← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

سورة الدخان [٤٤: ٧] ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾: رحمة من ربك ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: أي خالقهما ومبدعهما ومالكهما وحاكمهما. ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والافتراض، وجواب الشّرط محذوف؛ ليتضمن كلّ ما يخطر على الفكر. ﴿كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾: جمع موقن، موقنين: من اليقين، واليقين هو: العلم بالحق الذي لا يتغير ولا يتبدل، ومصدق في عالم الواقع وبالقلب، ولا يحتاج إلى تفكير من جديد أو لينظر فيه مرة أخرى. إن كنتم موقنين: بأنّه رب السّموات والأرض وما بينهما؛ أي: خالق ومدبّر السّموات والأرض، إذن فآمنوا به وحده واعبدوه وأطيعوه واشكروه، وكونوا موقنين بالبعث والحساب. سورة الدخان [٤٤: ٨] ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا: النّافية للجنس، إله: لا معبود بحق في الوجود إلا هو. إلا: أداة حصر وقصر، هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد، لا إله إلا هو تفيد النّفي وتفيد الإثبات، فقوله: "لا إله" تفيد النّفي، "إلا هو": تفيد الإثبات أو تؤكد النّفي. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥٥) لمزيد من البيان. ﴿يُحْىِ وَيُمِيتُ﴾: هو وحده الذي يُحيي ويُميت لا يشاركه أحدٌ في الإحياء والإماتة. ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: فهو رب السّموات والأرض وما بينهما،

стр. 4867

وهو ربكم ورب آبائكم الأولين؛ أي: هو خالق السّموات والأرض وخالقكم وخالق آبائكم الأولين ورازقكم ومدبّر أموركم والمنعم عليكم، فهو المستحق للعبادة لا غيره. سورة الدخان [٤٤: ٩] ﴿بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾: هذا جواب سؤاله: إن كنتم موقنين؛ أي: هم غير موقنين بل هم في شكٍّ يلعبون. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿هُمْ﴾: للتوكيد، والضمير يعود على الغير موقنين بالبعث والحساب. ﴿فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾: فبدلاً من الإيمان به وتوحيده وطاعته والإيمان بالبعث والحساب، هم في شكٍّ: الشّك هو تساوي طرفي الإثبات والنّفي، فهم لا زالوا في تردّد وحيرة بين التّصديق والتّكذيب في ربوبية الله تعالى وألوهيته وتوحيده، يلعبون: اللعب هو اللهو الّذي يصرف العبد عن واجباته؛ أي: يلعبون بدنياهم ويلعبون بدينهم وعقيدتهم ويقلدون آباءهم، أو حسب ما تقتضيه شهواتهم وأهواءهم. سورة الدخان [٤٤: ١٠] ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾: ﴿فَارْتَقِبْ﴾: الرّقيب هو الّذي ينتظر ويراقب بكلّ الوسائل؛ لكي لا يخفى عليه أيُّ عمل من أعمال المُراقب أو المراقبة، والخطاب موجّهٌ إلى رسول الله ﷺ . ارتقب السماء ﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾: اختلف في هذا الدّخان فقد قيل: إنّه لم يحدث بعد وأنّه من أشراط السّاعة كما بيّنت الأحاديث الصّحيحة والحسنة، ويمكث في الأرض (٤٠) يوماً فيصاب المؤمنون منه كهيئة الزّكام

стр. 4868

ويصاب الكافرون منه بعذاب أليم، كما ورد في الآية التّالية رقم (١١)، وقيل: إنّ الدّخان قد حدث حين دعا النّبي على كفار ومشركي مكة بعد أن رأى منهم إدباراً عن دين الله تعالى فقال: اللهم اعنّي عليهم بسنين كسني يوسف، فأصيبوا بالجوع حتّى أكلوا الجلود والميتة، وصاروا يرون بين السّماء والأرض كهيئة الدّخان وليس بدخان، ولكنه من شدة نقص التّغذية والفيتامينات. إذن هو ليس بدخان حقيقةً، ويحتمل أن يكون قد وقع أو لم يقع بعد ويمكن الجمع بين الحديثين والقول: إنّ كلاهما صحيح دخان قد حدث زمن الرّسول ﷺ وكان يشبه الدّخان من شدة الفقر والمجاعة، ودخان آخر قادم من أشراط السّاعة. ﴿بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾: دخان ظاهر وبيّن لكلّ فرد، وإنّه لا يخفى على كلّ أحد يصاب به، ظاهر بنفسه لا يحتاج إلى دليل. سورة الدخان [٤٤: ١١] ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾: أي الدّخان يحيط بهم ويغطّي النّاس. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة يشير إلى الدّخان. ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: لكونه يسبّب لهم ضيقاً في التّنفس كالّذي يتنفس غاز أوّل أكسيد الكربون فيشعر بألم شديد. سورة الدخان [٤٤: ١٢] ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾: يقول النّاس عندما يتنفّسون الدّخان ويشعرون بالألم الشّديد: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾: أي ارفع عنا العذاب أو أزِله عنا.

стр. 4869

﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾: إنّا مصدّقون بك وبرسولك، ومؤمنون بما أرسلت إلينا؛ أي: نعدِك بالإيمان إذا رفعت عنا الدّخان. سورة الدخان [٤٤: ١٣] ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾: ﴿أَنَّى﴾: كيف لهم الذّكرى؛ أي: أن يتذكّروا ويتّعظوا ولا ينسوا ما حلّ بهم، وكيف يكشف الله عنهم العذاب، ومن أين لهم الذّكرى، يراد به الموضع؛ أي: من الّذي سيذكّرهم، أو من أين تأتي لهم الذّكرى؟ وكلاهما استفهام وتعجّب. ﴿وَقَدْ﴾: للتحقيق والتّوكيد. ﴿جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾: جاءهم: جاء أهل مكة، رسول مبين: هو رسول الله ﷺ ظاهر الصّدق والأمانة لكلّ فرد من قريش وغيرهم، ومبين: في التّوراة والإنجيل اسمه وصفاته يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ورسول مبين: كامل الرّسالة ورسالته بيّنة واضحة لكلّ فرد. سورة الدخان [٤٤: ١٤] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب الذّكري أو العددي. ﴿تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾: ابتعدوا عنه وأعرضوا عنه. ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾: أي يعلّمه بشرٌ. ﴿مَّجْنُونٌ﴾: لا عقل له فيما يدّعي من النّبوة، وأن الإله إلهاً واحداً والبعث والحساب. سورة الدخان [٤٤: ١٥] ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾: ﴿إِنَّا﴾: بصيغة الجمع للتعظيم.

стр. 4870

﴿كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾: أي رافعو العذاب عنهم زمناً قليلاً لعلّهم يتوبوا ويرجعوا إلى صوابهم. ﴿إِنَّكُمْ﴾: للتوكيد. ﴿عَائِدُونَ﴾: إلى الشّرك والكفر، عائدون إليه كالسّابق، عائدون: تدلّ على الثّبوت والاستمرار، وما كشف العذاب إلا لإقامة الحُجة عليهم فهو سبحانه يعلم سابقاً أنهم عائدون. سورة الدخان [٤٤: ١٦] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾: ﴿يَوْمَ﴾: نكرة؛ للتهويل والتّعظيم، قيل: يوم القيامة، وهناك من قال: إنّه يوم بدر. ﴿نَبْطِشُ﴾: من بطش يبطش؛ أي: نعاقبهم وننتقم منهم؛ أي: نأخذهم بشدة وقوة. ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾: يوم القيامة أو يوم بدر. ﴿إِنَّا﴾: للجمع والتّعظيم. ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾: إنّا معاقبوهم أشدَّ العقاب بسلب النّعمة منهم، أو الهلاك أو القتل. منتقمون: تدل على الثبوت. سورة الدخان [٤٤: ١٧] ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: بعد أن بيّن الله سبحانه حالة المشركين في مكة وإصرارهم على الكفر والشّرك والتّكذيب، يخبر الله تعالى رسوله ﷺ ويذكّره بحالة موسى ﵇ وما فعل به قوم فرعون، فنصره الله عليهم وأغرقهم باليمِّ وجعلهم عبرة لغيرهم.

