← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾: الواو حالية تفيد التّوكيد، إن شرطية تفيد الاحتمال والشّك. يك: ولم يقل يكن، لتدل على: إن يك كاذباً أدنى الكذب أو أقل الكذب. فعليه كذبه: أي جزاء أو وبال كذبه سيقع عليه فلا حاجة لقتله أو لا يضركم كذبه. ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾: مثل وإن يك كاذباً. وإن يك صادقاً أقل وأدنى الصّدق. ﴿يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ﴾: أي يصبكم بعض العذاب في الدّنيا، الّذي يعدكم به على كفركم، أو النّجاة إن آمنتم به أو ببعض الّذي يعدكم من الصّدق؛ أي: النّجاة وقيل: ذكر البعض ليوجب الكل؛ لأنّ الجزء يدل على الكل. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾: إن الله للتوكيد (هذه تتمة لقول الرّجل المؤمن). لا يهدي: لا النّافية، يهدي إلى الحق أو إلى سبيله. من: استغراقية. هو: للتوكيد. مسرف: المفرط في فعل أو قول ما لا خير فيه؛ أي: متجاوز حدود الله ويقيم على المعاصي أو المكثر فيها. كذاب: صيغة مبالغة كثير الكذب. وإذا نظرنا إلى ما قاله الرّجل المؤمن في هذه الآية وما سيقوله في الآيات التّالية: نجد أنّه قد استخدم الكثير من أساليب الدّعوة إلى الله رغم أنّه يكتم إيمانه،

стр. 4622

فكيف به لو كان يجهر بالدّعوة إلى الله، فقد استخدم أسلوب المنطق والعقل حين قال: أتقتلون رجلاً؛ أن يقول: ربي الله، وإن يك كاذباً … أو يك صادقاً … إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٣٤) في نفس السورة، وهي قوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾: نجد في الآية (٢٨) مسرف كذاب سبقها القول فعليه كذبه، وفي الآية (٣٤) مسرف مرتاب سبقها القول: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ ناسبها مسرف مرتاب. سورة غافر [٤٠: ٢٩] ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِى الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾: ينتقل الرّجل المؤمن في دعوته إلى أسلوب العاطفة والحنان وأسلوب الإنذار والتّحذير في هذه الآية. ﴿يَاقَوْمِ﴾: نداء فيه العطف والرّحمة على قومه. ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾: اللام في لكم للاختصاص، الملك: لكم ملك مصر الواسع، اليوم؛ أي: في الدّنيا أو في هذا الزّمن. ﴿ظَاهِرِينَ فِى الْأَرْضِ﴾: غالبين في الأرض منتصرين على غيركم، يقال: فلان ظاهر على فلان؛ أي: غالب عليه. ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾: فمن: الفاء للتوكيد، من استئنافية. ينصرنا من بأس الله: من عذاب الله، أو يدفع عنا عذاب الله. إن جاءنا: إن جاءنا بعد قتل هذا الرّجل، أو جاءنا بأس الله بسبب قتله فمن سيدفع عنا العذاب؟ أو إن شرطية تفيد الاحتمال والشّك، وجواب الشّرط محذوف؛ أي: لا أحد ينصرنا أو ينجينا.

стр. 4623

إن جاءنا: أدرج نفسه معهم فلن ينجو أحد منا، فهو يشعرهم أنّه معهم وليس مع موسى وهو يخاطبهم مباشرة. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾: ردّ فرعون على سؤال الّذي آمن من آل فرعون، حين سأل: فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، فقال فرعون: ما أريكم: ما أشير عليكم إلا ما أرى: أي نقتله ونتخلص منه … ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾: وما النّافية، أدلكم عليه هو سبيل الرّشاد؛ أي: سبيل الصّواب والصّلاح، إلا أداة حصر؛ أي: هو الوحيد والسّبيل للصلاح؛ أي: تكذيب موسى وقتله وتصديقي هو سبيل الصّلاح أو الصواب. الرّشاد من الرَّشد بفتح الرّاء، ويختلف عن الرُّشد بضم الرّاء: الرَّشد: يستعمل في الأمور الأخروية فقط. الرُّشد: يستعمل في الأمور الدّنيوية والأخروية، والرُّشد أعم من الرَّشد. سورة غافر [٤٠: ٣٠] ﴿وَقَالَ الَّذِى آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾: يستمر الرّجل المؤمن في دعوته ويحذر قومه مرة أخرى ولم يُبالِ بما قاله فرعون ولم يخف من فرعون. ﴿وَقَالَ الَّذِى آمَنَ يَاقَوْمِ﴾: نادى الّذي آمن قومه نداء فيه نوع من الحنان والعطف عليهم. ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد. ﴿أَخَافُ عَلَيْكُم﴾: إن كذبتم موسى ولم تؤمنوا به أو قتلتموه. ﴿مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾: أي أن ينزل بكم العذاب ويحلّ عليكم كما نزل

стр. 4624

وحلّ بالأمم المكذبة لرسلها؛ أي: الأحزاب، وهم قوم: نوح، وعاد، وثمود، والذين من بعدهم. وقال تعالى: (يوم) (مفرد). ولم يقل أيام: أي وقائع أو ما حدث في تلك الأيام من دمار وخراب. فهو جمع الأحزاب وأفرد اليوم ولم يقل مثل أيام الأحزاب أيام هلاكهم وعذابهم؛ أي: رغم كونهم أحزاباً مختلفة؛ أي: أمماً أو أقواماً مختلفة متعددة، كذبوا برسلهم ولم يصدقوا بهم ورفضوا الإيمان فما وقع لكلّ حزب من هلاك ودمار هو نفسه تكرر وتجدد ولذلك وحّد كلمة (يوم) فقال: يوم الأحزاب (لأنّهم أحزاب متعددة) فمن يكذّب برسوله كأنّه يكذّب بكل المرسلين عامة؛ لأنّ رسالتهم واحدة. سورة غافر [٤٠: ٣١] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾: الدّأب: العادة والشأن، دأب على الأمر: اعتاد عليه وأقام عليه ولم يتركه. ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾: أي أخاف عليكم أن تقيموا على كفركم وعدم تصديقكم بموسى، كما دأب قوم نوح حين أقاموا على كفرهم وعدم تصديقهم بنوح فحلّ بهم الطّوفان، أو دأب قوم عاد حين كذبوا أخاهم هوداً، أو دأب قوم ثمود حين كذبوا نبيهم صالحاً، والذّين من بعدهم؛ أي: مثل قوم لوط. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾: ما النّافية، الله: قدّم الفاعل للاهتمام، يريد ظلماً للعباد: أي وما يريد الله تعالى أن يعذّبهم بذنب لم يفعلوه ولا يترك الظّالم منهم بغير انتقام، للعباد: اللام لام الاختصاص، العباد كافة. سورة غافر [٤٠: ٣٢] ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾: ﴿وَيَاقَوْمِ﴾: ارجع إلى الآية (٣٠). ﴿إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾: إني للتوكيد، أخاف عليكم يوم التّناد (في الآخرة)

стр. 4625

بينما أخاف عليكم يوم الأحزاب (في الدّنيا) فهو يحذرهم أن يحلّ عليهم عذاب أو هلاك في الدّنيا أو في الآخرة أو كلاهما معاً. ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾: له معنيان: يوم المناداة. ينادي كلّ إنسان للحساب والجزاء أو ينادي أصحاب الجنة أصحاب النّار، وأصحاب الأعراف أصحاب الجنة. وأصحاب النّار أصحاب الجنة، والنّداء هو الدّعاء والطّلب أو الحضور أو للاستغاثة. ولم يقل يوم التّنادي، قال: يوم التّناد حذف الياء؛ لأنّ النّداء لا يطول فيه زمناً طويلاً. ويوم التّناد قد يعني: يوم التّشرد والبُعد كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦]. أي: يوم الفرار والهرب. التّناد هنا مشتق من فعل: ندَّ؛ أي: بعُد وشرد ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]. سورة غافر [٤٠: ٣٣] ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: ﴿يَوْمَ﴾: يوم نكرة للتهويل والتّرويع يوم القيامة. ١ - ﴿تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾: منصرفين من الموقف (المحشر) ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١]. ٢ - ﴿تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾: تولون: فارّين هاربين حين يؤمر بهم إلى النّار … ﴿مَا لَكُمْ﴾: ما النّافية، لكم: اللام لام الاختصاص. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: من ابتدائية. ﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾: من استغراقية تشمل أيّ عاصم؛ أي: يعصمكم من عذاب الله؛ أي: يمنعكم أو يدفع عنكم عذابه، يقال: عَصَمه الطّعام؛ أي: منعه من الجوع، أو ينجيكم منه.

