← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: على تفيد الاستعلاء والمشقة، صراط مستقيم هو دين الإسلام الحق، الصّراط المستقيم الّذي لا عوج فيه والموصل إلى الغاية القصوى، والصراط: هو الطّريق الواسع السّهل المستقيم الموصل إلى الغاية بأقصر مسافة وأقل زمن. سورة الزخرف [٤٣: ٤٤] ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾: ﴿وَإِنَّهُ﴾: تعود على الّذي أوحي إليك، أي: القرآن وتفيد التّوكيد. ﴿لَذِكْرٌ لَكَ﴾: اللام للتعليل والتّوكيد، ذكر لك: شرف عظيم لك ولقومك أنّه نزل إليكم وبلغتكم وعلى رسولكم، وذكر تعني: تذكرة لك ولقومك بالآخرة بالاستعداد لها. ﴿لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿وَسَوْفَ﴾: للاستقبال البعيد (فيه تراخٍ في الزّمن). ﴿تُسْئَلُونَ﴾: عنه يوم القيامة عن العمل به وتطبيق شرائعه وأحكامه وإبلاغه، وتدبره، وعن حقه وشكره. سورة الزخرف [٤٣: ٤٥] ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾: السّؤال وإن كان المخاطب رسول الله ﷺ ، وإنما المقصود به خطاب أمته؛ لأنّ رسول الله ﷺ غنيٌّ عن مثل هذا السّؤال ولم يشك ولم يسأل. والرّسل قد ماتوا وقد يعني: اسئل أتباع من أرسلنا من قبلك من رسلنا أيْ: مؤمني أهل الكتاب، سؤال غايته التّقرير ليكون عليهم حُجَّة أو حُجَّة لهم.

стр. 4832

ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِى شَكٍّ مِمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]. ﴿أَجَعَلْنَا﴾: الهمزة استفهام إنكاري ونفي، الجعل: أيْ: صيرنا. ﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾: من غير الرّحمن. ﴿آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾: أيْ: هل أذن الرّحمن بعبادة أحد غيره، أو سوغ ذلك لأحد من البشر. سورة الزخرف [٤٣: ٤٦] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ فَقَالَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: المناسبة: بعد بيان موقف كفار قريش لما جاءهم الحق قالوا: هذا سحر وإنا به كافرون، يقص الله سبحانه على نبيه أنّ ما يحدث له من قومه حدث لموسى وعيسى ﵉ من قبله، وبيَّن ذلك في عدد من الآيات فقال: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، واللام للتوكيد، قد للتحقيق. ﴿أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾: الباء للإلصاق، بآياتنا: أي: التّسع آيات ومنها العصا واليد، والّتي تدل على عظمة الله وقدرته تعالى وعلى وحدانيته وتدعو إلى الإيمان، ومنها الطّوفان والجراد والقمل والضّفادع والدّم والسّنين والثّمرات. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ﴾: فرعون ملك مصر. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) لمعرفة من هو فرعون. والملأ هم وجهاء القوم والأعيان الّذين يمثلون القوم. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٧٥) لمزيد من البيان. ﴿فَقَالَ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة.

стр. 4833

﴿إِنِّى﴾: للتوكيد، رسول رب العالين. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٢) لبيان معنى رب العالمين. ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: وفي سورة الشعراء آية (١٦) قال تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كيف نفسر ذلك؟ بالقول أن كلمة رسول في اللغة يمكن أن تطلق على المفرد والمثنى، وعلى الجمع؛ لأن الرسول يمثل الرسل، أو الرسل يمثلهم رسول واحد. سورة الزخرف [٤٣: ٤٧] ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء عاطفة، لما: ظرف زماني بمعنى حين. ﴿جَاءَهُمْ﴾: موسى بآياتنا التّسع. ﴿إِذَا﴾: الفجائية. ﴿هُمْ﴾: للتوكيد. ﴿يَضْحَكُونَ﴾: جاء بصيغة المضارع لتدل على حكاية الحال كأنّهم أمامك يضحكون للدلالة على قبح ضحكهم، فبدلاً من أن يؤمنوا بها وبالله وحده استهزؤوا بها وسمَّوها سحراً.

стр. 4834

سورة الزّخرف [الآيات ٤٨ - ٦٠] سورة الزخرف [٤٣: ٤٨] ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية، ما: النّافية لنفي الحال. ﴿نُرِيهِمْ مِّنْ آيَةٍ﴾: أيْ: معجزة من المعجزات التّسع، أو الآيات التسع. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر (لوقوعها بعد النّفي). ﴿هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾: أيْ: هي أكبر من الآية الّتي قبلها، أيْ: سبقتها أو كلّ آية حين تحدث يشعرون بعظمتها وتبهر عقولهم، ويظنون أنّ كل آية حصلت في السّابق دونها، أي: يذهلون بعظمتها ولا يستطيعون التّمييز بينها، بل هي أشد من الأخرى. ﴿وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ﴾: ولم يبيِّن نوع العذاب هنا، وقيل: بالسّنين ونقص من الثمرات، كما بيَّنته آية أخرى. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٣٠) للبيان. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لعل للتعليل، يرجعون: إلى ربهم بإرادتهم واختيارهم بالتّوبة والإنابة إليه، يرجعون إلى الإيمان والتّوحيد وترك الشّرك. سورة الزخرف [٤٣: ٤٩] ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾: السّؤال كيف يسمُّون موسى السّاحر ويطلبون منه أن يدعوَ ربه بما فضله الله عليهم أن يكشف عنهم العذاب، ووعدوه بأن يهتدوا ويرجعوا عن

стр. 4835

غيِّهم وضلالهم؛ لأنّهم كانوا يطلقون على العالم الماهر أو البارع ساحر؛ لأنّه جاء بأمور خارقة للعادة مثل العصا واليد، وكل أمر خارق للعادة ومؤثر في أنفسهم كانوا يشبهونه بالسّحر، وكان السّحرة لهم مكانتهم وسلطانهم آنذاك فقولهم: يا أيها السّاحر فيه معنى المدح وليس العيب بالنسبة لهم. ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾: أن يكشف عنا العذاب. ﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق والمصاحبة أو باء السّببية، ما: مصدرية أو اسم موصول. ﴿عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: من الإيمان والطّاعة والنّبوة أو الدّعوة المستجابة أو عهد عندك أنّه يكشف العذاب عمن آمن أو بما أوصاك أن تدعوه به. ﴿إِنَّنَا﴾: للتوكيد. ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾: اللام للتوكيد، لمهتدون بشرط أن يكشف عنها العذاب، مهتدون: جمع مهتدٍ، جملة اسمية تدل على ثبات صفة الهداية، أيْ: إذا اهتدوا لن يتخلوا عن الهداية أبداً بعدها. سورة الزخرف [٤٣: ٥٠] ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾: اللهُ سبحانه هو يعلم منذ الأزل أنّهم سوف ينكثون، فلماذا كشف عنهم العذاب واستجاب لهم الجواب؛ ليقيم عليه الحُجَّة وينكثون بعهدهم ويزدادوا غياً وضلالاً وعذاباً في نار جهنم. ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، لما: ظرف زماني بمعنى حين متضمن معنى الشّرط.