стр. 4871

﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق؛ أي: حدث ذلك وتحقّق. ﴿فَتَنَّا﴾: من الفتنة، ارجع إلى سورة العنكبوت الآية (٢) للبيان. ﴿قَبْلَهُمْ﴾: الضّمير على كفار ومشركي قريش. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: الأقباط. ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: هو موسى ﵇ ووصفه بالرّسول الكريم: كريم حسن الخلق، أو كريم على ربّه أو كلاهما. سورة الدخان [٤٤: ١٨] ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَىَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾: ﴿أَنْ﴾: مصدرية تفيد التّعليل. ﴿أَدُّوا إِلَىَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾: أي أرسلوا معي بني إسرائيل، وصفهم بعباد الله، أو ادفعوا إليّ بني إسرائيل وأطلِقوا سراحهم، أو أدّوا: ارجعوا إليّ وآمنوا بي واتّبعوا سبيلي. ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد. ﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾: على الرّسالة والآيات والتّوراة أو على الوحي.

стр. 4872

سورة الدّخان [الآيات ١٩ - ٣٩] سورة الدخان [٤٤: ١٩] ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّى آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: ﴿وَأَنْ﴾: الواو عاطفة، أن: مصدرية تفيد التّعليل. ﴿لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾: أي: لا تستكبروا عن عبادته أو ألا تقبلوا الحق، وما أنزل إليكم وتؤمنوا به، والعلو: هو الغرور بالقوة أو القدرة. ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد. ﴿آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: السّلطان: هو البرهان ويمثل أعلى درجات الإثبات: إمّا أن يكون سلطان قوة وقهر، أو سلطان حُجة ودليل، والسّلطان هنا سلطان حجة وبيان، ويعني: آية العصا واليد وغيرهما، سلطان مبين: سلطان ظاهر لكلّ فرد، ومبين لا يُخفي نفسه، وعندما قال ذلك توعّدوه بالقتل ولذلك قال: وإنّي عُذت بربي وربكم أن ترجمون. سورة الدخان [٤٤: ٢٠] ﴿وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾: ﴿وَإِنِّى﴾: للتوكيد. ﴿عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ﴾: اعتصمت بربي وربكم (خالقي وخالقكم) والتجأت إليه من كيدكم، وعياذ موسى بالله: إنما هو عياذ في الحقيقة من أذى فرعون وملئه. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل. ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾: أن تقتلوني بالرّجم أو القتل والرّجم بالحجارة كان نوعاً

стр. 4873

سائداً من أنواع القتل، والرّجم قد يكون بالقول أو يكون بالقتل أن ترجمون ولم يقل ترجموني؛ لأن الرجم إذا حديث سيحدث من قلة من الإفراد وليس من الكل والتعوذ مؤقت من فرعون وقومه حتى يهلك فرعون وقومه بالفرق وليس دائم. سورة الدخان [٤٤: ٢١] ﴿وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِى فَاعْتَزِلُونِ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: الواو عاطفة، إن: شرطية تفيد الاحتمال أو الافتراض أو الشك. ﴿لَّمْ تُؤْمِنُوا لِى﴾: لم: للنفي، تؤمنوا لي: تصدّقوا أنّي رسول الله إليكم. ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، اعتزلون: خلّوا سبيلي واتركوني: اتركوا أذاي أو الوقوف في طريقي، أو لا تتعرّضوا لي بسوء، أو لا تقربوا مني ولا أقرب منكم، واقطعوا أسباب الصّلة معي. سورة الدخان [٤٤: ٢٢] ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ﴾: الفاء عاطفة، دعا موسى ربه: ﴿أَنَّ﴾: للتعليل، والتّوكيد، هؤلاء: الهاء للتنبيه والقرب، أولاء: اسم إشارة للجمع. ﴿قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾: مشركون كافرون ظالمون يستحقون الهلاك، دعا موسى ربّه حين كذّبوه وهمّوا بقتله، دعا ربه: ربّنا اطمِس على أموالهم، واشدُد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتّى يروا العذاب الأليم، فردّ الله تعالى عليه: قد أُجيبت دعوتكما [يونس: ٨٨ - ٨٩]، وارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، والجاثية آية (٣١) لبيان معنى المجرمون. سورة الدخان [٤٤: ٢٣] ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾: أي: أجاب الله سبحانه دعاءه وأمره أن يسري بقومه ليلاً، وفي الآيات

стр. 4874

الأخرى قال تعالى: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى﴾ [طه: ٧٧]، وفي الشعراء آية (٥٢) قال تعالى: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى﴾ ولم يقل ليلاً. ﴿فَأَسْرِ﴾: من السُّرى؛ وهو السّير ليلاً، مبنيّ على السّتر والخفاء؛ فلماذا أضاف ليلاً في هذه الآية؟ لأن في آية طه والشعراء لم يحدد أي ليلة، أو تلك الليلة، وفي آية الدخان حدد تلك الليلة بعينها. ﴿لَيْلًا﴾: تعني في تلك الليلة المحددة المعينة، وثانياً: في جزء من الليل ولا تعني كلّ الليل، ولو قال فأسرِ بعبادي الليل؛ يعني: كلّ الليل، ولو قال فأسرِ بعبادي فقط فهو لم يحدّد ليلة معينة؛ أي: أسرِ بعبادي في المستقبل، كما في قوله تعالى في سورة طه آية (٧٧) وسورة الشّعراء آية (٥٢) حين خاطب الله سبحانه موسى ﵇ فقال: أن أسرِ بعبادي، فقط ولم يقل ليلاً إلا في سورة الدّخان آية (٢٣). ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾: ولم يُبين في هذه الآية بمن يتبعهم، ولكنه بينه في آية أخرى في سورة طه الآية (٧٨): ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾، وفي آية أخرى سورة يونس الآية (٩٠): ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾. إذن: أسرِ بعبادي ليلاً: أي أسرِ ليلاً في هذه الليلة المحددة، بينما أسرِ بعبادي تعني: في المستقبل، وفيها متّسع من الوقت حتّى يجهّز نفسه وقومه للخروج. سورة الدخان [٤٤: ٢٤] ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾: ساكناً على هيئته الّتي هو عليها بعد أن ضربته بعصاك فانفلق فكان كلّ فرقٍ كالطَّود العظيم: ١ - اتركه رَهواً ساكناً حتّى يدخله فرعون وجنوده، فقد أراد موسى ﵇ لما جاوز البحر أن يضربه بعصاه حتّى يرجع البحر كما كان قبل أن ينفلق، فلا يستطيع

стр. 4875

فرعون وجنوده أن يلحق بهم، ولكن الله سبحانه طلب من موسى أن يتركه قارّاً على حاله؛ حتّى يدخله فرعون وجنوده، فإذا دخلوا فيه أطبقه الله عليهم حتّى يهلكهم بالغرق. ٢ - وقيل الرَّهو: هو الفجوة الواسعة أو الفُرجة بين القدمين، أو الرَّهو: الفجوة بين سنامين، من رها: إذا فتح، (فرّج بين رجليه). ﴿إِنَّهُمْ جُندٌ﴾: للتوكيد، جند: اسم جنس تشمل المفرد والمثنى والجمع. ارجع إلى سورة يس آية (٢٨) لمعرفة الفرق بين جند وجنود. ﴿مُّغْرَقُونَ﴾: محكوم عليهم بإغراقهم، جملة اسمية تعليلية، أخبر الله سبحانه موسى بهذا الخبر ليطمئنّ قلبه في ترك البحر على حاله؛ لأنّه كان خائفاً أن يُدرَك. سورة الدخان [٤٤: ٢٥] ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: ﴿كَمْ﴾: الخبرية تفيد التّكثير؛ أي: كم تركوا الكثير من الجنات والعيون. ﴿تَرَكُوا﴾: أي فرعون وجنوده تركوا بعد أن أُهلكوا بالغرق. ﴿مِنْ﴾: ابتدائية. ﴿جَنَّاتٍ﴾: بساتين وحدائق غناء. ﴿وَعُيُونٍ﴾: ينابيع جارية، عين جمعها: أعين وعيون، أعين: جمع عين؛ أي: آلة البصر، أما عيون جمع عين: عين الماء. سورة الدخان [٤٤: ٢٦] ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾: ﴿وَزُرُوعٍ﴾: جمع زرع: وهو ما ينبت على غير ساق والشّجر ما له ساق، والنّبات يطلق على الجميع.

