← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

﴿الْقَوِىُّ﴾: ذو القوة المتين، القوة له جميعاً، متين القوى؛ أي: شديد القوى، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء. ﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي الّذي يَقهر ولا يُقهر ويَغلب ولا يُغلب والممتنع ولا يحتاج إلى أحد ولا أحد قادر على ضره أو نفعه؛ لأنّه هو الضّار النّافع والمعطي والمانع. سورة الشورى [٤٢: ٢٠] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾: ﴿مَنْ كَانَ﴾: من شرطية، كان: تشمل كلّ الأزمنة. ﴿يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾: الحرث يعني بذر الحَبّ في الأرض؛ ليصبح زرعاً وثمراً كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، أي: من كان يريد بأعماله ثواب الآخرة، نزد له أو نضاعف له ثوابه. ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾: ومن كان يريد بأعماله ثواب الدّنيا، نؤته منها ما نريد وما له في الآخرة من نصيب. ﴿وَمَا لَهُ فِى الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾: من استغراقية؛ أي: ما له أيُّ نصيب مهما كان، والنّصيب: هو القسم المعين، ويكون في المحبوب والمكروه، أمّا الحظ يكون عادة في الخير أو المحبوب، وأما القسط: الحصة العادلة المبنية على العدل. وتكرار (من كان يريد) مرتين توكيد لفظي غايته تقرير الحكم في أذهان المخاطبين، وقدّم حرث الآخرة على حرث الدّنيا لأنّه هو الأفضل والأهم.

стр. 4762

سورة الشورى [٤٢: ٢١] ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاؤُا شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام ولتوبيخ مشركي قريش، أم للإضراب الانتقالي. ﴿شُرَكَاؤُا﴾: جمع شريك، من الآلهة والأوثان والشّياطين. ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾: شرعوا أوجدوا، أو سنُّوا لهم شرائع جديدة: أي طرائق وبدعاً ومناهج في الدّين ما لم يأذن به الله. ﴿وَلَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود (امتنع القضاء بينهم لوجود كلمة الفصل). ﴿كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾: بإمهال الكافرين وتأخير العذاب عنهم حتّى يوم القيامة. ﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾: بين الكافرين والمؤمنين وبين المشركين وشركائهم، قضي بينهم في الحياة الدّنيا بدون تأجيل؛ أي: حكم بينهم أو فصل بينهم بإنزال العذاب على المكذبين وإهلاكهم ونجاة المؤمنين. ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾: للتوكيد؛ أي: المشركين أو الظّالمين لأنفسهم أو لغيرهم. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: اللام لام الاختصاص أو الاستحقاق، عذاب أليم، نوع من أنواع العذاب ومنها: العظيم المهين والأليم والشّديد. سورة الشورى [٤٢: ٢٢] ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِى رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾: في الآخرة يوم القيامة (المشركين والّذين ظلموا أنفسهم بالعصيان)، ترى رؤية بصرية بالعين. ﴿مُشْفِقِينَ﴾: خائفين حذِرين لا يدرون ما سيفعل بهم.

стр. 4763

﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾: من: ابتدائية، ما: اسم موصول بمعنى الّذي كسبوا، وما: أوسع شمولاً من الذي، أو مصدرية، مشفقين من كسبهم من جزاء ما كسبوا من السّيئات والآثام والشّرك والكفر، كسبوا في الدّنيا، ولم يقل ما اكتسبوا؛ لأنّ كسبهم أصبح أمراً عادياً وسهلاً ولا يحتاج إلى جهد. كسبوا عادة تأتي في سياق المباح وأعمال الخير، اكتسبوا عادة تأتي في سياق الأشياء المحرمة وأفعال الشّر الّتي تحتاج إلى جهد ومشقة، ارجع إلى سورة البقرة الآية (٢٨٦) للبيان. ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾: وهو تعود على الجزاء والعقاب، واقع بهم؛ أي: نازل بهم لا محالة محيط بهم. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِى رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾: جمع روضة، والرّوضة: المكان الكثير الخير والعطاء والبهيج والجميل وأحب الأماكن إلى النّفس. ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: لهم: اللام لام الاختصاص، ما يشاؤون عند ربهم: وفيه ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين، عند ربهم: عند ظرف مكان. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد، يشير إلى روضات الجنات، جنات الفردوس وجنات عدن وجنات النّعيم وجنات المأوى. ﴿هُوَ﴾: للتوكيد. ﴿الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾: الفضل الإلهي الكبير، والفضل: هو الزّيادة على الأجر أو ما يستحقه العبد زيادة على أجره. والفضل الكبير قيل: هو الدّخول في الجنة؛ أي: الفضل الكامل التّام.

стр. 4764

سورة الشّورى [الآيات ٢٣ - ٣١] سورة الشورى [٤٢: ٢٣] ﴿ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد، يشير إلى الثّواب والنّعيم (روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم). ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم. ﴿يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: يُبشر من البشارة: وهي الخبر السّارّ، وتكرار (الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات) يدل على التّوكيد، ولم يقل يُبشر به عباده (به) تعني فقط بشارة واحدة، ولم يقل به؛ لأنّ البشارة لا تقتصر على هذه البشارة، فهناك بشارات أخرى مختلفة لم تذكر في هذه الآية. ﴿قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى﴾: أي أجراً على تبليغ الوحي أو القرآن أو ما أنزل الله، إلا: أداة حصر، المودة في القربى: أي أن تودوا قرابتكم وتصلوا أرحامكم، وقد تعني: ألا تؤذوني في قرابتي؛ أي: تودوا قرابتي حتّى أبلّغ رسالتي، أو تكفّوا عني أذاكم وتمنعوني من أذى النّاس حتّى أبلّغ رسالتي. ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾: من: بمعنى الذي، وتشمل المفرد والمثنى والجمع، والذكر والأنثى؛ يقترف: أي: ومن يكتسب حسنة (بالقول أو الفعل). ولتعريف الحسنة: ارجع إلى سورة فصلت آية (٣٤). والاقتراف: يعني الاكتساب، ويأتي في سياق الحسنة أو السيئة؛ أي: الحسنات والسيئات.

стр. 4765

﴿نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾: أي نضاعفها له. مضاعفة الحسنات: هي الزّيادة في حسنها. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد. ﴿غَفُورٌ﴾: صيغة مبالغة من غافر: من الغفر؛ وهو السّتر، وكلّ شيء ستره فقد غفره؛ أي: يستر الذّنوب ويعفو عنها، كثير المغفرة يغفر الذّنوب مهما عظمت وكثرت إلا الشّرك والكفر المصحوب بغير توبة. ﴿شَكُورٌ﴾: صيغة مبالغة من شكر: شكور؛ يعني: يثيب عباده على طاعتهم، ويقبل العمل القليل ويعطي الثّواب الكبير. سورة الشورى [٤٢: ٢٤] ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: ﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ، وأم للإضراب الانتقالي. ﴿يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي الّذين كفروا من قريش يقولون: إنّك تفتري على الله كذباً، كذباً: نكرة لا يدل على شيء معيّن من الكذب، وإنما تشمل كلّ أنواع الكذب، ولو قال تعالى افترى على الله الكذب، فهذا يشير إلى كذب معيّن، وكذباً بصيغة التّنكير تشمل كلّ الكذب. ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾: فإن: الفاء للتوكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال أو الافتراض أو الشّك، يشأ الله يختم على قلبك، الختم: أقل شدة من الطبع، والطبع: يأتي في سياق الشر؛ أي: لو افتريت على الله كذباً مهما كان نوعه لختم الله على قلبك بأن يُنسيك القرآن أو يجعلك غير قادر على الافتراء، وفي آية أخرى مماثلة: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧].

