Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.
стр. 4551
سورة الزّمر الآيات [٤٨ - ٥٦]
سورة الزمر [٣٩: ٤٨]
﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾:
﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾: ظهر وبان لهم.
﴿سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾: سيئات جمع سيئة والسّيئة هي كلّ ما يسوء النّفس، أيْ: تظهر لهم كلّ أعمالهم السّيئة القبيحة حين يقرؤون كتبهم، كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣].
ويظهر لهم بعدها جزاؤها وعقوبتها والجزاء من جنس العمل.
﴿مَا﴾: الّذي أو مصدرية.
﴿كَسَبُوا﴾: من الكفر والشّرك والفسق والعصيان.
استعمل كسبوا بدلاً من اكتسبوا لتدل على أنّهم كانوا يعملون السّيئات مثل المعاصي والشّرك والكفر من دون مشقة أو افتعال أو حذر أو خوف أن يطلع عليها النّاس وأنّهم مارسوها دون تكلف فأصبحت سهلة وأمر عادي وأما كسبوا فعادة تستعمل لأفعال الخير والحسنات.
﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾: أحاط بهم أو نزل بهم العذاب الّذي كانوا به يستهزؤون حيث كانوا لا يظنون أنّه واقع بهم أو كانوا يستعجلونه كقولهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].
стр. 4552
﴿مَا﴾: عامة تشمل كلّ ما كانوا به يستهزؤون سواء بالله أو آياته أو رسله أو الدّار الآخرة أو الجنة أو النّار.
والاستهزاء يعني: التّصغير والحط من شأن الآخر أو الشّيء والعيب والاستخفاف به من دون أن يقوم المستهزئ به أي بعمل سابق يستحق الاستهزاء به، كما هو الحال في السّخرية الّتي يسبقها فعل من المسخور منه، وفيها معنى التّذليل.
سورة الزمر [٣٩: ٤٩]
﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
المناسبة: جاء الله سبحانه بهذه الآية لتبين عمى بصيرة بعض الجاحدين لنعم الله، أو غير الشاكرين لله تعالى.
﴿فَإِذَا﴾: إذا ظرفية زمانية شرطية، تستعمل للشيء المحقق حدوثه.
﴿مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾: ارجع إلى الآية (٨) من نفس السّورة (الزّمر).
﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾: ثم: للترتيب الذّكري، إذا: ظرفية شرطية تستعمل للشيء المحقق حدوثه.
﴿خَوَّلْنَاهُ﴾: أعطيناه أو آتيناه، ولا تعني: التّمليك.
﴿نِعْمَةً مِنَّا﴾: النّعمة تعريفها: هي ما يهبه الله لعبده من خير أو يمنحه نعمة أو منفعة أو يدفع عنه مضرة.
نعمة نكرة للتعظيم، ولتشمل كلّ أنواع النّعم الظاهرة والباطنة مثل الصّحة
стр. 4553
والعافية والغنى والأمن والرّخاء، منا: نعمة عامة ولم يقل من لدنا أو عندنا الّتي تدل على أنّها نعمة خاصة.
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾: زعم الجاحد والمشرك أنّ هذه النّعمة بسبب علمه أيْ: قدرته ومعرفته وخبرته كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِى﴾ [القصص: ٧٨]، أو زعم باطلاً أنّ الله علم أنّه يستحق ذلك، وهو أهل لذلك فأعطاه ما دعاه إليه، وهذا ليس بصحيح.
﴿بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ﴾: بل للإضراب الإبطالي.
هي: للتوكيد.
فتنة: ابتلاء؛ أي: ما يجريه رب العزة على عباده لاختبارهم والفتنة أشد من الاختبار وأبلغ، وتكون في الخير والشّر، ولا يقصد بالفتنة هنا تغير حاله من الضّراء إلى السّراء فقط، وإنما المراد بها معرفة شدة كفره وجحده لنعم الله أو شكره للمنعم (ليشكر أو يطغى) وكذلك فتنة إذا لم يعطها له ولم يستجب دعائه.
ونتيجة الفتنة لتكون حُجَّة عليه أو حُجَّة له، والله سبحانه غني عن أن يفتن العبد لمجرد الفتنة.
﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد.
﴿أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أكثر النّاس لا يعلمون أنّها فتنة لتكون حُجة عليهم أو حُجة لهم، والقليل يعلمون أنَّ ما يصيبهم من ضراء أو سراء أو خير أو شر، فتنةٌ.
سورة الزمر [٣٩: ٥٠]
﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾:
﴿قَدْ﴾: للتحقيق والتّوكيد.
стр. 4554
﴿قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أيْ: مثل قولهم: إنما أوتيته على علم عندي، قد قالها قارون من قبلهم، أو غيره من النّاس.
﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: من تفيد الزّمن القريب، قبلهم: تعود على كفار قريش، قد قالها: الهاء هنا تعود على الكلمة إنما أوتيته على علم عندي.
﴿فَمَا أَغْنَى﴾: الفاء عاطفة، ما النّافية، أغنى عنهم، ما دفع عنهم العذاب أو خففه أو نفعهم.
﴿مَا كَانُوا﴾: تعني: الّذي أو مصدرية أيْ: كسبهم في الدّنيا. وما: أوسع شمولاً من الذي.
كانوا: في الدّنيا.
﴿يَكْسِبُونَ﴾: من متاع ومال وعرض أو عبادة الأصنام أو كفر النّعمة والشّرك حين يكسبون بصيغة المضارع للدلالة تكرار كسبهم، أو عدم توبتهم، أو على حكاية الحال للدلالة على شنيع كسبهم، وكأنّهم يكسبون السّيئات الآن.
سورة الزمر [٣٩: ٥١]
﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾:
﴿فَأَصَابَهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، أصابهم سيئات ما كسبوا: الضّمير هنا يعود على الّذين قالوا الكلمة (إنما أوتيته على علم)، أصابهم: حل بهم ونزل.
﴿سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾: أيْ: جزاء سيئاتهم (أي: العذاب) جزاء الّذي كسبوا في الدّنيا من الكفر والشّرك والظّلم والفسق والمعاصي، ومنه ما كان في الدّنيا من هزيمة ومرض وشدة وقتل، ومنه ما هو قادم يوم القيامة.
стр. 4555
﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ﴾: والّذين أشركوا الظّلم قد يعني الشّرك، أو ظلموا أنفسهم بالخروج عن منهج الله تعالى أو عدم الإيمان.
﴿مِنْ هَؤُلَاءِ﴾: من ابتدائية استغراقية، هؤلاء تعود على كفار مكة أو مشركيها أو غيرهم.
﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾: السّين للاستقبال القريب، يصيبهم سيئات ما كسبوا: سيصيبهم العذاب جزاء ما كسبوا من الشّرك والكفر والمعاصي والفسق. ارجع إلى مطلع الآية.
وتكرار ما كسبوا للتوكيد، وقد يكون اكتساب هؤلاء ليس هو نفس هؤلاء؛ لذلك فصل الأول عن الثّاني أو كلاهما.
﴿وَمَا هُمْ﴾: ما النّافية، هم للتوكيد.
﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: الباء للإلصاق، معجزين: غالبين أو فائتين من العذاب أو ناجين بالهرب والإفلات من العقوبة.
ثم بيَّن لهم الحق سبحانه وصحَّح لهم اعتقادهم فقال: إنّ الرّزق بيد الله وحده، وليس كما قالوا: إنما أوتيته على علم عندي.
سورة الزمر [٣٩: ٥٢]
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ.
