← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾: من فوق الأرض. ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾: أكثر خيرها بأن خلق فيها الأشجار والثمار، وكل أنواع النبات والحيوانات والمياه والخيرات والبركة تعني الخير والزيادة والنمو. ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾: أرزاق أهلها. والأقوات: جمع قوت: أقوات الناس والحيوانات. قدر فيها: قيل: قسم الأرزاق بين العباد والحيوانات. قدَّر كمية الماء واليابسة وقدَّر نسب وأعداد الكائنات الحية وكل ما يتعلَّق بها. ﴿فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾: في تمام أربعة أيام: أيْ: خلق الأرض، ما في الأرض في تمام أربعة أيام، فالله سبحانه خلق السماء والأرض في ستة أيام أو ست مراحل هي: مرحلة الرتق، ثم مرحلة الفتق (الانفجار والدخان) ثم مرحلة التسوية (التميز) ميَّز الأرض إلى سبع أرضين وميَّز السماء إلى سبع سموات، ثم مرحلة (الدحو) وتكوين الغلاف المائي والغازي، ثم مرحلة إلقاء الرواسي (الجبال)، ثم مرحلة تقدير الأقوات، ثم خلق آدم. وهكذا يمكن القول: أن مرحلة تسوية السماء تمت في نفس الزمن الذي تم فيه تسوية الأرض، أيْ: ميَّز الأرض إلى سبع أرضين وميَّز السماء إلى سبع سموات في نفس الزمن، وكذلك مرحلة الإتيان تمت في نفس الزمن، فلا نفهم أن التسوية والإتيان تمت لكل منهما على حِدَةٍ. إذن تصبح الأيام الأربعة: الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء. والقاعدة: كل مجمل يخضع للتفصيل إلا تفصيل العدد فيرجع للمجمل. فالأربعة أيام هذه تكملة لخلق الأرض في يومين، فاليومان من الأربعة أيام. وقد يسأل سائل: وهل يحتاج الله سبحانه إلى ٦ أيام وهو قادر على أن يقول للشيء: كن، فيكون؟ فسبحانه لا يُسئل عما يفعل وهم يُسئلون.

стр. 4692

﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾: سواء لا زيادة ولا نقصان، أربعة أيام تامات مستويات. للسائلين: اللام لام الاختصاص أو التعليل، السائلين: أيْ: من يسئل عنها، وقيل: هي الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة. لا تزيد ولا تنقص. سورة فصلت [٤١: ١١] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: لا تدل على التراخي في الزمان، وإنما الترتيب الذكري العددي. ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: استوى: قصد أو توجَّه إلى السماء. ﴿وَهِىَ دُخَانٌ﴾: وهي في حال دخان. كتلة غازية، فخلق منها السموات السبع والكواكب والنجوم والأقمار والمجرات وكل الأجرام. ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾: أيْ: أراد تكوين وخلق السماء والأرض حسب ما يشاء. ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾: كيف خوطبتا واستجابتا يدخل في علم الغيب، ومسألة التأويل، فيجب الوقوف عنده ولا نخوض فيما لا علم لنا به. ويمكن القول: أن الله سبحانه خاطب السموات والأرض كأن لهما عقلاً وأجابتا على سؤاله سبحانه، قالتا: أتينا طائعين. وقد يشير هذا أو يعني أنه عرض الأمانة على السموات والأرض فأبين أن يحملنها فسخرها، كما قال تعالى في سورة الأعراف الآية (٥٤): ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾. ورغم أن السموات سبع لم يقلن: أتينا طائعات؛ مما يدل على أنه جعلها كياناً واحداً والأرض كياناً واحداً وأراد لكل منهما كيانه الخاص به.

стр. 4693

ويمكن القول حسب ما توصل العلم: إن خلق السموات والأرض مر بمراحل ست هي: المرحلة الأولى: كان الكون جرماً واحداً متناهياً في صغر الحجم ومتناهياً في الطاقة والمادة (يفسر قوله تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠]). المرحلة الثانية: مرحلة الدخان: الناتج عن انفجار هذا الجرم (وهذا يفسره قوله تعالى: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]). المرحلة الثالثة: مرحلة الإتيان: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. المرحلة الرابعة: مرحلة التسوية، التميز (سوى الأرض سبع أرضين وسوى السماء سبع سموات). المرحلة الخامسة: مرحلة الدحو: (إخراج الغلاف المائي والغازي) وإرساء الجبال. المرحلة السادسة: قدَّر فيها أقواتها. ولا يجوز القول أن الله خلق الأرض أولاً، ثم السماء ثانياً، فهو خلق أرضاً واحدة وسماء واحدة في زمن واحد، وبعد ذلك ميَّزها إلى سبع أرضين وسبع سموات.

стр. 4694

سورة فصلت [٤١: ١٢] ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾: ﴿فَقَضَاهُنَّ﴾: الفاء للمباشرة والتعقيب. قضاهنَّ: من قضى بمعنى خلق أو أمر أو قضى بمعنى انتهى وأتم، أيْ: أتمهنَّ. ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ﴾: سبع سموات طباقاً، أيْ: سبع كرات عظيمة يغلف الخارج منها الداخل مركزها الأرض التي لا تقارن بحجم السموات والتي بدورها، أي: الأرض مكوَّنة من سبع أرضين (سبع طبقات) فقضاهنَّ سبع سموات في يومين، أيْ: سواهنَّ أو ميزهنَّ إلى سبع سموات، ونحن لا نعلم إلا الشيء القليل عن السماء الدنيا، وأما باقي السموات لا يعلمها إلا الله سبحانه. ﴿وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾: خلق في كل سماء خلقها أو ما أراد أن يكون فيها. ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾: المصابيح هي النجوم. وحفظاً: من الشياطين الذي يسترقون السمع. أو حفظناها حفظاً من الشياطين لمنعهم من استراق السمع بالشهب الثاقبة والشهب المبينة التي تحرق الشياطين حين يحاولون أن يخطفوا الخطفة.

стр. 4695

ارجع إلى سورة الصافات آية (١٠) للبيان. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد يشير إلى الخلق والتزيين والإيحاء. ﴿تَقْدِيرُ﴾: الخلق هو التقدير. أيْ: ذلك خلق العزيز العليم. ﴿الْعَزِيزِ﴾: الذي يَغْلِب ولا يُغلَب ويَقهَر ولا يُقهَر، والممتنع لا يضره أحدٌ. ﴿الْعَلِيمِ﴾: في تدبير خلقه وكونه أحاط علمه بجميع خلقه، العليم صيغة مبالغة تعني: كثير العلم، وهو كذلك عالم الغيب والشهادة وعلام الغيوب. سورة فصلت [٤١: ١٣] ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء عاطفة، إن: شرطية تفيد الاحتمال أو الافتراض والشك. ﴿أَعْرَضُوا﴾: أيْ: كفار قريش أعرضوا، أي: ابتعدوا أو تولَّوا أو انصرفوا عن الإيمان والتوحيد، أعرضوا عما تدعوهم إليه. ﴿فَقُلْ﴾: لهم الفاء جواب الشرط. ﴿أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾: الإنذار هو الإعلام مع التحذير والتخويف. ﴿صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾: الصاعقة كالبرق الذي يؤدِّي إلى توليد طاقة كهربائية بين السحب والأرض، والتي تدوم قليلاً من الزمن، وتحمل في طياتها شحنات كهربائية تتراوح بين (١٢٠٠٠) و (٢٠٠٠٠) أمبير تؤدِّي إلى صعق الإنسان وموته بالتأثير في قلبه حالاً والقضاء عليه.

