← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك للتوكيد. ﴿جَعَلْنَاهُ﴾: أي القرآن الكريم. ﴿نُورًا نَّهْدِى بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾: به: أي القرآن؛ لأنّه يهدي من الظّلمات إلى النّور، من نشاء: من ابتدائية؛ أي: من نريد والمشيئة تأتي قبل الإرادة، من عبادنا: المؤمنين، من بعضية. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِى﴾: إنك، واللام للتوكيد، الخطاب موجّهٌ إلى رسول الله ﷺ ، تهدي هداية عامة؛ أي: ترشدهم إلى، وتبين لهم طريق الهداية أو الحق والخير، هداية دعوة أو هداية دلالة، أمّا هداية الله سبحانه فهي هداية خاصة هداية عون؛ أي: هو سبحانه يدخل الإيمان في قلوبهم، ولست أنت، وهذا يفسر لنا قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: أي تهدي إلى دين الله الإسلام، الصّراط المستقيم الّذي لا اعوجاج له. ارجع إلى سورة الفاتحة الآية (٦) والآية (٧) لمزيد من البيان. سورة الشورى [٤٢: ٥٣] ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾: في الآية السّابقة قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وفي هذه الآية عرف الصراط المستقيم بالقول الذي هو: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾. ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾: دين الله، الصّراط المستقيم الّذي هو الإسلام، الصّراط الموصل إلى الغاية العظمى بأقصر زمن ومسافة وبدون عائق. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم.

стр. 4797

﴿لَهُ﴾: اللام لام الاختصاص والملكية، له حصراً؛ أي: لله وحده. ﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ﴾: وله ما في السموات خلقاً وملكاً، وما في السّموات ذاتها وكلّ شيء فيها له وحده. ﴿وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: وله ما في الأرض خلقاً وملكاً، وكلّ شيء، وما في الأرض ذاتها وما فيها. ﴿أَلَا﴾: أداة تنبيه. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: وحده لا إلى أحد غيره. ﴿تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾: أي ترجع وتنتهي جميع الأمور للقضاء فيها والحكم والفصل.

стр. 4798

سورة الزخرف [٤٣: ١] سورة الزخرف سورة الزّخرف [الآيات ١ - ١٠] ترتيبها في القرآن (٤٣)، وترتيبها في النّزول (٦٣). وهذه رابع سورة تبدأ بـ حم، فهناك سبع سور متتالية تبدأ بـ حم، وتسمَّى الحواميم، أولها سورة غافر، وآخرها الأحقاف. ﴿حم﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة. سورة الزخرف [٤٣: ٢] ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: ﴿وَالْكِتَابِ﴾: الواو: واو القسم، يقسم الله سبحانه، والله غني عن القسم يقسم بالكتاب لعلو شأنه ومكانته عند الله سبحانه، والكتاب: هو القرآن الحكيم، وسمي الكتاب؛ لأنّه مكتوب في السّطور واللوح المحفوظ. ارجع إلى الآية (٢) من سورة البقرة لمزيد من البيان. ﴿الْمُبِينِ﴾: الواضح لكل فرد يقرأه ويطلع عليه، وقادر على فهم معناه، والواضح في أحكامه وشرائعه ووعده ووعيده.

стр. 4799

سورة الزخرف [٤٣: ٣] ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: ﴿إِنَّا﴾: للتعظيم. ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: أي: صيرناه، وهذه الآية تذكرنا بآية أخرى مشابهة في سورة يوسف وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آية: ٢]، جعلناه قرآناً عربياً: هناك فرق بين الإنزال والجعل، جعلناه؛ أي: صيرناه قرآناً عربياً قبل إنزاله، ثم أنزلناه قرآناً عربياً، والسياق لا يذكر أي وحي حتى يذكر الإنزال، وإنما هو ﴿فِى أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ﴾، وفي سورة يوسف آية (٢) قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ لأنها جاءت في سياق الوحي ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]، وإنزال قصة يوسف، وفي كلا الآيتين قال تعالى: (لعلكم تعقلون) للتوكيد. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: لعل: تفيد التّعليل، تعقلون: تفهمون معانيه، وما تؤمرون به وما تنهون عنه وتعملون آياته وتعملون بما فيه، تعقلون: من عقل الشيء عرفه بدليله، وفهمه بأسبابه ونتائجه، أيْ: تصلون إلى الحقيقة وهي أن الله سبحانه هو أنزل هذا القرآن، وأنه هو الإله الحق الّذي يجب أن يطاع ويُعبد. سورة الزخرف [٤٣: ٤] ﴿وَإِنَّهُ فِى أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ﴾: ﴿وَإِنَّهُ﴾: أنّ القرآن مثبت مكتوب. ﴿فِى أُمِّ الْكِتَابِ﴾: في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ ـ ٢٢]. وسمي أم الكتاب؛ لأنه مصدر لكل الكتب السماوية.

стр. 4800

أو أم الكتاب الأصل وهناك اللوح المحفوظ فهو في كلاهما. ﴿لَدَيْنَا﴾: عندنا. ﴿لَعَلِىٌّ﴾: اللام للتوكيد، لذو علو شأن ومكانة على الكتب السّابقة ورفيع المنزلة والقدر. ﴿حَكِيمٌ﴾: محكم لا تناقض فيه، ذو حكمة محكم لا يتعارض بعضه مع بعض. ارجع إلى سورة هود آية (١). سورة الزخرف [٤٣: ٥] ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ﴾: ﴿أَفَنَضْرِبُ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ، ونضرب عنكم الذّكر، أيْ: أننحِّيه ونبعده عنكم. ﴿عَنْكُمُ﴾: خاصة. ﴿الذِّكْرَ﴾: القرآن. ﴿صَفْحًا﴾: الصّفح: مشتقة من صفحة الوجه، أيْ: جانبه والإعراض بصفح الوجه يعني: أشد الإعراض، ويقال: صفحت عنه، أيْ: أعرضت عنه وصافحين معرضين، أيْ: أنمسك إنزال القرآن عليكم أو نعرض عنكم فلا ننزل عليكم شيئاً فلا توعظون ولا تؤمرون أو نهملكم، فلا ننزل عليكم شيئاً أو نترككم في كفركم. ﴿أَنْ﴾: أن مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ﴾: مشركين مسرفين بالذّنوب والآثام وفي

стр. 4801

الضّلالة والجهالة أو بالإعراض وعدم الطّاعة، أم ننزله عليكم ونوضِّح لكم ما فيه فإن آمنتم فهو خير لكم، وإن تولَّيتم فقد قامت عليكم الحُجَّة. مسرفين: جملة اسمية تدل على صفة الإسراف ثابتة عندهم لا تتغير. ثم يخبر الله سبحانه رسوله ﷺ بأنّه قد أرسل الكثير من الرّسل من قبله فاستهزأ بهم قومهم فأهلكهم الله. سورة الزخرف [٤٣: ٦] ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَّبِىٍّ فِى الْأَوَّلِينَ﴾: ﴿وَكَمْ﴾: الواو استئنافية، كم الخبرية تفيد أو تدل على الكثرة، أيْ: ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم الماضية. سورة الزخرف [٤٣: ٧] ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِنْ نَّبِىٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما النّافية. ﴿يَأْتِيهِم مِنْ نَّبِىٍّ﴾: من ابتدائية استغراقية. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: الاستهزاء: هو تصغير قدر الآخر أو الشّيء والتّحقير أو الاستخفاف به، أو إلحاق العيب به يستهزئون: تدل على التّجدد والتّكرار أو حكاية الحال بدلاً من استهزؤوا به، يستهزئون كأنّه تقع الآن للدلالة على عظم الاستهزاء بالأنبياء أو كلاهما معاً. وفي سورة الحجر آية (١١) قال تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ

стр. 4802

يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي: الرّسل لم يكونوا أفضل حظاً من الأنبياء، فالكل استهزأ بهم قومهم. ولنعلم أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً. ولمعرفة الفرق بين الرّسول والنّبي ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٤). سورة الزخرف [٤٣: ٨] ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾: ﴿فَأَهْلَكْنَا﴾: الفاء تدل على المباشرة والتّعقيب. ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم﴾: أيْ: من هو أشد من قومك. ولمعرفة معنى الهلاك ارجع إلى سورة الأعراف آية (٤). ﴿بَطْشًا﴾: أيْ: قوةً وسطوةً وعنفاً من قريش من بطش يبطش، أيْ: أخذه؛ أي: عاقبه بقوة وعنف. ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾: ومضى: سبق في الآيات القرآنية صفة هلاكهم وعذابهم مثل قوم نوح عاد وثمود المؤتفكات وفرعون، أيْ: ذكرت قصصهم الّتي يمكن اعتبارها مثل للآخرين. سورة الزخرف [٤٣: ٩] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾: ﴿وَلَئِنْ﴾: الواو استئنافية، لئن: اللام للتوكيد، إن شرطية. ﴿سَأَلْتَهُم﴾: سألت قومك، أيْ: هؤلاء المشركين. ﴿مَّنْ﴾: استفهامية تفيد التّقرير. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: الخلق: الإيجاد والتّقدير.

