Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.
стр. 4586
سورة غافر [٤٠: ١]
سورة غافر
ترتيبها في القرآن (٤٠) وأمّا ترتيبها في النّزول (٦٠) نزلت بعد سورة الزّمر.
سورة غافر: سميت بهذا الاسم؛ لقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ وتسمى سورة المؤمن (مؤمن آل فرعون).
﴿حم﴾:
ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة: وهذه أول سور القرآن الّتي تبدأ بـ (حم) فهناك سبع سور في القرآن متتالية تبدأ بـ (حم) وهي: غافر، فصلت، الشّورى، الزّخرف، الدّخان، الجاثية، والأحقاف.
سورة غافر [٤٠: ٢]
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾:
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة الزّمر للبيان.
العليم: ذكر اسم العليم (١٤٠) مرة في القرآن، وعليماً (٢٢)، وعلام (٤)، والعليم: صيغة مبالغة لعالِم؛ أي: كثير العلم.
العليم: المحيط علمه بكل شيء لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا يخفى عليه خافية؛ فهو عالم غيب السموات والأرض، وعلام الغيوب؛ أحاط علمه بالماضي والحاضر والمستقبل، وعنده مفاتح الغيب، وما
стр. 4587
تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا يعلمه.
العليم بمثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وذرات الرمال.
العليم بجميع خلقه وكونه ما يجري فيه من أحداث، العليم بما يعملون ويصنعون ويفعلون، العليم بالمتقين والمفسدين والظّالمين، والعليم بكل شيء وبذات الصّدور، والمحيط علمه بجميع المخلوقات ذواتها وأوصافها وأفعالها وأمورها ومستقرها ومستودعها، والعليم بالعالم العلوي والسفلي وكل العوالم.
وجاء اسم العليم مقترناً مع: السّميع العليم، والحكيم العليم، والعزيز العليم، والفتاح العليم، والعليم الخبير، والعليم القدير، والعليم الحليم، والعليم الحكيم.
ثم وصف ذاته بست صفات فقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
سورة غافر [٤٠: ٣]
﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾:
﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾: يغفر الذّنب، فلا يعاقب عليه ويعفو عنه ويمحوه؛ لأنّه هو الكريم. والذّنب تعريفه: كلّ فعل تستوخم عقباه، والذّنوب قيل: هي الخطايا. وغافر: اسم فاعل يدل على الثّبوت والاستمرار، والتجدد.
﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾: زيادة الواو فقط إلى هذه الصّفة، أو فصل بالواو بين غافر الذّنب وقابل التّوب؛ للاهتمام والتّوكيد على هذه الصّفة والاهتمام بها؛ أي: التوبة عن غيرها فهو سبحانه يغفر الذّنب ويقبل التوبة.
وقابل التّوب (اسم فاعل) يدل على الثّبوت؛ أي: دائم القبول للتوبة فهو
стр. 4588
غافر الذّنب وقابل التّوب. التّوب: جمع توبة، والتّوب مصدر تاب وهي الرّجوع عن الذّنب، ولم يقل قابل التّوبة (الواحدة) وإنما قابل التّوب (جمع توبة) أي: يقبل كل توبة عن عباده. قابل التّوب للمؤمنين التّائبين للترغيب والحث على الإيمان. ارجع إلى لآيتين (١٧ - ١٨) من سورة النّساء لبيان معنى التوبة وأركانها.
والاستغفار يأتي قبل التّوبة؛ أي يستغفر ثم يتوب.
والتّوبة من أسباب المغفرة، والتّائب غير المعتذر. المعتذر يبرر خطأه ويقدم العذر، أمّا التّائب يقول: لا عذر لي ويعترف بذنبه.
﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾: العقاب مأخوذ من التّعقيب والمعاقبة، وفاعل الذّنب يستحق المعاقبة بعد فعل الذّنب مباشرة بدون تأخير؛ أي: يستحق العقاب مباشرة في الدنيا، ولكنه سبحانه يؤخره لعله يتوب ويسقط عنه؛ فالعقاب: يقع في الدّنيا فقط بينما العذاب قد يؤخّر وقد يقع في الدّنيا والآخرة، والعذاب أوسع من العقاب. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢١١) لمزيد من البيان، والفرق بين العقاب، والعذاب.
﴿ذِى الطَّوْلِ﴾: ذي الفضل، أو أهل الطَّول والفضل، الطَّول: الغنى والسّعة، واستعمال (ذي) بدلاً من صاحب أو غيرها؛ لأنّ ذا أو ذي أشرف في اللفظ وأبلغ في الثّناء والمعنى من صاحب؛ لأنّ ذا تضاف للتابع مثال: (ذا النّون) وصاحب تضاف للمتبوع (صاحب الحوت) والتّابع أشرف وأفضل من المتبوع، مثال: له المال، وصاحب المال، فقولك: صاحب المال أدنى من قولك: له المال - وإذا نظرنا إلى السّياق نجد أنّ ذا النّون جاءت في سياق ذكر النّعم، وصاحب الحوت جاءت في سياق النّهي عن العجلة فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾.
стр. 4589
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: ارجع إلى الآية (٢٥٥) من سورة البقرة للبيان.
﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾: إليه تقديم الجار والمجرور؛ ليدل على الحصر؛ أي حصر إليه مرجع الخلائق كلها، إليه النّهاية: أي الوقوف بين يديه هو المصير (للمحاسبة).
سورة غافر [٤٠: ٤]
﴿مَا يُجَادِلُ فِى آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى الْبِلَادِ﴾:
المناسبة: كأنّه قيل: ما دام هذا القرآن منزلاً من عند الله العزيز العليم فما يجادل في آيات الله إلا الّذين كفروا.
﴿مَا﴾: النّافية.
﴿يُجَادِلُ﴾: من الجدال هو: حوار بين طرفين أو أطراف لإثبات حق أو إظهار حجة أو دفع شبهة، يحصل فيه اختلاف في الآراء.
﴿فِى آيَاتِ اللَّهِ﴾: في الآيات الدّالة على البعث والحساب والدّار الآخرة ووحدانيته وأنّه هو الإله الحق، أو صدق ما جاء به محمّد ﷺ أو صدق نبوته.
﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: إلا أداة حصر، الّذين كفروا: بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث والحساب، وجدال الذين كفروا هو: جدال بالباطل ليدحضوا به الحق كما قال تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦].
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: النّاهية.
﴿يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى الْبِلَادِ﴾: الغرر: هو إيهام يحمل الإنسان على أن يظن شيئاً أو أمراً ما حسناً وهو ضد ذلك، فكأنّ الغرور يوقع المغرور فيما هو غافل عنه من الضّرر، وأصل الغرور الغفلة. والخطاب موجه إلى رسول الله ﷺ وأمته.
стр. 4590
أي: فلا تغتر أنت ومن اتبعك من المؤمنين بتقلب الّذين كفروا في البلاد، بتجارتهم وزراعتهم وصناعاتهم وسعة رزقهم وما هم فيه من رغد العيش.
﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾: يعني ضربهم في الأرض؛ أي: سفرهم للتجارة وكسبهم المال، وغيرها.
لنقارن هذه الآية (٤) من سورة غافر قوله: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى الْبِلَادِ﴾ مع الآية (١٩٦) من سورة آل عمران قوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى الْبِلَادِ﴾.
في آية آل عمران أكد النّهي بعدم الاغترار بإضافة نون النّسوة إلى يغرنك؛ لأنّ السّياق في آل عمران في الهجرة والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس.
أما السّياق في آية غافر: في الجدال في الآيات.
سورة غافر [٤٠: ٥]
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾: أي كذبت قبل قريش قوم نوح، ونوح هو أول رسول بُعث للنهي عن عبادة الأصنام وكذبت، ولم يقل كذب؛ للدلالة على الكثرة (تاء التّأنيث تدل على الكثرة) وكذب تدل على القلة، كذبت قبلهم قوم نوح نوحاً ﵇ ولم يؤمنوا به رغم مرور (٩٥٠) سنة على دعوته إياهم.