стр. 4696

سورة فصلت [٤١: ١٤] ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾: ﴿إِذْ﴾: ظرف زمان للماضي. ﴿جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾: هود وصالح والرسول يمثل الرسل كقوله: كذبت عاد المرسلين، أيْ: هود. فأما هود ﵇ فأرسل إلى عاد، وأما صالح ﵇ فأرسل إلى ثمود. ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: من تدل على القرب، أيْ: من دون فاصل زمني. أيديهم: أيْ: جاءت آباءَهم ومن كان قبلهم. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: أيْ: مباشرة جاءت من خلف الآباء، أيْ: جاءت الأبناء، أيْ: أنفسهم أو جاءتهم الرسل يدعونهم مباشرة إلى الإيمان والتوحيد جاؤوهم من أمامهم ومن خلفهم قائلين لهم. ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾: أيْ: ألحوا عليهم بالدعوة في كل مكان، ليلاً ونهاراً. ﴿أَلَّا﴾: أن لا، أن: مصدرية تفيد التعليل والتوكيد، لا: ناهية. تعبدوا إلا: أداة حصر. العبادة: لتعريفها، ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣). ﴿قَالُوا﴾: أيْ: قوم هود وقوم صالح. ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا﴾: لو: شرطية، ربنا: أيْ: خالقنا ومتولي أمورنا، ولم يقولوا: لو شاء الله؛ لأن الله هو المعبود، ويأتي ذكره في سياق العبادة، واختار اسم الرب؛ لأن الرب هو الهادي (بيده الهداية) والمربي.

стр. 4697

﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾: لأنزل: اللام: للتوكيد؛ أنزل ملائكة بدلاً من الرسل، أيْ: ما أنتم إلا بشر مثلنا، وتأكلون مما نأكل وتشربون مما نشرب. ﴿فَإِنَّا﴾: الفاء للتوكيد، إنا: للتوكيد. ﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق، ما: الذي، أرسلتم به: من الإيمان بالله وحده والبعث والحساب والاستغفار والتوبة. ﴿كَافِرُونَ﴾: جاحدون أو غير مصدِّقين. كافرون: جملة اسمية تدل على الثبوت والإصرار عليه وعدم التفكير بالتوبة. سورة فصلت [٤١: ١٥] ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾: ﴿فَأَمَّا﴾: الفاء استئنافية، أما: حرف تفصيل. ﴿عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: أيْ: أظهروا تكبرهم وعظم شأنهم فوق ما يستحقون، استكبروا: طلبوا الكبر وهم ليسوا أهلاً له؛ استكبروا: بالغوا في الكبر، أو عندهم مقوِّمات الكبر الحقيقية. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لمزيد من البيان، والفرق بين الاستكبار والتكبر. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: بالباطل والعدوان والفساد والظلم والقتل وغيره. أما الاستكبار في الأرض بالحق: فعندما يتكبَّر على عدو الله الذي يستهزئ بما أنزل الله أو بالآيات والقرآن وبالرسول، فهذا استكبار بالحق.

стр. 4698

﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾: من: استفهامية، أشد منا قوة: تقديم منا الجار والمجرور لتدل على التوكيد. أيْ: لا أحد أقوى منا قوة. وكانوا ذوي قوة وصلابة في البنية وذوي أجسام قوية فاغتروا بما بنوه من المصانع والجنات وبأجسامهم وقوتهم حين هدَّدهم هود ﵇ بالعذاب. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: الهمزة في أولم للاستفهام، والواو للتوكيد. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: أن للتعليل والتوكيد. ﴿الَّذِى خَلَقَهُمْ﴾: اسم موصول يفيد التعظيم. ﴿هُوَ﴾: تفيد التوكيد. ﴿أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾: عدَّة وعتاد وجنود السموات والأرض. ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾: بآيات الله التي جاء بها هود ﵇ يجحدون والجحد: هو إنكار الشيء الظاهر من الآيات، والجحد هو إنكار متعمَّد. ارجع إلى سورة النمل آية (١٤) لمزيد من البيان. ولم يقل جحدوا: لأنه يريد أن يأتي بصيغة المضارع ليدل على حكاية الحال، أيْ: إظهار فعل جحدهم الآن ليدل على قبح فعلهم وإنكارهم. سورة فصلت [٤١: ١٦] ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾: الفاء استئنافية، عليهم: على تفيد المشقة والعلو.

стр. 4699

﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾: الريح في القرآن تستعمل في سياق العذاب والدمار، أما الرياح فتستعمل في سياق الرحمة. ريحاً صرصراً: أصل صرصر من الصر وهو البرد الشديد. أيْ: ريحاً شديدة البرودة ولها صوت عند هبوبها. فهي تجمع صفتين: البرودة الشديدة وعندما تهب لها صوت، فالبرودة الشديدة تؤذي الجسم فتؤدِّي إلى انقباض الأوعية الدموية في الجلد. وتؤدِّي في النهاية إلى موت الجلد، وبالتالي الحاجة إلى بتر العضو أو الطرف كاليد أو القدم. ﴿فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾: في: ظرفية زمانية، أيام نحسات: لها معانٍ: مشؤومات، وقيل: شداد أو متتابعات أو ذوات شر ونحوس. ﴿لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: اللام للتوكيد والاختصاص، نذيقهم عذاب الخزي: الخزي: الذل والفضيحة لنذلهم ونفضحهم في الدنيا أمام الآخرين. ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾: ولعذاب اللام للتوكيد، عذاب الآخرة أخزى: على وزن أفعل، أيْ: أشد خزياً وفضيحة. ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾: هم: للتوكيد، لا: النافية، ينصرون: لا يجدون من ينصرهم أو يعينهم أو يدفع عنهم العذاب. سورة فصلت [٤١: ١٧] ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: ﴿وَأَمَّا﴾: حرف تفصيل.

стр. 4700

﴿ثَمُودُ﴾: قوم ثمود ونبيهم صالح ﵇ (من أنبياء العرب). ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾: الفاء: للتوكيد، هديناهم: لا تعني حصلت لهم الهداية، وإنما دللناهم وبينا لهم طريق الهدية أو سبيل الخير وسبيل الشر بعبادة الله وحده وعدم عقر الناقة وعدم مسِّها بسوء. ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾: أي: اختاروا الكفر على الإيمان أو طريق الضلالة على النور. والعمى عمى البصيرة على الهدى والرشاد. وعقروا الناقة وقالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا من العذاب إن كنت من الصادقين وهموا بقتل صالح وأهله. ارجع إلى سورة النمل آية (٤٩) للبيان. ﴿فَأَخَذَتْهُمْ﴾: الفاء: للمباشرة والتعقيب، أخذتهم: حلت بهم الصاعقة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. ﴿صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾: ارجع إلى الآية (١٣) من نفس السورة. العذاب الهون: العذاب الأليم المصحوب بالإهانة، الهون: المهين والذلة. ﴿بِمَا﴾: الباء: باء السببية أو البدلية، ما: بمعنى الذي، وما: أوسع شمولاً من الذي، أو مصدرية. ﴿كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: من الشرك والظلم والكفر والسيئات، ولم يقل: يكتسبون. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٨٦) للفرق بين كسبت واكتسبت.