стр. 4803

ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٣٠) وفصلت آية (١٠ - ١١) لمزيد من البيان في خلق السموات، وسورة الأعراف آية (٥٤). ﴿لَيَقُولُنَّ﴾: اللام والنّون في يقولنَّ للتوكيد. ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾: أيْ: هم لا ينكرون أنّ الله العزيز العليم الّذي خلق السّموات والأرض، العزيز: القوي الغالب الّذي لا يُغلب والقاهر الّذي لا يُقهر الممتنع على كل شيء. العليم: بأحوال الكون وأحوال خلقه، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السّموات ولا في الأرض. ورغم اعترافهم بأن خالق السّموات والأرض هو الله، فهم بربهم يعدلون ويشركون، وينسون أنه أيضاً الّذي أنعم عليهم بأن جعل لهم الأرض مهداً وسلك لهم فيها سبلاً، وأنزل من السّماء ماءً فأحيا به الأرض بعد موتها، وخلق الأزواج كلها والفلك والأنعام، وكل ما يركبونه، وبدلاً من أن يشكروه يشركوا به، ويجعلون له الولد والبنت، وغيرها، كما سنرى في الآيات القادمة. سورة الزخرف [٤٣: ١٠] ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم. ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾: بعد أن خلق الأرض جعلها مهداً (تشبيه بليغ) المهد هو فراش الطّفل (المهاد) كي تستقرون فيها، فلا تشعرون بحركتها،

стр. 4804

فهي تدور حول الشّمس بحركة تقدر بـ (٣٠) كم بالثانية، ولكن لا نشعر بذلك؛ لأننا ندور مع الأرض بنفس السّرعة. ﴿مَهْدًا﴾: بساطاً وفراشاً. مريحاً رغم أن الأرض كروية الشّكل. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾: طرقاً، السّبل أفضل من الطّرق من حيث السّير عليها، وأوسع سبلاً (جمع سبيل) تسلكونها إلى حيث تريدون. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: إلى مقاصدكم وأسفاركم، ولعل: للتعليل، تهتدون: تفيد التّكرار والتّجدُّد في الهداية للوصول إلى غايتكم.

стр. 4805

سورة الزّخرف [الآيات ١١ - ٢٢] سورة الزخرف [٤٣: ١١] ﴿وَالَّذِى نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾: انتهت الآية (٩) بقوله: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَالَّذِى نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾. تكرار الّذي يفيد التّوكيد وتدل على التّعظيم. ﴿نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: نزل من السّماء: أيْ: من السّحاب (السحاب الركامي)، وتعريف السّماء: هي كل ما علاك؛ فالسحاب هو من السماء. ماءً: له أسماء أخرى الغيث، المطر، الودق، الطّل، نزل تعني: المرات العديدة بينما أنزل من السّماء تعني: مرة واحدة. بقدر: بكميات معينة مقدرة كبيرة أو قليلة قد تسبب الفيضانات أو قليلة تسبب الجفاف أو معتدلة حسب الحاجة. فقد قدر العلماء أن كمية الماء على الأرض لا تتغير في الكمية فهنالك ١، ٤٠٠ مليون كم ٣ يتبخَّر منها كل عام ٦٠٠، ٠٠٠ كم ٣ من الماء، و ٥٠٠، ٠٠٠ كم ٣ يتبخَّر من مياه البحار والمحيطات، و ١٠٠، ٠٠٠ كم ٣ يتبخَّر من اليابسة، وتنفس الحيوانات والنّاس والأنّهار والبحيرات، ويعيد الله سبحانه على اليابسة ١٦٥، ٠٠٠ بزيادة (٦٥، ٠٠٠ كم ٣) يأخذها من البحار والمحيطات، فيُعيد على البحار والمحيطات (٤٣٥، ٠٠٠) بدلاً من (٥٠٠، ٠٠٠) تلعب هذه الزّيادة دوراً مهماً في تعرية الجبال، وتفتيت الصخور وإعادة تركيز

стр. 4806

المعادن وإغناء التربة بالمعادن الضرورية في عملية الإنبات وغذاء الحيوان والإنسان وتلطيف المناخ، فهذا من رحمة الله وكرمه. ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا﴾ الفاء تفيد المباشرة، أنشرنا به: أحيينا به، أيْ: بالماء وتقديم به يفيد التّوكيد والحصر. بلدة ميتاً: بلدة مجدبة (لا نبات فيها ولا زرع) المراد به بالماء إحياء الأرض بالنّبات والزّرع. وانتبه إلى الفرق بين: ميْتاً: بسكون الياء التي تدل على بلدة ماتت بالفعل منذ زمن. وأما لو جاءت الياء مشددة فهي تدل على بلدة ما زالت فيها حياة، وستموت قريباً إذا لم يصلها الماء، كما في سورة فاطر آية (٩)، أو أرض غير قابلة للزراعة على الإطلاق، وهو سبحانه قادر على إحياء كلا النّوعين من الأرض. ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾: ارجع إلى سورة الرّوم آية (١٩)، أيْ: مثل هذا الإحياء للأرض الميْتة بالماء تحيون وتخرجون من القبور. سورة الزخرف [٤٣: ١٢] ﴿وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾: ﴿وَالَّذِى﴾: تعود على العزيز العليم، الواو عاطفة. ﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾: الزّوج هو الصّنف، أيْ: خلق الأصناف كلها في زوجيَّة (زوجين) وتشمل الإنسان والحيوان والنّبات، والزّوج: الذّكر والأنثى والسّالب والموجب، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذّاريات: ٤٩]، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ [النجم: ٤٥] ليبقى سبحانه وحده المتفرِّد بالوحدانية في هذا الكون. ﴿كُلَّهَا﴾: للتوكيد.

стр. 4807

﴿وَجَعَلَ لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾: من بعضية، بعض الأنعام مثل الإبل ما تركبون بينما الغنم والماعز لا نركبها. الفلك: تطلق على المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، أي: السّفن. ﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الّذي تركبون، وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿تَرْكَبُونَ﴾: تدل على التّجدُّد والتّكرار. سورة الزخرف [٤٣: ١٣] ﴿لِتَسْتَوُا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: ﴿لِتَسْتَوُا عَلَى ظُهُورِهِ﴾: اللام للتعليل والاختصاص، الاستواء: يعني الاستقرار من استوى: استقر وقعد على كرسيه أو مقعده في السّيارة أو الطّائرة أو المركبة أو السّفينة، على ظهوره ولم يقل: على ظهورها. ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾: التّذكير يفيد القلة فالأنعام الّتي تركب (أي: الإبل) قلة بالنّسبة لعدد الأنعام جميعاً الغنم والبقر والماعز (هذا في القديم) وعلى الاستعلاء الحقيقي أو المجازي والاستقرار، يعني: أيضاً التّمكن من القيادة قيادة السّيارة أو الطّائرة أو المركبة. ﴿ثُمَّ﴾: لا تعني هنا التّراخي من الزّمن، وإنما تعني التّباين بين الاستواء وذكر الله والدّعاء دعاء السّفر والتّسمية الّذي هو أهم من الاستواء، أيْ: تقولوا بسم الله مثلاً سبحان الّذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين عند الرّكوب والاستواء، أو عند الإقلاع. ﴿تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾: نعمة التّسخير والاستواء.