стр. 4766

﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾: أي ولو افتريت أي باطلاً فإنّ الله قادر على إزالته ومحوه محواً تاماً وإقامة الحق. ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾: مكان الباطل؛ أي: يثبت الحق، والحق: هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغير أو يتبدل. ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾: بما يُنزل في القرآن أو بالحجج والبراهين وبالآيات. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: إنّه للتوكيد، عليم: صيغة مبالغة: كثير العلم. ذات الصدور: ارجع على سورة آل عمران آية (١١٩) للبيان. سورة الشورى [٤٢: ٢٥] ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾: ﴿وَهُوَ﴾: تعود على الله سبحانه واجب الوجود، تفيد الحصر والتّوكيد. ﴿الَّذِى﴾: للتعظيم. ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾: القبول: هو أخذ الشّيء برضا؛ أي: يقبل التّوبة، وقبول التوبة كأنها صفة خاصة به سبحانه، وهي: الكفُّ عن المعصية وعدم الرّجوع إليها، والنّدم عليها والإكثار من النّوافل وإرجاع الحقوق إلى أصحابها، عن عباده: ولم يقل من عباده؛ أي: يقبل التّوبة الصّادرة عن عباده؛ أي: يقبل التّوبة نفسها لأنّه سبحانه قد يقبل التّوبة أو يرفضها. وعن: تعني الإبعاد؛ أي: يبعد عنهم سيئاتهم؛ أي: يمحوها ولو قال تعالى يقبل التوبة من عباده لكانت تعني يقبل التوبة من الجهة المصدرة للتوبة؛ أي: من العبد، وحين يقبلها سبحانه يعني يقبلها نفسها، ومن الجهة المصدرة لها؛ أي: من العبد. ﴿وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾: أي: يعفو عن أصحاب السيئات (عفو مطلق)، والسيئات: جاءت معرفة بأل التعريف. قيل: الصّغائر، ومنهم من قال: الصّغائر

стр. 4767

والكبائر، والعفو: ترك العقوبة؛ أي يمحوها ولا يعاقب عليها. وانظر: إلى كيفية كتابة يعفو بالواو في هذه الآية، والآية (٣٠) كذلك من نفس السورة، بينما في الآية (٣٤) من نفس السورة جاءت (يعف) بدون واو، والسبب أنها مجزومة بحذف الواو؛ لأنها جاءت معطوفة على الشرط. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾: من خير وشر. انظر: كيف انتقل من صيغة الغيبة إلى صيغة المخاطب، وقال: ويعلم ما تفعلون للتحذير وللفت الانتباه للتوبة، وعدم العودة إلى فعل السيئات. سورة الشورى [٤٢: ٢٦] ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: ويستجيب الله سبحانه دعاء الّذين آمنوا لما طلبوه ودعوه، وقيل: السّين والتّاء في (يستجيب) للتأكيد، بمعنى: أجاب الله الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات وتدل على التّجدد والتّكرار. ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي يجيبُ الله الّذين آمنوا ويعطيهم ما سألوه ويزيدهم من فضله على ما يستحقّونه تفضّلاً منه وتكرّماً. ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: لهم: اللام لام الاختصاص والاستحقاق. لهم عذاب شديد: نوع من أنواع العذاب الّذي لا يُطاق في جهنم. سورة الشورى [٤٢: ٢٧] ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِى الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: الواو استئنافية، لو: شرطية. ﴿بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِى الْأَرْضِ﴾: بسط: وسّع ومدَّ لعباده: اللام لام الاختصاص، لَبَغوا في الأرض: اللام لام التّعليل والتّوكيد، لَبَغوا: من البغي:

стр. 4768

وهو أخذ حق الغير بقهر وقوة وتعسُّف؛ ويعني: الظّلم والفسق والفساد في الأرض والكِبر والتّبذير. ﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك. ﴿يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾: أي بتقدير حسب ما تقتضيه حكمته الرّبانية جلّ شأنّه، كقوله: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرّعد: ٨]، وكقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد، بعباده: الباء للإلصاق. ﴿خَبِيرٌ﴾: يعلم بواطن أحوالهم، ويعلم ما هو أصلح لهم وأنفع لحياتهم ودنياهم وآخرتهم. ﴿بَصِيرٌ﴾: يعلم ظواهر أحوالهم، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٣١) في سورة فاطر، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ نجد زيادة اللام في لخبير، التي تفيد التوكيد؛ لأن السياق في آية فاطر في الكتاب وإقام الصلاة والإنفاق، أما في آية الشورى: في بسط الرزق. سورة الشورى [٤٢: ٢٨] ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِىُّ الْحَمِيدُ﴾: ﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر، يعود على واجب الوجود وحده. ﴿الَّذِى﴾: يفيد التّعظيم. ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾: أي: المطر المنزل من السماء؛ أي: من السّحاب، والغيث الماء المنزل الذي يحمل معه الخير والنّفع وسمي غيثاً؛ لأنّه يغيث النّاس من الجدب والقحط، وأما كلمة المطر في القرآن تأتي في سياق العذاب والشّر

стр. 4769

والفيضانات والغرق، وكلمة الغيث تأتي في سياق الخير والنفع، ينزل: بصيغة المضارع الّتي تدل على التّجدد والتّكرار. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾: القنوط هو شدة اليأس، من: ابتدائية، قنطوا من شدة القحط، قنطوا من رحمة الله تعالى. ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: الرّحمة قيل: هي جلب ما يسُرُّ ودفع ما يضرُّ وتشمل الغيث والصحة والغنى والأمن وغيرها. ﴿وَهُوَ﴾: يفيد التّوكيد. ﴿الْوَلِىُّ﴾: القيّم على أمور الخلائق والمدبّر أمورهم، والمعين لأوليائه ومحبّهم. ﴿الْحَمِيدُ﴾: مشتقة من الحمد، المحمود بحق في كلّ الأحوال من أهل السّموات والأرض، مستحق الحمد أهل الثّناء له الحمد كلّه لبرّه وخيره وإحسانه ورحمته، وله الحمد على خلقه وشرعه ودينه وهدايته وثوابه. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٢). سورة الشورى [٤٢: ٢٩] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ومن: بعضية، آياته الدّالة على أنّه الإله الحق، والدّالة على كمال قدرته وعظمته، خلق السّموات والأرض: ارجع إلى سورة فصلت الآيات (٩ - ١٢)، وسورة الأنبياء آية (٣٠)، وسورة الأعراف آية (٥٤) للبيان، ونسبة الآيات له تدلّ على عظمتها وتشريفها وكونها آيات كبرى. ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا﴾: (أي السّموات والأرض)، بثّ: نشر ووزّع خلقه في كلّ أقطار الأرض، ونشر الملائكة في كلّ أقطار السّموات، وإذا قارنا هذه مع الآية

стр. 4770

(٤) في سورة الجاثية، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ﴾ نجد أن يبث: فعل مضارع يدل على التجدد، والتكرار، والاستمرار في البعث، بينما آية الشورى (بث) فعل ماض تدل على الماضي؛ أي: ابتداء الخلق؛ أي: ابتداء البعث. ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: من للعاقل، دابّة: كلّ من يدبّ على الأرض من إنس وجن وحيوان وفي السّماء من الملائكة، وهناك من قال فيهما: تعني في إحداهما من دابّة؛ أي: الأرض، وهذا يسمى نسبة الشّيء إلى الكلّ والمراد البعض، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ والمقصود يخرج من أحدهما وهو المالح، وهناك من قال: دابة تعني الحيوان فقط ولا تعني الإنس والجن. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد ويعود على الله سبحانه. ﴿عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ﴾: إذا: ظرفية بمعنى حين يشاء؛ أي: في أيّ زمن أو حين يشاء، يوم الجمع: أي يوم الحشر أو يوم القيامة. ﴿قَدِيرٌ﴾: صيغة مبالغة من قادر؛ أي: ذو القدرة، القادر على كلّ شيء في السّموات وفي الأرض فلا يعجزه شيء، والقادر: أي المسيطر على الكون وعلى مخلوقاته بقدرته المطلقة. سورة الشورى [٤٢: ٣٠] ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية، ما شرطية. ﴿أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾: من استغراقية تشمل كلّ مصيبة؛ أي: مرض أو حادثة طارئة أو بلاء في الدّنيا بنقص في الأموال والأنفس والثمرات أو الخوف أو عقوبة. ﴿فَبِمَا﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، الباء سببية أو بدلية، ما بمعنى الّذي.