стр. 4626

﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: السّؤال هل يُضل الله أحداً؟ الجواب: لا طبعاً، من: شرطية؛ أي: من يختار طريق الضّلال والضّياع والكفر ويصر على ذلك ويمتنع عن التّوبة والإنابة، ويبتعد بعيداً عن الدّين، يتركه الله يفعل ما يريد، فإذا وصل درجة لا يُرجى معها العودة إلى الهداية عندها يطبع الله على قلبه فلا يدخله إيمان ولا يخرج منه كفر، ولن يجد له من هاد يهديه. ﴿فَمَا﴾: الفاء للتوكيد، ما النّافية. ﴿لَهُ﴾: الجار والمجرور، تقدم للاختصاص: له خاصة. ﴿هَادٍ﴾: يهديه إلى الصّراط المستقيم أو الدّين، ولم يقل: فما له من هادي. لنقارن هذه الآية (٣٣) من سورة غافر: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. مع الآية (١٨٦) من سورة الأعراف: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُ﴾. في آية غافر قال: فما له من هاد، نفى (بما) (تنفي الحال) وقدّم له: للحصر، من: استغراقية هاد؛ أي: هاد سواء كان رسولاً هادياً أو عالماً أو صديقاً هادياً واحداً يهديه ولو زمناً قصيراً. في آية الأعراف: فلا هادي له نفى بـ (لا) (تنفي المستقبل وكل الأزمنة) وأخّر (له) أي: له ولغيره هادٍ ولو استغرقت هدايته زمناً طويلاً. ولو جمعنا الآيتين نقول: من يضلل الله لا هادي له الآن ولا في المستقبل، ولن يستطيع أحد أن يهديه ولو صرف زمناً طويلاً أو قصيراً في هدايته.

стр. 4627

سورة غافر [٤٠: ٣٤] ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾: يتابع الرّجل المؤمن النّصح لقومه ويلجأ إلى الاستعانة بالتّاريخ فيقول: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق؛ أي: تحقق وحدث ذلك. ﴿جَاءَكُمْ﴾: أي جاء وكان مجيئه بمشقة وصعوبة وليس بسهولة، والمخاطب هو فرعون وقومه؛ أي: جاء آباءكم وأجدادكم. ﴿يُوسُفُ﴾: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل موسى ﵇ الّذي تريدون قتله أو عدم تصديقه. انتبه حين قال: جاءكم يعني جاء آباءكم وأجدادكم؛ لأنّه حين جاء كان الحاكم هو عزيز مصر ولم يكن هناك أيّ فرعون، وتفسير ذلك: أن الهكسوس دخلوا مصر قبل مجيء يوسف وقضوا على حكم الفراعنة وألغوا الفرعونية وجعلوا أنفسهم ملوكاً، فجاء يوسف في زمن حكم هؤلاء، ثم بعد ذلك عادت الفرعونية إلى مصر وراحوا يضطهدون بني إسرائيل؛ لأنّهم كانوا موالين ومن أنصار الملك العزيز. فهذا الرّجل المؤمن يعلم القصة التّاريخية فجاء بها ليذكّرهم بما حدث لعلّهم يؤمنوا بموسى. إذن: جاءكم يوسف: يوسف لم يجئ لهم وإنما جاء لآبائهم فنسب ما للآباء

стр. 4628

للأبناء؛ لاشتراكهم جميعاً في الضّلال والتّكذيب بالرّسل فليس هناك فارق بينهم وبين آبائهم وأجدادهم. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالآيات الدّالة على وحدانية الله والدّالة على صدق نبوته، والبينات: هي تأويل الأحلام، ولنذكر قول يوسف حين دعا صاحبي السّجن فقال: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّى إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَاءِى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَىْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ يَاصَاحِبَىِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف: ٣٧ - ٤٠]. ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾: الفاء للتوكيد. زلتم في شك مما جاءكم به؛ أي: كنتم في شك. الشّك: هو التّردد بين أمرين على حد سواء (أي تساوي طرفي الإثبات والنّفي) طوال زمن يوسف؛ أي: كنتم تشكون في صدق رسالته وعبادة الله وحده؛ أي: كفرتم به. ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾: حتّى حرف نهاية الغاية، إذا ظرف زماني للماضي وشرطية تفيد حتمية الحدوث. هلك: أي مات يوسف. ﴿قُلْتُمْ﴾: القائل قد يكون ممن عاصر يوسف أو ممن جاء بعدهم من أسلافهم. ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾: لن لنفي المستقبل القريب والبعيد (أي موسى وغير موسى) أي: قلتم ذلك وحكمتم بدون علم ولا برهان وفي نيتكم تكذيب أيّ رسول سواء كان يوسف من قبل أو موسى الآن.

стр. 4629

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾: كذلك: أي مثل هذا الضّلال يكون حال من يضله الله تعالى؛ لإسرافه في المعاصي. مسرف: متجاوز الحد في المعاصي والشّرك والكفر. مرتاب: من الرّيبة وهي: الشّك والتّهمة، وسبقها القول: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ ولذلك جاء بعدها مسرف مرتاب. ارجع إلى الآية (٢٨) في نفس السورة للمقارنة. أي: هو مسرف في فعل المعاصي ومرتاب في دينه؛ أي: يشك ويتّهم الآخرين بالباطل؛ لكي يجد لنفسه مبرراً لعدم إيمانه. سورة غافر [٤٠: ٣٥] ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾: هذا كلام الله سبحانه معترض بين كلام مؤمن آل فرعون وكلام فرعون، هذه الآية تبدو كأنّها تتمة لقوله: (كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الّذين يجادلون في آيات الله). ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول تفيد الذّم وتعود على المسرفين المرتابين أو الّذين كفروا ﴿مَا يُجَادِلُ فِى آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤]. ﴿يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللَّهِ﴾: الجدال نوعان: جدال لإظهار الحق وهو جدال غير مكروه، وجدال بالباطل وهو مكروه. الذين يجادلون في آيات الله؛ أي: يجادلون بالباطل وفي آيات الله الدّالة على صدق نبوة أنبيائه بأن يقولوا: ساحر أو كاهن أو كذاب، أو يجادلون في آيات الأحكام، أو يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. أما الآيات الكونية فلا أحد يستطيع أن يجادل فيها؛ لأنّ مبلغ علمهم قليل لا يُذكر.

