Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.
стр. 4516
سورة الزمر [٣٩: ١٨]
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾:
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد المدح والعلو.
﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾: القرآن الكريم وسنة رسوله ﷺ . أيْ: كلام الله تعالى وكلام رسوله. ارجع إلى سورة المؤمنون آية (٦٨) لمزيد في معنى القول والفرق بين القول والقرآن.
﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾: كلمة أحسنه مشتقة من أحسن، وفيها مبالغة، فأحسن على وزن أفعل التّفضيل، وأحسن قائل هو الله ورسوله وأحسن ما قيل في الدّين، أمثلة على ذلك:
﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشّورى: ٤٠] هذا أحسن أو حسن، وأحسن من ذلك ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وأحسن من ذلك: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾: وأحسن من ذلك: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النّحل: ١٢٦].
وكما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِىَ﴾ (هذا أمر حسن وأحسن منه ذلك): ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ [البقرة: ٢٧١].
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾: أولئك: اسم إشارة يفيد البعد بعد المنزلة ويشير إلى الّذين اجتنبوا الطّاغوت وأنابوا إلى الله ويستمعون القول فيتبعون أحسنه.
﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾: هداية: خاصة، أيْ: زادهم هدى وتوفيق.
стр. 4517
وكما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمّد: ١٧].
﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: تكرار أولئك يفيد التّوكيد، هم تعني: هم أولو الألباب حقاً وبلغوا أعلى درجاتهم، أولو أصحاب، واللب جزء من الدّماغ تسمَّى منطقة الإدراك والفهم كلّ صاحب لب له عقل، وليس كلّ صاحب عقل له لب.
أولو الألباب أصحاب العقول النّيرة الصّفوة من المؤمنين الّذين يعقلون، يتفكرون، يتدبرون، يتذكرون.
وما هو الفرق بين أولئك الّذين هداهم الله وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٠].
الّذين هداهم الله: هم المؤمنون الموحدون الّذين وصفهم الله بكونهم اجتنبوا الطّاغوت وأنابوا إلى الله ويستمعون القول فيتبعون أحسنه، أيْ: هم فئة معينة لهم شريعة واحدة.
الذين هدى الله: تعني: جملة من الرّسل عدد من الرّسل لهم شرائع مختلفة، والرّسل من الّذين هداهم الله.
سورة الزمر [٣٩: ١٩]
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِى النَّارِ﴾:
﴿أَفَمَنْ﴾: استفهام إنكاري.
﴿حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾: وجب وثبت حكم الله عليه في سابق علمه على الدّخول في النّار، أأنت قادر على أن تنقذه من النّار، والخطاب موجَّه إلى الرّسول وإلى غيره من المؤمنين.
стр. 4518
أفأنت تقدر على هدايته بأن تلح عليه فتنقذه من النّار، جواب الاستفهام محذوف وتقديره طبعاً لا.
وقيل: كلمة العذاب هي: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥].
وقال تعالى: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾: تعود على العذاب ولم يقل: حقت، في اللغة يجوز التّذكير والتّأنيث ولكن ذكرها هنا بصيغة المذكر رغم أنّ (كلمة ربك) مؤنثة؛ لأنّ السّياق في الآخرة، ولأنّ كلمة العذاب هي العذاب ذاته أو نفسه.
﴿أَفَأَنْتَ﴾: الهمزة: للاستفهام والتقرير، والفاء تفيد التّوكيد أفأنت: أشد توكيداً من قوله: أأنت تنقذ من في النّار؛ لأن الفاء أقوى من الهمزة؛ الخطاب موجَّه إلى الرّسول وغيره، تنقذ: أيْ: بالشّفاعة أو أيِّ وسيلة.
سورة الزمر [٣٩: ٢٠]
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾:
المناسبة: بعد أن ذكر الّذين حق عليهم كلمة العذاب يذكر بالمقابل المتقين الّذين لهم غرف من فوقها غرف مبنية.
﴿لَكِنِ﴾: حرف استدراك وتوكيد.
﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾: الّذين اسم موصول يفيد المدح والتّعظيم.
اتقوا ربهم: امتثلوا أوامره وتجنبوا نواهيه.
﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
﴿غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ﴾: جمع غرفة والغرفة اسم جنس والغرف
стр. 4519
منازل رفيعة عالية في الجنة أو درجات عالية، والغرفة تعني كلّ بناء عال مرتفع. ارجع إلى سورة الفرقان آية (٧٥) لمزيد من البيان.
﴿مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾: منازل ارفع من منازل، فالجنة درجات قيل: مئة درجة.
﴿مَّبْنِيَّةٌ﴾: أيْ: بنيت ومهيأة ومعدَّة الآن.
﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أيْ: تنبع الأنّهار من تحتها، وهذا يدل على عظمة الخالق.
﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾: وعد مصدر لفعل وعد يعد، والوعد: إذا أطلق اختص بالخير، وقد يستعمل في الشّر على سبيل التّهكم ويعني: الإخبار بشيء سار قبل أوانه والوعد يقتضي الإنجاز والوعيد يكون دائماً في الشّر.
﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾: لا النّافية، يخلف الميعاد: الميعاد مشتقة من الوعد وتطلق على الزّمان والمكان. ارجع إلى الآية (٨٥) من سورة القصص للبيان، ومقارنة ميعاد مع معاد.
سورة الزمر [٣٩: ٢١]
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِى الْأَلْبَابِ﴾:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: الهمزة همزة استفهام تحمل معنى التّقرير والتّعجب، لم حرف نفي.
تر: الرّؤية بصرية عينية حقيقة وما يخبرنا به الله تعالى دائماً أصدق مما تراه أعيننا.
стр. 4520
ألم تر أقوى وآكد من قوله: ألم تعلم: لأنّ عين اليقين أعلى درجة من علم اليقين، ولكن ألم تعلم: أوسع وأشمل من ألم تر؛ لأنَّ العلم أوسع من الرّؤيا وأعلى من عين اليقين حق اليقين.
﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: أن مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾: من السّحاب والسّماء تعريفها كلّ ما علاك والسّحاب يعلو الإنسان فالسّماء هنا تعني السّحب الرّكامية ومن ابتدائية.
﴿مَاءً﴾: هو ماء المطر.
﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الْأَرْضِ﴾: الفاء للمباشرة والتّرتيب، سلكه: ادخله بسهولة في الأرض وجعل له مجاري خاصة به أو مسالك في الأرض كشبكة تحت الأرض، فصار يجري من مكان إلى مكان أو مكان مرتفع إلى منخفض، ويتحول إلى شكل ينابيع أيْ: عيون (جمع عين) وهي الأمكنة الّتي ينبع منها الماء.
ارجع إلى سورة المؤمنون آية (١٨) لمزيد من البيان.
﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾: ثم للترتيب والتّراخي في الزّمن، يخرج به الماء، زرعاً: ما ينبت على غير ساق.
والشّجر: ما له ساق وأغصان، والنّبات يشمل الجميع.
﴿مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾: أخضر وأبيض وأصفر، قمح، شعير، رز، ذرة، وغيره من أنواع الحبوب.
стр. 4521
﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾: ثم للترتيب والتّراخي في الزّمن، يهيج: من هاج يهيج تحرك، أيْ: ثار بمعنى يصبح كثيفاً بسبب نموه وكثرته.
فتراه: الفاء تدل على التّعقيب والمباشرة.
مصفراً: ييبس ويصفر بعد الخضرة، فلا بُدَّ له أن يصفر ويجف.
﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾: ثم للترتيب والتّراخي، حطاماً: متفتتاً متكسراً، حطم الشّيء: كسر الشّيء يشبه مرحلة العظام والرّفات.
فهذه التّغييرات الّتي تحدث في الزّرع أو النّبات تحدث في الإنسان فهو يمر بأطوار تشبه الأطوار الّتي يمر بالنّبات، فالنّبات كائن حي يشبه الإنسان فالإنسان يكون وليداً، ثم طفلاً، ثم شاباً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، ثم يموت ويصبح عظاماً ورفاتاً.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إن للتوكيد، في ظرفية، ذلك: اسم إشارة واللام للبعد يشير إلى ما يحدث للزرع والنّبات يحدث للإنسان.