стр. 4808

﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾: إذا ظرفية تفيد الحتمية، استويتم عليه: إعادة ذكر الاستواء مرة ثانية تفيد التّوكيد. ﴿وَتَقُولُوا سُبْحَانَ﴾: أي: تنزهوا الله بالتسبيح والقول سبحان الله عن كل ما لا يليق به من نقص أو عيب في ذاته وصفاته وأفعاله وبديع صنعه وخلقه. ارجع إلى سورة الإسراء آية (١) والحديد آية (١) لمزيد من البيان. ﴿الَّذِى﴾: للتعظيم. ﴿سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾: ذلل لنا هذا المركب الصّعب أو الدابة أو الطّائرة أو المركبة. ﴿وَمَا كُنَّا﴾: الواو واو الحالية تفيد التّوكيد، ما: النّافية. ﴿لَهُ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر والتّوكيد. ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: أيْ: ما كنا بقوتنا وطاقتنا قادرين على توجيهه والتّحكم به حيث نريد والسّيطرة عليه كي نقوده، أو نستوي عليه إلا بتسخير الله لنا هذه المراكب. من أقرن الشّيء: أطاقه وقوي عليه وفلان قرن لقرن: إذا كان مثله في الشّدة والقوة. سورة الزخرف [٤٣: ١٤] ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا﴾: إنا: للجمع، إلى ربنا: تقديم إلى ربنا لتدل على الحصر والتّوكيد، أيْ: إليه وحده، لمنقلبون: عائدون إليه، المصير بعد البعث والقيام. ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾: راجعون، ولكنه لم يقل: راجعون؛ لأنّ هناك فرقاً بين الرّجوع

стр. 4809

والانقلاب، الرّجوع يعني: العودة إلى المكان الّذي خرج منه وبنفس الحالة من غير تغيُّر. الانقلاب: الخروج من المكان والرّجوع إليه بغير الحال الّذي كان عليها زمن الخروج أو عدم العودة إلى نفس المكان، فاختار كلمة الانقلاب؛ لأنّ المسافر أو الرّاكب في السّيارة أو الطّيارة أو غيرها من الوسائل قد تغرق به السّفينة أو تتحطم به الطّائرة أو يحدث له حادث ولا يرجع إلى داره أو لا يرجع حتّى إلى الدّنيا وإنما ينتقل إلى الآخرة. ويذكرنا بأننا في الدّنيا في حالة سفر دائم إلى الآخرة. ولم يقل: منقلبون كما في الآية (٥٠) في سورة الشعراء وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾، وإنما قال: لمنقلبون: جاء بلام التّوكيد حتّى لا ينسى الرّاكب أو المسافر ذكر الله وأنّه في رحمة الله تعالى حتّى يعود، وأنّه غير منفلت من قضاء الله، وحتّى يكون مستعداً بقلبه ولسانه للقاء ربه، سواء عاد إلى بيته سالماً أم لا، وأما الآية (٥٠) في سورة الشعراء فهي آية خاصة جاءت في سياق سحرة قوم فرعون حين هددهم فرعون بالقتل والصلب، بينما آية الزخرف فهي آية عامة لكل من ركب في الفلك أو دابة. سورة الزخرف [٤٣: ١٥] ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾: المناسبة: رغم اعترافهم بأنّ الله هو الخالق العزيز العليم فهم يشركون به ويفترون على الله سبحانه الكذب بأشكال شتى منها أنهم جعلوا له من عباده جزءاً، أي: المشركون والمسرفون جعلوا له، أيْ: لله ، أيْ: زعموا باطلاً. ﴿لَهُ﴾: اللام لام الاختصاص.

стр. 4810

﴿مِنْ﴾: بعضية، بعض عباده وهم الملائكة. ﴿عِبَادِهِ جُزْءًا﴾: جعلوا الملائكة الّذين هم عباد الرّحمن، جزءاً: المراد بالجزء في هذه الآية الولد، أيْ: بنات الله؛ لأنّ الفرع جزء من أصله، أي: الولد جزء من الوالد أو الولد جزء من أبيه. ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ﴾: للتوكيد. ﴿لَكَفُورٌ﴾: اللام للتوكيد والتّعليل، كفور: صيغة مبالغة كثير الكفر والجحود والإشراك بالله أو جاحد لنعم الله. ﴿مُبِينٌ﴾: ظاهر كفره وجحوده لكل فرد أو كفره بيِّن واضح لا يحتاج إلى دليل أو بيِّنة وشرح. سورة الزخرف [٤٣: ١٦] ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ﴾: ﴿أَمِ﴾: الهمزة للاستفهام والتّوبيخ، أم للإضراب الانتقالي، أيْ: أنكر على المشركين الّذين زعموا أنّ الملائكة بنات الله سبحانه وزعموا زعماً آخر هو أنّ البنات أدنى من البنين درجة وجعلوا لأنفسهم البنين، ويجعلون لله البنات. ﴿اتَّخَذَ﴾: من أفعال التّحويل والتّصيير، أيْ: صير. ﴿مِمَّا﴾: (من + ما) من ابتدائية، ما بمعنى الّذي، وهي أوسع شمولاً من الّذي. ﴿يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾: أيْ: صيَّر لنفسه البنات (حيث زعموا أنّ الملائكة بنات الله). ﴿وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ﴾: وآثركم ربكم على نفسه فخصَّكم بالبنين. ﴿بِالْبَنِينَ﴾: باء الإلصاق والملازمة، أيْ: أنّ الله فضلكم على نفسه بأنّ

стр. 4811

أصفاكم بالبنين، واكتفى لنفسه بالبنات، أو أنتم فضلتم أنفسكم على الله فزعمتم أن لكم البنين وله البنات؟ ارجع إلى سورة الصافات آية (١٥٣ - ١٥٩) للبيان. سورة الزخرف [٤٣: ١٧] ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾: هذا تتمة الإنكار والتّوبيخ. ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد الحتمية. ﴿بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾: بما ضرب الرّحمن مثلاً، أيْ: بالأنثى، أيْ: بُشر بأن ولدت له بنت أصيب بالغم والكآبة، والبشارة: هي الخبر السار ولأول مرة تسمعه، واستعمل البشارة على سبيل التهكم والسّخرية. ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾: تغيَّر وجهه واغتاظ من شدة الحزن على سوء ما بُشر به. ﴿وَهُوَ﴾: الواو حالية، هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿كَظِيمٌ﴾: ممتلئ غيظاً وغماً؛ لأنّه لا يريد ذلك أو خوفاً من أن يلحق به العار أو كما كان يزعم أهل الجاهلية باطلاً. وهذه الآية تشبه آية أخرى هي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى التُّرَابِ﴾ [النّحل: ٥٨ - ٥٩]. ارجع إلى آية النحل لمزيد من البيان. سورة الزخرف [٤٣: ١٨] ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾: ﴿أَوَمَنْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، من: اسم موصول تشمل المفرد والمثنى والجمع. ﴿يُنَشَّؤُا﴾: أيْ: أَجَعلوا لله البنات (اللواتي ينشأن أو يتربَّين في الحلية

