← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾: ارجع إلى الآية (٣) من نفس السورة (فصلت). هلا بيِّنت آياته بلغة عربية نفهمها. ﴿آعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ﴾: استفهام إنكاري. أكتاب أعجمي ونبي عربي، أيْ: لو كان كذلك لكان حُجَّة لتكذيبهم أو مدعاةً لتكذيبهم به وعدم تصديقهم به، وهم في الحقيقة لا يريدونه لا عربياً ولا أعجمياً؛ لأنهم ينكرونه أصلاً ولا يؤمنون به. كما قال : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨ - ١٩٩]. ثم يبيِّن الله سبحانه مهما كانت لغته عربية أو أعجمية. ﴿قُلْ﴾: يا رسول الله لهؤلاء الكفار والمشركين: ﴿هُوَ﴾: أي: القرآن أو الذكر ضمير يفيد التوكيد والحصر. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿هُدًى وَشِفَاءٌ﴾: من الضلال، هدى للذين آمنوا، أيْ: مصدر هدىً أو يهدي الذين آمنوا للحق وللغاية. وهي رضوان الله تعالى والسعادة في الدارين. ﴿وَشِفَاءٌ﴾: للصدور من الشكوك والريبة وشفاء تعني: كذلك وقاية من أمراض النفاق ومن الأمراض العضوية والنفسية والمعاصي وشفاء من الجهل والريب والشبهة والشك. وقد تبيَّن أن الأمراض النفسية تؤدِّي إلى تثبيط الجهاز المناعي في الإنسان؛ مما يؤدِّي إلى نقص في محاربة البكتريا والالتهابات ونقص في محاربة

стр. 4727

السرطانات وغيرها، وكذلك الأمراض النفسية مثل الغضب والقلق يؤدِّي إلى تقبض الأوعية الدموية مثل الشرايين القلبية، ويؤدِّي إلى الإصابة بأمراض القلب وغيرها. فالقرآن شفاء لما في الصدور من الأمراض النفسية والعضوية معاً. ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر، ولا يؤمنون بالقرآن. ﴿فِى آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾: ثقل أو نقص في السمع مانع يمنعهم عن الاستماع والإنصات إلى القرآن وتدبُّر معانيه وإذا سمعوه لا ينتفعون به. ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾: على تفيد الاستعلاء، أيْ: معميٌّ على بصائرهم فهم لا يفهمون معانيه وآياته، ولا ينتفعون بها كأنهم أعموا أبصارهم، فلا يريدون سماعه ولا رؤيته ولا ذكره. ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾: أولئك اسم إشارة واللام للبعد تعود على الذين لا يؤمنون به. ﴿يُنَادَوْنَ مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾: أيْ: هم يشبهون كحال المنادى عليه من مكان بعيد فهو لا يسمع ولا يفهم ما يُنادى به عليه دليل على مدى إعراضهم والبعد عنه. سورة فصلت [٤١: ٤٥] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾: المناسبة: في هذه الآية يُبيِّن الله سبحانه أن التكذيب بكتب الله أمرٌ ليس

стр. 4728

بجديد، فهو عادة قديمة، ومثال على ذلك موسى فما يحدث لك يا رسول الله ﷺ حدث لموسى ﵇. ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية. لقد: اللام للتوكيد قد: للتحقيق، أيْ: قد حدث وحصل. ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: أي: التوراة لمعرفة معنى الإيتاء. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة. ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾: أيْ: هناك من صدَّق بالتوراة من قوم موسى، وهناك من كذب به أو هناك من آمن ببعض وكفر ببعض. كما اختلف قومك في القرآن، فمنهم من قال: سحر أو مفترى أو أساطير الأولين وغيرها. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: لولا: شرطية، ﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: بتأخير الحساب والعذاب لهؤلاء المكذبين إلى يوم القيامة. كلمة ربك تعني كذلك: الحكم. ﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾: اللام: للتوكيد، قضي بينهم في الدنيا، أيْ: لعجل لهم العذاب في الحياة الدنيا بالقتل والأسر والهزيمة أو الهلاك بالطاغية أو الصيحة أو الصاعقة. وانتهى الأمر. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾: للتوكيد تعود على كفار قريش، ﴿لَفِى﴾: اللام لزيادة التوكيد. ﴿شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾: شك من القرآن أنه منزل من عند الله. وهذا الشك مصحوب باتهام أنه إفك مفترى، أو أعانه عليه قوم آخرون، أو أساطير الأولين أو شعر أو سحر، وإنما يعلمه بشر، وهكذا.

стр. 4729

مريب: مشتقة من الريب وهو الشك والتهمة معاً. سورة فصلت [٤١: ٤٦] ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾: ﴿مَّنْ﴾: شرطية، ﴿عَمِلَ صَالِحًا﴾: العمل يشمل القول والفعل فالقول الطيب أو العمل الصالح مهما كان يعود بالنفع على صاحبه. ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾: الفاء: جواب الشرط واللام للتوكيد. لام الاستحقاق والاختصاص. أيْ: ثواب العمل الصالح يعود بالفائدة على العبد. ﴿وَمَنْ أَسَاءَ﴾: من: شرطية، أساء على نفسه بالقول الفاحش والقبيح والفعل السيِّئ فوبال وجزاء ذلك يعود عليه ويحمل وزره وحده. واستعمل (اللام) في كلمة فلنفسه التي تدل على الاستحقاق والفائدة، واستعمل (على) التي تفيد المشقة والعلو العقاب في كلمة فعليها. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾: ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٨٢) للبيان.

стр. 4730

سورة فصلت [٤١: ٤٧] ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَاءِى قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾: سبب النزول: أن اليهود أو قريشاً سألوا رسول الله ﷺ : أخبرنا عن الساعة إن كنت رسولاً، كما تزعم. فنزلت هذه الآية ردّاً على سؤالهم كما قال مقاتل وروى الطبري. ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، أيْ: إليه وحده يرجع علم الساعة (أيْ: متى تقوم الساعة). وعلم الساعة لا يعلمه إلا الله ، والساعة هي لحظة تهدم النظام الكوني الحالي. وتختلف عن يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين، أيْ: يوم البعث وخروج الناس من قبورهم. وليس فقط يعلم الساعة، بل يعلم ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ الأكمام: جمع كم وكم الثوب مخرج اليد، أي: المواضع التي كانت مستترة فيها وغلاف كل شيء كُمُّه، أيْ: يعلم سبحانه كل ثمرة تخرج من وعائها ووقت ظهورها. ﴿مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾: من استغراقية.

стр. 4731

﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾: من أنثى: من استغراقية تحمل من ذكر أو أنثى أو توءَم أو غيرها. ويعلم ما تحمل من أنثى: تشمل كل جنس من الإنس والجن والحيوان والنبات، وما تحمل ومتى تضع وشكله وأوصافه ولونه، تام الخلق أم لا. ﴿وَلَا تَضَعُ﴾: زمن الولادة ومكان الولادة ولا تضع إلا بأمره وعلمه. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿بِعِلْمِهِ﴾: الباء للإلصاق واللزوم. وتكرار (وما) يفيد التوكيد. وما تنفي الحال عادة ولا تنفي الاستقبال. فهذه الأمور الثلاثة يجب ردُّها إلى الله سبحانه، فهي نوع من علم الغيب. ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾: يوم مفعول به لفعل محذوف تقديره: واذكر يومَ يناديهم. وقد يسئل سائل: ما مناسبة ذكر هذا الجزء من الآية؟ فبما أن الله سبحانه يُخبر أن علم الساعة لا يعلمه إلا هو. أراد سبحانه أن يذكرهم بما يحدث في ذلك اليوم، فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَاءِى قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾. ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾: أيْ: يوم القيامة، يناديهم: أيْ: ينادي المشركين. ﴿أَيْنَ شُرَكَاءِى﴾: أين: استفهام عن المكان استفهام مجازي، فهو سبحانه يعلم مكانهم حقيقة، وإنما هو للتبكيت والتقريع. ﴿الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾: أنهم شركاء لله تعالى تزعمون في الدنيا وتزعمون من زعم: وهو قول بلا دليل، وأكثر ما يقع في الباطل. ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ﴾: أعلمناك الآن.