﴿لَذِكْرَى﴾: تذكيراً وتنبيهاً واللام للتوكيد، أيْ: حال ما يحدث للزرع والنّبات يحدث لحال الإنسان ولحال الدّنيا.
﴿لِأُولِى الْأَلْبَابِ﴾: اللام لام الاختصاص، أولي الألباب: ارجع إلى الآية السّابقة (١٨).
стр. 4522
سورة الزّمر [الآيات ٢٢ - ٣١]
سورة الزمر [٣٩: ٢٢]
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾:
﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة للاستفهام والتّقرير والإثبات وجواب الاستفهام محذوف تقديره لا يستوي مع من لم يشرح الله صدره.
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾: أيْ: يُقبل على طاعة الله تعالى وعبادته بعشق وحب وجد بنفس مطمئنة ويؤدِّي الفرائض والتّكاليف بخشوع وكمال ويكثر من النّوافل والذّكر وتلاوة القرآن والاستقامة على ذلك.
للإسلام: اللام لام الاختصاص.
﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: على تفيد الاستعلاء كأنّه يسير على نور من ربه، هدى من ربه والنّور هو نور القرآن نور معنوي، وليس حسيّاً فهو يعيش حياته على نور من ربه على نور هدي القرآن وتعاليمه وأوامره وأحكامه.
﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، والويل الهلاك أو العذاب.
للقاسية قلوبهم: اللام لام الاختصاص، أي: الهلاك والعذاب لمن تأبى قلوبهم الإيمان بالقرآن والعمل به، أو ويل لمن يعرضون عن القرآن ولا يتبعونه أو يكذبونه والقساوة: تعني الإعراض أو التّكذيب والنّفور عن القرآن والدّين.
﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: أي: القرآن ولم يقل: عن ذكر الله، عن تفيد الابتعاد والمجاوزة.
فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله تعني: القسوة حصلت من سماع الذّكر
стр. 4523
أيْ: بسبب السّماع، أمّا فويل للقاسية قلوبهم عن ذكر الله فتعني: القسوة حصلت بالإعراض، بعدم السّماع لآيات الله أو ذكر الله على الإطلاق.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد يفيد الذّم.
﴿فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: في ابتعاد عن الحق ظاهر وبين للكل في ابتعاد عن دين الله والهداية وبشكل متعذِّر معه رجوعهم عن ضلالهم وضلالهم، بيِّن لكلّ فرد له اتصال بأولئك وهو ضلال بيِّن لا يحتاج إلى دليل أو برهان.
سورة الزمر [٣٩: ٢٣]
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾:
﴿اللَّهُ نَزَّلَ﴾: تقديم الفاعل (الله) على الفعل (نزل) للحصر والقصر والاهتمام، نزل: بشكل تدريجي وعلى دفعات، أيْ: منجماً.
﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾: وهو القرآن الكريم وأحسن على وزن أفعل التّفضيل، أيْ: أبلغ الحديث وأصدقه، وسُمِّي أحسن الحديث وفيه أحسن القصص ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]. لأنّه كلام الله تعالى وقصص الله تعالى، الحديث يعني: الإخبار بما حدث وسيحدث وما هو كائن بالنّسبة للكون وللخلق، وأمّا الفرق بين الحديث والقول والقيل، فإنّ الحديث يستدعي أنّ هناك محدثاً ومشاركاً، أيْ: متكلماً وسامعاً، أمّا القول والقيل فلا يُشترط ذلك.
﴿كِتَابًا﴾: سُمِّي كتاباً لكونه مكتوباً في الأسطر للحفظ من التغير والتبديل.
﴿مُّتَشَابِهًا﴾: يشبه بعضه بعضاً في المعاني والألفاظ والبلاغة والإعجاز وحسن النّظم. ولا اختلاف فيه ولا تناقض.
﴿مَّثَانِىَ﴾: لأنّ الرّوايات تُتلى وتكرَّر على الدّوام، وكذلك الأنباء والقصص
стр. 4524
تُتلى وتكرَّر، مثاني من التّثنية، أي: الإعادة والتّكرار، فهو يُتلى ويكرَّر على مدى (٢٤) ساعة.
﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: ولإيضاح ما يحدث هو أن تلاوة القرآن أو سماع تلاوة القرآن بخشوع وخوف ينبِّه منطقة بالدّماغ تسمَّى المنطقة تحت السّرير البصري الّتي تسيطر على الأعصاب المسمَّاة الودِّية.
وهذا يؤدِّي إلى تقبض العضلات المسؤولة عن انتصاب الشّعر وحدوث القشعريرة والخوف والخشوع.
﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: الخشية تعني: الخوف المصحوب بالعلم ممن تخاف والشّعور بمهابة وعظمة الخالق، يخشون ربهم، ولم يقل: بالغيب؛ إذ يخشون ربهم خشية مطلقة غير مقيَّدة بالغيب أو العلن، أيْ: في كلّ زمن في الخفاء أو العلن؛ أي: أمام الناس، وهناك فرق بين الخشية والخوف؛ فالخوف: هو توقع الضرر المشكوك في وقوعه، وأما الوجل: فهو الفزع مع اضطراب القلب.
﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: أيْ: بعد أن تقشعر جلودهم وتضطرب قلوبهم بالتّسرع في الضّربات من سماع آيات الإنذار والوعيد.
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب العددي (وليس التّرتيب والتّراخي في الزّمن) ثم إذا سمعوا آيات الوعد والبشارة يعودون فيتذكرون رحمة الله وعفوه ومغفرته مما يؤدِّي إلى اطمئنان قلوبهم فتهدأ أعصابهم من إثارتها فتعود فتتوقف عن الإثارة؛ مما يؤدِّي إلى أن تليّن جلودهم وقلوبهم بين سماع آيات القرآن وما أعده الله لعباده الصّالحين.
﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: ذلك: اسم إشارة واللام للبعد يشير إلى القرآن هدى الله.
يهدي به من يشاء: أيْ: من اختاروا لأنفسهم طريق الهداية وامتثال أوامر الله تعالى وتجنب نواهيه.
стр. 4525
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: ومن شرطية تفيد العاقل، يضلل: ينحرف عن طريق الحق والصّراط المستقيم والدّين ويصر على فجوره. ويبتعد بعيداً عن سبيل الله.
فما له من هاد: أيْ: هادٍ يهديه مرة أخرى للرجوع إلى الطّريق المستقيم.
فما له: الفاء للتوكيد، ما: النّافية، له: اللام لام الاختصاص له حصراً أو خاصة، من: استغراقية تستغرق كلّ فرد، هاد: يهديه مرة أخرى إلى الطّريق المستقيم. فما له من هاد بعد أن تخلَّى الله عنه وتركه في غيِّه وضلاله.
سورة الزمر [٣٩: ٢٤]
﴿أَفَمَنْ يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾:
﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة للاستفهام والتّقرير، وجواب الاستفهام محذوف.
﴿يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: لأنّ يديه مغلولتان إلى عنقه يوم القيامة، فلا يجد ما يتَّقي به سوء العذاب (النّار وغيرها) سوى وجهه، وليس هناك أيُّ وسيلة أخرى إلا الوجه وهو أعز وأشرف الأعضاء. الّذي يتلَّقى به العذاب.
وحذف الجواب وتقديره: كمن هو آمن يوم القيامة لا يحتاج إلى الاتقاء بأيِّ شيء لا بيده ولا بوجهه.
﴿يَتَّقِى﴾: يصون أو يدفع عنه العذاب.
﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾: القائل مجهول قد يكونون خزنة جهنم، والمهم هنا المقولة، للظالمين: اللام لام الاختصاص أو الاستحقاق، الظّالمين: المشركين أو الظّالمين لأنفسهم وغيرهم من البشر.
﴿ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: ذوقوا وبال أو جزاء ما كنتم تكسبون.