стр. 4812

والزّينة)، وينشؤا فيها مبالغة في النشأة مقارنة بالقول أومن ينشؤا، وتعني المرور بمراحل مختلفة. ﴿فِى الْحِلْيَةِ﴾: ظرفية، أيْ: يُربى في الحلية؛ أي: في الزّنية وتضم الذّهب والفضة، والزينة أعم من الحلية، وتشمل كل أنواع الزينة الخارجية والداخلية. ﴿وَهُوَ فِى الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾: وإذا اشتركت أو دعيت إلى الخصام والجدال والحوار فقد تكون غير قادرة أن تبين وتشرح أفكارها وتوضح ما تريده. وهذا كان سببه الجاهلية (جهل الأمم السّابقة) وظنَّهم الخاطئ بشأن الأنثى وحرمانها حقوقها. وقد يكون سبب كونها في الخصام والجدال غير مبين هو حياؤها وعفتها ووقوفها بين الرّجال يجعلها تشعر بعدم الارتياح في هذا الموقف، فتحاول أن لا تبدي رأيها أو تناقش وتجادل، ولنعلم أنّ هناك كثيراً من النّساء تفوق الكثير من الرّجال في الحوار والجدال والأعمال التّقنية والعلوم والاكتشافات، أما كونها تنشأ في الحلية فهذا شيء أباحه الله لها وليس عيباً. سورة الزخرف [٤٣: ١٩] ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ﴾: أي: المشركين، جعلوا: زعموا باطلاً أنّ الملائكة إناث من دون أيِّ علم أو دليل. ﴿إِنَاثًا﴾: جمع أنثى أو بنات الله. فردَّ الله سبحانه عليهم بقوله تعالى: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾: للاستفهام الإنكاري، والجواب طبعاً: لا لم يشهدوا أيْ: لم يحضروا خلقهم حين خلق الله الملائكة فرأوا أنّ الله خلقهم إناثاً.

стр. 4813

ومع ذلك ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾: السّين للاستقبال القريب، سنكتب شهادتهم، شهادة الزّور في صحائف أعمالهم. ﴿وَيُسْئَلُونَ﴾: يوم القيامة عما زعموا من شهادة الزّور بأنّ الملائكة إناثٌ. ارجع إلى سورة الصافات آية (١٥٠) لمزيد من البيان. سورة الزخرف [٤٣: ٢٠] ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: ﴿وَقَالُوا﴾: أي: الّذين أشركوا للذين أنكروا عليهم عبادة الملائكة أو الأصنام. ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾: أيْ: لو شاء الله ما عبدنا الملائكة، أيْ: مُنعنا من عبادتهم، أو أنزل علينا الرحمن شيئاً يخبرنا بذلك، وهو كلام حقٍّ يُراد به باطلٌ، أيْ: حُجَّة باطلة. ﴿مَا﴾: النّافية، تنفي الحال غالباً. ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾: ما النّافية، لهم: اللام لام الاختصاص، بذلك اسم إشارة يشير على زعمهم الباطل. ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾: من استغراقية تستغرق أيَّ علم نُقل إليهم أو نُزل عليهم أو سمعوه من رسلهم بطريقة الوحي أو الإلهام. ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: إن نافية أقوى نفياً من (ما)، هم: تفيد التّوكيد، إلا: أداة حصر. ﴿يَخْرُصُونَ﴾: الخرص هو الحزر والخرص من دون تحقيق يشبه الكذب، يخرصون في أقوالهم أنّ الملائكة إناث، أو بنات الله، أو لو شاء الرّحمن ما عبدناهم.

стр. 4814

ما هو الفرق بين ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]. الآية: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ جاءت في سياق زعمهم أنّ الملائكة بنات الله. أما الآية: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾: فجاءت في سياق إنكارهم للبعث. ولنعلم أنَّ (إن هم إلا يخرصون) أسوأ وأقبح من (إن هم إلا يظنون)؛ لأنّ الخرص هو حزر وكذب والظّن هو أعلى درجة من الشّك. سورة الزخرف [٤٣: ٢١] ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾: ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي والهمزة للاستفهام الإنكاري ينكر عليهم إيتاء أيِّ كتاب مهما كان نوعه (كتاباً: نكرة تشمل أيَّ صحيفة أو كتاب). ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾: من الإيتاء وهو يشمل الأشياء الحسية والمعنوية، ويختلف الإيتاء عن العطاء. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة لمعرفة الفرق. ﴿كِتَابًا﴾: مكتوب فيه اعبدوا الملائكة أو اعبدوا غير الله، أو أن الملائكة إناث وبنات الله، أو الأصنام أو الأولياء أو آتيناهم تشمل أيَّ حُجَّة ودليل يحلُّ لهم الشّرك بالله . ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: من قبل القرآن العظيم. ﴿فَهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، وهم للحصر والتّوكيد. ﴿بِهِ﴾: تقديم به يدل على الحصر، أيْ: فقط به. ﴿مُسْتَمْسِكُونَ﴾: كدليل لهم أو حُجَّة يحتجون بها على صحة أفعالهم وصدق أقوالهم، مستمسكون جمع مستمسك اسم فاعل تدل على الثّبوت، ثبوت صفة الإمساك به، وكذلك على شدة الإمساك به.

стр. 4815

سورة الزخرف [٤٣: ٢٢] ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُّهْتَدُونَ﴾: ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿قَالُوا﴾: تعود على قريش الذين بعث الله إليهم رسول الله ﷺ الّذين قالوا: الملائكة بنات الله أو إناث، ولو شاء الله ما عبدناهم، ورد الله عليهم بقوله: ما لهم بذلك من علم؛ لأنّهم لم يشهدوا خلقهم ولم ينزل عليهم كتاب من قبل القرآن يدعوهم إلى عبادة الملائكة، أو يكون دليلاً لهم، وكل أقوالهم مجرَّد خرص وكذب، فبعد أن ردَّ الله على كل أكاذيبهم لم يجدوا ملجأ يلجؤون إليه أو مبرِّراً يبرِّر عبادتهم إلا القول: إنما نحن نقلد آباءَنا. ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾: على ملَّة أو طريقة أو مذهب، أمة: مشتقة من الطّريق الّتي تؤم، أيْ: تقصد، يمشي النّاس عليها بكثرة، على: تفيد الاستعلاء. ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُّهْتَدُونَ﴾: وإنا للتوكيد، على آثارهم: على هديهم أو سنتهم سائرون، وكان الرد عليهم: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الآية: ٢٤] من نفس السورة. ﴿مُّهْتَدُونَ﴾: أيْ: هم يزعمون أن آباءَهم على هدى، وبالتّالي هم على هدى حين قالوا: إنّ الملائكة إناث، وهم بنات الله وعبادتهم قام بها الآباء والأجداد، ونحن فقط نسير على سيرهم، وهذا اعتراف صريح وحُجَّة عليهم وليس حُجَّة لهم. كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصّافات: ٦٩ ـ ٧٠].

стр. 4816

سورة الزّخرف [الآيات ٢٣ - ٣٣] سورة الزخرف [٤٣: ٢٣] ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُّقْتَدُونَ﴾: لا بُدَّ من العلم أنّ الآية السّابقة (٢٢) تتحدث عن مشركي قريش، الّذين زعموا أنّ الملائكة إناث، وأنّهم بنات الله، وأنهم يعبدونهم كما عبدهم آباؤهم، وهذه الآية (٢٣) تتحدث عن الأمم السابقة والمترفين الّذين كانوا قبل مجيء مشركي قريش. ﴿وَكَذَلِكَ﴾: أيْ: مثل ما قال مشركو قريش أو مكة: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون، قال المشركون والمترفون السّابقون لرسلهم: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. فما هو الفرق بين الّذين قالوا: إنا على آثارهم مهتدون؛ أي: مشركي قريش والعرب، والّذين قالوا: إنا على آثارهم مقتدون من جاء قبلهم من الكفار والمقربين. الّذين قالوا: إنّا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون، أي: المشركون والمترفون من جاءوا قبل قريش، هؤلاء لا يدّعون الهداية لأنفسهم ولا لآبائهم، ولا تهمهم الهداية، وإنما يهمهم إلا التّرف والشّهوات والمعاصي بسبب ضلالتهم وشركهم، أما مشركو قريش أو مكة هم ومن جاء من آبائهم فهم يدعون باطلاً الهداية لأنفسهم وآبائهم، أيْ: أنّ آباءَهم كانوا مهتدين، وهم يقلدونهم، فهم أسوأ وأشد ضلالاً من المترفين الكافرين أو المشركين الّذين قالوا: إنّهم على آثار آبائهم مقتدون.