стр. 4701

سورة فصلت [٤١: ١٨] ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: ﴿وَنَجَّيْنَا﴾: تدل على طول الزمن بينما أنجينا: تدل على السرعة أو قصر الزمن. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: أيْ: صالح والذين آمنوا معه. وكانوا يتقون: يطيعون أوامر الله ويجتنبون نواهيه. سورة فصلت [٤١: ١٩] ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: ﴿يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾: الحشر: هو السوق والجمع، أيْ: يساقون إلى أرض المحشر ويجمعون هناك للحساب والجزاء، وأما النشر فهو الإحياء. ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾: من الكفار والمشركين أعداء الدين الذين كذبوا بالله وآياته ورسله. ﴿إِلَى النَّارِ﴾: إلى: تفيد كل الغايات. ﴿فَهُمْ﴾: الفاء عاطفة هم للتوكيد. ﴿يُوزَعُونَ﴾: من الوزع: أي: الكف والمنع وزعه عن الأمر: أيْ: كفه أو منعه، أيْ: يكف أو يمنع أولهم عن التقدُّم، وآخرهم عن التأخُّر حتى يلحق الآخِر بالأول، أو يجتمع أولهم وآخرهم، ثم يساقون إلى النار زمراً زمراً. سورة فصلت [٤١: ٢٠] ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ﴿حَتَّى﴾: حرف لنهاية الغاية وهي الوصول إلى جهنم. ﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية.

стр. 4702

﴿مَا﴾: للتوكيد. (وكانت تسمى: ما الزائدة). ﴿جَاءُوهَا﴾: أيْ: أعداء الله وصلوا إلى النار بصعوبة ومشقة. المجيء فيه معنى الصعوبة والمشقة بعكس الإتيان يكون فيه معنى السهولة. ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ﴾: أيْ: تشهد عليهم حواسهم تشهد على أصحابها. ولماذا خص الجلود عن بقية الحواس، وليست الأيدي والأرجل أو غيرها؟ لأن الجلود هي التي ذكرت من بين الأعضاء، أما الأطراف التي ستعذب كما قال تعالى في سورة النساء آية (٥٦): ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. ﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق، ما: بمعنى الذي، ولكنها أعم وأشمل. ﴿كَانُوا﴾: في الدنيا. ﴿يَعْمَلُونَ﴾: العمل يشمل القول والفعل، أيْ: ما كانوا يقولون ويفعلون. ولا ننسى أن هناك شهوداً آخرين؛ الملائكة والأيدي والأرجل والألسن والأرض والسماء كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]، وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤].

стр. 4703

سورة فصلت [٤١: ٢١] ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِى أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: ﴿وَقَالُوا﴾: أيْ: قال أعداءُ الله يوم القيامة. ﴿لِجُلُودِهِمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، والجلود تمثل حاسة اللمس. والجلود قيل: الجلود نفسها وقيل: الجلود الجوارح. أو اختار الجلود في هذه الآية من بين الأعضاء الأخرى. ﴿لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا﴾: لم: استفهام إنكاري واستبعاد أن تشهد عليهم جلودهم وتعجُّب، لم شهدتم علينا (أيْ: ضدنا) ولم يقل: شهدتم لنا (أيْ: لصالحنا) أيْ: كيف شهدتم علينا وكنا ندافع عنكم في الدنيا أو نحميكم. ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾: القادر على إنطاق كل شيء، وهذا ليس بأمر عجب على قدرة الله سبحانه. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التعظيم. ﴿أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾: شيء نكرة تعم الحيوان والنبات والشجر والسماء والأرض والألسن والأيدي وغيرها. ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: وهو سبحانه خلقكم بداية فهو قادر على إنطاق كل شيء خلقه، وإليه: تقديمها يدل على الحصر والقصر، أيْ: إليه وحده ترجعون سواء شئتم أم أبيتم، ولم يقل: وترجعون إليه.

стр. 4704

سورة فصلت [٤١: ٢٢] ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَمَا كُنتُمْ﴾: ما: النافية، كنتم في الدنيا حين كنتم ترتكبون الفواحش. ﴿تَسْتَتِرُونَ﴾: خوفاً من ﴿يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾: أيْ: لمَ تخافون الآن من جلودكم وسمعكم وأبصاركم أن تشهد عليكم، وحينما كنتم في الدنيا لم تخافوا من ارتكاب الفواحش والآثام، وكنتم تجاهرون بها وما كنتم تستترون آنذاك أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم أو لأنكم غير قادرين على الاستخفاء، أو لأنكم كنتم لا تؤمنون بالبعث والحساب ولا تظنون أنكم إلينا راجعون. وتكرار (لا) ثلاث مرات تفيد توكيد نفي التستر. فالأبصار تشهد بما رأت والآذان تشهد بما سمعت والجلود بما لامست. ﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك. ﴿ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾: ظننتم الظن الراجح الذي فيه درجة الإثبات أعلى من درجة النفي. أن الله: للتوكيد، لا: النافية. لا يعلم كثيراً مما (من الذي) تعلمون: أيْ: في الخفاء أو كثيراً مما تعلمون في الدنيا وتعملون تضم الأقوال والأفعال، ولم يقل: عملتم. تعملون: تدل على حكاية الحال، أيْ: قبح أعمالهم أو تكرار وتجدُّد ما عملوا. سورة فصلت [٤١: ٢٣] ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ﴾: اسم إشارة يفيد التوكيد، ويشير إلى ظنهم السيِّئ بعدم العلم. وذلكم، ولم يقل: وذلك؛ لأن ذلكم تستعمل في القرآن في مقام التوكيد والتوسع والجمع، وذلك تستعمل في الأمور الأقل توكيداً والمفردة.

стр. 4705

﴿الَّذِى ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾: أيْ: أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون، ولذلك تجرّأتم على فعل المعاصي. ﴿أَرْدَاكُمْ﴾: من الرّدى، أي: الهلاك، أيْ: أهلككم أو طرحكم في النار جزاءً بما كنتم تكسبون. ﴿فَأَصْبَحْتُم﴾: الفاء: للتوكيد، أصبحتم: من فعل أصبح من أفعال الشروع؛ أي: صرتم. ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: من ابتدائية بعضية، أيْ: بعض الخاسرين لأنفسهم وربما لأهليهم. سورة فصلت [٤١: ٢٤] ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: للعطف، إن شرطية تفيد الاحتمال أو الشك. ﴿يَصْبِرُوا﴾: فلن ينفعهم الصبر. ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾: أيْ: مكان إقامتهم الدائم المؤبد، المكان الضيق المطبق عليهم والمكرهين والمجبرين عليه. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٥). ﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والشك. ﴿يَسْتَعْتِبُوا﴾: يطلبوا أو يسألوا العتبى أنفُسُهُم لكي يعتذروا إلى الله على ما فعلوا لكي يرضى الله عنهم، والعتاب حوار بلطف للدفاع عن التقصير الذي حصل منهم في الحياة الدنيا. ويجب الانتباه إلى هذه الآية الوحيدة التي يطلبون فيها العتبى بأنفسهم. بينما الآيات الأخرى يُستعتبون بضم الياء، أيْ: يُطلب منهم العتبى. كما في سورة النحل آية (٨٤) وسورة الروم آية (٥٧) وسورة الجاثية آية (٣٥).