﴿ذُوقُوا﴾: أصل الذّوق: هو إدراك الطّعم بالفم ويستعمل مجازاً في إدراك غيره من الأشياء المعنوية كالرّحمة والنّعمة. واستعمل حاسة الذّوق الّتي هي
стр. 4526
مخصصة للطعام والشّراب في الدّنيا لتذوق العذاب الشّديد والمؤلم يوم القيامة، وكما أنّ الطّعام والشّراب يؤثِّر في كافة أعضاء الجسم، وكذلك العذاب سيكون أثره ووباله على كلّ الجسم فلا ينجو عضوٌ منه.
﴿مَا﴾: بمعنى الّذي أو مصدرية ذوقوا ما كسبتم.
﴿كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: أنتم في الدّنيا تكسبون فلم يقل تكتسبون؛ لأنّ الكسب يكون في الخير والاكتساب يكون للشر، واستعمل تكسبون لأنّهم اعتادوا على اقتراف المعاصي واستمروا عليها، وأصبحوا ذوي خبرة حتّى أصبحت ممارستهم للذنوب والآثام سهلة جداً، كأنّهم حين يقومون بها تشبه قيامهم بصالح الأعمال.
ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٨٦) لمزيد من البيان.
سورة الزمر [٣٩: ٢٥]
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾:
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: من، تعني: ليس من زمن بعيد، تفيد القريب، أي: الأمم الماضية الّذين كذبوا رسلهم.
﴿قَبْلِهِمْ﴾: أيْ: كفار مكة.
كذب الّذين من قبلهم: كذبوا رسلهم وكذبوا بآيات ربهم.
﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾: العذاب مثل الخسف والقتل والأسر والخزي والجلاء والزّلازل والكوارث الطّبيعية.
﴿مِنْ حَيْثُ﴾: حيث ظرفية مكانية.
﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾: من حيث لا يحتسبون ولا يعلمون، ولم يخطر لهم ببالهم أنّ العذاب يأتيهم من هذا المكان أو الجهة أو بهذا الشّكل أو بغيره.
سورة الزمر [٣٩: ٢٦]
﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْىَ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾:
﴿فَأَذَاقَهُمُ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، أذاقهم ارجع إلى الآية (٢٤).
стр. 4527
﴿الْخِزْىَ﴾: هو الذّل مع الفضيحة في الحياة الدّنيا بالهزيمة والأسر والفقر والتّشريد ويكون عذاب الخزي أحياناً أشد من القتل.
﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾: اللام للتوكيد عذاب الآخرة أكبر، أيْ: أكبر من الخزي والشّدة من عذاب الحياة الدّنيا؛ لكونه عذاباً مقيماً لا يخفف ولا ينقطع. أيْ: دائم.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: لو: شرطية، كانوا يعلمون: ما كذبوا رسلهم، أو لو كانوا يعلمون شدة العذاب وكبره لانتهوا وآمنوا وما كفروا، لكنهم لا يعلمون لكونهم جهالاً وحمقى.
سورة الزمر [٣٩: ٢٧]
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
﴿ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾: الضّرب هو إيقاع شيء فوق شيء بقوة ليحدث أثراً.
﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام لام الاختصاص خاصة للناس، أي: الثّقلين الإنس والجن.
﴿فِى هَذَا الْقُرْآنِ﴾: في ظرفية، هذا، الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة القرآن: الكريم وسُمِّي قرآناً؛ لأنّه مقروء من السّطور ومقروء في صدور الحفظة.
﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: ضرب المثل غايته توضيح أو تقريب مسألة ما إلى الأفهام والعقول بضرب شيء معنوي بشيء حسي مثلاً.
من: ابتدائية، كل: للتوكيد من كلّ مثل يحتاجون إليه في أمر دينهم.
﴿لَّعَلَّهُمْ﴾: لعل للتعليل.
﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾: لا ينسون ما ذُكر لهم سابقاً ويستقيمون على الصّراط المستقيم، وهذه هي غاية من غايات ضرب المثل وليست الغاية للتسلية والعبث.
стр. 4528
سورة الزمر [٣٩: ٢٨]
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾:
﴿قُرْآنًا﴾: سُمِّي قرآناً؛ لأنّه مقروء يقرأ من الأسطر أو بالتّلقي.
﴿عَرَبِيًّا﴾: أنزل بلسان عربي مبين، فلا عذر لهم من عدم فهمه وتدبره، ومعرفة معناه وغايته.
﴿غَيْرَ ذِى عِوَجٍ﴾: غير: تفيد المغايرة؛ أيْ: بريئاً من الاختلاف والتّناقض والتّضاد واللبس والشّك، أيْ: بريئاً من العوج: العِوج بكسر العين مختص بما ليس مرئياً، ويشمل الرّأي والقول، والعَوج بفتح العين: مختص بما هو مرئي.
﴿لَّعَلَّهُمْ﴾: لعل للتعليل.
﴿يَتَّقُونَ﴾: الشّرك والكفر والمعاصي ويطيعون أوامر الله ويتجنبون نواهيه أو يتقون النّار، يجعلون بينهم وبينها حاجزاً.
يتقون بصيغة المضارع لتدل على التّجدُّد والتّكرار.
سورة الزمر [٣٩: ٢٩]
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾: ارجع إلى الآية (٢٧) من هذه السورة، وإلى الآية (٧٤) من سورة النّحل.
﴿رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾: التّشاكس الاختلاف يتنازعون فيه، وقيل: رجل شكس: صعب الخلق شرس الطّباع، أيْ: عبد لعدة أسياد لا يعرف كيف يرضي كلاً منهم؛ لأنّهم متشاكسون.
﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾: سلماً، أيْ: قد سَلِمَ من غير منازع، أيْ: يأخذ كلّ الأوامر من سيد ومالك واحد مرتاح يعرف ما يرضي سيده. والسَّلم: الذل والاستسلام الكامل الشامل لله وحده.
﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾: أيْ: هل يستوي عبد مملوك لجماعة متشاكسين:
стр. 4529
مختلفين. أخلاقهم سيئة فهو في حيرة من أمره أيهم يُرضي، وعلى أيهم يعتمد، وهذا مثل المشرك الّذي يعبد عدة آلهة فهو مرهق وظالم لنفسه باتخاذ كلّ أولئك الآلهة والأولياء، وعبد موحِّد مملوك خالص لإله واحد ليس له غيره يعرف كيف يرضي سيده.
﴿هَلْ﴾: للاستفهام والتّقرير، وهل آكد من الهمزة في الاستفهام، كما لو قال: أيستويان.
﴿يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾: مثلاً: ولم يقل: مثلين؛ لأنّ كلّ منهما يكفي عن الآخر، وفي هذا المثل الحث على التّوحيد أو ترك الشّرك، والأمر الثّاني توكيد للمثل الأول فهما مثل واحد.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الّذي لم يجعل له شريكاً ولا ولداً، أو الحمد لله على ضرب المثل، وتبيُّن الحق من الباطل وإقامته الحُجَّة عليهم أو الكلِّ.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾: بل للإضراب الانتقالي.
﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: الحق فيشركون به، ويجعلون له ولداً أو ندّاً أو شريكاً.
ولا يظن أحدٌ خطأ أنّ الحمد لله هنا يعود على أنّ أكثرهم لا يعلمون وقد تكون عائدة إلى الآية القادمة (٣١) بل أكثرهم لا يعلمون أنك ميت وأنّهم ميتون.
سورة الزمر [٣٩: ٣٠]
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾:
هذه الآية قد تكون تتمة للآية: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وقد يعلمون، ولكنّهم يتجاهلون الموت.
﴿إِنَّكَ﴾: للتوكيد الخطاب لرسول الله ﷺ ويجب أن نفرق بين:
﴿مَيِّتٌ﴾: بفتح الميم وتشديد الياء، تعني أن الموت لم يحدث بعد، سيحدث في المستقبل، وأما سكون الياء (لو سُكنت الياء) كما في قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ فذلك يدل على أن الموت حدث وانقضى.