أو لم يعلموا: هذا أسلوب من أساليب البيان بدلاً من أن يخبرك الله بالخبر
стр. 4556
مباشرة يأتي لك بالخبر بصورة استفهام ليكون الجواب من المستمع، ولم يقل: أولم يروا، وإنما قال: أولم يعلموا؛ العلم أوسع من الرّؤية.
أي: فليعلموا. ارجع إلى سورة سبأ آية (٣٦) و (٣٩) للبيان.
﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: يوسع الرّزق لمن يشاء سواء كان صالحاً أو طالحاً أو مؤمناً أو كافراً والرّزق لا يعني المال فقط، بل يعني العلم والصّحة والعافية والأهل والمتاع.
﴿وَيَقْدِرُ﴾: يضيق على من يشاء، والبسط والقبض لحكمة يعلمها الله تتعلَّق بحال العبد وليس عبثاً.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إن للتوكيد، في: ظرفية، ذلك: التّوسيع والقبض.
﴿لَآيَاتٍ﴾: اللام للتوكيد.
﴿لِّقَوْمٍ﴾: اللام لام الاختصاص.
﴿يُؤْمِنُونَ﴾: أيْ: آيات ودلائل ينتفع بها الّذين يؤمنون فتزيدهم إيماناً مع إيمانهم. ارجع إلى الآية (٣٦ - ٣٩) من سورة سبأ للبيان، ولمعرفة الفرق بين ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [العنكبوت: ٦٢].
سورة الزمر [٣٩: ٥٣]
﴿قُلْ يَاعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾:
سبب النّزول: كما أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس ﵄ أن أناساً من الّذين أشركوا وقتلوا وزنوا كبُرَ عليهم ذلك، وقالوا: نبعث إلى
стр. 4557
محمّد نسأله أو هم أتوا محمّداً ﷺ فسألوه: هل من توبة؟ فنزلت هذه الآية، وقد ذُكرت أسباب أخرى لنزول هذه الآية والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب.
﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله يناديكم ربكم ويقول:
﴿يَاعِبَادِىَ﴾: يا النّداء للبعد، عبادي: ولم يقل: عبيدي، عبادي تعني: الّذين اختاروا الإيمان على الكفر والطّاعة على العصيان فشرفهم بإضافتهم إليه فقال: يا عبادي. ارجع إلى الآية (١٧) من نفس السورة، والآية (١٨٦) من سورة البقرة لمعرفة الفرق بين عبيد، وعبادي، وعباد.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد العموم.
﴿أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾: أفرطوا في ارتكاب المعاصي والذّنوب والآثام والسّيئات والإسراف هو تجاوز الحد في كلّ فعل يفعله الإنسان مما لا يحله الله تعالى.
﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾: ولم يقل: المسرفين (أي: صفة الإسراف عندهم ثابتة).
أسرفوا: أيْ: يمكنهم الكف عن الإسراف والعودة إلى الاعتدال.
والانتقال من صيغة المخاطب إلى صيغة الغائب للفت الانتباه.
﴿عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾: على تفيد الاستعلاء والمشقة؛ لأنّ وبال الإسراف يعود على المسرف بالضّر والعذاب.
﴿لَا﴾: النّاهية للجنس ولكافة الأزمنة.
﴿تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾: القنوط هو أشد اليأس.
стр. 4558
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد.
﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾: تعليل للنهي عن القنوط من رحمة الله تعالى.
يغفر الذّنوب إلا الشّرك والكفر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النّساء: ١٦٦].
أي: إذا مات المشرك أو الكافر، ولم يتب، أمّا إذا تاب فإن الله يتوب عليه إن شاء؛ أي: يقبل توبته.
﴿جَمِيعًا﴾: للتوكيد.
﴿إِنَّهُ هُوَ﴾: إنه للتوكيد هو للحصر والتّوكيد.
﴿الْغَفُورُ﴾: صيغة مبالغة أيْ: كثير الغفر أو الغفران ويعني: يمحو الذّنب ويعفو عنه ومهما عظم أو كثر إذا تاب الإنسان وأناب إلى ربه.
﴿الرَّحِيمُ﴾: كثير الرّحمة صيغة مبالغة على وزن فعيل رحيم؛ لأنّه لا يعجل بالعقوبة.
سورة الزمر [٣٩: ٥٤]
﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾:
المناسبة: بعد ذكر المغفرة قيدها بشروط ثلاثة هي:
١ - الإنابة.
٢ - الإسلام له.
٣ - اتباع القرآن أو السّنة.
﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾: الإنابة: السّرعة في التّوبة والرّجوع إليه بالكف عن
стр. 4559
المعاصي والنّدم وعدم العودة إليها وكثرة النّوافل والإحسان ورد الحقوق إلى أهلها.
فلا مغفرة من دون إنابة وتوبة إلى الله وحده.
﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾: أخلصوا له من الشّرك ظاهراً وباطناً بالتّوحيد توحيد الألوهية لا تعبدوا إلا إياه وتوحيد الرّبوبية والصّفات والأسماء، أسلموا له: اعبدوا الله وحده، ولم يقل: له أسلموا.
ارجع إلى سورة الحج آية (٣٤) معرفة الفرق.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾: أن يحل عليكم أو ينزل بكم العذاب في الحياة الدّنيا أو في الآخرة (عذاب القبر أو عذاب جهنم). وهناك فرق بين يأتيكم العذاب، ويحل عليكم العذاب، يأتيكم العذاب؛ أي: يمكن أن يأتيكم ثم يزول وينكشف، أما يحل عليكم: تدل على الثبوت والدوام وعدم الزوال.
﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾: ثم للترتيب والتّراخي في الزّمن، ثم يوم القيامة، لا: النّافية، تنصرون: في الآخرة، فتجدون أيَّ نصير أو معين يمنع أو يدفع عنكم عذاب الله.
سورة الزمر [٣٩: ٥٥]
﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾:
﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ﴾: أحسن على وزن أفعل، أفعل التّفضيل، اتبعوا: امتثلوا أوامره وتجنبوا نواهيه، أيْ: أحلُّوا حلاله وحرِّموا حرامه.
﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أي: من الآيات والذكر الحكيم، وأحسن
стр. 4560
ما أنزل إلينا من ربنا تعني الصّلاة لوقتها والفرائض الأخرى والإحسان والعبادات القلبية الخشوع والإنابة والتّوكل والخوف والرّجاء والنّصح وغيرها.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة.
﴿بَغْتَةً﴾: فجأة فلا يستطيع التّوبة أو قد لا تقبل منه.
﴿وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾: غافلون فلا تشعرون بقدومه فبادروا إلى التّوبة والإنابة أو الإسراع في القيام بالأعمال الصالحة، وفي الآية تهديد ووعيد.
وحين يُطلب منكم الإنابة والتّسليم، واتباع أحسن ما أنزل لكي لا تتحسر أنفسكم أو تندم حين لا ينفع النّدم وتقول:
سورة الزمر [٣٩: ٥٦]
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾:
﴿أَنْ﴾: مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.
﴿تَقُولَ نَفْسٌ﴾: نفس جاءت بصيغة النّكرة للتهويل أو التّكثير لتشمل كلّ نفس، ومنها نفس الظّالم لنفسه والمقتصد حتّى السّابق بالخيرات.
﴿يَاحَسْرَتَى﴾: يا النّداء، حسرتاه: أصلها يا حسرتي أبدلت ياء المتكلم بالألف، والعرب تحول الياء إلى الألف في كلّ كلام معناه الاستغاثة ليخرج الكلام كالدّعاء، أيْ: يا حسرتي فهذا زمنك.
والحسرة تعريفها ندم أو غم يصيب النّفس بسبب فوت فائدة.
﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾: على تفيد الاستعلاء والمشقة فرَّطت التّفريط التّقصير أو الغلو.
стр. 4561
﴿فِى جَنْبِ اللَّهِ﴾: في طاعة الله تعالى وعبادته وفي حق الله تعالى (واجباته وفرائضه) أو في القرب من الله؛ أي: المكانة أو المنزلة أو الدرجات العلى في الجنة.
﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾: إن للتوكيد، أيْ: لم يكتف بالتّقصير بأن ضيع عبادة الله، بل ذهب أبعد من ذلك أن سخر من أهلها، أيْ: ممن يعبدون الله، ومن آيات الله وسخر من الفرائض والسّنن، وما جاء به الرّسول وذهب إلى أبعد من ذلك بأن فرط في سخريته فأصبحت السّخرية صفة ثابتة عنده.
﴿السَّاخِرِينَ﴾: جمع ساخر والسّخرية: التّحقير ولا تكون إلا في الأشخاص والأفراد أو أعمالهم، ولا بُدَّ من أن يسبقها فعل قام به المسخور منه.
ولِمَ قالت النّفس: وإن كنت من السّاخرين، ولم تقل: من السّاخرات. لأنّ النّفس مؤنثة، وقيل: إنّ النّفس تشير إلى صاحبها أو تعبر عن صاحبها (الإنسان) أو النّفس جزء من الإنسان (أي: عبَّر عن الجزء وأريد به الكل).
стр. 4562
سورة الزّمر [الآيات ٥٧ - ٦٧]
سورة الزمر [٣٩: ٥٧]
﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِى لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾:
﴿أَوْ﴾: ليست للتخيير في هذه الآية، وإنما تقول أيضاً: يا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله، وتقول: لو أن الله هداني وتقول: لو أن لي كرة أخرى فهي نفسها تقول كلّ هذه الأقوال تتمنى ثلاث أماني.
﴿لَوْ﴾: للتمني وليست شرطية، فلو كانت شرطية لكان يعني أنّ قضاء الله سبحانه هو سبب ضلالتهم، وهذا ليس صحيحاً.
﴿أَنَّ﴾: مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.
﴿اللَّهَ هَدَانِى﴾: إلى الإسلام أو إلى دينه وطاعته.
﴿لَكُنْتُ﴾: اللام لام التّوكيد أو التّعليل.
﴿مِنَ﴾: ابتدائية بعضية.
﴿الْمُتَّقِينَ﴾: جمع متقٍّ، التّقوى: هي طاعة وامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، لكنت من المتقين فأنجو من العذاب ومن سخط الله، أيْ: ما هداني الله وما كنت من المتقين؛ لأنّ الله سبحانه لم يشأ، وهذا الادعاء هو كذب وافتراء، فالله سبحانه أرسل أفضل رسله وأحسن كتبه، وبيَّن له الحق من الباطل والحلال من الحرام، ولم يترك له حُجَّة يحتج بها، وانتبه إلى طمع النّفس والارتقاء، فهي لم تكتف بالقول: لكنت من المؤمنين، بل من المتقين الّذين هم أعلى درجة من المؤمنين، وفي الآية التّالية: لكنت من المحسنين.
انتبه إلى التّدرج في الطّمع في دار الآخرة تدرجت من كونها من السّاخرين
стр. 4563
إلى المتقين إلى المحسنين، والسّؤال هنا: لِمَ لَمْ تفعل ذلك وهي في الدّنيا (دار التّكليف).
سورة الزمر [٣٩: ٥٨]
﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾:
﴿أَوْ﴾: ارجع إلى الآية (٥٧) للبيان.
﴿تَقُولَ حِينَ﴾: ظرفية زمانية.
﴿تَرَى الْعَذَابَ﴾: يوم القيامة رؤية عينية حقيقية حين تعاين العذاب. كقوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩١].
﴿لَوْ﴾: للتمني وشرطية.
﴿أَنَّ﴾: للتعليل والتّوكيد.
﴿لِى كَرَّةً﴾: لي خاصة، اللام لام الاختصاص، كرة: رجعة أو عودة إلى الدّنيا وكرة اسم مرَّة واحدة.
﴿فَأَكُونَ﴾: الفاء جواب الشّرط، ولم تقل: أكن أو أكُ، بل قالت: أكون صيغة مبالغة من أكن للتأكيد.
﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: ولم يقل: من المؤمنين أو المتقين، بل ذهب إلى أعلى درجات الإيمان فقال: من المحسنين، ولمعرفة معنى الإحسان ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة، وقد أخبرنا الله سبحانه في سورة الأنعام آية (٢٨) أنّه لو استجاب له لعاد لما كان عليه سابقاً، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
سورة الزمر [٣٩: ٥٩]
﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾:
﴿بَلَى﴾: حرف جواب لا يأتي إلا بعد نفي، ولو نظرنا في الآيات لا نرى النّفي الصّريح، ولكن جاء النّفي في قوله: لو أن الله هداني، أي: النّفس تنفي
стр. 4564
الهداية عن نفسها؛ لذلك جاء الجواب: بلى هديناك حين جاءتك آياتي، ولكنك اخترت الضّلالة.
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق وتوكيد.
﴿جَاءَتْكَ آيَاتِى﴾: القرآنية والكونية والمعجزات والدّلائل والبراهين والبينات.
﴿فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، أيْ: كذبت بها مباشرة فوراً بلا تأخير وتريُّث ولم تدرسها أو تتمعن فيها.
﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾: الألف والسّين والتّاء تعني: الطّلب، أيْ: طلبت الكبر وأنت لا تملك مؤهلاته أو مقوماته استكبرت عنها شعرت بعظم نفسك فوق ما تستحقه. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لمزيد من البيان، والفرق بين استكر، وتكبر، ومتكبر.
﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: ولم يقل: وكنتِ أو استكبرتِ وكذبتِ؛ لأنّ الله سبحانه يخاطب الإنسان ولا يخاطب النّفس.
﴿مِنَ﴾: ابتدائية بعضية.
﴿الْكَافِرِينَ﴾: الجاحدين سواءً كان كفر عقيدة أو كفر نعمة، لم تشكر الله على آياته القرآنية أو الكونية، انظر إلى تدرجه في الإسراع في التّكذيب بالآيات، ثم الاستكبار، ثم الكفر، والثبات عليه (الكافرين جملة اسمية تدل على الثبات).
سورة الزمر [٣٩: ٦٠]
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾:
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾: كذبوا على الله بالقول بأن الله لم يهدهم ولم يرسل لهم رسله وكتبه، أو كذبوا على الله بأن زعموا أن له ولداً
стр. 4565
أو شريكاً أو صاحبةً أو وليّاً، أو كذبوا بأن قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاؤُا اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، أو قال أحدهم: ﴿أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وغيرها من المفتريات، أو كذبوا بآياته.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد الذّم والتّحقير والكذب على رسول الله ﷺ هو كذب على الله سبحانه.
﴿الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾: بأن قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦]، أو نسبوا إليه الشريك، أو قالوا أحل الله، ولم يحل الله، أو حرم الله ولم يحرم.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى﴾: رؤية بصرية وليست رؤية قلبية.
﴿وُجُوهُهُمْ مُّسْوَدَّةٌ﴾: كقوله تعالى في سورة آل عمران آية (١٠٦): ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾.
مسودة: من السّواد والسّواد من الظّلمة، وهو كناية عن الكآبة والحزن والغيظ الّذي يصيب الكافر الّذي يكذب على الله تعالى، أو كما قال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١]، أيْ: تغشاها قترة من الغبار وهو الهواء الممتلئ بالدخان الأسود النّاجم عن الاحتراق في نار جهنم.