стр. 4630

﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾: السّلطان إما سلطان علم وبرهان وحُجة، أو سلطان قوة وقهر، وهم لا يملكون كلاهما ولذلك هم يجادلون بالباطل. ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي هذا النّوع من الجدال هو جدال ممقوت؛ لأنّهم يجادلون الحق بالباطل، كبر مقتاً عند الله: أي يبغض الله سبحانه هذا النّوع من الجدال خاصة بغضاً شديداً ويبغضه الّذين آمنوا الّذين يتبعون الحق وإعلاء كلمة الله وإقامة الدّين. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾: أي كما يطبع الله على قلوب هؤلاء المجادلين في آيات الله بغير سلطان أتاهم، يطبع على كلّ قلب متكبر جبار. والطّبع أشد من الختم، والطّبع على القلب يعني: لا يدخل قلوبهم أيّ إيمان ولا يخرج منها أيّ كفر، والطّبع على قلوبهم هم سببه فهم الّذين اختاروا ذلك واستمروا في الجدال والكفر وابتعدوا كثيراً عن سبل الهداية فلم يعد هناك أملٌ في توبتهم فطبع الله على قلوبهم. ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾: الكبر هو إظهار عظم الشّأن ورفع النّفس فوق ما تستحق. متكبر: عن قبول الإيمان بآيات الله والتّوحيد والجدال في آيات الله، متكبر بدون أن يملك أيّ مؤهلات للكبر. ﴿جَبَّارٍ﴾: صيغة مبالغة وهو القاسي المتكبر، الّذي يُكْرهُ النّاس على فعل ما لا يحبون فعله مستخدماً وسيلة الظّلم والقوة والقهر، أو يتعاظم بالقهر والقتل، والجبار: أبلغ من المتكبر. لنقارن هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ ولو قال كذلك يطبع الله على قلب كلّ متكبر جبار؛ أي: بتقديم كلمة (كل) على كلمة (قلب) أو تأخيرها.

стр. 4631

تقديم كلمة (كل) كقوله: كذلك يطبع الله على كلّ قلب متكبر جبار؛ تعني: كلّ قلوب المتكبرين الجبارين عموماً تصاب بالطّبع، وتعني الطّبع على القلب طبعاً تاماً كاملاً يشمل كلّ جزء من أجزاء القلب. أما تأخير كلمة (كل) كقوله: كذلك يطبع الله على قلب كلّ متكبر جبار؛ تعني: كلّ قلوب المتكبرين الجبارين تصاب بالطّبع، وتعني الطّبع على القلب لا يشمل كلّ جزء من أجزاء القلب. سورة غافر [٤٠: ٣٦] ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِى صَرْحًا لَّعَلِّى أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾: عاد فرعون مرة ثانية إلى مقاطعة كلام الّذي آمن راجياً أن لا يكون نُصحُ الّذي آمن قد أثّر في قلوب المستمعين، فأسرع بسؤال هامان أمام قومه مستخفاً بعقولهم: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِى صَرْحًا﴾: هامان: وزيره هامان كان المسؤول على البناء، بناء المشاريع الكبرى، وبناء المشاريع الكبرى يطلق عليها هامان أي اسمه هامان ووظيفته هامان (بناء المشاريع الكبرى) وكان مقرباً إلى فرعون. وذكر هامان في القرآن إعجاز على نبوة رسول الله ﷺ ؛ لأنّ أهل الكتاب ينكرون هامان في كلّ قصة موسى؛ أي: لا وجود لهامان مع موسى. ارجع إلى سورة القصص آية (٦) لمزيد من البيان. ﴿ابْنِ لِى صَرْحًا﴾: الصّرح هو البناء الشّامخ العالي الظّاهر الّذي لا يخفى على النّاظر من بُعد كالأبراج العالية، صرحاً: من صَرَح الشَيء وصرّحَه؛ أي: بيّن الشّيء وأظهره فلم يعد يخفى. ﴿لَّعَلِّى﴾: للتعليل. ﴿أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾: جمع سبب، والسّبب: هو ما يتوصّل به إلى الشّيء كالحبل أو السُّلم ويطلق على الطّريق.

стр. 4632

وقيل: أبواب السّموات؛ أي: الطّرق طرق السّموات. لعلّي أبلغ الطّرق التي توصل من سماء إلى سماء المؤدية إلى الوصول إلى إله موسى، وكما قال تعالى في سورة الكهف الآيتين [٨٤ - ٨٥]: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ وارجع إلى سورة ص آية (١٠) لمزيد من البيان. سورة غافر [٤٠: ٣٧] ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّى لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾: ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾: أبوابها ومنافذها وطرقها. ارجع إلى الآية السابقة (٣٦) من نفس السورة. ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾: أي انظر إلى إله موسى، ويعني النّظر الموصل إلى الحقيقة والغاية. ﴿وَإِنِّى لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾: أكد فرعون بأنّ موسى كاذبٌ (بإنَّ وبالياء) في (إني) واللام في لأظنه كاذباً في زعمه أن له إلهاً غيري فوق السّموات؛ أي: لعلي أصعد في الصّرح فأصل إلى أبواب السّموات ومنافذها، وأسير في طرقها من طريق إلى طريق حتّى أصل في النّهاية فأجد إله موسى، يريد بذلك أن يوهم قومه أنّه قادر على ذلك وأنّ ما يزعمه موسى هو شيء باطل، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٣٨) وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنِّى لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فإذا جمعنا بين الآيتين أي: كاذباً من الكاذبين؛ كاذباً: هو الأصل. وفي قوله: ﴿لَّعَلِّى أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ فيها شيء من التّكرير فمن الممكن القول لعلي أبلغ أسباب السّموات وانتهى. هذا ليس تكراراً وإنما يسمى الإيضاح بعد الإبهام؛ للتفخيم، فالوصول إلى أسباب السّموات ليس بالأمر الهين، بل أمر عظيم يزعم فرعون أنّه قادر على فعله؛ ليجعل السّامع يتعجب لقدرة فرعون على فعل ذلك.

стр. 4633

﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: وكذلك؛ أي: مثل ذلك التّزيين ظن أنّه سيبلغ السّموات ويطلع إلى إله موسى. ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: من الشّرك والتّكذيب، وزيّن مبني للمجهول والمزين هو الشّيطان بوسوسته كما قال الله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النّمل: ٢٤]. ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾: أي سبيل الهدى والرّشاد، وسبب ذلك كفره وشركه وظلمه، عن: تفيد المجاوزة والمباعدة، وصد عن السّبيل هو وقومه. ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾: ما النّافية، كيد فرعون: ارجع إلى الآية (٢٥) من السّورة نفسها. إلا: أداة حصر. في: ظرفية. تباب: في ضياع وخسران وهلاك من: تبّ الشّيء: قطعه. سورة غافر [٤٠: ٣٨] ﴿وَقَالَ الَّذِى آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾: يتابع الّذي آمن نصحه إلى قومه ويكرر: يا قوم، وتكرار يا قوم فيها نوع من العطف والحنان مع قومه حتّى يتبعوه. ﴿اتَّبِعُونِ﴾: فيما أدعوكم إليه وأنصحكم على فعله. ولم يقل اتبعوني، حذف ياء المتكلم؛ أي: اتبعوني ولو شيئاً قليلاً أو حاولوا اتباعي في بعض ما أنصحكم، أمّا اتبعوني تتطلب اتباعاً تاماً في القول والعمل وفيه صبر والتزام. ﴿أَهْدِكُمْ﴾: أدلكم، انتبه إلى قول الّذي آمن: أهدكم، بينما كان قول فرعون في الآية (٢٩): أهديكم، فرعون يؤكد عليهم أن يتبعوه؛ لأنّه يعلم أنّ

стр. 4634

القوم في شك مما يقوله لهم ويدعوهم إليه، ويزعم باطلاً أن الهداية بيده، بينما الّذي آمن لا يؤكد عليهم؛ لأنه يعلم أنّ الهداية بيد الله فهو الهادي وحده. ﴿سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾: السّبيل هو الطّريق الواسع السّهل السّريع، والصّراط أفضل من السّبيل. سبيل الرّشاد: شرع الله أو سبيل الصّلاح المؤدّي إلى الغاية؛ أي: النّجاة والسّداد والخير. سورة غافر [٤٠: ٣٩] ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ﴾: ﴿يَاقَوْمِ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة؛ للبيان. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: هذه الهاء للتنبيه، ذه اسم إشارة للقرب يشير إلى الحياة الدّنيا. ﴿مَتَاعٌ﴾: المتاع كلّ شيء ينتفع به وزائل متاع قليل، ارجع إلى سورة القصص آية (٦٠) للبيان. ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ﴾: إن للتوكيد، الآخرة: الدّار الآخرة. ﴿هِىَ﴾: للتوكيد. ﴿دَارُ الْقَرَارِ﴾: دار البقاء والخلود والدّوام؛ أي: الجنة، ومن أسمائها دار السّلام، جنات عدن، جنات الفردوس، جنات النّعيم، دار الخلد. سورة غافر [٤٠: ٤٠] ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: ﴿مَنْ﴾: شرطية.