стр. 4530
أي: لا بُدَّ من المسارعة إلى الإيمان، فليس هناك زمن طويل ولا ينتهي الأمر بالموت، بل هناك الاختصام والفصل والحكم عند الرّب الحكيم، ولو قارنا هذه الآية مع الآية (١٥) من سورة المؤمنون: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ فقد أكد في سورة المؤمنون بزيادة اللام لام التوكيد؛ ارجع إلى سورة المؤمنون للبيان.
سورة الزمر [٣٩: ٣١]
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزّمن.
﴿إِنَّكُمْ﴾: أيْ: إنك وإياهم غلب ضمير المخاطب على ضمير الغائب.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾: هذا دليل على أنّ محمّداً ﷺ سوف يخاصم قومه، أيْ: يحاججهم بأنّه بلغهم الرّسالة وأدَّى الأمانة، الاختصام: هو التّنازع في الأمر يحدث أمام رب العالمين يستدعي القضاء والفصل.
يوم القيامة: يوم الفصل يوم تصفية المنازعات والقضاء فيه يتخاصم الكافر والمؤمن والظّالم والمظلوم حتّى أن النّفس تجادل عن نفسها كقوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَّفْسِهَا﴾ [النّحل: ١١١].
стр. 4531
سورة الزّمر [الآيات ٣٢ - ٤٠]
سورة الزمر [٣٩: ٣٢]
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾:
﴿فَمَنْ﴾: استفهام يحمل معنى الإنكار والتّعجب.
﴿أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾: الجواب: لا أحد أظلم من هذا الّذي يكذب على الله أظلم على وزن أفعل وأفظع وأعظم الكذب على الله بأن يزعم أنّ لله ولداً أو شريكاً أو صاحبة، أو يقول: أوحي إليَّ ولم يُوحَ إليه شيء وغيرها من أنواع الافتراء والاختلاق.
﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾: بالقرآن والإسلام والنّبي والتّوحيد والبعث والحساب والجزاء والباء للإلصاق واللزوم، وسُمِّي الصّدقَ؛ لأنّه كلام الله سبحانه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النّساء: ٨٧].
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النّساء: ١٢٢].
كذَبَ وكَذَّب: الأولى كَذَبَ بالتّخفيف والثّانية كذَّب بالتّشديد فيها مبالغة في الكذب والكثرة، أيْ: تكذيبه للقرآن كان أشد وأكثر تنوعاً.
كقوله: سحر وشعر وإفك وأساطير الأولين وافتراء.
﴿إِذْ جَاءَهُ﴾: إذ ظرف للزمان الماضي ويفيد الفجأة، أيْ: مجرد أن سمع
стр. 4532
آياته كذبها أو فاجأه بالتّكذيب مقارنة بمن تريث ونظر وتمعَّن قبل أن يكذب فما مصير ذلك الظّالم الّذي لا يوجد أظلم منه.
﴿أَلَيْسَ﴾: استفهام تقرير وإثبات وإنكار للتكذيب.
﴿فِى جَهَنَّمَ﴾: في ظرفية، جهنم: كلمة مشتقة من الجِهام: القعر البعيد، وسميت بجهنم لبعد قعرها. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) لمزيد من البيان.
﴿مَثْوًى﴾: كلمة لا تستعمل في القرآن إلا مع جهنم فقط، ويعني مكان الإقامة الجبرية المؤبدة (كالحبس) ويعني: مكاناً ضيقاً غير متسع ومطبقاً عليهم. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٥١) لمزيد من البيان، ومعرفة الفرق بين مثوى ومأوى.
﴿لِّلْكَافِرِينَ﴾: اللام للاختصاص والاستحقاق، الكافرين: جمع كافر تدل على العمل، أيْ: كفرهم ولم يقل: الكفار، الكفار تدل على المبالغة وكثرة العدد والصنف مقارنة بالكافرين. الكافرين: التي تدل على الحدث أو الفعل.
سورة الزمر [٣٩: ٣٣]
﴿وَالَّذِى جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾:
﴿وَالَّذِى﴾: اسم موصول يفيد المدح، أيْ: رسول الله ﷺ وقد تعني: جبريل ﵇، والّذي صدق به محمّد صلى لله عليه وسلم.
﴿جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: بالقرآن والإسلام دين الحق الباء للإلصاق، أيْ: هو الصّدق بذاته.
﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: أمثال صحابة رسول الله ﷺ ، أمثال أبي بكر وخديجة
стр. 4533
﵄ وعمر وعثمان وعلي وسائر المؤمنين، وقد تعني: من صدق به أيضاً من النّاس.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾: أولئك اسم إشارة واللام للبعد وتفيد المدح وعلو المنزلة.
﴿هُمُ﴾: تفيد التّوكيد، أيْ: هم المتقون حقاً، أو إذا كان هناك متقون فهم المتقون لا غيرهم.
﴿الْمُتَّقُونَ﴾: جملة اسمية تفيد الثّبوت ثبوت التّقوى كصفة لهم، أي: المطيعون لأوامر الله تعالى والمجتنبون لنواهيه.
سورة الزمر [٣٩: ٣٤]
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾:
﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
﴿مَا يَشَاءُونَ﴾ ما اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية ما يشتهونه ويتمنونه أو يحبون، ما: عامة وتعني: منتهى الغاية والطّلب.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: عند: ظرف مكان أو زمان هذه العندية في الآخرة هي أفضل وأشرف العنديات على الإطلاق، عندية السّلام والأمن والقرار.
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة في الآخرة واللام للبعد، ويشير إلى النِّعم وما يشتهون.
﴿جَزَاءُ﴾: الجزاء يكون من جنس العمل، وفيه معنى المقابلة مقابلة الشّيء بالشّيء مقابلة الحسنة بعشر أمثالها، أو (٧٠ ضعف)، أو (٧٠٠ ضعف)، أو أكثر من ذلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
стр. 4534
﴿الْمُحْسِنِينَ﴾: ولم يقل: جزاء المتقين، بل رفعهم إلى منزلة المحسنين وجزاهم الله كما يجزي المحسنين بفضله وكرمه.
المحسنين: جمع محسن صفة الإحسان أصبحت ثابتة لهم، ولمعرفة معنى الإحسان ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة للبيان.
سورة الزمر [٣٩: ٣٥]
﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِى كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ﴾: اللام لام التّعليل، يكفر: الكفر هو السّتر ويعني يمحو الله عنهم أسوأ الّذي عملوا.
﴿عَنْهُمْ﴾: تعود على المتقين.
﴿أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُوا﴾: أي: الكبائر (السّيئات هي الصّغائر) وهذه بشرى من الله تعالى، أيْ: يغفر الذنوب جميعاً، وهذا من فضل الله تعالى وسعة رحمته.
وهناك أعظم درجة من ذلك، وهي أن يبدل الله سبحانه سيئاتهم حسنات، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠].
﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِى كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ويجزيهم أجرهم: الأجر مقابل العمل، بأحسن: الباء للإلصاق على وزن أفعل التّفضيل.
الّذي: اسم موصول معرفة ويعني: الإيمان والتّصديق ويعني: ذلك الجزاء جزاء خاص بهم وحدهم.
كانوا يعملون: في الحياة الدّنيا من الأعمال الصّالحة.
стр. 4535
يعملون تضم الأقوال والأفعال.
فآية الزّمر هذه وآية العنكبوت (٧) جاءتا بقوله: ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِى كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: جزاء خاص بهم وحدهم.
أما آية النّحل آية (٩٧) فجاءت بقوله تعالى: ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ما: عامة ونكرة فالجزاء في آية النّحل جزاء عام لكلّ مؤمن ومؤمنة كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾. ارجع إلى سورة النّحل آية (٩٧) للبيان، ومعرفة الفرق بين الآيتين.
سورة الزمر [٣٩: ٣٦]
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾:
﴿أَلَيْسَ﴾: الهمزة همزة استفهام وتقرير وتثبيت والجواب بلى.
﴿اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾: الباء في بكاف للتوكيد، عبده: محمّد ﷺ أو أي عبد من عباده، بكاف عبده شر من عاداه من الكافرين والّذين حاولوا قتله أو إخراجه أو تثبيته.
وكاف عبده بالرّزق والإنعام عليه بالعافية وما يحتاجه في دنياه.
كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].
﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: إضافة النّون في يخوفونك بدلاً من يخوفوك تدل على التّوكيد ويخوفونك جهلاً وضلالاً.
بالّذين من دونه: أيْ: بالآلهة والأوثان والأصنام، من دونه: من غير الله
стр. 4536
فلا تخف فإنّ الله ناصرك وعاصمك من النّاس وتخويفهم هو عبثاً وباطلاً والتّخويف بإصابتك بالضّر أو المكروه.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: من شرطية.
يضلل الله: الله سبحانه لا يُضل أحداً أبداً أيْ: من يُضلل ويختار لنفسه طريق الضّلال والفساد ويصر على ذلك بسبب فسقه وظلمه، ويبتعد بعيداً عن دينه، فما له من هاد يهديه.
فما له من هاد: الفاء للتوكيد، ما النّافية، له: اللام للاختصاص، من: استغراقية، هاد: يهديه أو يعيده إلى الطّريق الحق والهداية والرّشاد، إلا الله وحده.
سورة الزمر [٣٩: ٣٧]
﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى انْتِقَامٍ﴾:
﴿وَمَنْ﴾: شرطية.
﴿يَهْدِ اللَّهُ﴾: يوفقه للإيمان والإسلام والتّقوى والعمل الصّالح، أيْ: هذا المهتد هو الّذي اختار لنفسه طريق الهداية وسار فيها وطلب المساعدة والعون من الله سبحانه فالله سبحانه وعده بالزّيادة في الهدى والتّقوى، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمّد: ١٧].
﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُّضِلٍّ﴾: الفاء جواب شرط، ما: النّافية، له: اللام لام الاختصاص، من استغراقية تستغرق أيَّ إنسان أو جنٍّ. مضل: اسم فاعل يدل على الثبوت.
﴿أَلَيْسَ﴾: الهمزة همزة استفهام تقريري.
стр. 4537
﴿بِعَزِيزٍ﴾: الباء للتوكيد، عزيز، أيْ: قوي لا يُغلب ولا يُقهر وممتنع لا يضره ولا ينفعه أحد.
﴿ذِى انْتِقَامٍ﴾: قادر على أن ينتقم ممن عاداه أو عادى رسوله ﷺ وعباده المؤمنين أيْ: أليس الله بغالب وقاهر لكلّ شيء الجواب بلى.
سورة الزمر [٣٩: ٣٨]
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾:
﴿وَلَئِنْ﴾: اللام للتوكيد، إن شرطية تفيد الاحتمال أو النّدرة.
﴿سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ وغيره من المؤمنين، اللام للتوكيد والنّون في ليقولن لزيادة التّوكيد، من: استفهامية، خلق السّموات والأرض: ارجع إلى سورة فصلت آية (٩ - ١٢) وسورة الأنبياء آية (٣٠) فهم يعترفون ويقرون بأنّ الخالق هو الله، ومع ذلك لا يعتبرون ذلك دليلاً على وحدانيته وقدرته، فيلجؤون إلى عبادة الأصنام والآلهة ظانين أنّها تشفع لهم أو تقرِّبهم عند الله زلفى، وما لهم بذلك من علم إلا اتباع الظّن.
ثم يطلب من رسول الله ﷺ أن يسألهم سؤالاً آخر.
﴿قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أفرأيتم: الهمزة للاستفهام التّقريري والإنكار، أرأيتم: أيْ: أخبروني بعلم، ما: لغير العاقل وتشمل العاقل.
стр. 4538
﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: ما تعبدون من دون الله من الأصنام والآلهة وعيسى وعزير والملائكة.
﴿إِنْ أَرَادَنِىَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال أو الفرض وتدل على النّدرة والقلة في الحدوث، بضُر: بضم الضّاد الباء للإلصاق، بضر بصيغة النّكرة لتشمل كلّ أنواع الضّر من مرض وفقر وشدة وخوف. وأما الضَّر: بفتح الضّاد: فضد النّفع.
﴿هَلْ﴾: للاستفهام تفيد النّفي.
﴿هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾: هل الأصنام والأوثان قادرة على أن تزيل ضُره أو ترفعه عنهم.
﴿أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ﴾: من صحة أو غنى أو خير أو أمن أو أي رحمة مهما كانت.
﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾: أيْ: مانعات رحمته أن تصل إلى العبد الجواب لا واستعمل صيغة التّأنيث؛ لأنّهم كانوا يسمون الآلهة باللات والعزة ومناة الأخرى تسمية الأنثى، وتكرار (هل هن مرتين) يفيد التّوكيد ونفي كلٍّ منهما على حِدَةٍ كشف الضّر أو الإصابة برحمته أو كلاهما.
﴿قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾: الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ إن أجابوك بقولهم بلا فهم قد أقروا بالحق، وإن لم يجيبوك أو امتنعوا عن الإجابة، فقل عندها: حسبي الله، أيْ: يكفيني الله في دفع الضّر عني
стр. 4539
أو جلب الخير لي أو الرّحمة؛ لأنّ هذا الجواب يقيم عليهم الحُجَّة وما أنت بحاجة إلى أحد سواه أبداً.
﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾: تقديم الجار والمجرور للدلالة على القصر أيْ: عليه وحده يتوكل المتوكلون، جمع متوكل، المتوكلون أعلى درجة من المؤمنين، فكل متوكِّل مؤمن، وليس كلّ مؤمن متوكِّلاً.
ويتوكل المتوكلون: بصيغة المضارع؛ لأنّ عملية التّوكل مستمرة ودائمة لا تتوقف والتّوكل يعني: تقديم كلّ الأسباب أولاً، ثم تفويض الأمر لله حتّى يساعدك على تحقيق الغاية المرجوة. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٩) لبيان المزيد في معنى التوكل.
سورة الزمر [٣٩: ٣٩]
﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾:
﴿قُلْ﴾: يا رسول الله ﷺ .
﴿يَاقَوْمِ﴾: يا أداة نداء ينادي الأعلى الأدنى يا قوم نداء فيه عطف ومحبة.
﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ﴾: أي: ادعوهم إلى الإيمان أولاً والتّصديق بما أنزل الله تعالى، فإن لم يستجيبوا لك ولم تفلح أيُّ الحجج معهم والبراهين الّتي تثبت بطلان عبادتهم لتلك الآلهة، عندها قل لهم: اعملوا على مكانتكم.
﴿مَكَانَتِكُمْ﴾: ولها معانٍ مختلفةٍ، قد تعني: المكان مكان الإقامة أو المكانة الدّرجة والمنزلة الاجتماعية أو الطّريقة العادة والسُّنة، أو التّمكين في الأرض: القدرة والطّاقة، وتعني هذه الآية: أي: استمروا وابقوا على حالتكم من
стр. 4540
العناد والإعراض وعدم الإيمان والاستكبار والتّكذيب، أو اعملوا ما في وسعكم (طاقتكم) من الكفر والعناد أو جهدكم.
﴿إِنِّى عَامِلٌ﴾: وأنا عامل على مكانتي في تبليغ الرّسالة والدّعوة إلى الله والحرص على هدايتكم، أو عامل أقصى استطاعتي أو جهدي في تبليغ رسالتي.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: الفاء للتأكيد، سوف للاستقبال البعيد والتّراخي في الزّمن، أيْ: سوف تعلمون بعد موتكم أو بعثكم.
وفي الآية تهديد ووعيد لكلّ كافر أو مشرك، ولم يقل: فسوف تنظرون؛ لأنّ سوف تعلمون أوسع في المعنى؛ لأنّ العلم أوسع وأعم من النّظر أو البصر؛ لأنّ العلم يأتي من كلّ جهة ومصدر وكل زمن تنظرون الجهة محددة ومقصورة على الرّؤيا والحادثة المعينة.
