Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.
стр. 4656
سورة غافر [٤٠: ٥٩]
﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
جاءت هذه الآية رداً على الّذين يجادلون في البعث والحساب والدّار الآخرة وينكرون قيام السّاعة، وبعد أن جاء بالدّليل على قدرته سبحانه في خلق السّموات والأرض الّذي هو أكبر من خلق النّاس، أخبر بوقوعها لا محالة فقال تعالى:
﴿إِنَّ السَّاعَةَ﴾: إن للتوكيد، السّاعة: أو قيام السّاعة. وسميت السّاعة وهي لحظة بدء تهدّم النّظام الكوني الحالي.
﴿لَآتِيَةٌ﴾: اللام للتوكيد، الخطاب موجّه إلى منكري البعث خاصة، والكفار والذين يجادلون في آيات الله، لذلك ناسب التّوكيد بإنّ واللام.
﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: لا النّافية، الرّيب: الشّك مع التّهمة؛ أي: هم يشكون في السّاعة ويكذبون بالآيات الّتي تخبرهم بقدومها، ويتّهمون الرّسول ﷺ بالأباطيل. ارجع إلى سورة طه الآية (١٥) للمقارنة والبيان.
﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد.
﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي لا يصدقون بالبعث وبالساعة والقلة يؤمنون بها ويعلمون أنّها الحق ولذلك يستعدون لها.
وإذا قارنّا هذه الآية (٥٩) من سورة غافر: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ مع الآية (١٥) من سورة طه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ نجد أنّه في سورة
стр. 4657
غافر أكد بإن واللام ولا ريب فيها: ثلاث توكيدات؛ لأنّ الخطاب موجه لمنكري البعث والسّاعة، بينما في سورة طه لم يؤكد بشيء؛ ذلك لأنّ الخطاب لموسى ﵇ وهو رسول الله ومؤمن بالسّاعة والبعث فلا يحتاج إلى أيّ توكيد. ارجع إلى سورة طه آية (١٥) لمزيد من البيان ومقارنة الآيات المماثلة.
سورة غافر [٤٠: ٦٠]
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾:
وبعد أن أكد قيام السّاعة بيّن في هذه الآية مصير هؤلاء الّذين لا يؤمنون بالسّاعة ولا يدعون ربهم ويرجعون إليه ويستكبرون عن عبادته فقال:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ﴾: ربكم؛ أي: الّذي خلقكم وأمدّكم وربّاكم ورزقكم.
﴿ادْعُونِى﴾: ادعوني تأتي بمعنى: اعبدوني، الدّعاء: العبادة، والدّليل هو في تتمة الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى﴾ أو تأتي بمعنى الدّعاء نفسه.
والعبادة تنطوي على الدّعاء، والدّعاء باب من أفضل أبواب العبادة، ولتعريف العبادة: ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣) للبيان.
﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: أعطيكم ما تسألوني أو أرزقكم، أو أعينكم على حوائجكم، وأستجب لكم: أغفر لكم وأثيبكم على عبادتكم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى﴾: إن للتوكيد، يستكبرون عن عبادتي: أي لا يطيعون أوامري ولا يتجنبون نواهيَّ؛ ويعني الخضوع والذّلّة له وتوحيده والتّوكل عليه. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لبيان معنى الاستكبار والتكبر.
﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾: السّين للاستقبال القريب؛ أي: مهما طالت أعمارهم فأجلهم قريب وبعدها يدخلون جهنم، وتعني: بعيدة القعر، وجهنم اسم من أسماء النّار. ارجع إلى سورة الرّعد آية (١٨) للبيان.
стр. 4658
داخرين: صاغرين أذلّاء من دَخِر: صَغُرَ وذَلّ، وأدْخَره: أذلّه.
سورة غافر [٤٠: ٦١]
﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾:
هذا دليل آخر على قدرته وعظمته سبحانه على الخلق والبعث وفضله على النّاس.
ولنعلم أنّ هذه الآية ذُكرت لأهميتها في ثلاث سور من القرآن، وتدل على عظمته وقدرته ورحمته بالناس، وتعتبر من آيات الإعجاز العلمي في القرآن بأن جعل لهم الليل ليسكنوا فيها والنّهار مبصراً.
هذه السّور هي:
سورة يونس آية (٦٧): ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾.
سورة النّمل آية (٨٦): ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾.
سورة غافر آية (٦١) ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾.
﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾: الجعل يكون بعد الخلق؛ أي: سبحانه خلق السّموات والأرض أولاً ثم جعل الليل والنّهار.
﴿لَكُمُ﴾: اللام لام الاختصاص، جعل لكم الليل والنّهار؛ أي: جعل لكم الطّبقة الغازية المحيطة بالأرض الّتي تسمى (النّهار) وتضيء بأشعة الشّمس، ولا
стр. 4659
توجد هذه الطّبقة الغازية حول أيّ كوكب إلا الأرض فهذا خاص بكم. ارجع إلى سورة يونس آية (٦٧) لمزيد من البيان.
وجعل لكم ﴿الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾: اللام في كلمة (لتسكنوا) للتعليل، ولتسكنوا فيه: من السّكون، الانقطاع عن الحركة؛ أي: الرّاحة والنّوم والسّكينة الهدوء، و (تسكنوا) جاء بصيغة المضارع ليدل على التّجدد والتّكرار (بالنّوم) ودلالة على نعمة الرّاحة في الليل ليكون الإنسان نشيطاً في الصّباح ويزاول عمله مرة أخرى.
﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: ارجع إلى الآية (٦٧) من سورة يونس للبيان.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد.
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾: اللام للتوكيد، ذو: صاحب وذوا شرف من صاحب، فضل: الفضل هو الزّيادة عما يستحق العبد.
﴿عَلَى النَّاسِ﴾: على تفيد العلويّة؛ أي: فضله ينزل على النّاس.
﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد.
﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾: لا يشكرون ربهم على نعمة الليل، ونعمة السكن، ونعمة الضياء، والتقلب في النهار، ولا يشكرونه على نعمه وفضله عليهم؛ بسبب انشغالهم بالنّعمة ونسيان المنعم، أو بسبب الشّيطان الّذي يُنسي الإنسان ذكر ربه، أو بسبب الظّن أنّ النّعمة تنحصر فقط بالمال وينسى نعمة الصّحة والعافية والأهل والأمن والطّمأنينة - والعلم - وغيرها.
وتكرار كلمة النّاس: للتوكيد على الكفر بنعمة الله؛ أي: سترها وجحدها، أو غفلتهم.
стр. 4660
﴿لَا﴾: النّافية.
﴿يَشْكُرُونَ﴾: أي أكثر النّاس لا يشكرون والقليل يشكرون، أو كمية الشّكر الصّادرة عنهم قليلة مقابل النّعم الكثيرة.
ولا يشكرون بصيغة المضارع تدل على تجدد وتكرار عدم شكرهم المنعم. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠) لمزيد من البيان.
سورة غافر [٤٠: ٦٢]
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾:
﴿ذَلِكُمُ﴾: ذا اسم إشارة، ولم يقل ذلك الله ربكم، ذلكم: فيها تعظيم وتدل على الإشارة لعدّة نعم، أو دلائل على قدرة الخلق.
﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾: الله: الإله المعبود واجب الوجود، ربكم؛ أي: الخالق المدبر والمربي والرّزاق.
فقوله: الله ربكم: جمع صفتي الألوهية والرّبوبية معاً.
﴿خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾: خالق من الخلق: وهو التّقدير، كل: للتوكيد، شيء نكرة تعني: أيّ شيء مهما كان - وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فكونه خالق كلّ شيء فهذا يدل على ربوبيته.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا النّافية، إله: معبود، إلا: أداة حصر، هو: للتوكيد. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥٥) لمزيد من البيان في ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٠٢) في سورة الأنعام وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾: نجد آية الأنعام جاءت في سياق الشريك الولد والصاحبة، ولذلك نفى الشريك، وقدم كلمة التوحيد ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، ثم ذكر الخلق؛ أما في آية غافر الآية جاءت في سياق الخلق وليس الشرك، ولذلك قدم الخلق وأخر ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
стр. 4661
وكونه لا إله إلا هو، فهذا يدل على وحدانيته.