стр. 4706

﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾: فما: الفاء: جواب الشرط، ما: النافية. هم: ضمير فصل يفيد التوكيد. من: ابتدائية بعضية. المعتبين: أيْ: لا يسمح لهم بالعتاب أو الاعتذار سواء طلبوا ذلك بأنفسهم أو طلب غيرهم لهم العُتبى. سورة فصلت [٤١: ٢٥] ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِم مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ﴾: هيأنا وأتحنا، اللام في لهم لام الاختصاص، أيْ: خاصة بهم، وتعود على أعداء الله. ﴿قُرَنَاءَ﴾: جمع قرين والقرين: الصاحب الذي لا فائدة منه ولا منفعة، بل ضرر وخسارة، والقرين: هو الشيطان؛ أيْ: هيأنا لهم أتباعاً يتبعونهم أينما ذهبوا أو يصاحبونهم. والصاحب غير القرين، الصاحب الذي تنطوي صحبته على محبة ومنفعة. فزينوا: الفاء للتوكيد. ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: بالوسوسة والإغراء والضلال، وزينوا لهم الباطل والشرك والكفر. زينوا لهم اللَّذَّات والشهوات الدنيا المحرمة والمعاصي، والبدع والضلالات، ومحاربة الله ورسوله. ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما بين أيديهم من أمر الآخرة القادم بالإضلال والتكذيب والشك والريبة بأن ليس هناك آخرةً وحساباً وجزاءً. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: من أمور الدنيا زينوا لهم المحرمات والشهوات. أو بالعكس ما بين أيديهم من أمور الدنيا وما خلفهم من أمور الآخرة مثل الجنة

стр. 4707

والنار والحساب والبعث. أو ما بين أيديهم، أيْ: ما فعلوه وما خلفهم، أيْ: ما عزموا على فعله أو سيفعلونه. ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: وجب أو ثبت عليهم القول: قيل: العذاب أو القول ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨]. ﴿فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِم﴾: في: ظرفية، قد: للتحقيق، خلت: مضت أو هلكت. ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾: بتكذيبهم الرسل أو لتكذيبهم الرسل وسوءُ أفعالهم وعدم إيمانهم، كانوا خاسرين لاستحقاقهم العذاب. وقدَّم الجن على الإنس حسب القدم في الأرض. ﴿إِنَّهُمْ﴾: أيْ: هم والأمم، للتوكيد. ﴿كَانُوا خَاسِرِينَ﴾: لأنفسهم ولأهليهم أيضاً؛ لأنهم أدخلوهم النار معهم أو إذا أهلهم دخلوا الجنة فلن يروا أهلهم؛ لأنهم سيكونون هم في النار وأهلهم في الجنة. خاسرين: جمع خاسر تدل على ثبوت صفة الخسارة. ارجع إلى سورة النساء آية (١١٩)، وسورة هود آية (٢٢) لبيان معنى خاسرين، والأخسرون. سورة فصلت [٤١: ٢٦] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: من قريش وغيرهم. ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾: لا: الناهية، تنصتوا لهذا القرآن إذا قَرَأَه عليكم محمد ﷺ . ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾: ارفعوا أصواتكم حين قراءته وتكلَّموا مع بعضكم بعضاً كلاماً لغواً لا فائدة فيه، كلاماً: كالصفير والصياح واللهو أو العبث.

стр. 4708

﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾: لعل: للتعليل، تغلبون: فيتوقف عن القراءة أو لا يُفهم ما يقول. سورة فصلت [٤١: ٢٧] ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِى كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ﴾: الفاء واللام والنون، كلها للتوكيد، أيْ: يوم القيامة. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾: لصدِّ الناس عن سماع القرآن واللَّغو فيه وبسبب كفرهم. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾: اللام والنون للتوكيد، ولنجزيهم في الآخرة أسوأ الذي كانوا يعملون، أيْ: نجزينَّهم أقبح أعمالهم في الدنيا مثل الشرك. أما بالنسبة للأعمال الصالحة فقد حبطت وذهبت هباءً منبثّاً بسبب الشرك. ولا بُدَّ من مقارنة هذه الآية (٢٧) من سورة فصلت مع الآية في قوله تعالى: ﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤]. ما: أوسع شمولاً من (الذي) كانوا يعملون: تعني كل شيء كانوا يعملون فيه إطلاق بينما الذي كانوا يعملون: الذي، أي: فقط الذي يعملون من اللغو وعدم السماع للقرآن فيه تحديد واختصاص، وما تشمل الذي وغيره مما كانوا يعملون. سورة فصلت [٤١: ٢٨] ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد وهو يفيد الذم، ويشير إلى أن العذاب الشديد هو جزاء أعداء الله. ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾: العذاب الشديد في النار. ﴿لَهُمْ فِيهَا﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، فيها: في النار: في ظرفية. ﴿دَارُ الْخُلْدِ﴾: دار الإقامة الخالدة، ويبدأ الخلود من زمن دخولهم إياها إلى ما لا نهاية.

стр. 4709

﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾: ارجع إلى الآية (١٥) من نفس السورة للبيان. ﴿بِمَا﴾: الباء باء السببية أو البدلية. ما: بمعنى الذي أو مصدرية وما مطلقة تشمل كل شيء. سورة فصلت [٤١: ٢٩] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعد أن أُدخلوا النار. ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ﴾: اللَّذَيْنِ اسم موصول للمثنى، ﴿أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾: أيْ: شياطين الجن والإنس أو الرؤساء من الجن والإنس الذين زيَّنوا لنا الكفر والشرك والمعصية. ﴿أَرِنَا﴾: أيْ: أطلعنا على هؤلاء اللذين أضلانا. ﴿أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾: عن طريق الحق، أبعدَانا وزيَّنا لنا طريق الضلال والباطل. ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾: في النار انتقاماً منهما. ﴿لِيَكُونَا﴾: اللام لام التوكيد. ﴿مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾: من: ابتدائية بين الأذلين المهانين في الدرك الأسفل من النار. أرادوا بهذا القول إيقاع اللوم على شياطينهم من الجن والإنس، أو رؤسائِهم.

стр. 4710

سورة فصلت [٤١: ٣٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾: إن: للتوكيد، ربنا الله: جمعوا بين وحدانية الربوبية ووحدانية الألوهية والأسماء والصفات. أيْ: آمنوا بالله وحده وهو خالقهم. ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: ثم حرف عطف، يدل على تباين منزلة الاستقامة على الإيمان، وليست للترتيب والتراخي في الزمن، وإنما تدل على ما بعدها أعظم مما قبلها. اسْتَقامُوا: التزموا بمنهج الله والقرآن والسنة، والدوام على تقوى الله بإطاعة أوامره وتجنب نواهيه، والتزموا بالوسطية، لا إفراط ولا تفريط. وأخلصوا دينهم لله بالتوحيد (الألوهية والربوبية والصفات والأسماء). والاستقامة: نقيضها: الاعوجاج ومشتقة من السير على طريق مستقيم لا اعوجاج فيه. ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾: تتنزل على المؤمنين في حالة الاحتضار مرحلة الوفاة التي تسبق الموت، أيْ: خروج الروح من البدن، ولم يقل: تنزل كما في قوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]؛ تتنزل: تدل على كثرة التنزل كما هي الحال لقبض الأرواح عند الموت، وهذا يحدث بكثرة، بينما تنزل (تاء واحدة): تدل على قلة التنزل، كما يحدث في ليلة القدر تنزل الملائكة والروح مرة في العام، وليس دائماً، كما نراه حين الوفاة والموت.