стр. 4771

﴿كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾: أي بسبب السّيئات الّتي اقترفتموهما؛ أي: هي كفارات لذنوبكم. ارجع إلى سورة الحديد الآية (٢٢)، وسورة التغابن الآية (١١) لمقارنة الآيات التي وردت في المصائب مع آية الشورى. ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾: عن كثير من المعاصي فلا يعاقب عليها، وقد يكون: ما أصابكم من مصيبة أيضاً بغير ذنب وإنما لزيادة الأجر ورفع درجاتكم وكلّ ما يصيب المؤمن من خير أو شر هو خير له في النهاية؛ لكي تحط عنه خطاياه وترفع درجاته إذا صبر واحتسب. ولنقارن قوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ و: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشّورى: ٤٨]، المصيبة قد تكون نتيجة ما كسبت الأيدي أو قدّمت، كسبت تأتي في سياق آيات الكسب؛ لذلك ننظر إلى ما قبلها وما بعدها من الآيات إذا فيها كسب تأتي: كسبت أيديكم، وإذا ليس فيها كسب تأتي: قدمت أيديهم. سورة الشورى [٤٢: ٣١] ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ﴾: الواو عاطفة، ما النّافية أقوى نفياً من ليس وتنفي الحال عادة وقد تنفي الماضي والمستقبل، بمعجزين في الأرض: الباء للتوكيد، معجزين في الأرض: أي بفائتين من العذاب بالهرب أو الاختفاء. ﴿وَمَا لَكُمْ﴾: تكرار (ما) يفيد توكيد النّفي، لكم: لام الاختصاص. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله، من سوى الله. ﴿مِنْ وَلِىٍّ﴾: من استغراقية، وليّ: معين وقريب تلقون إليهم بالمودة. ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾: تكرار (لا) يفيد توكيد النّفي، نصير: ينصركم من دون الله بالقوة أو الإمداد أو العدة أو العتاد، أو ينصركم من عذاب الله بالدّفع أو الشّفاعة.

стр. 4772

لا ولي ولا نصير ولا كلاهما معاً. لنقارن هذه الآية (٣١) من سورة الشّورى وهو قوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، والآية (٢٢) من سورة العنكبوت وهي قوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: في سورة العنكبوت أضاف السّماء؛ لأن التحدي أشد يشمل من في السماء؛ أي: الملائكة. ارجع إلى سورة العنكبوت الآية (٢٢) للمقارنة ومعرفة السّبب. ولنقارن قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشّورى: ٣١] مع قوله تعالى: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشّورى: ٨]. الفرق هو حين يضيف (من دون الله) تكون الآية في سياق الحياة الدّنيا، وحين لا يضيف (من دون الله) تكون الآية في سياق الآخرة؛ لأنّه في الآخرة ليس هناك سوى الله تعالى حتّى نتّخذه ولياً أو نصيراً.

стр. 4773

سورة الشّورى [الآيات ٣٢ - ٤٤] سورة الشورى [٤٢: ٣٢] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِى الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: ومن بعضية، بعض آياته الدّالة على كمال قدرته وعظمته وخلقه، وإضافة الآيات إليه بقوله: آياته، تدل على عظمتها وتشريفها وبديع وصفه. ﴿الْجَوَارِ فِى الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾: أي السّفن الكبيرة، وسميت (الجوار) لكونها تجري على الماء، توصف بالجاريات، واسمها: العلم الجوارِ، وشبّهها بالأعلام: أي كالجبال، والجبل سمّي علماً؛ لأنّه يستعمل كعلامة يُهتدى بها على الأرض كما أنّ العَلَم يشير إلى الدّولة، وها نحن نرى اليوم السّفن الّتي تضم الطّوابق العديدة والغرف وتحمل آلاف المسافرين، وتحمل الطّائرات الحربية ومدرجاتها كأنّها الجبال الشّامخات والحاملة لآلاف الأطنان من المتاع. سورة الشورى [٤٢: ٣٣] ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: ﴿إِنْ يَشَأْ﴾: إن: شرطية تفيد الاحتمال والافتراض، يشأ: إن يرِدْ . والمشيئة: هي بدء العزم على الفعل، والإرادة: هي تمام العزم على القيام بالفعل. ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾: أي يهدِّئ الرّيح فلا تهبّ ولا تعصف، والرّيح لم ترد في القرآن إلا عذاباً؛ أي: في سياق الشّر والأذى، بخلاف الرّياح الّتي تحمل معنى الرّحمة والنّفع.

стр. 4774

﴿فَيَظْلَلْنَ﴾: الفاء تدل على التّعقيب والمباشرة، يظللن: تعود على الجوار في البحر. ﴿رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾: تجري بسكون كأنّها لا تتحرك، أو تشعر بحركتها رغم سرعتها العالية، فماء البحر راكد؛ أي: ساكن، والسّفن رواكد على ظهر البحر، ولم يقل مستقرات أو ثابتات؛ لأنّ ذلك يعني أنّهن راسيات على الشّاطئ. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: إنّ واللام في كلمة (لآيات) تفيدان التّوكيد؛ أي: هذه السّفن الهائلة الحجم من النّعم الكبيرة الّتي تحتاج لشكر كثير دائم لا ينقطع؛ أي: شكور (مبالغة في الشّكر) شكر المنعم على نعمه الكثيرة فالجري وتسكين الرّيح والسّفن نفسها، وما تحمل من بشر ومتاع كلّها آيات تحتاج إلى شكر كثير، وكذلك إلى صبر وليس صبر عادي (بل صبّار) صبر كثير وذلك حين تعصف الرّيح أو حين صناعتها. وقدم الصبر على الشكر؛ لأن الصبر على الشدائد والكرب يسبق الشكر، والصبر نفسه يحتاج إلى شكر. سورة الشورى [٤٢: ٣٤] ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾: أو: تعني للتقسيم؛ أي: يسكن الرّيح فيظللن رواكد على ظهره، أو يوبقهن: مشتقة من أوْبقه: حبسه أو أهلكه، يوبقهن: يغرقهن. ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾: الباء باء السّببية أو البدلية، ما: تعني الّذي أو مصدرية؛ أي: يوبقهن بما كسبوا من الذّنوب والآثام؛ أي: ارتكبوا من المنكرات وهم على ظهر تلك السّفن، أو كسبت أيديهم سابقاً حين كانوا في البر. ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾: عن تفيد المجاوزة والمباعدة، ويعفُ: سبحانه فلا

стр. 4775

يعاقب على الكثير من الذنوب؛ أي: يعفو عن ذنوبهم وآثامهم فلا يعاقبهم عليها لعلّهم يتوبون، أو يُهلك أناساً ويُنجي أناساً بالعفو عنهم. سورة الشورى [٤٢: ٣٥] ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: ﴿وَيَعْلَمَ﴾: الواو عاطفة، يعلم الّذين يجادلون في آياتنا: أي المكذّبون أو المنكرون الجاحدون بالله وآياته. ﴿يُجَادِلُونَ﴾: من الجدال وهو حوار بين طرفين أو أطراف لإثبات حق أو إظهار حجة، أو دفع شبهة، والجدال أشد من الحوار حدّةَ ومخاصمة. ﴿فِى آيَاتِنَا﴾: الكونية أو المعجزات أو الآيات القرآنية أو الدّلائل والبراهين على البعث والحساب والآخرة، وأنّ الله هو الإله الحق المستحق للعبادة، ويعلم الّذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص: والسّؤال متى يحدث هذا العلم؟ قيل: هناك احتمالان: الأوّل: قبل موتهم وغرقهم، والثّاني: إذا عفى عنهم وبقوا أحياء يعلمون قدرة الله وعظمته فيكون هذا تحذيراً لهم وإيقاظاً لهم من سباتهم والتّوبة والرّجوع إلى الله، أو إذا استمروا على ما هم عليه من كفر وجحود يعلمون أن ليس لهم مهرب أو ملجأ إذا يشاء الله أن يهلكهم، سواء كانوا في البر أو البحر. ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: ما النّافية، لهم: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، من: استغراقية، محيص: مهرب أو ملجأ أو منفذ فمشيئة الله تعالى نافذة لا محالة، وتكون بهلاك قوم ونجاة قوم وتحذير آخرين، أو هلاك الكلّ أو نجاة الكلّ حسب ما تقتضي الحكمة الإلهية.