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: الفاء للتوكيد، أنّى: تعني كيف ومن أين، وللاستفهام والتّعجب والإنكار على إفكهم، وفيها سعة في المعنى (توسع) أكثر من كيف.
أي: كيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره مع وجود كلّ هذه الأدلة والآيات على وحدانيته، أو كيف تصرفون عن الحق إلى الباطل، تؤفكون: الإفك وهو الكذب المتعمد لقلب الحقائق.
سورة غافر [٤٠: ٦٣]
﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾:
﴿كَذَلِكَ﴾: أي مثل إفك هؤلاء وانصرافهم عن عبادة الله وحده إلى عبادة غيره من أصنام وغيرها، كذلك يصرف: يؤفك ﴿الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾: كذلك يصرف كلّ جاحد بآيات الله، والجحد إما عقائدي إنكاري؛ أي: إنكار وجود الله تعالى، أو جحود: ستر لنعمة الله وإنكار لها.
سورة غافر [٤٠: ٦٤]
﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾:
هذا دليل آخر على قدرته وعظمته: أنّه هو المنعم الّذي يستحق العبودية.
﴿اللَّهُ﴾: اسم ذات يحمل في طياته كلّ صفات الكمال ويدل على الإله الحق واجب الوجود.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد الاختصاص؛ أي: وحده الّذي.
﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾: جعل (لكم) خاصة (واللام لام الاختصاص والملكية) والكاف للخطاب.
стр. 4662
قراراً: ساكنة رغم حركتها التي تقدر بـ (٣٠ كم/ ثانية)، ولا تعني: لا تتحرك كما تفسرها كثير من كتب التّفسير، هذه الأرض التي تتركب من سبع طبقات تشمل لبّ هذه الأرض كتلة صلبة ضخمة من الحديد والنّيكل، تصل نسبة الحديد إلى أكثر من (٩٠%) هذه الكتلة الصّلبة من الحديد هي الّتي تعين في جعل الأرض قراراً.
وكتلة الأرض تقدر بـ (٦) آلاف مليون مليون مليون طن رغم أنّها معلقة في الفضاء ولا ننسى الجبال (الرّواسي) والصّفائح تحت القارية كذلك التي تساعد على استقرار الأرض، فالأرض تدور حول نفسها مرة كلّ (٢٤) ساعة وتدور حول الشّمس مرة كلّ (٣٦٥) يوماً (سنة) سرعة دورانها حول الشّمس (٣٠) كم/ ثانية (١٩) ميل بالثّانية.
وسرعة دوران الأرض حول خط الاستواء (٤٦٠) متراً بالثّانية، ولماذا لا نشعر بدورانها؟ لأنّنا كلنا ندور بنفس السّرعة كما يحدث عندما نركب سيارة ونسير بسرعة (٦٠) كم داخل السّيارة نشعر بقرار وسكون رغم أن السّيارة متحركة بسرعة هائلة.
﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾: السّماء تعني السّموات السّبع: ومنها السّماء، السّماء الدّنيا المبنية من طبقات مثل: تروبوسفير، ستراتفير، ميزوسفير، ثرموسفير، اكسَّفير وكلها يطلق عليها اتمسفير ..
سماوات سبع متماسكة كالبناء؛ لما فيها من قوى الجاذبية فهي سماوات يغلف الخارج منها الدّاخل مركزها الأرض.
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾: في المنظر والشّكل واللون؛ أي: ميّز بعضكم على بعض بالصّورة أو السّمة بحيث لا يشبه الواحد الآخر بحسب
стр. 4663
الشّفرة الوراثية لكلّ فرد. ارجع إلى سورة آل عمران آية (٦) وسورة الأعراف آية (١١) للبيان ..
﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: الطّيب هو ما كان طاهراً غير نجس ولا مستقذر تعافه النّفس، وكذلك حلالاً.
والحلال ما أذن به الله تعالى.
الطّيبات: تشمل المأكل والمشرب والملبس والمنكح، وغيرها.
﴿مِنَ﴾: بعضية.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾: ارجع إلى الآية (٦٢) للبيان.
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: الفاء للتوكيد، تعالى قدرةً وتعاظم وتنّزه وتقدّس عن شبه ما سواه، وعظم خيره وعمّت بركته على خلقه ودام وثبت إنعامه وإحسانه. ارجع إلى سورة الملك آية (١) لمزيد من البيان.
سورة غافر [٤٠: ٦٥]
﴿هُوَ الْحَىُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿هُوَ الْحَىُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥٥) للبيان.
﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: أي فاعبدوه وحده لا شريك له: مخلصين له الدّين؛ أي: الطّاعة الخالصة من الشّرك والرّياء. ارجع إلى الآية (١٤) من السّورة نفسها، وسورة الزمر آية (٢) لبيان معنى الإخلاص، وسورة البقرة آية (١٣٢) لبيان معنى الدين.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي احمدوا الله على نعمه الّتي أنعم بها عليكم:
стр. 4664
نعمة الخلق (الإيجاد) ونعمة الإمداد ونعمة الهداية، ارجع إلى الآية (٢) من سورة الفاتحة.
سورة غافر [٤٠: ٦٦]
﴿قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِىَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَّبِّى وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿قُلْ﴾: يا رسول الله ﷺ ، الخطاب موجّه إلى رسول الله والمقصود به أفراد أمته.
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿نُهِيتُ﴾: النّهي: المنع؛ أي مُنعت.
﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أن مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.
نهيت أن أعبد هذه الأصنام أو الآلهة الّتي تدعون: تعبدون من دون الله، من دون الله: من غير الله؛ أي: سواه.
﴿لَمَّا﴾: ظرف زماني بمعنى حين، أو منذ ذلك الزّمن: لما جاءني.
﴿جَاءَنِىَ الْبَيِّنَاتُ﴾: بالتذكير وتعني: الأحكام والأوامر من ربي، ولم يقل جاءتني البينات؛ التّأنيث التي تدل على أنّها بينات معجزات تدل على صدق نبوة الرّسول.
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: وأُمرت أن: تعليلية، أسلم لرب العالمين؛ أي: إسلام الوجه، ويعني الإخلاص والتّوحيد، لرب العالمين: لام التّوكيد، ويقصد به الإسلام الّذي ارتقى إلى التّقوى والإحسان وإسلام الذّات.
стр. 4665
سورة غافر [٤٠: ٦٧]
﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾:
﴿هُوَ﴾: تعود على رب العالمين.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم والكمال.
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾: وتعني خلق أباكم آدم من تراب وكلكم من ذرية آدم، وقد تعني: أنّ العناصر الّتي يتركب منها جسم الإنسان هي نفسها موجودة في التّراب حيث وجد أنّ (١٦) عنصراً مثل الكالسيوم والحديد والصّوديوم والمغنيزيوم والكلوريد وغيرها هي نفسها تشكل بعض عناصر التّربة وتشكل بعض عناصر الإنسان، أو أنّ الحيوان المنوي والبويضة منشؤهما مما نأكله من الأغذية النّباتية والحيوانية (اللحوم) والنّبات والحيوان من التّراب. ارجع إلى سورة الرّوم آية (٢٠) لمزيد من البيان.
﴿ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ﴾: أي نطفة الرّجل وهي الحيوان المنوي ونطفة البويضة.
﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾: سميت علقة؛ لكونها تعلق في جدار الرّحم وتنمو. ارجع إلى سورة الحج آية (٥).
﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾: ولم يذكر مرحلة المضغة ونفخ الرّوح ومرحلة
стр. 4666
العظام والإكساء باللحم كما بينها في سورة المؤمنون الآيات (١٢ - ١٤) والحج آية (٥).
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب العددي أو الذّكري، وقد تكون للترتيب والتّراخي في الزّمن.
﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾: اللام لام التّوكيد، الأشد: قيل ما بين (١٨ - ٣٠) سنة.
﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾: سن الشّيخوخة ما بين (٥٠ - ٨٠) سنة، أو من تجاوز الـ (٦٠) سنة.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾: أي قبل أن يصل إلى مرحلة الشّيخوخة أو مرحلة (أشدكم) أو مرحلة الطّفولة.
﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾: هو الموت، أو أجلاً مسمى في اللوح المحفوظ، معلوماً، بعد نفخ الرّوح يؤمر الملك بكتب أجله، وقد يكون أياماً أو شهوراً أو سنين.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: لعل: للتعليل، أو لمطلق التّوقّع.
تعقلون: من عقل الشيء؛ أي: بدليله وفهمه بأسبابه ونتائجه إن الله قادر على بعثكم وإحيائكم بعد الموت، أو أنّ الله هو الإله الحق الّذي يجب أن يُعبد ولا يُشرك به.
سورة غافر [٤٠: ٦٨]
﴿هُوَ الَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾:
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر: هو المتفرد بذلك.
﴿الَّذِى﴾: للتعظيم.
стр. 4667
﴿يُحْىِ وَيُمِيتُ﴾: بشكل متجدّد ومتكرر على مرّ الزّمن.
﴿فَإِذَا﴾: الفاء للتوكيد، إذا ظرفية زمانية شرطية تفيد حتمية الحدوث.
﴿قَضَى أَمْرًا﴾: أراد أو حكم.
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: فإنما: الفاء رابطة لجواب الشّرط، إنما كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
يقول له: كن فيكون. ارجع إلى سورة النّحل آية (٤٠) للبيان.
وردت هذه الآية في ست سور هي:
البقرة آية (١١٧)، آل عمران آية (٤٧)، النّحل آية (٤٠)، مريم آية (٣٥)، يس آية (٨٢)، غافر آية (٦٨).
سورة غافر [٤٠: ٦٩]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾:
بعد إيراد الأدلة والآيات الكثيرة على قدرة الله وعظمته، وقدرته على الخلق والإحياء والبعث والآيات الدّالة على وحدانيته، وأنّه هو الإله الحق الّذي يستحق العبادة.
عاد مرة رابعة في السّورة نفسها لذكر الّذين يجادلون في آيات الله. ارجع إلى الآية (٥٦) من السّورة نفسها.
﴿تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللَّهِ﴾: كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل مع وضوح الأدلة، ويكذبون بالرّسل والكتب السّماوية وما أنزل الله، فسوف يعلمون عاقبة أمرهم.
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة استفهام إنكاري.
﴿تَرَ﴾: ترَ قلبية، أو رؤية فكرية.
стр. 4668
﴿إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللَّهِ﴾: ارجع إلى الآية (٣٥).
﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾: أنّى: كيف ومن أين، واستفهام إنكاري فيه تعجب. يصرفون: عن توحيد الله إلى الشّرك به، عن الحق إلى الباطل، عن الإيمان بالله وحده إلى الجحود به.
سورة غافر [٤٠: ٧٠]
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد الذّم، يعود على الّذين يجادلون في آيات الله.
﴿كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾: بالقرآن، الباء للإلصاق، ويدل على الدّوام.
﴿وَبِمَا﴾: ما: اسم موصول تعني الّذي، وما أوسع شمولاً من الذي، أو مصدرية.
﴿أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾: الرّسل يعني الأنبياء والرّسل، وبعضهم أرسلوا إلى أقوامهم بدون كتب يدعون إلى الإيمان بالله وتوحيده والإيمان بالبعث والحساب والجزاء كالأنبياء.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: الفاء للتوكيد، سوف للاستقبال البعيد؛ أي: يوم القيامة، فسوف يعلمون عاقبة تكذيبهم أو وبال كفرهم.
سورة غافر [٤٠: ٧١]
﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِى أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾:
﴿إِذِ﴾: ظرف للزمن المستقبل حلّت محل إذا، أو إذ الفجائية، يفاجؤون بوضع الأغلال في أعناقهم والسّلاسل في أرجلهم.
﴿الْأَغْلَالُ﴾: جمع غل؛ وهي قيود توضع في الأيدي وتشد إلى الأعناق.
﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾: من حديد تقيّد بها الأرجل.
﴿يُسْحَبُونَ﴾: يجرّون بالسّلاسل.
стр. 4669
سورة غافر [٤٠: ٧٢]
﴿فِى الْحَمِيمِ ثُمَّ فِى النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾:
﴿فِى﴾: ظرفية؛ أي: هم داخل النّار أو النّار محيطة بهم من كلّ جانب.
﴿الْحَمِيمِ ثُمَّ فِى النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾: تملأ بهم النّار؛ أي: تصبح مكتظة بهم ثم تسعّر بهم النّار، أو توقد بهم النّار.
في الحميم: أي يشربون. الحميم: الماء المتناهي في الحرارة في غاية الحرارة، ثم تسعّر بهم النّار فيصبحون وقوداً لجهنم. وقيل: سجر التّنور؛ أي: ملأه وقوداً.
يسجرون: بصيغة المضارع يدل على التّكرار والاستمرار.
سورة غافر [٤٠: ٧٣]
﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب الذّكري أو العددي.
﴿قِيلَ لَهُمْ﴾: القائل مبني للمجهول.
﴿أَيْنَ﴾: استفهام توبيخي.
﴿مَا﴾: لغير العاقل أو العاقل.
﴿كُنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾: أين الأصنام الّتي كنتم تعبدون في الدّنيا، أين شركاؤكم؛ أي لمَ لا يحضرون لإنقاذكم؟!
سورة غافر [٤٠: ٧٤]
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾:
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله.
﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾: أي لا نراهم، تاهوا عنا أو غابوا عنا، أو لم يهتدوا إلينا.
стр. 4670
﴿بَلْ لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾: بل للإضراب الإبطالي، لم نافية؛ أي: لم نكن نعبدهم أو ندعوهم أصلاً من قبل في الحياة الدّنيا؛ فهم ينكرون أنّهم أشركوا بالله أبداً.
﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾: أي مثل ضلال آلهتهم عنهم وضلالهم عن آلهتهم.
يضل الله الكافرين: في الحياة الدّنيا عن الهداية للحق؛ لأنّهم اختاروا لأنفسهم طريق الضّلال واستمروا عليه وابتعدوا كثيراً فلم يعد يؤمل توبتهم فطبع الله على قلوبهم.
سورة غافر [٤٠: ٧٥]
﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾:
﴿ذَلِكُمْ﴾: ذا اسم إشارة، واللام للبعد والكاف للخطاب، ويشير إلى ما وقع من أنواع العذاب (السّلاسل والأغلال والحميم).
واستعمل (ذلكم) بدلاً من (ذلك) للتوكيد؛ ولأنّها تشير إلى عدة أمور وليس أمراً واحداً.
﴿بِمَا﴾: الباء السّببية أو البدلية.
﴿كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: كنتم: للتوكيد، تفرحون في الأرض: الفرح نوعان: بالحق وبغير الحق.
الفرح بالحق أو الفرح المحمود: الفرح بمغفرة الله أو رحمة الله، أو الاهتداء للإسلام وإنجاز طاعة الله مثل: صيام رمضان والفرح بالعيد أو إتمام شعيرة الحج، فرح محمود.
الفرح بغير الحق: الفرح المذموم فرح النّفس بالمعصية كالزّنى وكسب
стр. 4671
المال الحرام أو الشّرك. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٠) لمزيد من البيان في معنى الفرح وأنواعه.