لنقارن هذه الآية (٣٩) من سورة الزّمر وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مع الآية (٩٣) من سورة هود، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
نلاحظ أنّه في آية الزمر استعمل قل يا قوم واستعمل معها في نهاية الآية فسوف تعلمون القائل هو رسول الله ﷺ ، والتهديد والوعيد فيها أشد؛ فقد جاءت في سياق الدعوة والتبليغ، ونلاحظ في آية هود استعمل يا قوم (من دون قل) استعمل معها سوف من دون الفاء والسبب قد يعود أنه حين استعمل قل يا قوم ناسب التّوكيد بفاء التّعقيب والمباشرة فقال فسوف، وعندما لا يستعمل قل لا يؤكد فيأتي بـ (سوف)، والقائل هنا هو شعيب ﵇، وليست في سياق الدعوة
стр. 4541
والتبليغ؛ فالتهديد والوعيد فيها أقل، وعلى حافظ القرآن أن يتذكر ذلك؛ أي: (قل يقابلها فسوف، بدون قل يقابلها سوف).
سورة الزمر [٣٩: ٤٠]
﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾:
﴿مَنْ﴾: ابتدائية وهي هنا اسم موصول بمعنى الّذي وتشمل المفرد والمثنى والجمع وللعاقل، بينما الذي تشمل المفرد فقط؛ فسوف تعلمون الّذي يأتيه أو هي اسم استفهام فهي تعني من الّذي يأتيه عذاب يُخزيه.
﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾: أيْ: يفضحه ويُذله الله في الدّنيا.
﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾: أيْ: دائم مستمر لا ينقطع ولا يخفف وهو عذاب الآخرة.
ولماذا اختار كلمة يحل عليه بدلاً من يأتيه عذاب مقيم؟
لأنّ يأتيه تحمل معنى احتمال أن يأتيه ثم يذهب عنه ويزول ولا يستمر أيْ: غير دائم مثل عذاب الدّنيا حتّى ولو استمر ينتهي بموته بينما يحل عليه عذاب مقيم يعني: ثابت لا يتغير ولا ينقطع وهو عذاب الآخرة.
стр. 4542
سورة الزّمر [الآيات ٤١ - ٤٧]
سورة الزمر [٣٩: ٤١]
﴿إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم.
﴿أَنزَلْنَا﴾: ولم يقل: نزلنا، أنزلنا تعني: جملة واحدة أو دفعة واحدة، الكتاب من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا ليلة القدر.
ونزلنا تعني: منجماً على دفعات بشكل تدريجي خلال (٢٣) سنة وفقاً للحوادث.
﴿عَلَيْكَ﴾: ولم يقل: إليك، عليك تعني الجهة، أيْ: من السّماء، تفيد العلوية وتفيد الاستعلاء والمشقة، عليك تأتي في سياق الدّعوة إلى الله والتّبليغ مثلاً.
أمّا إليك من إلى التي تفيد كلّ الغايات (البداية والنّهاية أو ما بينهما)، وإليك تفيد أو تعني الانتهاء. أيْ: أنزلنا إليك: أنزلنا الكتاب لينتهي أو يصل إلى أمتك. ارجع إلى الآية (٢) من نفس السورة، والآية (٤) من سورة البقرة لمزيد من البيان في أنزلنا عليك وإليك.
﴿الْكِتَابَ﴾: القرآن وجاء بأل التّعريف للدلالة على الكمال، أي: الكتاب الكامل التّام وسُمِّي الكتاب؛ لأنّه مكتوب في اللوح المحفوظ ومكتوب في السّطور ولمزيد من البيان في كلمة الكتاب. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢).
стр. 4543
﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام لام الاختصاص أيْ: للناس كافة والنّاس مشتقة من النّوس أي: الحركة وتشمل الثّقلين الإنس والجن.
﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق والملازمة أيْ: هو الحق، والحق هو الكتاب. والحق: هو الأمر الثابت الذي لا يتغير، أو يتبدل، وليس هناك غيره.
﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾: الفاء للتوكيد، من قد تكون اسم موصول بمعنى الّذي أو استفهامية تعني: من الّذي يهتدي.
﴿فَلِنَفْسِهِ﴾: الفاء للتوكيد واللام لام الاستحقاق أو الملكية أيْ: لصالح نفسه أو يفيد نفسه أي: الهداية تعود عليه بالنّفع.
﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾: مثل من اهتدى.
﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء للتوكيد، إنما للحصر والتّوكيد.
﴿يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: على تفيد الاستعلاء، أيْ: وبال أو عاقبة ضلالة واقع عليه.
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾: ما النّافية، أيْ: ما أنت مكلف بالدّفاع عنهم أو مسؤول عنهم وعن هدايتهم، كما في قوله: وما أنت عليهم بجبار، أيْ: لا تستطيع أن تجبرهم على الإيمان، إنّ عليك إلا البلاغ والبيان.
﴿بِوَكِيلٍ﴾: الباء للتوكيد.
سورة الزمر [٣٩: ٤٢]
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾:
﴿اللَّهُ﴾: قدَّم الفاعل على الفعل ليدل على الحصر والقصر، أيْ: هو وحده القادر على ذلك.
стр. 4544
﴿يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾: يتوفى لها معانٍ عدة الاستيفاء والتّمام أيْ: يسترد الأمر أو الشّيء تاماً ولها معنى الموت.
﴿الْأَنفُسَ﴾: جمع نفس والنّفس ليست هي الرّوح كما دلت البراهين والأدلة العلمية، وهذا قاله ابن عباس: إن في ابن آدم نفساً وروحاً بينهما مثل شعاع الشّمس فالنّفس الّتي بها العقل والتّمييز، والرّوح هي الّتي تبعث الحياة في كلّ الجسم وكلّ عضو؛ العين والبصر والعقل والقلب والرّئتين وغيرها.
أمّا النّفس: تعني شيء محسوس لها علاقة بالحركة بشكل عام؛ فهي قد تتمثل بمنطقة الوعي والإدراك والذاكرة والتّمييز والأحاسيس والإرادة والنّطق (الكلام) والضّحك والبكاء والنّوم. والّتي سماها ﴿بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] وتشير البحوث العلمية أنّها تقع في الفص الجبهي للدماغ، والّتي يمكن تعطيلها بالنوم (بما تفرزه الغدد من هرمونات تؤدي إلى النوم)، وعدم الحركة، وكما نراه يحدث حين حقن المادة المخدرة، كما يحدث في عمليات الجراحة فينام المريض ولا يشعر بالألم، وتبقى الروح سارية في الجسم بدون أن تتأثر.
فالله سبحانه في هذه الآية يدلنا على عظمته وقدرته. فهو يتوفى الأنفس في حالتين حين موتها: عند خروج الرّوح من البدن (بالموت أو القتل) وخروج الرّوح يؤدِّي إلى وفاة النّفس، فحين تخرج الرّوح تموت النّفس أو تتعطل وحين تبقى الرّوح وتتعطل النفس (يتوفى الأنفس) كما يحدث في النّوم، وغيره من الحالات، وهناك فرق بين الأنفس والنفوس؛ الأنفس: عادة تدل على جمع قلة، والنفوس: تدل على جمع كثرة، وتشمل كل النفوس، ونحن نعلم أن جمع القلة إذا دخلت عليه أل التعريف، أو الاستغراق يتحول إلى جمع كثرة بمعنى لكل الأنفس، ولماذا لم يستعمل كلمة نفوس التي هي للكثرة ما دامت الأنفس جمع
стр. 4545
كثرة، والنفوس جمع كثرة من البداية؟ لأن العرب تختار عادة وتفضل اللفظ الخفيف (الأنفس)، ولا تختار أو تفضل اللفظ الثقيل (النفس).
﴿وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾: أي: الله سبحانه يتوفى الّنفس عند النّوم والرّوح ما زالت تعمل في البدن، أيْ: يعطل عمل النّفس عند اللزوم ويتم ذلك بإفراز هرمونات خاصة تسري في الدّم وتعطل عمل النّفس ينام الإنسان في تلك الفترة، وإذا أراد الله سبحانه أن يبعث النّفس مرة أخرى في البدن عندها يستيقظ النّائم، ويتكرر ذلك كل ليلة إلى أن ينقضي أجله، وإذا أراد أن يمسكها يبقيها إلى فترة طويلة يصاب الإنسان بسبات، أيْ: فقد الوعي يستمر إلى مرحلة حتّى يستيقظ من سباته أو تقبض روحه (تخرج) وتموت معها أو تتعطل معها النّفس حتّى تبعث في القبر.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: إن: تفيد التّوكيد.