стр. 4711

﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾: ألا: مركبة من أن ولا. أن: مصدرية للتعليل والتوكيد، لا: الناهية. تخافوا: من الموت أو البرزخ أو يوم البعث والآخرة. ألا تخافوا: مما هو قادم عليكم والخوف هو الغمُّ الناتج لتوقُّع مكروه قادم مشكوك في وقوعه. ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾: وتكرار (لا): يفيد التوكيد، ولا تحزنوا على ما خلفكم من أهل وولد ومال، ولا تخافوا ولا تحزنوا لفصل الخوف عن الحزن كلًّا على حِدَةٍ، أو كلاهما معاً، والحزن: هو الغمُّ الناتج عن أمر وقع أو فوات نفع في الماضي، لا تخافوا ولا تحزنوا من الآن فصاعداً. وتحزَنوا: من الحزَن، ولمعرفة الفرق بين الحَزن والحُزن، ارجع إلى سورة الأنعام آية (٣٣) للبيان. ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾: الباء: باء الإلصاق، وتدخل على ما هو مدار الكلام، والبشرى: الإخبار بأمر مُسر لأول مرة بالجنة. ارجع إلى سورة النحل آية (٨٩) لمزيد من البيان في معنى بشرى. ﴿الَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾: كنتم في الحياة الدينا توعدون على ألسنة الرسل وفي القرآن وأحاديث الرسول ﷺ . سورة فصلت [٤١: ٣١] ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِى الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾: ﴿نَحْنُ﴾: للتعظيم وتعود على الملائكة. ﴿أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: الولي المعين، أيْ: نحن حفظة أعمالكم في الدنيا ونتولَّى أموركم بأمر من الله كقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. أيْ: هم الحفظة من الملائكة. ﴿وَفِى الْآخِرَةِ﴾: نشفع لكم ونتولَّى أموركم، كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤].

стр. 4712

﴿وَلَكُمْ فِيهَا﴾: أيْ: في الجنة. ﴿مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ﴾، ما: بمعنى الذي، وأوسع شمولاً من الذي. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾: تطلبون وتتمنون من الادِّعاء وهو التمني والطلب. وما: للشمول بينما الذي خاصة. سورة فصلت [٤١: ٣٢] ﴿نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾: ﴿نُزُلًا﴾: مشتقة من النُزل وهو ما يهيأ ويعد للضيف من قِرى وتكريم وحفاوة يتضمن المسكن ومكان الإقامة والمأكل والمشرب. ﴿مِّنْ﴾: ابتدائية. ﴿غَفُورٍ﴾: صيغة مبالغة كثير الغفران، أي: الساتر لذنوب عباده والمتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم، يغفر الذنوب جميعاً، وغفور تعني: يغفر الذنوب العظام والجسام وغفار صيغة مبالغة أيضاً تعني: يغفر الذنوب الكثيرة. ﴿رَّحِيمٍ﴾: بعباده المؤمنين كثير الرحمة، وسعت رحمته كل شيء، وهو أرحم الراحمين. رحيم تدل على ثبوت صفة الرحمة عنده. والرحمن تدل على تجدُّد وتكرُّر صفة الرحمة عنده، والرحمن: صفة عامة، والرحيم: صفة خاصة. سورة فصلت [٤١: ٣٣] ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾: من: استفهامية تحمل معنى النفي، أيْ: لا أحسن ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً، وقال: إنني من المسلمين. والجواب محذوف، ولكنه مفهوم، أيْ: لا أحد أحسن قولاً وأحسن على وزن أفعل التفضيل، أيْ: أفضل. ﴿قَوْلًا﴾: تشمل القول والخطابة والكتابة، وأي وسيلة من وسائل النشر. ﴿مِمَّنْ﴾: من: الأولى ابتدائية ومن الثانية: اسم موصول بمعنى الذي، وتشمل المفرد والمثنى والجمع والذكر والأنثى.

стр. 4713

﴿دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾: دعا إلى الإيمان بالله وعبادته وتوحيده والدخول في الإسلام وإعلاء كلمة الله ودينه. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: بتأدية الفروض والسنن والنوافل وكل ما فيه خير. ﴿وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: أسلم وجهه لله وحده، أيْ: أخلص في إسلامه ولا يعني فقط نطق الشهادة، بل لا بُدَّ من اعتناق الإسلام وتطبيقه والتقوى والإحسان، وأول داع من هذه الأمة كان محمداً ﷺ وترك لأمته أن تحمل أمانة الدعوة من بعده، وقال: إنني، ولم يقل: إني؛ إنني (زيادة النون) تدل على زيادة التوكيد مقارنة بقوله إني من المسلمين. سورة فصلت [٤١: ٣٤] ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾: ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾: الواو استئنافية. أيْ: لا تستويان في الجزاء والأجر. والاستواء قد يقصد به الاستواء في الجنس، أيْ: حسنة أعظم من حسنة أو سيئة أكبر من سيئة. الحسنة: تعريفها لغةً: مؤنث حسن، عمل أو قول صالح ضد السيئة، والحسنة: هي الأعلى في الحسن، واصطلاحاً: هي كل عمل خير من قول أو فعل يورث ثواباً. أو هي كل ما يستحسنه الشرع ويتمثل بإطاعة أوامر الله وتجنب نواهيه من قول أو فعل يورث ثواباً. وقال الراغب: الحسنة يعبر بها عن كل ما يسر من نعمة تنال الإنسان في نفسه وبدنه وماله. والسيئة لغةً: مؤنث سيء ذنب أو خطيئة عكس حسنة، ويعاقب عليها، وقيل: السيئة: الصغير من الذنوب، وقيل: الخطيئة، وقال الراغب: السيئة: الفعلة القبيحة، وهي ضد الحسنة، وقيل: هي ما يكرهها الله ويعاقب عليها. وتكرار (لا) يفيد التوكيد. كان بالإمكان القول ولا تستوي الحسنة والسيئة، ولكن أضاف ولا السيئة للتوكيد، وفصل كل منهما عن الآخر، أيْ: لا تستوي

стр. 4714

الحسنة مع السيئة ولا تستوي الحسنة مع الحسنة، ولا تستوي سيئة مع سيئة، فالحسنات درجات والسيئات درجات. ﴿ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾: الدفع: أي: الرد بقوة. أما الدرء فهو الرد بسرعة. فدفع (أي: ردُّ) السيئة بالحسنة وبالعفو والصفح ودفع الذم بالمدح والجهل بالعلم والتسرع بالحلم والصبر. وقد ورد درء السيئة بالحسنة في آيتين، فقال تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢] و [القصص: ٥٤]. والدرء يعني كما قلنا: دفع أو رد السيئة بالحسنة بقوة وبسرعة، ومن دون تأخير. ﴿فَإِذَا﴾: الفاء للترتيب والتعقيب. إذا: ظرفية زمانية تفيد المفاجأة. ﴿الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾: أيْ: إذا دفعت السيئة بالحسنة أصبح عدوك أو الذي أساء إليك كالصديق الحميم: أي: القريب في المودة. صديق مقرب مُعين. وقد تقوم بدفع السيئة بالحسنة وتفعل ما بوسعك إلى الإحسان إليه، ولا يجدي فيه العفو والصفح فعندها فوِّض أمرك إلى الله تعالى. وإذا حاولت القيام بالدفع فتأكد أن الشيطان سيبدأ يوسوس إليك، ويذكرك بعداوة الذي وقع إليك بالسيئة، فعندها استعذ بالله وعليك أن تطرد الشيطان وتقاومه ابتغاء مرضات الله. سورة فصلت [٤١: ٣٥] ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية، ما: النافية. ﴿يُلَقَّاهَا﴾: من الإلقاء، ويعني من علو وتدل على علو منزلة الدفع بالتي

