Полный текст (5 934 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
والذرية: النساء والصغار، وله قد تعني من ذريته، أو من غير ذريته (كالأيتام وأولاد الفقراء) صغار غير قادرين على العمل مثل أولاد الفقراء، واليتامى؛ الّذين حياتهم قائمة على هذه الجنة، ضُعفاء: بضم الضاد يعني ضعف البنية والجسم مقارنة بقوله تعالى في سورة النساء الآية (٩) ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾؛ أي: فقراء؛ أي: ضعف مادي، أما الضعفاء في آية البقرة: هو ضعف بنية؛ أي: صغار. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (٢١) لمعرفة الفرق بين ﴿ضِعَافًا﴾ و ﴿الضُّعَفَاؤُا﴾. ارجع إلى سورة النساء آية (٩) لمزيد من البيان.
﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾: الإعصار: ريح شديدة، عاصفة تنعكس من الأرض إلى السماء، مستديرة كالعمود، وتسمى زوبعة شديدة، وسمِّيت إعصار؛ لأنها تعصر ما تمر به من أي شيء، أو تتلفه، أو تلتف كما يلتف الثوب المعصور.
أي: يا أيها المنفق رياء، وليس ابتغاء وجه الله، أو تتبع ما تنفق بالمن والأذى، أتود أن تذهب نفقاتك وصدقاتك يوم القيامة هباءً منبثاً، وتخسر كل شيء، وتكون عليك حسرة كالذي له جنة من نخيل وأعناب، وتجري من تحتها الأنهار، وله فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر، فهو لا يقدر على الكسب، وليس له إلَّا هذه الجنة، وله ذرية ضعفاء لا مورد لهم إلَّا هذه الجنة، فأصابها إعصار فيه نار؛ فاحترقت فأصبحت كالصريم.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ﴾: (خاصة) ﴿الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ﴾: لعل: للتعليل، ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾: أي: لتتفكروا في هذه الأمثال، وتنظروا في هذه البدائل، وتختاروا ما هو الأفضل لكم، والباقي الدائم من الفاني الزائل.
انتبه إلى قوله: ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾: يرجح أنّ هؤلاء الذّرية هم ليسوا أولاده أو من نسله؛ لأن من النادر أنّ نرى شيخاً مسناً أصابه الكبر، وله أولاد صغار؛ لأنّ
стр. 492
أولاده يجب أن يكونوا قد كبروا، وبلغوا مرحلة الشباب، والقوة، وقادرين على كسب معاشهم.
إذن: من هؤلاء الذّرية؟ هم أولاد الفقراء، والمحتاجين، والّذين هم بحاجة إلى من ينفق عليهم، فهم كذريته.
سورة البقرة [٢: ٢٦٧]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد بتوصية جديدة، والهاء: للتنبيه.
﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾: قلنا: الإنفاق: هو إخراج المال من الملك، فلا يعد ملكه. ما: أوسع شمولاً من الذي؛ كسبتم: من الكسب الذي يأتي في سياق الحسنات أو الخير، واكتسب: تأتي في سياق الشر والمعاصي، وعلى وزن افتعل الذي يدل على بذل الجهد.
أنفقوا من الكسب الحلال الطيب، وليس من الخبيث الحرام؛ لأنّ الله طيب، ولا يقبل إلَّا طيباً (رواه مسلم عن أبي هريرة)، وأنفقوا: تشمل الزكاة، والتطوع.
﴿طَيِّبَاتِ مَا﴾: اسم: موصول؛ بمعنى: الّذي، ولكنها أوسع شمولاً للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث وللعاقل وغير العاقل.
﴿كَسَبْتُمْ﴾: من المال، والتجارة، والزراعة، والصناعة، وغيرها.
الكسب: قد يكون لنفسه، ولغيره، ويأتي في سياق الحلال.
أما الاكتساب: فهو لنفسه وحده، ويأتي في سياق الحرام.
стр. 493
﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾:
﴿وَمِمَّا﴾: أي: من البعضية، ما: اسم موصول كالسابقة، أو حرف مصدري، وتشمل الحبوب، والثمار، والمعادن، والبترول، والذهب، والفضة.
ولم يقل: ما أخرجتم؛ لأن ما يخرجه الله سبحانه يفوق الأضعاف الكثيرة مما يخرجه الإنسان، أو ما يخرجه الإنسان لا يكون إلَّا بإذن الله، وتوفيقه، وهو من ملك الله.
﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾: ﴿وَلَا﴾: النّاهية، ﴿تَيَمَّمُوا﴾: أصلها تتيمَّموا، تاءان أدغمت أحدهما في الأخرى، والتيمم في اللغة: القصد؛ أي: لا تقصدوا.
﴿الْخَبِيثَ﴾: الرديء، السيَّئ، غير الصالح، وقد يعني الحرام.
أي: لا تقصدوا وتختاروا الرديء غير الجيد، أو غير الصالح، أو الحرام؛ لتنفقوا منه، فهذا لا يليق بالمؤمن، ولا يقبله الله سبحانه.
﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾:
﴿وَلَسْتُم﴾: الواو: للتأكيد، لستم: للنفي.
﴿بِآخِذِيهِ﴾: الباء: للإلصاق، آخذيه لأنفسكم: أي: لا يرضى الواحد منكم أن يأخذه لنفسه، أو لعياله؛ لكونه سيئاً، ورديئاً، وغير صالح، فكيف يرضى أن يعطيه لغيره.
﴿إِلَّا أَنْ﴾: إلا: للحصر، وأن: للتوكيد. ﴿تُغْمِضُوا فِيهِ﴾: الإغماض: هو الأصل إطباق الجفن على الجفن، واستعير للتساهل، وللتغافل.
فيكون المعنى: لا تأخذوه إلَّا أن تغضوا أبصاركم عن النظر إلى رداءته؛
стр. 494
أي: تنظروا إليه بشكل سريع، ولا تدققوا في جودته، ونقائه، أو تفحصوه في باطنه وأسفله، ويعني ذلك: تتجاوزوا، وتتغافلوا عن عيبه، فتأخذوه، أو تأخذوا بعضه.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾:
﴿أَنَّ﴾: تأكيد؛ لكون الله غنياً حميداً:
١ - أي: إذا أردت أن تنفق من الخبيث، والرديء، والسيئ، والحرام؛ فالله غني عن إنفاقك، وليس لك ثواب عليه، فالله طيب، ولا يقبل إلَّا طيباً.
٢ - حميد: المحمود من جميع صفات الحمد كلها؛ أي: محمود في الأرض والسماء؛ لما أنعم من النعم على خلقه، وحميد؛ لكونه أخبركم ونبهكم إلى أخطائكم، فيجب أن تحمدوه على ذلك، والحمد لله.
ولم يقل في هذه الآية: غني حليم، كما في الآية (٢٦٣)؛ لأنه ليس فيها ذكر الأذى، ولكن ذكر الخبيث والرديء والسيئ، فالله غني عن ذلك، ويستحق الحمد على شرعه، وأحكامه.
سورة البقرة [٢: ٢٦٨]
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾:
﴿الشَّيْطَانُ﴾: ارجع إلى الآية (٣٦)؛ لمعرفة اشتقاق كلمة الشيطان.
﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾: ولم يقل: يعدكم الشيطان فقراً، وإنما قدَّم الفاعل على الفعل؛ للتحذير، والانتباه من الشيطان.