стр. 4776

سورة الشورى [٤٢: ٣٦] ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَىْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: ﴿فَمَا﴾: الفاء استئنافية، ما شرطية، وإذا قارنا هذه ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ﴾ مع الآية (٦٠) في سورة القصص، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ﴾ نجد أن الاختلاف في حرف (الفاء) وكلمة الزينة، والسبب يعود إلى أن آية الشورى جاءت في سياق ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فحذف منها وزينتها؛ لأن الذين آمنوا لا يفترون بالزينة، وأضاف حرف الفاء؛ لأن ما قبلها يتعلق بما بعدها، وأما آية القصص جاءت في سياق الذين يفترون بالحياة الدنيا وزينتها، والواو: استثنائية (كلام جديد) أو آية جديدة. ﴿أُوتِيتُمْ مِنْ شَىْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أوتيتم من الإتياء؛ وهو العطاء بدون تملّك، ويمكن استرداده، والإيتاء أعمّ من العطاء، من: استغراقية تستغرق كلّ شيء من مال ومسكن وملبس ومركب ونكاح، فمتاع الحياة الدّنيا: الفاء رابطة لجواب الشّرط، متاع الحياة الدّنيا: هو ما ينتفع به الإنسان في حياته، وهو متاع مؤقّت وزائل أو زهيد بالنّسبة لما في الآخرة من نعيم دائم وباقٍ، ارجع إلى سورة القصص الآية (٦٠) للبيان والمقارنة. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾: من نعيم، خير وأبقى: لأنّه نعيم دائم لا ينقطع ولا ينفد. ﴿لِلَّذِينَ﴾: اللام لام الاختصاص، الّذين: اسم موصول يفيد المدح. ﴿آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: أي ما عند الله خير وأبقى لهؤلاء الّذين آمنوا بالله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر وعلى ربهم يتوكلون؛ ارجع إلى سورة

стр. 4777

الأعراف الآية (٨٩) لبيان معنى التوكل؛ ثم وصفهم بعشر الصفات التّالية في الآيات (٣٦ - ٣٩) وهي: ١ - الإيمان. ٢ - التّوكل. ٣ - اجتناب كبائر الإثم. ٤ - الفواحش. ٥ - عدم الغضب والمغفرة لمن أساء إليهم. ٦ - استجابوا لربهم في كلّ ما دعاهم إليه. ٧ - أقاموا الصّلاة. ٨ - أمرهم شورى بينهم. ٩ - مما رزقناهم ينفقون. ١٠ - إذا أصابهم البغي هم ينتصرون. آمنوا بربهم وبرسله وملائكته واليوم الآخر. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: التّوكل يعني: رد الأمر إلى من يملك تدبير كلّ الأمور راجياً عونه وتيسيره وتوفيقه للوصول إلى الغاية. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٩) لمزيد من البيان في التّوكل. سورة الشورى [٤٢: ٣٧] ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو عاطفة، الّذين: اسم موصول.

стр. 4778

﴿يَجْتَنِبُونَ﴾: الاجتناب: أشد من التّحريم؛ ويعني ليس فقط عدم فعل الكبائر والفواحش بل حتّى الاقتراب منها، ويجتنبون: بصيغة المضارع؛ لتدل على تجدد وتكرار تجنّبهم وليس فقط مرة واحدة. ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾: جمع كبيرة؛ أي: كلّ ما يوجب الحد كالقتل العمد والسّرقة والقذف والشّرك. ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾: كالزّنى وشرب الخمر، وقيل: كبائر الإثم تعني الفواحش، وهذا يسمى عطف الخاص على العام. ﴿وَإِذَا﴾: ظرف زماني بمعنى حين. ﴿مَا غَضِبُوا﴾: ما للتوكيد، غضبوا من الغضب: هو الانفعال النفسي الناجم عن عدم الرضا عن شيء، أو أمر لحقه من الغير ومعاقبته، ويظهر آثاره على الجوارح. ﴿هُمْ يَغْفِرُونَ﴾: يعفون ويغفرون لمن أساء إليهم وأغضبهم؛ أي هم من الكاظمين الغيظ والعافين عن النّاس، ويغفرون بصيغة المضارع؛ لتدل على الاستمرار والتّكرار والتّجدد. سورة الشورى [٤٢: ٣٨] ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٣٧) وتكرار (الّذين) يفيد التّوكيد والمدح. ﴿اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾: لما دعاهم إليه من التّوحيد والإخلاص وإطاعة أوامره وتجنّب نواهيه، استجابوا: فيها السّين والتّاء تفيدان التّوكيد؛ أي استجابوا بحرص وتلهّف واجتهاد.

стр. 4779

﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: أدّوها على أوقاتها وخشوعها وأركانها وشروطها وسننها وطهارتها. ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾: من التّشاور وهو تبادل الآراء لمعرفة الصّواب والأفضل، وكلمة الشّورى مشتقة من فعل: شار، وشار العسل؛ أي: استخرجه من الخلية فكأن عملية الشّورى عملية لاستخراج أطيب وأفضل النتائج. والشورى عبادة ومنهج تسد باب الخلاف للحفاظ على وحدة الأمة أو المجتمع. ووردت كلمة الشّورى في آيتين هذه الآية والآية (١٥٩) من سورة آل عمران. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: مما (من + ما) من بعضية، ما بمعنى اسم موصول، ينفقون: أي الإخراج من مال الملك ومن الطّيب ينفقون في سبيل الله، ونرى قوله تعالى: (استجابوا لربهم وأقاموا الصّلاة وأمرهم شورى بينهم) جاء بصيغة الماضي؛ لأنّ الاستجابة وإقامة الصّلاة وأمرهم شورى تحدث في أوقات معينة ومحددة، بينما التّوكل واجتناب الإثم والفواحش والغفران والإنفاق أمور تتجدد وتتكرر فجاءت بصيغة المضارع. سورة الشورى [٤٢: ٣٩] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٣٧) للبيان، وتكرار (الّذين) تفيد التّوكيد والمدح. ﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية بمعنى حين. ﴿أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ﴾: الظّلم والجور؛ أي: إذا تعرضوا للظلم والاعتداء كانوا قادرين على استرداد حقوقهم بدون اعتداء على حقوق غيرهم ولا يقبلون الذّل والإهانة.