стр. 4836

﴿كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾: رفعنا أو أزلنا عنهم خاصة العذاب، وسمَّاه الرّجز، كما ورد في سورة الأعراف آية (١٣٥). ﴿إِذَا هُمْ﴾: إذا الفجائية، هم للتوكيد. ﴿يَنْكُثُونَ﴾: ينقضون عهدهم ويستمرون على كفرهم لا يوفون بعهدهم، ورجعوا عن عهدهم وتخلوا عنه. سورة الزخرف [٤٣: ٥١] ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِى مِنْ تَحْتِى أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾: بعد أن كشف الله سبحانه الرّجز عن فرعون وقومه بدعوة موسى ونكث فرعون وقومه العهد وهو إننا لمهتدون، خاف فرعون أن يتبع قومه موسى ويؤمنوا له فنادى فيهم فقال: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾: نداء فيه حنان واستعطاف حتّى يجلب أنظارهم إليه. ﴿أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ﴾: الهمزة همزة للتقرير، أيْ: أقروا بذلك، لي: تقديم لي، أيْ: لوحدي لا يشاركني فيه أحد، لام الاختصاص والملكية أو الاستحقاق، ملك مصر: مصر، أيْ: بلاد مصر. ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِى مِنْ تَحْتِى﴾: نهر النّيل بفروعه العديدة، من تحتي: أيْ: تحت قصوره أو قصوره المطلة على نهر النّيل. ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾: الهمزة همزة استفهام وتقرير، والفاء للتوكيد، ألا أداة تنبيه وحضٍّ وحثٍّ على الإبصار (الرّؤية بالعين).

стр. 4837

سورة الزخرف [٤٣: ٥٢] ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾: ﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام التّقريري، أم للإضراب الانتقالي. ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾: أنا أفضل. ﴿مِّنْ هَذَا﴾: من ابتدائية، هذا: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب ويشير إلى موسى ﵇. ﴿الَّذِى هُوَ﴾: الّذي: اسم موصول يفيد الذّم، ذم موسى، هو: للتوكيد. ﴿مَهِينٌ﴾: ذليل ضعيف حقير. ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾: أيْ: لا يفصح بلسانه، ويبيِّن ما يريده بكلامه. ارجع إلى سوره طه آية (٢٧ - ٢٨). سورة الزخرف [٤٣: ٥٣] ﴿فَلَوْلَا أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾: ﴿فَلَوْلَا﴾: الفاء للتوكيد، لولا: أداة حثٍّ وحضٍّ. ﴿أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾: أسورة جمع سوار، أسورة جمع قلة بينما أساور جمع كثرة، كما ورد في سورة الحج آية (٢٣) والكهف آية (٣١) وفاطر آية (٣٣) والإنسان آية (٢١). وقدَّم عليه؛ لأنّ سياق الكلام على موسى، أيْ: إذا كان رسولاً حقاً لِمَ لا يُلقي عليه أسورة من السّماء من ذهب: من اسم جنس، كما قالوا لرسول الله ﷺ : ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان: ٨]. ﴿أَوْ﴾: تعني: وجاء معه الملائكة مقترنين أو للتخيير.

стр. 4838

﴿مُقْتَرِنِينَ﴾: جمع مقترن اسم فاعل من فعل اقترن على وزن مفتعل: متتابعين يعينونه على رسالته أو يشهدون له بالرّسالة ويشهدون أنّه نبي مرسل. سورة الزخرف [٤٣: ٥٤] ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾: الفاء عاطفة، استخف: استصغر عقول قومه واستهان بها وظن أنّه قادر على حملهم على طاعته والاستجابة لما دعاهم إليه من الضّلالة وعدم اتِّباع موسى. ﴿قَوْمَهُ﴾: أي: القبط أو الأقباط. ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾: الفاء للتوكيد، أطاعوه: فرعون في تكذيب موسى وعدم الإيمان له. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: إنّهم للتوكيد، كانوا فاسقين خارجين عن طاعة الله ورسوله أو أطاعوه لكونهم قوماً فاسقين، فقوم فرعون لهم ميزتان الأولى: خفة في عقولهم وضعف، والثّانية: فاسقون، فاسقون: أي: صفة الفسق ثابتة عندهم لا تتغير. سورة الزخرف [٤٣: ٥٥] ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء عاطفة تفيد التّوكيد، لما: ظرف زمان بمعنى حين أسفونا. ﴿آسَفُونَا﴾: أسِفَ عليه غضب عليه وآسَفَه أغضبه، الأسَف يعني أيضاً: شدة الحُزن، ويمكن القول: الأسَف حسرة + غضب (أو غيظ) أو الأسَف معناها غضبان على شيء ومتلهف عليه. آسفونا قد تعني: طردناهم من رحمتنا وانتقمنا منهم.

стр. 4839

﴿انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾: الانتقام نقيض الإنعام، أيْ: سلب النّعمة بالعذاب، كانوا في نعمة فأغرقناهم. ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ﴾: الفاء: للترتيب والمباشرة، أغرقناهم في اليم (البحر الأحمر). ﴿أَجْمَعِينَ﴾: للتوكيد، فرعون وجنوده، لم ينجُ منهم أحدٌ. سورة الزخرف [٤٣: ٥٦] ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِّلْآخِرِينَ﴾: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ﴾: الفاء عاطفة. ﴿سَلَفًا﴾: من سَلَف: أيْ: تقدَّم ومضى، أيْ: سبق غيره في الوجود، والأسلاف: المتقدِّمون. ﴿وَمَثَلًا لِّلْآخِرِينَ﴾: أيْ: عبرة ومثلاً لغيرهم، أيْ: لمن جاء من بعدهم، لكي لا يقوموا بما قاموا أو يسيروا على دربهم فينتقم الله منهم، فصار يضرب بهم المثل كيف أهلكهم ودمَّرهم الله سبحانه بسبب عصيانهم وفسقهم فأخذهم أخذ عزيز مقتدر، للآخرين: اللام لام الاختصاص، الآخرين: بكسر الخاء الأجيال الّتي جاءت من بعدهم. سورة الزخرف [٤٣: ٥٧] ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾: ﴿وَلَمَّا﴾: الواو استئنافية، لما: ظرف زماني بمعنى حين. ﴿ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾: أي: عيسى ابن مريم، والسؤال: لماذا لم يُذكر المسيح عيسى ابن مريم، وقال ابن مريم؟ لأن المسيح ليس اسماً، بل لقب، وعيسى اسم يأتي في سياق التكليف والثناء، وعامة، وابن مريم (كنيته) لا تأتي

стр. 4840

في سياق التكليف؛ لا بُدَّ من معرفة سبب نزول هذه الآية لتساعد على فهم هذه الآية: روي عن ابن عباس، وجاء في أسباب النّزول للواحدي أنّه لما نزلت الآية (٩٨) من سورة الأنبياء، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ شق ذلك على قريش وقالوا: شتم آلهتنا فجاء ابن الزّبعرى إلى رسول الله ﷺ فقال: أهذا لآلهتنا خاصة أو لكلّ من عُبد من دون الله قال ﷺ : لا بل لكلّ من عُبد من دون الله، فقال ابن الزّبعرى: خصمتك ورب الكعبة ألست تزعم أنّ الملائكة عباد صالحون، وأنّ عيسى عبد صالح وأنّ عزيراً عبد صالح، فهذه بنو مليح تعبد الملائكة وهذه النّصارى تعبد عيسى وهذه اليهود تعبد عزيراً، فإن كان كلّ هؤلاء في النّار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم فضج مشركو مكة فرحاً وصخباً. ضرب ابن مريم مثلاً: أيْ: ضرب كفار قريش ابن مريم مثلاً لما يُعبد من دون الله، فإذا كان في جهنم فلا مانع أن يكونوا هم وآلهتهم معه، أيْ: مع عيسى في جهنم. ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾: إذا الفجائية، قومك: الّذين أشركوا، قومك منه يصدون: انتبه إلى كلمة يصدون، هناك من يقرأ يصِدون بكسر الصاد وهناك من يقرأ يصُدون بضم الصاد، يصِدون: بكسر الصّاد تعني يصخبون يضجون، أي: الصّخب والضّجيج، يصُدون: بضم الصاد تعني: يُعرضون ويعدلون عن عيسى أو عن القرآن، ويقولون في القرآن تناقض، آية تقول: عيسى في النّار وآية تقول: عيسى مستثنى من النّار، قومك منه: هاء الضّمير قد تعود على عيسى ﵇، وقد تعود على القرآن ويجوز كلا التّفسيرين معاً.