стр. 4732

﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾: ما: النافية، منا من: استغراقية، أيْ: لا أحد منا يشهد أن لك شريكاً. وشهيد صيغة مبالغة لشاهد، ولم يقولوا: ما منا من شاهد. الشهيد: هو الذي يعلم بواطن الأمور وظواهرها. ارجع إلى سورة المجادلة آية (٦) لمزيد من البيان، وسورة البقرة آية (١٣٣) لمعرفة الفرق بين الشاهد والشهيد. سورة فصلت [٤١: ٤٨] ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم﴾: أيْ: غاب عنهم ولم يحضر لنصرتهم أو شفاعتهم. ﴿مَا﴾: للعاقل وغير العاقل نكرة. ﴿كَانُوا يَدْعُونَ﴾: ما كانوا يدعون: يعبدون. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أيْ: في الدنيا. ﴿وَظَنُّوا﴾: الظن هنا بمعنى اليقين (أو الظنِّ الراجح) أو الظن يراد به العلم، أيْ: وعلموا ما لهم من محيص. ﴿مَا لَهُمْ﴾: ما: النافية، لهم: خاصة لام الاختصاص، ﴿مِنْ﴾: استغراقية، أيْ: مخرج أو منفذ يهربون منه أو ملجأ يلجؤون إليه. ﴿مَحِيصٍ﴾: مهرب أو منفذ من حاص يحيص إذا هرب. سورة فصلت [٤١: ٤٩] ﴿لَا يَسْئَمُ الْإِنسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾: ﴿لَا يَسْئَمُ الْإِنسَانُ﴾: لا النافية لجميع الأزمنة. ولا يمل ولا يفتر والسآمة: هي الملالة والضجر.

стр. 4733

﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾: من: ابتدائية، دعاء الخير: طلب العفو والمغفرة والفوز بالجنة والنجاة من النار والسعة في الرزق والصحة والعافية والعلم والذرية الصالحة. ﴿وَإِنْ﴾: شرطية تدل على الاحتمال والافتراض. ﴿مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: المس هو أقل اللمس مجرد المس. أو اللمس الخفيف. والشر: الشدة والمرض أو البلاء أو الفقر. ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾: الفاء: جواب الشرط، يؤوس: منقطع رجاؤه من حصول الخير، أيْ: ظن أن ما أصابه من شر لن يزول وأصابه القنوط: وهو أشد اليأس. وأما الخيبة: فهي انقطاع نيل الأمل والخائب المنقطع أمله. سورة فصلت [٤١: ٥٠] ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِى وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّى إِنَّ لِى عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾: ﴿وَلَئِنْ﴾: الواو: عاطفة، لئن: اللام لام التوكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال أو الافتراض، بينما لو قال: وإذا التي تدل على حتمية الحدوث وبكثرة. ﴿أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾: ولئن آتيناه أو أنعمنا عليه وفرَّجنا عنه كربه، أو أغنيناه من بعد فقر، أو شفاء بعد مرض، أو أنزلناه منزل جاهٍ بعد ذلٍّ. والفرق بين أذقناه وأنعمنا عليه: الإذاقة تكون في الخير والشر والرحمة والضر، أما أنعمنا فتكون فقط في الخير.

стр. 4734

﴿رَحْمَةً﴾: نكرة تشكل كل أنواع الرحمة، والرحمة تعني: جلب ما يَسُرُّ ودفع ما يَضُرُّ. ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾: ولم يقل: رحمة من عندنا، أو من لدنا؛ لأن رحمة منا تعني: رحمة عامة تعم كل المخلوقات، والصالح والطالح، بينما رحمة من عندنا: تخص أو تأتي في سياق المؤمنين، ورحمة من لدنا: تأتي في سياق الرسل والأنبياء والمقربين خاصة إلى الله سبحانه. ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾: الضراء ما يصيب المجتمعات، وبالتالي الفرد من زلازل وبراكين وأوبئة أو حرائق أو عواصف. الضُّر: يكون مقصوراً على النفس أو ما يصيب الفرد. وأما الضَّر: ضد النفع. ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِى﴾: اللام لام التوكيد، والنون في يقولنَّ لزيادة التوكيد. ﴿هَذَا لِى﴾: الهاء للتنبيه وذا اسم إشارة، أيْ: ما حصل من فرج أو تغير في الحالة من فقر إلى غنى، أو مرض إلى صحة وعافية، أو ما حصل له من جاه بعد ذلٍّ. ﴿هَذَا لِى﴾: أيْ: هذا شيء أستحقه بسبب ما فعلته بجهدي وتفكيري وقدرتي على كذا وكذا أو ذهابي إلى الطبيب، أو بسبب ما قمت به من وقاية مثل تركت المكان أو التجأت إلى كذا أو هو إكرام من الله لي، ومن بطر النعمة يغفل عن شكر المنعم، وينشغل بالنعمة، ولا يعلم أنه ابتلاء واختبار من الله تعالى.

стр. 4735

﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾: ولا يكتفي بالقول هذا لي، بل يتعدَّى ذلك إلى القول: لا حساب لا جزاء، لا بعث ولا آخرة، أيْ: ينكر كل ذلك بما فيها الساعة. ﴿وَلَئِنْ﴾: اللام للتوكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال والشك. أيْ: في حال أن هناك حساباً ورجوعاً إلى ربي، ولم يقل: وإذا؛ ارجع إلى مطلع الآية لمعرفة الفرق بين لئن وإذا. ﴿رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّى إِنَّ لِى﴾: للتوكيد، ﴿عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾: أي: الجنة واللام في للحسنى: لام الاختصاص والاستحقاق، أي: استحق الجنة؛ لأن الله راض عني أو سيعطيني كما أعطاني في الدنيا. ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أيْ: يوم القيامة لننبئنَّ الذين كفروا: لننبئنَّ من النبأ، وهو الخبر العظيم، أيْ: لنخبرنَّهم بالخبر العظيم. واللام والنون في لننبئنَّ: للتوكيد وزيادة التوكيد. ﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق والإلزام، ما: اسم موصول بمعنى الذي عملوا أو مصدرية بأعمالهم وما تفيد العموم والشمول كل شيء عملوه. ﴿عَمِلُوا﴾: في الحياة الدنيا من الآثام والذنوب والسيئات والشرك والكفر. ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ﴾: الواو عاطفة واللام والنون في لنذيقنهم للتوكيد وزيادة التوكيد. ﴿مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾: من: ابتدائية، عذاب غليظ: نوع من أنواع العذاب ومنها الشديد والمهيمن والعظيم والغليظ، وقد يعني المضاعف.