стр. 4635

﴿عَمِلَ سَيِّئَةً﴾: ارتكب معصية، والسّيئة قد تكون صغيرة أو كبيرة (سيئة جاءت بصيغة النّكرة؛ لتشمل أيّ سيئة). ﴿فَلَا﴾: الفاء للتوكيد، لا النّافية. ﴿يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾: لأنّ الزّيادة على مقدار جزاء السّيئة ظلم. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. ﴿وَمَنْ﴾: شرطية. ﴿عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: من ابتدائية وتشمل المفرد والمثنى والجمع، (هو) للتوكيد؛ أي: قرن الإيمان بالعمل الصّالح. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء للتوكيد، أولئك: اسم إشارة للبعد ويفيد المدح ويشير إلى الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات. ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغير حساب تعني كثرة الرزق، والحقيقة هم يرزقون فيها حسب درجات أعمالهم الصالحة كما جاء في سورة النبأ الآية (٣٦) وفي قوله تعالى: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾. ارجع إلى الآية (٢١٢) من سورة البقرة لبيان قوله تعالى: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

стр. 4636

سورة غافر [٤٠: ٤١] ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى النَّارِ﴾: ﴿وَيَاقَوْمِ﴾: انتبه في هذا النّداء وهو النّداء الثّالث حيث أضاف الواو فقال: ويا قوم الواو تدل على الاهتمام وزيادة في التّنبيه واليقظة، وبدأ في هذه الآية يصرح بإيمانه بالله وحده بينما في الآيات السّابقة نصح عام. ﴿مَا لِى﴾: ما استفهامية فيها معنى التّعجب وتفيد معنى كيف. ﴿أَدْعُوكُمْ﴾: أصل الدّعاء طلب الفعل، من: دعا يدعو. ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾: من النّار ودخول الجنة (هو دعاهم إلى الجنة في الآية السّابقة) ودخول الجنة؛ يعني: النّجاة من النّار ولا يكون ذلك إلا بالإيمان بالله وحده وتصديق موسى ﵇. فهو يؤكد لهم ذلك والسبيل إليها. ﴿وَتَدْعُونَنِى إِلَى النَّارِ﴾: وقد بيّن كيف يدعونه إلى النّار في الآية التّالية. ﴿تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ﴾، بعدم اتباع موسى وأكد دعوتهم له بزيادة النّون في: تدعونني، ولم يقل تدعوني. سورة غافر [٤٠: ٤٢] ﴿تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾: ﴿تَدْعُونَنِى﴾: تطلبوا مني، وسواء طلبوا منه حقيقة أم لا، دأبهم على الكفر والشّرك فيه معنى الدّعوة الغير مباشرة.

стр. 4637

﴿لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد، بالله: الباء للإلصاق والدّوام، وهذه الباء تعني كفر العقيدة؛ أي: الجحود بالله تعالى. ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ﴾: به: بالله، في عبادته؛ أي: إلوهيته وربوبيته، أي وكيف أشرك به وما ليس لي به علم. ﴿مَا﴾: النّافية. ﴿لَيْسَ﴾: توكيد النّفي. ﴿لِى بِهِ عِلْمٌ﴾: أي الآلهة والأصنام. وتعني: كيف أشرك بالله هذه الآلهة المزعومة (بما فيها فرعون) بدون علم أنّها آلهة أو بدون برهان أو دليل، أو كيف أشرك به شيئاً أعلم أنّه ليس بآلهة؛ أي: هو نفسه يعلم أنّها ليست إلهاً. ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ﴾: إلى الإيمان بالعزيز الغفار أو لعبادته وتوحيده. ﴿الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾: عدل عن ذكر الله تعالى إلى ذكر صفتين من صفاته توجبان الإقرار بإلوهيته والعبودية له وهما: العزيز: القوي الممتنع الّذي يَغلب ولا يُغلب ويَقهر ولا يُقهر، وحذف وأنتم تدعونني إلى ما لا ينفع ولا يضر ولا يسمع ولا يبصر. الغفار: صيغة مبالغة من: غفر أي كثير المغفرة أو الغفران، يغفر الذنوب مهما كثرت ومهما كبرت، والمغفرة تعني يستر الذّنوب ويمحوها ولا يعاقب عليها ويثيب على العمل الصّالح، يغفر الذّنوب جميعاً ويغفر لكم أيضاً شرككم وذنوبكم إذا تبتم وأنبتم إليه.

стр. 4638

سورة غافر [٤٠: ٤٣] ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى الدُّنْيَا وَلَا فِى الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: ﴿لَا جَرَمَ﴾: تعني لابد أو حقاً، أو: لا محالة، وتعني ثبت، ومشتقة من الجرم: جرم اللحم: قطع اللحم، ارجع إلى سورة هود آية (٢٢) لمزيد من البيان. وردت في القرآن في خمس آيات. ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢]، ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [النّحل: ٢٣]، ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ﴾ [النّحل: ٦٢]، ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [النّحل: ١٠٩]، وآية غافر (٤٣). ﴿أَنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ﴾: أي حقاً ما تدعونني إلى عبادته من دون الله من الأصنام أو الآلهة أو فرعون أو غيره. ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى الدُّنْيَا وَلَا فِى الْآخِرَةِ﴾: ليس حرف نفي، له: اللام لام الاختصاص. دعوة في الدّنيا ولا في الآخرة: أي هو نفسه لا يدعو أحداً إلى عبادته؛ لأنّه لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يغني شيئاً، إذن ليس له دعوة توجب عبادته، وإن دعوتموه أنفسكم، لا يسمع دعاءكم حتّى ولو سمع ما استجاب لكم؛ لأنّ الله قادر على منعه. إذن هو ليس له شفاعة في الدّنيا ولا في الآخرة ليشفع لكم أو ليقرّبكم إلى الله زلفى.

стр. 4639

في الدّنيا ولا في الآخرة: تكرار (لا) يفيد توكيد النّفي: لا في الدّنيا وحدها ولا في الآخرة ولا في كلاهما. ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾: وأن: الواو استئنافية، أن مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد. مردّنا إلى الله: أي مرجعنا إلى الله، فالواجب أن نؤمن به وحده، وقدّم مردّنا بدلاً من القول وإلى الله مردّنا؛ للحصر والتّوكيد: إلى الله وحده. ولم يقل مرجعنا؛ لأنّ مردّنا تعني الرّجوع بدون إرادتنا مكرهين، وأما الرّجوع يكون بإرادتنا وبدون كره. ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: وأن للتعليل والتّوكيد. المسرفين: جمع مسرف متجاوز الحد في الحرمات؛ ويعني الإفراط في الكفر والشّرك. وتعريف المسرف: هو المفرط في فعل أو قول لا خير فيه متجاوز لحدود الله، والمقيم على المعاصي والشّرك وغيرهما. وقد تعني الظّلم وسفك الدّماء. و (المسرفين) جملة اسمية تدل على الثّبوت. ﴿هُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد كأنّهم هم وحدهم أصحاب النّار أو هم أصحاب النّار الحقيقيون. ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: ارجع إلى الآية (٣٩) من سورة البقرة للبيان. سورة غافر [٤٠: ٤٤] ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾: الفاء للتوكيد، ستذكرون: السّين للاستقبال القريب؛