стр. 4841

سورة الزخرف [٤٣: ٥٨] ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾: ﴿وَقَالُوا﴾: أي: الّذين أشركوا. ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾: الهمزة همزة استفهام وفيها معنى التّسوية: أيْ: آلهتنا ليست خيراً من عيسى، فإذا كان عيسى في النّار فقد رضينا أن نكون معه بمنزلته، أي: نرضى أن نكون معه سواء. ﴿أَمْ هُوَ﴾: أم للإضراب الإبطالي طبعاً هو أفضل من آلهتنا. هو: للتوكيد فإذا عيسى سيكون في النّار فأمر آلهتنا هو أمر هين. ﴿مَا ضَرَبُوهُ﴾: ما النّافية، أيْ: ما ضربوا ذلك المثل لك يا محمّد ﷺ . ﴿إِلَّا جَدَلًا﴾: إلا أداة حصر، جدلاً: يجادلونك بالباطل، الجدال: هو الحوار الّذي يحدث فيه اختلاف في الآراء ومشادة في الحوار لدفع شبهة أو إثبات حق. ﴿بَلْ هُمْ﴾: للإضراب الانتقالي، هم: ضمير فصل للتوكيد. ﴿قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾: شديدوا الخصام، أي: الجدال والعداوة وصفة الخصام صفة ثابتة عندهم. سورة الزخرف [٤٣: ٥٩] ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: ﴿إِنْ هُوَ﴾: إن: نافية وأشد نفياً من ما، هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾: أي: عيسى ابن مريم أنعمنا عليه بالنّعم الكثيرة، ومنها النّبوة والقرب، أيْ: من المقربين والحكمة والعلم والصّلاح. ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: مثلاً: آية أو أمراً غريباً نادراً من كونه خُلق

стр. 4842

من غير أب، دليلاً على قدرة الله إذا أراد شيئاً، فإنما يقول: كن فيكون، مثلاً لبني إسرائيل: اللام لام الاختصاص. ثم خاطب كفار مكة بقوله: سورة الزخرف [٤٣: ٦٠] ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَّلَائِكَةً فِى الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: شرطية. ﴿نَشَاءُ﴾: للتعظيم. ﴿لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾: نشاء لجعلنا بدلاً منكم ملائكة. ﴿يَخْلُفُونَ﴾: لها عدة معانٍ: ١ - يخلف بعضهم بعضاً كما قال ابن عباس. ٢ - يخلفونكم ليكونوا بدلاً منكم. ٣ - يخلفون الرّسل فيكونون رسُلاً إليكم بدلاً منهم. ٤ - أو من يموت منكم نأتي بمَلَك بدلاً منه. ولمعرفة الفرق بين يخلفون (الخلافة) والاستبدال، ارجع إلى سورة التّوبة آية (٣٩) والأنعام آية (١٣٣).

стр. 4843

سورة الزّخرف [الآيات ٦١ - ٧٣] سورة الزخرف [٤٣: ٦١] ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾: ﴿وَإِنَّهُ﴾: أيْ: عيسى ابن مريم. ﴿لَعِلْمٌ﴾: اللام لام التّوقيت. ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أيْ: شرط من أشراط الساعة، أيْ: تُعلم السّاعة بنزوله فهو علامة من علامات وقوع السّاعة والسّاعة تعني: ساعة تهدم النّظام الكوني. ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾: الفاء للتوكيد، لا النّاهية، تمترن بها: من المراء وهو الجدال بعد ظهور أو معرفة الحق. ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾: اتبعوا هداي وشرعي. ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾: أيْ: هذا الدّين القيم، أي: الإسلام هو الصّراط المستقيم. ارجع إلى الآية (٤٣) من نفس السّورة. سورة الزخرف [٤٣: ٦٢] ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو استئنافية، لا النّاهية. ﴿يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾: الصّدُّ هو المنع من الوصول إلى الغاية أو القصد يصدنكم بوساوسه وإغوائه وتزيينه عن اتباع دين الله تعالى وعن التّوحيد، ويصدنكم: النّون للتوكيد. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.

стр. 4844

﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص لكم خاصة. ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: عدو ظاهر العداوة لكلّ إنسان، عدواته ظاهرة بنفسها لا يخفيها ولا تحتاج إلى من يظهرها. سورة الزخرف [٤٣: ٦٣] ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: ﴿وَلَمَّا﴾: الواو استئنافية، لما: ظرف زمان بمعنى حين. ﴿جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾: الباء للإلصاق والملازمة، البينات: المعجزات مثل إحياء الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطّين كهيئة الطّير فينفخ فيه فيكون طيراً وينبئهم بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم. ﴿قَالَ قَدْ﴾: للتحقيق. ﴿جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ﴾: بالنّبوة، وقد تعني: الإنجيل والشّرائع والأحكام. ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾: اللام للتوكيد والتّعليل، لكم: اللام لام الاختصاص لكم خاصة. ﴿بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾: بعض تعني: جزءاً: أيْ: بعض الّذي تسألون عنه، وقد تعني البعض: الكل لأن البعض يشير إلى الكل أو الكل يشير إلى البعض، أيْ: لأبين كلّ ما تختلفون فيه من أمور دنياكم وآخرتكم؛ أي: الاختلاف في الآراء في أمور العقيدة بين أهل الملل المختلفة أو أهل الملة الواحدة. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط المقدر، اتقوا الله: أطيعوا أوامره وتجنبوا نواهيه، وأطيعون: أيْ: عيسى ﵇، وأطيعون ولم يقل:

стр. 4845

وأطيعوني لقلة عدد الطّائفين أو أطيعون بالإيمان أوّلاً والدّخول في الإسلام أو أطيعون، ولو بعض الطّاعة أو كل ما تستطيعون. سورة الزخرف [٤٣: ٦٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ للتوكيد. ﴿هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ﴾: هو ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر، ربي وربكم: أي: الّذي خلقني وخلقكم ورزقني ورزقكم هو ربي وربكم، وإضافة هو بدلاً من القول: (إن الله ربي وربكم): جاءت في سياق الحديث عن عبادة عيسى، واتخاذه إلهاً، ولذلك أضاف هو ضمير الفصل الدال على التوكيد والحصر كما قلنا. ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: الفاء للتوكيد، اعبدوه وحده وهذه صفة الألوهية فإنّه الإله الحق المعبود الذي أعبده ولا أشرك به شيئاً. ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾: هذا سبيل ثابت وبيِّن لا عوج فيه أن الإله الحق هو ربي وربكم، وأني عبدُ الله ورسوله ولست ربكم، وأن اتقوا الله واعبدوه ذلك هو الصّراط المستقيم الموصل إلى الغاية. ولنقارن هذه الآية (٦٤) من سورة الزّخرف مع آية آل عمران (٥١) وآية (٣٦) من سورة مريم، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ نرى زيادة كلمة هو في آية الزّخرف الّتي تدل على التّوكيد. ارجع إلى سورة مريم آية (٣٦) لمعرفة الفرق. سورة الزخرف [٤٣: ٦٥] ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾: ﴿فَاخْتَلَفَ﴾: الفاء عاطفة، وتدل على التّرتيب والمباشرة.