﴿وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾: تكرار (بما) مرتين يفيد التّوكيد، وفصل الفرح عن المرح أو كلاهما معاً، تمرحون: المرح لا يكون إلا بالباطل، قيّد الأول (الفرح) بغير الحق وأطلق المرح، والمرح: شدة الفرح مثل: الغناء والطّرب والرّقص.
سورة غافر [٤٠: ٧٦]
﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾:
هذه الآية تشبه آية (٧٢) من سورة الزّمر وهي قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. ارجع إلى سورة الزمر للبيان.
﴿ادْخُلُوا﴾: تعود على الّذين كذّبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رُسُلنا، والذين يجادلون في آيات الله.
﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾: لها سبعة أبواب كما ورد في الآية (٤٤) من سورة الحجر وهي قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ وقيل: سبعة أبواب؛ لأنّ لها سبع دركات وهي:
جهنم، لظى، الحُطمة، السّعير، سقر، الجحيم، الهاوية، اسم جهنم مشتق من الجهنَّام: القعر البعيد. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) لمزيد من البيان.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: الخلود يبدأ من زمن دخولهم جهنم، والخلود يعني البقاء على حالهم إلى ما لا نهاية.
﴿فَبِئْسَ﴾: الفاء للتوكيد، بئس: من أفعال الذّم والتّحقير.
﴿مَثْوَى﴾: تشمل معانٍ عدةً: الإقامة والاستقرار ومكان الإقامة الجبرية
стр. 4672
(الحبس) والإقامة الدّائمة، وأنّها مكان ضيق غير متسع مطبِق عليهم وهم عاجزون عن القيام بأيّ عمل. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٥٥) لبيان معنى المثوى والمأوى.
﴿الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: عن الإيمان بالله وحده وآياته ورسله، والمتكبر عن قبول الحق. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لمزيد من البيان.
سورة غافر [٤٠: ٧٧]
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾:
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: ارجع إلى الآية (٥٥) من السّورة نفسها وهي قوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾، والآية (٤٦) من سورة يونس وهي قوله: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾.
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ﴾: فاصبر: الفاء للتوكيد، اصبر: حث على الصّبر، والصّبر في هذه الآية على أذى المشركين، والدّعوة وإظهار الدّين والغلبة على الكافرين والمشركين.
وأما الصّبر في الآية (٥٥) على طاعة الله واجتناب نواهيه والصّلاة والتّسبيح وعلى ما أصابك.
أو الآية (٧٧) توكيد للآية (٥٥) على الصّبر بكل أنواعه، والخطاب موجّهٌ إلى رسول الله ﷺ والمقصود به أيضاً أمته.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: ثابت وقادم لا محالة، بالنّصر والغلبة لله ولرسوله ولدينه وللمؤمنين.
﴿فَإِمَّا﴾: حرف تفصيل وتوكيد، ومركبة من إن الشّرطية مدغمة بـ ما للتوكيد، وجواب الشّرط محذوف.
стр. 4673
﴿نُرِيَنَّكَ﴾: النّون في (نرينّك) للتوكيد أيضاً، نرينّك يا رسول الله ﷺ ، وأنت حي؛ أي: في حياتك.
﴿بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ﴾: قسم أو جزء من الّذي نعدهم؛ أي: من العذاب في الدّنيا بالقتل والهزيمة والخسارة والفقر والتّشريد والعذاب.
﴿أَوْ﴾: للتقسيم والتّخيير.
﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾: النّون في (نتوفينك) للتوكيد، والخطاب موجّه إلى رسول الله ﷺ ، نتوفينك قبل أن نرينك عذابهم في الدّنيا.
﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾: أي يوم القيامة، الفاء للتوكيد، (إلينا) تقديمها يدل على الحصر؛ أي: إلينا وحدنا يُرجعون: بضم الياء، أي قسراً وبدون إرادتهم، يرجعون للحساب أو للثواب أو للعقاب، ولو قال يَرجعون بفتح الياء هذا الرّجوع يكون بإرادتهم وليس قسراً.
стр. 4674
سورة غافر [٤٠: ٧٨]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُم مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَنْ لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِىَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد للتحقيق؛ أي: تحقق إرسال الرّسل وتمّ، وقد تفيد التكثير في هذه الآية.
﴿أَرْسَلْنَا﴾: ولم يقل بعثنا، هناك فرق بين الإرسال والبعث. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة لمعرفة الفرق.
﴿رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾: الخطاب موجّه إلى رسول الله ﷺ ، قيل: عددهم كما أخرج الإمام أحمد عن أبي ذرّ أن رسول الله قال: عدد الأنبياء مئة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، والرّسل من ذلك ثلاث مئة وخمسة عشر.
﴿مِنْهُم مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾: أي في القرآن حيث ذكر الله سبحانه بعض الرّسل وعددهم (٢٥) رسولاً ونبياً.
﴿وَمِنْهُم مَنْ لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾: قصصنا: من قصّ والقَصَص.
ليس فيها خيال بل هي حق، وليس فيها افتراء أو اختلاق كما هو الحال في القِصص بكسر القاف الّتي قد يخالطها كذب وافتراء.
﴿وَمَا كَانَ﴾: الواو عاطفة، ما النّافية، كان: يجوز أو يحق أو يصح، وكان تشمل جميع الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل.
стр. 4675
﴿لِرَسُولٍ﴾: اللام لام الاختصاص.
﴿أَنْ يَأْتِىَ بِآيَةٍ﴾: أن للتعليل والتّوكيد، يأتي بآية: دلالة أو بينة أو آية معجزة دالة على نبوته، أو أيّ آية مهما كانت.
﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: إلا أداة حصر، بإذن الله: بأمر الله وإرادته. والإذن: اسم للكلام الذي يفيد بأخذ فعل أو قول، والإذن: يأتي في سياق العمل الذي ليس لنا تدخل فيه؛ أي: هو خارج عن إرادتنا بينما القول إن شاء الله تستعمل في سياق الأمور التي لنا شأن فيها، أو تدخل، أو نقوم بها.
﴿فَإِذَا﴾: إذا شرطية ظرفية تفيد الحتمية.
﴿جَاءَ﴾: أي وقع الحدث.
﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾: قد يكون: واحد من الأمور الشؤون، أو واحد من الأوامر مثل:
١ - إنزال العذاب والهلاك في الدّنيا.
٢ - يوم القيامة.
٣ - قضاءه.
٤ - الفصل بين الرّسل وأعدائهم (المكذبين).
﴿قُضِىَ بِالْحَقِّ﴾: حكم الله بالحق بين الرّسل وأقوامهم، بين عباده وبين الأمم. بالحق: الباء للإلصاق والملازمة؛ أي: الملازم للحق، والحق: هو الأمر الثابت الذي لا يتغير، والذي ليس هناك غيره.
﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾: المبطلون: جمع مبطل: هو المصرّ على الباطل ومات مصرّاً على الباطل، والباطل: هو ما لم يأتِ به الشّرع، والباطل لغةً: هو الزائل الذاهب.
стр. 4676
والباطل قد يطلق على الكذب والظّلم والشّرك والإحباط؛ أي: (حبطت أعمالهم). وخسر المبطلون أنفسهم وأهليهم.
سورة غافر [٤٠: ٧٩]
﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾:
﴿اللَّهُ﴾: اسم ذات واجب الوجود يحمل في طياته كلّ صفات الكمال المطوية في بقية أسمائه الحسنى.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم.
﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾: لكم خاصة وليس لغيركم، والجعل مرحلة تتبع الخلق، أو اللام لام التّعليل.
﴿الْأَنْعَامَ﴾: وهي ثمانية أزواج: من الضّأن اثنين ومن المعز اثنين ومن البقر اثنين ومن الإبل اثنين.
﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾: اللام لام التّعليل، تركبوا منها: منها هنا بعضية؛ أي: لتركبوا بعضها مثل الإبل، ولا نركب البقر والغنم والمعز.
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: منها: استغراقية بعكس الأولى البعضية، تستغرق كلّ الأنعام؛ أي: تشمل الكل، ومنها تأكلون: نأكل اللحم لحم الغنم والبقر والمعز والإبل، ونأكل من ألبانها.
سورة غافر [٤٠: ٨٠]
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾:
﴿وَلَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص أو التّعليل.
﴿فِيهَا﴾: تعود على الأنعام.
стр. 4677
﴿فِيهَا مَنَافِعُ﴾: غير الرّكوب والأكل مثل: الوبر والصّوف والشّعر وصناعة الملابس والأثاث والمتاع، استعمال جلودها لأغراض مختلفة.
﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ﴾: اللام لام التّعليل، عليها: تفيد العلويّة والمشقة.
والحاجة هو الأمر المهم الّذي نحتاجه للسفر للحج والتّجارة، وحمل الأثقال من مكان إلى مكان ومن بلد إلى بلد آخر لم تكونوا بالغيه إلا بشقّ الأنفس؛ أي: بالتّعب والجهد والمشقة.
﴿وَعَلَيْهَا﴾: أي الإبل.
﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾: السّفن وتطلق على الواحدة و الجمع.
﴿تُحْمَلُونَ﴾: تركبون في البر والبحر أنتم وأمتعتكم.
ولنقارن هذه الآية (٨٠) من سورة غافر وهي قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾، والآية (٤٠) من سورة هود وهي قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾.
ففي آية غافر استعمل (عليها) واستعمل فيها للركب على الفلك أو في الفلك؛ لأنّ السّفن لها طوابق مختلفة، يركب فيها أو يركب عليها؛ على ظهرها.
انتبه إلى قوله تعالى: لتركبوا منها ولتبلغوا عليها حاجة، أدخل لام التّوكيد، وتأكلون وتحملون بدون لام التّوكيد؛ لأنّ الأكل والانتفاع منها أقل أهمية من الرّكوب عليها في الصّحارى وبلوغ الحاجة.
سورة غافر [٤٠: ٨١]
﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَىَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾:
بعد أن ذكر الله خلق السّموات والأرض والليل والنّهار، وجعل الأرض
стр. 4678
قراراً والسّماء بناء، وصوركم وأحسن صوركم، فهو سبحانه قادر على أن يريكم آيات أخرى دالة على قدرته وعظمته وإلوهيته وربوبيته.
﴿فَأَىَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾: الفاء للتوكيد؛ أي: استفهام إنكاري للتوبيخ والتّعجب؛ أي: هذه الآيات الدّالة على كمال قدرته وأنّه الإله الحق الّذي يستحق أن يعبد وحده، وأنتم تنكرون.
أي: ولم يقل أية، جاء بصيغة الكثرة مع أنّ الآيات مؤنثة؛ لأنّ (أي) تدل على الكثرة، وأية تدل على القلة؛ أي قلة آيات الله.
﴿تُنْكِرُونَ﴾: الإنكار: يكون عادة للأشياء الظّاهرة والباطنة، ويكون مع العلم وغير العلم به.
أي: كلّ الآيات واضحة وظاهرة لا يجوز لكم إنكارها لا بشكل ظاهر وعلني؛ أي: بألسنتكم وأفعالكم، ولا بشكل باطني؛ أي: بقلوبكم وصدوركم.
ولمعرفة الفرق بين الإنكار والجحد ارجع إلى الآية (١٤) من سورة النّمل.
سورة غافر [٤٠: ٨٢]
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِى الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾:
﴿أَفَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والحث والإنكار على هؤلاء المجادلين في آيات الله والكافرين، والذين يكذبون بالكتاب وبما جاء به الرّسل، لمَ لا يسيرون في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ومصير الأمم السّابقة الّتي كذبت وعصت رسلها أمثال قوم عاد وصالح ولوط وفرعون. ارجع إلى الآية (٢١) من السّورة نفسها للبيان.
﴿يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾: عدداً؛ أي: كانوا أكثر عدداً من مشركي قريش وأشد قوة: قوة الأجسام
стр. 4679
وقوة العدة والعتاد، وآثاراً في الأرض؛ أي: عمروا الأرض أكثر مما عمرها مشركو قريش؛ أي: بإقامة الحصون والقصور والمصانع والمدن والحضارات والسّدود ومظاهر العمران والحضارة والغنى.
﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: فما: الفاء للتوكيد، ما: النّافية أو قد تكون استئنافية.
أغنى عنهم: أي لم ينفعهم أو يفدهم ما كانوا يكسبون حين حل بهم العذاب في الدّنيا من مال وحضارة وحصون وقوة وجاه، ومُلك وجنات وزروع ومقام كريم.
ما كانوا: ما هذه مصدرية، أو بمعنى الّذي اسم موصول؛ أي: ما نفعهم كسبهم أو نفعهم الّذي كسبوه.
سورة غافر [٤٠: ٨٣]
﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: ظرف للزمان الماضي بمعنى حين.
﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: تعود على الّذين من قبلهم من الأمم جاءتهم رسلهم (أمثال هود وصالح ولوط وموسى) بالبينات: بالآيات الواضحة الدّالة على أنّ الله هو الإله الحق الواحد، والدّالة على وحدانيته وعلى وجوب الإيمان وتصديق الرّسل، والدّالة على البعث والحساب والجزاء.
﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾: فرحوا: ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٠) لبيان معنى الفرح وأنواعه؛ فرحوا بما عندهم من العقائد الباطلة وتقليد الآباء، وما عندهم من علوم الدّنيا كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
стр. 4680
[الرّوم: ٧] فقالوا: لسنا بحاجة إلى رسل ولا كتب، وقالوا: نحن نعلم أنّا لن نبعث ولن نعذب ﴿وَقَالُوا مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤].
أي: علومنا تكفينا واستهزؤوا بعلوم الدّين وبالرّسل، وسموا ذلك علماً؛ لجهلهم، أو سُمي علماً تهكماً بهم وتقريعاً.
﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾: أحاط بهم ونزل بهم؛ أي: بالّذين كذبوا بالرّسل وكذبوا بوقوع العذاب. ارجع إلى الآية (٤٥) من نفس السورة لمزيد من البيان، والفرق بين حاق ونزل.
﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: أي عاقبة ما كانوا به يستهزؤون، ما: بمعنى الّذي؛ أي: حاق بهم استهزاؤهم ولم ينفعهم كسبهم أو قوتهم أو عددهم، أو يمنع أو يدفع عنهم العذاب. ارجع إلى سورة الزمر آية (٤٨) لبيان معنى يستهزؤون.
سورة غافر [٤٠: ٨٤]
﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للتوكيد، لما: ظرفية زمانية بمعنى حين.
﴿رَأَوْا بَأْسَنَا﴾: عاينوا بأسنا: عذابنا سيحل بهم أو واقع بهم.
﴿قَالُوا﴾: في تلك السّاعة آمنّا بالله وحده.
﴿وَكَفَرْنَا بِمَا﴾: جحدنا بما: بما الباء للإلصاق، ما: تعني الّذي، أو مصدرية، كفرنا بشركنا؛ أي: تبرّأنا وتُبنا.
﴿بِهِ﴾: تعود على الأصنام والآلهة والطّاغوت وغيرها من المعبودات.
﴿مُشْرِكِينَ﴾: في الدّنيا، مشركين: جمع مشرك، وجاءت بصيغة الثّبوت؛ أي: كان الشّرك صفة ثابتة لهم طوال حياتهم.
стр. 4681
سورة غافر [٤٠: ٨٥]
﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾:
﴿فَلَمْ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، لم: للنفي.
﴿يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾: يك ولم يقل يكن؛ أي: لم ينفعهم إيمانهم أدنى أو أقل منفعة يمكن تصورها.