стр. 4736

سورة فصلت [٤١: ٥١] ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: الواو عاطفة، إذا شرطية تعني حتمية الحدوث وكثرة الإنعام على العباد. ﴿أَنْعَمْنَا﴾: عليه برغد العيش أنعمنا عليه بالمال والولد، وبأسباب الخير من صحة ورزق وجاهٍ، وغيره. ﴿أَعْرَضَ﴾: عن شكر المنعم وتقاعس أو أهمل طاعة الله وعبادته. ونأى بجانبه كقوله: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩]، والعطف هو الجانب والجانب هو الناحية والمكان. ونأى بجانبه: أيْ: تكبَّر عن عبادة الله وابتعد بنفسه قليلاً قليلاً، ولم يَعُدْ يمتثَّل أوامر الله ويتجنَّب محارمه. بسبب كونه مشغولاً بالنعمة وناسياً ذكر الله وطاعته. ﴿وَإِذَا﴾: شرطية تفيد حتمية الحدوث وكثرته. ﴿مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: المس هو أخف اللمس يعني: أصابه الشر إصابة طفيفة لا تُذكر مثل المرض العارض أو نقص في المال أو الأهل. ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾: ذو: صاحب، دعاء عريض: أيْ: طويل. والعرب تستعمل الطول والعرض في الكثرة، في الدعاء تعني: أطال الدعاء وأكثر فيه. سورة فصلت [٤١: ٥٢] ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: ﴿قُلْ﴾: له يا رسول الله ﷺ .

стр. 4737

﴿أَرَءَيْتُمْ﴾: الهمزة همزة استفهام وتقرير. والمخاطب الكفار والمشركون المكذبون بالقرآن. أرأيتم: الرؤية هنا رؤية قلبية فكرية. ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الافتراض، أيْ: لنفرض أن القرآن كان من عند الله وكفرتم به. ﴿كَانَ﴾: أي: القرآن. ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أيْ: منزلاً من عند الله تعالى، أيْ: تحقَّق وتبيَّن لكم يقيناً أنه منزل من عند الله. ﴿ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ﴾: بعد العلم اليقين أنه منزَّل من عند الله، ثم تفيد الاستبعاد. ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: أيْ: تبيَّن لكم أنه الحق من ربكم وكفرتم به، من سيكون أضل منكم. من: استفهام للتوبيخ والتهكم، أيْ: لا أحد أكثر ضلالاً منكم وكفراً وبعداً عن الحق وعداوة ومحاربة لدين الله. ﴿فِى شِقَاقٍ﴾: في مخالفة ومعاداة لله تعالى من الشق وهو الجانب؛ لأن كل واحد من الفريقين يكون في شقٍّ غير شقِّ الآخر. ولا بُدَّ من مقارنة هذه الآية (٥٢) من سورة فصلت وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: والآية (١٠) من سورة الأحقاف وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ

стр. 4738

وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. آية فصلت تعني: إذا تبيَّن لكم أن القرآن - علماً يقينياً بعد زمن طويل من التجارب والاكتشافات والآيات الكونية والأدلة والبراهين- أنه منزَّل من عند الله وكفرتم به، ثم في هذه الآية تعني: التراخي في الزمن. آية الأحقاف تعني: إذا تبيَّن لكم أن القرآن أنه منزل من عند الله وشهد على ذلك شاهد من بني إسرائيل. قيل: هو عبد الله بن سلام على مثله، فآمن واستكبرتم. في آية فصلت إذا كفرتم بعد الأدلة والتجارب أنتم أضل الضالين، أيْ: ليس هناك من هو أضل منكم على الإطلاق. أما في آية الأحقاف فأنتم من الظالمين لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. فآية فصلت أشدُّ، أيْ: درجة كفر الكافرين في آية فصلت أشدُّ بكثير من درجة كفر الظالمين في آية الأحقاف. سورة فصلت [٤١: ٥٣] ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الْآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾: السين للاستقبال القريب، أيْ: سنريهم في الحياة الدنيا والمخاطب في هذه الآية الكل عامة وخاصة الكفار المكذبين بالقرآن وضعاف الإيمان وغير المؤمنين.

стр. 4739

﴿آيَاتِنَا﴾: الكونية، ولم يقل: سنريهم الآيات، وإنما قال: آياتنا: لعظمة هذه الآيات وأهميتها نسبها سبحانه إليه واستعمل صيغة الجمع للتعظيم. ﴿فِى الْآفَاقِ﴾: جمع أفق وتعني: أقطار السموات والأرض، في الكون ونشأته والأرض والسماء وعلوم الفلك وعالم النبات والحيوان. ﴿وَفِى أَنفُسِهِمْ﴾: أيْ: في خلق الإنسان وتطوره ونشأته. وسيرونها قبل أن يؤمنوا أو بعد أن يؤمنوا، وسيستمر ذلك إلى يوم القيامة. ﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية. ﴿يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾: أنه: للتوكيد، الحق: أي: القرآن هو الحق وما دعاكم إليه الرسول ﷺ . والحق هو الأمر الثابت الذي لا يتغيَّر ولا يتبدل. ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ﴾: الهمزة همزة استفهام وتعجُّب وتقرير. ﴿بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾: أيْ: مطلع إلى ظاهرهم وباطنهم وعلى أقوالهم وأفعالهم في السر والعلن، وشهيد على ما يفعلون وكفى بالله شهيداً. ارجع إلى سورة المجادلة آية (٦) للبيان، والبقرة آية (١٣٣). لنقارن هذه الآية (٥٣) من سورة فصلت وهي قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الْآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ مع الآية (٩٣) من سورة النمل، وهي قوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. آية فصلت سنريهم، آية النمل سيريكم: سنريهم لمن جاؤوا من قبلكم للأجيال الماضية، وسنريكم أنتم ومن يجيء بعدكم.

стр. 4740

في سورة فصلت بيَّنت نوع الآيات (في الآفاق وفي أنفسهم) في سورة النمل الآيات بشكل عام (الكونية وفي أنفسهم والقرآنية والمعجزات). سورة فصلت [٤١: ٥٤] ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطٌ﴾: ﴿أَلَا﴾: أداة استفتاح وتنبيه. ﴿إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ﴾: في شك من البعث والحساب ولقاء ربهم ويوم القيامة بعد ما تبيَّن لهم الحق والمراء هو الجدال بعد ظهور الحق. ﴿مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾: يوم القيامة. ﴿أَلَا﴾: تكرار ألا تفيد التوكيد. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿بِكُلِّ﴾: الباء للإلصاق، كل: للتوكيد. ﴿شَىْءٍ مُّحِيطٌ﴾: بعلمه وقدرته محيط بخلقه وكونه محيط بكل شيء باطنه وظاهره لا تخفى عليه خافية.

стр. 4741

سورة الشورى [٤٢: ١] سورة الشورى سورة الشّورى [الآيات ١ - ١٠] ترتيبها في القرآن (٤٢) وترتيبها في النّزول (٦٢). ﴿حم﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة للبيان. سورة الشورى [٤٢: ٢] ﴿عسق﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة للبيان. سورة الشورى [٤٢: ٣] ﴿كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ﴿كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: أي: مثل ما يوحي إليك الله أوحى إلى الّذين من قبلك من الرّسل وسائر الأنبياء، ويوحي بصيغة المضارع تدل على التّجدد والتّكرار، والوحي لغة: الإعلام بخفاء، وشرعاً: هو ما يُلقي الله إلى أنبيائه ورسله من تكاليف وتعاليم دينية وآيات بطريق الوحي جبريل ﵇. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣) لمزيد من البيان. ﴿اللَّهُ﴾: الله: الاسم الدّال على الذّات الإلهية الّذي تفرد به الحق سبحانه واختصه لذاته العلية، وهو الاسم الجامع لجميع صفات الكمال والدّال على أنّه المعبود وحده. ﴿الْعَزِيزُ﴾: الّذي يَغلب ولا يُغلب ويَقهر ولا يُقهر القوي الممتنع.