стр. 4876

﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾: مجالس ومنازل مريحة فاخرة، وفي سورة الشعراء آية (٥٧ - ٥٨) قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُم مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ بدل الزروع بكلمة الكنوز؛ قيل: الكنوز ما كانوا يدخرونه من الأموال والذهب والفضة، ولأن ما تركوه كلا الأمرين الزروع والكنوز؛ لذلك أخبر في الآيتين ما تركوه، وليس هناك تعارض فضلاً عن الجنات والعيون والمقام الكريم في كلا الآيتين. سورة الدخان [٤٤: ٢٧] ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾: ﴿وَنَعْمَةٍ﴾: انتبه إلى لفظ "النَّعمة" ولم يقل نِعمة، نَعمة بفتح النّون في هذه الآية، وكما جاء في سورة المزمل آية (١١) وهي قوله تعالى: ﴿وَذَرْنِى وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِى النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ هذه النعمة تعني: نعمة لا تحمل معنى الخير، بل هي نعمة مذمومة فيها شر لهم، وتشمل: سعة العيش والرّخاء والبطر والترف، وتحمل معنى الذّم أو: بئس النَّعمة. نِعمة بكسر النّون: كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ تعني: سعة العيش والشّكر وعدم الإسراف والبطر، تحمل معنى المدح؛ أي: نِعمَ النّعمة نِعمة تحمل معنى الخير والبركة. ﴿كَانُوا﴾: في الحياة الدّنيا. ﴿فَاكِهِينَ﴾: مترفين متنعمين مستلذين بأكل الفاكهة. ارجع إلى سورة الطّور آية (١٨) وسورة يس لمعرفة الفرق بين فاكهين وفاكهون. سورة الدخان [٤٤: ٢٨] ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾: أي: كما تركوا الجنات والعيون والزّروع والمقام الكريم؛ أي: كذلك وأورثناها قوماً آخرين.

стр. 4877

اختلف في هؤلاء: القوم الآخرين (بعد هلاك فرعون وجنوده)، قيل: هم بني إسرائيل الذين لم يخرجوا مع موسى، وقيل: هم من الأقباط من أهل مصر. وقيل: القوم الآخرين هم بنو إسرائيل من بعد موسى بعد انتصارهم على العمالقة دخلوا مصر مرة ثانية وحكموها، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾ [الشّعراء: ٥٩]. ارجع إلى سورة الشعراء آية (٥٩) للبيان المفصل. سورة الدخان [٤٤: ٢٩] ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾: ﴿فَمَا﴾: الفاء للتوكيد، ما: النّافية. ﴿بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾: استعارة؛ أي: لم تحزن أو تبكِ السّماء والأرض على هلاكهم وموتهم. أي: لم تكترث السّماء والأرض لموتهم، ولم نقم لهم وزناً؛ لهوانهم على الله بسبب كفرهم وظلمهم. شبّه السّماء والأرض بالإنسان وأسند إليهما البكاء، وقال علي وابن عبّاس ﵄ بما معناه: إنّ مصلّى العبد ومصعد عمله يبكي عليه بعد موته. ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾: ممهَلين أو مؤخَّرين إلى أن يتوبوا أو إلى يوم القيامة، بل عجّل لهم العذاب في الدّنيا بإغراقهم. سورة الدخان [٤٤: ٣٠] ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق، وقد حصل ذلك. ﴿نَجَّيْنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: ولم يقل أنجينا، نجّينا؛ أي: زمن نجاتهم استغرق زمناً طويلاً من فرعون وقومه نجيناهم.

стр. 4878

﴿مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾: أي العذاب الأليم الذي قام به فرعون وجنوده المختلط بالإهانة؛ لأنّه كان يخالطُه المذلّة، وكان يتمّ أمام أعين النّاس أو على مرأى منهم حيث كان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم ويسومهم سوء العذاب. سورة الدخان [٤٤: ٣١] ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾: نجّينا بني إسرائيل من فرعون الطاغية الذي يأمر جنوده بالقيام بعذاب بني إسرائيل. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: من المستكبرين ومن المسرفين في العذاب؛ لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم. سورة الدخان [٤٤: ٣٢] ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: ﴿وَلَقَدِ﴾: ارجع إلى الآية (٣٠) للبيان. ﴿اخْتَرْنَاهُمْ﴾: الاختيار: من بين الأمم الّتي كانت في ذلك الزّمن فقد كانوا أفضل أمم زمانهم، ولم يستمر ذلك طويلاً فقد انقلب أكثرهم إلى فاسقين، وضُربت عليه الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله. ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾: أي لم يكن اختيارهم منا أمراً سريّاً أو مخفيّاً الكلّ يعلم به من عالمي زمانهم، أو اخترناهم على علم؛ لأنهم كانوا أفضل من غيرهم في ذلك الزمان. ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: عالمي زمانهم؛ أي: على النّاس جميعاً وهم الإنس والجن في ذلك الزّمن وليس كلّ الأزمنة، وقيل: اختيارهم على النّاس؛ لكثرة الأنبياء منهم.

стр. 4879

سورة الدخان [٤٤: ٣٣] ﴿وَآتَيْنَاهُم مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاؤٌا مُبِينٌ﴾: ﴿وَآتَيْنَاهُم﴾: أرسلنا الآيات إليهم؛ أي: المعجزات الخارقة مثل فلق البحر والغمام والمنّ والسّلوى وانفجار الحجر. ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: من المعجزات، ومن التّكاليف الشّرعية القاسية، والسّيئات والحسنات. ﴿مَا فِيهِ بَلَاؤٌا مُبِينٌ﴾: أي بلوناهم ما فيه الكفاية بالخير والشر والابتلاءات المبينة؛ أي: الظاهرة الجليّة مثل: رفع الجبل فوقهم كأنه ظُلَّة، والقرية الّتي كانت حاضرة البحر، واتخاذ العجل، والمنّ والسّلوى، ودخول القرية وغيرها، وتشريدهم في الأرض، وجعل قلوبهم قاسية كالحجارة أو أشد. سورة الدخان [٤٤: ٣٤] ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ﴾: المناسبة: بعد ذكر قصة فرعون وقومه مع موسى؛ ليتّعظ بها كفار قريش، يعود الآن ليتمَّ الحديث عن كفار قريش وأنّهم في شك من البعث والقيامة، وهم في إصرارهم على الكفر مثل قوم فرعون الّذين أهلكهم الله وأنجى بني إسرائيل، فيذكر الله سبحانه أنّه قادر على بعثهم، ثمّ توعّدهم بالهلاك كما أهلك قوم تُبَّع وفرعون وقومه. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿هَؤُلَاءِ﴾: الهاء للتنبيه، أولاء: اسم إشارة للقرب؛ تعني: كفار قريش. ﴿لَيَقُولُونَ﴾: اللام للتوكيد. سورة الدخان [٤٤: ٣٥] ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ﴾: إن: نافية بمعنى ما؛ أي: ما هي إلا موتتنا

стр. 4880

الأولى، إلا: أداة حصر؛ أي: نهاية الأمر بعد الحياة الدّنيا الموت، وليس هناك بعد الموت حياة أو نشور مرة أخرى. وإذا قارنا هذه الآية بقوله تعالى في الآية (٥٨ - ٥٩) من سورة الصافات: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ جاءت (موتَتُنا) في آية الدخان مرفوعة، وفي آية الصافات منصوبة؛ لأن (موتَتَنا) في آية الصافات استثناء، و (موتَتُنا) في آية الدخان خبر، وإذا نظرنا إلى السياق نجد (موتتُنا) في آية الدخان جاءت في سياق الدنيا؛ أي: الذين قالوها وهم لا زالوا أحياء، و (موتَتَنا) في آية الصافات كانت في سياق الآخرة من قالها كان من أهل الجنة. ﴿بِمُنْشَرِينَ﴾: بمبعوثين أحياء بعد الموتة الأولى، أنشر الله الميت؛ أي: أحياهُ أو بعثه حياً، وما نحن بمنشَرين: بمبعوثين أحياء، كقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]، أنشره: أي أحياه. سورة الدخان [٤٤: ٣٦] ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: سؤال من المكذّبين بالبعث والحساب إلى رسلهم وأنبيائهم. ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: أحيوا لنا من مات من آبائنا وأجدادنا. إن: شرطية تفيد الاحتمال والافتراض، إن كنتم صادقين في وعدكم بالبعث والحساب، وحذف جواب الشّرط؛ أي: نشكّ أنّكم صادقون، أو أنتم لستم صادقين. سورة الدخان [٤٤: ٣٧] ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾: ﴿أَهُمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ. ﴿خَيْرٌ﴾: أي أفضل. أم: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ. ﴿أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾: يعني في القوة والمنعة، وليس في العمل الصّالح وعمل