ولو قال فلم ينفعهم إيمانهم، لكان يعني: مهما كان حجم إيمانهم ونوعه وشدته، لم ينفعهم.
﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾: تكرار هذه في الآيتين (٨٤، ٨٥) ليدل على التّوكيد؛ أي: حين ينزل العذاب بقرية أو بقوم فلن ينفعها إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ﴾: السّنة العادة والطّريقة الّتي سنّها الله تعالى، وهي من تاب عند معاينة العذاب توبته لا تقبل، كما حدث لفرعون حين أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْئَانَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩١].
ولابد من ذكر أن الله سبحانه (وله الأمر كله) استثنى من هذه السّنة قوم يونس فقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].
﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ﴾: وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣]. ارجع إلى سورة فاطر للبيان.
وفي هذه الآية تحذير وإنذار لكلّ كافر ومشرك ولمن يؤخّرون توبتهم.
стр. 4682
﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾: خسر: بمعنى هلك، خسر نفسه.
هنالك: اسم إشارة للمكان البعيد، وقد تعني الزّمان؛ أي: خسروا وقت رؤيتهم العذاب، أو خسروا في ذلك المكان.
وكأنّهم لم يكونوا خاسرين قبل ذلك؛ لكونهم كانوا قادرين على التّوبة والإنابة قبل رؤية بأسنا.
﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾: الكافرون؛ لأنّ الآيات في سياق الإيمان والكفر لقوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ فقال: ﴿هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.
ولو قارنّا هذه الآية (٨٥) بالآية (٧٨) السّابقة وهي قوله تعالى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ لوجدنا أنّ هذه الآية جاءت في سياق أو بعد قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِىَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ فالحق يقابله الباطل فاختار (المبطلون).
والآية (٨٥) جاءت في سياق الإيمان والكفر، وبما أن إيمانهم جاء متأخراً، وربما جاء قسراً وليس بإرادتهم كإيمان فرعون، ولذلك جاء بقوله تعالى ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.
стр. 4683
سورة فصلت [٤١: ١]
سورة فصلت
ترتيبها في القرآن (٤١) وترتيبها في النزول (٦١) نزلت بعد سورة غافر وقبل سورة الشورى.
﴿حم﴾:
ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة.
سورة فصلت [٤١: ٢]
﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾:
﴿تَنزِيلٌ﴾: قد يكون التقدير: تنزيلٌ من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته، أو تقديره: هذا تنزيلٌ. وتنزيل نكرة للتعظيم. تنزيل عظيم.
ارجع إلى سورة الزمر آية (١).
﴿مِنَ﴾: ابتدائية.
﴿الرَّحْمَنِ﴾: من أسماء الله الحسنى مشتق من الرحمة التي هي السمة العامة التي تمثل كثيراً من صفاته.
الرحمن: على وزن فعلان صيغة فعلان تفيد الدلالة على التجدد والتكرار، وهذا الاسم لا يثنى ولا يجمع ولا يطلق إلا على الله .
﴿الرَّحِيمِ﴾: على وزن فعيل، صيغة تعظيم، صفة تفيد الثبوت. الرحمن والرحيم كلاهما من مشتقات كلمة الرحمة.
стр. 4684
فهو سبحانه وصف نفسه بالرحمن الرحيم؛ أيْ: أن رحمته متجدِّدة ومستمرة، ودائمة لا تنقطع، وكذلك رحمة ثابتة في الدنيا وفي الآخرة.
الرحمن: بعباده المؤمن والكافر والصالح والطالح بنعمة الإيجاد والإمداد (الإنعام) والهداية العامة.
والرحيم: بعباده المؤمنين يختص برحمته من يشاء ويدخل في رحمته من يشاء.
ارجع إلى سورة الفاتحة الآية (٢) لمزيد من البيان.
سورة فصلت [٤١: ٣]
﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾:
﴿كِتَابٌ﴾: سُمِّي كتاباً وسُمِّي قرآناً كتاباً؛ لأنه مكتوب في السطور أو اللوح المحفوظ، وسُمِّي قرآناً؛ لأنه مقروء من السطور والتلقي.
﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾: أيْ: بينت آياته من أبان الشيء وفصله، وكتاب مفصل مقسم إلى فصول في الخلق والكون والوعد والوعيد والبعث والحساب. وغيرها.
وبينت آياته الحلال والحرام والحق والباطل. أو بُينت معانيها. ارجع إلى سورة هود آية (١) لمزيد من البيان.
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: اللام لام الاختصاص أيْ: تنزيلٌ من الرحمن الرحيم لأجل قوم يعلمون أو فصلت آياته لأجلهم أو لهم خاصة يعلمون من العلم. أيْ: يعلمون معاني الآيات سواء كانت خفية أو جلية أو خاصة بعد أن فصلت، أيْ: قرآناً عربياً لقوم يعلمون؛ أي: يتفكروا ويتدبروا أولاً، ثم يعلمون في النهاية؛ فتكون المراحل هي التالية: التفكر، ثم التدبر، ثم الفقه، ثم العلم؛ أي: يتفكرون، ثم يتدبرون، ثم يفقهون، ثم يعلمون.
стр. 4685
سورة فصلت [٤١: ٤]
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾:
﴿بَشِيرًا﴾: لمن يؤمن بالله ويعمل صالحاً.
﴿وَنَذِيرًا﴾: للجميع خاصة الذين أشركوا أو كفروا وعصوا ربهم. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٩) لمزيد من البيان في بشيراً ونذيراً.
﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾: الفاء للترتيب والتعقيب، أعرض أكثرهم: أيْ: أعرض أكثر أهل مكة وغيرهم عن الاستماع إلى آياته وتدبرها والانتفاع بها.
﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾: الفاء للتوكيد. هم: ضمير فصل يفيد التوكيد أيضاً. فهم لا يسمعون سماع التدبر والانتفاع بالآيات، يسمعون تفيد التجدُّد والتكرار، أيْ: لا يسمعون بشكل متجدِّد متكرِّر.
سورة فصلت [٤١: ٥]
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾:
﴿وَقَالُوا﴾: كفار مكة وغيرهم.
﴿قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ﴾: أكنَّة جمع كنان وهو الغطاء، أيْ: قلوبنا لا تفقه ما تقول يا محمد ﷺ ، أو مغطَّاة بأكنَّة تمنع وصول الفهم إليهم. ارجع إلى سورة الكهف آية (٥٧) لمزيد من البيان.
﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾: أيْ: نحن لا نسمع أو نفهم ما تقول، رغم أن الله سبحانه وصفهم بقوم يعلمون.
مما: من ابتدائية، ما: الذي تدعونا إليه من الإيمان والتوحيد والبعث والجزاء والحساب.
﴿وَفِى آذَانِنَا وَقْرٌ﴾: ثقلٌ في السمع: أو وقرٌ يمنع وصول السمع، ولم يقولوا: نحن صمٌّ، أيْ: مصابون بمرض الصمم منذ الولادة. ارجع إلى سورة لقمان آية (٧) لمزيد من البيان.
стр. 4686
﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾: ومن: تفيد القرب، حجاب: ستار أو حاجز أو مانع (قد يكون إنساناً)، أيْ: رغم قربنا وقربك منا فهناك حجاب يفصل بيننا وبينك. وهذا الحجاب هم أقاموه بنية وقصد.
فالأكنَّة: في قلوبنا، والوقر: في آذاننا، والحجاب: من بيننا وبينك ثلاثة عوائق تمنعنا من قبول ما تدعونا إليه وللإيمان بك.
﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾: الفاء: للمباشرة والتوكيد، اعمل على طريقتك أو دينك، أي: استمر على ما تقوم به ونحن عاملون على ديننا وطريقتنا .. عاملون: جمع عامل تفيد الثبوت … والعمل يشمل القول والفعل.