стр. 4742

﴿الْحَكِيمُ﴾: في تدبير خلقه وكونه وشرعه، الحكيم: من الحكمة فهو أحكم الحكماء، والحكيم من الحكم فهو أحكم الحاكمين. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان. سورة الشورى [٤٢: ٤] ﴿لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾: ﴿لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: لام لاختصاص أو الملكية، وتقديم له يعني حصراً وقصراً له ما في السّموات السّبع وما فيهن وما في الأرض نفسها وما فيها، له ما في السّموات والأرض مُلكاً وخلقاً، وهذا يدل على أنّه لا شريك له في خلق السّموات والأرض ولا مُلكهما، وتكرار (ما في) يفيد التّوكيد وفصل كلّ من السّموات والأرض على حدةٍ أو كلاهما معاً. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر. ﴿الْعَلِىُّ﴾: علو الجلال والكمال، العلي بسلطانه وقدرته وعرشه وعلمه، العلي بذاته وصفاته وأسمائه يعلو كلّ مخلوق وكلّ شيء تحته. ﴿الْعَظِيمُ﴾: صيغة مبالغة من العظم والعظيم بقدرته وصفاته، والعظم هو الفخامة والعز والمجد والكبرياء، لا يدرك أيّ عقل عظمته ورفعته وجلاله، رب العرش العظيم، ذكر هذا الاسم (٦) مرات في القرآن العظيم في آية الكرسي، وهذه الآية، والواقعة الآيتين (٧٤ - ٩٦) والحاقة الآيتين (٣٣ - ٥٢). سورة الشورى [٤٢: ٥] ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِى الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿تَكَادُ﴾: من أفعال المقاربة. ﴿السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾: يتشققنّ أو يتصدعن:

стр. 4743

١ - من عظمة وهيبة الله مالكهن ومدبرهن. ٢ - أو من قول المشركين: اتخذ الله ولداً. ٣ - أو لكثرة ما عليهن من الملائكة كما ورد في حديث أبي ذر، والذي رواه الترمذي قال: قال رسول الله ﷺ : «أطَّت السّماء وحق لها أن تئط من ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى»، والمعنى: أطبقت السماء عن عظمة رب العالمين، أو ثقلت السماء من كثرة الملائكة. ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾: من للابتداء، فوقهن: أي كلّ سماء تنفطر فوق الّتي تليها، أي يبدأ الانفطار في السّماء السّابعة فالسّادسة فالخامسة وهكذا، أو يتفطرن من فوقهن (أي الأرضين). ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: يسبحون بحمد ربهم: ينزهون الله تعالى من كلّ عيب ونقص وشريك وولد، التّنزيه: هو الثّناء، يسبحون بشكل مستمر متواصل بلا انقطاع، والحمد لله هو الشّكر. ارجع إلى الآية (٢) من سورة الفاتحة لبيان معنى الحمد، وسورة الإسراء آية (١)، والحديد آية (١) لبيان معنى يسبحون. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِى الْأَرْضِ﴾: أي لعامة المسلمين، وغيرهم من أهل التّوحيد ولمن آمن بالله رباً وإلهاً، واللام في لمن: لام الاختصاص، ومن: بعضية بعض من في الأرض وهم المسلمون بالله رباً وإلهاً ولا يستغفرون للمشركين والكافرين. ﴿أَلَا﴾: أداة تنبيه واستفتاح. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: تفيد التّوكيد. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر.

стр. 4744

﴿الْغَفُورُ﴾: صيغة مبالغة على وزن فعول، من: غفر؛ أي كثير الغفر وهو السّتر؛ أي يستر الذّنوب ويمحوها ويعفو عنها، ومهما عمل المكلفون من أعمال صالحة يبقون مقصرين فهم بحاجة إلى مغفرة ورحمة. وغفور للذنوب الكبيرة إذا تاب العبد وأناب إلى ربه وغفار للذنوب الكثيرة. ﴿الرَّحِيمُ﴾: صيغة مبالغة على وزن فعيل، أي كثير الرّحمة لعباده المؤمنين. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٢) لمزيد من البيان. ولمقارنة هذه الآية (٥) من سورة الشّورى وهي قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِى الْأَرْضِ﴾ والآية (٧) من سورة غافر وهي قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، ارجع إلى سورة غافر الآية (٧) للبيان والمقارنة. سورة الشورى [٤٢: ٦] ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾: من دون الله سبحانه؛ أي: من غير الله، أو سواه. اتخذوا: شركاء لله تعالى. الّذين: اسم موصول يفيد العموم، اتخذوا من دونه أولياء: أي يعبدونهم، أو ليقربوهم عند الله زلفى أو ليشفعوا لهم أو لمساعدتهم، من: استغراقية تستغرق كلّ الأولياء الآلهة والأصنام وعيسى وعزيراً. ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾: أي الله رقيب على أقوالهم وأفعالهم؛ أي: عليم بها يحفظها ويحصيها لهم؛ ليحاسبهم عليها. ﴿وَمَا أَنْتَ﴾: الواو: عاطفة، ما: النّافية، والخطاب لرسول الله ﷺ . أنت: للتّوكيد. ﴿عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾: بموكَّل للدّفاع عنهم أو مسؤول عن أعمالهم وهدايتهم،

стр. 4745

ارجع إلى سورة الأعراف الآية (٨٩) لبيان معنى الوكيل والتوكل، فقط عليك البلاغ المبين، الباء (بوكيل) للإلصاق والتّوكيد. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٩) لمزيد من البيان. سورة الشورى [٤٢: ٧] ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى السَّعِيرِ﴾: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: أي كما أوحينا إليك هذا القرآن أوحينا إلى الرّسل من قبلك التّوراة والإنجيل والزّبور والصّحف، أوحينا: ارجع إلى الآية (٣) للبيان، وسورة النساء آية (١٦٣). أو: كما أنزلنا الكتب السّماوية السّابقة التّوراة والإنجيل والزّبور والصّحف أنزلنا إليك قرآنا عربياً. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: سمي قرآناً: لأنّه يقرأ من السّطور والتّلقي، عربياً: بلغة عربية، بلسان قومك. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾: اللام للتعليل، تنذر أم القرى؛ الإنذار: هو الإعلام (والتبليغ) والتحذير والتخويف؛ أي: تنذر أهل مكة من عدم مخالفة أوامر الله وتنذره من النّار والعذاب، وسميت أم القرى: لأنّها هي الأصل والأم لكلّ قرية أخرى على الأرض، ولها أسماء مثل بكة والبلد الأمين، وتسميتها بأم القرى؛ لأنّها كانت أول جزيرة بركانية ظهرت على قشرة الأرض ثم مدّت الأرض من حولها تدريجياً، حتى شكلت القارة الأم الّتي تشققت إلى القارات الحالية بشبكة من الصدوع الّتي أزاحت القارات عن بعضها كما نراها الآن. فهي أول قرية تشكلت على اليابسة وهي تقع وسط اليابسة، وكذلك فيها أول بيت وضع للناس فهي أم القرى من حيث النشأة ومن حيث الفضيلة. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٩٢) لمزيد من البيان.