стр. 4846

﴿الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: جمع حزب: الأحزاب مثل الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس والحزب جماعة تتحزب على أمر ما، أيْ: تتعاون، فيما بينهم: من ابتدائية، بينهم: النّصارى حيث اختلفوا في شأن عيسى فمنهم من قال أنّه إله أو ابن الإله أو ثالث ثلاثة، اختلفوا في عقائدهم وشرائعهم. ﴿فَوَيْلٌ﴾: الفاء عاطفة، ويل: تعني الهلاك أو العذاب. وتعني: تهديد ووعيد للذين ظلموا. ﴿لِلَّذِينَ﴾: اللام لام الاستحقاق والإخلاص. ﴿ظَلَمُوا﴾: أشركوا بالله وصدقوا أنّ المسيح هو ابن الله، أو ثالث ثلاثة أو هو الإله. ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾: يوم القيامة. لنقارن هذه الآية (٦٥) من سورة الزّخرف وهي قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ مع الآية (٣٧) من سورة مريم، وهي قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: آية الزّخرف تحذر الذين ظلموا (أشركوا) من العذاب وآية مريم تحذر الذين كفروا من المشهد (يوم القيامة)، والكفر أشد من الظلم حيث في آية مريم جاءت في سياق اتخاذ الولد، وفي آية الزخرف اختلف الأحزاب فمنهم من أشرك ومنهم من لم يشرك فوصفهم بالظلم لاختلافهم. سورة الزخرف [٤٣: ٦٦] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: ﴿هَلْ﴾: للاستفهام تفيد النّفي، أيْ: ما ينظرون.

стр. 4847

﴿يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُم﴾: الضّمير هنا عائد للأحزاب (الّذين ظلموا) وقد يعود لقريش، ينظرون إلا: حصراً وقصراً، والسّاعة: لحظة تهدم النّظام الكوني. ﴿أَنْ تَأْتِيَهُم بَغْتَةً﴾: أن للتعليل، تأتيهم بغتة: فجأة. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: لا يشعرون بوقت مجيئها وهم غافلون منشغلون بأمور دنياهم أو بغتة وهم نائمون أو وهم يخصمون. سورة الزخرف [٤٣: ٦٧] ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾: ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾: جمع خليل، أي: الأحباء وهو الصّديق الحميم في الدّنيا خلة قائمة على الكفر ومعصية الله. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٢٥) لمزيد من البيان في معنى الخليل. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم القيامة. ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: تنقطع الخلة بينهم ويصبحون أعداء. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: أي: الّذين امتثلوا أوامر الله وتجنبوا نواهيه فهؤلاء مودتهم وخلتهم تستمر ولا تنقطع؛ لأنّ خلتهم كانت قائمة لوجه الله تعالى وتقوى الله سبحانه ومرضاته. سورة الزخرف [٤٣: ٦٨] ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾: ﴿يَاعِبَادِ﴾: ينادي الله سبحانه عباده المتقين بياء النّداء يوم القيامة، وفيها معنى الحنان والرّحمة. يا عباد: الكل يطلق عليه عباد في الآخرة بعد أن كانوا في

стр. 4848

الدنيا يطلق عليهم عبيد، عبادي، عباد. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٨٦)، وسورة الزمر آية (١٧) للبيان. ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾: لا النّافية، خوف: الخوف أن تتوقع شراً مقبلاً أو ضرر مشكوك فيه، لا خوفٌ بالتّنوين: أيْ: لا خوف واقع عليكم الآن ولا في المستقبل، لا خوف عليكم: أي: أثبت لهم عدم الخوف ولم ينفِ عن الآخرين عدم الخوف. ﴿الْيَوْمَ﴾: يوم القيامة. ﴿وَلَا أَنتُمْ﴾: تكرار النّفي يفيد التّوكيد. ﴿تَحْزَنُونَ﴾: الحَزَن: هو أن يفوتك شيء تحبه وتتمناه، يكون لأمرٍ ماضٍ فهو قد نفى الخوف ونفى عنهم الحزن، ونفى عنهم كليهما معاً، ولا أنتم تحزنون: نفى عنهم الحزن ولم ينفِ عن غيرهم الحزن. سورة الزخرف [٤٣: ٦٩] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد المدح. ﴿آمَنُوا بِآيَاتِنَا﴾: أيْ: صدقوا بآياتنا أيْ: بآيات القرآن، والآيات الكونية والأدلة والمعجزات على وحدانيته. ﴿وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: كانوا في الدّنيا مخلصين موحِّدين. سورة الزخرف [٤٣: ٧٠] ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾: أنتم: للتوكيد، وأزواجكم: أيْ: نساءكم المؤمنات. ﴿تُحْبَرُونَ﴾: تنعمون في الجنة، ويسمَّى السّرور حبوراً، وقيل: الحبور

стр. 4849

الكرامة أو النّعمة الحسنة، والحبور: قيل: هو السّرور الّذي يظهر أثره على الوجه فهو أشد السّرور تحبرون تدل على التّجدُّد والتّكرار. سورة الزخرف [٤٣: ٧١] ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم﴾: أيْ: تُقدَّم لهم الأطعمة في أوانٍ من ذهب. وإذا قارنا يطاف بكلمة يطوف نجد أن كلمة يطاف يقصد بها الآنية أو المشروب، وأما يطوف تأتي في سياق الغلمان أو الولدان المخلدون الذين يقدمون الشراب. ﴿بِصِحَافٍ﴾: الباء للإلصاق، صحاف: جمع صحفة كالقصعة إناء يوضع فيه الأكل يكفي خمسة أشخاص. ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾: من ابتدائية لبيان الجنس وهو الذّهب. ﴿وَأَكْوَابٍ﴾: جمع كوب وهو إناء لا عروة له يشرب منه الشّارب حيث يشاء، أما الكوز: فله عروة تحدِّد جهة الشّرب. ﴿وَفِيهَا﴾: أيْ: في الجنة. ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ﴾: الشّهوة تتعلق بما يلذ بالحواس والشّهوة ميل النّفس إلى ما يلذ ويسر. ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾: برؤيته ومشاهدته واللذة تعريفها هي: توقَّان النّفس أيْ: ميلها إلى نيل ما تحب رؤياه ومشاهدته، الأعين جمع عين: أيْ: آلة البصر. ﴿وَأَنتُمْ﴾: للتوكيد. ﴿فِيهَا﴾: ظرفية، أيْ: في الجنة. ﴿خَالِدُونَ﴾: البقاء والاستمرار إلى ما لا نهاية ويبدأ من وقت محدد هو

стр. 4850

زمن دخولهم الجنة بعد الحساب والعرض، خالدون تدل على صفة الخلد الثّابتة عندهم. سورة الزخرف [٤٣: ٧٢] ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَتِلْكَ﴾: الواو عاطفة، تلك: اسم إشارة واللام للبعد وتحمل معنى المدح. ﴿الْجَنَّةُ﴾: معرفة بأل التّعريف، أيْ: جنات عدن أو الفردوس أو النّعيم أو المأوى ودار السّلام. ﴿الَّتِى أُورِثْتُمُوهَا﴾: الميراث: لغة: هو البقاء: أيْ: بقية الشّيء الّذي يتركه المورث وراءه، هو ما يأخذه الفرد من دون عوض أو ما يستحقه الوارث من مورثه أو خلافة الحي للميت في ماله أو ما تركه من عقار أو متاع. فكيف نوفِّق بين قول رسول الله ﷺ : (لا يدخل أحدكم الجنة بعمله) وقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]. الأعمال الصالحة: هي سبب من أسباب دخول الجنة، والجنة لن تكون عوضاً عن أيِّ عمل صالح أو أعمال صالحة مهما عظمت؛ لأن العوض لا بُدَّ أن يكون مساوياً للمعوض، فالأعمال الصالحة وحدها لا تكفي للدخول، ولكنها سبب من الأسباب. أما الأسباب الحقيقية فهي رحمة الله تعالى. أو الأعمال الصالحة توصل إلى رحمة الله ورحمة الله توصل إلى الجنة، أما وراثة الجنة؛ فالمقصود بها كما قال ابن عباس: يرث المؤمن مقعد من أدخل النّار ويرث الكافر مقعد من أدخل الجنة؛ لأن لكل منهما مقعداً في الجنة ومقعداً في النّار، فالمؤمن تصبح له جنتان