﴿يَعِدُكُمُ﴾: يوسوس لكم: أنّ الإنفاق سيجركم، أو يسبب لكم الفقر، أو يخوِّفكم من الفقر، أو أن تصدقوا بالخبيث، أو الرديء.
стр. 495
يعدكم: من الوعد، والوعد يكون في الخير، أو الشر، إذا قيَّد، وإذا أطلق: اختصَّ بالخير، وأما الوعيد: لا يكون إلَّا في سياق الشر.
﴿الْفَقْرَ﴾: هو سوء الحال، وقلة اليد، وأصله مشتق من كسر فقار الظهر، يقال: رجل فقر وفقير إذا كان مكسور الفقار.
﴿وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾: أي: يُغريكم من إغراء الأمر للمأمور؛ أي: التزيين.
الفحشاء: ما عظُم قبحه، أو خبثه من الأفعال، والأقوال؛ أي: شديد القبح، أو الخبث، فهو فاحش، والفاحشة قد تعني عبادة الأصنام، والزنى، واللواطة، والقذف، والإفك، ومعصية الرسول، والافتراء على الله، وشرب الخمر، ومنهم من قال: الفحشاء الذنوب الّتي فيها حد، أو المعاصي (القبيح من القول والفعل)، وفي هذه الآية تعني: يعدكم الفقر، ويأمركم بالإنفاق من الخبيث الرديء السيِّئ.
﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾: الوعد هنا مقيَّد ومختصٌّ بالخير.
﴿يَعِدُكُمْ﴾: وفيها تقديم الفاعل على الفعل؛ للتأكيد، والتنبيه، وأصلها يعدكم اللهُ مغفرة منه على إنفاقكم في سبيله.
والمغفرة: تعني: ستر الذّنب؛ أي: يغطي الذّنب، يستر عليه ذنبه، أو جرمه، ولا يفضحه، وإذا ستر عليه يعني لا يعاقبه عليه؛ أي: يغفره؛ أي: يمحوه (يمحو سيئاته)، ويعطيه ثواب أعماله الصالحة.
فالمغفرة = العفو + الثواب؛ أي: ستر الذّنب، ومحوه، والثواب على الأعمال الصالحة، فلا يطرح سيئة من حسنة، والعفو: إسقاط الذّنب، وترك العقوبة، ولا يقتضي الثواب.
стр. 496
ومغفرة جاءت بصيغة النكرة؛ للتعظيم والتهويل؛ أي: تشمل كل مغفرة على كل ذنب؛ إلَّا الشّرك الّذي لا يعقبه توبة.
﴿وَفَضْلًا﴾: الفضل: هو الزّيادة على ما يستحق العبد؛ أي: الزّيادة على الأجر.
﴿وَفَضْلًا﴾: نكرة، فهناك أنواع كثرة متنوعة من الفضل، وعدها الله سبحانه عباده الصالحين، ارجع إلى سورة الجمعة، آية (٤) لمزيد من البيان.
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: واسع المغفرة، والرحمة، والعفو، واسع الفضل، والعطاء، والإحسان، والرزق، يرزق من يشاء بغير حساب، واسع الملك، والعلم والمقدرة.
﴿عَلِيمٌ﴾: بأعمال عباده، والأعمال تضم الأقوال، والأفعال، لا تخفى عليه خافية، ويعلم ما يسرون، وما يعلنون، وما تخفي الصدور، وهنا تعني: عليم بما تنفقون.
سورة البقرة [٢: ٢٦٩]
﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾:
﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ﴾: الإيتاء تعريفه، ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة.
﴿الْحِكْمَةَ﴾: لها معان متعدِّدة في القرآن، وحسب السياق منها: النبوة، والرسالة.
الفقه في الدِّين، أو العلم بأصول الفقه، أو العلم والمعرفة بأحكام الله.
المعرفة بالقرآن، وفهمه، وفقهه، ومحكمه، ومتشابهه.
стр. 497
إصابة الحق في القول والعمل؛ أي: السداد في القول، والعمل، والعلم.
والحكمة: وضع الأشياء في موضعها النافع، مع العلم والمعرفة بأحكام الشّرع.
وآلة الحكمة: هي العقل، ورأس الحكمة مخافة الله تعالى.
﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: كل ما أمركم به من الإنفاق، أو الأوامر، والنواهي، والوعظ، والتذكير: هو من الحكمة، فافعلوه، ومن يفعل ذلك فقد أوتي الحكمة، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
﴿وَمَنْ﴾: شرطية للعاقل، ابتدائية.
﴿يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾: ارجع إلى مطلق الآية لمعرفة معنى يؤت.
﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتوكيد، قد: للتحقيق؛ أي: زيادة التّوكيد.
﴿أُوتِىَ﴾: مبني للمجهول.
﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾: خيراً: نكرة؛ للتعظيم، والشمول، تشمل كل خير يتصوره الإنسان.
والخير: هو الشّيء الحلال الطيب الحسن النافع.
أي: من يؤت العلم بالقرآن، من حفظ، وفقه، وفهم، والفقه في الدِّين؛ فقد أوتي خيراً كثيراً، وأوتي الحكمة.
﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾:
﴿وَمَا﴾: النّافية، ﴿يَذَّكَّرُ﴾: أصلها: وما يتذكر، ويتذكر: تستغرق وقتاً طويلاً، أما يذكر: فتستغرق وقتاً قصيراً، وفيها مبالغة في التذكير، وقوة، وعمق، وفيه حثٌّ وإيقاظ للقلب، والعقل على الإسراع إلى العلم بمعرفة ما شرع الله،
стр. 498
وما أمر به ونهى عنه، والعمل به، والخلوص إلى مواطن الحكمة، والاتعاظ بسرعة؛ لأنّ الأجل قصير، ولا يتعظ ويفعل ذلك إلَّا أولوا الألباب.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أولوا العقول النيرة الصافية الّذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، الّذين أحسنوا، والّذين أنابوا إلى ربهم، وأسلموا له وجوههم وقلوبهم.
﴿الْأَلْبَابِ﴾: جمع لب: وهو باطن العقل، ويعني في لغة الطب: منطقة الإدراك، والوعي، والفهم في الدماغ. ارجع إلى الآية (١٧٩)، والآية (١٩٧) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
стр. 499
سورة البقرة [٢: ٢٧٠]
﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِنْ نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: شرطية.
﴿أَنفَقْتُم﴾: الإنفاق: هو إخراج المال من الملك، فلا يعد يملكه.
﴿مِنْ﴾: استغراقية تستغرق كل نفقة.
﴿نَفَقَةٍ﴾: زكاة، أو صدقة تطوع قليلة، أو كثيرة.
﴿أَوْ نَذَرْتُم مِنْ نَّذْرٍ﴾: ﴿أَوْ﴾: للتخيير، وعاطفة، ﴿مِنْ﴾: ابتدائية.
﴿نَذَرْتُم مِنْ نَّذْرٍ﴾: النذر لغة: هو العزم على الالتزام بشيء خاص به.
وشرعاً: أن يلزم العبد نفسه بشيء لم يلزمه الله عليه من جنس ما شرع الله زيادة على الفريضة، أو الطاعات، وقد يكون مقيداً؛ أي: مشروطاً؛ كأن تقول: إذا نجحت أتصدق بمبلغ من المال، وقد يكون مطلقاً غير مشروط.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب، والمباشرة، إن: للتوكيد على علم الله به، والفاء تدل على سرعة علم الله به حتّى قبل أن ينطق به.