﴿وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: الأحزاب جمع حزب، من بعدهم: أي من بعد قوم نوح وهم الأمم الّذين تحزبوا على رسلهم وأنبيائهم بالتّكذيب والإعراض وعدم الإيمان والقتل أمثال: عاد وثمود ومدين وأصحاب الأيكة وقوم لوط وقوم فرعون.
﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾: وهمّت من الهم، والهم نوعان: ثابت إذا كان معه العزم، وعارض هو حديث النّفس ولا عزم.
стр. 4591
﴿كُلُّ﴾: للتوكيد.
﴿أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾: من الأخذ وهو: الأسر أو الحبس أو القتل والتّعذيب، والأخيذ وهو الأسير أصلاً، والأخذ قد يكون معناه الهلاك كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤]. والباء برسولهم: للإلصاق.
﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ﴾: إذن هناك جدال بالحق أو جدال بالباطل.
والجدال بالحق هو جدال حسن، وكما قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وجدال بالباطل وهو المذموم.
والباطل هو الذّاهب الزّائل، وقيل: ما لا وجود له، وقيل: هو الكذب أيضاً.
والباء للإلصاق والملازمة، فجدالهم كان كله باطلاً.
﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾: اللام لام التّعليل. ليدحضوا به الحق: الدّحض مأخوذ من الطّين الّذي يلزق؛ أي تزل القدم في الطّين؛ أي: أرادوا إزالة الحق بالباطل فلم يستطيعوا. فهذه الآية تبين ما هو الهدف أو الغاية من وراء جدالهم.
﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، أخذتهم: أهلكتهم، والأخذ بقوة وشدة؛ يعني: العقاب.
﴿فَكَيْفَ﴾: استفهام فيه تقرير وتعجب.
﴿كَانَ عِقَابِ﴾: ارجع إلى الآية (٣) من السّورة نفسها لبيان معنى عقاب. وعقاب: نكرة للتّهويل والتّعظيم؛ بالصّيحة بالرّجفة بالصّاعقة وبإرسال حجارة من طين، وغيرها من أنواع العقاب؛ أي: انظروا كيف كان عاقبتهم بالسّير في الأرض ورؤية مساكنهم أو آثارهم.
стр. 4592
ولمقارنة هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ مع قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ ارجع إلى سورة الرّعد آية (٣٢).
وانتبه إلى ترابط الآيات السابقة في الآية (٤) قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِى آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تبين من هم الّذين يجادلون في آيات الله.
وفي الآية (٥): ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ تبين ما هو الهدف أو الغاية أو الدّافع إلى الجدال في آيات الله هو إبطال الحق وردّ المؤمنين إلى الكفر، أو منع الآخرين من الإيمان أو الدّخول في الإسلام واتباع الحق.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] [لقمان: ٢٠]. فهي تبين حالة هؤلاء الّذين يجادلون في الآيات، يجادلون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
سورة غافر [٤٠: ٦]
﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾:
﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ﴾: أي كما وجب أو حكم بالعذاب على الأمم الماضية المكذّبة لرسلهم، وجب أو ثبت على الّذين كفروا بمحمّد من كفار قريش أنّهم أصحاب النّار.
﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: قيل: كلمة ربك هي: كلمة العذاب، أو: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، أو قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨].
﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: حقّت وثبتت على الّذين كفروا؛ لأنّهم هم الّذين كفروا اختاروا ذلك، ولم تحقّ عليهم بقهر وجبروت أو ظلم.
﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: أن للتوكيد، أصحاب النّار: ارجع إلى الآية (٣٩) من سورة البقرة للبيان، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٣٣) في سورة يونس وهي
стр. 4593
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: نجد أن آية يونس جاءت في سياق الكل (المؤمن والكافر)، فمن خرج عن الحق أو المنهج هو فاسق فهم لا يؤمنون، وآية غافر: جاءت في سياق الذين كفروا فهم أصحاب النار.
سورة غافر [٤٠: ٧]
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾:
المناسبة: مقابل الحكم ووجوب كلمة العذاب على الّذين كفروا برسلهم من الأمم الماضية، أوجب الله تعالى لعباده الّذين آمنوا أشرف الملائكة المقربين؛ ليستغفروا لهم ويدعوا لهم بالوقاية من السّيئات، وأن يرزقوا الجنة ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد المدح والعلوّ.
﴿يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾: العرش هو أعظم المخلوقات على الإطلاق، أعظم من خلق السّموات والأرض ومن خلق الإنسان، العرش الّذي تحته جنة الفردوس، العرش الّذي لا يحيط بعلمه إلا من خلقه سبحانه، وحملة العرش قيل: هم أربعة ويوم القيامة يصبحوا ثمانية؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. ارجع إلى سورة هود آية (٧)، وسورة طه آية (٥) لبيان معنى العرش، وارجع إلى سورة الحاقة آية (١٧) لمزيد من البيان في يحمل عرش ربك.
﴿وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: ومن حوله من الملائكة المقربين الحافّين من حول العرش بدون أيّ مسافة أو فراغ بينهم وبين العرش، وهم سادة الملائكة وأشرافهم يسمون العالين كقوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥].
стр. 4594
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: يسبّحون ينزّهون الله سبحانه.
ارجع إلى الآية (٧٥) من سورة الزّمر للبيان، يسبّحون تسبيحاً مقروناً بالحمد على نعم الله الباطنة والظّاهرة، وسورة الإسراء آية (١).
﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: ألم يقل سبحانه: يسبّحون بحمد ربهم، ألا يدل ذلك على الإيمان به؟ فلماذا عاد وذكر: يؤمنون به؟ هذه الكلمة (يؤمنون به) لها معنى خاص بديع؛ أي: رغم كونهم حملة العرش أو من حول العرش يسبّحون بحمد ربهم وأنّهم العالين أشراف الملائكة، فهم لا يرون ربهم رغم قربهم منه فهم يؤمنون به بالغيب ولا يرونه.
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: اللام في الّذين لام الاختصاص، يستغفرون خاصة للذين آمنوا، فهؤلاء الّذين يحملون العرش ومن حوله يستغفرون للذين آمنوا ويدعون لهم بالنّجاة ودخول الجنة، ولم يقل: (يستغفرون لمن في الأرض).
كما ورد في الآية (٥) من سورة الشّورى وهي قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِى الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
فالملائكة المقربون (الخاصة) يستغفرون للذين آمنوا فقط، وعامة أو باقي الملائكة يستغفرون لعامة النّاس.
﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ حذفت ياء النّداء للبعد؛ لأنّ الله سبحانه سميع قريب، وشيء: نكره يشمل كل شيء، والشيء كل ما يعلم، ويخبر عنه سواء كان حسياً أو معنوياً ويعني أقل القليل.
وذكر الملائكة ثلاث صفات لله تعالى هي: الرّبوبية والرّحمة والعلم، فالرّبوبية تعني أنت الخالق والمدبّر والمسيطر والرّزاق، ورحمتك وسعت
стр. 4595
وطالت وشملت كلّ شيء؛ لأن رحمته عامة تشمل المؤمن والكافر، والرّحمة من معانيها الوقاية من العذاب، وكذلك وسع علمك أو أحاط علمك بكل شيء فلا يخفى عليك شيء في الأرض ولا في السّماء.
﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾: فاغفر: الفاء للتوكيد، اغفر: الغفر هو السّتر، اغفر: استر. والغفران: أخص من الستر، ويقتضي الثواب؛ لأن الستر وحده يعني: عدم فضحه، ويجوز أن يستر على الكافر والفاسق في الدنيا، فاغفر من الغفران، والغفران يعني: إسقاط العقاب، وإيجاب الثواب، فلا يستحق الغفران إلا المؤمن.
للذين: اللام لام الاختصاص، الّذين اسم موصول يفيد المدح، تابوا: من الشّرك والمعاصي والذّنوب وندموا على ما فعلوا ولم يعودوا إلى ذنوبهم.
﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾: دين الإسلام؛ أي أخلصوا دينهم لك وعبدوك وحدك.
﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾: نجِّهم من عذاب الجحيم: الجحيم من جحم النّار: أو قدرها فاشتد لهيبها، والجحيم: النّار المتأججة أو شديدة التأجج، وقيل: هي دركة من دركاتها السّبع.
стр. 4596
سورة غافر [٤٠: ٨]
﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
المناسبة: قيل: أكمل الدّعاء طلب الجنة والنّجاة من النّار معاً، وهكذا كان دعاء الملائكة: اشتمل على الأمرين معاً.
﴿رَبَّنَا﴾: ارجع إلى الآية السّابقة.
﴿وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: عدن تعني إقامة دائمة لا تزول ولا تنتهي.
ارجع إلى سورة ص آية (٥٠) للبيان.
﴿الَّتِى وَعَدتَّهُمْ﴾: على لسان رسلهم وفي كتابك العزيز.
﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾: من ابتدائية استغراقية؛ أي: كلّ من صلح، صلح: أي كان مؤمناً موحّداً قد عمل الصّالحات.
وأزواجهم: أي الذّكور والإناث (الزّوج يعني الذّكر والأنثى)، وذرياتهم: (الأولاد والبنات)، وهذا من فضل الله ورحمته على عباده المؤمنين.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾: إنك للتوكيد، أنت للاختصاص والتّوكيد.
﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي الغالب الّذي لا يُغلب والقاهر الّذي لا يُقهر، والممتنع لا يضره أحد من خلقه ولا يحتاج لأحد من خلقه.
стр. 4597
﴿الْحَكِيمُ﴾: في تدبير خلقك وكونك، فأنت أحكم الحاكمين وأحكم الحكماء. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان.
نظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الطّور آية (٢١): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾.
سورة غافر [٤٠: ٩]
﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾:
﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾: يا رب، وفقهم للأعمال الصالحة وجنّبهم فعل المعاصي أو اصرف عنهم السّيئات، وبالتّالي جنّبهم العذاب النّاجم عنها، والسّيئات: جمع سيئة وهي: فعل القبيح، والسّيئات تشمل الصّغائر، وقيل: تشمل الصغائر والكبائر، وهي كلمة خاصة بينما السّوء كلمة عامة، والسّوء اسم مصدر ويعني: كلّ ما يُسيء إلى النّفس من الأقوال والأفعال.
والوقاية تكون بتجنّب السّيئات وقبول التّوبة.
﴿وَمَنْ﴾: شرطية.
﴿تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾: أي من تقِه برحمتك؛ أي: تجنّبه عمل السّيئات أو تقِه جزاء سيئاته يوم القيامة فلم تعاقبه عليها.
﴿فَقَدْ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، قد للتحقيق والتّوكيد.
﴿رَحِمْتَهُ﴾: برحمتك الواسعة؛ أي: سترته وعفوت عنه وأنجيته من النّار.
﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: حرف الواو والضمير هو: كلاهما يفيدان التّوكيد، ذلك: اسم إشارة واللام للبعد تشير إلى الوقاية من السّيئات، الفوز
стр. 4598
العظيم. تعريف الفوز: هو النّجاة أو الخلاص من المكروه وبلوغ الغاية أو المحبوب (المطلوب أو المرجو).
والفوز العظيم: هو الفوز الّذي لا يعلوه فوز؛ أي: أعظم درجات الفوز وأعظم من الفوز المبين، أو الفوز الكبير. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٣) لمزيد من البيان.
سورة غافر [٤٠: ١٠]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾:
بعد أن ذكر الله سبحانه في الآية (٤): ﴿مَا يُجَادِلُ فِى آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يُبين الله سبحانه في هذه الآية أحوال الذين كفروا يوم القيامة واعترافهم بذنوبهم فيقول:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: إن للتوكيد، الّذين كفروا: في الدّنيا وماتوا وهم كفار.
﴿يُنَادَوْنَ﴾: أي يوم القيامة، ويُنادَون (مبني للمجهول)، تناديهم الملائكة أو خَزَنة جهنم، وهم يعذّبون في النّار، ينادون: فيها نون التّوكيد على المناداة.
﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾: اللام للتعليل، المقت: هو أشد الكره، وأكبر: على وزن أفعل؛ أي: أشد درجات البغض والكره، ودرجات الكره والبغض بالتّدرج من الأدنى إلى الأشد: البغض القلي الشّنآن ثم المقت (فقه اللغة).
أي: إن كنتم تمقتون أنفسكم الآن وتكرهونها أشد الكراهية، فاعلموا أنّ مقت الله لكم في الدّنيا كان أشد من مقتكم أنفسكم وأنتم في النّار أو الآن؛ لأنّكم كنتم تُدعون إلى الإيمان فتكفرون.
стр. 4599
﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾: إذ ظرفية زمانية بمعنى حين، وشرطية أي: مقت الله لهم في الدّنيا كان أشد من مقتهم أنفسهم الآن؛ حيث كانوا يكفرون بالله حين يدعون إلى الإيمان، ولم يقل إذ دُعيتم إلى الإيمان، تدعون تدل على المرات العديدة والتّجدد والتّكرار في الدّعوة، ودُعيتم تدل على القلة أو المرة الواحدة، فتكفرون: الفاء رابطة (جواب الشّرط) وتكفرون تفيد التّوكيد والتّكرار والتّجدد في الكفر. وتكفرون: تدل على الحدث؛ أي: فعل الكفر.
سورة غافر [٤٠: ١١]
﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾:
تعريف الموت: هو عدم الحياة مطلقاً هو انعدام الحياة (عدم وجود أي أثر للحياة)، ويكون ذلك بخروج الروح من الجسم (الجسد)، أو عدم وجود لا جسم ولا روح؛ فالروح هي التي تبعث الحياة في الجسم، والموت: هو إذهاب الحياة بعد الموت؛ أي: خروج الرّوح من البدن، فالموت هو العدم المطلق سواء كان قبله حياة أو لم تكن قبله حياة.
﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾: أي إماتتين أو موتتين الأولى حين كنا أمواتاً في أصلاب الآباء، والثّانية: الموت الّذي يحدث بانقضاء الأجل (الموت المعروف) بعد الحياة الدّنيا.
﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾: الأول: حين الولادة والقدوم إلى الحياة الدّنيا أو التي بدأت (في أرحام الأمهات) والثّاني: حين البعث والنّشور.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].
стр. 4600
﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، بذنوبنا: كالشّرك والكفر والفساد والعصيان وإنكار البعث والحساب أو الجدال في الآيات.
أما سرّ اعترافهم هذا: هو أنّهم يرجون من وراء الاعتراف الخروج من النّار مستعطفين قائلين: فهل إلى خروج من سبيل؟ وقد بيّن الله سبحانه في آية أخرى أنّ الاعتراف بالذّنب في ذلك الوقت يوم القيامة لا ينفع كما قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١].
وقولهم: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السّجدة: ١٢].
﴿فَهَلْ﴾: الفاء للتوكيد، هل: استفهام للتمنّي.
﴿إِلَى﴾: تشمل كلّ الغايات.
﴿خُرُوجٍ﴾: خروج نكرة؛ تعني أيّ نوع من الخروج: سريع بطيء قريب أو بعيد. أو خروج من أيّ عذاب مهما كان نوعه أو شكله.
﴿مِنْ﴾: استغراقية تشمل أيّ سبيل أو طريق أو وسيلة مهما كانت.
﴿سَبِيلٍ﴾: من طريق للخروج والنّجاة؛ سبيل: نكرة؛ أي: هل هناك من أيّ طريق للخروج من النّار والعودة إلى الدّنيا أو النّجاة من النّار؟
إذن فلا خروج ولا سبيل كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠].
وقولهم هذا دليلٌ على يأسهم وتحيّرهم، وجواب الاستفهام حُذف؛ أي: لا سبيل ولا خروج، وعلل ذلك بقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].