стр. 4881

الخير والطّاعة؛ لأنّ الكلّ كان كافراً، قوم تبّع وكفار قريش. انتبه الذّم يخصّ قوم تبّع. أهم: كفار قريش أقوى وأشد من قوم تبّع الحميري: أحد ملوك التّبابعة كانوا في بلاد اليمن، يطلق عليهم قوم تبّع، وتبّع لقب لملوك اليمن. أقوام تبّع، سمّوا التّبابعة؛ أي: الأقيال، ينامون يتقيّلون في الظّل الذي هو تبعاً يتبع الشّمس. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: من الأمم الكافرة مثل عاد وثمود. ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾: قضينا عليهم بكفرهم ودمّرناهم. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٤) لمزيد من البيان. ﴿إِنَّهُمْ﴾: للتوكيد. ﴿كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾: بالكفر والشّرك والمعاصي والابتعاد عن الله. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، والجاثية آية (٣١) لبيان معنى مجرمين. سورة الدخان [٤٤: ٣٨] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية، ما النّافية. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾: لاعبين: أي عبثاً أو باطلاً؛ أي: لا فائدة منهما ولا نفع لمجرد اللعب. سورة الدخان [٤٤: ٣٩] ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: ما: النّافية، خلقناهما إلا بالحق: إلا تفيد الحصر، والحق هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغير ولا يتبدل؛ أي: خلقهما دليل وبرهان لإظهار عظمة الله وقدرته، وأنّه الإله الحق الّذي يجب أن يُعبد وحده

стр. 4882

بلا شريك أو ندٍّ أو مثيل، وخلقهما بالحق: أي دورانهما وجريهما وعدم تغيرهما دليل على الحق وعلى قدرته على البعث والنّشور، والباء "بالحق" تدل على الإلصاق؛ أي: الحق لا ينفصل عنهما أبداً. ﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك. ﴿أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ما يجري في السّموات والأرض من حقائق علمية خارقة لعقل البشر، وإنّ هذا يدل على قدرة الله تعالى وعظمته، ويدل على حكمته وعلمه، أو: لا يعلمون عاقبة أمرهم وكفرهم وشركهم.

стр. 4883

سورة الدّخان [الآيات ٤٠ - ٥٩] سورة الدخان [٤٤: ٤٠] ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾: إنّ للتوكيد، يوم الفصل: أي يوم القيامة، وسمّي يوم الفصل؛ لأنّ الله سبحانه يفصل فيه بين العباد، بين المؤمن والكافر، يفصل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون من التّوحيد والشّرك والحق والباطل، ويوم القيامة له أسماء كثيرة نذكر منها: يوم الفصل يوم الدّين اليوم الآخر يوم البعث يوم الحشر يوم الجمع يوم التّغابن يوم الآزفة وغيرها من الأسماء. ﴿مِيقَاتُهُمْ﴾: ميقاتهم الزّمني والمكاني، والميقات: ظرف، ظرف زمان أو ظرف مكان. ميعادهم للحشر والحساب والجزاء (زمن حسابهم وزمن عرضهم على ربهم). ﴿أَجْمَعِينَ﴾: للتوكيد؛ أي: الكلّ حاضر في أرض المحشر وزمن واحد، أجمعين: الجميع الكلّ حاضرون ومجتمعون. سورة الدخان [٤٤: ٤١] ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلًى عَنْ مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: ﴿يَوْمَ﴾: نكرة؛ للتهويل والتّعظيم؛ أي: يوم الفصل يوم الحساب. ﴿لَا يُغْنِى مَوْلًى عَنْ مَّوْلًى شَيْئًا﴾: لا النّافية، يغني: ينفع، مولى: يطلق على القريب كابن العم وغيره: لا ينفع القريب قريبه، شيئاً: نكرة؛ أي: شيئاً قليلاً أو كثيراً من شفاعة أو مساعدة، تفيد المجاوزة والمباعدة، والشيء: هو أقل القليل، وسواء أكان حسياً أم معنوياً. ﴿وَلَا﴾: تكرار "لا" يفيد توكيد النّفي. ﴿هُمْ﴾: للتوكيد.

стр. 4884

﴿يُنْصَرُونَ﴾: لا القريب ينصر قريبه أو يساعده ولا البعيد، ولو بزيادة حسنة أو دفع سيئة أو ينصره من العذاب بأي شيء مهما كان. سورة الدخان [٤٤: ٤٢] ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء أو حصر. ﴿مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾: من ابتدائية استغراقية، وتشمل المفرد والمثنى والجمع، رحم الله: بالإذن له بالشفاعة، وأن يكون كفؤاً لذلك، ويشفع بعضهم في بعض؛ لأنّ رحمة الله واسعة، أو من رحم الله فلا يحتاج إلى مولى ولا إلى نصير؛ لأنه سبحانه نعم المولى ونعم النّصير، فهو غني عن شفاعة الآخرين، وتكفي رحمة الله فهي حسبه. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد ﴿هُوَ﴾: للتوكيد. ﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي الّذي لا يُغلب ولا يُقهر، وممتنع على عباده. ﴿الرَّحِيمُ﴾: بعباده المؤمنين المتقين. سورة الدخان [٤٤: ٤٣] ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾: شجرة خبيثة مرة الطّعم مُنتنة لا يوجد لها مثيل في الدّنيا، وليست شجرة واحدة، بل ﴿شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢]. ﴿الزَّقُّومِ﴾: مشتقة من التّزقّم: وهو البلع بصعوبة؛ لكراهية الطّعم ونتن الرّائحة. لماذا خلقت؟ فتنة للظالمين (سورة الصّافات الآية ٦٣) وطعام الأثيم. أين تنبت؟ في أصل الجحيم؛ أي: قعر الجحيم (سورة الصّافات الآية ٦٤). ماذا تشبه؟ تشبه رؤوس الشّياطين (سورة الصّافات الآية ٦٥).

стр. 4885

وتسمى الشّجرة الملعونة، ذكر اسم هذه الشّجرة ثلاث مرات في: سورة الصّافات الآية (٦٢): ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾. وفي سورة الدّخان الآية (٤٣): ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾. وفي سورة الواقعة الآية (٥٦): ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾. سورة الدخان [٤٤: ٤٤] ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾: الأثيم: كثير الإثم، صيغة مبالغة، المبالغ في ارتكاب الآثام والذّنوب؛ أي: الكافر والمجرم، الأثيم: مثل أبي جهل وغيره، فقد كان يأتي بالزّبد والتّمر ويقول لأولاده وغيرهم: تزقّموا فهذا هو الزّقّوم الذي يعدكم به محمّد ﷺ . سورة الدخان [٤٤: ٤٥] ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِى الْبُطُونِ﴾: ﴿كَالْمُهْلِ﴾: الكاف للتشبيه؛ أي: طعامها يشبه المهل: هو دردي الزّيت الأسود؛ أي: عكر الزّيت الرّديء، وقيل: هو النّحاس المذاب أو القطران أو ما ذاب من معادن الأرض. وقيل: المهل مشتقة من الأشياء الّتي تمهل في النّار لتذوب. سورة الدخان [٤٤: ٤٦] ﴿كَغَلْىِ الْحَمِيمِ﴾: يغلي في البطون: بطون الكفار، كغلي الحميم: الماء الحارّ المتناهي في الحرارة؛ أي: وصل درجة الغليان. سورة الدخان [٤٤: ٤٧] ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾: يقال للملائكة: خذوا هذا الأثيم. ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾: الفاء للمباشرة، جرُّوه أو احملوه بشدة وعنف، العتل: هو الأخذ بمجامع الشّيء وجرُّه بقهر وعنف.