стр. 4817

﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾: ما النّافية، أرسلنا من قبلك: يا رسول الله ﷺ . ﴿فِى قَرْيَةٍ﴾: في ظرفية قرية. ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾: من استغراقية، نذير: الإنذار الإعلام مع التّحذير، أيْ: يبلغها ما أرسل إليهم به ويحذرها. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾: جمع مترف، والترف: هو التوسع في ملذات الدنيا، وشهواتها والإسراف؛ أي: تجاوز حد الاعتدال، والمترف: هو الغني الذي أطغته النعمة أو الغنى، والمنغمس في ملاذ الدنيا وشهواتها بالتبذير، والإسراف الذي يؤدي إلى فساده. إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. أيْ: بشرائعهم وبسننهم نعمل. سورة الزخرف [٤٣: ٢٤] ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾: ﴿قَالَ﴾: تعني: كل نذير، أيْ: رسول قال لأهل قريته بما فيهم رسول الله ﷺ قال لمشركي مكة: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾: أولو: الهمزة للاستفهام الإنكاري، جئتكم بشريعة أو ملة أهدى من ملة آبائكم وأهدى من شرككم وضلالكم كان هذا رداً على مشركي قريش. ﴿قَالُوا﴾: أي: مشركو قريش والعرب. ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾: إنا للجمع والتّوكيد، بما: الباء باء الإلصاق، ما تعني: الّذي وهي أوسع شمولاً من الّذي. أرسلتم به كافرون: أيْ: لا نؤمن ولا نصدق بأيِّ شيء جئتمونا به، كافرون: صفة تدل على الثّبوت.

стр. 4818

سورة الزخرف [٤٣: ٢٥] ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾: الفاء السّببية تربط السّبب بالمسبب، انتقمنا منهم: تعود على الكل؛ أيْ: عاقبناهم على كفرهم بأنواع مختلفة من العذاب، فمنهم من أخذته الصّيحة، ومنهم من أرسلنا عليه حاصباً، ومنهم من أخذته الرّجفة ومنهم من أغرقنا. ﴿فَانظُرْ﴾: الفاء جواب شرط مقدَّر تقديره: إن كذبك قومك فانظر كيف كان عاقبة المكذبين، انظر: نظرة قلبية فكرية، نظرة تمعُّن واعتبار. ﴿كَيْفَ﴾: استفهام وتحذير. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: كيف كان عذاب المكذبين، وتذكير كلمة العاقبة في القرآن كقوله: ﴿كَانَ عَاقِبَةُ﴾ يعني: العذاب، وتأنيث كلمة العاقبة في القرآن تأتي في سياق العاقبة الحسنة كالجنة. سورة الزخرف [٤٣: ٢٦] ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾: المناسبة: كان أجدر بهؤلاء مشركي مكة الّذين قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون، أن يقلِّدوا ويتَّبعوا إبراهيم ﵇ وليس آباءهم وأجدادهم. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾: الواو استئنافية، إذ: أي: اذكر، إذ قال إبراهيم: أو اذكر حين قال إبراهيم لأبيه. ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾: اللام لام الاختصاص، أبيه: آزر، أو قيل: عمِّه. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٧٤) للبيان. ﴿إِنَّنِى﴾: لم يقل: إني، قال: إنني للتوكيد (نون التّوكيد).

стр. 4819

﴿بَرَاءٌ﴾: من برأ منه، أي: تخلَّص منه وتباعد عنه وتبرأت من الأمر أي: تخليت عنه، براءٌ، أيْ: لا أعبد الّذي تعبدون. براءٌ: مصدر بريء على وزن فعال، وتقال للواحد والاثنين والجمع، إنا براء منك أو منكما أو منكم. في سورة الأنعام آية (٧٨) ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّى بَرِاءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. في سورة الزّخرف هذه الآية (٢٦) قال: ﴿إِنَّنِى بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾. براءٌ مصدر بريء أو براءة مصدر لفعل برأ يبرأ. في سورة الممتحنة آية (٤) ﴿إِنَّنِى بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ جمع بريء. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٧٨) لمعرفة الفرق والبيان. ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾: من ابتدائية استغراقية، ما: اسم موصول بمعنى الّذي وما عامة تشمل كل ما يعبدون إلا الله، كما سيرد في الآية التّالية. ارجع إلى سورة النّحل آية (٧٣) لتعريف العبادة، تعبدون: بصيغة المضارع تفيد التّكرار والتّجدُّد. سورة الزخرف [٤٣: ٢٧] ﴿إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾: ﴿إِلَّا الَّذِى﴾: إلا: أداة استثناء أو حصر، الّذي: اسم موصول يفيد التّعظيم. ﴿فَطَرَنِى﴾: خلقني، أي: الّذي أخرجني للوجود، والفطر هو الإبداع والإيجاد من غير سبق وأصله الشّق، وفطر: طلع وظهر. ﴿فَإِنَّهُ﴾: الفاء تعليلية، إنّه: للتوكيد. ﴿سَيَهْدِينِ﴾: السّين تدل على الاستقبال القريب، وهل يعني أنّ إبراهيم ﵇ لم يكن مهدياً (من قبل) الجواب: كلا، كان مهدياً، والدّليل في سورة الشّعراء آية (٧٨) قال تعالى على لسان إبراهيم ﵇: ﴿الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ فلا بُدَّ من الجمع بين الآيتين يهدين وسيهدين أيْ: يهدين للحال

стр. 4820

وسيهدين للاستقبال، أي: الاستمرار على الهداية والاستقامة عليها، وحذف الياء؛ لأن الهداية لن تخصه وحده بل الهداية تكون له ولغيره من الناس ولو كانت خاصة به وحده لقال سيهديني. سورة الزخرف [٤٣: ٢٨] ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً﴾: أيْ: جعل كلمة التّوحيد لا إله إلا الله، أو ﴿إِنَّنِى بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِى﴾. ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِ﴾: في ذريته أو خلفه، أو فيمن يأتي من بعده إلى يوم القيامة، والعقب الولد وولد الولد. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لعل: للتعليل، يَرْجعون بفتح الياء ولم يقل يُرْجعون، يرجعون برغبتهم وإرادتهم بالتوبة إلى عبادة الله وحده، بينما يُرجعون: بالقسر وبغير إرادتهم، لعلهم يَرجعون: إلى ربهم بالإنابة والتّوبة وإليه وحده والإخلاص له، يرجعون إلى توحيد الألوهية والرّبوبية والأسماء والصّفات. سورة الزخرف [٤٣: ٢٩] ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾: المناسبة: يعود الله سبحانه ليتحدث عن مشركي مكة كيف أمهلهم ولم يعجِّل لهم بالعقوبة، ومتَّعهم بالنّعيم وطول العمر، وأنزل عليهم القرآن وجاءهم رسولٌ مبين، وماذا فعلوا عندها قالوا: هذا سحرٌ، وإنا به كافرون. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾: أي: مشركي مكة وآباءهم، متعت: من المتاع: وهو كلُّ ما ينتفع به ويرغب في اقتنائه ويتمتع به من أثاث وسلعة وأداة وهو متاع زائل، متعتهم بطول العمر والسّعة في الرّزق والأمن، فاغتروا بالنّعم وأسرفوا في شهواتهم وعبادتهم لأوثانهم.