стр. 4601
سورة غافر [٤٠: ١٢]
﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِىِّ الْكَبِيرِ﴾:
﴿ذَلِكُمْ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد والكاف للخطاب، ولم يقل ذلك؛ لأنّ (ذلكم) أهم وأوكد من ذلك ولأنّها تشير إلى أكثر من أمر.
وذلكم: أي الاعتراف بالذّنوب لا ينفع الآن ولا سبيل للعودة إلى الدّنيا أو الخروج من النّار.
﴿بِأَنَّهُ﴾: الباء: للتعليل؛ أن: للتوكيد؛ أي: سبب ذلك أنّه إذا دُعي الله وحده كفرتم؛ أي: كفركم وشرككم بالله تعالى.
﴿إِذَا﴾: ظرفية للزمن الماضي بمعنى حين، وشرطية.
﴿دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾: إذا دعاكم أحد في الدّنيا إلى الإيمان بالله وحده كفرتم.
﴿كَفَرْتُمْ﴾: أي جحدتم وكذبتم ولم تؤمنوا. ارجع إلى سورة البقرة آية (٦) لمزيد من البيان في الكفر.
﴿وَإِنْ يُشْرَكْ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال والشّك، يُشرك بالله: بأن له ولداً أو شريكاً في الملك أو آلهة أو أصناماً.
﴿تُؤْمِنُوا﴾: تصدقوا وتقروا بالشّرك وتدعوا إليه.
﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِىِّ الْكَبِيرِ﴾: الفاء للتوكيد، الحكم: القضاء بما أشركتم وكفرتم. لله: اللام لام الاختصاص، الحكم لله وحده يوم القيامة وهو الحكمُ العدل ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرّعد: ٤١]. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٦٢) لبيان معنى الحكم والقضاء.
стр. 4602
﴿الْعَلِىِّ﴾: علو الجلال والكمال العليّ بسلطانه وقدره، عليُّ الذّات والصّفات والأسماء. ارجع إلى سورة الحج آية (٦٢) لمزيد من البيان في العلي.
﴿الْكَبِيرِ﴾: العظيم الشّأن أكبر من كلّ شيء وأعظم من كلّ شيء، وكلّ شيء بالنّسبة له صغير، وأكبر من أن تدركه العقول والحواس.
سورة غافر [٤٠: ١٣]
﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾:
﴿هُوَ﴾: تعود على العلي الكبير الصّفة الأولى، هو للتوكيد.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم.
﴿يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: الصّفة الثّانية، آياته الكونية بما أودع في سمائه وأرضه من الآيات الدّالة على عظمته وقدرته ووحدانيته مثل الشّمس والقمر والليل والنّهار والنّجوم والكواكب والجبال والبحار والسّحاب والبرق والرّعد والصّواعق الدّالة على أنّه هو الإله الحق واجب الوجود.
الخطاب للناس كافة، يريكم: رؤية بصرية.
﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص (الصّفة الثّالثة).
﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: من السّحاب الرُّكامي، والسّماء تعريفها: هي كلّ ما علاك.
﴿رِزْقًا﴾: أي المطر سمي بالرّزق (بالمجاز المرسل) المطر الّذي هو سبب الرّزق لكم كما قال تعالى: ﴿مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النّحل: ١١].
والرّزق يشمل الطّاقة الشّمسية وإنزال الحديد، والنّجوم المليئة بالمعادن الثّمينة.
стр. 4603
﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾: الواو: استئنافية، ما النّافية.
يتذكر: هذه الآيات ويتعظ بها ولا ينساها.
إلا: أداة حصر؛ أي: لا يغفل عن آيات الله الّذي ينيب إلى الله مراراً وتكراراً.
من: استغراقية.
ينيب: الإنابة: السّرعة في التّوبة وكل منيب تائب وليس كلّ تائب منيباً، فالمنيب هو الّذي يذنب الذّنب فيسارع في التّوبة، والمنيب سريع التّذكر كلما أذنب أعقبها بتوبة سريعة.
والتّذكر والإنابة يوجبان الإخلاص.
سورة غافر [٤٠: ١٤]
﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾:
﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾: الفاء: ادعوا الله؛ أي: اعبدوه وحده وتضرّعوا له بالدّعاء وطلب العون.
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: مخلصين في عباداتكم بدون أيّ شرك أو رياء، موحّدين توحيد الألوهية والرّبوبية والأسماء والصّفات.
له: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر والقصر له وحده.
الدّين: ارجع إلى سورة البقرة آية (١٣٢) لبيان معنى الدين.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾: الواو للتوكيد، كره: أي يؤلم ويشق على الكافرين توحيدكم وإخلاصكم، فلا تبالوا بهم.
стр. 4604
سورة غافر [٤٠: ١٥]
﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾:
﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾: هذه هي الصّفة الرّابعة، رفيع على وزن: فعيل من الفعل رفع.
رافع الدّرجات لأوليائه الصّالحين كقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥] بأن أنزل عليهم كتبه وأرسل إليهم رسله وشرع لهم الإسلام ديناً، فبذلك رفعهم ولم يتركهم بدون منهج.
أو قد تأتي على وزن: مفعول؛ أي: مرتفع الدّرجات في ذاته وصفاته صفات الجلال والكمال، مرتفع عن كلّ شيء وعلى كلّ شيء وعلى خلقه بصفاته العلى ودرجاته وقدره وشأنّه.
﴿ذُو الْعَرْشِ﴾: الصّفة الخامسة، ذو: ارجع إلى الآية (٣) للبيان.
ذو العرش: خالقه ومالكه؛ أي: رب العرش العظيم ورب العرش الكريم. ولمزيد من البيان ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة التّوبة، وسورة طه آية (٥)، وسورة هود آية (٧).
﴿يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: يُلقي الرّوح (أي الوحي) فسمى الوحي روحاً، والوحي يعني: القرآن، والقرآن هو روح، أو غيره من الكتب والصّحف السّماوية كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ (أي القرآن الكريم) وسمي روحاً؛ لأنّه تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح.
﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾: من قضائه أو بأمره ومن أقواله أو من شرائعه.
﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: على من يصطفي من عباده من الرّسل والأنبياء.
стр. 4605
﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾: اللام للتعليل؛ أي: للتبليغ والدّعوة والإنذار، والإنذار: هو الإعلام مع التّحذير والتّخويف، يوم التّلاق: يوم القيامة وسمي يوم التّلاق؛ لالتقاء أهل السّماء بأهل الأرض، والأولين والآخرين والتّابع والمتبوع. والظالم والمظلوم يلتقي فيه العباد.
لينذر يوم التّلاق: أي للاستعداد لذلك اليوم وتجنّب شره.
يوم التّلاق: ولم يقل يوم التّلاقي؛ حذف ياء المتكلم ليتناسب مع قصر زمن التّلاق فلن: يدوم التّلاقي بينهم طويلاً كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥].
وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦].
سورة غافر [٤٠: ١٦]
﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾:
﴿يَوْمَ هُمْ﴾: يوم التّلاق، أو يعني يوم البعث، وجاء بصيغة النّكرة للتهويل والتّعظيم، وهم للتوكيد.
﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾: من البراز، الظّهور والانكشاف.
﴿بَارِزُونَ﴾: خارجون من الأجداث (ظاهرون) لا يسترهم شيء من جبل أو شجر أو أكمة أو بناء أو لباس، يساقون إلى أرض المحشر، وبارزون في أرض المحشر؛ الأرض الجديدة كما وضعها : ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧].
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨].
عراة لا يسترهم شيء.
стр. 4606
﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ﴾: لا النّافية، لا يستتر على الله منهم أحد بجبل أو شجر أو منخفض أو مرتفع، أو الكل بارزون لا يخفى عليه منهم شيء في أرض المحشر، وفي هذا تهديد ووعيد لهم؛ لأنّ الله سبحانه لا يخفى عليه منهم شيء لا اليوم ولا يوم الحشر ولا أيّ يوم، فإذا كانوا يتوهمون أنّهم يستطيعون أن يستتروا من الله يوم القيامة فالله سبحانه يخبرهم بأنه لن يحدث ذلك.
كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٣].
﴿مِنْهُمْ﴾: قد لا تعني فقط كأفراد بل كذلك أعمالهم أو حتّى نواياهم وغيرها؛ لأنّ (من) استغراقية.
﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾: يسأل الله سبحانه هذا السّؤال، قيل: بعد نفخة الصّعق وفناء الخلائق فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه: لله الواحد القهار.
﴿لِلَّهِ﴾: اللام لام الاختصاص والملكية، فهو المنادي وهو المجيب.
﴿الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾: الواحد: الّذي لا شريك له ولا ولد، ولا آلهة ولا أصنام. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) لبيان معنى أحد وواحد. القهار: صيغة مبالغة من القهر، والقهر: هو الغلبة والقدرة سواء أكانت طوعاً أم كرهاً، وسواء أكان كماً أم كيفاً؛ أي: الّذي يقهر ولا يُقهر، الّذي قهر الخلق بالموت والغلبة والقهر الّذي ذلّت له كلّ مخلوقاته. ارجع إلى سورة (ص) آية (٦٥) لمزيد من البيان.
стр. 4607
سورة غافر [٤٠: ١٧]
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
﴿الْيَوْمَ﴾: يعني يوم القيامة يوم الحساب.
﴿تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: تجزى من الجزاء على العمل، والجزاء يكون بالخير أو الشّر.
﴿كُلُّ﴾: للتوكيد.
﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾: الباء للإلصاق والتّوكيد، ما: بمعنى الّذي كسبت أو مصدرية، كسبت من خير أو شر، وكسبت تستعمل في سياق الخير إذا أطلق أو في سياق الشّر إذا أصبح ممارسة الشّر هيناً أو تدرب عليه المسيء فأصبح يمارسه كما يمارس الخير بدون أي خشية أو خوف واكتسبت تستعمل في سياق الشّر عادة.
﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾: توكيد لـ: (تجزى كلّ نفس بما كسبت).
لا: النّافية، ظلم اليوم: بنقص حسنة من ثواب الفرد، أو زيادة سيئة في عقابه.
والظّلم يعني النّقص في إعطاء الحق كاملاً لصاحبه.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: إن للتوكيد، سريع الحساب: قادر على محاسبة خلائقه جميعاً كما يحاسب نفساً واحدة إذا شاء. أو حسب ما يختار من الزّمن؛ لأنّه سبحانه خالق الزّمان.
стр. 4608
سورة غافر [٤٠: ١٨]
﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾:
﴿وَأَنذِرْهُمْ﴾: الإنذار هو الإعلام المقترن بالتّحذير والتّخويف، والمخاطب هو رسول الله ﷺ : أنذر قومك؛ أي أمتك وبالتّالي النّاس أجمعين.
وكما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨].
﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾: يوم القيامة، والآزفة: تعني القريبة كقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ ويوم الآزفة؛ أي: دنا واقترب يوم القيامة، وسميت الآزفة لقربها، أنذرهم ما سيحدث في ذلك اليوم من الأهوال والحوادث المرعبة؛ لكي يستعدوا له.
﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾: إذ ظرفية بمعنى حين وتعني الفجأة، فمن شدة الهول والخوف وفظاعة الأمر كلّ ذلك يؤدي للتّأثير في القلب فيؤدي إلى تسرعه وشدة النّبض مما يجعل الخائف يشعر ضربات قلبه كأنّها صادرة عن حنجرته أي: كأن القلب تحرك وارتفع من مكانه وأصبح بجوار الحنجرة، دليلاً على شدة الفزع والخوف، وإذا قارنا لدى الحناجر (لدى جاءت بالألف المقصورة) مع الآية (٢٥) في سورة يوسف، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ نجد لدا جاءت في هذه الآية بالألف الممدودة، وقيل: الألف الممدودة جاءت في سياق الأمر المادي والمحسوس، وهو: الباب والألف المقصورة جاءت في سياق الأمر المعنوي كون القلوب لدى الحناجر.
﴿كَاظِمِينَ﴾: من الكظم وهو الإمساك عن إظهار الغيظ أو تجرّع الغيظ واحتماله والصّبر عليه.
стр. 4609
أي: ممسكين غمّهم وغيظهم وحزنهم؛ لئلا يظهر للغير كما يمسك صاحب القربة فمها لئلا يخرج منها الماء، كناية عن شدة الفزع والغم.
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ﴾: ما النّافية، للظالمين: اللام لام الاستحقاق أو الاختصاص.
﴿مِنْ﴾: ابتدائية استغراقية.
﴿حَمِيمٍ﴾: قريب ينفع، يقال: احتم فلان لفلان؛ أي: احتدّ لحمايته وفسر الحميم بالصّديق أو المحب.
﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾: ولا شفيع يشفع له فتقبل شفاعته؛ أي حتّى ولو كان يستطيع الشّفاعة؛ أي مؤهّل للشفاعة، لا يطاع ولو يطاع لا تقبل شفاعته، نفي الحالتين معاً.
سورة غافر [٤٠: ١٩]
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ﴾:
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾: الله يعلم كلّ حين تنظر العين إلى ما نُهي عنه؛ أي حين تنظر إلى شيء محرم أو إلى ما لا يحل إليه النّظر؛ أي: مسارقة النّظر إلى الشّيء المحرم ناهيك عن المجاهرة.
الخائنة: الخائنة صفة للنظرة تكون باستراق النّظر أو الاختلاس، والأعين جمع: عين، أداة النّظر، وعين قد تجمع عيون وهي عيون الماء الّتي تكون تحت الأرض.
﴿وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ﴾: أي القلوب من خير وشر، أو ما تحدّث به النّفس صاحبها من الهم أو العزم على المحرم أو التّخلي عنه، فالله سبحانه لا تخفى عليه خافية، وهذا إنذار وتحذير لكلّ من يرتكب تلك المعاصي ويظن أن الله لا يراه.
стр. 4610
سورة غافر [٤٠: ٢٠]
﴿وَاللَّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾:
وبما أنّ الله سبحانه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، فهو قادر على أن يقضي بالحق.
﴿وَاللَّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ﴾: تقديم الفاعل على الفعل للاهتمام.
يقضي: يحكم، بالحق: أي بالعدل وبالقسط، الباء للإلصاق والملازمة؛ أي: دائماً يقضي بالحق يجزي السّيئة بالسّيئة والحسنة بعشر أمثالها أو أكثر، أو يغفر أو يعفو لمن تاب.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾: الّذين اسم موصول يفيد الذّم.
يدعون من دونه: يعبدون غيره من الشّركاء والأصنام.
﴿لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ﴾: لا النّافية، يقضون: يحكمون، بشيء: وشيء نكرة تعني: أيّ شيء صغيراً أو كبيراً، أو حسياً، أو معنوياً، والشيء: هو أقل القليل.
﴿لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ﴾: لأنّهم لا ينطقون ولا يسمعون ولا يبصرون؛ لأنّها جمادات.
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ﴾: إن: للتوكيد، هو: تفيد التّوكيد.
﴿السَّمِيعُ﴾: لأقوالهم ودعائهم وسرّهم ونجواهم وما يعلنون.
﴿الْبَصِيرُ﴾: بأعمالهم وعبادتهم وما يجري في معابدهم، وما يحدث في أقطار السّموات والأرض.
стр. 4611
سورة غافر [٤٠: ٢١]
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِى الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾:
المناسبة: إذا كان الإنذار والوعيد لا يهزّ ولا يؤثر في قلوب هؤلاء الكفرة والمشركين، فلِمَ لا يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان هلاك من سبقهم من الأمم الّذين كذّبوا رسلهم؟!