стр. 4851

والكافر يصبح له مقعدان في النّار، الجنة الأولى أو المقعد الأول بسبب عمله، والثاني ما ورثه من غيره. ﴿بِمَا كُنتُمْ﴾: الباء للإلصاق، باء السّببية أو التّعليل، ما: اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية، وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: كنتم في الحياة الدّنيا، تعملون: العمل يضم الأقوال والأفعال. سورة الزخرف [٤٣: ٧٣] ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾: اللام لام الاختصاص لكم خاصة، فيها: يعود إلى الجنة. ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾: فاكهة: اسم جنس اسم عام يشمل المفرد والمؤنث والجمع، بينما فواكه: تعني الجمع فقط، فاكهة أعم من فواكه، والفاكهة في الجنة فقط للأكل، وليس لصنع الأشياء الأخرى، فاكهة كثيرة: متعدِّدة ومتنوِّعة. ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: ولم يقل: ومنها تأكلون، كما ورد في سورة المؤمنون آية (١٩)؛ أيْ: لا حاجة بها إلا إلى الأكل وليس لغرض آخر، ولذلك قال منها تأكلون؛ أما في سياق الدّنيا قال تعالى: منها تأكلون؛ أي: تأكلون منها وتصنعون من الفاكهة مأكولات أخرى، وتأكلون تدل على التّجدُّد والتّكرار.

стр. 4852

سورة الزّخرف [الآيات ٧٤ - ٨٩] سورة الزخرف [٤٣: ٧٤] ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾: المناسبة: بعد ذكر المتقين وما أعد الله لهم في جنات النّعيم يذكر المجرمين وما أعد الله لهم في الجحيم. ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾: إنّ للتوكيد، المجرمين: تشمل الكفرة والمشركين والعصاة، والجرم أصله القطع، ويعني: الذّنب العظيم، والمجرم هو من قطع كلّ الصّلات بالله تعالى. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، والجاثية آية (٣١) لبيان معنى المجرمين. ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾: جهنم: ارجع إلى سورة الرّعد الآية (١٨) لبيان معنى جهنم. خالدون: باقون باستمرار بلا انقطاع يبدأ من زمن دخولها. سورة الزخرف [٤٣: ٧٥] ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾: ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: من فتر يفتر سكن بعد حدة وفَتَر الماء: سكن حره فهو فاتر، أيْ: لا يسكن عنهم العذاب ولا يخفف والضّمير يعود إلى المجرمين. ﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿فِيهِ﴾ ظرفية.

стр. 4853

﴿مُبْلِسُونَ﴾: جمع مبلس والإبلاس هو شدة اليأس المختلط بالحزن والسّكوت، واليأس النّاشئ من انقطاع رجائهم في النّجاة، والإبلاس: أصبح صفة ثابتة عندهم، ارجع إلى الآية (٧٧) من سورة المؤمنون لمزيد من البيان. سورة الزخرف [٤٣: ٧٦] ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما النّافية لنفي الحال. ﴿ظَلَمْنَاهُمْ﴾: بإنقاص حسنة أو زيادة سيئة. ﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك وتوكيد. ﴿كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾: لأنفسهم بما ارتكبوا من الشّرك والكفر والمعاصي، وخرجوا عن منهج الله. هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد. سورة الزخرف [٤٣: ٧٧] ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾: ﴿وَنَادَوْا﴾: أيْ: نادى المجرمون. ﴿يَامَالِكُ﴾: خازن النّار، يا: النّداء للبعد نداء استغاثة. ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾: اللام للتوكيد، يقضي علينا ربك: قضى عليه: أيْ: أماته لكي يتخلصوا من العذاب المطبق عليهم الدّائم الّذي لا يُفتر لعلهم يرتاحون، إذا أماتهم الله تعالى. ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾: قال مالك رداً على ندائهم إنّكم: التّوكيد، ماكثون: مقيمون منتظرون، المكث: يعني: الإقامة والانتظار غير المحدد بزمن أو أمد، ماكثون: تدل على الثّبوت في العذاب.

стр. 4854

سورة الزخرف [٤٣: ٧٨] ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾: هذا من كلام الله تعالى: ﴿لَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق، أيْ: تحقيق مجيئكم بالحق. ﴿جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ﴾: لقد أرسلنا إليكم رسولنا بالحق: بالدّين الحق وبالقرآن والتّوحيد وبما ينجيكم من عذاب الله تعالى، الباء للإلصاق والملازمة، والحق: هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير ولا يتبدل كالقرآن، وكما قال تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الرّوم: ٣٠]. ﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف الاستدراك وتوكيد، أيْ: علة إقامتكم في النّار أنّكم كرهتم دين الله وأعرضتم عنه. ﴿أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾: أكثركم لدين الله تعالى، أيْ: للإسلام وأحكامه وشرعه كارهون، تفيد الثّبوت على الكراهية، للحق: لام الاختصاص، والكراهية ضد الإرادة وقد تستعمل في نفور الطّبع، وأما الأقلية فيريدون الحق ويميلون إليه. سورة الزخرف [٤٣: ٧٩] ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾: المناسبة: أيْ: هم لم يكتفوا بالإعراض عن دين الله وكراهيته، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك فأبرموا أمراً في دار النّدوة بمكة ليقتلوا رسولَ الله ﷺ أو يحبسوه أو ينفوه بعيداً في الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي والهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ. ﴿أَبْرَمُوا أَمْرًا﴾: الإبرام: الإتقان والإحكام مشتق من الفتل المحكم، يقال:

стр. 4855

أبرم الحبل إذا أتقن فَتْله، أي: اتخذوا قرارهم وعقدوا العزم للتخلص من رسول الله، أمراً: مكراً أو كيداً. ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾: فإنا للتعظيم، أيْ: ونحن كذلك محكمون كيدنا ومكرنا بهم، وكان مثال ذلك يوم بدر باستئصال صناديد قريش. سورة الزخرف [٤٣: ٨٠] ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي والهمزة للاستفهام الإنكاري. ﴿يَحْسَبُونَ﴾: من حسب: اعتقد وتعني: الظّن الرّاجح أو الرّأي الرّاجح وتشمل حساب حسي وحساب قلبي قائم على النّظر والتّجربة والحساب. ﴿أَنَّا﴾: للتعظيم. ﴿لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: لا: نافية للجنس تنفي كلّ الأزمنة، نسمع سرهم: أي: ما يسرونه من قول أو شر أو كيد أو مكر أو نجوى للضرر بالرّسول ﷺ ، أو بالمؤمنين أو للصد عن دين الله تعالى. سرهم: أيْ: ما حدثوا به أنفسهم وأخفوه حتّى لا يطلع عليه أحد غيرهم. ﴿وَنَجْوَاهُم﴾: النّجوى: لا تكون إلا كلاماً سراً بين اثنين أو أكثر بحيث لا يسمعه غيرهم. ﴿بَلَى﴾: حرف جواب للاستفهام المنفي، أيْ: بلى نحن نسمع ما يسرون وما يعلنون ونعلم سرهم ونجواهم، وليس فقط ذلك بلى ورسلنا لديهم أيضاً يكتبون ويسمعون، أي: الملائكة الحفظة الكرام الكاتبين لكلّ ما يصدر منهم من قول أو فعل، كما قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨].