﴿فِى ذَلِكَ﴾: في ظرفية، ذلك تَوَفِّي الأنفس عند الموت وعند النوم.
﴿لَآيَاتٍ﴾: اللام لام التّوكيد.
﴿لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: اللام لام الاختصاص، أيْ: ينتفع بها القوم الّذين يتفكرون، التّفكر: هو النّظر في الدّلائل (الآيات) للوصول إلى الحقيقة وهي أنّ الله هو الإله الحق الّذي يجب أن يعبد وحده ولا يشرك به، وأنّه الخالق المصور والبديع والفاطر لقوم يتفكرون بقدرته وعظمته في الخلق والتدبير والسيطرة، يتفكرون بخلق الإنسان وما أودع الله سبحانه فيه من أسرار الخلق التي يكتشف بعضها علماء الطب في كل يوم.
стр. 4546
سورة الزمر [٣٩: ٤٣]
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾:
بعد أن بيَّن الله سبحانه القدرة العجيبة على تَوَفِّي الأنفس ما كان يصح أو يُعقل أن يتخذوا شفعاء من دونه.
﴿أَمِ﴾: للإضراب الانتقالي والهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ.
﴿اتَّخَذُوا﴾: جعلوا أو صيَّروا، اتخذوا من اتخذ على وزن افتعل فيها معنى التّكلف والمشقة.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله.
﴿شُفَعَاءَ﴾: جمع شفيع، كي يشفعوا لهم عند الله، ولتعريف الشّفاعة ارجع إلى سورة النّساء آية (٨٥).
أي: بدلاً من أن يسألوا الله المغفرة والعفو سألوا الآلهة والأصنام أن تكون واسطة لهم، وليس هناك داعٍ لذلك إلا قصر عقولهم، وللشفاعة شروط على كل حال:
الأول: هو أن يأذن الله تعالى للشافع أن يشفع ويأذن للمشفوع له.
الثّاني: أن يكون المشفوع له من أهل التّوحيد ويستحق الشّفاعة.
فهذه الشّفاعة الّتي يرجونها باطلة وغير مقبولة عند الله .
﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾: قل لهم يا رسول الله أَوَلَوْ: الهمزة للاستفهام للتوبيخ والتّقريع.
كانوا لا يملكون: لا يملكون مثقال ذرة في السّموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك.
стр. 4547
﴿شَيْئًا﴾: والشيء: هو كل ما يُعلم ويُخبر عنه سواء أكان حسياً، أم معنوياً، والشيء: أقل القليل، وشيئاً: نكرة تشمل أي شيء من مقومات الشفاعة، ومهما كان نوعه.
ولا يعقلون تكرار لا النّافية تفيد التّوكيد وفصل لا يملكون عن لا يعقلون فهم لا يملكون شيئاً ولا يعقلون ولا كلاهما معاً ولا يعقلون؛ لأنّهم أصنام وحجارة ليس لها عقول، أو هم ليس لهم عقول حقة يعقلون بها.
سورة الزمر [٣٩: ٤٤]
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله.
﴿لِلَّهِ﴾: اللام لام الاختصاص، وتقديم لله يفيد القصر.
﴿الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾: لتعريف الشّفاعة ارجع إلى الآية (٨٥) من سورة النّساء.
جميعاً: للتوكيد، أيْ: هو بيده الشّفاعة جميعاً فلا يشفع أحد إلا بإذنه ولمن يشاء الله ويرضى، أيْ: هو مالك الشّفاعة جميعاً.
﴿لَهُ﴾: تقديم الجار والمجرور له يدل على الحصر والقصر له وحده ملك السّموات الأرض ولا شريك له.
﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: فهو الحاكم والمالك للسموات والأرض والشفاعة لا تتم إلا بإذن من الحاكم والمالك للشّفاعة جميعاً.
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي الزّمني.
﴿إِلَيْهِ﴾: تقديم إليه يفيد الحصر، أيْ: إليه وحده.
стр. 4548
﴿تُرْجَعُونَ﴾: يوم القيامة للحساب والجزاء على شرككم وكفركم ترجعون قسراً من دون اختيار أو إرادة.
سورة الزمر [٣٩: ٤٥]
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرف زماني.
﴿ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾: من دون ذكر آلهتهم، أيْ: ذكر الله بالتّوحيد، أيْ: قيل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: الشّمْزِ: وهو نفور النّفس مما تكره أو ضيق في النّفس وغم ويظهر أثره على الوجه، اشمأز: انقبض واقشعر أو ذعر والمشمئز: النّافر والكاره المذعور.
﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: أي: لا يصدقون بالبعث والحساب والجزاء.
﴿وَإِذَا﴾: ظرفية زمانية تفيد حتمية الحدوث وبكثرة.
﴿ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: أي: الآلهة أو الأصنام والشّركاء من دونه من سواه إذا هم يستبشرون.
﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾: يشعرون بالسّرور والفرح والاستبشار هو امتلاء القلوب سروراً يظهر ذلك على بشرة الوجه، يستبشرون: لفرط ارتباطهم بالأصنام وميلهم إلى الشّركاء ولأنّهم يظنون أنّهم يشفعون لهم أو يقربوهم عند الله زلفى.
سورة الزمر [٣٩: ٤٦]
﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾:
﴿قُلِ﴾: يا محمّد ﷺ .
стр. 4549
﴿اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: اللهم عبارة عن لفظ الجلالة (الله) ألحقت به الميم المشددة بدلاً من حرف النّداء الياء (يا الله) الّتي تفيد البعد؛ لأنّه سبحانه قريب وأقرب إلينا من حبل الوريد، وتحولت إلى (اللهم).
﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: فاطر: الّذي أخرج وأظهر للوجود السّموات والأرض.
فاطر: اسم فاعل من فعل فطر، شق فظهر وقيل: تفطر الشّجرة إذا تشقق بالورق، وفطر السّموات والأرض أوجدهما وأظهرهما ولا يقال: فاطر إلا لله وحده.
﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: ارجع إلى الآية (٧٣) من سورة الأنعام للبيان.
﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: أنت: للتوكيد، تحكم: تفصل، ارجع إلى سورة الأنعام آية (٦٢) لبيان معنى تحكم.
فيما: في ظرفية، ما: تعني الّذي أو مصدرية.
كانوا فيه يختلفون: أيْ: في الدّنيا. في أمور الدّين والعبادات والعقائد ومن كلّ على الحق أو الصواب أو من كان على الباطل أو الخطأ.
سورة الزمر [٣٩: ٤٧]
﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾:
﴿وَلَوْ أَنَّ﴾: لو: شرطية، أن: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد.
﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: اللام للاختصاص، ظلموا: أشركوا أو ظلموا أنفسهم بالشّرك والمعاصي أو خرجوا عن منهج الله تعالى؛ مما أدَّى ظلم أنفسهم وإيقاعها في التّهلكة.
стр. 4550
﴿مَا فِى الْأَرْضِ﴾: من أموال وملك وذخائر وخزائن وأشياء ثمينة وعلى فرض أنّهم يملكون ذلك.
﴿جَمِيعًا﴾: للتوكيد.
﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾: وعلى فرض أنّه مضاعف؛ أي: ضعفين.
﴿لَافْتَدَوْا بِهِ﴾: اللام لام التّعليل.
افتدوا به: أيْ: على فرض قدَّموه ومثله معه فداءً لهم للنجاة.
﴿مِنْ﴾: ابتدائية.
﴿سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أشد العذاب كماً ونوعاً وأفظعه ما تُقبل منهم.
﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾: بدا لهم: أظهر وبان لهم كثير من الحقائق لم تكن تختطر على بالهم.
١ - كثيراً من السّيئات دون أن يشعروا بها أنّها سيئات.
٢ - كثيراً ما عملوا من السّيئات نسوها وأحصاها الله.
٣ - كثيراً مما زين لهم الشّيطان من السّوء فرأوه حسناً.