﴿يَعْلَمُهُ﴾: سبقتها كلمة نفقة، ونذر، نفقة مؤنثة، ونذر مذكر، فغلب النذر على النفقة.
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾: ما: نافية، ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص.
стр. 500
﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾: من: استغراقية تشمل أي نصير. وأنصار: جمع نصير، بينما ناصرين: جمع ناصر، ونصير: أبلغ وآكد من ناصر، ويدل على ثبوت الصفة، وتأتي في سياق الأمور الهامة.
والظالمين هنا تعني: هؤلاء الّذين ظلموا أنفسهم بأنّ نذروا لله، ثم لم يوفوا بما عاهدوا الله عليه، أو نذروا لغير الله أو أنفقوا رياءً وسمعة أو لم يزكوا أموالهم أو الإنفاق في المعاصي وغيرها، فهؤلاء لا يجدون لهم ولياً، ولا نصيراً يوم القيامة، وهذا وعيد شديد لمن يظلم نفسه، وإذا قارنا هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١]، أنصار: أكثر من نصير، وأنصار في كل زمان، والنصير أقوى من الناصر. والظالمين في آية البقرة تعني: في الظلم بشكل عام، وأما الظلم في آية الحج تعني: الشرك، فالظالمين في آية الحج أسوء وأشد من الظالمين في أمور الإنفاق والنذور والأموال كما في آية البقرة.
سورة البقرة [٢: ٢٧١]
﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾:
قيل: نزلت هذه الآية بعد الآية السابقة: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ نَفَقَةٍ﴾، فقد سأل الصّحابة رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! صدقة السر أفضل، أم صدقة العلانية، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والندرة، ولكن سبحانه أعقبها بفعل مضارع (تبدوا الصدقات)، والفعل المضارع يدل على التجدد، والتكرار، والإنفاق.
﴿تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾: أي: تظهروها، أو تعلنوها كم هي ونوعها.
والصدقات جمع صدقة، والصدقة: قد تكون فرضاً كالزكاة، أو نفلاً؛ أي: تطوعاً زيادة على الزكاة، ويرجى بها الثواب والأجر.
стр. 501
والتصدق: مطلق العطاء، والنفقة: إخراج المال من الملك فلا يعد يملكه.
وكلمة الصدقات في القرآن تعني: الزكاة، أو صدقات التطوع.
﴿فَنِعِمَّا هِىَ﴾: نعما أصلها نعم + ما، نعم: فعل مضارع مخصوص للمدح، ما: اسم معرفة بمعنى الشّيء، فيصبح تقديرها: نعم الشّيء إبداؤها.
﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة، إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو ندرة الحدوث.
﴿تُخْفُوهَا﴾: أي: تعطوها سراً للفقراء أفضل من إعطائها جهراً، أو إظهارها للناس؛ لتجنب الرياء، وأذى الفقير، وبطلان ثوابها.
﴿وَتُؤْتُوهَا﴾: مباشرة، وسراً للفقراء.
﴿فَهُوَ﴾: الفاء: للتوكيد، هو: يفيد التّوكيد أيضاً.
﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: أفضل لكم خاصة.
﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: ﴿وَيُكَفِّرُ﴾: التكفير: هو الستر؛ أي: ويستر عليكم ﴿سَيِّئَاتِكُمْ﴾: قيل: هي صغائر الذنوب، ﴿مِنْ﴾: ابتدائية، وقد تعني بعض سيئاتكم؟
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: خبير تعني: عليم ببواطن الأمور؛ أي: عليم بما تخفونه، أو تظهرونه من الصدقات، والنوايا، وبما تقولونه، أو تفعلونه من الرياء، والمن، والأذى.
وأجمع المفسرون: أنّ هذه الآية (٢٧١) نزلت في سياق صدقة التطوع، وأنّ إخفاءَها أفضل من إظهارها؛ لتجنب الرياء، ويؤيد ذلك ما جاء في الصحيحين
стр. 502
في السبعة الّذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلَّا ظله، ومنهم: رجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.
سورة البقرة [٢: ٢٧٢]
﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾:
سبب النّزول: قيل: نزلت هذه الآية في أنصار المدينة المنورة؛ لما أسلموا كرهوا أن يتصدقوا على بعض أقاربهم من المشركين، وغيرهم، فنزلت هذه الآية هذا قول الجمهور، تدعوهم إلى الاستمرار في التصدق عليهم، ولا يكون عدم دخولهم في الإسلام سبباً لعدم التصدق عليهم؛ لأنّ الله هو الهادي وحده يهدي من يشاء، وليس المال، أو الصدقة، ولذلك قالوا: صدقة التطوع يجوز صرفها على غير المسلم.
﴿لَّيْسَ﴾: نافية، ﴿عَلَيْكَ﴾: يا محمّد ﷺ الخطاب موجه إلى رسول الله ﷺ ، وكذلك أمته ﷺ .
﴿هُدَاهُمْ﴾: أي: لست مكلفاً بهدايتهم، ودخولهم في الإسلام، ولا أنتم مكلفون أيضاً على هدايتهم، وإنما عليك وعلى أمتك البلاغ فقط.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾:
﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك، وتوكيد.
﴿اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾: من عباده؛ أي: من اختار طريق الهداية، وسار عليه، وطلب من الله الزّيادة، والتوفيق للهداية، وسعى لها بنفسه؛ فالله سبحانه يُعينه، ويزيده هدى وتقوى.
стр. 503
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ﴾: الواو: عاطفة، ما: شرطية مطلقة، من أي شيء.
﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: من: استغراقية تستغرق كل خير، والخير جاء نكرة؛ ليشمل كل شيء مال، وطعام، أو غيره. والخير هو الحلال الطيب الحسن النافع.
﴿فَلِأَنفُسِكُمْ﴾: الفاء: رابطة للجواب، أنفسكم: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق؛ أي: ثوابه يرجع إليكم، ولا ينتفع به غيركم.
﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾:
﴿وَمَا تُنْفِقُونَ﴾: تفيد النفي؛ أي: ولا تنفقون (قيل: خبر أريد به الأمر).
﴿إِلَّا﴾: حصراً.
﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾: في سبيل الله وحده، وابتغاء مرضاته، فلا شرك، ولا رياء.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾:
﴿وَمَا تُنْفِقُوا﴾: ليس فيها تكرار؛ لأنّ الأولى: فيها إعلام بالثواب، والثانية: فيها إعلام بأن يكون الإنفاق في سبيل الله وحده، والثالثة: إعلام بأن الثواب يضاعف، ولن تظلموا.
والتكرار يفيد التّوكيد، والحث على الإنفاق والتذكير.
وما تنفقوا من خير سيوفى لكم أضعافاً مضاعفة.
﴿وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾: ﴿وَأَنتُمْ﴾: تفيد التّوكيد.
﴿لَا﴾: النّافية.
стр. 504
﴿تُظْلَمُونَ﴾: ينقص من أجوركم شيئاً.
سورة البقرة [٢: ٢٧٣]
﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾:
﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ الفقراء: جمع فقير: وهو ذو الحاجة، وسوء الحال؛ الجار والمجرور هنا متعلقان إما بالصدقات؛ أي: الصدقات للفقراء الّذين أحصروا، أو متعلقة بقوله: وما تنفقوا من خير للفقراء الّذين أحصروا.
﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: الإحصار: وهو المنع والتضييق، وهو غير الحصر الذي يعني الحبس مع التضييق؛ لأنّ الكافرين منعوهم، وضيقوا عليهم، فلا يستطيعون ضرباً في الأرض، أو لأنه هم أنفسهم يريدون أن يجاهدوا في سبيل الله، أو يتعلموا أمور دينهم، فلا يشتغلون في الزراعة، ولا التجارة، أمثال أصحاب الصفة، فهم أشد النّاس حاجة للصدقة من غيرهم من الفقراء.
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ﴾: لا يسافرون للتجارة، ولا يخرجون طلباً للرزق، والتجارة، أو العمل لاشتغالهم بالجهاد، وتعلم القرآن، وسمي السير في الأرض ضرباً من ضرب الأرض بالأرجل.
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾: أي: الجاهل لحالتهم، والذي لا يعرفهم لا يحسبهم فقراء، وإنما أغنياء، وسبب هذا الحسبان هو تعفُّفهم.
والتعفُّف: هو ترك سؤال النّاس، وإظهار العفة عدم الحاجة.
стр. 505
﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾: تعرفهم يا محمّد ﷺ بسيماهم: بعلامتهم، وآثارهم، هي السمة، أو العلامة الّتي يعرف بها الشّيء، والباء: للإلصاق.
وفيها ثلاث لغات: سيما (مقصورة)، أو سيماء (ممدودة)، أو سيمياء (بزيادة ياء أخرى مثل كبرياء).
﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾: وهي سيما الفقر، والحاجة، والخشوع، ورثاثة الهيئة، واللباس البسيط.
﴿لَا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾: ﴿إِلْحَافًا﴾: أي: إلحاحاً، يقال: ألحف في المسألة؛ أي: ألح عليه، فهو ملحف؛ أي: لا يسألون النّاس بإلحاح، ولا من دونه؛ أي: لا ملحفين، ولا غير ملحفين. النّاس: ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة لمزيد من البيان.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾: ارجع إلى الآية (٢٧٢).
﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: للتوكيد، إن: لزيادة التّوكيد.
﴿عَلِيمٌ﴾: خبير مطلع عليه، وسوف يثيبكم عليه.
فهذه الآية تحث على الإنفاق على هؤلاء، فهم أشد النّاس حاجة إلى الصدقة من غيرهم من الفقراء، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب؛ أي: الإنفاق الأفضل أن يكون لمن هم أشد حاجة من النّاس.
نعود إلى آيات الإنفاق، وما تنطوي عليه، وليس فيها تكرار، كما يظن البعض.
فيقول سبحانه: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾: الآية تتحدَّث عن مادة الإنفاق، المال وغيره، والطعام، والخير المال وغيره.
стр. 506
﴿فَلِأَنفُسِكُمْ﴾: أي: ثواب الإنفاق، وفائدته عائدة أو راجع لكم، فالآية تتحدث عن الثواب.
﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾: الآية تتحدث عن الإنفاق يجب أن يكون خالصاً لوجه الله؛ لتكتمل شروطه.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾: الآية تتحدَّث عن الإنفاق، وأنه ليس خسارة، أو ضياعاً للمال، بل ستستردونه أضعافاً مضاعفة، والله لن يظلمكم.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾: المحصي، والمطلع على مقدار ما تنفقونه هو الله.
فكل جزء من الآية يتحدَّث عن شيء مختلف عن الآخر، وليس هناك تكرار.
سورة البقرة [٢: ٢٧٤]
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
في هذه الآية يبيِّن الله زمن الإنفاق وكيفيته.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: ولم يقل: بالليل أو النهار، وذلك لحرصهم على الخير، ولم يتقيدوا بوقت، ولا حال، ولا بليل، ولا بنهار، بل أنفقوا ليلاً، وأنفقوا نهاراً؛ أي: أنفقوا في كل الأوقات.
﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: وأنفقوا سراً، وأنفقوا علانيةً، فلا تحديد للكيفية بحال أو بهيئة.
стр. 507
﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: زيادة الفاء هنا تدل على التّوكيد، تدل على توكيد الأجر والثواب.
﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٨) من سورة البقرة.
انتبه إلى أنّ الإنفاق بالليل والنهار استخدم له الباء، ولم يقل: في الليل والنهار، وجاء بأل التعريف في كلمتي الليل والنهار؛ للدلالة على دوام الإنفاق في أي وقت ولم يحدد.
بينما الجمع في الأموال، والتكاثر استخدم (في) للتحديد مثال: ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الْأَمْوَالِ﴾ [الحديد: ٢٠].
стр. 508
سورة البقرة [٢: ٢٧٥]
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ﴾: الّذين اسم موصول.
﴿يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾: أي: يأخذون الربوا، والربا في اللغة: الزّيادة على رأس المال.
والربا نوعان: ربا النسيئة: وهو الزّيادة المشروطة الّتي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل، وربا الفضل: وهو بيع النقود بالنقود، أو الشّيء بالشيء مع الزّيادة. ارجع إلى سورة الروم آية (٣٩) لمزيد من البيان.
وعبر عن الأخذ بالأكل، أو شبه من يأخذ الربا بالذي يأكل الطعام؛ لأن الّذي يأخذ الربا هو شره جشع يأخذ باستمرار، أو بشكل متكرر؛ كالذي يأكل عدَّة مرات باليوم، أو لأننا حين نأكل الطعام الذي يُشترى بمال ربوي كأننا نأكل الربا؛ لأنّ الطعام يُشترى بالمال الربوي.
انتبه إلى كلمة الربوا بالواو، كتبت بهذا الشكل في سبع آيات، وكتبت الربا بالألف بهذا الشكل في آية واحدة فقط في سورة الروم، آية (٣٩).
стр. 509
والاختلاف يعود إلى أنّ الربوا بهذه الهيئة جاءت في سياق الربوا الكثير المتكرر، والربا بهذه الهيئة جاءت في سياق ذكر الربا القليل، أو غير المتكرر.
﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾:
﴿لَا﴾: النّافية.
﴿يَقُومُونَ﴾: من قبورهم يوم البعث؛ أي: يخرجون من الأجداث.
﴿إِلَّا﴾: حصراً وقصراً.
﴿كَمَا﴾: الكاف: كاف التشبيه.
﴿يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: المس: الصرع؛ أي: لا يقوم من قبره إلَّا كما يقوم المصروع من صرعه، أو المجنون من جنونه، أو نوبة جنونه.
والممسوس: المجنون؛ الّذي اختلط عقله.
كيف يقوم؟ يقوم على غير استواء، واتساق، ويسقط كلما نهض، ويتأرجح يمنة ويسرة، ثم يقع على الأرض، فيحاول الوقوف فيسقط وهكذا.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة؛ للبعد، إشارة إلى ما يحدث لهم يوم القيامة بسبب أكلهم الربا، وقد نُهُوا عنه.
وقولهم: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
﴿الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾: أي: اعتقدوا بأنّ الزّيادة الربوية عند حلول أجل الدَّين مثل أصل الثمن في العقد؛ أي: شبهوا الربا بالبيع؛ فاستحلوه.
وقالوا: إنما البيع مثل الربا، والأصل أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع.
стр. 510
فهؤلاء ظهرت أعراض مرضهم، وهو المس الجنون، أو الخبل قبل مجيء يوم القيامة؛ حيث جعلوا المشبه مكان المشبه به، وهم لا زالوا في الدّنيا.