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾: الهمزة للاستفهام والحثّ، الواو تدل على الكثرة، ولكون الآية مجرد إخبار، ولو كان قبلها سبباً لما بعدها لجاء بالفاء فقال: ألم يسيروا في الأرض.
﴿فِى الْأَرْضِ﴾: ولم يقل على الأرض؛ لأنّ الغلاف الجوي حول الأرض يعدّ من الأرض.
﴿فَيَنظُرُوا﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب.
أي: يسافروا في الأرض بنية وقصد رؤية الآثار والمساكن الخاوية على عروشها، الّتي سكنها الّذين أهلكهم الله وعذّبهم بذنوبهم من الأمم الماضية أمثال عاد وثمود ولوط وفرعون وغيرهم، ولم يقل ثم ينظروا؛ والتي تعني التّراخي في الزّمن؛ أي: يسيروا في الأرض لأسباب مختلفة وبعدها ينظروا إلى آثار الأمم السّابقة الّتي أهلكها الله سبحانه …
﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: كيف للاستفهام والتّحذير.
﴿كَانَ عَاقِبَةُ﴾: حين يذكر العاقبة ويسبقها (كان) تعني العذاب والهلاك، أي: كيف كان هلاك وعذاب الّذين (اسم موصول يفيد الذّم).
﴿كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي جاؤوا من قبلهم أمثال عاد وثمود ولوط وفرعون،
стр. 4612
وحين يؤنث العاقبة فيقول: كيف كانت عاقبة بدلاً من فكان؛ تعني: الجنة والعاقبة الحسنة. وهذا من خصائص القرآن الكريم.
﴿كَانُوا هُمْ﴾: تكرار كانوا مرتين للتوكيد على العاقبة أولاً، وعلى شدة قوتهم وأثاراً في الأرض ثانياً، وهم: للتوكيد.
﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾: أشد منهم (من كفار قريش وأمثالهم) بعددهم وعدّتهم وكبر الأجسام.
﴿وَآثَارًا فِى الْأَرْضِ﴾: وبما بنوا وشيّدوا من الحصون والقصور وأقاموا المدن والحضارات القديمة، وأكبر دليل على ذلك الأهرامات في مصر وقوة الآثار تدل على قوة من بناها.
﴿فَأَخَذَهُمُ﴾: الفاء للتوكيد، فأخذهم الله بذنوبهم؛ أي: عاقبهم بذنوبهم فعذّبهم ودمّرهم، والباء بذنوبهم باء السّببية؛ أي: بسبب ذنوبهم.
﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾: ما النّافية، كان: تشمل كلّ الأزمنة، لهم: اللام لام الاختصاص لهم خاصة.
من الله: من ابتدائية، الله: اسم العلم الدّال على واجب الوجود سبحانه.
من واق: من استغراقية تستغرق كلّ واقٍ؛ أي: يقيهم من العذاب أو يدفع العذاب، يحميهم وينقذهم أو يخفف العذاب عنهم.
سورة غافر [٤٠: ٢٢]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد؛ أي: ذلك العذاب والأخذ الّذي حلّ بهم من الهلاك والدّمار.
стр. 4613
﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء باء التّعليل، أنّهم: أن للتوكيد، والضّمير (هم) يعود على الكفرة من الأمم الماضية.
﴿كَانَتْ تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالحجج الواضحة والمعجزات والآيات الدّالة على صدق الرّسل، والدّالة على وجوب الإيمان بالله وحده.
﴿فَكَفَرُوا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة؛ أي: كفروا مباشرة بالرّسل ولم ينتظروا ويفكروا.
﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾: الفاء للتوكيد، أخذهم الله: أي عاقبهم بشدة فعذّبهم وأهلكهم. والأخذ فيه معنى الشّدة والقوة.
﴿إِنَّهُ﴾: إن للتوكيد.
﴿قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: قوي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء.
شديد العقاب: العقاب ارجع إلى الآية (٣) من السّورة نفسها؛ لمزيد من البيان. قوي شديد العقاب فيها مبالغة في التّحذير والإنذار.
وإذا قارنّا هاتين الآيتين (٢١ - ٢٢) من سورة غافر مع آيات أخرى مماثلة مثل:
الآية (٦٩) من سورة التّوبة: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِى خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
والآية (٩) من سورة الرّوم: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
стр. 4614
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
والآية (٤٤) من سورة فاطر: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَىْءٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾.
نجد أنّ هاتين الآيتين من سورة غافر: فيهما الكثير من التّوكيدات مثل زيادة (هم) وتكرار (فأخذهم الله) (مرتين) ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾، ﴿إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ هذه التّوكيدات تدل على شدة الإنذار والتّحذير والعاقبة أكثر من الآيات الأخرى.
سورة غافر [٤٠: ٢٣]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾:
المناسبة: بعد ذكر أحوال المكذبين برسلهم من الأمم الماضية وما نزل بهم من الهلاك، يذكّرنا أيضاً بما فعل فرعون وجنوده بموسى ﵇.
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق؛ أي: قد تحقّق ما سنذكره في الآيات القادمة.
﴿أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾: ولم يقل بعثنا. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة للبيان.
الباء للإلصاق، آياتنا: التّسع ومنها: العصا واليد. وقوله: آياتنا، نسب الآيات إليه سبحانه؛ لأهميتها ولم يقل ولقد أرسلنا موسى بالآيات.
﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: سلطان عطف على (آياتنا) ومبين: نعت للسلطان، وسلطان مبين: هو الحجة القوية الّتي لا تدحض؛ لقوة دلالتها والدّليل القاطع
стр. 4615
الّذي تأكد بالحس والإدراك بالحواس فهو يشبه عين اليقين، والسّلطان نوعان: إما سلطان القوة والغلبة والقهر، أو سلطان البرهان والحجة.
وسلطان مبين: عطف الخاص على العام؛ للتوكيد على أهميته.
﴿مُبِينٍ﴾: الواضح لكلّ فرد يطّلع عليه وظاهر بنفسه لا يحتاج إلى دليل أو توضيح.
سورة غافر [٤٠: ٢٤]
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾:
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: ملك مصر، ذكر في القرآن (٧٤) مرة. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) لمعرفة من هو فرعون.
﴿وَهَامَانَ﴾: وزير فرعون ذكر في القرآن (٦) مرات. ارجع إلى الآية (٣٦) من السّورة نفسها، وسورة القصص آية (٦) للبيان المفصل.
﴿وَقَارُونَ﴾: ارجع إلى سورة القصص آية (٧٦) للبيان، وذكر في القرآن (٤) مرات. قدم فرعون في هذه الآية؛ لأن موسى ﵇ أرسل إلى فرعون أولاً، بينما في سورة العنكبوت آية (٣٩): قدم قارون على فرعون وهامان؛ لأن قارون كان من قوم موسى، وعنده علم بالتوراة فهو مقارنة بفرعون وهامان يُعد من المستبصرين الذين جاء ذكرهم في الآية (٣٨) من سورة العنكبوت فيكون الترتيب: وكانوا من المستبصرين وقارون، أو ربما لأن الآيات في سورة العنكبوت جاءت في سياق العذاب؛ أي: الخسف الذي أصاب قارون قبل فرعون وهامان الذين أغرقوا في اليم.
﴿فَقَالُوا﴾: الفاء تدل على المباشرة؛ أي: مجرد ما جاءهم موسى كذّبوه ولم يصدقوا بما جاء به من الآيات: المعجزات.
﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾: ساحر: اسم فاعل؛ أي: الذي يعمل السحر، أو
стр. 4616
يزاوله، أو يجيء به، ولمعرفة معنى السّحر ارجع إلى الآية (٥٨) من سورة طه. واتّهموه بالسّحر؛ لأنّ ما جاء به من آية العصا واليد أشياء خارقة للعادة وأثّرت في نفوسهم فقالوا: إنّها سحر.
كذاب: ساحر كثير الكذب، وكذاب: صيغة مبالغة من كذب؛ أي: كأن حرفته الكذاب، أو دائماً يكذب.