стр. 4780

﴿هُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿يَنْتَصِرُونَ﴾: يغلبون باتباعهم الحق وما شرع الله لهم ورسوله وبتأييد الله سبحانه لهم بسلطان القوة أو الحكمة والحلم والصبر. سورة الشورى [٤٢: ٤٠] ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾: الجزاء: العقاب، القصاص وهل جزاء السّيئة؛ السيئة في هذه الآية: لا تعني السيئة الشرعية؛ أي: ضد الحسنة، وإنما تعني: جزاء المسيء العقوبة؛ لأنّه سبحانه يقول: ادفع بالتي هي أحسن، وجزاء السّيئة تكون سيئة بالنّسبة لمن وقعت عليه؛ أي من ارتكب سيئة يجب أن يعاقب عليها بسيئة مثلها أو بما أوجبه الله تعالى كما قال: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]. والسّيئة كلّ ما يسيء إلى النّفس مثال: السّارق حين يسرق يرتكب سيئة نضرب على يديه فذاك يعتبر سيئة على السّارق، فهو قام بسيئة وعوقب بسيئة مماثلة فهذه هي المرتبة الأولى مرتبة العدل وأحسن وأفضل من ذلك مرتبة الفضل وهي: فمن عفا وأصلح فأجره على الله. ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾: فمن: الفاء للتوكيد، من شرطية، عفا وأصلح: عفا عن ظالمه؛ أي: سامحه فأجره إلى الله، فالله سبحانه يعفو عن سيئاته ويثيبه على عفوه عن أخيه، وأصلح: ما بينه وبين ظالمه بالدّفع بالّتي هي أحسن ﴿فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] وغيرها من وسائل الإصلاح. ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾: الفاء جواب الشّرط، أجره على الله: ثواب عمله على الله

стр. 4781

حتماً، وهذا وعد فيه خير وقد يكون الأجر محوَ سيئاته أو كبائره أو النّجاة من النّار والفوز بالجنة، فالعفو والإصلاح خير له وأبقى من مرتبة العدل والانتقام وشفاء لما في الصّدور. ويجب الانتباه إلى هذه الملاحظة وهي: إذا كان الظّالم أو الجاني لا يستحق العفو؛ لأنّه فعل ذلك سابقاً مراراً وتكراراً وكانت المصلحة العامة والشّرعية تفضل ذلك، فعندها لا يعفو عنه والأفضل القصاص منه والعقاب. ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: إنّه للتوكيد، والهاء تعود على الله سبحانه، لا: النّافية، يحب الظّالمين: أي لا يعاقبون الجاني أو الظّالم بأكثر من جنايته أو بأكثر مما أوجبه الله، فالزّيادة ظلم والله سبحانه لا يحب الظّالمين. سورة الشورى [٤٢: ٤١] ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِنْ سَبِيلٍ﴾: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾: اللام في (لمن) للتوكيد، من: اسم موصول بمعنى الّذي أو شرطية؛ أي إذا كان الظّالم لا يستحق العفو أو لا ينفع العفو عنه؛ لأنّه لم يتُب في السّابق ويتكرر ظلمه وفساده عندها يعاقب الظّالم بمثل ما فعل أو قوبل الظّالم بمثل فعله. والسّؤال هنا: لماذا سمي ذلك انتصاراً ومدح المنتصرين؟ لأنّ معاقبة الظّالم والمتكبر والمفسد الّذي يخاف منه النّاس وردعه عن ظلمه أو الانتقام منه يعتبر نصراً، وأفضل من أن يسمى عفواً. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء للتوكيد، أولئك: اسم إشارة واللام للبعد والكاف للخطاب؛ أي: للذين انتصروا بعد ظلمهم ولمن ينصرونهم.

стр. 4782

﴿مَا عَلَيْهِم مِنْ سَبِيلٍ﴾: أي ما عليهم من حرج أو إثم أو مؤاخذة أو لوم على ما فعلوه. سورة الشورى [٤٢: ٤٢] ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾: إنما الإثم والمؤاخذة أو اللوم أو العقوبة تقع على الّذين يبدؤون بالظّلم. ﴿وَيَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: البغي هو مجاوزة الحدّ ظلماً أو كبراً أو فساداً، والبغي: هو أخذ حق الآخرين بالقوة والتّعسُّف والقهر وبغير الحق، وهل هناك بغي بحق؟ نقول: نعم إذا كنت وكيلاً أو وصياً على سفيه يبذر وينفق أمواله في المحرمات، عندها تأخذ أموال السّفيه منه وتمنعه من التّبذير. ففي الظّاهر تأخذها بغير الحق وفي الباطن أخذها بحق؛ لأنّه يصبّ في مصلحة السّفيه أو الّذين يفسدون في الأرض بالإجرام والظّلم والشّرك، يظلمون ويبغون بصيغة المضارع؛ أي: أنّ أفعالهم هذه تتكرر وتتجدد ولا يكفّون عن فعل ذلك. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد وتفيد الذّم. ﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق. ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي شديد الإيلام لا يطاق يوم القيامة أو في النّار، إذن نفى في الآية (٤١) السّبيل عن المنتصر وأثبت السّبيل؛ أي: الإثم والذنب والعقاب في هذه الآية على نوعين من النّاس الّذين يظلمون النّاس والّذين يبغون في الأرض بغير الحق.

стр. 4783

سورة الشورى [٤٢: ٤٣] ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: ﴿وَلَمَنْ﴾: اللام للتوكيد، من شرطية. ﴿صَبَرَ﴾: على الظّلم ولم يؤذِ أخاه المسلم، ولم ينتصر وهو قادر على أن ينتصر لنفسه. ﴿وَغَفَرَ﴾: ستر الظّالم ولم يفضحه ابتغاءَ وجه الله، وفوّض أمره إلى الله محتسباً إلى الله تعالى لعلّ الظّالم يرتدع ويعود إلى صوابه ويتوقف عن غيّه وفساده وظلمه بمعاملتك له بالحسنى. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾: إن: للتوكيد، ذلك: اسم إشارة واللام للبعد، ذلك الصّبر والغفر. ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: أي من الأمور العظيمة الّتي تحتاج إلى عزم وإرادة وقوة (عزيمة قوية لا تنفد) ولا يستطيع القيام بها إلا أولو العزم وأولو الألباب، والتّدرج يكون من الأدنى إلى الأعلى كما يلي: من أساء إليك وظلمك كيف تقابله: ١ - تعفو عنه. ٢ - وتصبر على أذاه. ٣ - تصفح عنه ولا تذكره بما فعل. ٤ - تدعو له بالإصلاح والهداية. لنقارن هذه الآية (٤٣) من سورة الشّورى وهي قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ مع الآية (١٧) من سورة لقمان وهي قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ

стр. 4784

الْأُمُورِ﴾: في آية الشّورى ذكر صفتين مطلوبتين: الصّبر والغفران (ولمن صبر وغفر)، في آية لقمان ذكر صفة واحدة مطلوبة وهي: الصّبر (واصبر على ما أصابك). وكذلك في آية الشّورى ذكر فيها الإساءة والأذى والظّلم الحاصل من الظّالم أو الجاني، بينما في آية لقمان وهي عبارة عن وصية أب لابنه لم يذكر فيها أيّ أذى أو إساءة، ولذلك أكّد في آية الشّورى فقال: إن ذلك لمن عزم الأمور (أكد باللام) بينما في آية لقمان لم يؤكد فقال: إنّ ذلك من عزم الأمور. سورة الشورى [٤٢: ٤٤] ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِىٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾: ﴿وَمَنْ﴾: الواو استئنافية، من شرطية. ﴿يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِىٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي من اختار لنفسه طريق الضّلالة وسعى إليها واستمر على ذلك، وفرح بها ولم يتُب ولم يعد هناك أملٌ في عودته إلى طريق الرّشاد والتّوبة، فما له: الفاء للتوكيد، له: اللام لام الاختصاص، من وليّ من بعده: من استغراقية، وليّ من بعده: أي من بعد الله، قادر على هدايته؛ أي: لن يجد أيّ وليّ يتولاه، يتولى أمره من قريب أو بعيد ويُعينه على العودة والإنابة إلا الله. ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ﴾: رؤية بصرية يوم القيامة، الظّالمين: المشركين الكافرين بالله، والمكذبين بالبعث والآخرة والظّالمين أنفسهم بالمعاصي والفساد وصدّ النّاس عن دين الله، ومحاربة دين الله. ﴿لَمَّا﴾: ظرف زماني بمعنى حين.