سورة فصلت [٤١: ٦]
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾:
﴿قُلْ﴾: أيْ: أخبر يا رسول الله هؤلاء المعرضين عن الإيمان بالله والاستماع إلى آياته، والمشركين به والذين يدَّعون أن قلوبهم في أكنة وفي آذانهم وقر وبينك وبينهم حجاب، قل لهم بعد أن أعرضوا: ﴿إِنَّمَا أَنَا﴾: إنما كافة ومكفوفة تفيد التوكيد، أنا: للتوكيد.
﴿بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾: لا أستطيع أن أجبركم على الإيمان. وليست هذه هي وظيفتي إنما وظيفتي الإبلاغ المبين، أيْ: إخباركم أن إلهكم إله واحد.
﴿يُوحَى إِلَىَّ﴾: الإيحاء: لغة هو إعلام بخفاء. ويعني شرعاً: إيصال ما أنزل الله سبحانه وشرعه إلى الأنبياء والرسل والناس أجمعين.
ارجع إلى سورة النساء آية (١٦٣) لمزيد من البيان.
﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: إنما: للقصر والحصر، واحد: للتوكيد، واحد: لا شريك له ولا ولد ولا صاحبة.
﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾: أي: استمروا بثباتكم على دينه (الصراط المستقيم)
стр. 4687
كما أمركم على لسان رسله وما نهاكم عنه وما أنزل في كتابه وأخلصوا إليه بالتوحيد وعدم الشرك به في العبادة والاستقامة تشمل الأقوال والأفعال والنيات.
ارجع إلى الآية (٣٠) من نفس السورة للبيان.
﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾: من ذنوبكم، الفاء للمباشرة والتعقيب، سارعوا إلى الاستغفار والتوبة والإنابة إليه والاستغفار طلب المغفرة.
﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾: الويل هو الهلاك والعذاب والعرب تستعمل كلمة الويل لكل من وقع في هلكة، وقيل: واد في جهنم. للمشركين: اللام: لام الاختصاص والاستحقاق؛ المشركين: جملة اسمية تدل على الثبوت؛ أي: استمرارهم على الشرك بالله تعالى.
سورة فصلت [٤١: ٧]
﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: الذين: اسم موصول يفيد الذم.
﴿لَا﴾: النافية.
﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: الإيتاء؛ أي: لا يدفعون الزكاة، ولم اختار لا يؤتون الزكان على غيرها من الصفات؛ لأن المال هو من أحب الأشياء إلى الإنسان، ودفع الزكاة دليل على صدق الإيمان، والثبات والاستقامة، وقرن عدم إيتاء الزكاة بالكفر بالآخرة فقال:
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: هم: ضمير فصل يفيد الذم. بالآخرة: الباء: للإلصاق، هم كافرون: هم: تفيد التوكيد، وكافرون: لا يؤمنون بها، وكافرون: جملة اسمية تدل على ثبوت كفرهم، وعدم تصديقهم بها رغم كل الأدلة والبينات والاستمرار على ذلك.
سورة فصلت [٤١: ٨]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾:
ومقابل المشركين يذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
стр. 4688
قيل: نزلت هذه الآية في المرضى والقاعدين إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم من الأجر مثل الذين كانوا يعملون حين كانوا معافين قادرين على العبادة.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: قرنوا الإيمان بالعمل الصالح.
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص والاستحقاق.
﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: أجر غير مقطوع؛ ممنون: اشتقت من منت الحبل إذا قطعته؛ كقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، أو أجر غير ممنون عليهم؛ أي: يستحقونه، ولا يمن الله عليهم به، لا يذكرهم به، وإنما يمن عليهم بالفضل؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١].
سورة فصلت [٤١: ٩]
﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾:
المناسبة: تعود الآيات إلى ذكر المشركين وكيف يشركون بالله الذي خلق لهم الأرض والسماء في ستة أيام فقال:
﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله ﷺ ؛ قل لمشركي قريش.
﴿أَئِنَّكُمْ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري وتعجب؛ أي: كيف تكفرون.
﴿لَتَكْفُرُونَ﴾: اللام: لام التوكيد؛ توكيد الكفر. ارجع إلى سورة البقرة آية (٦) لبيان معنى الكفر. كفر العقيدة؛ أي: الكفر: الجحود بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
﴿بِالَّذِى﴾: الباء: للإلصاق؛ الذي: اسم موصول يفيد التعظيم، ويختص بالمفرد المذكر.
﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ﴾: ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٢، ٢٩)، وسورة
стр. 4689
الأنبياء آية (٣٠)، وسورة الأعراف آية (٥٤) لمزيد من البيان المفصل في خلق السموات والأرض.
ففي حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم وذكره البخاري في تاريخه، ورواه أحمد والنسائي: أن رسول الله ﷺ قال: «يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق، وفي آخر ساعة من ساعات الجمعة فيها بين العصر إلى الليل».
وإذا قارنا هذا الحديث بما توصل إليه العلم يمكن ترتيب الحديث كما يلي: خلق الله الأرض أولاً يوم السبت، وألقى فيها الرواسي (الجبال) يوم الأحد، وخلق التربة يوم الاثنين، وخلق النور يوم الثلاثاء، وخلق النبات (الشجر) يوم الأربعاء، وخلق الدواب يوم الخميس، وخلق الإنسان يوم الجمعة أو بعد العصر من يوم الجمعة؛ هذا يعني: كل دقيقة تساوي ملايين ملايين السنين، وكل يوم يساوي ملايين ملايين السنين من الأيام الستة التي ذكرها الله تعالى، وهذا يفسر قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُمْ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، خلق أو سوى كل شيء على الأرض، ثم استوى إلى السماء؛ أي: السماء كانت موجودة فسواهن سبع سموات؛ أي: غيرهن سبع سموات؛ أي: حين غير الأرض وخلق فيها كل شيء في نفس الزمن كان يميز السماء ويخلق فيها كل شيء من نجوم وكواكب ومدارات ومجرات وشموس وأقمار.
ومثل رسول الله ﷺ عمر الإنسان على الأرض بيوم واحد.
ونفهم من هذا الحديث لو كان عمر الإنسان على الأرض يوماً واحداً فقد مضى على وجود الإنسان من آدم إلى زمن رسول الله ﷺ (١٢) ساعة، وبقي (٣) ساعات، وهذا ما جاء في حديث آخر رواه الترمذي عن ابن عمر ﵁ أن
стр. 4690
رسول الله ﷺ قال: «إنما أجلكم فيما خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس». حديث حسن صحيح.
وعلماء الفلك افترضوا لو أن عمر الكون يوم واحد فالإنسان خلق في آخر عشر دقائق من نهاية الكون؛ أي: من آدم إلى آخر مخلوق على الأرض يمثل (١٠) دقائق مقارنة بعمر الكون لو فرضنا أنه يوم واحد.
ومن آدم حتى زمن رسول الله ﷺ يمثل (٧ دقائق).
ونحن نعيش في آخر ثلاث دقائق من عمر الكون.
وإذا ما قارنا عمر الكون الذي يقدر بمليارات السنين معنى ذلك أن الساعة الواحدة تقدر بملايين السنين والدقيقة الواحدة آلاف السنين، والله أعلم.
﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا﴾: الند: هو ما كان مثل الشيء يضاده في أموره، ويوم التناد يوم التنافر والتشريد. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٢) لمزيد من البيان.
﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: ذا: اسم إشارة، واللام: للبعد يفيد التعظيم.
الرب: الخالق والمالك والمربي والمنعم والرازق.
العالمين: جمع عالم الملائكة والجن والإنس، أو كل موجود سوى الله تعالى.
سورة فصلت [٤١: ١٠]
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾:
﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾: تعود إلى الأرض.
﴿رَوَاسِىَ﴾: جبال، أيْ: لئلا تميد وتضطرب، وكما قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥].