سورة غافر [٤٠: ٢٥]
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَالٍ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للترتيب العددي أو الذّكري، لما: ظرفية زمانية بمعنى حين.
﴿جَاءَهُمْ﴾: لم يقل أتاهم؛ المجيء فيه مشقة وصعوبة مقارنة بالإتيان، وجاءهم أي: موسى، جاء فرعون وهامان وقارون.
﴿بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا﴾: الباء للإلصاق والاستمرار، بالحق: بالصّدق، والحق: هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغير ولا يتبدل، وبالحق (قد تعني بالمعجزات الّتي تدل على صدق نبوته).
﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: ارجع إلى سورة البقرة آية (٤٩)، والأعراف آية (١٤١) للبيان. ويجب الانتباه إلى اختلاف الزّمن بين هذه الآية من سورة غافر والآية (٤) من سورة القصص:
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْىِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
فآية القصص زمنها عند ولادة موسى، وآية غافر زمنها عندما أصبح موسى نبياً ورسولاً؛ أي: بعد عودته من مدين.
стр. 4617
ففرعون أمر بالذّبح وقتل الذّكور من بني إسرائيل مرتين:
المرة الأولى: قبل ولادة موسى كما ورد في آية القصص.
والمرة الثّانية: في هذه الآية آية غافر، ففرعون يأمر بذبح أبناء الّذين آمنوا مع موسى (بالله رب العالمين).
﴿وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾: أي أبقوا نساءهم أحياء للخدمة والإذلال.
﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَالٍ﴾: وما: الواو حرف عطف، ما: النّافية.
كيد فرعون: الكيد هو أقوى من المكر، والكيد: هو إيقاع الضّرر أو المكروه بالغير قهراً سواء علم الخصم أم لا يعلم.
وكيد فرعون سواء كان بقتل أبناء الّذين آمنوا مع موسى واستحياء نسائهم، أو إذاقة بني إسرائيل سوء العذاب وغيره من القهر والذّل.
﴿إِلَّا فِى ضَلَالٍ﴾: وما كيد فرعون بموسى والذّين آمنوا معه، إلا: أداة حصر، في ضلال: في ظرفية، ضلال: في خسران وضياع وباطل لا جدوى منه ولا فائدة؛ لأنّ الله سبحانه أعظم كيداً وهو القوي العزيز.
стр. 4618
سورة غافر [٤٠: ٢٦]
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّى أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِى الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَى﴾: أي دعوني اتركوني، قال ذلك لأنّه كان يريد قتل موسى من قبل حين كان موسى وليداً وفرعون كان يخاف من موسى حيث قذف الله في قلبه الرّعب من موسى، والآن يبدو أنّه أشد تصميماً على تنفيذ القتل ويبدو أن فرعون بدأ يشعر بتهديد موسى ويخاف على ملكه وهلاكه.
﴿وَلْيَدْعُ﴾: الواو عاطفة، ليدع: اللام لام التّوكيد.
﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾: ليدع موسى ربه الّذي يزعم أنّه أرسله إلينا؛ ليمنعه من القتل أو يدفع عنه القتل.
﴿إِنِّى أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾: إني: للتوكيد، أخاف: أخشى إن لم أقتله، أن: مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.
يبدل دينكم: أن يُغيّر دينكم؛ أي: ما أنتم عليه من عبادتكم لآلهتكم لكي تعبدوا إلهه وحده. أو أن يظهر في الأرض الفساد: أو هنا ليست للتخيير وإنما جاءت بمعنى الواو؛ أي: إني أخاف أن يبدّل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد؛ أي: يوقع الفتنة والخلاف بين النّاس من وجود فريق يؤمن بفرعون إلهاً وفريق يؤمن بموسى وربه فيكثر الفساد في الأرض فتكثر الخلافات والخصومات والقتل والخراب.
стр. 4619
سورة غافر [٤٠: ٢٧]
﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾:
﴿وَقَالَ مُوسَى﴾: حين سمع ما قاله فرعون: ذروني أقتل موسى، وأبناء الّذين آمنوا معه.
﴿إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ﴾: إني للتوكيد، عُذت: استجرت بربي وربكم أو لجأت إلى ربي وربكم من شر فرعون وشر أمثاله، فهو القادر على نصرتي وحمايتي وحماية كلّ مؤمن.
﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾: من استغراقية، تستغرق كلّ متكبر مكذّب بالجزاء والحساب؛ ويعني فرعون وأمثاله.
ولكن لم يذكر اسم فرعون حتّى لا يجعل فرعون ندّاً ومثيلاً لله سبحانه، أو لكونه تربّى في بيت فرعون فراعى موسى حق التّربية والرّعاية فلم يذكر اسم فرعون.
جمع بين الاستكبار والتّكذيب بيوم الحساب (الجزاء).
ولم يكتفِ بالقول (ربي) وإنما أضاف إلى ذلك (ربكم) للتوكيد على ربوبية الله تعالى للكل، وبذلك يخرج فرعون من دائرة الرّبوبية؛ لأنّ فرعون قال: أنا ربكم الأعلى.
سورة غافر [٤٠: ٢٨]
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّىَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَّبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾:
المناسبة: بعد أن دعا موسى ربه بقوله: إني عُذت بربي وربكم من كلّ متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، استجاب له ربه فقيّض له من بين الأسباب لمساعدته
стр. 4620
رجلاً مؤمناً من آل فرعون، قيل: هو ابن عم فرعون من آل فرعون؛ أي: حاشية فرعون.
﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾: يخفي إيمانه؛ لأنّ قوة طغيان وقهر فرعون وملئه أكبر بكثير من موسى والذّين آمنوا معه؛ أي: يكتم إيمانه خوفاً من بطش فرعون.
﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّىَ اللَّهُ﴾: قام الرّجل مدافعاً عن موسى بعد أن سمع بتهديد فرعون لقتل موسى فقال بجرأة أمام فرعون وملئه: أتقتلون: الهمزة همزة استفهام إنكاري.
رجلاً أن يقول ربي الله: رجلاً؛ أي: موسى، أن يقول: أن تفيد التّعليل، ربي الله.
(ربي الله جمع الرّبوبية والألوهية معاً).
أتقتلون رجلاً لا ذنب له ولا يستحق القتل بسبب قوله: ربي الله ويجهر بها أمام فرعون الّذي قال لقومه: ما علمت لكم من إله غيري؟ ولا شك أن فرعون يستمع ولا تصدق أذناه ما يسمع من قول هذا الرّجل.
﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: الواو الحالية تفيد التّوكيد، قد للتحقيق؛ أي: تحقق مجيئه بالبينات من ربكم؛ أي: المعجزات أو الآيات التّسع وها هو يعيد ويكرر لتسمع آذانهم مرة بعد المرة قول: جاءكم بالبينات ﴿مِنْ رَّبِّكُمْ﴾، يقول: ﴿رَبِّىَ اللَّهُ﴾ ..
جاءكم: المجيء يكون عادة شاقاً صعباً.
بالبينات: من عند ربكم فيها حث على الإيمان بطريقة غير مباشرة.
стр. 4621
﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾: الواو حالية تفيد التّوكيد، إن شرطية تفيد الاحتمال والشّك.
يك: ولم يقل يكن، لتدل على: إن يك كاذباً أدنى الكذب أو أقل الكذب.
فعليه كذبه: أي جزاء أو وبال كذبه سيقع عليه فلا حاجة لقتله أو لا يضركم كذبه.
﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾: مثل وإن يك كاذباً.
وإن يك صادقاً أقل وأدنى الصّدق.
﴿يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ﴾: أي يصبكم بعض العذاب في الدّنيا، الّذي يعدكم به على كفركم، أو النّجاة إن آمنتم به أو ببعض الّذي يعدكم من الصّدق؛ أي: النّجاة وقيل: ذكر البعض ليوجب الكل؛ لأنّ الجزء يدل على الكل.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾: إن الله للتوكيد (هذه تتمة لقول الرّجل المؤمن).