стр. 4785

﴿رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: رأوا بصيغة الماضي بدلاً من المستقبل، كأنّ العذاب حدث وانتهى. ﴿يَقُولُونَ﴾: عند رؤية العذاب وجهنم. ﴿هَلْ﴾: استفهام يحمل معنى الاستبعاد والنّفي. ﴿إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾: هل إلى مردٍّ إلى الدّنيا من سبيل، من استغراقية؛ أي: أليس هناك طريق أو وسيلة نسلكها للعودة للدنيا لنؤمن بالله ونعمل صالحاً من سبيل تشمل: الملجأ أو سبيل إلى الهداية، كقولهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] وكقولهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧].

стр. 4786

سورة الشّورى [الآيات ٤٥ - ٥١] سورة الشورى [٤٢: ٤٥] ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِىٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِى عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾: ﴿وَتَرَاهُمْ﴾: تعود على الظّالمين والمشركين والكافرين، وغيرهم من المكذبين بالبعث والحساب. ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾: على النّار، والعرض نوعان: هم يعرضون عليها كما في هذه الآية، أو هي تعرض عليهم كما في قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف: ١٠٠]، والعرض من عرض: أي ظَهرَ، وعرضته له: أظهرتُهُ له وأبرزته إليه، فهم يعرضون كالسّلعة الّتي تعرض وجهنم المشتري، أو بالعكس جهنم هي السّلعة وهم المشترون. ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾: الخشوع هو الخضوع من الذّل والانكسار والضّعف أو العجز. ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِىٍّ﴾: الطَّرف: العين، ويعني كذلك تحريك الجفن عن الجفن بالانفتاح؛ أي يسترِقون النّظر ويحاولون عدم النّظر إلى النّار بملء أعينهم من شدة خوفهم وذلّهم؛ أي: كأنّهم لا يريدون أن يعرف أحد أنّهم ينظرون إلى النّار، من: ابتدائية. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: وقال الّذين آمنوا يوم القيامة حين يرون الظّالمين في تلك الحالة

стр. 4787

من الذّل والهوان، وهم يعرضون على النّار: إنّ الخاسرين الّذين خسروا أنفسهم؛ بأن أوردوها النّار بسبب كفرهم وشركهم وأهليهم يوم القيامة فإن كان أهلوهم من أصحاب الجنة، فلم يعودوا يرونهم وحُرموا منهم، فذلك خسارة لكلا الطّرفين، وإن كان أهلوهم من أصحاب النّار؛ فلأنّهم اتبعوهم واقتدوا واهتدوا بهديهم، فالكلّ سواء في النّار. ﴿أَلَا﴾: أداة تنبيه واستفتاح، وهذا الجزء من الآية هو تتمة كلام المؤمنين أو تصديق من الله لهم. ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾: إنّ للتوكيد، الظّالمين: المشركين والظّالمين لأنفسهم بكسب المعاصي وظلم الآخرين. والخروج عن منهج الله. ﴿عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾: عذاب دائم لا ينتهي ولا يخفّف. سورة الشورى [٤٢: ٤٦] ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ﴾: الواو استئنافية، ما النّافية، كان: تشمل كلّ الأزمنة، لهم اللام لام الاختصاص. ﴿مِّنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ﴾: من استغراقية، أولياء: جمع ولي معين يمنعهم من عذاب الله أو ينقذهم أو يشفع لهم. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله سبحانه. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: من شرطية، يضلل الله: الله لا يُضلّ أحداً أبداً، وتعني: إذا هم اختاروا طريق الضّلال والابتعاد عن دين الله واستمروا في ذلك وتمادوا في ضلالهم، ولم يعُد هناك أملٌ في توبتهم، فعندها لن يجدوا لهم من سبيل يسلكونه إلى التّوبة أو الرّجعة والنّجاة من النّار.

стр. 4788

﴿فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾: الفاء جواب الشّرط، ما النّافية، من استغراقية، سبيل: ملجأ أو هاد يهديه أو طريق يوصله إلى الغاية (الهداية أو الجنة). سورة الشورى [٤٢: ٤٧] ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَّكِيرٍ﴾: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾: أي أدّوا أو أطيعوا ما أمركم ربكم به ورسوله بالقول والفعل، أطيعوا الله وأطيعوا رسوله، استجيبوا: السّين والتّاء للتوكيد، واستجيبوا ليس فيها معنى الاختيار (القبول أو الرّفض). كما لو قال: أجيبوا؛ فيها معنى القبول أو الرّفض، فالاستجابة فيها معنى القبول فقط؛ أي: يجيبك من طلبت منه ما طلبته ويحقّقه لك؛ أي: استجيبوا لربكم لما طلب منكم وحقّقوه، لربكم: اللام لام التّوكيد والاستحقاق؛ أي الاختصاص. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾: من ظرفية زمانية، قبل: كسر اللام لا تدلّ على زمن معين، ولو قال من قبلُ بضم اللام تدلّ على زمن معين. ﴿أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾: أن للتوكيد، يأتي يوم لا مردّ له من الله: أي هو يوم القيامة الكبرى، أو قد يكون يوم الموت يوم القيامة الصّغرى، لا مردّ له من الله: لا النّافية للجنس، أي لا يردّه الله بعد أن حكم به؛ أي: إذا أتى لا يُردّ، لا يُلغيه، ولا يُوقف، أو لا يقدر أحد على ردّه؛ أي: منعه. ﴿مَا لَكُمْ﴾: ما: النّافية، لكم: اللام لام الاختصاص، تكرار (ما) لتوكيد النّفي. ﴿مِنْ مَّلْجَإٍ﴾: من استغراقية، ملجأ: اسم مكان يُلجأ إليه عند الحاجة

стр. 4789

والضّرورة ملجأ للأمن أو ملاذ أو حصن، ما لكم من مكان كالنّفق أو المغارة أو المُدخل تفرّون إليه للنجاة والخلاص من العذاب. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم القيامة (يوم البعث) أو يوم القيامة الصغرى. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَّكِيرٍ﴾: كالسّابقة، من: استغراقية تشمل كلّ نكير، نكير: كالقناع الّذي يوضع على الوجه فلا يُعرف الفرد الّذي يلبسه؛ أي: لا تجدوا شيئاً تتنكّرون فيه أو تختفوا خلفه مهما كان لا في السّموات ولا في الأرض، أو قادرون على إنكار أيّ ذنب اقترفتموه أو سيئة. سورة الشورى [٤٢: ٤٨] ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء عاطفة، إن شرطية تفيد الاحتمال أو الافتراض. ﴿أَعْرَضُوا﴾: عن الاستجابة لله وللرسول، أعرضوا عن الإيمان بالله واختاروا طريق الضّلال، أعرضوا عن طاعة الله ورسوله. ﴿فَمَا﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، ما: النّافية. ﴿أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾: أو موكّلاً بهم ومسؤولاً عنهم وعن إيمانهم وهدايتهم، أو تحفظ أعمالهم وتحصيها عليهم؛ لتحاسبهم عليها. ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾: إن نافية بمعنى: ما عليك إلا البلاغ، و (إن) أقوى نفياً من (ما)، إلا: أداة حصر. البلاغ: يعني إيصال الرّسالة؛ أي تبليغهم ما أنزل إليهم من ربهم وتبيين ذلك؛ لكي يفهموه كقوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرّعد: ٤٠]، ثمّ يضرب لنا