стр. 4715

هي أحسن. ولا يُعطى أو يوهب هذه المنزلة أو الخصلة أو السجية إلا الذين صبروا. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾: ولم يحدد نوع الصبر، ويشمل الصبر على طاعة الله والصبر عن المعصية وعلى القضاء والقدر. الذين: اسم موصول يفيد المدح. وقد وصفهم الله في آية أخرى، فقال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾: [آل عمران: ١٣٤]. ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾: الإعادة تفيد التوكيد على هذه الخصلة والفضيلة مقابلة السيئة بالحسنة. وما يلقاها: ولا يقبل هذه الوصية أو يؤتى القدرة على القيام والعمل بهذه الخصلة إلا ذو حظ عظيم. ﴿إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾: إلا: أداة حصر، ذو: ارجع إلى سورة الأنبياء (٨٧) وغافر (٢) لمعرفة معنى (ذو) ومقارنتها بصاحب. ﴿حَظٍّ عَظِيمٍ﴾: من الخير والثواب، ويشمل الجنة وبدون الجنة لا يعد الحظ عظيماً. سورة فصلت [٤١: ٣٦] ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: ﴿وَإِمَّا﴾: للتفصيل. ﴿يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾: حين الدفع أو الدرء بالتي هي أحسن أو حين تبدأ أو تحاول الدفع بالتي هي أحسن مثل الصبر والحلم والعفو يبدأ الشيطان ينزغنك، أيْ: تصاب بالغضب والجهل والغيظ وحب الانتقام، فعندها استعذ بالله، أي: الجأ إلى الله تعالى بسرعة. وينزغنك من النزغ: وهو الإغواء والإثارة للفساد والغضب، وقيل: النزغ: هو النخس والغرز، وأصله استعمال الإبرة أو طرف العصا أو شيء حاد في الجلد

стр. 4716

لحث الدابة على الإسراع في المشي. ويعني ذلك: التهييج والإثارة والحث على الغضب، فإن حدث لك ذلك فاستعذ بالله، والنون في ينزغنك للتوكيد. فالنزغ إحدى وسائل الشيطان، وهناك الوسوسة والتزيين والأزُّ والإغواء والتضليل. ارجع إلى سورة الناس آية (٥) للبيان المفصل، والفرق بين الوسوسة، والتزيين، والأز، والإغواء، والتضليل. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾: الفاء تدل على المباشرة والتعقيب. استعذ بالله: أي: التجأ إلى الله واعتصم به؛ أي: احتمي به حتى يدفع عنك شر الشيطان وكيده، ويمنعك من المحذور. ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾: إن: للتوكيد، هو: لزيادة التوكيد. ﴿السَّمِيعُ﴾: لأقوال عباده ويسمع ما يجري في الكون من السر والعلن والنجوى يسمعهم في آن واحد. ويسمع الاستعاذة به. ﴿الْعَلِيمُ﴾: بما يحدث بينك وبين من أساء إليك من العباد أو الشياطين ويعلم كل ما يفعله عباده في السر والعلن والعفو والصفح والغضب، والعليم بكل شيء لا تخفى عليه خافية. ولمقارنة هذه الآية (٣٦) من سورة فصلت ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ مع الآية (٢٠٠) من سورة الأعراف ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ارجع إلى سورة الأعراف آية (٢٠٠) للبيان. سورة فصلت [٤١: ٣٧] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾: المناسبة: بعد أن بيَّن الله سبحانه أحسن الأعمال وهي الدعوة إلى الله

стр. 4717

وبيَّن أهمية الصبر والصفح والعفو، يذكر بعض الآيات والأدلة على أنه هو الإله الحق الذي يجب أن يُعبد ووحدانيَّته وكمال قدرته. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: الواو استئنافية، من: ابتدائية بعضية، أيْ: بعض آياته الكونية الدالة على عظمته ووحدانيته وكمال قدرته، جعل الليل والنهار آيتين وأضاف هذه الآيات إليه فقال: ومن آياته، أيْ: نسبها إليه تشريفاً لها ولأهميتها في حياة الناس. واستعمال أل التعريف في الليل والنهار والشمس والقمر تدل على الدوام والكمال. ارجع إلى سورة يونس آية (٥، ٦٧) وسورة الأنبياء (٣٣) للبيان. ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾: لا: الناهية، تسجدوا: تعبدوا؛ أي: لا تعبدوا الشمس والقمر أمثال الصابئة وغيرهم. للشمس: اللام لام الاختصاص وللقمر نفس ذلك. وتكرار (لا): تفيد التوكيد بعدم فعل ذلك. وفصل كل منهما على حِدَةٍ، أو كلاهما معاً. ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾: أي: اعبدوا الله وحده. لله: اللام لام الاستحقاق. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد المدح والتعظيم والإفراد. ﴿خَلَقَهُنَّ﴾: أي: الآيات الليل والنهار والشمس والقمر … وغيرها من الآيات، وليس فقط خلق الشمس والقمر، بل تعود خلقهن إلى كل الآيات المذكورة من قبل هذه الآية، وكذلك الآيات الأربع، والخلق لغةً: هو التقدير، واصطلاحاً: الإيجاد من العدم. ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال. ﴿كُنتُمْ إِيَّاهُ﴾: وحده. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: لتعريف العبادة ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣). وقدَّم الليل على النهار؛ لأن الليل (الظلام) هو الأصل.

стр. 4718

سورة فصلت [٤١: ٣٨] ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْئَمُونَ﴾: ﴿فَإِنِ﴾: إن شرطية تفيد الشك والاحتمال. ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾: استكبروا أظهروا الكبر، واستكبروا عن الطاعة لله والإيمان به والسجود له والكف عن الشرك به وعبادة الشمس والقمر. فدعهم وشأنهم ليس الله بحُجَّة لسجودهم أو عبادتهم. والكبر يعني إظهار عظم الشأن ورفع النفس فوق ما تستحق. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لمزيد من البيان. ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾: الفاء جواب الشرط. الذين: اسم موصول يفيد المدح أي: الملائكة لا يستكبرون عن عبادته والعندية هنا تعني المكانة وليس المكان، تشريف لهم وكرامة. ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: التسبيح يعني: الصلاة ويعني الذكر مثل الحمد والتسبيح والتكبير الدائم؛ لأن المعرفة (الليل والنهار) تدل على دوام التسبيح. ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾: وحده سبحانه، اللام لام الاختصاص والتسبيح، يعني تنزيه الله من كل عيب ونقص وشريك. ارجع إلى سورة الإسراء آية (١) وسور الحديد آية (١) للبيان. ﴿بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: الباء: باء الإلصاق والتوكيد، أيْ: على الدوام. ﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التوكيد. ﴿لَا يَسْئَمُونَ﴾: لا: النافيةـ يسأمون: يملون عبادته وتسبيحه من السآمة وهي الملالة والضجر مما يُكرَّرُ فعله، وسام الشيء ملَّه.

стр. 4719

سورة فصلت [٤١: ٣٩] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِى أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: ارجع إلى الآية (٣٧) للبيان. ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾: ساكنة يابسة هامدة. ﴿فَإِذَا﴾ الفاء: للترتيب والتعقيب. إذا: ظرفية زمانية بمعنى حين. ﴿أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾: ماء المطر. ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾: الهز: هو التحريك الشديد، وربت: زاد حجمها وانتفخت من ربا الشيء يربو، أيْ: زاد ونما. ولفهم معنى اهتزت وربت لا بُدَّ من اللجوء إلى التفسير العلمي الجيولوجي، ولنعلم أن التربة لها أنواع منها التربة الصلصالية، والرملية السطحية وغيرها، وكل نوع له تفاعلات كيمياوية خاصة به. فالطبقة السطحية للأرض أو الغلاف الأرضي يتكون من مواد عضوية تشكل ٣٠% مثل أوراق الشجر والأخشاب والمواد المتحللة ومواد غير عضوية من فتات المعادن (تفكك الصخور بواسطة عوامل التعرية يؤدِّي إلى تكون طبقة رقيقة من فتات المعادن): وهي مواد غير عضوية مثل كربونات الكالسيوم والمغنزيوم وأكسيد الحديد وأيضاً بكتريا التربة وحبيبات الصلصال.