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾: إنكار على بطلان قياسهم: أنّ البيع مثل الربا، وأنه غير صحيح؛ لأنّ البيع أمر حلال، والربا أمر حرام، فلا يستويان.
﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: من: شرطية؛ أي: من بلَغه أمر التحريم؛ أي: بُلِّغ فانتهى.
﴿فَانْتَهَى﴾: أي: ترك أخذ الربا، وتوقف، الفاء: تدل على جواب الشرط.
﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾: فلا يؤاخذ على ما أكل من الربا قبل نزول التحريم.
﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾: يوم القيامة يحكم في شأنه إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه على فعله، وليس أمره موكولاً إليكم لتحاسبوه على ما فعل.
﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
﴿وَمَنْ عَادَ﴾: وأما من بُلغ ولم ينتهِ، ويحرم ما حرم الله، وعاد إلى أكل الربا ﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتأكيد، أولئك: اسم إشارة للبعد.
﴿أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٩) من سورة البقرة للبيان.
سورة البقرة [٢: ٢٧٦]
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾: المحق: هو النقصان وزوال بر يخالطه الربا.
стр. 511
فالربا، وإن كان ظاهره الزّيادة في المال، ولكن باطنه النقصان وزوال البركة منه.
﴿وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾: جمع صدقة، سواء كانت زكاة، أو صدقة تطوع؛ أي: يزيد ثوابها ويضاعفها أضعافاً كثيرة، فتنموا وتزداد بركتها بعكس الربا.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾: تقديم الفاعل على الفعل؛ للتعظيم والتحذير.
﴿كُلَّ﴾: للتوكيد.
﴿كَفَّارٍ﴾: اسم فاعل، وكفار صيغة مبالغة لكافر؛ لأنه كرر فعله وهو الكفر، واستمر عليه؛ أي: الكفر بالدين وعدم الإيمان.
﴿أَثِيمٍ﴾: على وزن فعيل من فعل أثم، وتدل على المبالغة في الإثم؛ أي: في أكل الربا، والإصرار على التعامل بالربا، وقيل: نزلت هذه الآية في ثقيف الذين كفروا بالله تعالى، وأصروا على التعامل بالربا، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب.
سورة البقرة [٢: ٢٧٧]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
المناسبة: بعد ذكر آكلي الربا، وذكر الكفار، والأثيم، بشر الله سبحانه الّذين آمنوا، وعملوا الصالحات بقوله:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول.
﴿آمَنُوا﴾: بالله، وبما أنزل ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: أي: استقاموا على فعلها.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: ارجع إلى الآية (٣) من سورة البقرة.
стр. 512
﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾: ارجع إلى الآية (٤٣) من سورة البقرة.
﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٨) من سورة البقرة للبيان.
سورة البقرة [٢: ٢٧٨]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَواا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد إلى الّذين آمنوا، وهو نداء أخير أيضاً لمن يتعاطى الربا منهم، والياء: للنداء للبعد، والهاء: للتنبيه.
﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: أطيعوا أوامر الله، وتجنبوا نواهيه، فبذلك تتقون غضبه وعقابه.
﴿وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَواا﴾: اتركوا، ودعوا، وتجنبوا التعامل بالربا حالاً، وألغوا، وتخلَّوا عما عندكم من المعاملات الربوية.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والندرة.
﴿كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: إن كنتم تدّعون أنكم مؤمنون، وصفة الإيمان عندكم ثابتة.
سورة البقرة [٢: ٢٧٩]
﴿فَإِنْ لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾:
﴿فَإِنْ لَّمْ تَفْعَلُوا﴾: الفاء: للتوكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال، والندرة؛ أي: لم تفعلوا وتتركوا التعاطي بالربا، والمعاملات الربوية.
﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: فاعلموا ﴿فَأْذَنُوا﴾: من أذن، وأذن بالشيء علم به، أو أعلمه؛ أي: أنتم في حرب من الله ورسوله. الباء: للإلصاق، والدوام؛ أي: دخلتم في حرب من الله ورسوله دائمة.
стр. 513
﴿بِحَرْبٍ﴾: نكرة؛ للتهويل تشمل كل نوع يتصوره العقل من أنواع المحاربة، أو الحروب، والحرب تعني: كذلك المعاداة، والغضب، والعقاب.
﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: من: ابتدائية، بحرب من الله بغضب من الله، ومعاداة رسوله.
﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال، احتمال حدوث التوبة.
﴿تُبْتُمْ﴾: أي: تركتم الربا، ولم تعودوا إليه، وندمتم على ما فعلتم، وسألتم الله المغفرة، ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٧ - ١٨) لمزيد من البيان.
﴿فَلَكُمْ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط؛ تفيد التّوكيد، لكم: اللام: لام الاختصاص.
﴿رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾: الّتي أقرضتموها (من دون فائدة).
﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾: ﴿لَا﴾: النّافية، ﴿تَظْلِمُونَ﴾: غيركم فتأخذون زيادة منهم.
﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾: بأخذ أقل من رؤوس أموالكم.
وتكرار (لا): يفيد لا هذه، ولا تلك، ولا كلاهما معاً.
سورة البقرة [٢: ٢٨٠]
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال.
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾: وإن كان الّذي عليه الدَّين مُعسراً؛ أي: ليس عنده القدرة على سداد الدَّين.
стр. 514
﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: أمر في صيغة الخبر؛ أي: عليكم بانتظاره حتّى يتيسر له القدرة على الدفع، وزوال عذره، والنظرة تعني: التأخير؛ أي: أمهلوه، واصبروا عليه.
﴿مَيْسَرَةٍ﴾: أي: إنظاره حتّى يتيسر له (ميسرة: وقت اليسر والرخاء).
﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
﴿وَأَنْ﴾: مصدرية تفيد التّوكيد.
﴿تَصَدَّقُوا﴾: على المعسر بالتنازل عن الدَّين تطهيراً لأموالكم، وتزكية لأنفسكم (أي: الصدقة عليه أفضل من استرجاع الدَّين)، وهذا من باب الندب.
﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: أفضل لكم من استرجاع رأس المال، أو الدَّين.
﴿إِنْ﴾: شرطية، ﴿كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أنه خير لكم فافعلوه.
سورة البقرة [٢: ٢٨١]
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾:
قال ابن عبّاس ﵄، وغيره من العلماء: أنّ هذه الآية هي آخر آية نزلت من القرآن الكريم؛ أي: نزلت من السماء، وآخر موعظة تلقتها البشرية من خالقها.
قال ابن عبّاس ﵄: توفِّي الرّسول بعدها بـ (٨١) يوماً، وقيل: (٣١) يوماً، أو أقل من ذلك.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾: أي: اجعلوا بينكم وبين ما يقع في ذلك اليوم من أحداث عظيمة وقاية وحاجزاً.
أي: احذروا ذلك اليوم وتجنبوا وقائعه بطاعة الله بامتثال أوامره، وتجنب نواهيه.
стр. 515
﴿يَوْمًا﴾: بصيغة التنكير؛ للتعظيم، والتهويل لما يحدث في يوم القيامة من الأهوال.
﴿تُرْجَعُونَ﴾: ولم يقل: تَرجِعون، تُرجعون بضم التاء؛ لأنّ هذا الرجوع في ذلك اليوم يكون قسراً، وجبراً، وليس بإرادتكم.
﴿فِيهِ﴾: قدَّم فيه؛ أي: في ذلك اليوم حصراً، وقصراً ترجعون فيه ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: وحده.