стр. 4640

أي: عما قريب إذا حلّ بكم عذاب الله عندها ستذكرون ما قلت لكم، أو يُذكّر بعضكم بعضاً. ﴿مَا﴾: اسم موصول؛ أي: الّذي قلته لكم، أو مصدرية. ﴿أَقُولُ لَكُمْ﴾: أنصحكم، وما أقوله لكم الآن: بالإيمان بالله وحده والكفّ عن الشّرك والمعاصي. ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ﴾: التّفويض: يعني الرد الأمر إلى الله تعالى وحده لكي يعصمني منكم من كلّ سوء، ويبدو أنّه قد شعر بأنّهم غير راضين عنه ويرفضون دعوته وربّما توعّدوه بالسّوء. ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾: إن للتوكيد، بصير: مطّلع على أعمال عباده ونواياهم دائماً، الباء للإلصاق وتعني: الدّوام والاستمرار؛ أي: مطّلع على أعمالكم، وما تدبّروه أو تمكروه بي وبغيري. سورة غافر [٤٠: ٤٥] ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ﴾: الفاء للتوكيد، وقاه: حفظه الله وعصمه. ﴿سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾: سيئات: جمع سيئة، والسيئة: كل فعل قبيح؛ أي ما أرادوا به من قتل أو تعذيب أو حبس موسى ﵇، ما: اسم موصول بمعنى الّذي، أو مصدرية بمعنى سيئات مكرهم أبشع ما مكروا. مكروا: المكر هو: التّدبير الخفي بتدبّر وتفكّر؛ لإيقاع الضّرر بالغير بدون علم الغير، ولم يقل كيدهم: الكيد هو التّدبر الخفي لإيقاع الضّرر بالغير قهراً

стр. 4641

سواء علم أو لم يعلم. وقيل: إنّه (أي الرّجل المؤمن) نجا مع موسى من الغرق بعد خروجهم من مصر. ﴿وَحَاقَ﴾: نزل، وهناك فرق بين حاق ونزل؛ حاق: لا تأتي إلا في سياق نزول المكروه فقط، والنزول: عام في كل شيء، وحاق بآل فرعون؛ أي: نزل بآل فرعون سوء العذاب، وقيل: أصل حاق: حق، وهناك من قال حاق: نزل ولزم وحق، وهناك من قال: حاق: أحاط. ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾: آل فرعون: اتباعه وأنصاره؛ سوء العذاب: السوء كلمة عامة تعني: كل ما يسيء إلى النفس؛ سوء العذاب: في الدّنيا، السّوء هو المكروه يسوء النّفس، يعني: الغرق في البحر فلم ينجُ منهم أحد، وسوء العذاب: في الآخرة هو النّار (في البرزخ ويوم القيامة). سورة غافر [٤٠: ٤٦] ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾: يعني يصلونها أو يُحرقون بها؛ أي: آل فرعون. ﴿غُدُوًّا﴾: الغداة: اسم الوقت ما بين طلوع الفجر وطلوع الشّمس. ﴿وَعَشِيًّا﴾: من الزّوال إلى الغروب. ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾: صباحاً ومساءً، ولم يقل بالغدوّ والعشيّ: الّتي تدل على الدّوام … وهذا العرض على النّار يكون في عالم البرزخ؛ لقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.

стр. 4642

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾: أي فإذا قامت السّاعة يقال لخزنة جهنم: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾: أي أشدّ أنواع عذاب النار؛ أي: جهنم. سورة غافر [٤٠: ٤٧] ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاؤُا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾: انتهى الحديث عن آل فرعون، ويبدأ الحديث عن الكفار عامة يوم القيامة، بما فيهم آل فرعون. ﴿وَإِذْ﴾: أي واذكر، أو ظرفية بمعنى حين، واذكر حين، حجاج وتخاصم أهل النّار. ﴿يَتَحَاجُّونَ فِى النَّارِ﴾: من المحاججة: أو الحجاج، الأصل في الحجاج: هو إظهار الحجة كلّ طرف يحاول تقديم حجته للطرف الآخر ويحاول أن يلقي باللائمة على الآخر وتبرئة نفسه ويُحملُ الإثم والذّنب على الآخر. هذا الحجاج سيكون بعد دخول آل فرعون النّار، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٩٦) في سورة الشعراء وهي قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾: نجد أن يختصمون تتلو مرحلة الحجاج؛ أي: الحجاج أولاً ثم الخصام يحدث بعد ذلك؛ فالله سبحانه يريد أن يطلعنا على بعض مشاهد يوم القيامة وما يحدث بين الأتباع والمتبوعين والذين استكبروا والضّعفاء فيقول: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاؤُا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾: الضّعفاء التّابعون للذين

стр. 4643

استكبروا المتبوعين الأقوياء. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (٢١) لمعرفة الفرق بين الضعفاء والضِعفؤا والضَعف والضُعف سورة البقرة آية (٢٨٢). ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾: إنّا للتوكيد، كنا في الدّنيا، لكم: اللام لام الاختصاص. تبعاً: أي نفعل كما تأمروننا ونسير على خطاكم؛ أي في العقيدة والفعل. ﴿فَهَلْ﴾: استفهام للترجّي. ﴿أَنْتُمْ﴾: للتوكيد. ﴿مُّغْنُونَ عَنَّا﴾: حاملون من خطايانا شيئاً، أو مدافعون عنا أو مانعون عنا العذاب. ﴿نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾: قسماً أو شيئاً قليلاً، أو جزءاً، من: ابتدائية من النّار. سورة غافر [٤٠: ٤٨] ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾: المتبوعون للتابعين. استكبروا: ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) للبيان والفرق بين استكبر ومتكبر. ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾: إنّا كلٌّ: للتوكيد، فيها: في نار جهنم. أي: نحن وأنتم جميعاً في جهنم، فكيف نغني عنكم نصيباً من العذاب؛ أي: لو استطعنا لدفعنا عن أنفسنا العذاب. ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾: إن الله للتوكيد، قد للتحقيق، حكم بين العباد: أدخل أهل الجنة الجنة وأدخل أهل النّار النّار، حكم: قضى ولا رادّ

стр. 4644

لحكمه ولا مبدّل. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٦٢) للبيان والفرق بين الحكم والقضاء. سورة غافر [٤٠: ٤٩] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِى النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ﴾: يعذبون في النّار. ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾: جمع خازن؛ أي: حراس جهنم. ارجع إلى سورة الرعد الآية (١٨) لبيان معنى جهنم. ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾: ولم يقولوا ربنا وربكم، فهم لا يزالون على حالهم كما كانوا في الدّنيا من الكبر والغباء. ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا﴾: أي ادعوا أو اشفعوا لنا عند ربكم، فهم يشعرون أنّهم ليسوا أهلاً أن يسألوا الله بأنفسهم أو يدعوه بأنفسهم، وقد يكون قد يئسوا من رحمته تعالى بأنه لن يستجيب لهم. ﴿يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾: يسألون حتّى ولو يوماً واحداً لا غير أو قدر يوم من أو أيّ شيءٍ من العذاب.

стр. 4645

سورة غافر [٤٠: ٥٠] ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاؤُا الْكَافِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَالٍ﴾: هذا ردُّ الملائكة (خزَنَة جهنم) على أهل النّار حين سألوهم أن يسألوا ربّهم أن يخفّف عنهم يوماً من العذاب. ﴿قَالُوا﴾: أي خزَنَة جهنم لأهل النّار. ﴿أَوَلَمْ تَكُ﴾: الهمزة همزة استفهام وتوبيخ وتقريع، تك: ولم يقل تكن أو تكون؛ أي: أولم تأتكم رسلكم ولو لفترة قليلة أو زمن وجيز. ﴿رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالآيات أو الحجج والبراهين الدّالة على وجوب الإيمان بالله وحده وطاعته وترك الشّرك. ﴿قَالُوا بَلَى﴾: أي قد جاءتنا رسلنا بالبينات، وهذا إقرار على أنفسهم. ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾: قالت الملائكة (خزَنَة جهنم) مادامت قد جاءتكم رسلكم وكفرتم وكذّبتم بهم، فنحن لن ندعو لكم فكيف ندعو ربنا وهو لم يأذن لنا بالدّعاء والاستغفار لكم؟! فادعوا بأنفسكم. ﴿وَمَا دُعَاؤُا الْكَافِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَالٍ﴾: ما النّافية، دعاء الكافرين إلا: حصراً، في ضلال: باطل في ضياع ولا يجدي ولا ينفع، وهو خسارة ولا يُقبل أصلاً.