стр. 4886

﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾: وسط الجحيم، الجحيم: اسم من أسماء النّار أو دركة من دركاتها، مشتقة من الجحوم: وهو التّأجّج فلا تخمد. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) لمزيد من البيان. سورة الدخان [٤٤: ٤٨] ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: لا تعني التّراخي في الزّمن، وإنما لتباين الصّفات أو الدّرجة بين الأخذ بعنف والعتل وصبّ الحميم فوق رأسه، أو للترتيب الذكري أو العددي. ﴿صُبُّوا﴾: من الصب؛ أي: سكب العذاب فوق رأسه؛ حذف من فوق رأسه؛ لأن (من) تعني القريب؛ أي: هو واقف مباشرة تحت الماء الحميم، أما حذف (من) تحتمل البعيد والقريب. ﴿الْحَمِيمِ﴾: هو المصبوب فإذا صبّ عليه الحميم فقد صبّ عليه عذابه، فهو شبّه العذاب بالشّيء السائل (الحميم) الّذي يصبّ عليه، ويدل على شدة وكثرة الصّبّ؛ أي: الصّبّ الكثير المتواصل بلا انقطاع. وصبّ العذاب: يعني بكلّ أنواعه، ومنها: صبّ الحميم؛ وهو نوع واحد من أنواع كثيرة من العذاب كالزّمهرير والحريق. ﴿مِنْ﴾: ابتدائية استغراقية: من كلّ أنواع العذاب. ولنقارن هذه الآية (٤٨) من سورة الدّخان وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ والآية (١٩) من سورة الحج وهي قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾. سورة الحج الآية (١٩) يُصبُّ من فوق رؤوسهم الحميم من فوق رؤوسهم مباشرة ليس هناك فاصل بين الرّأس والصّبّ، من ابتداء الغاية، من فوق يعني: حتّى لا تضيع درجة حرارته؛ لأنه يراد به أن يصهر ما في بطونهم. سورة الدّخان الآية (٤٨): ثمّ صبّوا فوق رأسه من عذاب الحميم، فوق

стр. 4887

رأسه يتحمّل القريب والبعيد، الغاية هنا التّحقير والاستهزاء والسّخرية من الّذي ادّعى أنّه هو العزيز الكريم؛ أي: أبي جهل أو غيره. سورة الدخان [٤٤: ٤٩] ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾: أي قولوا له: ﴿ذُقْ﴾: للتوبيخ والإهانة والسّخرية لكلّ من يستنكف عن عبادة ربه ويستكبر. وقيل: نزلت هذه الآية كما أخرج الطّبريّ عن قتادة: في أبي جهل؛ حيث كان يظن أنّه لا أكرم منه ولا أعزّ وأمنع ما بين جبلَي مكة، فقتله الله سبحانه يوم بدر وعيّره بكلمته فقال: ذق إنّك أنت العزيز الكريم، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السّبب، ذق: العذاب. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾: أنت للتوكيد. ﴿الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾: بزعمك؛ وتعني: ذق إنّك أنت الذّليل الحقير يا من كنت تظن أنّك أنت العزيز الكريم. سورة الدخان [٤٤: ٥٠] ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾: ﴿إِنَّ هَذَا﴾: إنّ: للتوكيد، هذا: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقرب يشير للعذاب. ﴿مَا كُنْتُمْ بِهِ﴾: ما: اسم موصول بمعنى الّذي، كنتم به؛ أي: الدّنيا، وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿تَمْتَرُونَ﴾: مشتقة من: المراء وهو الجدال بالباطل بعد تبيّن وظهور الحق؛ أي: ما كنتم تجادلون به، وتستبعدون وتشكّون في حدوثه بعدما بينّاه لكم وحذّرناكم منه في الكتاب وعلى لسان رسوله ﷺ .

стр. 4888

سورة الدخان [٤٤: ٥١] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ﴾: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾: إنّ: للتوكيد، المتقين: الّذين امتثلوا أوامر الله فأطاعوه وتجنّبوا نواهيه. ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿مَقَامٍ أَمِينٍ﴾: بفتح الميم؛ تعني: المنزلة والمكانة الآمنة يأمن صاحبها من كلّ المخاوف، وبضمّ الميم تعني: المكان، مكان الإقامة، ارجع إلى سورة البقرة الآية (١٢٥) للمقارنة بين مَقَام ومُقام، ومقام أمين: من كلّ المخاوف بما فيها الموت والتّغيّرات والطّوارئ والمرض. سورة الدخان [٤٤: ٥٢] ﴿فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿جَنَّاتٍ﴾: منها الفردوس وعدن والنّعيم والمأوى ودار السّلام وغيرها. ﴿وَعُيُونٍ﴾: جمع عين، عيون: الكافور والسّلسبيل والزّنجبيل والتّسنيم: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرّحمن: ٥٠] ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرّحمن: ٦٦]. وعيون تختلف عن أعين (أعين تعني: أدوات البصر). سورة الدخان [٤٤: ٥٣] ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ﴾: أي لباسهم، من: ابتدائية للجنس. ﴿سُنْدُسٍ﴾: هو ما رقَّ من الحرير (الحرير الرّقيق النّاعم). ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾: ما غلظ من الحرير. ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾: على مجالسهم أو سُرُرهم؛ ليستأنس بعضهم ببعض ولينظر بعضهم إلى بعض.

стр. 4889

سورة الدخان [٤٤: ٥٤] ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾: أي كما ألبسناهم السّندس والإستبرق، أو كما أكرمناهم بدخول الجنة كذلك وزوّجناهم بحور عين، أو: كما زوّجناهم في الدّنيا نزوّجهم في الآخرة بالحور العين. ﴿بِحُورٍ﴾: الباء للإلصاق، الحور العين: زوجات غير زوجاتهم في الدّنيا، الحور: جمع حوراء، وهي الّتي يكون بياض عينيها شديد البياض وسواده شديد السّواد. والعِيْن: جمع عيناء؛ أي: واسعات الأعين يحار الطّرف بجمالهن، وفي آيات أخرى وصفهن: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ [النّبأ: ٣٣]، ﴿أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: ٣٦ - ٣٧]. سورة الدخان [٤٤: ٥٥] ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا﴾: في الجنة يطلبون أو يأمرون بإحضار ما يشتهون من الفاكهة؛ أي: تقدّم لهم كلّ أنواع الفاكهة، فاكهة: اسم جنس يشمل كلّ أنواع الفاكهة. ﴿آمِنِينَ﴾: في سلام وأمن كامل من الموت، ومن كلّ مرض وضرر وأذى وهمٍّ وغمٍّ، وفقر ومطعم ومشرب وملبس ومأوى، آمنين من تغيّر أحوالهم ومن أيّ خوف أو حذر أو إنذار. سورة الدخان [٤٤: ٥٦] ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾: ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾: لا النّافية. ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾: فيها: في الجنة لا يذوقون أو يذاقون الموت، خلود بلا موت، إلا: أداة حصر واستثناء، الموتة الأولى: الّتي كانت في الدّنيا وانتهى أمرها، والموتة الأولى: توكيد للنفي؛ أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الّتي ذاقوها في الدّنيا. ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾: ووقاهم ربهم عذاب الجحيم: اسم من أسماء

стр. 4890

النّار، والجحيم من الجحوم: هو التّأجّج بلا خمود أو انقطاع. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) لمزيد من البيان. سورة الدخان [٤٤: ٥٧] ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: أي: ما أعطى المتقين من جنات وعيون وسندس وإستبرق وحور عين وغيرها من نعيم الجنة والوقاية من عذاب الجحيم كلّه، تفضلاً من ربك وليس بما عملوه من الأعمال الصّالحة والحسنات. والفضل: هو الزّيادة عما يستحقّ العبد من الأجر أو حقّه، والفضل لا يكون واجباً وإنما هو تفضّل من الله سبحانه بغير سبب. ﴿ذَلِكَ﴾: ذا: اسم إشارة، واللام للبعد، ويفيد التّعظيم والمدح. ﴿هُوَ﴾: للتوكيد. ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: الفوز الذي لا يعلوه فوزٌ، مقارنةً بالفوز المبين أو الفوز الكبير مقارنة بقوله تعالى في الآية (١٢) من سور الصف ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ بدون إضافة هو؛ لأن الفوز العظيم درجات أعظمها: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، وأوسطها: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، وأدناها: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، والفوز العظيم أعلى درجة من الفوز الكبير، والفوز الكبير أعلى درجة من الفوز المبين، والله أعلم؛ ارجع إلى سورة النساء آية (٧٣) لمزيد من البيان في معنى الفوز وأنواعه ودرجاته. سورة الدخان [٤٤: ٥٨] ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: ﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء للتوكيد استئنافية، إنما: كافة مكفوفة تفيد زيادة التّوكيد. ﴿يَسَّرْنَاهُ﴾: هاء الضّمير تعود للقرآن العظيم، يسّرناه للحفظ والفهم والتّدبّر والقراءة.