﴿أَلَيْسَ﴾: الهمزة للاستفهام والتّقرير.
﴿فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾: مثوى، ارجع إلى الآية (٣٢) من نفس السّورة لبيان معنى مثوى، وسورة آل عمران آية (١٥١) لمزيد من البيان، والفرق بين مثوى ومأوى، وسورة الرعد آية (١٨) لمعرفة دركات النار.
﴿لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾: اللام لام الاختصاص أو الاستحقاق، المتكبرين: جمع متكبر وهو الّذي يرى الكل أدنى منه ويرى في نفسه الكمال والعظمة وهي رؤية
стр. 4566
كاذبة ونظرة باطلة، للمتكبرين: عن الإيمان وطاعة الله تعالى وصفة الكبر عندهم ثابتة مستمرة. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لمزيد من البيان في المتكبرين.
سورة الزمر [٣٩: ٦١]
﴿وَيُنَجِّى اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
في الآية السّابقة بين حال المتكبرين على الله يوم القيامة، وفي هذه الآية بين حال المتقين.
﴿وَيُنَجِّى اللَّهُ﴾: من النّجاة: من نار جهنم. النّجاة: الخلاص.
ولمقارنة النّجاة بالفوز: الفوز يعني: النّجاة والوصول إلى الغاية أو المطلوب، والنّجاة تعني: النّجاة من المكروه أو الأذى من دون الوصول إلى الغاية.
﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: الّذين اسم موصول يفيد المدح.
اتقوا: أيْ: أطاعوا أوامر ربهم وتجنَّبوا نواهيه أو اتقوا النّار بإطاعة أوامر ربهم وتجنُّب نواهيه.
﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾: الباء للإلصاق أو السّببية.
المفازة: على وزن مَفْعَلة من الفوز مثل السّعادة والمفازة فسرها قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وسبب مفازتهم الإيمان بالله والعمل الصّالح.
بمفازتهم: بسبب فلاحهم. من المفازة. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٨٨) لمزيد من البيان.
﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾: لا النّافية للجنس، يمسهم السّوء: المس هو أخف اللمس، أيْ: مجرَّد التقاء الماس بالممسوس، ولو كان بأقل الزمن.
السّوء: هو ما يسيء إلى النّفس أو تكرهه مهما كان، مثل الخوف والحزن والعذاب والغم.
стр. 4567
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: تكرار (لا) لتوكيد النّفي وفصل كلاً من السّوء عن الحزن، فلا يصابون بأيٍّ منهما أو كلاهما.،
هم: تفيد التّوكيد.
يحزنون: من الحزن أشد الهم والغم أو غلظ الهم. ارجع إلى الآية (٣٤) من سورة فاطر للبيان.
ولمعرفة الفرق بين الحَزن والحُزن ارجع إلى سورة الأنعام آية (٣٣).
سورة الزمر [٣٩: ٦٢]
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾:
﴿اللَّهُ﴾: لفظ الجلالة: الاسم الأعظم الّذي تفرد به سبحانه واختصه لنفسه وهو الاسم الجامع لجميع الصفات الإلهية.
﴿خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾: كل: تفيد العموم وتدل على كلّ فرد: (ملائكة وجن وإنس) وجنس نبات وحيوان وجماد، وتدل على كلّ شيء على انفراد بعكس جميع تدل على كلٍّ مجتمعين. وشيء: سواء أكان حسياً أم معنوياً.
الله: مبتدأ، خالقُ: خبر، كلِّ: مضاف إليه.
﴿كُلِّ شَىْءٍ﴾ مخلوق؛ أي: الله خالقه، فما الّذي صرفهم ألَّا يؤمنوا بخالقهم وحده.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾: وهو تفيد التّوكيد، وهو القائم بأمور العباد، والقائم بأمور كونه بحفظ وتدبر وتصريف كلّ ما خلق أو الموكول إليه تدبير وتصريف كلّ شيء.
وهو على كلّ شيء وكيل يدل على إحاطة علمه بكل شيء وبكمال قدرته وبكمال حكمته.
стр. 4568
سورة الزمر [٣٩: ٦٣]
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾:
﴿لَهُ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، أيْ: له وحده مقاليد السّموات والأرض.
﴿مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: المقاليد: جمع أقليد من قلد، وقيل: (جمع مقلاد أو مقْليد)؛ أي: مالك أمرها وموكل إليه أمر السموات والأرض؛ أي: السيطرة التامة؛ فهو أهل العقد؛ أي: الإلزام، وأهل الحل؛ أي: تدبيرها وتسييرها وحفظها ورعايتها، وقيل: المقاليد المفاتيح والخزائن، والمفتاح يستعمل للإغلاق، والفتح بأن واحد والإغلاق فيه معنى العقد؛ فهو يعقد الأمور ويحلها؛ أي: الربط والحل بيده؛ أي: إليه يرجع الأمر كله للنظر فيه واتخاذ القرار وموكل إليه مقاليد السّموات والأرض وهذا توكيد لقوله: وهو على كلّ شيء وكيل، ذكر الخاص بعد العام للأهمية.
﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول.
﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: جحدوا بآيات الله الدّالة على وجوده وقدرته وعظمته ووحدانيته، وأنّه الإله الّذي يجب أن يعبد ويطاع ولم يؤمنوا بها.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يفيد الذّم والتّحقير.
﴿هُمُ﴾: يفيد التّوكيد.
﴿الْخَاسِرُونَ﴾: مقابل قوله تعالى: ﴿وَيُنَجِّى اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لأنفسهم ولأهليهم في الآخرة. ارجع إلى سورة النساء آية (١١٩)، وسورة هود آية (٢٢) لمعرفة الفرق بين خاسرون والأخسرون والخسران والخسارة.
стр. 4569
سورة الزمر [٣٩: ٦٤]
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّى أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾:
سبب النّزول: كما ورد عن ابن عباس أنّ المشركين دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة آلهتهم وهم يعبدون معه إلهَه، فنزلت هذه الآية: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّى أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾.
﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله ﷺ :
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ.
﴿تَأْمُرُونِّى﴾: النّون لزيادة التّوكيد أعبد أصلها أن أعبد أيّها الجاهلون.
﴿أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾: جمع جاهل، وصفهم بالجاهلين؛ لأنّ ما دعوا إليه رسولَ الله أن يعبد آلهتهم يدلُّ على جهل.
والجهل: يعني عدم العلم، وهذا هو أصل الجهل، أو بخلاف الحق، وقد يأتي الجهل بمعنى اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه أو الكذب، أو فعل الشيء بخلاف ما كان يجب أن يفعل مثل أن ينكر الصلاة عمداً، أو قد يأتي الهزو بمعنى الجهل كقوله: أتتخذنا هزوا؟ قال: عوذ بالله أن أكون من الجاهلين، والجهل: قد يعني السفه كقوله: وإذا خاطبهم الجاهلون؛ أي: السفهاء بالأذى، وقد يأتي في سياق الشذوذ عن الفطرة كما خاطب قوم لوط بالقول: ﴿أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥]، أو يأتي في سياق استعجال العذاب، أو عقاب الله تعالى كقوله: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٢ - ٢٣]، أو في سياق طلب عبادة الأوثان كقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، أو رداً على طلبهم بإنزال الآيات والمعجزات لكي يؤمنوا؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١].
стр. 4570
أو: كيف تأمروني أعبد غير الله بعد كلّ هذه الآيات والدّلائل، وهو خالق كلّ شيء، وعلى كلّ شيء وكيل، وله مقاليد السّموات والأرض. أيّها الجاهلون: بعظمة الله وقدرته.