стр. 4746

﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: من: استغراقية تشمل كلّ القرى حولها، الحول هو المحيط، فكلمة (حولها) تشمل كلّ مكان؛ أي: العرب وسائر النّاس، وخصوا بالذّكر لأنّهم أوّل المنذَرين، والخطاب وإن كان موجهاً إلى رسول الله ﷺ فالمقصود به أمته أيضاً. ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾: تكرار (وتنذر) للتوكيد، يوم الجمع: يوم القيامة، وله أسماء كثيرة منها يوم الحشر والجمع والقيامة والتّناد، والفصل والخروج والتّغابن، والصّاخة والحاقة والطّامة وغيرها. وسمي يوم الجمع؛ لأنّ الله سبحانه يجمع فيه الأولين والآخرين من الخلائق كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ ـ ٥٠]، ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨]. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا: النّافية، ريب فيه: الرّيب: الشّك والتّهمة؛ لأنّهم يشكون في قيامه ويكذبون رسول الله ﷺ وآيات الله. ﴿فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى السَّعِيرِ﴾: بعد الجمع يحصل الحساب والجزاء والقضاء، ثم الفصل والتّفرق: يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السّعير. سورة الشورى [٤٢: ٨] ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِى رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾: الواو استئنافية، لو شرطية. ﴿لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: اللام لام التّوكيد والتّعليل، لجعل النّاس جميعاً على دين واحد وشريعة واحدة. ﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك. ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِى رَحْمَتِهِ﴾: أي يدخل هؤلاء الّذين اختاروا طريق الطّاعة

стр. 4747

والإيمان بالله وبرسله، في رحمته: في دينه ورحمته ويزيدهم هداية وتوفيقاً لطاعته. ﴿وَالظَّالِمُونَ﴾: المشركون والظّالمون لأنفسهم بارتكاب الكفر والشّرك والمعاصي والذّنوب. ﴿مَا لَهُمْ﴾: ما النّافية، لهم: لام الاختصاص والملكية، ما لهم في الآخرة من ولي ولا نصير. ﴿مِنْ وَلِىٍّ﴾: من استغراقية تعني: ما لهم أيُّ ولي، أيّ قريب يعينهم ويساعدهم ويتولى أمورهم. ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾: لا النّافية، نصير: ينصرهم من عذاب الله؛ أي ينقذهم أو يدافع عنهم أو يخفف عنهم أو يشفع لهم. وتكرار (لا) يفيد التّوكيد وفصل كلّ من ولي ولا نصير أو كلاهما معاً؛ أي لا هذا ولا ذاك ولا كلاهما معاً. في هذه الآية لابد أن نذكر بأنّه حين يقول سبحانه: ما لهم من ولي ولا نصير؛ أي في الآخرة؛ لأنّه في الآخرة تنقطع الولاية والنصرة فلا داعي لذكر من دون الله، وحين يقول سبحانه ما لهم من دون الله من ولي ولا نصير هذه تعني في سياق الدّنيا. وكذلك لا بدّ أن نقارن هذه الآية (٨) وهي قوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِى رَحْمَتِهِ﴾ بالآية (٢٥) من سورة الفتح وهي قوله: ﴿لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: في سورة الشّورى قدّم المشيئة على الرّحمة، وفي سورة الفتح قدّم الرّحمة على المشيئة. ارجع إلى سورة الفتح آية (٢٥) للبيان. سورة الشورى [٤٢: ٩] ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِىُّ وَهُوَ يُحْىِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ﴿أَمِ﴾: للإضراب الانتقالي، والهمزة للاستفهام الإنكاري.

стр. 4748

﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٦) زاعمين أنّ هذه الآلهة تعينهم أو تنصرهم أو تشفع لهم. ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِىُّ﴾: الفاء للعطف والتّوكيد، هو: ضمير فصل يفيد الحصر والتّوكيد، الولي: المعين لأوليائه القيّم على أمر أوليائه، وتقدير الآية: أي إن أرادوا ولياً فالله هو الولي الحق ولا ولي في الآخرة إلا هو. ﴿وَهُوَ يُحْىِ الْمَوْتَى﴾: وهو وحده (هو للتوكيد والحصر) الّذي يحيي الموتى للحساب والجزاء. ولمعرفة كيف يتم هذا الإحياء ارجع إلى سورة الرّوم آية (١٩). ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: أي حصراً على كلّ شيء قدير، وتكرار (هو) يفيد التّوكيد، ولكونه سبحانه هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كلّ شيء قدير كلّ هذه الأدلة تدعو إلى الإيمان به وحده وعبادته وطاعته. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٠) للبيان. سورة الشورى [٤٢: ١٠] ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية، ما مطلقة للعاقل وغير العاقل. ﴿اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَىْءٍ﴾: أي في أمر من أمور الدّين أو الدّنيا (أحكام الدّين) أو (الخصومات) وغيرها مع بعضكم بعضاً أو مع غيركم من غير المسلمين، من استغراقية، شيء: نكرة تشمل أيَّ شيء مهما كان، وسواء أكان حسياً أم معنوياً. ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾: أي يجب ردُّ حكمه إلى الله وإلى رسوله (إلى القرآن والسّنة)؛ ليفصل بينكم ويحكم بينكم بالحق.

стр. 4749

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّى﴾: ذلكم: اسم إشارة يفيد التّعظيم واللام للبعد والكاف للمخاطب، الله: أي الإله الحق المعبود واجب الوجود، ربي: الخالق المربّي والولي والرّازق. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: تقديم (عليه) للحصر والقصر؛ أي عليه وحده أتوكل: أي أفوّض أموري إليه وحده في الدّنيا ليساعدني على القيام بها. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٩) للبيان في معنى التوكل. ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: إليه تفيد الحصر والقصر، أنيب: أرجِع في معرفة بيان الحكم؛ وتعني: الإسراع في التّوبة، وتعني: أرجِع إلى كتابه وسنة رسوله ﷺ وهديه، وتعني: كثرة الرّجوع إليه.

стр. 4750

سورة الشّورى [الآيات ١١ - ١٥] سورة الشورى [٤٢: ١١] ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: عدد من الصّفات الدّالة على كمال قدرته وعظمته على الخلق، والموصوف بكلّ صفات الكمال، وأنّه الإله الحق الّذي يجب أن يُعبد وحده ويتوكل عليه وأنّه وحده الرّب الرّزاق. ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي ابتدأ خلقهما وأظهرهما للوجود، من انفطر: انشقّ؛ أي المظهر لوجود السّموات والأرض، وقيل: فاطر السّموات والأرض: خالقهما على غير مثال سابق؛ أي لأوّل مرة. ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾: الجعل يكون بعد الخلق، جعل لكم من جنسكم من الجنس البشري أزواجاً ذكوراً وإناثاً. ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾: من ابتدائية، الأنعام (الضأن والماعز والإبل والبقر) أزواجاً ذكراً أو أنثى، أزواجاً للتكاثر. ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾: الذّرء: يعني التّزاوج بالتّكاثر، يذرؤكم: يكثركم بالتّزاوج فيه: تعود على الذّرء؛ أي: التّزاوج. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾: ليس للنفي، كمثله: الكاف لتوكيد النّفي والتّشبيه فجاء بأداتين لنفي الشبه، أو المثلية هما ليس والكاف؛ أي ليس مثله شيء، لا نظير لا مثيل له في ذاته وصفاته وأفعاله وحكمته وقدرته وعلمه وخلقه، فهو

стр. 4751

لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ولا يشبههُ أحد، فهو الواحد الأحد ليس كمثله شيء ولو من شيء بعيد أو قريب أو مهما كان، فهذه الآية تنزّه الله سبحانه عن مشابهة المخلوقين؛ أي: خلقه، ولا ننسى قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقالوا كل ما يُقال له شيء موجود سبق وجوده عدم والله سبحانه هو الأول والآخر لكل ما سواه بلا بداية وبلا نهاية ولذلك لا يقال لله سبحانه شيء؛ لأنه خالق الأشياء. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: السّميع لأقوال عباده يسمع ما في الكون من قول وسر وعلن ونجوى، البصير: بأعمال عباده وأحوالهم، يبصر كلّ شيء وإن دقَّ وصغر، أحاط بصره بجميع المبصرات في أقطار السّموات والأرض. سورة الشورى [٤٢: ١٢] ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: يستمر في ذكر صفات الله الدّالة على كمال قدرته وعظمته ووحدانيته. ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مقاليد: جمع أقليد، وقيل: جمع مقلاد؛ أي: يُسند إليه يفوّض إليه تصريف وإدارة وتدبير أمور السّموات والأرض. ارجع إلى الآية (٦٣) من سورة الزّمر. للبيان المفصل في مقاليد السموات والأرض. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾: أي يوسّع الرّزق لمن يشاء من خلقه ابتلاءً، ويقدر؛ أي: يضيّق الرّزق لمن يشاء من خلقه ابتلاءً. ارجع إلى سورة سبأ الآية (٣٦) والآية (٣٩) لبيان معنى آيات بسط الرزق، كقوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، و ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ: ٣٦]. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿بِكُلِّ﴾: الباء للإلصاق والإلزام.

