيْ: جزء من الليل، أو آناء الليل ساعات الليل ومن حيث التّصرف أأناء قلبت الهمزة إلى مد والواو إلى همزة فصارت أناء.
﴿سَاجِدًا﴾: في صلاته أو مصلياً، السّجود جزء من الصّلاة عبَّر عن الكل بالجزء.
﴿وَقَائِمًا﴾: في صلاته يتلو آيات ربه ويدعوه.
﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾: يحذر: يخاف عذاب الآخرة والحذر هو الحيطة.
﴿وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾: مغفرته وجنته، يرجو يأمل ويطلب منه النّجاة من النّار.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ :
стр. 4506
﴿هَلْ﴾: للاستفهام وتفيد النّفي.
﴿يَسْتَوِى﴾: من الاستواء في الجزاء والثّواب والعلم والجهل.
﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾: أيْ: علماء الدّين والفقه والشّرع والأحكام.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: الغافلون الجاهلون عن الآخرة، وإن كانوا يعلمون ظاهراً من الحياة الدّنيا علوم الدّنيا.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة تفيد التّوكيد.
﴿يَتَذَكَّرُ﴾: من التّذكر، وتعني: هذا الشّيء معلوم في السّابق ويتذكره أولو الألباب.
﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أصحاب العقول النّيرة المؤمنة الموحدة. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٧٩، ١٩٧).
سورة الزمر [٣٩: ١٠]
﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾:
بعد نفي المساواة بين الّذين يعلمون والّذين لا يعلمون، يعظ الله رسولَه بأن يذكر الّذين آمنوا بالتّقوى والهجرة والصّبر.
﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله ﷺ هذا، أو قل لهم: يناديكم ربكم بهذا النّداء.
﴿يَاعِبَادِ﴾: يا أداة نداء للبعد، عبادِ: أي: الّذين آمنوا واختاروا طريق الإيمان، وهناك فرق ين عباد وعبادي وعبيد؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (١٨٦) لمعرفة الاختلاف بينها، والآية (١٧) من نفس السورة.
﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾: بطاعة وامتثال أوامر ربكم وتجنب نواهيه اتقوا غضب
стр. 4507
وسخط ربكم واتقوا القهار الجبار واتقوا ناره واتقوا ربكم: استقيموا على طاعة وامتثال أوامر وتجنب نواهيه.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾: اللام لام الاختصاص، الّذين أحسنوا: الّذين تجاوزوا درجة التّقوى وساروا في طريق الإحسان وأحسنوا العمل بالطّاعة والعبادة إحسان الكم وإحسان الكيف وإحسانهم لم يعد مقتصراً عليهم، بل تعداهم إلى غيرهم والّذين عبدوا الله كأنّهم يرونه، وتعريف الإحسان ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة للبيان.
﴿فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾: في ظرفية، هذه: الهاء للتنبيه، وذا اسم إشارة يشير إلى دار الدّنيا.
حسنة: جاءت بصيغة التّنكير للتعظيم وللدلالة على الكمال ولتشمل أيَّ حسنة، ومنها الصّحة والعافية والغنى والأمن والأهل والنّصر والعزة والعلم وغيرها، وحسنة قد تعني: الجنة أو الدار الأخرة، وقد تعني: في الدنيا والأخرة معاً.
ولمعرفة معنى الحسنة ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٠١).
﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾: وما علاقة أرض الله واسعة بالتّقوى، تعني: إذا لم تتمكَّنوا من إقامة شعائر الدّين والتّقوى في بلدكم فهاجروا إلى أرض أخرى فالأرض جميعها هي أرض الله، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النّساء: ٩٧].