٤ - أن الآلهة والأولياء وعيسى والملائكة وغيرهم لن يشفعوا لهم.
٥ - أن سادتهم وكبرائهم يتبرؤون منهم.
٦ - أن أعمالهم قد حبطت وأصبحت هباءً منثوراً بسبب شركهم وريائهم.
٧ - ظهر لهم من غضب الله وعذابه ما لم يكن قط في حسابهم ولم يحدثوا أو يفكروا به.
стр. 4551
سورة الزّمر الآيات [٤٨ - ٥٦]
سورة الزمر [٣٩: ٤٨]
﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾:
﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾: ظهر وبان لهم.
﴿سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾: سيئات جمع سيئة والسّيئة هي كلّ ما يسوء النّفس، أيْ: تظهر لهم كلّ أعمالهم السّيئة القبيحة حين يقرؤون كتبهم، كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣].
ويظهر لهم بعدها جزاؤها وعقوبتها والجزاء من جنس العمل.
﴿مَا﴾: الّذي أو مصدرية.
﴿كَسَبُوا﴾: من الكفر والشّرك والفسق والعصيان.
استعمل كسبوا بدلاً من اكتسبوا لتدل على أنّهم كانوا يعملون السّيئات مثل المعاصي والشّرك والكفر من دون مشقة أو افتعال أو حذر أو خوف أن يطلع عليها النّاس وأنّهم مارسوها دون تكلف فأصبحت سهلة وأمر عادي وأما كسبوا فعادة تستعمل لأفعال الخير والحسنات.
﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾: أحاط بهم أو نزل بهم العذاب الّذي كانوا به يستهزؤون حيث كانوا لا يظنون أنّه واقع بهم أو كانوا يستعجلونه كقولهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].
стр. 4552
﴿مَا﴾: عامة تشمل كلّ ما كانوا به يستهزؤون سواء بالله أو آياته أو رسله أو الدّار الآخرة أو الجنة أو النّار.
والاستهزاء يعني: التّصغير والحط من شأن الآخر أو الشّيء والعيب والاستخفاف به من دون أن يقوم المستهزئ به أي بعمل سابق يستحق الاستهزاء به، كما هو الحال في السّخرية الّتي يسبقها فعل من المسخور منه، وفيها معنى التّذليل.
سورة الزمر [٣٩: ٤٩]
﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
المناسبة: جاء الله سبحانه بهذه الآية لتبين عمى بصيرة بعض الجاحدين لنعم الله، أو غير الشاكرين لله تعالى.
﴿فَإِذَا﴾: إذا ظرفية زمانية شرطية، تستعمل للشيء المحقق حدوثه.
﴿مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾: ارجع إلى الآية (٨) من نفس السّورة (الزّمر).
﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾: ثم: للترتيب الذّكري، إذا: ظرفية شرطية تستعمل للشيء المحقق حدوثه.
﴿خَوَّلْنَاهُ﴾: أعطيناه أو آتيناه، ولا تعني: التّمليك.
﴿نِعْمَةً مِنَّا﴾: النّعمة تعريفها: هي ما يهبه الله لعبده من خير أو يمنحه نعمة أو منفعة أو يدفع عنه مضرة.
نعمة نكرة للتعظيم، ولتشمل كلّ أنواع النّعم الظاهرة والباطنة مثل الصّحة
стр. 4553
والعافية والغنى والأمن والرّخاء، منا: نعمة عامة ولم يقل من لدنا أو عندنا الّتي تدل على أنّها نعمة خاصة.
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾: زعم الجاحد والمشرك أنّ هذه النّعمة بسبب علمه أيْ: قدرته ومعرفته وخبرته كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِى﴾ [القصص: ٧٨]، أو زعم باطلاً أنّ الله علم أنّه يستحق ذلك، وهو أهل لذلك فأعطاه ما دعاه إليه، وهذا ليس بصحيح.
﴿بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ﴾: بل للإضراب الإبطالي.
هي: للتوكيد.
فتنة: ابتلاء؛ أي: ما يجريه رب العزة على عباده لاختبارهم والفتنة أشد من الاختبار وأبلغ، وتكون في الخير والشّر، ولا يقصد بالفتنة هنا تغير حاله من الضّراء إلى السّراء فقط، وإنما المراد بها معرفة شدة كفره وجحده لنعم الله أو شكره للمنعم (ليشكر أو يطغى) وكذلك فتنة إذا لم يعطها له ولم يستجب دعائه.
ونتيجة الفتنة لتكون حُجَّة عليه أو حُجَّة له، والله سبحانه غني عن أن يفتن العبد لمجرد الفتنة.
﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد.
﴿أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أكثر النّاس لا يعلمون أنّها فتنة لتكون حُجة عليهم أو حُجة لهم، والقليل يعلمون أنَّ ما يصيبهم من ضراء أو سراء أو خير أو شر، فتنةٌ.
سورة الزمر [٣٩: ٥٠]
﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾:
﴿قَدْ﴾: للتحقيق والتّوكيد.
стр. 4554
﴿قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أيْ: مثل قولهم: إنما أوتيته على علم عندي، قد قالها قارون من قبلهم، أو غيره من النّاس.
﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: من تفيد الزّمن القريب، قبلهم: تعود على كفار قريش، قد قالها: الهاء هنا تعود على الكلمة إنما أوتيته على علم عندي.
﴿فَمَا أَغْنَى﴾: الفاء عاطفة، ما النّافية، أغنى عنهم، ما دفع عنهم العذاب أو خففه أو نفعهم.
﴿مَا كَانُوا﴾: تعني: الّذي أو مصدرية أيْ: كسبهم في الدّنيا. وما: أوسع شمولاً من الذي.
كانوا: في الدّنيا.
﴿يَكْسِبُونَ﴾: من متاع ومال وعرض أو عبادة الأصنام أو كفر النّعمة والشّرك حين يكسبون بصيغة المضارع للدلالة تكرار كسبهم، أو عدم توبتهم، أو على حكاية الحال للدلالة على شنيع كسبهم، وكأنّهم يكسبون السّيئات الآن.
سورة الزمر [٣٩: ٥١]
﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾:
﴿فَأَصَابَهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، أصابهم سيئات ما كسبوا: الضّمير هنا يعود على الّذين قالوا الكلمة (إنما أوتيته على علم)، أصابهم: حل بهم ونزل.
﴿سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾: أيْ: جزاء سيئاتهم (أي: العذاب) جزاء الّذي كسبوا في الدّنيا من الكفر والشّرك والظّلم والفسق والمعاصي، ومنه ما كان في الدّنيا من هزيمة ومرض وشدة وقتل، ومنه ما هو قادم يوم القيامة.
стр. 4555
﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ﴾: والّذين أشركوا الظّلم قد يعني الشّرك، أو ظلموا أنفسهم بالخروج عن منهج الله تعالى أو عدم الإيمان.
﴿مِنْ هَؤُلَاءِ﴾: من ابتدائية استغراقية، هؤلاء تعود على كفار مكة أو مشركيها أو غيرهم.
﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾: السّين للاستقبال القريب، يصيبهم سيئات ما كسبوا: سيصيبهم العذاب جزاء ما كسبوا من الشّرك والكفر والمعاصي والفسق. ارجع إلى مطلع الآية.
وتكرار ما كسبوا للتوكيد، وقد يكون اكتساب هؤلاء ليس هو نفس هؤلاء؛ لذلك فصل الأول عن الثّاني أو كلاهما.
﴿وَمَا هُمْ﴾: ما النّافية، هم للتوكيد.
﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: الباء للإلصاق، معجزين: غالبين أو فائتين من العذاب أو ناجين بالهرب والإفلات من العقوبة.
ثم بيَّن لهم الحق سبحانه وصحَّح لهم اعتقادهم فقال: إنّ الرّزق بيد الله وحده، وليس كما قالوا: إنما أوتيته على علم عندي.
سورة الزمر [٣٩: ٥٢]
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ.
أو لم يعلموا: هذا أسلوب من أساليب البيان بدلاً من أن يخبرك الله بالخبر
следующие страницы →