стр. 4752

﴿شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: بكل ما يحدث في كونه وما يعمله خلقه، عليم بالغني والفقير، وعليم بكلّ شيء مهما كان نوعه وشكله ولونه وحاله وقدرته. عليم صيغة مبالغة؛ أي: كثير العلم وهو عالم الغيب والشّهادة وهو علّام الغيوب. سورة الشورى [٤٢: ١٣] ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: شرع: أوضح وأظهر الحق من الباطل، أو أوجب، لكم: اللام لام الاختصاص لكم خاصة، من الدّين؛ الدّين: يعني الإسلام، والدين: هو الطاعة والانقياد والشريعة والعقيدة، ويعني: الجزاء والحساب والخضوع وحكم الله وقضاؤه. ارجع إلى سورة البقرة الآية (١٣٢) لمزيد من البيان في معنى الدين والملة، ما وصّينا به نوحاً والّذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى، استعمل (ما) واستعمل (الّذي) فما الفرق بينهما: ما تستعمل للشيء غير المحدد والأكثر شمولاً كالتوراة التي حرفت أو ما وصى به نوحاً وهو غير معروف، وكذلك ما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى غير محدد وأكثر شمولاً، والّذي تستعمل للشيء المحدد المعروف؛ أي: القرآن وتختصّ المفرد المذكر، بينما ما تستعمل للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، استعمل (ما) لما وصى به نوحاً واستعمل (الذي) أوحينا إليك: الخطاب إلى محمّد ﷺ ؛ ويعني القرآن والتّكاليف والتّعاليم، ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣) لمعرفة معنى: أوحينا إليك. ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا﴾: وما وصينا به إبراهيم

стр. 4753

وموسى وعيسى أن أقيموا الدين؛ أن: مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد، والوصية هي: أن أقيموا الدّين، ولم يقل وأقيموا الأديان؛ لأنّ كلّ الرّسل والأنبياء لهم دين واحد وهو الإسلام، وإقامة الدّين تعني: تطبيق أحكامه وامتثال أوامره وتجنب نواهيه. ارجع إلى سورة النساء آية (١١) لبيان معنى وصينا. فالدين واحد، ولكن ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾: لا تنقسموا إلى مذاهب وشيعٍ وطرائق، ولم يقل ولا تفرقوا، وإنما تتفرقوا: إضافة التّاء؛ لتدل على الكثرة، كثرة الأمم المخاطبة مثل أمة محمّد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح مقارنة بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] عندما خاطب أمة محمد ﷺ وحدها، ولكونها جزء من الأمم الأخرى ومن أصغرها. ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾: أي شقّ وعظم على المشركين ما تدعوهم إليه من التّوحيد وإقامة الدّين وترك عبادة الأصنام والإيمان بالبعث والحساب والجزاء. ﴿اللَّهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: يجتبي: يصطفي إليه من يشاء من عباده من اختار لنفسه طريق الطاعة والإيمان. ﴿وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾: الإنابة سرعة الرّجوع إلى الله والتّوبة؛ أي يوفّق من يشاء بالرّجوع إليه والتّوبة. سورة الشورى [٤٢: ١٤] ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية، ما النّافية.

стр. 4754

﴿تَفَرَّقُوا﴾: أي قريش أو أهل الكتاب، وأصبحوا مذاهب وشيعاً وطوائف في دين الله، فآمن بعضهم وكفر بعضهم أو آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض. ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ﴾: إلا أداة حصر. ﴿مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: العلم هو القرآن الكريم والرّسول محمّد ﷺ ، بغياً بينهم: تفرّقوا بسبب الحسد وحبّ الجاه والسّيطرة والحرص على الدّنيا. وتعريف البغي: هو أخذ حق الغير بقهر وقوة وتعسُّف. ﴿وَلَوْلَا﴾: لولا حرف شرط. ﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: بتأخير العقوبة والإمهال وتأخير الحساب ليوم القيامة. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: هو يوم القيامة. ﴿لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾: حكم بينهم أو فصل بينهم بإنزال العذاب على المكذّبين ونجاة المؤمنين. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: من بعدهم؛ أي من بعد اليهود والنّصارى (أهل الكتاب) هم العرب، الكتاب: التّوراة أو الإنجيل أو القرآن، من بعدهم: من بعد أنبيائهم، أو من بعد الأولين أو الأمم الّتي سبقتهم. ﴿لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾: اللام في (لفي) للتوكيد، شك منه: منه تعود على القرآن الكريم، إذا كان المقصود هم العرب الّذين أورثوا الكتاب فهم في شك من القرآن أنّه منزل من عند الله، وأنّهم يتّهمون النّبي ﷺ بأنّه افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، وإذا كان المقصود هم أهل الكتاب الّذين أورثوا الكتاب؛ أي:

стр. 4755

التوراة والإنجيل، لفي شك من القرآن أو التّوراة أو الإنجيل مريب: والرّيب: هو الشّك والتّهمة. سورة الشورى [٤٢: ١٥] ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾: ﴿فَلِذَلِكَ﴾: الفاء استئنافية، لذلك: اللام للتعليل والتّوكيد، ذا اسم إشارة يشير إلى منع التّفرق ونبذه، والكاف للمخاطب. ﴿فَادْعُ﴾: الفاء للتوكيد، ادعُ: إلى دين الله الحق وهو الإسلام الدّين الحنيف، ادعُ النّاس إلى التّوحيد ولا إله إلا الله وطاعته وعبادته وترك عبادة الأصنام والشّرك. ﴿وَاسْتَقِمْ﴾: أي الزم منهج القرآن والسّنة، وأتمَّ الفرائض وتجنّب المحارم، وقيل: الاستقامة: الاعتدال أو الوسطية لا إفراط ولا تفريط في الدّين، والتّوبة تساعد على الاستقامة، والاستقامة طريق إلى الجنة. ارجع إلى سورة فصلت آية (٣٠) لمزيد من البيان في معنى الاستقامة. ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾: بطريق الوحي أو كما ورد في القرآن؛ أي: كما أمرك الله سبحانه. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾: لا النّاهية، تتبع أهواءهم: جمع هوى والهوى: لتعريفه ارجع إلى سورة الأنعام الآية (٥٦) وتتبع أهواءهم مثل اتّباع ملّتهم. ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾: الباء للإلصاق، الخطاب إلى رسول الله ﷺ وأمته، آمنت: صدقت بما أنزل الله: من استغراقية تشمل القرآن

стр. 4756

والتّوراة والإنجيل والزّبور، وآمنت بكلّ ما أنزل في الكتاب (القرآن) إيماناً كاملاً فلا أكفر ببعض وأؤمن ببعض. ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾: في الحكم والقضاء دون ميل عن الحق. ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾: الله الإله الحق واجب الوجود هو ربنا وربكم؛ أي خالقنا وخالقكم ورازقنا ورازقكم. ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾: أي ثوابها أو وزرها. ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾: لا النّافية؛ أي لا حاجة إلى الجدال أو المحاجة والخصومة بيننا وبينكم لإثبات من هو المحقّ ومن هو المبطل بعد الآن؛ لأنّ الحق قد تبيّن وظهر وكذلك الباطل. ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾: أي يوم القيامة أو في أرض المحشر لفصل القضاء وتقديم الفاعل على الفعل للاهتمام والتّوكيد. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾: إليه حصراً وقصراً لا إلى غيره، المصير: المنتهى والمرجع والوقوف بين يديه للحساب والجزاء.