﴿ثُمَّ﴾: لترتيب الأخبار، وليس التراخي في الزمن.
﴿تُوَفَّى﴾: تجزى.
﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾: مؤمنة، أو كافرة، مطيعة، أو عاصية.
﴿مَا كَسَبَتْ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي (ولكنها أوسع شمولاً) كسبت من خير وشر، أو حسنات وسيئات، ولم يقل: ما عملت؛ لأنّ الآية في سياق الأموال والكسب، والكسب: هو بشكل عام جلب النفع أو دفع الضرر. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٨٦) للبيان المفصل في الكسب.
﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾: لا: النّافية.
﴿يُظْلَمُونَ﴾: من الظّلم، وهو نقصان الحق؛ أي: يعطون أجورهم كاملة، ولا ينقصون حسنة، ولا يزاد في سيئاتهم سيئة.
стр. 516
سورة البقرة [٢: ٢٨٢]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِّجَالِكُمْ فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء إلى الّذين آمنوا بتكليف جديد.
﴿إِذَا﴾: ظرفية متضمنة معنى الشرط، وتدل على أنّ الأمر واقع لا محالة، أو كثير الوقوع، وهو التداين.
﴿تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾: الدَيْن هو الاقتراض إلى موعد يسدَّد فيه القرض.
﴿تَدَايَنْتُمْ﴾؛ أي: داين بعضكم بعضاً في شراء، أو بيع، أو قرض.
стр. 517
وهناك كلمة تشابه الدَيْن هي الدِّين: هو يوم الجزاء، والدِّين هو دين الإسلام.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: وقت محدد بالأيام، أو الشهور، أو الأعوام؛ لأن هناك أجل مجهول مثل إلى يوم الحصاد، أو يوم رجوع الحجاج، أو يوم ترجع من الحج، فربما مات الرجل، ولم يرجع، أو تأخرت به الطائرة، أو حدث حادث، فهذا غير مقبول.
﴿فَاكْتُبُوهُ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، وتفيد التّوكيد.
اكتبوه: فعل أمر؛ أي: للندب، وقيل: للوجوب، وهو تشريع سماوي، فقد يموت أحدكم، والهاء: تعود إلى الدَيْن (فاكتبوا الدَيْن).
ولا تقل: نحن أصحاب ويثق بعضنا ببعض، ولا داعي للكتابة، فهذا مخالف للآية.
﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾:
﴿وَلْيَكْتُب﴾: اللام: لام الأمر، أو التّوكيد.
والكتابة: هي لحماية الدائن (الّذي أعطى القرض)، كذلك، فلولا الكتابة فقد يتقاعس المَدِين (الّذي تسلَّم القرض)، ويماطل، ويمدد الوقت، وتحدث خلافات بين الطرفين.
﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾: أي: لا الدائن، ولا المدين لهما حق الكتابة، فلا بد من رجل ثالث يسمى كاتب العدل، ليس له مصلحة في القضية.
стр. 518
﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾:
﴿وَلَا يَأْبَ﴾: لا: النّاهية، ﴿كَاتِبٌ﴾: نكرة؛ أي: أيُّ إنسان يعرف الكتابة والقراءة عليه ألا يمتنع إذا طُلب منه الكتابة، ﴿أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾: بالعدل، أو كتابة العقود، كما أمره الله.
﴿فَلْيَكْتُبْ﴾: هذا حضٌّ له على التطوع للكتابة إذا لم يوجد غيره، أو لم يُطلب منه؛ لكونهم لا يعرفون أنه قادر على الكتابة فعليه أن يتطوع، ويتقدَّم للكتابة.
﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾:
أي: الذي عليه الدَيْن هو الّذي يملي الصيغة، والكتابة تكون حُجَّة عليه، ولذلك الدائن لا يمل، ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾: ذكر الله والرب معاً؛ لإدخال الخوف والردع في ضمير السامع، فيكون حذراً.
﴿اللَّهَ﴾: اسم العلم؛ أي: الإله المعبود، ﴿رَبَّهُ﴾: الّذي خلقه ورباه، وتولَّى أمره، ورزقه.
وقوله: الله ربه فيها تذكير بالعبودية والربوبية معاً، فذكر كليهما معاً يحمل على الخشية، والخوف أكثر.
﴿وَلَا يَبْخَسْ﴾: والبخس: النقص بالظلم؛ أي: لا ينقص منه شيئاً ظلماً، وقدَّم الجار والمجرور للتوكيد ليعني: ولا ينقص من الحق الّذي عليه شيئاً.
أما النقصان فيكون بظلم، أو بغير ظلم، وبخفاء وغفلة عن صاحب الحق.
стр. 519
﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾:
﴿فَإِنْ﴾: الشرطية؛ للدلالة على قلة حدوث هذا الأمر؛ أي: أن يكون الّذي عليه الحق سفيهاً.
﴿سَفِيهًا﴾: الّذي لا يحسن التصرفات المالية؛ كأن يكون مبذراً؛ أي: سيِّئ التصرف.
﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾: كالشيخ الكبير، أو الصبي، ضَعيفاً: بفتح الضاد مقارنة بقوله تعالى في الآية (٢٦٦) في نفس السورة ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾ بضم الضاد؛ فأما ضعيفاً بفتح الضاد تعني: الضَعف قد يكون في الجسم والرأي والعقل، وأما الضُعف: بالضم يكون في الجسم خاص.
﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾: كالأخرس، أو المريض، ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾: عندها يقوم الولي، أو الوصي بالإملاء.
ولا تكفي الكتابة، ولا بد من أمر ثانٍ وهو إحضار شهيدين، فقال:
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾: ولم يقل: وأشهدوا، إنما قال: واستشهدوا، اطلبوا إحضار شهيدين، ولم يقل: شاهدين، فالألف والسين والتاء؛ للطلب، وتفيد المبالغة في إحضار شهيدين.
وشهيدين غير شاهدين: الشّهيد صيغة مبالغة من الشاهد، والشّهيد يعلم بواطن الأمور وظواهرها، ويدرك كل صغيرة وكبيرة، وليس كالشاهد؛ أي:
стр. 520
الحاضر فقط، شاهد معروف بين النّاس بعدالته، وصدقه، وأمانته، وليس مجرد شاهد؛ أي: له القدرة والعلم بالشهادة، وتكررت شهادته، واستشهدوا أقوى وأبلغ من وأشهدوا. ارجع إلى الآية (١٣٣) من سورة البقرة؛ لمعرفة الفرق بين الشاهد والشّهيد.
﴿فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾:
﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة، إن: الشرطية تفيد الاحتمال، ﴿لَّمْ﴾: نافية، ﴿يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾.
﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾: الفاء: جواب الشرط.
﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾: ممن كان معروفاً بصدقه، وأمانته، ودينه، من الشهداء: جمع شاهد، أو شهيد، وهنا تعني جمع شهيد.
﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾:
الضّلال هنا: يعني النسيان، أو الخطأ، أو السهو، أو الضياع، أن تنسى إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى إن نسيت، والنسيان قد يطرأ لأي منهما، فلا تظن إحداهما أنها هي المذكرة للأخرى، ولذلك كرَّر كلمة إحداهما مرتين.
وقال: أن تضل، أن: شرطية تستعمل في الاحتمال، أو قلة الحدوث، أو الشك؛ أي: خشية أن تضل إحداهما، وقد لا يحدث ذلك.
﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: ناهية.