وقيل: أرض الله الواسعة: قد تعني أرض الجنة.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
стр. 4508
﴿يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾: يوفى: أي يعطوا أجرهم بغير حساب، الصّابرون لها معانٍ عدة منها: الصابرون الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه إلا إلى الخالق، والصّابرون على مفارقة أوطانهم والهجرة في سبيل الله، أو الصّابرون في بلادهم على أذى الكفار والمشركين وعدم تمكُّنهم من الهجرة؛ لأنه سبق هذا ذكر وأرض الله واسعة التي تدل على الهجرة، والصّابرون على طاعة الله وتجنُّب معاصيه مثل الصّلاة والصّيام والدّعوة إلى الله، والصّابرون على البلاء ومنها فتنة الدّين وإعلاء كلمة الله. والصابرون: جملة اسمية تدل على الثبات؛ أي: صبرهم دائم ومستمر، وتختلف عن الذين صبروا التي تدل على التجدد والتكرار.
فهؤلاء وغيرهم يوفَّون أجرهم بغير حساب فلا ينصب لهم ميزان ولا يُنشر لهم ديوان، فلم تعد الحسنة بعشر أمثالها ولا بـ (٧٠) ضعفاً أو (٧٠٠) ضعف، بل أكثر من ذلك بكثير ولا يعلم مقدار أجرهم إلا الله الّذي أعطاهم إياه، وقد يكونوا من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب.
стр. 4509
سورة الزّمر [الآيات ١١ - ٢١]
سورة الزمر [٣٩: ١١]
﴿قُلْ إِنِّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾:
﴿قُلْ﴾: يا رسول الله ﷺ لهم، لقومك:
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿أُمِرْتُ﴾: بواسطة الوحي.
﴿أَنْ﴾: تفيد التّعليل والتّوكيد.
﴿أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾: أي: اعبده عبادة خالصة لله وحده من غير شرك أو رياء، أو اعبد الله وحدَه لا شريك له؛ أي: عقيدةً، والآية (١٢) ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي: في الفرائض والتكاليف.
مخلصاً: أيْ: موحِّداً، توحيد الألوهية والرّبوبية والصّفات والأسماء له: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر له وحده.
الدّين: يشمل الشّرعة والمنهج (الأحكام والكتاب والسّنة). ارجع إلى سورة البقرة آية (١٣٢) للبيان، ومخلصاً له الدين مقارنة بقوله تعالى في الآية (١٤) في نفس السورة مخلصاً له ديني؛ لأن عبادة الله بإخلاص مأمور بها كل عبد، أي: وليست خاصة برسول الله ﷺ وحده.
стр. 4510
سورة الزمر [٣٩: ١٢]
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾:
﴿وَأُمِرْتُ﴾: تكرار أمرت للتوكيد ولفصل الأمر الأوّل عن الثّاني، فالأمر الأول بالإخلاص والأمر الثّاني بالسّبق ليكون أول المسلمين منزلة في الفرائض والتكاليف كالصلاة، والزكاة، والصيام، وغيرها من العبادات (الجوارح).
﴿لِأَنْ﴾: اللام للتوكيد والاختصاص، أن: للتعليل.
﴿أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾: قد تعني:
١ - أول المسلمين من هذ الأمة.
٢ - أو أول المسلمين من لدن آدم إلى قيام السّاعة، أولوية تفوُّق، أيْ: أشدهم إسلاماً، وليست أولوية بالزّمن؛ لأنّ هناك الكثير من الرّسل الّذين أعلنوا إسلامهم قبل مجيء رسول الله ﷺ مثل نوح وإبراهيم وإسماعيل وكل الرّسل الآخرين.
ولا توجد آية في القرآن تقول: وأنا أول المؤمنين إلا آية واحدة جاءت في سياق موسى ﵇ حين طلب الرّؤيا فصعق موسى، ولا تعني هذه الآية الإيمان العقدي، وإنما أنا أول المؤمنين بأني غير قادر على رؤيتك يا رب في الدنيا كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ارجع إليها للبيان.
سورة الزمر [٣٩: ١٣]
﴿قُلْ إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾:
﴿قُلْ إِنِّى﴾: ارجع إلى الآية (١١).