стр. 4646

سورة غافر [٤٠: ٥١] ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾: بعد أن ذكر حال آل فرعون في الدّنيا والبرزخ ويوم القيامة، وحال الّذين كفروا رسلهم، يذكر حال الّذين آمنوا، ومنهم الرّسل فيقول تعالى: ﴿إِنَّا﴾: للتعظيم. ﴿لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: اللام: للتوكيد، ننصرهم في الحياة الدّنيا بالقوة والعدّة والغلبة على المكذبين والكافرين، أو ننصرهم بالحجة والبرهان أو بأيّ وسيلة بالقوة والسيف أو الحرب، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢١) في سورة المجادلة وهي قوله تعالى: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِى إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾: نجد أن آية غافر تشمل الرسل والذين آمنوا، وآية المجادلة خاصة برسل أمروا بالقتال. ﴿وَيَوْمَ﴾: يوم القيامة. (يوم يقوم الأشهاد) والأشهاد: هم الملائكة يشهدون للأنبياء على أنّهم بلّغوا، وعلى الأمم بالتّكذيب. فالأشهاد: هم الرّسل والأنبياء يشهدون على أممهم وأممهم تشهد عليهم. والمؤمنون وأولو العلم من الأشهاد. والأشهاد قد تكون أيضاً: الجلود والألسُن والأرجل والأيدي والأعين. وقد يكون الكل: الملائكة والأنبياء والرّسل والمؤمنون، والأشهاد: جمع شاهد، وشاهد تجمع على: شهود وأشهاد. ولتعريف الشاهد، والشهيد: ارجع إلى سورة البقرة آية (١٣٣)، وسورة المجادلة آية (٦) للبيان.

стр. 4647

سورة غافر [٤٠: ٥٢] ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾: ﴿يَوْمَ﴾: جاء نكرة للتهويل والتّعظيم؛ أي: يوم القيامة. ﴿لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ﴾: لا النّافية، لا ينفع الظّالمين: أي المشركين. ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾: أي إن اعتذروا لا يقبل أو ينفعهم أيُّ عذر؛ لأنّه عذر باطل أو أنّه لا يؤذن لهم أصلاً ليعتذروا كما قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦]. ﴿وَلَهُمُ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، وتقديم لهم؛ أي: كأنّ اللعنة خاصة بهم. ﴿اللَّعْنَةُ﴾: الطّرد والبعد عن رحمة الله. ﴿وَلَهُمْ﴾: تكرار (ولهم) للتوكيد، وفصل اللعنة عن سوء الدّار فلهم اللعنة ولهم سوء الدّار ولهم كلاهما. ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾: دار الآخرة؛ أي: أقبح العذاب. لنقارن هذه الآية (٥٢) من سورة غافر: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ مع الآية (٨٧) من سورة آل عمران: ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق؛ أي: يستحقون اللعنة. عليهم اللعنة: على تستعمل للأفعال الشّاقة الثّقيلة الّتي يقع وبالها أو عقابها؛

стр. 4648

أي: جزاء الّذين كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أنّ الرّسول حق وجاءتهم البينات. فالآية تتحدث عن الجزاء، والآية في سورة غافر تتحدث عن الاستحقاق. سورة غافر [٤٠: ٥٣] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ الْكِتَابَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، اللام للتوكيد، قد للتحقيق؛ أي: قد حدث ذلك. ﴿آتَيْنَا مُوسَى﴾: آتينا من الإيتاء: وهو العطاء مع عدم التّملك. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة لمزيد من البيان. ﴿الْهُدَى﴾: التّوراة. والهدى: الدّلالة الموصلة إلى البغية؛ أي: بيّنّا له طريق الحق من طريق الباطل. ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ الْكِتَابَ﴾: أورثنا التّوراة الّذين اصطفينا من بني إسرائيل (بني يعقوب)، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]. سورة غافر [٤٠: ٥٤] ﴿هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِى الْأَلْبَابِ﴾: ﴿هُدًى﴾: تعود على الكتاب (التّوراة) أو هو هدى يهدي للحق ويهدي للغاية. ﴿وَذِكْرَى﴾: تعود على الكتاب (التّوراة) تذكرة أو تذكيراً. ﴿لِأُولِى الْأَلْبَابِ﴾: اللام لام الاختصاص، أولي الألباب: ذوي أو أصحاب العقول المستبصرة. ارجع إلى سورة آل عمران آية (٧) والبقرة الآيتين (١٧٩، ١٩٧) للبيان.

стр. 4649

سورة غافر [٤٠: ٥٥] ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِىِّ وَالْإِبْكَارِ﴾: ﴿فَاصْبِرْ﴾: الفاء للتوكيد، اصبر: الخطاب إلى رسول الله ﷺ وأمته، اصبر على طاعة الله، اصبر على ما يقولون، اصبر على أذاهم، اصبر لحكم ربك، واصبر كما صبر أولو العزم من الرّسل، واصبر حتّى يحكم الله. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: إن للتوكيد، وعد الله: الوعد هو الإخبار بالخبر قبل وقوعه، والوعد يستعمل عادة في الخير إذا كان مطلقاً، والوعيد يستعمل عادة في الشّر. حق: الحق الأمر الثّابت الّذي لا يتغير ولا يتبدل. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾: لها معان كثيرة، والمهم ألَّا تظن أنّ رسول الله ﷺ قد خالف منهج الله سبحانه ووقع في ذنب أو معصية كما نفعل نحن، فالمخاطب رسول الله ﷺ والمقصود أمته. فإذا كان الخطاب إلى رسول الله ﷺ ؛ أي: استغفر إذا وقع منك خطأٌ بغير نية أو قصد، مثل: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١]، ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١ - ٢]، أو ما وقع منك قبل النبوة والعصمة. والاستغفار من أنواع الذّكر للتقرب إلى الله ولو بدون وقوع صغيرة أو ذنب. وإذا كان الخطاب للمؤمنين؛ أي: استغفروا ربكم لذنوبكم وسيئاتكم مهما كان نوعها وسببها وتوبوا إلى الله لعلكم تفلحون. وقد يكون على ما حصل منك قبل النّبوة والعصمة.

стр. 4650

﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِىِّ وَالْإِبْكَارِ﴾: أي سبّح ربك تسبيحاً مقروناً بالحمد، أو موصولاً بالحمد؛ لأنّ التّسبيح: هو ثناء على الله، أمّا الحمد: فهو شكر الله على نعمه الظّاهرة والباطنة، والتّسبيح: تنزيه الله تنزيهاً كاملاً مطلقاً عما لا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، تنزيهاً لذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، ومن الشّريك والولد والصّاحبة والنّدّ. وقيل: إنّ معنى سبّح: صلِّ، وسبّح بالعشي والإبكار؛ أي: صلِّ الصّلوات الخمس، وقيل: صلاة الفجر وصلاة العصر، وقيل: ركعتان بالغداة وركعتان بالعشي قبل أن تفرض الصّلوات الخمس. ﴿بِالْعَشِىِّ وَالْإِبْكَارِ﴾: العشي: من صلاة الظّهر (أو الزّوال) إلى المغرب. والإبكار: من صلاة الفجر إلى الضّحى. وبالعشي والإبكار: معرفة، مقارنة بقوله: بكرة وعشياً (نكرة)، بالعشي والإبكار تعني: الدّوام؛ أي كن دائماً مسبّحاً بحمد ربك، وتعني: ليس هناك وقت محدد؛ أي سبّح في أيّ وقت، أو في أي يوم فليس هناك أيام محددة أو وقت محدد. أما بكرة وعشياً: تعني في وقت محدد مخصص بعينه، ويوم محدد. وقرن الصّبر مع التّسبيح والحمد والاستغفار؛ لأنّ مما يساعد على الصّبر الصّلاة والتّسبيح والاستغفار، أو قالوا: من مقومات الصّبر الصّلاة والتّسبيح والاستغفار.