سورة الزمر [٣٩: ٦٥]
﴿وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: والواو عاطفة، لقد: اللام للتوكيد وقد للتحقيق.
﴿أُوحِىَ إِلَيْكَ﴾: الوحي لغة إعلام بخفاء، وشرعاً ما يُلقي الله على رسله وأنبيائه من التّكاليف والتّعاليم والآيات عن طريق جبريل الخطاب لرسول الله ﷺ والمقصود به أمته.
ولمعرفة معنى الوحي ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣).
﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: من الرّسل أنّه لا إله إلا الله فاتقون.
﴿لَئِنْ﴾: اللام لام التّوكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال والنّدرة.
﴿أَشْرَكْتَ﴾: بالله منْ شيء بالقول أن لله ولداً أو صاحبةً أو وليّاً أو ندّاً، أو أشركت بعبادته شيئاً، والخطاب موجَّه إلى أمته.
﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾: اللام والنّون كلاهما للتوكيد، ليحبطن عملك الصّالح والإحباط الإبطال وضياع الأجر أو الثّواب، وليحبطن مشتقة من حبط الماشية. ارجع إلى الآية (١٧) من سورة التّوبة، وسورة البقرة آية (٢١٧) للمزيد من البيان في معنى حبطت أعمالهم.
﴿وَلَتَكُونَنَّ﴾: اللام والنّون للتوكيد.
﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: من ابتدائية، الخاسرين لأنفسهم ولأهليهم.
стр. 4571
سورة الزمر [٣٩: ٦٦]
﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾:
﴿بَلِ﴾: للإضراب الإبطالي، أيْ: أعرض عن دعوتهم الباطلة، واعبد الله وحده مخلصاً له الدِّين.
﴿اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾: تقديم المفعول على الفعل للقصر، أي: اقصر عبادتك لله وحده دون سواه؛ أي: أخلص عبادتك لله؛ أي: اعبد الله وحده لا شريك له، الفاء في كلمة فاعبد للتوكيد.
﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: لله وحده؛ لأنّه لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذّل، وكن من الشّاكرين على نعمة النّبوة والعظمة والرّسالة، أو الشاكرين على نعمه، وأعظم هذه النعم نعمة الإسلام والتوحيد والإيمان والقرآن، وهذا الرسول ﷺ الشاهد والمبشر والنذير والسراج المنير.
سورة الزمر [٣٩: ٦٧]
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية، ما النّافية.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: ما عظموا الله التّعظيم اللائق به وما قدروه حقَّ قدره حين أشركوا في عبادته.
ونسبوا إليه الصّاحبة والولد والبنات والشّريك والنّد.
﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: والأرض: الواو: واو الحال، وفي هذه الآية إشارة إلى نهاية الكون، ونهاية حياة الإنسان على هذه الأرض عند النفخة الأولى (نفخة الفزع والصعق)، ثم يعود ويخلق مرة أخرى (النشأة الأخرى) عند النفخة الثانية (نفخة البعث أو القيام). والأرض جميعاً قبضته: تعني أيضاً تحت سيطرته وهيمنته، وتعني: القوة والقدرة على التحكم فيها.
стр. 4572
ومراحل الآخرة: المرحلة الأولى: بعد أن تقوم السّاعة وتمور السّماء وتنفطر وتتشقق، وتكون وردةً كالدِّهان، وتسير الجبال وتتفتت، وتتطاير كالعهن المنفوش، والبحار تسجر والشّمس تكور.
المرحلة الثّانية: مرحلة قبض الأرض وطي السّماء (السّموات السّبع).
المرحلة الثّالثة: التّبديل يوم تبدل الأرض غير الأرض والسّموات. ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ تدل على أنّ قدرة الله سبحانه العظيمة على جميع مليارات النّجوم، ومليارات الكواكب والمجرات، رغم بعدها عن بعض مليارات السّنين الضّوئية، ورغم اتساعها كلها تعود كما بدأت إلى نقطة البدء والخلق، وكما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَطَىِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ثم يخلق الله سبحانه سماء جديدة، وأرضاً جديدة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، سبحانه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦].
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أيْ: يا رب أصفك بكل كمال وأنزهك تنزيهاً كاملاً مطلقاً عما لا يليق بجلالك وعظيم سلطانك، تنزيهاً لذاتك وصفاتك وأفعالك وأسمائك تنزيهاً عن أيِّ شيء يوجد في البشر، ومن كلّ نقص أو عيب، ومن الشّريك والصّاحبة والولد والبنت والنّد والمثيل والولي، ومما يقولون عليك غير الحق، وأنت العلي الأعلى لا يعلوك أحد، وأنت الأعلى على كلّ واحد علو القدر والصّفات والعلم والملك والكبرياء والجلال والمجد والعزة والقهر، العلي عن الأشباه والأمثال والشّريك والولد والنّد والنّظير.
стр. 4573
سورة الزّمر [الآيات ٦٨ - ٧٤]
سورة الزمر [٣٩: ٦٨]
﴿وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾:
يذكرُ الله تعالى في هذه الآيات بعض الأحداث الّتي تقع يوم القيامة وتبدأ بالنّفخة الأولى نفخة الصّعق والموت.
﴿وَنُفِخَ فِى الصُّورِ﴾: نفخ فعل ماض رغم أنّ النّفخ سيقع في المستقبل؛ مما يدل على أنّ الحدث كأنّه قد وقع وانتهى، والزّمن عند الله الماضي والحاصر والمستقبل واحد، فهو خالق الزّمان والمكان.
ونفخ بصيغة المبني للمجهول رغم أنّ النّافخ إسرافيل ﵇ كما بينت السّنة النّبوية ويكون النّفخ يوم الجمعة. والصّور: البوق.
﴿فَصَعِقَ﴾: الفاء تدل على التّرتيب والمباشرة، والصّعق له معنيان: فَقْدُ الوعي والإغماء، أو الموت والهلاك.
يُصعق كلّ إنسان وجن وحيوان وتموت الخلائق جميعاً.
﴿مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ﴾: من استغراقية تشمل كلّ من في السّموات، وكل من في الأرض. من: تستعمل للعاقل، ويمكن أن تنزل غير العاقل منزلة العاقل، وتشمل كل المخلوقات؛ لأن الصعق (الموت) والبعث والقيامة لأجل محاسبة العقلاء.
стр. 4574
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: أيْ: من شاء الله ألَّا يصعق ويموت، وهؤلاء لا يعلمهم إلا الله تعالى، ومن تعني: الواحد أو الاثنين أو الجمع، وقيل: هم الملائكة المقربون مثل حملة العرش.
أو الحور العين.
أو جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، ثم يميتهم الله تعالى بعد ذلك، والله أعلم.
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي.
﴿نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾: أيْ: نفخة البعث (القيام) وما بين النّفختين، كما بيَّنت السّنة قد يكون (٤٠) يوماً، أو (٤٠) شهراً، أو (٤٠) سنةً، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين النفختين أربعون»، وقد سئل أبو هريرة عن معنى الأربعين فأبى أن يحدد هل هي أربعون سنة، أو أربعون شهراً، أو أربعون يوماً.
﴿فَإِذَا﴾: الفاء للتعقيب والتّرتيب والمباشرة: إذا: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث وتفيد الفجائية.
﴿هُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾: قيام من قبورهم، ينظرون إلى ما حولهم من الأحداث إلى الأرض الجديدة والسّموات الجديدة، أو ينظرون ما يُفعل بهم.