стр. 4511
﴿أَخَافُ إِنْ﴾: إن: تعليلية، أخاف: من الخوف وهو توقع الضّرر المشكوك في وقوعه.
﴿عَصَيْتُ رَبِّى﴾: بعدم الإخلاص له في العبادة والتّوحيد أو عصيته في أي أمور.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: أيْ: يوم القيامة، عظيم: أشد أنواع العذاب الأليم والمهين والكبير، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّى لَنْ يُجِيرَنِى مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ [الجن: ٢٢]؛ أي: كوني نبياً لن يشفع لي عصيت ربي شيئاً.
سورة الزمر [٣٩: ١٤]
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِى﴾:
ما الفرق بين هذه الآية والآية (١١): ﴿قُلْ إِنِّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾:
في الآية (١٤) قدَّم المفعول على الفعل أو المعبود على العبادة، قدَّم كلمة الله على العبادة.
وفي الآية (١١) قدَّم العبادة وأخَّر المعبود (الله) قدَّم الفعل على الفاعل، فهذه الآية جاءت موافقة للترتيب الطّبيعي للجملة الفعل، ثم الفاعل، ثم المفعول.
وتدل على أنّه مأمور من جهة الله بفعل العبادة والإخلاص.
أما الآية (١٤) فقدَّم المفعول على الفعل ليفيد القصر أو الحصر في العبادة على الله وحده دون غيره، فهو يُبيِّن في هذه الآية أنّ العبادة والإخلاص تخصُّ الله وحدَه دون غيره، وتؤكد كذلك أن العبادة لله تعالى وحده مرة أخرى.
أيْ: كأنه يقول: أنا لا أعبد إلا الله، وأنتم اعبدوا ما شئتم من دونه، كما جاء في الآية (١٥) التّالية، وقوله تعالى: مخلصاً له ديني وليس مخلصاً له الدين؛ لأن
стр. 4512
الإخلاص خاص أو أمر يختلف من إنسان إلى أخر. ارجع إلى الآية (١١) في نفس السورة للمقارنة.
سورة الزمر [٣٩: ١٥]
﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾:
﴿فَاعْبُدُوا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب.
﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِنْ دُونِهِ﴾: ظاهر هذه الآية التّخيير والحقيقة هي تهديد ووعيد وتوبيخ إن فعلوا ذلك ولا تعني الإذن لهم بعبادة غير الله، كقوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦].
﴿مَا شِئْتُم﴾: ما اسم موصول لغير العاقل مثل الأصنام والقمر والنّجوم والكواكب والآلهة، وللعاقل مثل عيسى وعزير والأولياء.
﴿مِنْ دُونِهِ﴾: من غيره أو سواه ثم بين سبحانه عاقبة الشرك والكفر بالله تعالى.
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾: أيْ: إذا عبدوا ما شاؤوا من دون الله يصبحون ظالمين لأنفسهم بالكفر والشّرك، فعندها سوف يخسرون أنفسهم يوم القيامة ويصبحون من أصحاب النّار.
والسّؤال: كيف يخسروا أهليهم أيضاً، أهليهم، ولم يقل أهلهم أهليهم تعني أولادهم وذريتهم وأزواجهم وأقاربهم، فالذّرية والأهل تعني: فقط الزوجة والأولاد أمام أمرين: إما أن يؤمنوا فلن يكونوا عندها مع الآباء في النّار بل في الجنة، وإما أن يتبعوا آباءَهم في الكفر والشّرك فيكونوا خاسرين كآبائهم، فالآباء
стр. 4513
خاسرون لذريتهم وأهليهم في كلا الحالتين إنّ ذريتهم دخلوا الجنة أو اتبعوهم؛ أي: يخسروا أهليهم (الذرية والأقارب) بعدم كونهم معاً؛ أي: لن يرونهم؛ لأنه سيكون فريق في الجنة وفريق في السعير، أو خاسرين لهم بأن أدخلوهم النار معهم.