стр. 4891

﴿بِلِسَانِكَ﴾: الباء للإلصاق والمصاحبة، بلسانك: بلغتك العربية ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ﴾ [الزّمر: ٢٨]. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعلّ للتعليل، لعلّهم يتذكرونه ولا ينسونه. ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾: خالقهم ورازقهم ووليّهم، يتذكّرون نعمه وإحسانه وفضله، ويتذكّرون وعده ووعيده، ويتذكّرون آياته وأحكامه وحدوده. يتذكّرون: ولو لزمهم الزّمن الطّويل أو احتاجوا إلى زمن طويل مقارنةً بقوله: يذكرون؛ أي: تذكّرهم لا يحتاج إلى زمن طويل. سورة الدخان [٤٤: ٥٩] ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾: ﴿فَارْتَقِبْ﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدّر؛ أي: إن كفروا وأعرضوا فارتقب هلاكهم، ارتقب: من الارتقاب: وهو الانتظار مع المراقبة (بكلّ الوسائل) حتّى لا يفوته أيُّ شيء مما يفعله المُرَاقب، أو ارتقِب: ما وعدناك من النّصر والفوز عليهم. ﴿إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾: إن: للتوكيد، مرتقبون؛ أي: وهم كذلك مرتقبون ما يحلّ بك من الدّوائر، ومرتقبون: جمع مرتقب: اسم فاعل من الفعل الخماسي: ارتقب.

стр. 4892

سورة الجاثية [٤٥: ١] سورة الجاثية ترتيبها في القرآن (٤٥)، وترتيبها في النّزول (٦٥). ﴿حم﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة للبيان. سورة الجاثية [٤٥: ٢] ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة الزّمر للبيان. سورة الجاثية [٤٥: ٣] ﴿إِنَّ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿إِنَّ فِى﴾: إنّ: للتوكيد، في ظرفية. ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ﴾: اللام للتوكيد، آيات كونية كثيرة تدل على عظمة الخالق ووحدانيَّته وحكمته وقدرته، وأنّه الإله الحق الّذي يستحق أن يعبد وحده. ﴿لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾: اللام لام الاختصاص، للمؤمنين، أيْ: تنفع المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ويزدادوا هدى وتقوى مع تقواهم. سورة الجاثية [٤٥: ٤] ﴿وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: ﴿وَفِى خَلْقِكُمْ﴾: أيْ: في خلق الإنسان وأطوار خلقه وتسويته وتصويره وتركيبه. ارجع إلى سورة الحج آية (٥)، وسورة المؤمنون آية (١٢ - ١٤) للبيان. ﴿وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ﴾: البث هو النّشر والتّفرق في الأرض والعيش في الجبال

стр. 4893

أو الصّحارى أو الوديان والسّهول والمدن والقرى والأرياف، من دابة: من استغراقية، دابة: كلّ ما يدب على الأرض من إنسان وحيوان وجن. ﴿آيَاتٌ﴾: في الخلق والنّشر والتّفرق والعيش آيات، أيْ: دلائل وبينات على عظمة الله وقدرته وحكمته ووحدانيَّته، وأنّه هو الإله الحق الّذي يجب أن يُعبد. ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: اللام لام الاختصاص، قوم يوقنون: اليقين لا يوجد إلا بعد الإيمان والإيمان حين يزداد يرتقي إلى اليقين، واليقين: هو العلم بالحق الّذي ليس هناك غيره لا يتغير ولا يتبدل، والمستقر في القلب ولا يحتاج إلى مراجعة أو تفكير به من جديد. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) لمزيد من البيان. فهذه الآيات الكونية وآيات الخلق إذا فكر الإنسان بها وتدبرها وعقلها تكفي للإيمان، وأن يرتقي الإيمان بالله إلى درجة اليقين، لقوم يوقنون: بأنّ الّذي خلق الخلق وبثَّهم ونشرهم لا يقدر عليه إلا الله سبحانه واجب الوجود، وأنّه الحق له وحده الألوهية والرّبوبية والصّفات والأسماء الحسنى، يوقنون تدل على تجدُّد وتكرار يقينهم كلما شاهدوا ورأوا تلك الآيات. سورة الجاثية [٤٥: ٥] ﴿وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: ﴿وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: الدّال على كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشّمس الّذي ينتج عنه تبادل الليل والنّهار والولوج والتكوير من أعظم الآيات الدّالة على قدرة الخالق. ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٣٣) للبيان. ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِّزْقٍ﴾: أي: الغيث والطاقة الحرارية والرّياح والمعادن كالحديد وغيره وبعض الأشعة وغيرها من مصادر الطّاقة.

стр. 4894

أنزل: تعني: مرة واحدة، نزل: تعني مرات كثيرة. ﴿فَأَحْيَا بِهِ﴾: بالماء، وهذه الآية تشير إلى دورة الماء على الأرض. ارجع إلى سورة المؤمنون آية (١٨). ﴿الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: بزمن قصير أو طويل، ولم يقل: من بعد موتها: أيْ: مباشرة من بعد موتها، كما يحدث في كلّ عام. ارجع إلى سورة الحج آية (٥، ٦٣)، وسورة فصلت آية (٣٩) وسورة الأنعام آية (٩٩) لمزيد من البيان. ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: تغيرها من حال إلى حال، يحولها من ريح طيبة لينة إلى ريح عاصفة مدمرة، ومن ريح حارة إلى باردة إلى سامة (ريح السّموم)، ومن ريح باردة إلى ريح صرصر عاتية، وتصريفها باتجاهات مختلفة تحمل معها السّحاب أو الغبار، والرياح في القرآن تأتي في سياق الخير، وأما الريح تأتي في سياق الضر أو الشر والدمار. ﴿آيَاتٌ﴾: كونية. ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: اللام لام الاختصاص، قوم يعقلون: إذا فكروا بهذه الآيات لأدركوا الحقيقة أنّ الّذي أنزل من السّماء رزقاً وصرف الرّياح وبثَّ فيها من كلّ دابة هو الإله الحق الخالق المدبر الواحد الّذي يجب أن يُعبد ويُطاع. سورة الجاثية [٤٥: ٦] ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: تلك: اسم إشارة، واللام للبعد للدلالة على علو شأنها وعظمتها، وتشير على الآيات المتقدمة الّتي ذكرها في الآية (٣، ٤، ٥). ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾: نتلوها: من التّلاوة أصل التّلاوة اتباع الشّيء بالشّيء نتلوها آية بعد آية: والتّلاوة لا تكون إلا من كتاب الله، والتّلاوة قراءة وليس كلّ قراءة تلاوة، والتّلاوة لا تكون إلا بكلمتين بالحق: الحق هو الشّيء الثّابت

стр. 4895

الّذي لا يتغير، بالحق: الباء للإلصاق والمصاحبة، بالحق: بالصّدق يتلوها عليك جبريل ﵇. ﴿فَبِأَىِّ﴾: الفاء رابطة لجواب مقدَّر، بأيِّ: استفهام إنكاري. ﴿حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾: أيْ: إذا لم يصدقوا بالقرآن وهو الحق، ولم يصدقوا بآيات الله الكونية أو المعجزات التي تشير إلى نبوة الرسل. لم يصدقوا بالله تعالى وآياته فمن سيصدقون، وإذا لم يصدقوا بتلك الآيات فأيُّ آيات الله الأخرى سيصدقون بها، و من لم يؤمن بكلام الله تعالى ويصدق بآياته، فلن يؤمن من بعد القرآن بأيِّ شيء، ولن يصدق بأيِّ آية أخرى. سورة الجاثية [٤٥: ٧] ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾: هذا تهديد ووعيد لكلّ من كذَّب بالله وآياته، ثمّ أصر على كفره. ﴿وَيْلٌ﴾: كلمة عذاب، أو الهلاك والعذاب. ﴿لِكُلِّ﴾: اللام لام الاستحقاق، والاختصاص، كلّ: للتوكيد. ﴿أَفَّاكٍ﴾: كثير الإفك صيغة مبالغة، والإفك هو الصّرف عن الحق إلى الباطل، أيْ: قلب الحقائق والإفك نوع من الكذب. وقيل: نزلت هذه الآية في النّضر بن الحارث، كان يشتري من أحاديث العجم، ويشغل النّاس عن الاستماع إلى القرآن، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السّبب. ﴿أَثِيمٍ﴾: كثير الإثم والذّنوب، قدمه راسخة في الإثم.