стр. 4856

﴿لَدَيْهِمْ﴾: معهم. ﴿يَكْتُبُونَ﴾: أقوالهم وأفعالهم، ويكتبون تدل على التّجدُّد والتّكرار والاستمرار. سورة الزخرف [٤٣: ٨١] ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: المرجَّح هنا ﴿إِنْ﴾: ليست شرطية ولا تعني: الافتراض أو الاحتمال؛ لأنّ الافتراض والاحتمال لا يجوز بحق الله تعالى، وإنما تعني النّفي، أيْ: قل ما كان للرحمن ولد؛ فأنْ يكون للرحمن ولد هذا مستحيل وممتنع في حقه؛ لأنّ الولد فيه معنى العجز والحاجة لغيره، أو مهما كانت غايته، وإذا قلنا على سبيل الفرض أنّ له ولداً، فهذا فرض محال والمعلَّق على المحال محال. ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: الفاء للتوكيد أنا أوّل العابدين: أي: الموحدين، أيْ: ما كان للرحمن ولد، وأنا أوّل العابدين على يقين أنّه ليس له ولد. سورة الزخرف [٤٣: ٨٢] ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أيْ: أنزه الله تنزيهاً عن كونه له ولد أو نقص أو عيب في ذاته أو صفاته أو أفعاله، رب السّموات والأرض: خالق ومالك السّموات والأرض ومدبرهما. ﴿رَبِّ الْعَرْشِ﴾: الّذي هو أعظم من خلق السّموات والأرض. ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾: عما: عن + ما، عن: تفيد المجاوزة والبعد، ما: تشمل العاقل وغير العاقل وأوسع من الّذي، يصفون: بأنّ له ولداً أو شريكاً أو ندّاً أو مثيلاً أو صاحبة أو ولياً.

стр. 4857

سورة الزخرف [٤٣: ٨٣] ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ﴾: ﴿فَذَرْهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، ذرهم: اتركهم دعهم. ﴿يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾: الخوض في الباطل بأنّ يقولوا: اتخذ الله ولداً أو شريكاً أو ندّاً أو ولياً ويخوضوا في ضلالتهم وغيهم، والخوض: أصله هو الدّخول في الماء دون معرفة عمق الماء أو فيما ستزل قدمه أو لا، ويلعبوا: في دنياهم بإضاعة الزمن، وعدم امتثال أوامر الله، وتجنب نواهيه، واللعب هو شغل لا يُلهي عن واجب ويتحول إلى لهو إذا أشغل الإنسان عن واجبه، أو ما هو مطلوب منه، فأيُّ أمر أو فعل يشغل الإنسان عن الصّلاة مثلاً فلا يؤديها يعتبر لعباً بحقِّه، والخوض واللعب في الدنيا من باب الغفلة والجهل. ﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية. ﴿يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ﴾: أيْ: يوم القيامة يوعدون فيه بالعذاب وفي الآية تهديد ووعيد للخائضين في الباطل، وفي دين الله عبثاً. سورة الزخرف [٤٣: ٨٤] ﴿وَهُوَ الَّذِى فِى السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِى الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾: ﴿وَهُوَ﴾: الواو استئنافية، هو: ضمير فصل يفيد الحصر والتّوكيد. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم. ﴿فِى السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِى الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾: أيْ: هو الإله المعبود الموحد بحق في السّماء، وهو الله الإله المعبود الموحد بحق في الأرض، ولو قال: وهو في السّماء والأرض إله لكان يعني: هو إله فقط في الأرض، ولو قال: وهو الّذي في الأرض والسّماء إله لكان يعني: هو إله فقط في السّماء فلا بُدَّ من إعادة القول (إله)؛ أي: لا إله إلا هو في السماء، ولا إله إلا هو في الأرض.

стр. 4858

﴿وَهُوَ﴾: ضمير للتوكيد. ﴿الْحَكِيمُ﴾: في صنعه وتدبيره لخلقه وكونه، فهو أحكم الحاكمين وهو أحكم الحكماء. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان. ﴿الْعَلِيمُ﴾: بأحوال خلقه وكونه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السّموات ولا في الأرض. وقدَّم في هذه الآية الحكيم على العليم أيْ: قدَّم الحكمة على العلم؛ لأن السياق في التشريع، والحكم؛ لأنه الإله في السماء والإله في الأرض، وفي آيات أخرى يقدِّم العلم على الحكمة، فيقول: العليم الحكيم، والسّياق هو الّذي يحدد التّقديم والتّأخير، فإذا كان السّياق في التّشريع والجزاء يقدِّم الحكمة، وإذا كان السّياق في العلم يقدِّم العلم على الحكمة، ولنعلم أن ليس كلّ عالم هو حكيماً، أو ليس كلّ حكيم هو عالماً (عليماً). سورة الزخرف [٤٣: ٨٥] ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: ﴿وَتَبَارَكَ﴾: تعالى قدره وتعاظم وتنزَّه وتقدَّس عن شبه ما سواه، ودام خيره وعمَّ إحسانه لخلقه وثبت إنعامه. ارجع إلى سورة المُلك (تبارك) آية (١) لمزيد من البيان. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم. ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: الحَكم فهو الحاكم حاكم السّموات والأرض وما فيهنَّ، وهو مالك من المُلك، أيْ: له ما في السّموات والأرض. ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: من مخلوقات.

стр. 4859

﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾: قدَّم الظّرف (عنده) ليفيد الحصر، أيْ: يعلم أيان مرساها زمن حدوثها، ولا يعلم ذلك ملك ولا نبي ولا رسول ولا أحد من خلقه. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: قدَّم إليه للحصر، أيْ: إليه وحده ترجعون، إليه تُرجعون بضم التّاء، أيْ: قسراً وقهراً، ومن دون إرادة ترجعون يوم البعث للحساب والجزاء. سورة الزخرف [٤٣: ٨٦] ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾: ولا: الواو استئنافية، لا: النّافية لكلّ الأزمنة، يملك الّذين يدعون: يعبدون، من دونه: من غير الله أمثال الأصنام والأولياء والطّاغوت وأمثال عيسى والعزيز والملائكة، لا يملكون الشّفاعة: تعريف الشّفاعة: هي التّوسط بالقول أو الفعل للوصول إلى منفعة دنيوية أو أخروية أو الخلاص من مضرة، ومن دون أجر أو عوض. ارجع إلى الآية (٨٥) من سورة النّساء لمزيد من البيان. وللشفاعة شرطان: الأوّل: الإذن من الله، للشافع والمشفوع له، والثّاني: أن يكون المشفوع له من أهل التّوحيد يشهد لا إله إلا الله (يرضى له قولاً). ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر أو استثناء. ﴿مَنْ﴾: ابتدائية. ﴿شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾: بأنّ الله واحد لا إله إلا هو، أيْ: شهد بوحدانية الله ألوهيته وربوبيته وصفاته وأسمائه، وشهد لرسله بالنّبوة، وشهد بأنّ القرآن حق والبعث والآخرة حق والجنة والنّار.

стр. 4860

﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: معنى الوحدانية، ولا إله إلا الله بقلوبهم وألسنتهم، ويعلمون أنّ الله هو الّذي خلق عيسى ابن مريم والعُزير والملائكة وما يعبدون. سورة الزخرف [٤٣: ٨٧] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: ﴿وَلَئِنْ﴾: الواو استئنافية، لئن: اللام للتوكيد، إن شرطية تفيد الاحتمال أو الافتراض. ﴿سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ﴾: سألت المشركين من: ابتدائية، خلقهم: لأقروا أنّه وحده الخالق. ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: اللام لام التّوكيد والنّون في يقولنَّ لزيادة التّوكيد. ﴿فَأَنَّى﴾: الفاء جواب الشّرط، أنى: تعني: كيف ومن أين، وللاستفهام الإنكاري والتّعجُّب من شركهم. ﴿يُؤْفَكُونَ﴾: أي: كيف يصرفون عن عبادة الله إلى عبادة غيره، يصرفون عن توحيده إلى الشّرك به، يؤفكون مشتقة من إفكه عن الشّيء، أيْ: صرفه وقلبه. والإفك هو الكذب المتعمَّد من دون دليل أو سلطان. سورة الزخرف [٤٣: ٨٨] ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: وقِيلِهِ: بكسر القاف واللام والهاء، قيل: مصدر قال والضّمير في قيلِهِ يعود إلى النّبي ﷺ لطول ما دعا النّبي ﷺ قومه إلى الإيمان، وهم معرضون عن الحق، ومكذبون بالقرآن وبالرّسول. فقال ابن عباس: شكا النّبي تخلُّف قومه عن الإيمان إلى ربه بقوله: قيله يا رب. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾: إن: للتوكيد، هؤلاء: الهاء للتنبيه، أولاء: اسم إشارة تشير إلى قومه وتفيد الذّم.