стр. 4821

﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية. ﴿جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾: وهو القرآن العظيم. ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾: أيْ: محمّد ﷺ بين الرّسالة أو الدِّين، مبين: ظاهر لكلّ فرد منهم أنّه رسول الله وليس بكاهن ولا بشاعر ولا مجنون ولا يحتاج إلى بيِّنة أو حُجَّة، مبين: للحق وما جاءَهم من الأحكام والشرائع. سورة الزخرف [٤٣: ٣٠] ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾: ﴿وَلَمَّا﴾ الواو عاطفة، لما: ظرف زماني بمعنى حين، أيْ: وحين جاءهم الحق: القرآن العظيم. ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾: قالوا: أيْ: كفار قريش، هذا: اسم إشارة للقرب والهاء للتنبيه إشارة إلى القرآن، سحر: اتهموا القرآن بالسّحر لما رأوا تأثيره القوي في القلوب والأنفس، وكانوا يظنون كل شيء خارق للعادة سحراً. ارجع إلى سورة طه الآية (٥٨) لتعريف السّحر، وسورة البقرة (١٠٢) لمزيد من البيان. ﴿وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾: ضمير الجمع، به: بالقرآن، وقدَّم به للحصر والقصر، كافرون: لا نؤمن به ولا نصدقه، أيْ: جاحدون، كافرون: جملة اسمية تدل على الثّبوت، أيْ: صفة الكفر عندهم ثابتة لا تتغيَّر أو تتبدَّل. سورة الزخرف [٤٣: ٣١] ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾: ﴿وَقَالُوا﴾: الواو عاطفة، قالوا: أيْ: كفار مكة. ﴿لَوْلَا﴾: أداة حضٍّ وحثٍّ. ﴿نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾: نُزل، أيْ: بشكل منجم، أي: على دفعات ولو قالوا: أنزل لكان يعني ذلك على دفعة واحدة، هذا القرآن: كما في الآية السّابقة. ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾: على تفيد الاستعلاء، ولم يقل: إلى رجل

стр. 4822

التي تفيد الانتهاء، نُزل من اللوح المحفوظ، أيْ: هم استنكروا أن يُنزل القرآن على محمّد ﷺ وهو ليس من زعمائهم وسادتهم، رجل من (ابتدائية) القريتين عظيم: رجل من القريتين مكة أو الطّائف. كما قال ابن عباس والرجل العظيم من مكة هو الوليد بن المغيرة القرشي، وقيل: عتبة بن ربيعة والرّجل العظيم من الطّائف، قيل: هو حبيب بن عمرو بن عمير الثّقفي، وقيل: غيره من الأسماء مثل مسعود بن عمرو، رجل عظيم: يعني: ذا جاه ومال وسيد في قومه. سورة الزخرف [٤٣: ٣٢] ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: المناسبة: يرد الله سبحانه على اعتراضهم بإنزال النّبوة على رسول الله ﷺ بقوله: أهم يقسمون رحمة ربك. ﴿أَهُمْ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري وتحمل معنى التّعجب والضّمير يعود على كفار قريش، أهم يقسمون رحمة ربك أهم الّذين يختارون من يكون رسولاً أو نبياً لهم؟ ﴿يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾: أي: النّبوة، وكما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: نحن: للتعظيم، قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدّنيا: أيْ: قسمنا: وزعنا أرزاقهم بينهم في الحياة الدّنيا فمنهم الغني ومنهم الفقير ومنهم التّاجر ومنهم المزارع ومنهم الطّبيب ومنهم الصّانع. ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾: في الرّزق والغنى والفقر والعلم والجاه والصّحة والعافية والقوة والمهن والحرف والوظائف وغيرها.

стр. 4823

﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾: اللام لام التّعليل، سخرياً: أيْ: ليساعد بعضهم بعضاً في سُبل العيش والخدمة، هذا بماله وهذا بعمله، فالطّبيب يحتاج إلى الخباز، والخباز يحتاج إلى الطّبيب، فلو تساوى النّاس في الغنى وفي الحِرف ولم يحتاج بعضهم إلى بعض لتعطَّلت سبل معاشهم وحاجتهم لغيرهم، وهناك فرق بين سُخرياً بضم السين، وسِخرياً بكسر السين، كما ورد في قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون: ١١٠] التي تعني: السخرية والاستهزاء، وأما سُخرياً بضم السين: من التسخير؛ أي: يخدم بعضهم بعضاً، والتسخير له معنى آخر هو التذليل كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِى الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٦٥]. ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: رحمة ربك، أي: النّبوة أو الهداية والقرآن ونعمة الإسلام والإيمان أو الجنة، خير: أيْ: أفضل من، ما: ابتدائية استغراقية، ما (الّذي) يجمعون من المال ومتاع الدّنيا، يجمعون بصيغة المضارع لتدل على التّكرار والتّجدُّد. سورة الزخرف [٤٣: ٣٣] ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾: ﴿وَلَوْلَا﴾: لولا: حرف امتناع لامتناع. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أمة واحدة: على ملة واحدة هي ملة الكفر، أيْ: لولا الخوف أن ينقلب كلّ النّاس كفاراً. لجعلنا (لحقارة الدّنيا) لكلّ كافر بيوتاً سقفها من فضة ومعارج عليها يظهرون ومصاعد عليها يرتقون وأبواباً من فضة وسرراً وزخرفاً في الدّنيا؛ لأنّ ليس لهم في الآخرة من نصيب؛ لأنّ الدّنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة؛ كما

стр. 4824

ورد في الحديث عن سهل بن سعد الساعدي والذي رواه الترمذي، وهي عاريَّة زائلة مهما طال الأجل. ﴿لَّجَعَلْنَا﴾: اللام لام التّعليل، جعلنا: الجعل بعد الخلق والجعل يعني: صيرنا. ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾: اللام لام الاختصاص، سقفاً من فضة والبيت كلّ بناء يتشكل من أربع جدران وعليها سقف قائم والبيت وهو مأوى الإنسان بالليل سواء نائم فيه أو لم ينم. ﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾: فقد تبين من الدراسات الحديثة: أن الفضة هي أفضل العناصر الكيميائية كلّها في القدرة على نقل الحرارة وتوصيلها، وهي أفضل من الذّهب لصنع السّقف؛ لأنّ السّقف الفضية توفِّر جوّاً من الدّفء، وخاصة في المناطق الباردة، فيمكن للصحائف الفضية امتصاص حرارة الشّمس وتوصيل الحرارة إلى الماء المستخدم في تدفئة المنازل وغيرها أو طهي الطّعام وأقل مقاومة لمرور التّيار الكهربائي وعدم إصدار شرر وتفيد في منع التّلوث بكونها تساعد على قتل البكتريا. وهذه من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الدّالة على أن هذا القرآن مُنزل من الإله الحق. ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾: أيْ: مصاعد كهربائية يصعدون بها إلى أعالي المباني وسطوحها.

стр. 4825

سورة الزّخرف [الآيات ٣٤ - ٤٧] سورة الزخرف [٤٣: ٣٤] ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾: اللام لام الاختصاص، البيت: مأوى الإنسان بالليل، وبات: أقام بالليل سواء نام أم لم ينم. ﴿أَبْوَابًا﴾: من فضة أو من ذهب وفضة. ﴿وَسُرُرًا﴾: من فضة أو من ذهب وفضة، وسرُرُاً: جمع سرير. ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾: يجلسون، أو الاضطجاع قليلاً. سورة الزخرف [٤٣: ٣٥] ﴿وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: ﴿وَزُخْرُفًا﴾: الزّخرف: هو الذّهب والزّينة، أيْ: لجعلنا لهم زخرفاً ذهباً وزينةً في تلك السّقف والسّرر والأبواب، وليست فقط فضة، بل نزينها بالذّهب والنّقوش والحلي. ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: الواو استئنافية، إن: نافية تعني ما كلّ ذلك، ذلك: اسم إشارة إلى السّقف والأبواب والسّرر والمعارج والذّهب والحلي، لما: للحصر بمعنى إلا متاع الحياة الدّنيا، متاع الحياة الدّنيا: ما يمتع به وينتفع به من أثاث ومسكن وأدوات وغيرها من متاع الحياة الدّنيا: متاع زائل وفانٍ.