стр. 4790

مثلاً على إعراض الإنسان عن ربّه وكفره لمجرد الابتلاء، وينسى كلّ النّعم الّتي أنعمها الله عليه. ﴿وَإِنَّا إِذَا﴾: إنّا للتعظيم، إذ: شرطية تفيد حتمية الحدوث؛ أي لا بدّ أن يحدث هذا الأمر: هو الابتلاء وتفيد الكثرة؛ أي: حدوثه بكثرة. ﴿أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾: الإنسان: اسم جنس يشمل المفرد والمثنى والجمع؛ الإذاقة تكون في الخير والشّر، وأنعمنا تكون في الخير فقط، والإصابة: تكون في الحسنة أو السّيئة، رحمة: نكرة تشمل أيّ رحمة، والرّحمة تعريفها: جلب ما يسرّ ودفع ما يضرّ، مثل الصّحة والغنى والأمن والأهل والجاه. وتقديم منّا: للاهتمام، منّا رحمة: هنا الرّحمة تشمل المؤمن والكافر، ولو قال من لدنّا أو من عندنا، لكانت تعني فقط المؤمن أو المقرّبين، (هذا من خصائص القرآن). ﴿فَرِحَ بِهَا﴾: ونسي شكر المنعم، وانشغل بها. ارجع إلى سورة هود آيتين (٩ - ١٠) لمزيد من البيان. وهذ الآية جاءت في سياق الإنسان (حالة فردية) بينما أذقنا الناس (حالة عامة)، ويستعمل إذا الحتمية الحدوث والكثرة، ويستعمل إن للاحتمال أو الشك في الحدوث كما رأينا في سورة هود آية (٩) ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾. ﴿وَإِنْ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال أو الافتراض والنّدرة. ﴿تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: سيئة من بلاء وفقر ومرض وجدب، وخسارة أو خوف أو جوع، سيئة؛ أي: تسيء إلى أنفسهم، يكرهونها ولا يطيقونها، بما: الباء سببية أو بدلية ما بمعنى الّذي، قدّمت أيديهم من الذّنوب والخطايا. ﴿فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، إنّ: للتوكيد، الإنسان كفور: اسم فاعل من كفر، وصيغة مبالغة في الكفر؛ أي: كثير الكفر، والجحود

стр. 4791

بالنِّعم، وينسى كلّ النِّعم السّابقة، ومقارنة كفور بكفار، كفار: تفيد التجدد والتكرار، وكفور: تعني الثبات والدوام، وليس بعد كفور أشد من ذلك. انتبه إلى هذا التّدرّج في الكفر والظّلم: ففي هذه الآية (٤٨) من سورة الشّورى قال سبحانه: ﴿فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ في سياق الإصابة بالسّيئة، وفي سورة إبراهيم الآية (٣٤) قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾: إنّ الإنسان لظلوم كفّار جاءت في سياق الجحد بنِعم الله الكثيرة، وكفّار أبلغ من الكفور. وفي سورة الزّخرف الآية (١٥) قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ جاءت في سياق الإشراك بالله، وفي سورة الإسراء الآية (٦٧) قال سبحانه: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾ جاءت في سياق النّجاة من الغرق والإعراض عن الله تعالى، فهو سبحانه يؤكّد في بعض الآيات بإنّ وأحياناً بإنّ واللام، وكفور وكفّار حسب السّياق. ولمقارنة قوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ارجع إلى الآية السّابقة (٣٠) من سورة الشّورى. سورة الشورى [٤٢: ٤٩] ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾: المناسبة: إذاقة الإنسان بالرّحمة أو الإصابة بالسّيئة هو ابتلاء من الله حاكم السّموات والأرض، ومن مظاهر عظمته وكمال قدرته أنّه يخلق ما يشاء يَهَبُ الإناث والذّكور. ﴿لِلَّهِ﴾: اللام لام الاختصاص والملكية. ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: المُلك: يعني الحكم والملك معاً فهو

стр. 4792

الحاكم والمالك للسموات والأرض وما فيهنّ؛ أي: ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾: حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية، وذكر مثالاً على ذلك كيف يهب الإناث والذّكور. ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾: الهبة عطاء بدون مقابل، ارجع إلى سورة ص الآية (٣٠) للبيان، لمن يشاء: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، إناثاً: يخصّ بعض عباده بالإناث فقط. ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾: يخصّ بعض عباده بالذّكور فقط. سورة الشورى [٤٢: ٥٠] ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾: أي: يهب لبعض عباده الذّكور والإناث معاً الجنسين في حمل واحد، وهو حمل التّوأم أو الحمل الثّلاثي أو الرّباعي والخماسي. وما هو الفرق بين: ذُكراناً والذّكور؟. ﴿ذُكْرَانًا﴾: تدلّ على القلة، أمّا الذّكور تدلّ على الكثرة، تشمل الشّيوخ والشّباب والأطفال. ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾: فلا يهب لهم أيّ ولد مهما كان سواء كان ذكراً أو أنثى. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾: أنّه للتوكيد، عليم: صيغة مبالغة: كثير العلم، عليم بخلقه مَنْ هو عقيم ومَن له أولاد، وعددهم، وذكوراً وإناثاً، عليم بما يصلح عباده من الأولاد، قدير: أن يهب أو يمنع الأولاد لمن يشاء، قدير على أن يرزق عباده

стр. 4793

بالتّوأم أو الحمل الثّلاثي والرّباعي أو الأكثر من ذلك، قدير أن يجعل المرأة عاقراً أو عقيماً أو قادرة على الإنجاب. وسرّ تقديم الأنثى على الذَّكر في هذه الآيات قد يكون عائداً إلى كثرة عدد الإناث مقارنة بالذّكور، أو للاهتمام بالأنثى لكونهم كانوا في الجاهلية يفضّلون الذّكر على الأنثى، فجاءت آيات الله لترفع من شأن الأنثى وتبطل تلك الأعراف البائدة. سورة الشورى [٤٢: ٥١] ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَائِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِىٌّ حَكِيمٌ﴾: سبب نزول هذه الآية كما قال كثيرٌ من المفسرين أمثال ابن حجر وذكره الواحدي في (أسباب النّزول): أنّ اليهود قالوا للنبي ﷺ : ألا تكلّم الله وتنظر إليه إن كنت نبياً صادقاً كما كلّمه موسى ونظر إليه؟! فردّ عليهم رسول الله ﷺ بأنّ موسى لم ينظر إلى الله ولم يرَه، ونزلت هذه الآية. ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾: الواو استئنافية، ما: النّافية، كان: تشمل كلّ الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل، لبشر: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، وسواء كان نبياً أو رسولاً أو أيّ بشر؛ أي: ما صحّ وما حقّ لبشر أو استقام. ﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾: أن حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾: إلا أداة حصر. الأوّل: وحياً: الوحي لغة: هو الإعلام بالخفاء، شرعاً: هو ما يُلقي الله سبحانه إلى أنبيائه ورسله من التّكاليف والتّعاليم الشّرعية، والآيات والوعد والوعيد. الثّاني: من وراء حجاب؛ أي: يكلّمه من وراء حجاب كما كلّم الله سبحانه

стр. 4794

رسول الله ﷺ ليلة المعراج من وراء حجاب، وكما كلّم الله موسى ﵇. الثّالث: أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء: يرسل رسولاً مثل جبريل ﵇ (الرّوح الأمين)، في صورة إنسان، أو بالخفاء فيوحي بإذنه: فيُلقي جبريل ما أرسله الله سبحانه به على رسوله من تكاليف وآيات فيوحي ما يشاء أن يوحي بإذن الله. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣) لمزيد من البيان. ﴿إِنَّهُ عَلِىٌّ حَكِيمٌ﴾: إنّه للتوكيد، عليٌّ: علوّ الجلال والكمال، علوّ الذّات والصّفات والأفعال، علوّ القدر، العليّ على خلقه، حكيم: فهو أحكم الحكماء، وأحكم الحاكمين، الحكيم في تدبير شؤون خلقه وكونه. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان. وقيل: إنّ الوحي الأوّل غير الوحي الثّاني: الوحي الأوّل: هو الإلهام: مثل: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ .. الوحي الثّاني: هو الإيحاء إلى الرّسل بطريق جبريل.