стр. 4861

﴿قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: لا: النّافية لجميع الأزمنة، لا يؤمنون: بالله ورسوله وكتبه والبعث والآخرة وقيله. اختلف المفسرون في قِيلِهِ: فمنهم من عطف (قِيلِهِ) على السّاعة: أيْ: عنده علم السّاعة وعلم قِيلِهِ، ومنهم من عطف (قِيلِهِ) على سرهم ونجواهم: أيْ: أم يحسبون أنا لا نسمع سرَّهم ونجواهم وقِيلَهُ. ومنهم من اعتبر (قِيلِهِ) مصدرَ قال: أيْ: وعنده علم السّاعة وعلمُ قول الرّسول ﷺ : يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. ومنهم من اعتبر (وقِيلِهِ): الواو واو القسم وجواب القسم: إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. ويمكن قراءتها بالحركات الثلاث: ١ - نصب اللام وتكتب وقيلَه: فتصبح مرتبطة بالآيات السّابقة، كما يلي: أم يحسبون أنا لا نسمع سرَّهم ونجواهم وقيلَه. وتبارك الّذي له ملك السّموات والأرض وما بينهما، وعنده علم السّاعة، ويعلم قيلَه. ٢ - بكسر اللام والهاء قِيلِهِ فتصبح وعنده علمُ السّاعة وعلم قِيلِهِ. ٣ - برفع اللام قِيلُهُ: أيْ: نداؤه: يا رب إنّ هؤلاء قوم لا يؤمنون. فجاء الجواب من الحق سبحانه بقوله: فاصفح عنهم وقل: سلام. سورة الزخرف [٤٣: ٨٩] ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: ﴿فَاصْفَحْ﴾: الفاء للتوكيد، اصفح: ترك اللوم ترك التثريب كقوله تعالى

стр. 4862

على لسان يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢]، الصّفح هو أبلغ من العفو فالصّفح: العفو وترك اللوم، وأما العفو هو ترك العقوبة على الذّنب. ﴿عَنْهُمْ﴾: عن هؤلاء الّذين لا يؤمنون عن أقوالهم وأفعالهم الّتي يؤذونك بها. ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾: سلام مفارقة، أيْ: ترك (لا سلام تحية)، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. ﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء للتوكيد، سوف: للاستقبال البعيد (للتراخي والتّرتيب). ﴿يَعْلَمُونَ﴾: عاقبة كفرهم وعدم إيمانهم ووبال إعراضهم وجرمهم.

стр. 4863

سورة الدخان [٤٤: ١] سورة الدخان سورة الدّخان [الآيات ١ - ١٨] ترتيبها في القرآن (٤٤)، وترتيبها في النّزول (٦٤). نزلت بعد سورة الزّخرف. ﴿حم﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة للبيان. سورة الدخان [٤٤: ٢] ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: ﴿وَالْكِتَابِ﴾: الواو: واو القسم، يقسم الله سبحانه بالكتاب، والله غني عن القسم، ولا يقسم إلا بالأمر العظيم؛ أي: بالقرآن لعظمته ورفعته، وسمي كتاباً؛ لأنّه مكتوب في الأسطر وفي اللوح المحفوظ. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢) لمزيد من البيان. ﴿الْمُبِينِ﴾: الواضح لكلّ من يقرأه، المبين للأحكام ولكلّ ما يحتاجه الإنسان من أمور الدّنيا والدّين، والمظهر للحق والباطل والحلال والحرام، وافعل ولا تفعل، ارجع إلى سورة النّمل الآية (١) لمزيد من البيان. سورة الدخان [٤٤: ٣] ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾: ﴿إِنَّا﴾: جمع التّعظيم. ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾: دفعة واحدة؛ أي: كاملاً جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى

стр. 4864

السّماء الدّنيا، ولو قال نزلناه، لكان يعني: نزلناه منجّماً؛ أي: مفرّقاً على دفعات وخلال (٢٣) سنة. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) لمزيد من البيان. ﴿فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾: ليلة: مفرد جمعها ليالي، وفي اللغة: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر التّالي. في: ظرفية، ليلة مباركة: هي ليلة القدر؛ أي: الّتي ابتدأ فيها إنزال القرآن، مباركة؛ لأن القيام فيها لرب العالمين بالعبادة الذكر والدعاء خير من عبادة ألف شهر، وتنزل الملائكة والرّوح فيها بإذن ربهم من كلّ أمر، تنزل بالرّحمة والبركات، ولأن الله سبحانه اختارها من بين الليالي، ومن قامها إيماناً واحتساباً غفر الله ما تقدّم من ذنبه (رواه البخاري ومسلم). ﴿إِنَّا﴾: تكرار إنَّا للتوكيد. ﴿كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾: من الإنذار وهو الإعلام مع التّحذير والتّرهيب، منذرين من عدم طاعة الله سبحانه واتباع أوامره ومخالفة آياته، منذرين النّاس من الشّرك والكفر والمعاصي. سورة الدخان [٤٤: ٤] ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ﴾: فيها: تعود على ليلة القدر المباركة، يفرَق: يفصل أو يقدّر فيها الأرزاق والآجال والمقادير والأحداث في الكون من زلازل وخسف وفيضانات وصواعق، وغيرها من الأمور، فهي ليلة القضاء والحكم يوزّع على الملائكة تدبير العام القادم من موت ورزق وإحياء وخير وشر. ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾: كلّ أمر صادر عن الله سبحانه هو أمر حكيم، مبني على الحكمة، هناك أمور محكمة لا تبديل فيها ولا تغيير، وهناك أمور يمكن أن تتغير وتتبدل.

стр. 4865

سورة الدخان [٤٤: ٥] ﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾: ﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا﴾: بما يجب أن يُفعل؛ أي: كما اقتضاه علمنا وحكمتنا. ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾: أي محمّد ﷺ ومن جاء قبله من الرّسل بالكتب والرّسالات إلى عبادنا؛ لأجل أن ندلّهم ونهديهم إلى ما يصلح شؤون حياتهم الدّنيوية والأخروية، مرسلين: تدل على الثّبوت والاستمرار، مرسلين بالرّسل وبالكتب وبالوحي. فكلّ أمر صادر عن السّميع العليم هو أمر حكيم، ولا بد أن يتم ويطبّق، وهو نوع من رحمة الله بعباده ولتستقيم الخلافة في الأرض. سورة الدخان [٤٤: ٦] ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: هذا الإرسال بالرّسل والوحي والقرآن والكتب السّماوية هو نوع من رحمة ربك بعباده، والرّحمة تعريفها: هي كلّ ما يجلب ما يسرّ ويدفع ما يضرّ بالوقاية. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿السَّمِيعُ﴾: لأقوال عباده، وسميع لدعواهم ونجواهم وسرّهم وعلنهم. ﴿الْعَلِيمُ﴾: بحال عباده وكونه وما يجري فيه، فلا تغيب عليه غائبة، والعليم بأعمال عباده وخفايا صدورهم وحاجاتهم ونواياهم، والعليم: صفة مبالغة مشتقة من علم؛ أي: كثير العلم.