стр. 4757

سورة الشّورى [الآيات ١٦ - ٢٢] سورة الشورى [٤٢: ١٦] ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِى اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِى اللَّهِ﴾: قال قتادة في مناسبة هذه الآية: إنّ هناك جماعة من اليهود والنّصارى كانوا يقولون للمؤمنين: نبينا خير من نبيكم وكتابنا خير من كتابكم ونحن خير منكم! ليصدوا النّاس عن الدّخول في دين الله، يحاجّون: من الحِجاج هو: إظهار حجة كلّ طرف ومقابلتها بحجة الطّرف الآخر، ويحاجّون: تدل على التّجدد والتّكرار والاستمرار، في الله: في دين الله أو آيات الله أو ذات الله تعالى، يشككون النّاس بالإسلام أو بالدّين أو بآيات الله؛ لعلهم يردّونهم كفاراً كما قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩]. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾: له: تعود إلى دين الله أو رسول الله ﷺ ؛ أي: من بعد ما استجاب النّاس لدين الله ودخلوا فيه أفواجاً، أو استجاب الله لرسوله بنصره على أعدائه وإظهار دينه. راح بعض اليهود والنصارى يحاجون بعض المؤمنين. ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: حجتهم باطلة زائلة، داحضة مشتقة من: ادحاض القدم، والدّحض هو الطّين الأملس الّذي يؤدي إلى زلق القدم عن موضعها، فالّذين يحاجّون في الله ويريدون أن يبطلوا الحق بحجاجهم؛ أي: يزيلوا الحق بالباطل ويأبى الله تعالى ذلك. ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾: طردٌ من رحمة الله وإبعادٌ عنها.

стр. 4758

﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: لهم: اللام لام الاستحقاق والاختصاص، عذاب شديد في الدّنيا والآخرة. سورة الشورى [٤٢: ١٧] ﴿اللَّهُ الَّذِى أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾: ﴿اللَّهُ﴾: سبحانه اسم ذات واجب الوجود المعبود. ارجع إلى الآية (٣) من السّورة نفسها. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم والسّمو. ﴿أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾: أنزل القرآن جملة واحدة، دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا ليلة القدر. ﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق تفيد المصاحبة والملازمة؛ أي: ما فيه هو الحق، والحق هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغير ولا يتبدل، فالقرآن هو الحق والحق هو القرآن ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، والقرآن لن يتغير إلى يوم القيامة. ﴿وَالْمِيزَانَ﴾: هو العدل، العدل الّذي يحكم بين النّاس، وقيل: هو الميزان الّذي يوزن به، ومعنى إنزاله: هو إلهام بعض النّاس أن يخترعوا آلة الميزان ويستخدموا الوزن، وحذرهم من التّطفيف في الميزان؛ أي: أنزل الكتاب وشرع العدل بين النّاس وأمر النّاس بإقامة الوزن والكيل في البيع والشّراء. ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾: وما: الواو عاطفة، ما استفهامية، وما يدريك: ولم يقل وما أدراك، يدريك تفيد الحال والمستقبل، أمّا أدراك تفيد الماضي، وما أدراك: تنفي أن أدراه في الماضي فقد يدريه في الحال أو في المستقبل. أمّا قوله تعالى: (وما يدريك) تنفي الإدراك في الحال والمستقبل وتبقى غامضة إلى أن تقوم السّاعة، وقال ابن عبّاس: ما قال تعالى فيه وما أدراك، فقد

стр. 4759

أدراه، وما قال تعالى فيه وما يدريك ولم يدره به، وما يدريك: جاءت في القرآن في ثلاث آيات كلّها في سياق الغيب والساعة كقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾: وآية أخرى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ التّزكية لا يعلمها إلا الله. وأمّا (ما أدراك) فقد وردت في (١٣) آية كقوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ ثمّ شرح ما القارعة: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة: ١ - ٥]. لعل: تفيد الاستفهام، السّاعة قريب: قيام السّاعة، بدء السّاعة؛ أي: بدء تهدُّم النظام الكوني الحالي، قريب: ولم يقل قريبة؛ لأنّه يجوز التّذكير أو التّأنيث في سياق الزّمن أو المكان وبما أنّها جاءت في سياق الزّمن فيجوز تذكيرها أو تأنيثها، أمّا إذا جاءت في سياق النّسب والقرابة لا بدّ من أن تؤنث كأن تقول: هذه قريبة لي. وما مناسبة ذكر السّاعة بعد ذكر الكتاب والميزان؟ الجواب: أنزل عليكم الكتاب لتعلموا بما جاء به وتقيموا العدل وتستعدوا للساعة قبل أن تأتيكم بغتة. سورة الشورى [٤٢: ١٨] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِى السَّاعَةِ لَفِى ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾: كقولهم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨، الأنبياء: ٣٨، يس: ٤٨]؛ أي: يطالبون بقدومها استهزاءً وإنكاراً وتكذيباً بها؛ لأنّهم لا يصدّقون بقيامها وينكرون البعث والحساب ولا يستعدّون لها؛ لأنّهم لا يخافونها. لا يؤمنون بها: لا النّافية لكلّ الأزمنة، يؤمنون بها: يصدّقون بها. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾: كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ

стр. 4760

مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩]، الإشفاق: هو الخوف الممزوج بخشية وحذر من أن تقوم السّاعة سواء كانت (القيامة الصغرى أو القيامة الكبرى، وهم مقصّرون في حق ربهم من طاعة أو عبادة أو ألَّا تقبل أعمالهم الصّالحة، أو لا يدرون نتيجة أعمالهم)، ومشفقون: جملة اسمية تدل على الثّبوت؛ أي: إشفاقهم دائم مستمر لا ينقطع. ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾: أي أنّها آتية لا ريب فيها فهم يستعدّون لها. ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِى السَّاعَةِ﴾: ألا: أداة تنبيه واستفتاح، إنّ الّذين: للتوكيد، يمارون في السّاعة: المراء هو الجدال بعد ظهور وتبيُّن الحق أنّها آتية لا محالة، يجادلون في صحة وقوعها بشكٍّ وريبة. ﴿لَفِى ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾: اللام للتوكيد، ضلال بعيد: في تِيهٍ وبُعدٍ عن الحق وطريق الهدى لا يرجى معه عودتهم إلى الصّواب أو التّوبة والإيمان. سورة الشورى [٤٢: ١٩] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ﴾: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾: يبرُّ عباده ويواصل نعمه عليهم مؤمنهم وكافرهم برِّهم وفاجرهم، لطيف: صيغة مبالغة على وزن فعيل: كثير اللطف؛ أي: الرّفيق بعباده يوفّق عباده لفعل الخيرات، والعليم بكلّ شيء مهما دقَّ وصغر، وبمكانه وصفاته وأحواله؛ لأنّه كلما دقَّ الشّيء؛ أي: لطف، أصبح صعب الإيجاد والعثور عليه، فهو يعلم دقائق الأمور وخفاياها مهما دقّت وتناهت في الصّغر، ويحسن إلى عباده ويكرمهم، بعباده: الباء للإلصاق والملازمة. ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي يوسع الرّزق على من يشاء أو يرزق من يشاء بغير حساب. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر.