ارجع إلى سورة النحل آية (١٥) وسورة الحجر آية (١٩) للبيان.
стр. 4691
﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾: من فوق الأرض.
﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾: أكثر خيرها بأن خلق فيها الأشجار والثمار، وكل أنواع النبات والحيوانات والمياه والخيرات والبركة تعني الخير والزيادة والنمو.
﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾: أرزاق أهلها. والأقوات: جمع قوت: أقوات الناس والحيوانات.
قدر فيها: قيل: قسم الأرزاق بين العباد والحيوانات. قدَّر كمية الماء واليابسة وقدَّر نسب وأعداد الكائنات الحية وكل ما يتعلَّق بها.
﴿فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾: في تمام أربعة أيام: أيْ: خلق الأرض، ما في الأرض في تمام أربعة أيام، فالله سبحانه خلق السماء والأرض في ستة أيام أو ست مراحل هي: مرحلة الرتق، ثم مرحلة الفتق (الانفجار والدخان) ثم مرحلة التسوية (التميز) ميَّز الأرض إلى سبع أرضين وميَّز السماء إلى سبع سموات، ثم مرحلة (الدحو) وتكوين الغلاف المائي والغازي، ثم مرحلة إلقاء الرواسي (الجبال)، ثم مرحلة تقدير الأقوات، ثم خلق آدم.
وهكذا يمكن القول: أن مرحلة تسوية السماء تمت في نفس الزمن الذي تم فيه تسوية الأرض، أيْ: ميَّز الأرض إلى سبع أرضين وميَّز السماء إلى سبع سموات في نفس الزمن، وكذلك مرحلة الإتيان تمت في نفس الزمن، فلا نفهم أن التسوية والإتيان تمت لكل منهما على حِدَةٍ.
إذن تصبح الأيام الأربعة: الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء.
والقاعدة: كل مجمل يخضع للتفصيل إلا تفصيل العدد فيرجع للمجمل.
فالأربعة أيام هذه تكملة لخلق الأرض في يومين، فاليومان من الأربعة أيام.
وقد يسأل سائل: وهل يحتاج الله سبحانه إلى ٦ أيام وهو قادر على أن يقول للشيء: كن، فيكون؟ فسبحانه لا يُسئل عما يفعل وهم يُسئلون.
стр. 4692
﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾: سواء لا زيادة ولا نقصان، أربعة أيام تامات مستويات.
للسائلين: اللام لام الاختصاص أو التعليل، السائلين: أيْ: من يسئل عنها، وقيل: هي الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة. لا تزيد ولا تنقص.
سورة فصلت [٤١: ١١]
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: لا تدل على التراخي في الزمان، وإنما الترتيب الذكري العددي.
﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: استوى: قصد أو توجَّه إلى السماء.
﴿وَهِىَ دُخَانٌ﴾: وهي في حال دخان. كتلة غازية، فخلق منها السموات السبع والكواكب والنجوم والأقمار والمجرات وكل الأجرام.
﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾: أيْ: أراد تكوين وخلق السماء والأرض حسب ما يشاء.
﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾: كيف خوطبتا واستجابتا يدخل في علم الغيب، ومسألة التأويل، فيجب الوقوف عنده ولا نخوض فيما لا علم لنا به. ويمكن القول: أن الله سبحانه خاطب السموات والأرض كأن لهما عقلاً وأجابتا على سؤاله سبحانه، قالتا: أتينا طائعين.
وقد يشير هذا أو يعني أنه عرض الأمانة على السموات والأرض فأبين أن يحملنها فسخرها، كما قال تعالى في سورة الأعراف الآية (٥٤): ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾.
ورغم أن السموات سبع لم يقلن: أتينا طائعات؛ مما يدل على أنه جعلها كياناً واحداً والأرض كياناً واحداً وأراد لكل منهما كيانه الخاص به.
стр. 4693
ويمكن القول حسب ما توصل العلم: إن خلق السموات والأرض مر بمراحل ست هي:
المرحلة الأولى: كان الكون جرماً واحداً متناهياً في صغر الحجم ومتناهياً في الطاقة والمادة (يفسر قوله تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠]).
المرحلة الثانية: مرحلة الدخان: الناتج عن انفجار هذا الجرم (وهذا يفسره قوله تعالى: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]).
المرحلة الثالثة: مرحلة الإتيان: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
المرحلة الرابعة: مرحلة التسوية، التميز (سوى الأرض سبع أرضين وسوى السماء سبع سموات).
المرحلة الخامسة: مرحلة الدحو: (إخراج الغلاف المائي والغازي) وإرساء الجبال.
المرحلة السادسة: قدَّر فيها أقواتها.
ولا يجوز القول أن الله خلق الأرض أولاً، ثم السماء ثانياً، فهو خلق أرضاً واحدة وسماء واحدة في زمن واحد، وبعد ذلك ميَّزها إلى سبع أرضين وسبع سموات.
стр. 4694
سورة فصلت [٤١: ١٢]
﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾:
﴿فَقَضَاهُنَّ﴾: الفاء للمباشرة والتعقيب. قضاهنَّ: من قضى بمعنى خلق أو أمر أو قضى بمعنى انتهى وأتم، أيْ: أتمهنَّ.
﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ﴾: سبع سموات طباقاً، أيْ: سبع كرات عظيمة يغلف الخارج منها الداخل مركزها الأرض التي لا تقارن بحجم السموات والتي بدورها، أي: الأرض مكوَّنة من سبع أرضين (سبع طبقات) فقضاهنَّ سبع سموات في يومين، أيْ: سواهنَّ أو ميزهنَّ إلى سبع سموات، ونحن لا نعلم إلا الشيء القليل عن السماء الدنيا، وأما باقي السموات لا يعلمها إلا الله سبحانه.
﴿وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾: خلق في كل سماء خلقها أو ما أراد أن يكون فيها.
﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾: المصابيح هي النجوم. وحفظاً: من الشياطين الذي يسترقون السمع. أو حفظناها حفظاً من الشياطين لمنعهم من استراق السمع بالشهب الثاقبة والشهب المبينة التي تحرق الشياطين حين يحاولون أن يخطفوا الخطفة.
стр. 4695
ارجع إلى سورة الصافات آية (١٠) للبيان.
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد يشير إلى الخلق والتزيين والإيحاء.
﴿تَقْدِيرُ﴾: الخلق هو التقدير. أيْ: ذلك خلق العزيز العليم.
﴿الْعَزِيزِ﴾: الذي يَغْلِب ولا يُغلَب ويَقهَر ولا يُقهَر، والممتنع لا يضره أحدٌ.
﴿الْعَلِيمِ﴾: في تدبير خلقه وكونه أحاط علمه بجميع خلقه، العليم صيغة مبالغة تعني: كثير العلم، وهو كذلك عالم الغيب والشهادة وعلام الغيوب.
سورة فصلت [٤١: ١٣]
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾:
﴿فَإِنْ﴾: الفاء عاطفة، إن: شرطية تفيد الاحتمال أو الافتراض والشك.
﴿أَعْرَضُوا﴾: أيْ: كفار قريش أعرضوا، أي: ابتعدوا أو تولَّوا أو انصرفوا عن الإيمان والتوحيد، أعرضوا عما تدعوهم إليه.
﴿فَقُلْ﴾: لهم الفاء جواب الشرط.
﴿أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾: الإنذار هو الإعلام مع التحذير والتخويف.
﴿صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾: الصاعقة كالبرق الذي يؤدِّي إلى توليد طاقة كهربائية بين السحب والأرض، والتي تدوم قليلاً من الزمن، وتحمل في طياتها شحنات كهربائية تتراوح بين (١٢٠٠٠) و (٢٠٠٠٠) أمبير تؤدِّي إلى صعق الإنسان وموته بالتأثير في قلبه حالاً والقضاء عليه.
следующие страницы →