لا يهدي: لا النّافية، يهدي إلى الحق أو إلى سبيله.
من: استغراقية.
هو: للتوكيد.
مسرف: المفرط في فعل أو قول ما لا خير فيه؛ أي: متجاوز حدود الله ويقيم على المعاصي أو المكثر فيها.
كذاب: صيغة مبالغة كثير الكذب.
وإذا نظرنا إلى ما قاله الرّجل المؤمن في هذه الآية وما سيقوله في الآيات التّالية: نجد أنّه قد استخدم الكثير من أساليب الدّعوة إلى الله رغم أنّه يكتم إيمانه،
стр. 4622
فكيف به لو كان يجهر بالدّعوة إلى الله، فقد استخدم أسلوب المنطق والعقل حين قال: أتقتلون رجلاً؛ أن يقول: ربي الله، وإن يك كاذباً … أو يك صادقاً … إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٣٤) في نفس السورة، وهي قوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾: نجد في الآية (٢٨) مسرف كذاب سبقها القول فعليه كذبه، وفي الآية (٣٤) مسرف مرتاب سبقها القول: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ ناسبها مسرف مرتاب.
سورة غافر [٤٠: ٢٩]
﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِى الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾:
ينتقل الرّجل المؤمن في دعوته إلى أسلوب العاطفة والحنان وأسلوب الإنذار والتّحذير في هذه الآية.
﴿يَاقَوْمِ﴾: نداء فيه العطف والرّحمة على قومه.
﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾: اللام في لكم للاختصاص، الملك: لكم ملك مصر الواسع، اليوم؛ أي: في الدّنيا أو في هذا الزّمن.
﴿ظَاهِرِينَ فِى الْأَرْضِ﴾: غالبين في الأرض منتصرين على غيركم، يقال: فلان ظاهر على فلان؛ أي: غالب عليه.
﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾: فمن: الفاء للتوكيد، من استئنافية.
ينصرنا من بأس الله: من عذاب الله، أو يدفع عنا عذاب الله.
إن جاءنا: إن جاءنا بعد قتل هذا الرّجل، أو جاءنا بأس الله بسبب قتله فمن سيدفع عنا العذاب؟ أو إن شرطية تفيد الاحتمال والشّك، وجواب الشّرط محذوف؛ أي: لا أحد ينصرنا أو ينجينا.
стр. 4623
إن جاءنا: أدرج نفسه معهم فلن ينجو أحد منا، فهو يشعرهم أنّه معهم وليس مع موسى وهو يخاطبهم مباشرة.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾: ردّ فرعون على سؤال الّذي آمن من آل فرعون، حين سأل: فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، فقال فرعون: ما أريكم: ما أشير عليكم إلا ما أرى: أي نقتله ونتخلص منه …
﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾: وما النّافية، أدلكم عليه هو سبيل الرّشاد؛ أي: سبيل الصّواب والصّلاح، إلا أداة حصر؛ أي: هو الوحيد والسّبيل للصلاح؛ أي: تكذيب موسى وقتله وتصديقي هو سبيل الصّلاح أو الصواب.
الرّشاد من الرَّشد بفتح الرّاء، ويختلف عن الرُّشد بضم الرّاء:
الرَّشد: يستعمل في الأمور الأخروية فقط.
الرُّشد: يستعمل في الأمور الدّنيوية والأخروية، والرُّشد أعم من الرَّشد.
سورة غافر [٤٠: ٣٠]
﴿وَقَالَ الَّذِى آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾:
يستمر الرّجل المؤمن في دعوته ويحذر قومه مرة أخرى ولم يُبالِ بما قاله فرعون ولم يخف من فرعون.
﴿وَقَالَ الَّذِى آمَنَ يَاقَوْمِ﴾: نادى الّذي آمن قومه نداء فيه نوع من الحنان والعطف عليهم.
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿أَخَافُ عَلَيْكُم﴾: إن كذبتم موسى ولم تؤمنوا به أو قتلتموه.
﴿مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾: أي أن ينزل بكم العذاب ويحلّ عليكم كما نزل
стр. 4624
وحلّ بالأمم المكذبة لرسلها؛ أي: الأحزاب، وهم قوم: نوح، وعاد، وثمود، والذين من بعدهم.
وقال تعالى: (يوم) (مفرد). ولم يقل أيام: أي وقائع أو ما حدث في تلك الأيام من دمار وخراب. فهو جمع الأحزاب وأفرد اليوم ولم يقل مثل أيام الأحزاب أيام هلاكهم وعذابهم؛ أي: رغم كونهم أحزاباً مختلفة؛ أي: أمماً أو أقواماً مختلفة متعددة، كذبوا برسلهم ولم يصدقوا بهم ورفضوا الإيمان فما وقع لكلّ حزب من هلاك ودمار هو نفسه تكرر وتجدد ولذلك وحّد كلمة (يوم) فقال: يوم الأحزاب (لأنّهم أحزاب متعددة) فمن يكذّب برسوله كأنّه يكذّب بكل المرسلين عامة؛ لأنّ رسالتهم واحدة.
سورة غافر [٤٠: ٣١]
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾:
الدّأب: العادة والشأن، دأب على الأمر: اعتاد عليه وأقام عليه ولم يتركه.
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾: أي أخاف عليكم أن تقيموا على كفركم وعدم تصديقكم بموسى، كما دأب قوم نوح حين أقاموا على كفرهم وعدم تصديقهم بنوح فحلّ بهم الطّوفان، أو دأب قوم عاد حين كذبوا أخاهم هوداً، أو دأب قوم ثمود حين كذبوا نبيهم صالحاً، والذّين من بعدهم؛ أي: مثل قوم لوط.
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾: ما النّافية، الله: قدّم الفاعل للاهتمام، يريد ظلماً للعباد: أي وما يريد الله تعالى أن يعذّبهم بذنب لم يفعلوه ولا يترك الظّالم منهم بغير انتقام، للعباد: اللام لام الاختصاص، العباد كافة.
سورة غافر [٤٠: ٣٢]
﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾:
﴿وَيَاقَوْمِ﴾: ارجع إلى الآية (٣٠).
﴿إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾: إني للتوكيد، أخاف عليكم يوم التّناد (في الآخرة)
стр. 4625
بينما أخاف عليكم يوم الأحزاب (في الدّنيا) فهو يحذرهم أن يحلّ عليهم عذاب أو هلاك في الدّنيا أو في الآخرة أو كلاهما معاً.
﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾: له معنيان: يوم المناداة. ينادي كلّ إنسان للحساب والجزاء أو ينادي أصحاب الجنة أصحاب النّار، وأصحاب الأعراف أصحاب الجنة. وأصحاب النّار أصحاب الجنة، والنّداء هو الدّعاء والطّلب أو الحضور أو للاستغاثة.
ولم يقل يوم التّنادي، قال: يوم التّناد حذف الياء؛ لأنّ النّداء لا يطول فيه زمناً طويلاً.
ويوم التّناد قد يعني: يوم التّشرد والبُعد كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦]. أي: يوم الفرار والهرب.
التّناد هنا مشتق من فعل: ندَّ؛ أي: بعُد وشرد ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧].
سورة غافر [٤٠: ٣٣]
﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾:
﴿يَوْمَ﴾: يوم نكرة للتهويل والتّرويع يوم القيامة.
١ - ﴿تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾: منصرفين من الموقف (المحشر) ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١].
٢ - ﴿تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾: تولون: فارّين هاربين حين يؤمر بهم إلى النّار …
﴿مَا لَكُمْ﴾: ما النّافية، لكم: اللام لام الاختصاص.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾: من ابتدائية.
﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾: من استغراقية تشمل أيّ عاصم؛ أي: يعصمكم من عذاب الله؛ أي: يمنعكم أو يدفع عنكم عذابه، يقال: عَصَمه الطّعام؛ أي: منعه من الجوع، أو ينجيكم منه.
следующие страницы →