стр. 4720

فالاهتزاز يحدث لأن حبيبات التربة المركبة من صفائح بعضها فوق بعض إذا نزل الماء عليها تكونت شحنات كهربائية موجبة وسالبة بينها إذن الماء يسبب التأين بين الشوارد الموجبة والسالبة، والتأين يؤدي إلى اهتزاز الحبيبات بسبب الشحنات الكهربائية التي تتولد بين المعادن المركبة لذرة التراب، ويحدث الاهتزاز بسبب دخول الماء إلى الحبيبات وبين الصفائح؛ لأن الماء يؤدِّي إلى إثارتها كهربائياً مما يجعلها تهتز. وإذا دخل الماء إلى الصفائح، ربت: نمت ازداد حجمها، وكذلك يؤدِّي الماء إلى النشاط في البكتريا. ارجع إلى سورة الحج آية (٥) للمقارنة والبيان. ﴿إِنَّ الَّذِى أَحْيَاهَا﴾: أيْ: أحيا الأرض بعد موتها، إن للتوكيد. ﴿لَمُحْىِ الْمَوْتَى﴾: اللام للتوكيد، محيي الموتى يوم البعث. ارجع إلى سورة الروم آية (١٩) وإلى سورة فاطر آية (٩) للبيان المفصل. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٠) للبيان. سورة فصلت [٤١: ٤٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِى النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِى آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿يُلْحِدُونَ﴾: من الإلحاد. من ألحد، أيْ: مال من القصد والاستقامة وألحد في دين الله، أيْ: حاد عن دين الله وعدل عنه. والإلحاد: في اللغة الميل عن الاستقامة.

стр. 4721

والإلحاد يشمل الإنكار، إنكار وجود الله أو أسمائه أو صفاته. ﴿يُلْحِدُونَ فِى آيَاتِنَا﴾: يميلون عن آياتنا بالتكذيب والطعن والتحريف والتأويل الباطل واللغو فيها. ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾: لا: النافية، يخفون: أيْ: نحن نعلمهم أين هم وما يعملون، وما يكنون في صدورهم، أو يخفون من المكر والكيد. والإخفاء يكون للأمور المادية والمعنوية. ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾: هذا وعيد لهم. أيْ: سنجازيهم على إلحادهم بإلقائهم في نار جهنم. ﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة للاستفهام بمعنى التقرير. ﴿يُلْقَى فِى النَّارِ﴾: بسبب كفره وإلحاده واتِّباعه الباطل. ﴿خَيْرٌ﴾: أفضل وأحسن. ﴿أَمْ مَنْ﴾: أم: للإضراب الانتقالي، من: للاستفهام. ﴿يَأْتِى آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أيْ: غير خائف بسبب إيمانه وتوحيده وعبادته. قيل: نزلت هذه الآية في: أبو جهل (يلقى في النار) وأبو بكر الصديق (يأتي آمناً). أبو جهل (يلقى في النار) وعمار بن ياسر (يأتي آمناً). الكافر (يلقى في النار) والمؤمن (يأتي آمناً). ثم أكَّد سبحانه التهديد للكفرة والملحدين بقوله:

стр. 4722

﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾: أيَّ شيء تريدون عمله من خير أو شر ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]. وقد يظن، أو يستعمل البعض هذه الآية للدلالة على الإباحة، وهي ليست كذلك؛ فالله سبحانه: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، فالآية جاءت للهداية والإنذار. ما: مصدرية، أو اسم موصول. (ما) تستعمل للشيء غير المحدد وتستعمل للمفرد والمثنى والجمع. ﴿اعْمَلُوا﴾: فعل أمر يراد به هنا التهديد والوعيد، وليس الإباحة كما قلنا، فلا يظن أحد أن الله سبحانه أباح لأيِّ إنسان بأن يعمل ما يشاء ولا يحاسب على عمله، كما قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]. ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: إنه للتوكيد، وهاء الضمير تعود إلى الله سبحانه. ﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: من خير أو شر. ﴿بَصِيرٌ﴾: عالم بأعمالكم ومطلع عليها. قدَّم تعملون على بصير؛ لأن الآية في سياق الأعمال، والجملة بما تعملون جملة تعليلية تتضمن الوعيد والتهديد. سورة فصلت [٤١: ٤١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾: بالقرآن لم يصدِّقوا به وجحدوا أو ألحدوا في آياته. ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾: لما: ظرفية زمانية. أيْ: حين جاءهم. خبر إن هنا إما محذوف وتقديره: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم

стр. 4723

(سيجازون أو سوف يجازون على كفرهم) أو هالكون أو لهم نار جهنم. أو خبرها أولئك ينادون من مكان بعيد. ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ﴾: إنه: توكيد لكتاب، اللام لام الاختصاص، والكتاب هو القرآن أو الذكر، وسمي كتاباً لأنه مكتوب في الأسطر. ﴿عَزِيزٌ﴾: منيع أو عزيز على الله، أيْ: له مكانته ومكرَّم عند الله تعالى ومحفوظ لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. سورة فصلت [٤١: ٤٢] ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾: ﴿لَا﴾: النافية لكل الأزمنة. ﴿يَأْتِيهِ﴾: لا يعتريه أو يصيبه أو يلحق به. ﴿الْبَاطِلُ﴾: لغة: ما لا وجود له ولغة هو الزائل أو الذاهب، وهنا في هذه الآية يعني: الزيادة أو النقصان أو التغيير والتبديل والتحريف، أو ما ليس له دليل. ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾: من ابتدائية بين يديه، أيْ: لن يصيبه تحريف أو تغيير أو تبديل لا في الزمن القادم المستقبل (أو بالعكس في الزمن الماضي). ﴿وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾: ولم يصبه تحريف أو تغيير أو تبديل في الزمن الماضي (أو بالعكس في المستقبل) لأن الله سبحانه قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾: ﴿تَنزِيلٌ﴾: أيْ: منزلٌ، من: ابتدائية. ﴿حَكِيمٍ﴾: في أفعاله وتدبيره لخلقه وكونه، فهو أحكم الحكماء وهو أحكم الحاكمين. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٩).

стр. 4724

﴿حَمِيدٍ﴾: أي: المحمود على الدوام والمستحق للحمد على الدوام؛ لأنه صاحب الخير والإحسان والإنعام على خلقه. ارجع إلى آية (١) من نفس السورة وسورة الزمر آية (١) للبيان. سورة فصلت [٤١: ٤٣] ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾: ﴿مَا﴾: النافية. ﴿يُقَالُ لَكَ﴾: من هؤلاء كفار مكة ومشركيها من تكذيب وأقوال وباطل وجدال، وساحر ومجنون وكاهن، أو شاعر أو القرآن سحر أو شعر، أو افتراء أو اختلاق، أو أساطير الأولين، وغيرها من الأقاويل. ﴿إِلَّا﴾: حصراً وقصراً. ﴿مَا﴾: بمعنى الذي، قيل: و (ما) أكثر شمولاً وعموماً من الذي. ﴿قَدْ﴾: للتحقيق والتوكيد. ﴿قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾: اللام للاختصاص. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: من: ابتدائية استغراقية. فإن أقوامهم كانوا يقولون لرسلهم مثلما يقال لك. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾: إن واللام في (لذو) تفيدان التوكيد. ذو: صاحب مغفرة، وذو: أشرف من صاحب. ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٨٧) للبيان. صاحب مغفرة لمن تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً، والمغفرة تشمل ستر الذنب وترك العقاب.