стр. 4826

﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ﴾: الواو عاطفة، الآخرة عند (ظرف مكاني) أو زماني. ﴿رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق. سورة الزخرف [٤٣: ٣٦] ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾: ﴿وَمَنْ﴾: الواو استئنافية، من شرطية. ﴿يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾: يَعْشُ: من مرض العشى: هو ضعف البصر أو عدم الرّؤية الجيدة في الليل، والأعشى: هو الّذي لا يبصر جيداً بالليل، أيْ: يُعرض أو يتغافل ويتعامى عن ذكر الرّحمن، ذكر الرّحمن: هو القرآن أيْ: يعرض عن القرآن، ولا يتعظ به، ولا يعمل به، ولا يتدبَّره، ولا يخاف وعيده. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾: هيئنا له أو أعددنا له شيطاناً (نكرة) وجواب الشّرط، شيطاناً تعني: عموم الشّياطين، وليس واحداً، أيْ: نقيِّض له شياطين كثراً؛ لأنّ النّكرة الواقعة بعد الشّرط (ومن) تفيد العموم، والدّليل على ذلك جاء بعدها وإنّهم (بالجمع) ليصدونهم عن السّبيل. ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾: الفاء للتوكيد، هو: لزيادة التّوكيد، قرين: مصاحب له يلازمه ولا يفارقه يوسوس ويزين له ويغويه ويضله، والفرق بين القرين والصّاحب: الصّاحب يمكن الانتفاع منه، أمّا القرين فلا فائدة منه ولا منفعة منه، بل ضرر. سورة الزخرف [٤٣: ٣٧] ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾: ﴿وَإِنَّهُمْ﴾: أي: الشّياطين.

стр. 4827

﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد، يصدون: يمنعون والصّد هو المنع عن بلوغ الغاية بسبب الوسوسة والتّزيين والإغواء والإضلال. ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: عن: للمجاوزة والمباعدة، السّبيل: هو دين الله تعالى والهدى والحق. ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾: من حسب: أي: اعتقد، أيْ: يعتقدون اعتقاداً راجحاً. ﴿أَنَّهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾: أنهم: للتوكيد أنهم على طريق الحق والصّواب، مهتدون: جملة اسمية تدل على الثّبوت، أيْ: صفة الهداية ثابتة عندهم. سورة الزخرف [٤٣: ٣٨] ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾: ﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية. ﴿إِذَا﴾: شرطية تفيد حتمية الحدوث. ﴿جَاءَنَا﴾: يوم القيامة، والمجيء فيه معنى المشقة والجهد، ولم يقل: أتانا، أتى فيها معنى السّهولة، والضّمير يعود على العاشي عن ذكر ربه، وفي قراءة: جاآنا: أيْ: كلاهما العاشي والقرين. قال: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾: يقول العاشي للقرين: يا ليت: يا: للنداء البعيد والتّنبيه، ليت: أداة تمني للأمور المستحيلة الحصول أو الحدوث، يتمنى لو أنّ بينه وبين قرينه أقصى مسافة بحيث لا يعد يراه أو يلتقي به أبداً. قرينه: (الشّيطان) بعد المشرقين، أيْ: بُعد ما بين المشرق والمغرب وغلب المشرق على المغرب، فقال بعد المشرقين كما نقول الأبوين (الأب والأم ونغلب الأب)

стр. 4828

أو بعد مشرق الشّمس في أقصر يوم من السّنة ومشرقها في أطول يوم، وتعني أنّه يحاول أن يتبرأ من قرينه الّذي أضلَّه في الدّنيا وأغواه. ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾: الفاء للتوكيد، بئس: من أفعال الذّم، أي: بئس القرين، القرين: ارجع إلى الآية (٣٦) من نفس السّورة لبيان معنى القرين. سورة الزخرف [٤٣: ٣٩] ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾: يقال لهم يوم القيامة توبيخاً لهم أو لبث القنوط في أنفسهم: ﴿وَلَنْ﴾: الواو استئنافية، لن: لنفي المستقبل القريب والبعيد. ﴿يَنْفَعَكُمُ﴾: ندمكم أو تمنيكم أو تبرؤكم ولا الاعتذار ولا الشّفاعة ولا الصّديق الحميم ولا أنسابكم. ﴿الْيَوْمَ﴾: يوم القيامة. ﴿إِذْ ظَّلَمْتُمْ﴾: إذ: ظرف للزمن الماضي، أي: إذ تبيَّن ظلمكم، ظلمتم: أنفسكم بالخروج عن منهج الله بالشّرك والكفر والمعاصي والصّد عن سبيل الله وعن ذكر الله. ﴿أَنَّكُمْ﴾: أنّ: للتوكيد، أي: أنتم وقرناءَكم. ﴿فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾: أي: كونكم في العذاب مشتركون لا يعني: تخفيف العذاب عن أيٍّ منكما، ولن ينفعكم أن يواسي أحدكم الآخر ظناً أنّ ذلك يخفف عنه من العذاب، كما يحدث في حال الدّنيا، فلا مواساة بينكم ولا يسئل حميمٌ حميماً.

стр. 4829

سورة الزخرف [٤٣: ٤٠] ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِى الْعُمْىَ وَمَنْ كَانَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ﴿أَفَأَنْتَ﴾: الهمزة: للاستفهام التّعجبي والإنكار، والفاء للتوكيد، والخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ . ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾: (استعارة) شبه الكفار بالصّم والعمي؛ لأنّ آلة السّمع والبصر معطلة عندهم فآذانهم لا تعي ولا تنتفع بما تسمع من الآيات والموعظة والوعد والوعيد، وأعينهم لا ترى الحق ولا طريق الهداية، فهم قد فقدوا البصيرة ولا يرون إلا الباطل، فيسيرون وراءَه، فبعد أن وصفهم بالعشي المصابين بمرض العشى، ووصفهم بالصّم والعمي وفي ضلال مبين، فإنّك يا أو رسول الله ﷺ لن تستطيع أن تُسمع هؤلاء الكفار أو تهديهم مهما حاولت وأجهدت نفسك؛ لأنّهم قد ضلوا ضلالاً بعيداً من الصّعب أن يرجعوا منه. ﴿وَمَنْ﴾: بمعنى الّذي تشمل المفرد والمثنى والجمع، والذكر والأنثى. ﴿فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: في: ظرفية، ضلال مبين: ضلال بين واضح لكلّ فرد وضلال غير خفي ولا يحتاج إلى تبيان. سورة الزخرف [٤٣: ٤١] ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُنْتَقِمُونَ﴾: ﴿فَإِمَّا﴾: الفاء استئنافية، إما (إن + ما) إن: شرطية تفيد الاحتمال والافتراض والشّك، ما للتوكيد. ﴿نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾: أيْ: نذهبنَّ بك من بينهم بالهجرة، أو الانتقال إلى الرّفيق الأعلى والنّون في نذهبنَّ للتوكيد، والخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ ، نذهبنَّ بك قبل الانتقام منهم وإنزال العذاب بهم.

стр. 4830

﴿فَإِنَّا﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، إنا: للتعظيم. ﴿مِنْهُم مُنْتَقِمُونَ﴾: أيْ: سننتقم منهم بعد الذّهاب بك من بينهم، فوجودك بينهم رحمة بهم، ويؤيِّد ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]. سورة الزخرف [٤٣: ٤٢] ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِى وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ﴾: ﴿أَوْ﴾: للتقسيم أو الاختيار. ﴿نُرِيَنَّكَ الَّذِى وَعَدْنَاهُمْ﴾: نرينك: نون التّوكيد، الّذي وعدناك بالنّصر عليهم وأنت على قيد الحياة وهزيمتهم. ﴿فَإِنَّا﴾: للتعظيم، الفاء رابطة لجواب الشّرط. ﴿عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ﴾: مقتدر على وزن مُفْتَعِل أبلغ من قادر، مقتدرون أبلغ وأعظم من قادرون، مقتدرون على عذابهم وإهلاكهم. سورة الزخرف [٤٣: ٤٣] ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِى أُوحِىَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: ﴿فَاسْتَمْسِكْ﴾: الفاء للتوكيد، استمسك: ولم يقل: فأمسك، استمسك: السّين والتّاء للطلب والتّوكيد والحضِّ، أي: ابذل قصارى جهدك أو ما بوسعك بالتّمسك بالقرآن. ﴿بِالَّذِى أُوحِىَ إِلَيْكَ﴾: الباء للإلصاق والملازمة، الّذي: للتعظيم، أوحي إليك: أيْ: بالقرآن أوحي إليك من ربك. ولمعرفة معنى أوحي إليك ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣). ﴿إِنَّكَ﴾: إنّ للتوكيد، والكاف للخطاب: إنّك يا رسول الله ﷺ .