لنقارن هذه الآية (٦٨) من سورة الزّمر ﴿وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِى
стр. 4575
السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: مع الآية (٢٦ ـ ٢٧) من سورة الرّحمن ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.
كل من عليها فان، هذه تعني: كلّ من على الأرض فان (ميِّت) أيْ: أهل الأرض (الجن والإنس) يموتون.
أما آية الزّمر: فتشمل كلّ من في السّموات ومن في الأرض، فآية الزّمر أوسع وأشمل تشمل العالم العلوي والسّفلي.
سورة الزمر [٣٩: ٦٩]
﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِااءَ بِالنَّبِيِّنَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾:
بعد أن تبدل الأرض غير الأرض والسّموات، أيْ: تكون سماءً جديدة وأرضاً جديدة، وبعد أن تكون شمس الدّنيا قد كورت، أي: انطفأ نورها وضوءُها، وليس هناك حاجة لشمس ولا لقمر.
وتشرق الأرض بنور ربها: دون أن ترى مصدر هذا الإشراق.
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾: الكتاب اسم جنس، والمراد به صحائف أعمال العباد: سجل الأعمال.
وكما قال تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣].
﴿وَجِااءَ بِالنَّبِيِّنَ وَالشُّهَدَاءِ﴾: بالنّبيين ليشهد كلّ نبي على أمته أنّه بلغ أمته.
والشّهداء: وهم أولو العلم والشّهداء من أمة محمّد (علماء هذه الأمة) يشهدون على الأنبياء والأمم الأخرى. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٤٣) للبيان. وإلى سورة الحج آية (٧٨) للبيان.
стр. 4576
والشّهداء قد تعني أيضاً: الّذين قتلوا في سبيل الله، والشّهداء من الملائكة والشّهداء من الجوارح والألسن والأيدي والجلود لإقامة الحُجَّة عليهم وقطع المعذرة، وقد تعني كلَّ ذلك.
﴿وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ﴾: بين الخلائق بين العباد. والذي يقضي هو الله ويقضي بالحق الباء للإلصاق، والحق هو العدل. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٦٢) لبيان معنى الحكم والقضاء والفصل.
والقِسط، أيْ: قضاء لا ظلم فيه يقضي الله سبحانه للمظلوم من الظّالم.
﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾: لا ينقصون من ثوابهم حسنة ولا يزاد في سيئاتهم سيئة، وكما جاء في آية أخرى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
سورة الزمر [٣٩: ٧٠]
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾:
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾: أيْ: أعطيت كلّ نفس جزاءَها كاملاً من خير أو شرٍّ. ووفيت بصيغة الماضي كأن الأمر قد حدث وانتهى، رغم أنّه لم يقع بعد، والزّمان الماضي والحاضر والمستقبل عند الله واحد؛ لأنّه هو خالق الزّمان والمكان.
ما عملت: ما: الّذي عملت، العمل يشمل القول والفعل معاً.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير يعود على الله سبحانه يفيد التّوكيد.
﴿أَعْلَمُ﴾: على وزن أفعل أو أفضل صيغة مبالغة.
стр. 4577
لا يحتاج إلى كتاب أو سجل أعمال، ولا يحتاج إلى شهود في حكمه وقضائه.
﴿بِمَا يَفْعَلُونَ﴾: الباء للإلصاق، ما: الّذي أو مصدرية.
بما يفعلون بقصد، أو بغير قصد، أيْ: بغير نية.
ولم يقل: بما فعلوا، يفعلون بصيغة المضارع حكاية الحال، أيْ: كأنّه يفعلونه الآن … وهو أعلم بما يفعلون الآن في الدّنيا؛ لذلك جاء بصيغة المضارع.
لماذا لم يقل: بما يعملون، واختار يفعلون:
يعملون: العمل يشمل القول والفعل. والعمل يكون غالباً بقصد ونية. والعمل أكثر ما يكون صادر عن الإنسان، وقلما ينسب إلى الحيوان.
يفعلون: الفعل: جزء من العمل ويكون بقصد ونية، أو بغير قصد ونية يصدر عن العاقل وغير العاقل.
فاختار يفعلون: لتضم كلّ الأفعال بنية (بقصد) أو بغير نية (بغير قصد) وتعم العاقل وغير العاقل.
ولو قال: يعملون: لما تضمَّنت الأفعال بغير قصد (بغير نية).
سورة الزمر [٣٩: ٧١]
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾:
﴿وَسِيقَ﴾: من السّوق: وهو الحث على السّير بعنف وشدة والسّائق هم الملائكة، يسوقون الّذين كفروا.
стр. 4578
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يقل: بربهم: حذف ذكر ربهم؛ لأنهم لا يستحقون أن تضاف إليهم كلمة ربهم، وكلمة الرّب تحمل معنى المحبة والأمن والتّشريف، والربوبية: فيها معنى الرعاية، والرحمة، والتكريم، فهم لا يستحقون ذلك.
﴿إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾: إلى جهنم: ارجع إلى الآية (٣٢) من نفس السورة لبيان معنى جهنم. الزّمرة الجماعة القليلة. زمراً: تعني: جماعات بعضها في أثر بعض. يتلو بعضها بعضاً: جماعة المشركين، جماعة الظّالمين، جماعة الكافرين، جماعة المجرمين، المنافقين، تاركي الصّلاة.
﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية.
﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية شرطية.
﴿جَاءُوهَا﴾: وصلوا إلى جهنم أو قدِموا إليها.
﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾: جواب الشّرط: أيْ: فتحت بعد أن كانت مغلقة ففتحت ليدخلوها، كما هو الحال في السجن الذي أبوابه مغلقة ثم تفتح لدخول المجرمين.
﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾: قال لهم خزنة جهنم: اللام لام الاختصاص، لهم خاصة وليس لغيرهم.
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة همزة استفهام تقريع وتوبيخ.
﴿يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾: أيْ: يأتكم رسل من جنسكم تعرفونهم ويعرفونكم.
﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾: يتلون من التّلاوة والتّلاوة مقيدة بأن تكون
стр. 4579
من الكتب المنزلة كالقرآن والتّوراة والإنجيل … وتلا يعني: قرأ، وتكون تلاوة من كتاب أو عن حفظ.
ولم يقل: يقصون عليكم آيات ربكم؛ لأن يقصون تشمل ما أنزل من الكتب، وما لم ينزل من غير كتاب وقصَّ أعم من تلا، كما قال تعالى: ﴿يَابَنِى آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِى﴾ [الأعراف: ٣٥] وبني آدم تعني الكل الجن والإنس، وكذلك: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِى﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وتعني الجمع، أما آية الزمر: فتعني قسم قليل من أولئك؛ أي: جماعة من كفرة المسلمين، أو غيرهم من أصحاب الكتب.
﴿وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾: الإنذار يعني: الإعلام مع التّحذير والتّخويف من شر يومكم هذا، أيْ: يوم القيامة ينذرونكم حتّى تستعدوا بالتّقوى بالإيمان والعمل الصالح. وأكد الإنذار بزيادة النّون في ينذرونكم ولم يقل: ينذروكم.
﴿قَالُوا بَلَى﴾: أيْ: أتونا وتلوا علينا.
﴿وَلَكِنْ﴾: للتوكيد والاستدراك.
﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: حقت: وجبت كلمة العذاب على كلّ من كفر وأشرك بالله، وقيل: كلمة العذاب: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].
فهم اعترفوا بذنوبهم.
стр. 4580
سورة الزمر [٣٩: ٧٢]
﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾:
بعد الإقرار والاعتراف بذنوبهم قيل لهم من الملائكة:
﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾: حيث لها سبعة أبواب ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤].