﴿أَلَا﴾: أداة افتتاح وتنبيه.
﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد، ويفيد الذّم ويشير إلى الخسران.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿الْخُسْرَانُ﴾: على وزن فعلان للمبالغة في الخسارة، ولم يكتف بقوله: الخسران، وإنما أضاف إليه المبين. ارجع إلى سورة النساء آية (١١٩)، وسورة هود آية (٢٢) لبيان معنى خسر، خسران، خسارة، الأخسرون.
﴿الْمُبِينُ﴾: أي: الظّاهر الجلي لكلّ فرد وإنسان وهو خسران واضح لا يحتاج إلى أدلة أو برهان.
سورة الزمر [٣٩: ١٦]
﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾:
﴿لَهُمْ﴾: اللام للاختصاص والاستحقاق تعود على الخاسرين الّذين خسروا أنفسهم وأهليهم.
﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾: كلمة من فوقهم ولم يقل: فوقهم تعني الظّلل ملاصقة لهم من فوقهم مباشرة من دون فاصل مكاني، وكذلك ومن تحتهم ولو قال فوقهم يحتمل أن يكون هناك مسافة مكانية بينهم بين الظّلل، وقوله: ظلل:
стр. 4514
أيْ: أطباق من النّار أو طبقات كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وكقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١].
ظلل: من الظّل والظّل مكان للراحة عادة لا تصله الشمس؛ فاستعمل ظلل جمع ظله، والظلال مفردها ظل، وهو: المكان المظلل الذي يحجب أشعة الشمس كأسلوب للتهكم على الكافرين وتهديد ووعيد وزجر لعلهم يتوبون ويرجعون عن كفرهم. ارجع إلى سورة يس لمزيد من البيان في معنى الظل والظلال.
﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾: ذلك اسم إشارة للبعد يشير إلى العذاب الشّديد الذي يخوف الله به عباده: لكي ينزجروا عن المعاصي والمحارم ولا يقربوا منها.
﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾: يا أداة نداء فيها استمالة وحنان، فاتقون: الفاء للتوكيد، اتقون: سخطي وغضبي وناري بامتثال أوامري واتقون ولم يقل: واتقوني، أي: اتقون بأيِّ وسيلة ولو بأقل وقاية أو درجة.
سورة الزمر [٣٩: ١٧]
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾:
﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد المدح والتّعظيم.
﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾: الاجتناب: الابتعاد، الطّاغوت: الأصنام والأوثان أو الشّياطين، وكل معبود من دون الله وهو راض بهذه العبادة. ارجع إلى الآية (٢٥٦) من سورة البقرة لبيان معنى الطاغوت.
أن: مصدرية تعليلية توكيدية.
стр. 4515
يعبدوها: ارجع إلى سورة النّحل آية (٧٣) لبيان معنى العبادة.
﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾: بالإيمان وبه وعبادته وتوحيده، الإنابة سرعة التّوبة والرّجوع إلى الله. أيْ: سألهم أمرين الاجتناب والإنابة.
﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾: لهم اللام للاختصاص والاستحقاق، البشرى: في الحياة الدّنيا والآخرة.
البشرى الخبر السّار لأوّل مرة لهم البشرى في القرآن والتّوراة والإنجيل وعلى ألسنة الرّسل وقيل: إنّ هذه البشرى تكون عند الوفاة وفي القبر وعند البعث.
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾: الفاء للتوكيد، بشر عباد: الخطاب إلى رسول الله ﷺ ، بشر عباد: عباد الّذين وصفهم الله تعالى بقوله: اجتنبوا الطّاغوت وأنابوا إلى الله والّذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وهناك فرق بين عبيد، وعبادي، وعباد.
١ - عبيد: الكل عبيد الله تعالى المؤمن والكافر والمتقي والعاصي كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢].