стр. 4896

سورة الجاثية [٤٥: ٨] ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ﴾: أيْ: يسمع هذا الأفاك الأثيم: هذه الآيات الّتي تدعوه إلى الإيمان والتّوبة. ﴿ثُمَّ﴾: ثمّ لا تعني الترتيب والتّراخي في الزّمن، وإنما للترتيب العددي، أو تباين الدّرجة بين الاستماع والإصرار على الكفر. ﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾: يستمر ويقيم على كفره وضلاله ويلازمه ويقال: صر الفرس أذنيه، أيْ: ضمها إلى رأسه. ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾: عن الإيمان والتّوبة، معجباً بنفسه ومظهراً عظم شأنه رغم أنّه لا يملك مقومات الكبر. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) للبيان. ﴿كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾: كأن من أفعال المقاربة، متظاهراً بعدم سماع تلك الآيات، فهو لا يذكرها أبداً أو يسأل عما تعني؛ أي: يتجاهلها أمام النّاس كأنّه أصمُّ أو في أذنيه وقراً مع العلم أن آلة السّمع (أذنيه) غير معطلة. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: الفاء عاطفة تربط السّبب بالمسبب، والبشارة إذا أطلقت عادة لا تكون إلا في الخير والخبر بشيء سار، فإذا استعملت البشارة لشيء سيِّئ فهي تعني: التّهكم والسّخرية، بعذاب أليم: مؤلم لا يستطيع أن يتحمله أحد. سورة الجاثية [٤٥: ٩] ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: ﴿عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا﴾: أيْ: إذا بلغه شيئاً من آياتنا عن طريق الآخرين، أيْ: لم تُتْلَ عليه مباشرة، وإنما سمع تلك الآيات من أناس آخرين. ﴿اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾: أخذ يستهزئ بها أيْ: يستخف بها ويعيب عليها ويحط من شأنها، ولم يقل: اتخذه هزواً الهاء تعود على العلم، وإنما اتخذها: أيْ: لم

стр. 4897

يقتصر استهزاؤه بما سمع، بل راح يستهزئ بكل الآيات الّتي سمعها والتي علم بها. والاستهزاء: قد يكون بالأشخاص أيضاً، أو بغير الأشخاص كالاستهزاء بالآيات، والاستهزاء عام أعم من السخرية؛ لأن السخرية خاصة بالأشخاص. كما فعل أبو جهل حين نزلت آية ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٤] دعا بتمر وزُبد وقال: تزقموا فما يعدكم محمّد إلا هذا. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعد يفيد التّحقير، وتشير إلى الأفَّاكين. ﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاستحقاق (الاختصاص). ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: هو العذاب الأليم مع الإهانة، عذاب على مرأى النّاس وفيه إذلال وتصغير. سورة الجاثية [٤٥: ١٠] ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِى عَنْهُم مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾: من ابتدائية، ورائهم: أيْ: أمامهم جهنم ولفظ الوراء هنا يقصد به الأمام، فهي من الألفاظ المشتركة في معنيين أو أكثر، أو الكلمات المتضادة. ﴿وَلَا يُغْنِى﴾: الواو عاطفة، لا النّافية، أيْ: لا ينفعهم، الغنى هنا يعني النّفع، وهناك الغنى: ضد الفقر. ﴿مَا﴾: حرف مصدري أو اسم موصول بمعنى الّذي و (ما) أوسع شمولاً، وللعاقل وغير العاقل. ﴿كَسَبُوا شَيْئًا﴾: من الأموال والأولاد والمتاع الدّنيوي، يوم القيامة لا

стр. 4898

يجلب لهم نفعاً ولا يدفع عنهم ضرّاً؛ أي: ﴿لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠]. ﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا﴾: الواو عاطفة، لا للتوكيد توكيد النّفي، ما اتخذوا: ما بمعنى الّذي أو مصدرية. ﴿مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾: من الأوثان أو الآلهة والأولياء جمع ولي، وهو القريب، أيْ: لا يشفعون لهم ولا يقربونهم زلفى ولا ينصرونهم ولا يخففون عنهم من العذاب شيئاً. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، عذاب عظيم: أشد أنواع العذاب على الإطلاق، يشمل كلّ أنواع العذاب من حيث الكم والكيف والدّوام، ويشمل الأليم والمهين والشّديد. سورة الجاثية [٤٥: ١١] ﴿هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾: ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب يشير إلى القرآن ويفيد التّعظيم. ﴿هُدًى﴾: مصدر هدى أو سبب للهداية يهدي للحق ويهدي للغاية أو هو الهدى نفسه يهدي إلى الصّراط المستقيم وسعادة الدّارين. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص، أي: الاستحقاق. ﴿عَذَابٌ مِنْ رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾: الرّجز في اللغة تتابع الحركات والقلقلة أو الاضطراب. عذاب من رجز أليم: الرّجز: هو العذاب، كما قال ابن عباس، وقيل: العقاب، وقيل: الطاعون، أو أيُّ عذاب كالرّيح والطاعون، وقيل: الغضب ووساوس الشّيطان وشره.

стр. 4899

وهناك فرق بين الرّجز والرّجس: الرّجس هو القذارة والنّجاسة، كما قال ابن منظور في لسان العرب، وقيل: الرّجس إظهار الفساد أو أمر مستقبح شرعاً مثل الخمر والأصنام والأزلام، وقيل: الذّنب والإثم والفسق والشّرك. عذاب من رجز أليم: أيْ: عذاب من السّماء أليم متتابع. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٩) للبيان المفصل. سورة الجاثية [٤٥: ١٢] ﴿اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِىَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ﴿اللَّهُ﴾: تقديم الفاعل على الفعل يفيد الاهتمام. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم. ﴿سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ﴾: التّسخير هذا التّذليل، سخر البحر اسم جنس، لكم: اللام لام الاختصاص. ﴿لِتَجْرِىَ﴾: اللام لام التّعليل. ﴿الْفُلْكُ﴾: السّفن وتطلق على المفرد والمثنى والجمع. ﴿فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾: فيه ظرفية، بأمره: الباء للإلصاق والمصاحبة، بأمره: بإذنه، وقدَّم فيه؛ لأنّ الكلام عن البحر. ارجع إلى سورة لقمان آية (٣١) لمزيد من البيان. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: الواو هنا تشير إلى منافع أخرى لم تذكرها الآية، واللام في لتبتغوا: للتعليل، لتبتغوا من فضله: لتسافروا في طلب الرّزق من مكان إلى آخر وتستخرجوا منه حلية تلبسوها وتأكلوا منه لحماً طرياً، من ابتدائية، فضله: أيْ: زيادة على ما تستحقون من كلّ هذه النّعم الّتي هي من كرمه وإحسانه لكم، وليست بقوتكم أو ما أوتيتم من العلم. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: لعلكم تفيد التّعليل، تشكرون المنعم على ما أنعم عليكم من الرّكوب وأكل لحمه واللؤلؤ والمرجان، وغيره من الفوائد.

стр. 4900

لنقارن هذه الآية (١٢) من سورة الجاثية، وهي قوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، مع الآية (١٢) من سورة فاطر، وهي قوله: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: في سورة فاطر من دون واو، أيْ: ليس في هذه تعداد أو تذكر بالنّعم الأخرى فقط يريد في هذه الآية الإشارة على النّعم المذكورة في هذه الآية وحدها. وأما في سورة الجاثية يراد بها كل النعم المذكورة في الآية وغيرها مما لم يُذكر. سورة الجاثية [٤٥: ١٣] ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ﴾: لكم اللام لام الاختصاص، أيْ: لكم خاصة. ﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: ما للعاقل وغير العاقل، ما في السّموات: الشّمس والقمر والنّجوم والكواكب والسّحاب والرّياح، وما في الأرض: الجبال والأنهار والبحار والفلك والأنعام ووسائل النّقل. ﴿جَمِيعًا مِّنْهُ﴾: جميعاً للتوكيد منه لا من غيره، أي: من فضله . ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾: إنّ واللام في كلمة لآيات للتوكيد. ﴿لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: اللام لام الاختصاص، قوم يتفكرون في هذه الآيات، فإذا نظرنا فيها توصلنا إلى عظمة قدرة الخالق وعلمه، وأنّ الله هو الإله الحق، وما من إله غيره ولا شريك له، له الملك، أي: الحكم وهو الإله الّذي يستحق العبادة والطّاعة.