стр. 4831

﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: على تفيد الاستعلاء والمشقة، صراط مستقيم هو دين الإسلام الحق، الصّراط المستقيم الّذي لا عوج فيه والموصل إلى الغاية القصوى، والصراط: هو الطّريق الواسع السّهل المستقيم الموصل إلى الغاية بأقصر مسافة وأقل زمن. سورة الزخرف [٤٣: ٤٤] ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾: ﴿وَإِنَّهُ﴾: تعود على الّذي أوحي إليك، أي: القرآن وتفيد التّوكيد. ﴿لَذِكْرٌ لَكَ﴾: اللام للتعليل والتّوكيد، ذكر لك: شرف عظيم لك ولقومك أنّه نزل إليكم وبلغتكم وعلى رسولكم، وذكر تعني: تذكرة لك ولقومك بالآخرة بالاستعداد لها. ﴿لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿وَسَوْفَ﴾: للاستقبال البعيد (فيه تراخٍ في الزّمن). ﴿تُسْئَلُونَ﴾: عنه يوم القيامة عن العمل به وتطبيق شرائعه وأحكامه وإبلاغه، وتدبره، وعن حقه وشكره. سورة الزخرف [٤٣: ٤٥] ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾: السّؤال وإن كان المخاطب رسول الله ﷺ ، وإنما المقصود به خطاب أمته؛ لأنّ رسول الله ﷺ غنيٌّ عن مثل هذا السّؤال ولم يشك ولم يسأل. والرّسل قد ماتوا وقد يعني: اسئل أتباع من أرسلنا من قبلك من رسلنا أيْ: مؤمني أهل الكتاب، سؤال غايته التّقرير ليكون عليهم حُجَّة أو حُجَّة لهم.

стр. 4832

ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِى شَكٍّ مِمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]. ﴿أَجَعَلْنَا﴾: الهمزة استفهام إنكاري ونفي، الجعل: أيْ: صيرنا. ﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾: من غير الرّحمن. ﴿آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾: أيْ: هل أذن الرّحمن بعبادة أحد غيره، أو سوغ ذلك لأحد من البشر. سورة الزخرف [٤٣: ٤٦] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ فَقَالَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: المناسبة: بعد بيان موقف كفار قريش لما جاءهم الحق قالوا: هذا سحر وإنا به كافرون، يقص الله سبحانه على نبيه أنّ ما يحدث له من قومه حدث لموسى وعيسى ﵉ من قبله، وبيَّن ذلك في عدد من الآيات فقال: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، واللام للتوكيد، قد للتحقيق. ﴿أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾: الباء للإلصاق، بآياتنا: أي: التّسع آيات ومنها العصا واليد، والّتي تدل على عظمة الله وقدرته تعالى وعلى وحدانيته وتدعو إلى الإيمان، ومنها الطّوفان والجراد والقمل والضّفادع والدّم والسّنين والثّمرات. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ﴾: فرعون ملك مصر. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) لمعرفة من هو فرعون. والملأ هم وجهاء القوم والأعيان الّذين يمثلون القوم. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٧٥) لمزيد من البيان. ﴿فَقَالَ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة.

стр. 4833

﴿إِنِّى﴾: للتوكيد، رسول رب العالين. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٢) لبيان معنى رب العالمين. ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: وفي سورة الشعراء آية (١٦) قال تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كيف نفسر ذلك؟ بالقول أن كلمة رسول في اللغة يمكن أن تطلق على المفرد والمثنى، وعلى الجمع؛ لأن الرسول يمثل الرسل، أو الرسل يمثلهم رسول واحد. سورة الزخرف [٤٣: ٤٧] ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء عاطفة، لما: ظرف زماني بمعنى حين. ﴿جَاءَهُمْ﴾: موسى بآياتنا التّسع. ﴿إِذَا﴾: الفجائية. ﴿هُمْ﴾: للتوكيد. ﴿يَضْحَكُونَ﴾: جاء بصيغة المضارع لتدل على حكاية الحال كأنّهم أمامك يضحكون للدلالة على قبح ضحكهم، فبدلاً من أن يؤمنوا بها وبالله وحده استهزؤوا بها وسمَّوها سحراً.

стр. 4834

سورة الزّخرف [الآيات ٤٨ - ٦٠] سورة الزخرف [٤٣: ٤٨] ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية، ما: النّافية لنفي الحال. ﴿نُرِيهِمْ مِّنْ آيَةٍ﴾: أيْ: معجزة من المعجزات التّسع، أو الآيات التسع. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر (لوقوعها بعد النّفي). ﴿هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾: أيْ: هي أكبر من الآية الّتي قبلها، أيْ: سبقتها أو كلّ آية حين تحدث يشعرون بعظمتها وتبهر عقولهم، ويظنون أنّ كل آية حصلت في السّابق دونها، أي: يذهلون بعظمتها ولا يستطيعون التّمييز بينها، بل هي أشد من الأخرى. ﴿وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ﴾: ولم يبيِّن نوع العذاب هنا، وقيل: بالسّنين ونقص من الثمرات، كما بيَّنته آية أخرى. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٣٠) للبيان. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لعل للتعليل، يرجعون: إلى ربهم بإرادتهم واختيارهم بالتّوبة والإنابة إليه، يرجعون إلى الإيمان والتّوحيد وترك الشّرك. سورة الزخرف [٤٣: ٤٩] ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾: السّؤال كيف يسمُّون موسى السّاحر ويطلبون منه أن يدعوَ ربه بما فضله الله عليهم أن يكشف عنهم العذاب، ووعدوه بأن يهتدوا ويرجعوا عن

стр. 4835

غيِّهم وضلالهم؛ لأنّهم كانوا يطلقون على العالم الماهر أو البارع ساحر؛ لأنّه جاء بأمور خارقة للعادة مثل العصا واليد، وكل أمر خارق للعادة ومؤثر في أنفسهم كانوا يشبهونه بالسّحر، وكان السّحرة لهم مكانتهم وسلطانهم آنذاك فقولهم: يا أيها السّاحر فيه معنى المدح وليس العيب بالنسبة لهم. ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾: أن يكشف عنا العذاب. ﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق والمصاحبة أو باء السّببية، ما: مصدرية أو اسم موصول. ﴿عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: من الإيمان والطّاعة والنّبوة أو الدّعوة المستجابة أو عهد عندك أنّه يكشف العذاب عمن آمن أو بما أوصاك أن تدعوه به. ﴿إِنَّنَا﴾: للتوكيد. ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾: اللام للتوكيد، لمهتدون بشرط أن يكشف عنها العذاب، مهتدون: جمع مهتدٍ، جملة اسمية تدل على ثبات صفة الهداية، أيْ: إذا اهتدوا لن يتخلوا عن الهداية أبداً بعدها. سورة الزخرف [٤٣: ٥٠] ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾: اللهُ سبحانه هو يعلم منذ الأزل أنّهم سوف ينكثون، فلماذا كشف عنهم العذاب واستجاب لهم الجواب؛ ليقيم عليه الحُجَّة وينكثون بعهدهم ويزدادوا غياً وضلالاً وعذاباً في نار جهنم. ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، لما: ظرف زماني بمعنى حين متضمن معنى الشّرط.
следующие страницы →