стр. 4761

﴿الْقَوِىُّ﴾: ذو القوة المتين، القوة له جميعاً، متين القوى؛ أي: شديد القوى، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء. ﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي الّذي يَقهر ولا يُقهر ويَغلب ولا يُغلب والممتنع ولا يحتاج إلى أحد ولا أحد قادر على ضره أو نفعه؛ لأنّه هو الضّار النّافع والمعطي والمانع. سورة الشورى [٤٢: ٢٠] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾: ﴿مَنْ كَانَ﴾: من شرطية، كان: تشمل كلّ الأزمنة. ﴿يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾: الحرث يعني بذر الحَبّ في الأرض؛ ليصبح زرعاً وثمراً كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، أي: من كان يريد بأعماله ثواب الآخرة، نزد له أو نضاعف له ثوابه. ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾: ومن كان يريد بأعماله ثواب الدّنيا، نؤته منها ما نريد وما له في الآخرة من نصيب. ﴿وَمَا لَهُ فِى الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾: من استغراقية؛ أي: ما له أيُّ نصيب مهما كان، والنّصيب: هو القسم المعين، ويكون في المحبوب والمكروه، أمّا الحظ يكون عادة في الخير أو المحبوب، وأما القسط: الحصة العادلة المبنية على العدل. وتكرار (من كان يريد) مرتين توكيد لفظي غايته تقرير الحكم في أذهان المخاطبين، وقدّم حرث الآخرة على حرث الدّنيا لأنّه هو الأفضل والأهم.

стр. 4762

سورة الشورى [٤٢: ٢١] ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاؤُا شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام ولتوبيخ مشركي قريش، أم للإضراب الانتقالي. ﴿شُرَكَاؤُا﴾: جمع شريك، من الآلهة والأوثان والشّياطين. ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾: شرعوا أوجدوا، أو سنُّوا لهم شرائع جديدة: أي طرائق وبدعاً ومناهج في الدّين ما لم يأذن به الله. ﴿وَلَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود (امتنع القضاء بينهم لوجود كلمة الفصل). ﴿كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾: بإمهال الكافرين وتأخير العذاب عنهم حتّى يوم القيامة. ﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾: بين الكافرين والمؤمنين وبين المشركين وشركائهم، قضي بينهم في الحياة الدّنيا بدون تأجيل؛ أي: حكم بينهم أو فصل بينهم بإنزال العذاب على المكذبين وإهلاكهم ونجاة المؤمنين. ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾: للتوكيد؛ أي: المشركين أو الظّالمين لأنفسهم أو لغيرهم. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: اللام لام الاختصاص أو الاستحقاق، عذاب أليم، نوع من أنواع العذاب ومنها: العظيم المهين والأليم والشّديد. سورة الشورى [٤٢: ٢٢] ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِى رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾: في الآخرة يوم القيامة (المشركين والّذين ظلموا أنفسهم بالعصيان)، ترى رؤية بصرية بالعين. ﴿مُشْفِقِينَ﴾: خائفين حذِرين لا يدرون ما سيفعل بهم.

стр. 4763

﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾: من: ابتدائية، ما: اسم موصول بمعنى الّذي كسبوا، وما: أوسع شمولاً من الذي، أو مصدرية، مشفقين من كسبهم من جزاء ما كسبوا من السّيئات والآثام والشّرك والكفر، كسبوا في الدّنيا، ولم يقل ما اكتسبوا؛ لأنّ كسبهم أصبح أمراً عادياً وسهلاً ولا يحتاج إلى جهد. كسبوا عادة تأتي في سياق المباح وأعمال الخير، اكتسبوا عادة تأتي في سياق الأشياء المحرمة وأفعال الشّر الّتي تحتاج إلى جهد ومشقة، ارجع إلى سورة البقرة الآية (٢٨٦) للبيان. ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾: وهو تعود على الجزاء والعقاب، واقع بهم؛ أي: نازل بهم لا محالة محيط بهم. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِى رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾: جمع روضة، والرّوضة: المكان الكثير الخير والعطاء والبهيج والجميل وأحب الأماكن إلى النّفس. ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: لهم: اللام لام الاختصاص، ما يشاؤون عند ربهم: وفيه ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين، عند ربهم: عند ظرف مكان. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد، يشير إلى روضات الجنات، جنات الفردوس وجنات عدن وجنات النّعيم وجنات المأوى. ﴿هُوَ﴾: للتوكيد. ﴿الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾: الفضل الإلهي الكبير، والفضل: هو الزّيادة على الأجر أو ما يستحقه العبد زيادة على أجره. والفضل الكبير قيل: هو الدّخول في الجنة؛ أي: الفضل الكامل التّام.

стр. 4764

سورة الشّورى [الآيات ٢٣ - ٣١] سورة الشورى [٤٢: ٢٣] ﴿ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد، يشير إلى الثّواب والنّعيم (روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم). ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم. ﴿يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: يُبشر من البشارة: وهي الخبر السّارّ، وتكرار (الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات) يدل على التّوكيد، ولم يقل يُبشر به عباده (به) تعني فقط بشارة واحدة، ولم يقل به؛ لأنّ البشارة لا تقتصر على هذه البشارة، فهناك بشارات أخرى مختلفة لم تذكر في هذه الآية. ﴿قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى﴾: أي أجراً على تبليغ الوحي أو القرآن أو ما أنزل الله، إلا: أداة حصر، المودة في القربى: أي أن تودوا قرابتكم وتصلوا أرحامكم، وقد تعني: ألا تؤذوني في قرابتي؛ أي: تودوا قرابتي حتّى أبلّغ رسالتي، أو تكفّوا عني أذاكم وتمنعوني من أذى النّاس حتّى أبلّغ رسالتي. ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾: من: بمعنى الذي، وتشمل المفرد والمثنى والجمع، والذكر والأنثى؛ يقترف: أي: ومن يكتسب حسنة (بالقول أو الفعل). ولتعريف الحسنة: ارجع إلى سورة فصلت آية (٣٤). والاقتراف: يعني الاكتساب، ويأتي في سياق الحسنة أو السيئة؛ أي: الحسنات والسيئات.

стр. 4765

﴿نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾: أي نضاعفها له. مضاعفة الحسنات: هي الزّيادة في حسنها. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد. ﴿غَفُورٌ﴾: صيغة مبالغة من غافر: من الغفر؛ وهو السّتر، وكلّ شيء ستره فقد غفره؛ أي: يستر الذّنوب ويعفو عنها، كثير المغفرة يغفر الذّنوب مهما عظمت وكثرت إلا الشّرك والكفر المصحوب بغير توبة. ﴿شَكُورٌ﴾: صيغة مبالغة من شكر: شكور؛ يعني: يثيب عباده على طاعتهم، ويقبل العمل القليل ويعطي الثّواب الكبير. سورة الشورى [٤٢: ٢٤] ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: ﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ، وأم للإضراب الانتقالي. ﴿يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي الّذين كفروا من قريش يقولون: إنّك تفتري على الله كذباً، كذباً: نكرة لا يدل على شيء معيّن من الكذب، وإنما تشمل كلّ أنواع الكذب، ولو قال تعالى افترى على الله الكذب، فهذا يشير إلى كذب معيّن، وكذباً بصيغة التّنكير تشمل كلّ الكذب. ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾: فإن: الفاء للتوكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال أو الافتراض أو الشّك، يشأ الله يختم على قلبك، الختم: أقل شدة من الطبع، والطبع: يأتي في سياق الشر؛ أي: لو افتريت على الله كذباً مهما كان نوعه لختم الله على قلبك بأن يُنسيك القرآن أو يجعلك غير قادر على الافتراء، وفي آية أخرى مماثلة: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧].
следующие страницы →