стр. 4725

﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾: وذو ولم يقل: ولذو عقاب أليم؛ لأن رحمته غلبت غضبه ووسعت كل شيء. ذو عقاب أليم: لمن مات كافراً ولم يتب. لم يقل: ولذو عقاب أليم: لم يؤكِّد على العقاب الأليم حثاً على التوبة والعودة والإنابة إليه، كما أكَّد على كونه ذو مغفرة. سورة فصلت [٤١: ٤٤] ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ آعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِى آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: الواو استئنافية: لو: شرطية. ﴿جَعَلْنَاهُ﴾: أيْ: لو فرضنا أننا أنزلنا هذا القرآن بلغة غير لغة العرب لحق للعرب أن يقولوا لأنفسهم: ما أنزل إلينا أعجمياً واتخذوا ذلك عذراً لهم في الإعراض عنه. ﴿قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾: بغير لغة العرب. أيْ: لو جعلنا هذا القرآن، أي: الذكر الذي أنزل عليك أعجمياً؛ والأعجمي: يطلق على الكلام الذي لا يفهمه العربي أو يطلق على الذي لا يفصح ولا يفهم كلامه من أيِّ جنس كان ولو كان عربياً. ﴿لَقَالُوا﴾: اللام للتوكيد. قالوا: تعود على هؤلاء الكفار أو المشركين. ﴿لَوْلَا﴾: أداة حضٍّ وحثٍّ.

стр. 4726

﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾: ارجع إلى الآية (٣) من نفس السورة (فصلت). هلا بيِّنت آياته بلغة عربية نفهمها. ﴿آعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ﴾: استفهام إنكاري. أكتاب أعجمي ونبي عربي، أيْ: لو كان كذلك لكان حُجَّة لتكذيبهم أو مدعاةً لتكذيبهم به وعدم تصديقهم به، وهم في الحقيقة لا يريدونه لا عربياً ولا أعجمياً؛ لأنهم ينكرونه أصلاً ولا يؤمنون به. كما قال : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨ - ١٩٩]. ثم يبيِّن الله سبحانه مهما كانت لغته عربية أو أعجمية. ﴿قُلْ﴾: يا رسول الله لهؤلاء الكفار والمشركين: ﴿هُوَ﴾: أي: القرآن أو الذكر ضمير يفيد التوكيد والحصر. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿هُدًى وَشِفَاءٌ﴾: من الضلال، هدى للذين آمنوا، أيْ: مصدر هدىً أو يهدي الذين آمنوا للحق وللغاية. وهي رضوان الله تعالى والسعادة في الدارين. ﴿وَشِفَاءٌ﴾: للصدور من الشكوك والريبة وشفاء تعني: كذلك وقاية من أمراض النفاق ومن الأمراض العضوية والنفسية والمعاصي وشفاء من الجهل والريب والشبهة والشك. وقد تبيَّن أن الأمراض النفسية تؤدِّي إلى تثبيط الجهاز المناعي في الإنسان؛ مما يؤدِّي إلى نقص في محاربة البكتريا والالتهابات ونقص في محاربة

стр. 4727

السرطانات وغيرها، وكذلك الأمراض النفسية مثل الغضب والقلق يؤدِّي إلى تقبض الأوعية الدموية مثل الشرايين القلبية، ويؤدِّي إلى الإصابة بأمراض القلب وغيرها. فالقرآن شفاء لما في الصدور من الأمراض النفسية والعضوية معاً. ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر، ولا يؤمنون بالقرآن. ﴿فِى آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾: ثقل أو نقص في السمع مانع يمنعهم عن الاستماع والإنصات إلى القرآن وتدبُّر معانيه وإذا سمعوه لا ينتفعون به. ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾: على تفيد الاستعلاء، أيْ: معميٌّ على بصائرهم فهم لا يفهمون معانيه وآياته، ولا ينتفعون بها كأنهم أعموا أبصارهم، فلا يريدون سماعه ولا رؤيته ولا ذكره. ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾: أولئك اسم إشارة واللام للبعد تعود على الذين لا يؤمنون به. ﴿يُنَادَوْنَ مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾: أيْ: هم يشبهون كحال المنادى عليه من مكان بعيد فهو لا يسمع ولا يفهم ما يُنادى به عليه دليل على مدى إعراضهم والبعد عنه. سورة فصلت [٤١: ٤٥] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾: المناسبة: في هذه الآية يُبيِّن الله سبحانه أن التكذيب بكتب الله أمرٌ ليس

стр. 4728

بجديد، فهو عادة قديمة، ومثال على ذلك موسى فما يحدث لك يا رسول الله ﷺ حدث لموسى ﵇. ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية. لقد: اللام للتوكيد قد: للتحقيق، أيْ: قد حدث وحصل. ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: أي: التوراة لمعرفة معنى الإيتاء. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة. ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾: أيْ: هناك من صدَّق بالتوراة من قوم موسى، وهناك من كذب به أو هناك من آمن ببعض وكفر ببعض. كما اختلف قومك في القرآن، فمنهم من قال: سحر أو مفترى أو أساطير الأولين وغيرها. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: لولا: شرطية، ﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: بتأخير الحساب والعذاب لهؤلاء المكذبين إلى يوم القيامة. كلمة ربك تعني كذلك: الحكم. ﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾: اللام: للتوكيد، قضي بينهم في الدنيا، أيْ: لعجل لهم العذاب في الحياة الدنيا بالقتل والأسر والهزيمة أو الهلاك بالطاغية أو الصيحة أو الصاعقة. وانتهى الأمر. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾: للتوكيد تعود على كفار قريش، ﴿لَفِى﴾: اللام لزيادة التوكيد. ﴿شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾: شك من القرآن أنه منزل من عند الله. وهذا الشك مصحوب باتهام أنه إفك مفترى، أو أعانه عليه قوم آخرون، أو أساطير الأولين أو شعر أو سحر، وإنما يعلمه بشر، وهكذا.

стр. 4729

مريب: مشتقة من الريب وهو الشك والتهمة معاً. سورة فصلت [٤١: ٤٦] ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾: ﴿مَّنْ﴾: شرطية، ﴿عَمِلَ صَالِحًا﴾: العمل يشمل القول والفعل فالقول الطيب أو العمل الصالح مهما كان يعود بالنفع على صاحبه. ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾: الفاء: جواب الشرط واللام للتوكيد. لام الاستحقاق والاختصاص. أيْ: ثواب العمل الصالح يعود بالفائدة على العبد. ﴿وَمَنْ أَسَاءَ﴾: من: شرطية، أساء على نفسه بالقول الفاحش والقبيح والفعل السيِّئ فوبال وجزاء ذلك يعود عليه ويحمل وزره وحده. واستعمل (اللام) في كلمة فلنفسه التي تدل على الاستحقاق والفائدة، واستعمل (على) التي تفيد المشقة والعلو العقاب في كلمة فعليها. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾: ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٨٢) للبيان.

стр. 4730

سورة فصلت [٤١: ٤٧] ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَاءِى قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾: سبب النزول: أن اليهود أو قريشاً سألوا رسول الله ﷺ : أخبرنا عن الساعة إن كنت رسولاً، كما تزعم. فنزلت هذه الآية ردّاً على سؤالهم كما قال مقاتل وروى الطبري. ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، أيْ: إليه وحده يرجع علم الساعة (أيْ: متى تقوم الساعة). وعلم الساعة لا يعلمه إلا الله ، والساعة هي لحظة تهدم النظام الكوني الحالي. وتختلف عن يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين، أيْ: يوم البعث وخروج الناس من قبورهم. وليس فقط يعلم الساعة، بل يعلم ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ الأكمام: جمع كم وكم الثوب مخرج اليد، أي: المواضع التي كانت مستترة فيها وغلاف كل شيء كُمُّه، أيْ: يعلم سبحانه كل ثمرة تخرج من وعائها ووقت ظهورها. ﴿مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾: من استغراقية.
следующие страницы →