стр. 4651

سورة غافر [٤٠: ٥٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾: ارجع إلى الآية (٥)، والآية (٣٥)، والآية (٦٩) من السّورة نفسها للمقارنة. فالآية (٥) تتحدث عن الدّافع أو الغاية من جدالهم وهو إبطال الحق وردّ المؤمنين إلى الكفر. والآية (٣٥) تتحدث عن منزلتهم عند الله وعند الّذين آمنوا: المقت (أشد الكراهية). الآية (٥٦) تتحدث عن كبرهم، والآية (٦٩) تتحدث عن تكذيبهم بالكتاب والرّسل ومصيرهم في الآخرة وما سيحلّ بهم. إن: للتوكيد، ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿صُدُورِهِمْ﴾: أي قلوبهم. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿كِبْرٌ﴾: أي تكبّر عن الإيمان بالله والاستجابة لرسوله، تكبّر دفعهم إلى عدم الاستماع لآيات الله وما نزل من الحق، وعدم إيمانهم بالبعث والحساب، وأخذوا يجادلون فيها ويتجدّد ويتكرّر جدالهم. ﴿كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾: ما النّافية، هم تفيد التّوكيد؛ أي: لن يتحقق أملهم ويصلوا إلى غاياتهم، والباء للتوكيد، وهو كبرٌ كاذب وزائل وإثمه عائد عليهم. والكبر تعريفه لغوياً: إظهار عظم الشّأن ورفع النّفس فوق ما تستحق، وعدم قبول الحق. ارجع إلى الآية (٨٧) من سورة البقرة لمزيد من البيان.

стр. 4652

﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾: الفاء للتوكيد، استعذ بالله: أي اِلجأ إلى الله واطلب منه العون، من الكِبرْ، وكِبرْ هؤلاء وشرهم وكيدهم، واستعذ بالله. لم يذكر ما يستعيذ منه؛ ليفيد التّعميم. ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾: إن للتوكيد، هو لزيادة التّوكيد. ﴿السَّمِيعُ﴾: لأقوالهم وأسرارهم ونجواهم وما يسرون وما يعلنون. ﴿الْبَصِيرُ﴾: بأحوالهم وأفعالهم وبما تمله جوارحهم، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٠٠) في سورة الأعراف وهي قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: جاءت في سياق الاستعاذة من الشيطان، وآية غافر الاستعاذة من كبر الذين يجادلون في آيات الله؛ فالله سبحانه يسمع ويعلم ما ينزغه الشيطان (في الأعراف) ويعلم الله ويبصر (يرى) كبر الذين يجادلون في آيات الله. سورة غافر [٤٠: ٥٧] ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: المناسبة: في الآية السّابقة ذكر الّذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان، وجدالهم ناتج عن الكبر الّذي أدى إلى عدم إيمانهم بوحدانية الله تعالى، وعدم إيمانهم بالبعث والحساب والجزاء، فردّ الله عليهم بكثير من الآيات والأدلة والبراهين القاطعة الّتي تدل على أنّه الإله الحق واجب الوجود، وتدل على عظمته وقدرته على البعث والحساب، منها: ١ - خلق السّموات والأرض. ٢ - جعل الليل ليسكنوا فيه والنّهار مبصراً. ٣ - جعل الأرض قراراً والسّماء بناءً.

стр. 4653

٤ - صوّركم فأحسن صوركم. ٥ - رزقكم من الطّيبات. ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: اللام لام التّوكيد، وهناك من يقول: إنّها لام القسم. ﴿أَكْبَرُ﴾: من خلق النّاس، أكبر على وزن: أفعل وتعني: أعظم. ومن الأمثلة على ذلك مجرة التّبانة الّتي فيها حوالي (٢٠٠) مليار نجم، والتي هي مجرتنا، وهناك أكثر من ألف مليون مجرة، وهذه النّجوم تدور وفي كلّ ثانية تكون في موقع جديد، والشّمس تجري بسرعة (١٩) كم في الثّانية نحو مستقرها؛ أي: (صولرايبكس)، وفي الوقت نفسه تجري حول مركز المجرة بسرعة (٢٢٠ كم/ ثانية) لتكمل دورتها حول مركز المجرة في (٢٥٠) مليون سنة، والشمس تعتبر نجماً من هذه المليارات النجوم والكون فيه آلاف الملايين من هذه النجوم والكواكب. والشّمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرة، وحرارتها تصل إلى (٢٠) مليون درجة في مركز الشّمس، وطول ألسنة لهبها يصل أكثر من نصف مليون كم، وتبعد عن الأرض (١٥٠) مليون كم والأرض تدور حول الشّمس بسرعة (٣٠) كم في الثّانية، ولو انطفئت الشّمس لتجمدت الأرض ووصلت درجة حرارتها إلى (٢٧٠) درجة تحت الصّفر، وتدور الأرض حول نفسها بسرعة تبلغ في خط الاستواء (١٦٠٠) كم بالسّاعة، ومع ذلك لا نشعر بحركتها، وتصور باقي النجوم والكواكب التي لا يعلمها إلا الله. ﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد.

стр. 4654

﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: آيات الله في الآفاق (والكون) ولا في أنفسهم. سورة غافر [٤٠: ٥٨] ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِاءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾: في الآية السّابقة قال تعالى: ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن خلق السّموات والأرض أعظم من خلق الإنسان، وفي هذه الآية قال: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾. ﴿الْأَعْمَى﴾: هو الّذي لا يعلم أنّ خلق السّموات والأرض أكبر وأعظم من خلق النّاس ولا يؤمن بالله وبالبعث وبوحدانيته، فهذا الأعمى لا يستوي مع أعمى آخر يعلم بدرجة قليلة أو بدرجة كبيرة أنّ خلق السّموات والأرض أكبر من خلق النّاس، والأعمى الّذي لا يريد أن يعلم على الإطلاق أن خلق السّموات والأرض أكبر من خلق النّاس. أو الأعمى: الغافل الّذي لا يتفكر ولا يتأمل بآيات خلق السّموات والأرض ويبقى غير مؤمن بالله. ﴿وَالْبَصِيرُ﴾: الّذي يتفكر بخلق السّموات والأرض ويتأمّلها ويستدلّ على واجب الوجود والإيمان والوحدانية والبعث. والنّفي قد يكون نفي الجنس. ارجع إلى سورة فاطر الآيتين (١٨ - ٢٢). وما يستوي الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات؛ أي: لا يستوي كلّ منهم مع الآخر فهناك السّابق بالخيرات وهناك المقتصد. ولا يستوي المسيء مع المسيء، فهناك من يعمل الكبائر وهناك من يعمل

стр. 4655

الصّغائر؛ ناهيك عن استواء الذي يعمل الصالحات مع المسيء، أو المؤمن والكافر فهذا أمر واضح. ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾: قليلاً: أي إما العدد؛ أي: الّذين يتذكرون عددهم قليل، أو مقدار ما يتذكرون قليل، أو الزّمن الّذي تقضونه في التّذكر في ذكر خلق السموات والأرض قليل جداً. ما: للتوكيد. تتذكرون: التذكر من الذكر، وهو العلم بعد النسيان؛ أي: قليلاً ما تتذكرون؛ أي: هذه الآيات الكونية مثل خلق السّموات والأرض وغيرها، مثل خلق الإنسان تدعوا إلى الإيمان بالله وعظمته وقدرته وعلمه، وأنه الإله الحق الذي يجب أن يعبد ويطاع. تتذكرون: تعني أنها تحتاج إلى زمن أطول وتفكير عميق حتّى يهتدوا بها ويؤمنوا؛ لجهلهم بها وعدم معرفتها سابقاً، ولو قال: تذكرون لدلّ ذلك على زمن أقل.