стр. 4901

سورة الجاثية [٤٥: ١٤] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: قل يا رسول الله ﷺ للذين آمنوا، اللام لام الاختصاص. ﴿يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾: قيل: نزلت هذه الآية في جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ في مكة يعانون من أذى المشركين، وكانوا في حالة ضعف قبل أن يؤمروا بالجهاد، فنزلت هذه الآية، وقال ابن عباس: نزلت في غزوة بني المصطلق حين اختلاف غلام عمر مع غلام عبد الله بن أُبَيٍّ، وقال عبد الله بن أُبَيٍّ تلك المقولة الشّهيرة: سمِّن كلبك يأكلك، فنزلت هذه الآية تطلب من الصّحابة أن يغفروا لهؤلاء الّذين لا يرجون أيام الله. وهناك من المفسرين من قال: نسخت هذه الآية بآية الجهاد. ﴿يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾: يتجاوزوا ويعفوا ولا يعاقبوا، للذين: اللام لام الاختصاص، لا يرجون أيام الله: لا النّافية، لا يؤمنون بلقائه أو بالبعث أو الحساب والجزاء، أو لا يرجون أيام الله: أيْ: لا يصدقون ولا يؤمنون بما وقع وما حدث للأمم السّابقة مثل قوم نوح وعاد وثمود، أن يحدث لهم أو يصيبهم مثل ما أصاب غيرهم من المشركين. وقيل: لا يرجون أيام الله: لا يَدْرُون أو يعلمون كثرة أنعم الله عليهم ولا يشكرون الله عليها.

стр. 4902

وقال تعالى: يغفروا ولم يقل: ليغفروا: لم يجئْ بلام التّوكيد، أيْ: لا تردوا السّيئة بالسّيئة، وإنما ادفعوا السّيئة بالّتي هي أحسن. ﴿لِيَجْزِىَ﴾: اللام لام التّعليل، الجزاء: أعم من الأجر ويكون مقابل العمل الصّالح أو السّيِّئ. ﴿قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: فالأجر يأتي في سياق العمل الصّالح والخير والجزاء يأتي في سياق العمل الصّالح أو السّيِّئ، قوماً بما كانوا يكسبون: بما: الباء سببية أو للتعليل، ما: اسم موصول بمعنى الّذي، قوماً: أيْ: ليجزي كلاً من الفريقين، أي: الّذين غفروا والذين لا يرجون أيام الله، بما كانوا: في الحياة الدّنيا، يكسبون: من الأعمال الصّالحة أو الأعمال السّيئة. ولمعرفة الفرق بين يكسبوا أو اكتسبوا: ارجع إلى الآية (٢٨٦) من سورة البقرة. سورة الجاثية [٤٥: ١٥] ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾: من شرطية، عمل صالحاً: نكرة لتشمل أيَّ عمل صالح مهما كان، فلنفسه: الفاء رابطة لجواب الشّرط، واللام في لنفسه لام الاختصاص والاستحقاق، أيْ: أجر أو ثواب ذلك العمل الصّالح يرجع بالفائدة إليه ولا يذهب إلى غيره. ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾: ومن أساء فعاقبة ذلك العمل السّيِّئ والذّنب يقع على نفسه ليذوق وبال أمره، على تفيد الاستعلاء، استخدم اللام فلنفسه في سياق الثّواب، واستخدم على في سياق الإثم والذّنب والعقاب. ﴿ثُمَّ﴾: تفيد التّراخي في الزّمن، أيْ: يوم القيامة. ﴿إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾: للحساب والجزاء، تُرجعون: بضم التّاء الّتي تدل

стр. 4903

على القسر والقهر، أيْ: سواء رضيتم أم أبيتم، ولم يقل: تَرجعون بفتح التّاء الّتي تدل على الرّجوع بإرادتهم ورغبتهم، وتقديم إلى تفيد الحصر، أيْ: إلى ربكم وحده ترجعون. سورة الجاثية [٤٥: ١٦] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: المناسبة: بعد أن عدد الله نعمه العامة على عباده يذكر عدداً من نعمه الخاصة على بني إسرائيل، وكيف اختلفوا بينهم، وسوف يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد اللام للتوكيد، قد للتحقيق (أيْ: حدث ذلك وتم). ﴿آتَيْنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: الإيتاء هو العطاء من دون تملك، ويمكن استرداد ما أعطي، والإيتاء أعم من العطاء يشمل الأشياء الحسية والمعنوية، بني إسرائيل: أي: بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇. ﴿الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ﴾: التّوراة، والحكم: الفقه في الدّين والفصل في الخصومات بين النّاس والفتوى. ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾: لموسى وهارون وكثير من الأنبياء أمثال يوسف وداود وسليمان. ﴿وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: من: البعضية، الطّيبات: الطّيب هو الحلال والطّاهر. ارجع إلى سورة الأنفال آية (٦٩) لمزيد من البيان. ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: عالمي زمانهم من الأمم المعاصرة لهم أمثال

стр. 4904

الفراعنة والأمم الّتي كانت تسكن بلاد الشّام، ولا يعني التّفضيل الأبدي، وإنما كان مقصوراً على تلك الفترة من الزّمن. سورة الجاثية [٤٥: ١٧] ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: ﴿وَآتَيْنَاهُم﴾: ارجع إلى الآية السّابقة، والواو عاطفة. ﴿بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾: جمع بيِّنة: أحكام وشرائع في الحلال والحرام مثلاً، وفي المعاملات والعبادات والعلم بمبعث النّبي ﷺ وشواهد نبوته، وبما في التّوراة من آيات بينات. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: الفاء عاطفة، ما النّافية، اختلفوا في الأحكام والشّرائع والتّحريم والتّحليل وأمور الدّين والعقيدة وفي عيسى ﵇ وفي محمّد ﷺ وأنبيائهم، إلا: أداة حصر، من بعد: من تفيد القرب أي مباشرة من بعد، ما جاءهم العلم: ما بمعنى الّذي جاءهم من العلم عن طريق الإنجيل والقرآن وبعثة عيسى ومحمّد ﵇، بغياً بينهم: من البغي: مجاوزة الحد في الظّلم والفساد وأخذ حق الغير بالقهر والقوة والتّعسف، بينهم: بني إسرائيل. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: إنّ للتوكيد، ربك يقضي: يفصل بينهم أيْ: بين بني إسرائيل يوم القيامة. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٦٤)، وسورة السجدة آية (٢٨) لبيان معنى القضاء والحكم والفصل. ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: في الدّنيا، يختلفون: من أمور الدّين والعقيدة والأحكام والحلال والحرام وطاعة الرّسل وأمر محمّد ﷺ وعيسى.

стр. 4905

سورة الجاثية [٤٥: ١٨] ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: لتباين الصّفات، صفات الشّريعة الإسلامية عما سبقها من الشّرائع. ﴿جَعَلْنَاكَ﴾: الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ . ﴿عَلَى شَرِيعَةٍ﴾: على تفيد العلو والسّمو والمشقة، شريعة: جملة الشّرائع الّتي تشمل العقائد والعبادات والأحكام، والّتي تختلف باختلاف الأمم، شريعة محمّد ﷺ الإسلام وشريعة عيسى ﵇ النّصرانية، وشريعة موسى ﵇ اليهودية، شريعة إبراهيم ﵇ الحنفية السّمحة، وأما الدّين فهو واحد وهو الإسلام، أمّا الشّرائع، أي: الدّيانات فمختلفة، وكما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، ارجع إلى سورة المائدة الآية (٤٨) لمزيد من البيان. ﴿شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾: أيْ: من أمرنا، أيْ: مما شرعناه لكم، والأمر هو إما واحد من الأمور أو الشؤون أو واحد من الأوامر. ﴿فَاتَّبِعْهَا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، اتَّبعها كاملة، أيْ: خذ بها والتزم بها. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ﴾: لا النّاهية، أهواء: جمع هوى: والهوى: هو ما تميل إليه النّفس باطلاً بما لا ينبغي ولا دليل، والهوى يغلب عليه الذّم ويختص بالأداء والمعتقدات. ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أهواء الجهال من قريش أو أهل الكتاب الّذين لا يعلمون أمور الدّين أو الّذين لا يعلمون التّوراة والإنجيل والقرآن وما أنزل الله على رسله.
следующие страницы →