стр. 4795

سورة الشّورى [الآيات ٥٢ - ٥٣] سورة الشورى [٤٢: ٥٢] ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: ﴿وَكَذَلِكَ﴾: أي كما أوحينا إلى سائر الرّسل من قبلك، أوحينا إليك. ولمعرفة معنى (أوحينا إليك): ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣). ﴿رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾: أوحينا إليك قرآناً بأمرنا من شأننا سمّاه (روحاً) فهو الرّوح الحقيقة أو الرّوح الثّانية للإنسان، ويمكن القول: إنّ للإنسان روحين: روح تسري في بدنه وتنفخ فيه حين تشكّله في الرّحم، وروح تحيي القلوب وتهدي إلى خالقها ومبدعها، هذه الرّوح الّتي يغفل عنها كثيرٌ من النّاس وتتمثل في القرآن الكريم. ﴿مَا كُنْتَ﴾: ما: النّافية، كنت: قبل الإيحاء إليك، تدري ما الكتاب: تعرف ما القرآن. ﴿تَدْرِى مَا الْكِتَابُ﴾: ما استفهامية، ما القرآن، وسمّي الكتاب؛ لأنّه مكتوب في الأسطر. تدري: من درى؛ بمعنى: علم، وهناك فرق بين الدراية، والعلم؛ العلم: أعم من الدراية، فالدراية: تكون بمنزلة الإخبار، وتكون بعد الجهل بالشيء، ولذلك لا تستعمل في حق الله تعالى، أما علم أو العلم: يستعمل في حق الله وغيره. ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾: لا النّافية للجنس؛ أي: ولا تدري؛ أي: تعلم الإيمان بالقول والفعل؛ أي: الشّرائع والتّوحيد والأحكام الرّبانية.

стр. 4796

﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك للتوكيد. ﴿جَعَلْنَاهُ﴾: أي القرآن الكريم. ﴿نُورًا نَّهْدِى بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾: به: أي القرآن؛ لأنّه يهدي من الظّلمات إلى النّور، من نشاء: من ابتدائية؛ أي: من نريد والمشيئة تأتي قبل الإرادة، من عبادنا: المؤمنين، من بعضية. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِى﴾: إنك، واللام للتوكيد، الخطاب موجّهٌ إلى رسول الله ﷺ ، تهدي هداية عامة؛ أي: ترشدهم إلى، وتبين لهم طريق الهداية أو الحق والخير، هداية دعوة أو هداية دلالة، أمّا هداية الله سبحانه فهي هداية خاصة هداية عون؛ أي: هو سبحانه يدخل الإيمان في قلوبهم، ولست أنت، وهذا يفسر لنا قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: أي تهدي إلى دين الله الإسلام، الصّراط المستقيم الّذي لا اعوجاج له. ارجع إلى سورة الفاتحة الآية (٦) والآية (٧) لمزيد من البيان. سورة الشورى [٤٢: ٥٣] ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾: في الآية السّابقة قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وفي هذه الآية عرف الصراط المستقيم بالقول الذي هو: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾. ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾: دين الله، الصّراط المستقيم الّذي هو الإسلام، الصّراط الموصل إلى الغاية العظمى بأقصر زمن ومسافة وبدون عائق. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم.

стр. 4797

﴿لَهُ﴾: اللام لام الاختصاص والملكية، له حصراً؛ أي: لله وحده. ﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ﴾: وله ما في السموات خلقاً وملكاً، وما في السّموات ذاتها وكلّ شيء فيها له وحده. ﴿وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: وله ما في الأرض خلقاً وملكاً، وكلّ شيء، وما في الأرض ذاتها وما فيها. ﴿أَلَا﴾: أداة تنبيه. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: وحده لا إلى أحد غيره. ﴿تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾: أي ترجع وتنتهي جميع الأمور للقضاء فيها والحكم والفصل.

стр. 4798

سورة الزخرف [٤٣: ١] سورة الزخرف سورة الزّخرف [الآيات ١ - ١٠] ترتيبها في القرآن (٤٣)، وترتيبها في النّزول (٦٣). وهذه رابع سورة تبدأ بـ حم، فهناك سبع سور متتالية تبدأ بـ حم، وتسمَّى الحواميم، أولها سورة غافر، وآخرها الأحقاف. ﴿حم﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة. سورة الزخرف [٤٣: ٢] ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: ﴿وَالْكِتَابِ﴾: الواو: واو القسم، يقسم الله سبحانه، والله غني عن القسم يقسم بالكتاب لعلو شأنه ومكانته عند الله سبحانه، والكتاب: هو القرآن الحكيم، وسمي الكتاب؛ لأنّه مكتوب في السّطور واللوح المحفوظ. ارجع إلى الآية (٢) من سورة البقرة لمزيد من البيان. ﴿الْمُبِينِ﴾: الواضح لكل فرد يقرأه ويطلع عليه، وقادر على فهم معناه، والواضح في أحكامه وشرائعه ووعده ووعيده.

стр. 4799

سورة الزخرف [٤٣: ٣] ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: ﴿إِنَّا﴾: للتعظيم. ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: أي: صيرناه، وهذه الآية تذكرنا بآية أخرى مشابهة في سورة يوسف وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آية: ٢]، جعلناه قرآناً عربياً: هناك فرق بين الإنزال والجعل، جعلناه؛ أي: صيرناه قرآناً عربياً قبل إنزاله، ثم أنزلناه قرآناً عربياً، والسياق لا يذكر أي وحي حتى يذكر الإنزال، وإنما هو ﴿فِى أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ﴾، وفي سورة يوسف آية (٢) قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ لأنها جاءت في سياق الوحي ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]، وإنزال قصة يوسف، وفي كلا الآيتين قال تعالى: (لعلكم تعقلون) للتوكيد. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: لعل: تفيد التّعليل، تعقلون: تفهمون معانيه، وما تؤمرون به وما تنهون عنه وتعملون آياته وتعملون بما فيه، تعقلون: من عقل الشيء عرفه بدليله، وفهمه بأسبابه ونتائجه، أيْ: تصلون إلى الحقيقة وهي أن الله سبحانه هو أنزل هذا القرآن، وأنه هو الإله الحق الّذي يجب أن يطاع ويُعبد. سورة الزخرف [٤٣: ٤] ﴿وَإِنَّهُ فِى أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ﴾: ﴿وَإِنَّهُ﴾: أنّ القرآن مثبت مكتوب. ﴿فِى أُمِّ الْكِتَابِ﴾: في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ ـ ٢٢]. وسمي أم الكتاب؛ لأنه مصدر لكل الكتب السماوية.

стр. 4800

أو أم الكتاب الأصل وهناك اللوح المحفوظ فهو في كلاهما. ﴿لَدَيْنَا﴾: عندنا. ﴿لَعَلِىٌّ﴾: اللام للتوكيد، لذو علو شأن ومكانة على الكتب السّابقة ورفيع المنزلة والقدر. ﴿حَكِيمٌ﴾: محكم لا تناقض فيه، ذو حكمة محكم لا يتعارض بعضه مع بعض. ارجع إلى سورة هود آية (١). سورة الزخرف [٤٣: ٥] ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ﴾: ﴿أَفَنَضْرِبُ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ، ونضرب عنكم الذّكر، أيْ: أننحِّيه ونبعده عنكم. ﴿عَنْكُمُ﴾: خاصة. ﴿الذِّكْرَ﴾: القرآن. ﴿صَفْحًا﴾: الصّفح: مشتقة من صفحة الوجه، أيْ: جانبه والإعراض بصفح الوجه يعني: أشد الإعراض، ويقال: صفحت عنه، أيْ: أعرضت عنه وصافحين معرضين، أيْ: أنمسك إنزال القرآن عليكم أو نعرض عنكم فلا ننزل عليكم شيئاً فلا توعظون ولا تؤمرون أو نهملكم، فلا ننزل عليكم شيئاً أو نترككم في كفركم. ﴿أَنْ﴾: أن مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ﴾: مشركين مسرفين بالذّنوب والآثام وفي
следующие страницы →