٢ - عبادي: أفضل من عبيد هم الّذين آمنوا بالله واختاروا أن يكونوا عباد الله تعالى فوصفهم بالقول عبادي، كما قال تعالى: ﴿يَاعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣].
٣ - وعباد: هم الصّفوة المؤمنة الّذين جاء وصفهم في هذه الآية، والآية (١٨) القادمة، وأعلى درجة من عبادي، وفي الآخرة الكل يصبح عباد؛ لأنه ليس في الآخرة عبادة، ولا تكليف. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٨٦) لمزيد من البيان.
стр. 4516
سورة الزمر [٣٩: ١٨]
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾:
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد المدح والعلو.
﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾: القرآن الكريم وسنة رسوله ﷺ . أيْ: كلام الله تعالى وكلام رسوله. ارجع إلى سورة المؤمنون آية (٦٨) لمزيد في معنى القول والفرق بين القول والقرآن.
﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾: كلمة أحسنه مشتقة من أحسن، وفيها مبالغة، فأحسن على وزن أفعل التّفضيل، وأحسن قائل هو الله ورسوله وأحسن ما قيل في الدّين، أمثلة على ذلك:
﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشّورى: ٤٠] هذا أحسن أو حسن، وأحسن من ذلك ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وأحسن من ذلك: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾: وأحسن من ذلك: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النّحل: ١٢٦].
وكما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِىَ﴾ (هذا أمر حسن وأحسن منه ذلك): ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ [البقرة: ٢٧١].
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾: أولئك: اسم إشارة يفيد البعد بعد المنزلة ويشير إلى الّذين اجتنبوا الطّاغوت وأنابوا إلى الله ويستمعون القول فيتبعون أحسنه.
﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾: هداية: خاصة، أيْ: زادهم هدى وتوفيق.
стр. 4517
وكما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمّد: ١٧].
﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: تكرار أولئك يفيد التّوكيد، هم تعني: هم أولو الألباب حقاً وبلغوا أعلى درجاتهم، أولو أصحاب، واللب جزء من الدّماغ تسمَّى منطقة الإدراك والفهم كلّ صاحب لب له عقل، وليس كلّ صاحب عقل له لب.
أولو الألباب أصحاب العقول النّيرة الصّفوة من المؤمنين الّذين يعقلون، يتفكرون، يتدبرون، يتذكرون.
وما هو الفرق بين أولئك الّذين هداهم الله وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٠].
الّذين هداهم الله: هم المؤمنون الموحدون الّذين وصفهم الله بكونهم اجتنبوا الطّاغوت وأنابوا إلى الله ويستمعون القول فيتبعون أحسنه، أيْ: هم فئة معينة لهم شريعة واحدة.
الذين هدى الله: تعني: جملة من الرّسل عدد من الرّسل لهم شرائع مختلفة، والرّسل من الّذين هداهم الله.
سورة الزمر [٣٩: ١٩]
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِى النَّارِ﴾:
﴿أَفَمَنْ﴾: استفهام إنكاري.
﴿حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾: وجب وثبت حكم الله عليه في سابق علمه على الدّخول في النّار، أأنت قادر على أن تنقذه من النّار، والخطاب موجَّه إلى الرّسول وإلى غيره من المؤمنين.
стр. 4518
أفأنت تقدر على هدايته بأن تلح عليه فتنقذه من النّار، جواب الاستفهام محذوف وتقديره طبعاً لا.
وقيل: كلمة العذاب هي: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥].
وقال تعالى: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾: تعود على العذاب ولم يقل: حقت، في اللغة يجوز التّذكير والتّأنيث ولكن ذكرها هنا بصيغة المذكر رغم أنّ (كلمة ربك) مؤنثة؛ لأنّ السّياق في الآخرة، ولأنّ كلمة العذاب هي العذاب ذاته أو نفسه.