стр. 4866

سورة الدخان [٤٤: ٧] ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾: رحمة من ربك ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: أي خالقهما ومبدعهما ومالكهما وحاكمهما. ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والافتراض، وجواب الشّرط محذوف؛ ليتضمن كلّ ما يخطر على الفكر. ﴿كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾: جمع موقن، موقنين: من اليقين، واليقين هو: العلم بالحق الذي لا يتغير ولا يتبدل، ومصدق في عالم الواقع وبالقلب، ولا يحتاج إلى تفكير من جديد أو لينظر فيه مرة أخرى. إن كنتم موقنين: بأنّه رب السّموات والأرض وما بينهما؛ أي: خالق ومدبّر السّموات والأرض، إذن فآمنوا به وحده واعبدوه وأطيعوه واشكروه، وكونوا موقنين بالبعث والحساب. سورة الدخان [٤٤: ٨] ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا: النّافية للجنس، إله: لا معبود بحق في الوجود إلا هو. إلا: أداة حصر وقصر، هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد، لا إله إلا هو تفيد النّفي وتفيد الإثبات، فقوله: "لا إله" تفيد النّفي، "إلا هو": تفيد الإثبات أو تؤكد النّفي. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥٥) لمزيد من البيان. ﴿يُحْىِ وَيُمِيتُ﴾: هو وحده الذي يُحيي ويُميت لا يشاركه أحدٌ في الإحياء والإماتة. ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: فهو رب السّموات والأرض وما بينهما،

стр. 4867

وهو ربكم ورب آبائكم الأولين؛ أي: هو خالق السّموات والأرض وخالقكم وخالق آبائكم الأولين ورازقكم ومدبّر أموركم والمنعم عليكم، فهو المستحق للعبادة لا غيره. سورة الدخان [٤٤: ٩] ﴿بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾: هذا جواب سؤاله: إن كنتم موقنين؛ أي: هم غير موقنين بل هم في شكٍّ يلعبون. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿هُمْ﴾: للتوكيد، والضمير يعود على الغير موقنين بالبعث والحساب. ﴿فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾: فبدلاً من الإيمان به وتوحيده وطاعته والإيمان بالبعث والحساب، هم في شكٍّ: الشّك هو تساوي طرفي الإثبات والنّفي، فهم لا زالوا في تردّد وحيرة بين التّصديق والتّكذيب في ربوبية الله تعالى وألوهيته وتوحيده، يلعبون: اللعب هو اللهو الّذي يصرف العبد عن واجباته؛ أي: يلعبون بدنياهم ويلعبون بدينهم وعقيدتهم ويقلدون آباءهم، أو حسب ما تقتضيه شهواتهم وأهواءهم. سورة الدخان [٤٤: ١٠] ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾: ﴿فَارْتَقِبْ﴾: الرّقيب هو الّذي ينتظر ويراقب بكلّ الوسائل؛ لكي لا يخفى عليه أيُّ عمل من أعمال المُراقب أو المراقبة، والخطاب موجّهٌ إلى رسول الله ﷺ . ارتقب السماء ﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾: اختلف في هذا الدّخان فقد قيل: إنّه لم يحدث بعد وأنّه من أشراط السّاعة كما بيّنت الأحاديث الصّحيحة والحسنة، ويمكث في الأرض (٤٠) يوماً فيصاب المؤمنون منه كهيئة الزّكام

стр. 4868

ويصاب الكافرون منه بعذاب أليم، كما ورد في الآية التّالية رقم (١١)، وقيل: إنّ الدّخان قد حدث حين دعا النّبي على كفار ومشركي مكة بعد أن رأى منهم إدباراً عن دين الله تعالى فقال: اللهم اعنّي عليهم بسنين كسني يوسف، فأصيبوا بالجوع حتّى أكلوا الجلود والميتة، وصاروا يرون بين السّماء والأرض كهيئة الدّخان وليس بدخان، ولكنه من شدة نقص التّغذية والفيتامينات. إذن هو ليس بدخان حقيقةً، ويحتمل أن يكون قد وقع أو لم يقع بعد ويمكن الجمع بين الحديثين والقول: إنّ كلاهما صحيح دخان قد حدث زمن الرّسول ﷺ وكان يشبه الدّخان من شدة الفقر والمجاعة، ودخان آخر قادم من أشراط السّاعة. ﴿بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾: دخان ظاهر وبيّن لكلّ فرد، وإنّه لا يخفى على كلّ أحد يصاب به، ظاهر بنفسه لا يحتاج إلى دليل. سورة الدخان [٤٤: ١١] ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾: أي الدّخان يحيط بهم ويغطّي النّاس. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة يشير إلى الدّخان. ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: لكونه يسبّب لهم ضيقاً في التّنفس كالّذي يتنفس غاز أوّل أكسيد الكربون فيشعر بألم شديد. سورة الدخان [٤٤: ١٢] ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾: يقول النّاس عندما يتنفّسون الدّخان ويشعرون بالألم الشّديد: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾: أي ارفع عنا العذاب أو أزِله عنا.

стр. 4869

﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾: إنّا مصدّقون بك وبرسولك، ومؤمنون بما أرسلت إلينا؛ أي: نعدِك بالإيمان إذا رفعت عنا الدّخان. سورة الدخان [٤٤: ١٣] ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾: ﴿أَنَّى﴾: كيف لهم الذّكرى؛ أي: أن يتذكّروا ويتّعظوا ولا ينسوا ما حلّ بهم، وكيف يكشف الله عنهم العذاب، ومن أين لهم الذّكرى، يراد به الموضع؛ أي: من الّذي سيذكّرهم، أو من أين تأتي لهم الذّكرى؟ وكلاهما استفهام وتعجّب. ﴿وَقَدْ﴾: للتحقيق والتّوكيد. ﴿جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾: جاءهم: جاء أهل مكة، رسول مبين: هو رسول الله ﷺ ظاهر الصّدق والأمانة لكلّ فرد من قريش وغيرهم، ومبين: في التّوراة والإنجيل اسمه وصفاته يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ورسول مبين: كامل الرّسالة ورسالته بيّنة واضحة لكلّ فرد. سورة الدخان [٤٤: ١٤] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب الذّكري أو العددي. ﴿تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾: ابتعدوا عنه وأعرضوا عنه. ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾: أي يعلّمه بشرٌ. ﴿مَّجْنُونٌ﴾: لا عقل له فيما يدّعي من النّبوة، وأن الإله إلهاً واحداً والبعث والحساب. سورة الدخان [٤٤: ١٥] ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾: ﴿إِنَّا﴾: بصيغة الجمع للتعظيم.

стр. 4870

﴿كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾: أي رافعو العذاب عنهم زمناً قليلاً لعلّهم يتوبوا ويرجعوا إلى صوابهم. ﴿إِنَّكُمْ﴾: للتوكيد. ﴿عَائِدُونَ﴾: إلى الشّرك والكفر، عائدون إليه كالسّابق، عائدون: تدلّ على الثّبوت والاستمرار، وما كشف العذاب إلا لإقامة الحُجة عليهم فهو سبحانه يعلم سابقاً أنهم عائدون. سورة الدخان [٤٤: ١٦] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾: ﴿يَوْمَ﴾: نكرة؛ للتهويل والتّعظيم، قيل: يوم القيامة، وهناك من قال: إنّه يوم بدر. ﴿نَبْطِشُ﴾: من بطش يبطش؛ أي: نعاقبهم وننتقم منهم؛ أي: نأخذهم بشدة وقوة. ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾: يوم القيامة أو يوم بدر. ﴿إِنَّا﴾: للجمع والتّعظيم. ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾: إنّا معاقبوهم أشدَّ العقاب بسلب النّعمة منهم، أو الهلاك أو القتل. منتقمون: تدل على الثبوت. سورة الدخان [٤٤: ١٧] ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: بعد أن بيّن الله سبحانه حالة المشركين في مكة وإصرارهم على الكفر والشّرك والتّكذيب، يخبر الله تعالى رسوله ﷺ ويذكّره بحالة موسى ﵇ وما فعل به قوم فرعون، فنصره الله عليهم وأغرقهم باليمِّ وجعلهم عبرة لغيرهم.
следующие страницы →