стр. 521
﴿يَأْبَ﴾: يرفض، ويمتنع إذا طلب من الشهداء أن يشهدوا.
والشهادة لها مرحلتان: مرحلة التحمُّل، ومرحلة الأداء.
وسماهم الشهداء: قبل التحمُّل (تحمُّل الشهادة)؛ لرفع منزلتهم.
واستعمال (إذا ما) بدلاً من (إن) دعوا: تدل على حتمية الحدوث؛ أي: يجب ألا يأبوا.
واستعمال (ما) للتوكيد، وكان يكفي أن يقول: إذا دعوا، وذلك لأنّ الشّهيد قد يتباطَأ، أو يتقاعس عن الشهادة؛ لأنه ليس له مصلحة فيها، أو قد يلحقه ضرر، ولذلك أكد بـ (ما).
﴿وَلَا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: النّاهية.
﴿تَسْئَمُوا﴾: أي: تكسلوا، وعبر عن الكسل بالسأم، أو لا تضجروا أو تملوا ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾: سواء كان ديناً ﴿صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا﴾: فلعل الكاتب ملَّ الكتابة من كثرة الكتابة، وكثرة الدعاوى.
﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾: إلى الوقت المسمى، والمحدد الّذي اتفق عليه الدائن والمدين بالأيام، والأشهر، أو الأعوام.
﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: ﴿ذَلِكُمْ﴾: تشير إلى الكتابة والشهادة.
﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أقسط؛ أي: أعدل وأحفظ، وأقسط: على وزن أفعل؛
стр. 522
أي: أفضل؛ أي: فيه مبالغة في العدل، وأقسط تعني: العدل مع تنفيذه وعدم الجور والظلم.
وقال: عند الله؛ لأنه هو أَمرَ بذلك.
﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾: ﴿وَأَقْوَمُ﴾: من الإقامة؛ أي: أن تؤدى الشهادة على التمام، والكمال من دون نقص، أو زيادة، وأقوم: على وزن أفعل، وفيه مبالغة على الإقامة.
﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾: ﴿وَأَدْنَى﴾: أقرب؛ لتجنب أي ريبة.
﴿أَلَّا﴾: أنّ + لا، أن: حرف مصدري يفيد التعليل والتوكيد، وأدنى على وزن أفعل للمبالغة.
﴿تَرْتَابُوا﴾: الريبة: هي الشك، والتهمة في قلوب أحدكم، سواء كان الدائن والمدين والشهداء.
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿أَنْ﴾: مصدرية تفيد التعليل والتوكيد.
﴿تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾: أي: إذا كانت التجارة البيع والشراء يداً بيد، وليس فيها أجل مسمى، أو دين، وتأخير في المداولة.
﴿فَلَيْسَ﴾: الفاء: للتوكيد، وليس: للنفي، ﴿عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: لا إثم من عدم
стр. 523
الكتابة، ولكن أشهدوا، وجناح: مشتقة من الميل عن الحق. ارجع إلى الآية (١٥٨) من نفس السورة لمزيد من البيان.
﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا﴾: إذا: شرطية تفيد الحتمية، أو الكثرة، ﴿تَبَايَعْتُمْ﴾: اشتريتم، أو بعتم؛ أي: الإشهاد؛ أي: الشهادة كافية دون الحاجة إلى كاتب العدل، أو الكتابة، أو الإشهاد واجب، أو مندوب، وقال بعض المفسرين: إن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد.
﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: الواو: عاطفة، لا: النّاهية، ﴿يُضَارَّ﴾: بالإدغام.
﴿يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: لها معنيان، الأول: لا الكاتب، ولا الشّهيد يضر المدَّعي، أو المدَّعى عليه بالتحريف، أو الكتم، أو التغيير، أو رفض الكتابة، أو الامتناع عن الأداء.
والمعنى الثّاني: لا الكاتب، ولا الشّهيد يُضر بضم الياء؛ أي: بالأذى في ماله، أو بدنه، أو تعطيل عمله؛ أي: لا يؤذيان، ويهددان إذا شهدوا لأي طرف بالقول، أو الفعل.
وتكرار لا: للتوكيد، فلا يضارَّ أيٌّ منهما أو كلاهما معاً.
﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾:
﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾: إن: الشرطية تدل على الشك في وقوع ذلك الضرر، وهذا تزكية لهم؛ أي: أنهم عدول، ولن يفعلوا ذلك، وأما إن ضر أحدٌ منكم الآخر سواء
стр. 524
كان الدائن، أو المدين، أو الكاتب، أو الشهداء، فهو فاسق: أي: عاص، وخارج عن أمر الله.
﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾: أي: خروج من طاعة الله، وعليكم إثمه، وتبعته.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أطيعوا أوامره تعالى، وتجنَّبوا نواهيه، وذلكم وقاية لكم من غضبه، وعقابه، وناره.
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾: كل ما تحتاجونه في دنياكم، ويعلمكم دينكم الحق.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: ﴿بِكُلِّ﴾: الباء: للإلصاق، ﴿شَىْءٍ﴾: نكرة مهما كان هذا الشّيء، والشيء هو أقل القليل، مهما كان نوعه، وشكله، وحجمه، ولونه، وقول أو فعل، سرّاً أو علناً، حسناً أو سيئاً.
﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من عالم على وزن فعيل؛ أي: كثير العلم.
عليم بكل ما تقولونه من صدق وكذب وحق وباطل، وبكل ما تفعلونه من خير وشر، وتكتبونه، وبما تشهدون عليه، وما تملونه، وما تديرونه بينكم، وعليم بنواياكم، وما تخفيه صدوركم.
стр. 525
سورة البقرة [٢: ٢٨٣]
﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾:
﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: شرطية تدل على الاحتمال، وقلة الحدوث؛ أي: أن تكونوا على سفر ولم تجدوا كاتباً.
﴿كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾: سفر لا يُقصد فيه المعصية؛ أي: سفر البر والصلاح.
﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾: أي: من يكتب لكم الدَيْن.
﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾: أي: عوضاً عن الكتابة فرهان مقبوضة هدفها حماية الدائن؛ أي: أن يضع المدين رهناً لدى الدائن؛ أي: دائنه عوضاً عن الكتابة، هذا في حال الخوف منه، أو عدم معرفته بشكل يبعث على الطمأنينة والأمان.
﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾:
﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة، إن: شرطية.
﴿أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾: أي: إذا كان المدين؛ أي: الّذي يحتاج إلى القرض أميناً وعدلاً وذا أمانة وسمعة طيبة بين النّاس، فلا حاجة لدائنه أن يطلب منه رهناً.
﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِى اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾:
﴿فَلْيُؤَدِّ﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب، والمباشرة، أو التّوكيد.
﴿الَّذِى اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾: ﴿الَّذِى اؤْتُمِنَ﴾: هو (المدين)؛ أي: جاء الموعد
стр. 526
فعليه إيفاء الدَين (وسمى ذلك أمانة)، والذي اؤتمن يعني: أو يشمل الّذي تسلَّم الرهان المقبوضة.
فواحد مأمون على الرهن، والآخر مأمون على الدَين.
لأنّه ليس هناك كتابة، ولا شهود، فعلى المدين إيفاء الدَين، وعلى الدائن إعادة الرهن.
﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾: كل واحد منهما ربه؛ أي: يخاف عقابه إن راودته نفسه بالمماطلة، والتأخير، أو الإنكار، أو التغيير، أو التحريف في تلك الأمانة.
﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: النّاهية، والخطاب موجَّه إلى الشهود.
﴿تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾: الشهادة: مصدر شهد من الشهود؛ بمعنى: الحضور، وهي الخبر بالشيء الواقع الّذي شهدته؛ أي: القاطع الّذي لا يتغير.
﴿تَكْتُمُوا﴾: من الكتمان، وهو السكوت عن ذكر الشّيء للعلن، والكتمان يختص بالأسرار والأخبار (أي: بالمعاني)، وأما الإخفاء فهو أعم، وغالباً ما يكون في الأشياء المادية الحسية والمعنوية.
وكتم الشهادة هو عقد النية؛ لترك أدائها؛ أي: إياكم أن تكتموا الشهادة إذا دعيتم إلى إقامتها.
﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا﴾: من: شرطية استغراقية.
﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.
﴿فَإِنَّهُ﴾: الفاء: للتوكيد، إنّه: لزيادة التّوكيد.
﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾: خصَّ القلب بالذكر؛ لأنّ الكتمان من عمل القلب،
стр. 527
والجوارح كلها خاضعة للقلب، وتتبع القلب؛ لذلك نسب الإثم إلى القلب، وليس إلى النفس، أو الذات، أو العبد.
أي: كاتم الشهادة سوف يعاقب على الذّنب العظيم، وفيه تهديد ووعيد لمن يكتم الشهادة، أو يقول الزور.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾: ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول بمعنى الّذي تعملون، أو مصدرية (وما أوسع شمولاً من الذي).
﴿تَعْمَلُونَ﴾: تضم الأقوال والأفعال، وقدَّم تعملون على عليم، ولم يقل: الله عليم بما تعملون؛ لأنّ السياق في الأعمال، وكتابة الدَّين، وأداء الأمانة.
﴿عَلِيمٌ﴾: ارجع إلى الآية (٢٨٢) من سورة البقرة للبيان.
سورة البقرة [٢: ٢٨٤]
﴿لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
﴿لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: ملكاً، وخلقاً، وحكماً، وتدبيراً.
فهو مالك لهنَّ، وما فيهنَّ، الكل ملكه، وتقديم الجار والمجرور.
لفظ الجلالة للحصر، والقصر، فلا مالك إلا هو، وهو المالك الحق، (ولم يقل: ما في السموات وما في الأرض لله).
﴿مَا فِى﴾: ما: اسم موصول، وهي مطلقة تشمل العاقل، وغير العاقل، ما في السموات السبع وما فيها من كواكب ومجرات ونجوم وغيرها، وما في الأرض وما فيها؛ أي: أنّ الله سبحانه هو الخالق، والمالك، والحاكم، والغني.
وتكرار (ما) في السموات، و (ما) في الأرض: يفيد التّوكيد، وفصل كل عن الآخر، أو كلاهما معاً.
لأنّ هناك أشياء موجودة في السماء، وليست في الأرض، أو أشياء موجودة في الأرض، وليست في السماء.
стр. 528
والظرف السموات، وما فيهنَّ هو المظروف.
والظرف الأرض، وما فيها هو المظروف.
﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة، إن: شرطية.
﴿تُبْدُوا﴾: من الإبداء، وإبداء ما في النفس هو إظهار ما يضمره العبد، سواء بالنطق، أو العمل به.
﴿مَا﴾: اسم موصول تفيد الشمول (كل شيء تبدونه من خير، أو شر صغير، أو كبير تنطقون به، أو تفعلونه في كل زمان، وفي كل مكان).
﴿فِى﴾: ظرفية زمانية ومكانية.
﴿أَوْ﴾: للتقسيم.
﴿تُخْفُوهُ﴾: من الإخفاء، ويشمل الكتمان، والسر، والكتمان يكون للمعنى، أو الأشياء المعنوية مثل كتم السر، أو الخبر، والإخفاء يكون للأشياء الحسية خاصة، والمعنوية أحياناً.
﴿مَا فِى أَنفُسِكُمْ﴾: ولم يقل: ما في نفوسكم؛ لأنّ الأنفس أقل من النفوس (النفوس تعني: كل نفس).
فيصبح المعنى: إن الله سيحاسب أنفساً، وليس كلَّ النفوس؛ لما تبديه، ولما تخفيه؛ أي: يعفو، ويفغر لمن يشاء، وسيحاسب من يشاء.
وهل يعني: سيحاسب الله كلَّ نفس على نوازعها الكثيرة الّتي تضم الهواجس (والخواطر، وأحاديث النفس، والوساوس، والهم؛ أي: النية والقصد، والعزم؟) الجواب: لا.
وما قاله الفقهاء في هذا: أنّ الوساوس، وأحاديث النفس، والخواطر لا
стр. 529
تدخل فيما ستحاسب عليه النفس، ولكن الّذي سيحاسب عليه الله سبحانه هو العزم، أو ما يُبدي الإنسان، وليس ما يُخفي؛ أي: حين يبدأ بفعل المعصية أو السيئة ولا رجعة بعدها.
﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: يستر من أراد مغفرته، (واللام في لمن: للتوكيد)، يستره بفضله.
﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾: يعاقب من أراد تعذيبه.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: على محاسبتكم، وجزائكم، ومغفرتكم، وعذابكم.
وفي هذه الآية قدَّم الإبداء (الإظهار) على الإخفاء، فقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾: للاهتمام، والمفروض من المؤمن أن يكون سرُّه كجهره، وليس كالمنافق الّذي يختلف ظاهره عن باطنه.
عن أبي هريرة قال: لما نزل على رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾: اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتوا رسول الله ﷺ ، ثم جَثَوْا على الرُّكب، فقالوا: أي: رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصّيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزل الله هذه الآية، ولا نطيقها، فقال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
فلما قرأها القوم وذلّت (لانت) بها ألسنتهم، أنزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾». رواه مسلم، وأحمد، وابن حبان.
سورة البقرة [٢: ٢٨٥]
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ
стр. 530
وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾: أولاً ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: آمنوا ثانياً بعد أن بلغهم الرسالة.
﴿كُلٌّ﴾: للتوكيد؛ أي: الرّسول ﷺ ، والمؤمنون.
﴿آمَنَ بِاللَّهِ﴾: (بأركان الإيمان). آمن بالله: هو الاعتقاد الجازم واليقين بوجوده وأنه الإله الحق وبواحدانيته وربوبيته وإلوهيته وأسمائه وصفاته بدون تحريف أو تعطيل أو تمثيل أو تكييف.
﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾: ارجع إلى الآية (١٧٧) من نفس السورة.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، والملازمة.
﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾: من الوحي والقرآن، إيمان عقيدة، وتصديق معاً، والمؤمنون كذلك آمنوا بكل أركان الإيمان.
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾:
﴿لَا﴾: النّافية، ﴿نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾: أي: نحن نؤمن بكل رسول ونبيٍّ، ونصدِّق أنّ كلاً منهم قد بلغ رسالته، وأنّ عقيدتهم واحدة (لا إله إلَّا الله)، والإسلام، وإن اختلفت الأحكام باختلاف العصور، ولا نؤمن ببعض الرسل، ونكفر ببعض، فالإيمان لا يتجزأ.
﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾:
﴿وَقَالُوا﴾: الرّسول والمؤمنون.
﴿سَمِعْنَا﴾: ما أُنزل إلينا من الوحي (القرآن)، وما شرعت لنا، واستجبنا.
следующие страницы →