﴿أَفَأَنْتَ﴾: الهمزة: للاستفهام والتقرير، والفاء تفيد التّوكيد أفأنت: أشد توكيداً من قوله: أأنت تنقذ من في النّار؛ لأن الفاء أقوى من الهمزة؛ الخطاب موجَّه إلى الرّسول وغيره، تنقذ: أيْ: بالشّفاعة أو أيِّ وسيلة.
سورة الزمر [٣٩: ٢٠]
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾:
المناسبة: بعد أن ذكر الّذين حق عليهم كلمة العذاب يذكر بالمقابل المتقين الّذين لهم غرف من فوقها غرف مبنية.
﴿لَكِنِ﴾: حرف استدراك وتوكيد.
﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾: الّذين اسم موصول يفيد المدح والتّعظيم.
اتقوا ربهم: امتثلوا أوامره وتجنبوا نواهيه.
﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
﴿غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ﴾: جمع غرفة والغرفة اسم جنس والغرف
стр. 4519
منازل رفيعة عالية في الجنة أو درجات عالية، والغرفة تعني كلّ بناء عال مرتفع. ارجع إلى سورة الفرقان آية (٧٥) لمزيد من البيان.
﴿مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾: منازل ارفع من منازل، فالجنة درجات قيل: مئة درجة.
﴿مَّبْنِيَّةٌ﴾: أيْ: بنيت ومهيأة ومعدَّة الآن.
﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أيْ: تنبع الأنّهار من تحتها، وهذا يدل على عظمة الخالق.
﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾: وعد مصدر لفعل وعد يعد، والوعد: إذا أطلق اختص بالخير، وقد يستعمل في الشّر على سبيل التّهكم ويعني: الإخبار بشيء سار قبل أوانه والوعد يقتضي الإنجاز والوعيد يكون دائماً في الشّر.
﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾: لا النّافية، يخلف الميعاد: الميعاد مشتقة من الوعد وتطلق على الزّمان والمكان. ارجع إلى الآية (٨٥) من سورة القصص للبيان، ومقارنة ميعاد مع معاد.
سورة الزمر [٣٩: ٢١]
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِى الْأَلْبَابِ﴾:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: الهمزة همزة استفهام تحمل معنى التّقرير والتّعجب، لم حرف نفي.
تر: الرّؤية بصرية عينية حقيقة وما يخبرنا به الله تعالى دائماً أصدق مما تراه أعيننا.
стр. 4520
ألم تر أقوى وآكد من قوله: ألم تعلم: لأنّ عين اليقين أعلى درجة من علم اليقين، ولكن ألم تعلم: أوسع وأشمل من ألم تر؛ لأنَّ العلم أوسع من الرّؤيا وأعلى من عين اليقين حق اليقين.
﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: أن مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾: من السّحاب والسّماء تعريفها كلّ ما علاك والسّحاب يعلو الإنسان فالسّماء هنا تعني السّحب الرّكامية ومن ابتدائية.
﴿مَاءً﴾: هو ماء المطر.
﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الْأَرْضِ﴾: الفاء للمباشرة والتّرتيب، سلكه: ادخله بسهولة في الأرض وجعل له مجاري خاصة به أو مسالك في الأرض كشبكة تحت الأرض، فصار يجري من مكان إلى مكان أو مكان مرتفع إلى منخفض، ويتحول إلى شكل ينابيع أيْ: عيون (جمع عين) وهي الأمكنة الّتي ينبع منها الماء.
ارجع إلى سورة المؤمنون آية (١٨) لمزيد من البيان.
﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾: ثم للترتيب والتّراخي في الزّمن، يخرج به الماء، زرعاً: ما ينبت على غير ساق.
والشّجر: ما له ساق وأغصان، والنّبات يشمل الجميع.
﴿مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾: أخضر وأبيض وأصفر، قمح، شعير، رز، ذرة، وغيره من أنواع الحبوب.
следующие страницы →