وقيل: الأبواب أبواب الدّركات أيْ: أحد الأبواب السبعة. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) لمزيد من البيان، وسورة الحجر آية (٤٤) للبيان، وذكر الأبواب في هذه الآية، ولم يذكر أبواب الجنة قد يشير إلى عدم خروجهم منها كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ [الجاثية: ٣٥].
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: الخلود يبدأ من زمن دخولهم جهنم، ويستمر إلى ما شاء الله، ولم يذكر ﴿خالدين فيها أبداً﴾: لعل بعض هؤلاء من أهل التوحيد، ولن يبقوا فيها أبداً.
﴿فَبِئْسَ﴾: الفاء للتوكيد بئس فعل من أفعال الذّم العامة مثل ساء (من الأفعال الخاصة).
﴿مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٦٠) من نفس السّورة للبيان، والآية (١٥١) من سورة آل عمران للبيان، والفرق بين مثوى ومأوى، وارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لبيان معنى المتكبرين.
وقدم سيق ﴿الذين كفروا﴾ على سيق ﴿الذين اتقوا ربهم﴾؛ لأن سيق هذه الآية قوله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ وربما لكثرة عددهم والله أعلم.
стр. 4581
سورة الزمر [٣٩: ٧٣]
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾:
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ﴾: سوق بتكريم وعطف، وذكر معهم كلمة ربهم؛ لأنهم يستحقون التشريف والرعاية من ربهم بعكس الذين كفروا لم يذكر معهم كلمة ربهم.
﴿زُمَرًا﴾: جماعات جماعات. انظر في الآية (٧١) من نفس السّورة.
﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية.
﴿إِذَا جَاءُوهَا﴾: انظر في لآية (٧١) من نفس السّورة.
﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾: أيْ: أبوابها فتحت لهم من قبل وصولهم تكريماً لهم واستقبالاً، أيْ: يجدونها مفتوحة لهم، كما قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠].
بينما أهل النّار فتحت لهم (من دون واو) يجدونها مغلقة أمامهم، ثم تفتح لهم.
﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: أي: الملائكة الموكلون بالجنة.
قالوا لهم: اللام لام الاختصاص.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ سلامٌ: بصيغة النكرة؛ لأنها أعم وأشمل من السلام، فالسلام تعني: سلام التحية فقط، أما سلام (النكرة): هو سلام تحية وسلام من كلّ آفة ومرض وسلام أمن.
﴿طِبْتُمْ﴾: سعدتم سلمتم نجيتم أو طاب سعيكم.
стр. 4582
﴿فَادْخُلُوهَا﴾: الفاء للتّعقيب والمباشرة أو السّببية والتّعليل.
ادخلوها: أي: الجنة.
﴿خَالِدِينَ﴾: الخلود البقاء الدّائم المستمر يبدأ من زمن الدّخول إليها .. إلى ما لا نهاية.
سورة الزمر [٣٩: ٧٤]
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾:
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾: وهل عندهم أدنى شك في صدق الله لوعده؟
المعنى: الحمد لله الّذي وفقنا لأنْ نكون أهلاً لوعده.
﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾: أرض الجنة الأرض الجديدة كأنّهم ورثوها من غيرهم.
لأنّ أهل الجنة يرثوا عن أهل النّار مقاعدهم في الجنة، ويرث أهل النّار عن أهل الجنة مقاعدهم في النّار.
﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾: أيْ: يتبوأ وينزل ويسكن في جنته حيث يشاء من شدة سعتها، ولا يعني ذلك نسكن حيث نشاء أو كيف نشاء، ولكن فيما خصص الله سبحانه له وحسب درجته. ارجع إلى سورة يونس آية (٨٧)، وآية (٩٣).
﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: الفاء للتوكيد، نعم: من أفعال المدح.
فنعم أجر العاملين: يعني: الأجر العظيم بزيادة الفاء، وجاءت بزيادة الواو: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦]، وجاءت بدون الفاء أو الواو (نعم أجر العالمين) كما في سورة العنكبوت آية (٥٨)، فما هو الفرق بين تلك الآيات؟
стр. 4583
فإذا قارنا قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦]؛ نجد أن: فنعم (بالفاء) أعظم أجراً من (ونعم)، ونعم (بالواو) أعظم أجراً من (نعم) بدون الفاء والواو؛ إذن: الدرجة الأولى: فنعم، والدرجة الثانية: ونعم، والدرجة الثالثة: نعم.
أمثلة: فنعم بالفاء: تشير إلى أعظم الأجر؛ الأجر العظيم.
ونعم بالواو: تشير إلى الأجر الأقل درجة من الأجر العظيم (قبل الأجر الكبير).
نعم بدون فاء أو واو: تشير إلى الأجر الأقل درجة من الكبير (مثل الأجر الحسن أو الكريم).
ويكون التّدرج من الأعلى إلى الأدنى على التّالي فنعم، ونعم، نعم.
стр. 4584
سورة الزمر [٣٩: ٧٥]
﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ﴾: سادة الملائكة أشراف الملائكة (أي: المقربين).
﴿حَافِّينَ﴾: جمع حافٍّ، حفَّ بالشيء أحاط به والحفاف الجوانب والحفَّة: الجانب.
﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾: من تعني القرب والإلصاق، أيْ: ليس هناك فراغ بين العرش والملائكة كأنّهم ملتصقين بالعرش.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: كقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] بمعنى الصّلاة، و ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦].
﴿يُسَبِّحُونَ﴾: بالذّكر والقول: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.
والتّسبيح هو تنزيه الله تعالى. ارجع إلى الآية (٦٧) من نفس السّورة للبيان، وسورة الإسراء آية (١).
يسبحون: تفيد التّكرار التّجدد والاستمرار تسبيحاً مصحوباً بالحمد؛ لأنّ التّسبيح ثناء على الله، أمّا الحمد فهو شكر الله على نعمة الظّاهرة والباطنة.
﴿وَقُضِىَ بَيْنَهُم﴾: قضي من القضاء وهو الحكم والفصل بينهم، أيْ: بين
стр. 4585
الملائكة كقوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، أيْ: يأخذ كلّ منهم منزلته وجزاءَه الّذي يستحقُّه، أو بين النّبيين وأممهم والشّهداء والأمم، أو بين أهل الجنة وأهل النّار: بإدخال أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النّارِ النّارَ.
﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: (وقيل) مبني للمجهول، القائل إمّا الملائكة، أو الملائكة وأهل الجنة كلاهما. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٦٢) لمزيد من البيان في معنى الحكم والقضاء والفصل.
стр. 4586
سورة غافر [٤٠: ١]
سورة غافر
ترتيبها في القرآن (٤٠) وأمّا ترتيبها في النّزول (٦٠) نزلت بعد سورة الزّمر.
سورة غافر: سميت بهذا الاسم؛ لقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ وتسمى سورة المؤمن (مؤمن آل فرعون).
﴿حم﴾:
ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة: وهذه أول سور القرآن الّتي تبدأ بـ (حم) فهناك سبع سور في القرآن متتالية تبدأ بـ (حم) وهي: غافر، فصلت، الشّورى، الزّخرف، الدّخان، الجاثية، والأحقاف.
سورة غافر [٤٠: ٢]
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾:
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة الزّمر للبيان.
العليم: ذكر اسم العليم (١٤٠) مرة في القرآن، وعليماً (٢٢)، وعلام (٤)، والعليم: صيغة مبالغة لعالِم؛ أي: كثير العلم.