стр. 4656

سورة غافر [٤٠: ٥٩] ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: جاءت هذه الآية رداً على الّذين يجادلون في البعث والحساب والدّار الآخرة وينكرون قيام السّاعة، وبعد أن جاء بالدّليل على قدرته سبحانه في خلق السّموات والأرض الّذي هو أكبر من خلق النّاس، أخبر بوقوعها لا محالة فقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ﴾: إن للتوكيد، السّاعة: أو قيام السّاعة. وسميت السّاعة وهي لحظة بدء تهدّم النّظام الكوني الحالي. ﴿لَآتِيَةٌ﴾: اللام للتوكيد، الخطاب موجّه إلى منكري البعث خاصة، والكفار والذين يجادلون في آيات الله، لذلك ناسب التّوكيد بإنّ واللام. ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: لا النّافية، الرّيب: الشّك مع التّهمة؛ أي: هم يشكون في السّاعة ويكذبون بالآيات الّتي تخبرهم بقدومها، ويتّهمون الرّسول ﷺ بالأباطيل. ارجع إلى سورة طه الآية (١٥) للمقارنة والبيان. ﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد. ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي لا يصدقون بالبعث وبالساعة والقلة يؤمنون بها ويعلمون أنّها الحق ولذلك يستعدون لها. وإذا قارنّا هذه الآية (٥٩) من سورة غافر: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ مع الآية (١٥) من سورة طه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ نجد أنّه في سورة

стр. 4657

غافر أكد بإن واللام ولا ريب فيها: ثلاث توكيدات؛ لأنّ الخطاب موجه لمنكري البعث والسّاعة، بينما في سورة طه لم يؤكد بشيء؛ ذلك لأنّ الخطاب لموسى ﵇ وهو رسول الله ومؤمن بالسّاعة والبعث فلا يحتاج إلى أيّ توكيد. ارجع إلى سورة طه آية (١٥) لمزيد من البيان ومقارنة الآيات المماثلة. سورة غافر [٤٠: ٦٠] ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾: وبعد أن أكد قيام السّاعة بيّن في هذه الآية مصير هؤلاء الّذين لا يؤمنون بالسّاعة ولا يدعون ربهم ويرجعون إليه ويستكبرون عن عبادته فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ﴾: ربكم؛ أي: الّذي خلقكم وأمدّكم وربّاكم ورزقكم. ﴿ادْعُونِى﴾: ادعوني تأتي بمعنى: اعبدوني، الدّعاء: العبادة، والدّليل هو في تتمة الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى﴾ أو تأتي بمعنى الدّعاء نفسه. والعبادة تنطوي على الدّعاء، والدّعاء باب من أفضل أبواب العبادة، ولتعريف العبادة: ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣) للبيان. ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: أعطيكم ما تسألوني أو أرزقكم، أو أعينكم على حوائجكم، وأستجب لكم: أغفر لكم وأثيبكم على عبادتكم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى﴾: إن للتوكيد، يستكبرون عن عبادتي: أي لا يطيعون أوامري ولا يتجنبون نواهيَّ؛ ويعني الخضوع والذّلّة له وتوحيده والتّوكل عليه. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لبيان معنى الاستكبار والتكبر. ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾: السّين للاستقبال القريب؛ أي: مهما طالت أعمارهم فأجلهم قريب وبعدها يدخلون جهنم، وتعني: بعيدة القعر، وجهنم اسم من أسماء النّار. ارجع إلى سورة الرّعد آية (١٨) للبيان.

стр. 4658

داخرين: صاغرين أذلّاء من دَخِر: صَغُرَ وذَلّ، وأدْخَره: أذلّه. سورة غافر [٤٠: ٦١] ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾: هذا دليل آخر على قدرته وعظمته سبحانه على الخلق والبعث وفضله على النّاس. ولنعلم أنّ هذه الآية ذُكرت لأهميتها في ثلاث سور من القرآن، وتدل على عظمته وقدرته ورحمته بالناس، وتعتبر من آيات الإعجاز العلمي في القرآن بأن جعل لهم الليل ليسكنوا فيها والنّهار مبصراً. هذه السّور هي: سورة يونس آية (٦٧): ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾. سورة النّمل آية (٨٦): ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾. سورة غافر آية (٦١) ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾. ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾: الجعل يكون بعد الخلق؛ أي: سبحانه خلق السّموات والأرض أولاً ثم جعل الليل والنّهار. ﴿لَكُمُ﴾: اللام لام الاختصاص، جعل لكم الليل والنّهار؛ أي: جعل لكم الطّبقة الغازية المحيطة بالأرض الّتي تسمى (النّهار) وتضيء بأشعة الشّمس، ولا

стр. 4659

توجد هذه الطّبقة الغازية حول أيّ كوكب إلا الأرض فهذا خاص بكم. ارجع إلى سورة يونس آية (٦٧) لمزيد من البيان. وجعل لكم ﴿الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾: اللام في كلمة (لتسكنوا) للتعليل، ولتسكنوا فيه: من السّكون، الانقطاع عن الحركة؛ أي: الرّاحة والنّوم والسّكينة الهدوء، و (تسكنوا) جاء بصيغة المضارع ليدل على التّجدد والتّكرار (بالنّوم) ودلالة على نعمة الرّاحة في الليل ليكون الإنسان نشيطاً في الصّباح ويزاول عمله مرة أخرى. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: ارجع إلى الآية (٦٧) من سورة يونس للبيان. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد. ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾: اللام للتوكيد، ذو: صاحب وذوا شرف من صاحب، فضل: الفضل هو الزّيادة عما يستحق العبد. ﴿عَلَى النَّاسِ﴾: على تفيد العلويّة؛ أي: فضله ينزل على النّاس. ﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد. ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾: لا يشكرون ربهم على نعمة الليل، ونعمة السكن، ونعمة الضياء، والتقلب في النهار، ولا يشكرونه على نعمه وفضله عليهم؛ بسبب انشغالهم بالنّعمة ونسيان المنعم، أو بسبب الشّيطان الّذي يُنسي الإنسان ذكر ربه، أو بسبب الظّن أنّ النّعمة تنحصر فقط بالمال وينسى نعمة الصّحة والعافية والأهل والأمن والطّمأنينة - والعلم - وغيرها. وتكرار كلمة النّاس: للتوكيد على الكفر بنعمة الله؛ أي: سترها وجحدها، أو غفلتهم.

стр. 4660

﴿لَا﴾: النّافية. ﴿يَشْكُرُونَ﴾: أي أكثر النّاس لا يشكرون والقليل يشكرون، أو كمية الشّكر الصّادرة عنهم قليلة مقابل النّعم الكثيرة. ولا يشكرون بصيغة المضارع تدل على تجدد وتكرار عدم شكرهم المنعم. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠) لمزيد من البيان. سورة غافر [٤٠: ٦٢] ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: ﴿ذَلِكُمُ﴾: ذا اسم إشارة، ولم يقل ذلك الله ربكم، ذلكم: فيها تعظيم وتدل على الإشارة لعدّة نعم، أو دلائل على قدرة الخلق. ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾: الله: الإله المعبود واجب الوجود، ربكم؛ أي: الخالق المدبر والمربي والرّزاق. فقوله: الله ربكم: جمع صفتي الألوهية والرّبوبية معاً. ﴿خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾: خالق من الخلق: وهو التّقدير، كل: للتوكيد، شيء نكرة تعني: أيّ شيء مهما كان - وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فكونه خالق كلّ شيء فهذا يدل على ربوبيته. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا النّافية، إله: معبود، إلا: أداة حصر، هو: للتوكيد. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥٥) لمزيد من البيان في ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٠٢) في سورة الأنعام وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾: نجد آية الأنعام جاءت في سياق الشريك الولد والصاحبة، ولذلك نفى الشريك، وقدم كلمة التوحيد ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، ثم ذكر الخلق؛ أما في آية غافر الآية جاءت في سياق الخلق وليس الشرك، ولذلك قدم الخلق وأخر ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
следующие страницы →