العليم: المحيط علمه بكل شيء لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا يخفى عليه خافية؛ فهو عالم غيب السموات والأرض، وعلام الغيوب؛ أحاط علمه بالماضي والحاضر والمستقبل، وعنده مفاتح الغيب، وما
стр. 4587
تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا يعلمه.
العليم بمثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وذرات الرمال.
العليم بجميع خلقه وكونه ما يجري فيه من أحداث، العليم بما يعملون ويصنعون ويفعلون، العليم بالمتقين والمفسدين والظّالمين، والعليم بكل شيء وبذات الصّدور، والمحيط علمه بجميع المخلوقات ذواتها وأوصافها وأفعالها وأمورها ومستقرها ومستودعها، والعليم بالعالم العلوي والسفلي وكل العوالم.
وجاء اسم العليم مقترناً مع: السّميع العليم، والحكيم العليم، والعزيز العليم، والفتاح العليم، والعليم الخبير، والعليم القدير، والعليم الحليم، والعليم الحكيم.
ثم وصف ذاته بست صفات فقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
سورة غافر [٤٠: ٣]
﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾:
﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾: يغفر الذّنب، فلا يعاقب عليه ويعفو عنه ويمحوه؛ لأنّه هو الكريم. والذّنب تعريفه: كلّ فعل تستوخم عقباه، والذّنوب قيل: هي الخطايا. وغافر: اسم فاعل يدل على الثّبوت والاستمرار، والتجدد.
﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾: زيادة الواو فقط إلى هذه الصّفة، أو فصل بالواو بين غافر الذّنب وقابل التّوب؛ للاهتمام والتّوكيد على هذه الصّفة والاهتمام بها؛ أي: التوبة عن غيرها فهو سبحانه يغفر الذّنب ويقبل التوبة.
وقابل التّوب (اسم فاعل) يدل على الثّبوت؛ أي: دائم القبول للتوبة فهو
стр. 4588
غافر الذّنب وقابل التّوب. التّوب: جمع توبة، والتّوب مصدر تاب وهي الرّجوع عن الذّنب، ولم يقل قابل التّوبة (الواحدة) وإنما قابل التّوب (جمع توبة) أي: يقبل كل توبة عن عباده. قابل التّوب للمؤمنين التّائبين للترغيب والحث على الإيمان. ارجع إلى لآيتين (١٧ - ١٨) من سورة النّساء لبيان معنى التوبة وأركانها.
والاستغفار يأتي قبل التّوبة؛ أي يستغفر ثم يتوب.
والتّوبة من أسباب المغفرة، والتّائب غير المعتذر. المعتذر يبرر خطأه ويقدم العذر، أمّا التّائب يقول: لا عذر لي ويعترف بذنبه.
﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾: العقاب مأخوذ من التّعقيب والمعاقبة، وفاعل الذّنب يستحق المعاقبة بعد فعل الذّنب مباشرة بدون تأخير؛ أي: يستحق العقاب مباشرة في الدنيا، ولكنه سبحانه يؤخره لعله يتوب ويسقط عنه؛ فالعقاب: يقع في الدّنيا فقط بينما العذاب قد يؤخّر وقد يقع في الدّنيا والآخرة، والعذاب أوسع من العقاب. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢١١) لمزيد من البيان، والفرق بين العقاب، والعذاب.
﴿ذِى الطَّوْلِ﴾: ذي الفضل، أو أهل الطَّول والفضل، الطَّول: الغنى والسّعة، واستعمال (ذي) بدلاً من صاحب أو غيرها؛ لأنّ ذا أو ذي أشرف في اللفظ وأبلغ في الثّناء والمعنى من صاحب؛ لأنّ ذا تضاف للتابع مثال: (ذا النّون) وصاحب تضاف للمتبوع (صاحب الحوت) والتّابع أشرف وأفضل من المتبوع، مثال: له المال، وصاحب المال، فقولك: صاحب المال أدنى من قولك: له المال - وإذا نظرنا إلى السّياق نجد أنّ ذا النّون جاءت في سياق ذكر النّعم، وصاحب الحوت جاءت في سياق النّهي عن العجلة فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾.
стр. 4589
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: ارجع إلى الآية (٢٥٥) من سورة البقرة للبيان.
﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾: إليه تقديم الجار والمجرور؛ ليدل على الحصر؛ أي حصر إليه مرجع الخلائق كلها، إليه النّهاية: أي الوقوف بين يديه هو المصير (للمحاسبة).
سورة غافر [٤٠: ٤]
﴿مَا يُجَادِلُ فِى آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى الْبِلَادِ﴾:
المناسبة: كأنّه قيل: ما دام هذا القرآن منزلاً من عند الله العزيز العليم فما يجادل في آيات الله إلا الّذين كفروا.
﴿مَا﴾: النّافية.
﴿يُجَادِلُ﴾: من الجدال هو: حوار بين طرفين أو أطراف لإثبات حق أو إظهار حجة أو دفع شبهة، يحصل فيه اختلاف في الآراء.
﴿فِى آيَاتِ اللَّهِ﴾: في الآيات الدّالة على البعث والحساب والدّار الآخرة ووحدانيته وأنّه هو الإله الحق، أو صدق ما جاء به محمّد ﷺ أو صدق نبوته.
﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: إلا أداة حصر، الّذين كفروا: بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث والحساب، وجدال الذين كفروا هو: جدال بالباطل ليدحضوا به الحق كما قال تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦].
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: النّاهية.
﴿يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى الْبِلَادِ﴾: الغرر: هو إيهام يحمل الإنسان على أن يظن شيئاً أو أمراً ما حسناً وهو ضد ذلك، فكأنّ الغرور يوقع المغرور فيما هو غافل عنه من الضّرر، وأصل الغرور الغفلة. والخطاب موجه إلى رسول الله ﷺ وأمته.
стр. 4590
أي: فلا تغتر أنت ومن اتبعك من المؤمنين بتقلب الّذين كفروا في البلاد، بتجارتهم وزراعتهم وصناعاتهم وسعة رزقهم وما هم فيه من رغد العيش.
﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾: يعني ضربهم في الأرض؛ أي: سفرهم للتجارة وكسبهم المال، وغيرها.
لنقارن هذه الآية (٤) من سورة غافر قوله: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى الْبِلَادِ﴾ مع الآية (١٩٦) من سورة آل عمران قوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى الْبِلَادِ﴾.
في آية آل عمران أكد النّهي بعدم الاغترار بإضافة نون النّسوة إلى يغرنك؛ لأنّ السّياق في آل عمران في الهجرة والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس.
أما السّياق في آية غافر: في الجدال في الآيات.
سورة غافر [٤٠: ٥]
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾: أي كذبت قبل قريش قوم نوح، ونوح هو أول رسول بُعث للنهي عن عبادة الأصنام وكذبت، ولم يقل كذب؛ للدلالة على الكثرة (تاء التّأنيث تدل على الكثرة) وكذب تدل على القلة، كذبت قبلهم قوم نوح نوحاً ﵇ ولم يؤمنوا به رغم مرور (٩٥٠) سنة على دعوته إياهم.
﴿وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: الأحزاب جمع حزب، من بعدهم: أي من بعد قوم نوح وهم الأمم الّذين تحزبوا على رسلهم وأنبيائهم بالتّكذيب والإعراض وعدم الإيمان والقتل أمثال: عاد وثمود ومدين وأصحاب الأيكة وقوم لوط وقوم فرعون.
﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾: وهمّت من الهم، والهم نوعان: ثابت إذا كان معه العزم، وعارض هو حديث النّفس ولا عزم.
следующие страницы →