← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

سورة الجاثية [٤٥: ١٤] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: قل يا رسول الله ﷺ للذين آمنوا، اللام لام الاختصاص. ﴿يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾: قيل: نزلت هذه الآية في جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ في مكة يعانون من أذى المشركين، وكانوا في حالة ضعف قبل أن يؤمروا بالجهاد، فنزلت هذه الآية، وقال ابن عباس: نزلت في غزوة بني المصطلق حين اختلاف غلام عمر مع غلام عبد الله بن أُبَيٍّ، وقال عبد الله بن أُبَيٍّ تلك المقولة الشّهيرة: سمِّن كلبك يأكلك، فنزلت هذه الآية تطلب من الصّحابة أن يغفروا لهؤلاء الّذين لا يرجون أيام الله. وهناك من المفسرين من قال: نسخت هذه الآية بآية الجهاد. ﴿يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾: يتجاوزوا ويعفوا ولا يعاقبوا، للذين: اللام لام الاختصاص، لا يرجون أيام الله: لا النّافية، لا يؤمنون بلقائه أو بالبعث أو الحساب والجزاء، أو لا يرجون أيام الله: أيْ: لا يصدقون ولا يؤمنون بما وقع وما حدث للأمم السّابقة مثل قوم نوح وعاد وثمود، أن يحدث لهم أو يصيبهم مثل ما أصاب غيرهم من المشركين. وقيل: لا يرجون أيام الله: لا يَدْرُون أو يعلمون كثرة أنعم الله عليهم ولا يشكرون الله عليها.

стр. 4902

وقال تعالى: يغفروا ولم يقل: ليغفروا: لم يجئْ بلام التّوكيد، أيْ: لا تردوا السّيئة بالسّيئة، وإنما ادفعوا السّيئة بالّتي هي أحسن. ﴿لِيَجْزِىَ﴾: اللام لام التّعليل، الجزاء: أعم من الأجر ويكون مقابل العمل الصّالح أو السّيِّئ. ﴿قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: فالأجر يأتي في سياق العمل الصّالح والخير والجزاء يأتي في سياق العمل الصّالح أو السّيِّئ، قوماً بما كانوا يكسبون: بما: الباء سببية أو للتعليل، ما: اسم موصول بمعنى الّذي، قوماً: أيْ: ليجزي كلاً من الفريقين، أي: الّذين غفروا والذين لا يرجون أيام الله، بما كانوا: في الحياة الدّنيا، يكسبون: من الأعمال الصّالحة أو الأعمال السّيئة. ولمعرفة الفرق بين يكسبوا أو اكتسبوا: ارجع إلى الآية (٢٨٦) من سورة البقرة. سورة الجاثية [٤٥: ١٥] ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾: من شرطية، عمل صالحاً: نكرة لتشمل أيَّ عمل صالح مهما كان، فلنفسه: الفاء رابطة لجواب الشّرط، واللام في لنفسه لام الاختصاص والاستحقاق، أيْ: أجر أو ثواب ذلك العمل الصّالح يرجع بالفائدة إليه ولا يذهب إلى غيره. ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾: ومن أساء فعاقبة ذلك العمل السّيِّئ والذّنب يقع على نفسه ليذوق وبال أمره، على تفيد الاستعلاء، استخدم اللام فلنفسه في سياق الثّواب، واستخدم على في سياق الإثم والذّنب والعقاب. ﴿ثُمَّ﴾: تفيد التّراخي في الزّمن، أيْ: يوم القيامة. ﴿إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾: للحساب والجزاء، تُرجعون: بضم التّاء الّتي تدل

стр. 4903

على القسر والقهر، أيْ: سواء رضيتم أم أبيتم، ولم يقل: تَرجعون بفتح التّاء الّتي تدل على الرّجوع بإرادتهم ورغبتهم، وتقديم إلى تفيد الحصر، أيْ: إلى ربكم وحده ترجعون. سورة الجاثية [٤٥: ١٦] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: المناسبة: بعد أن عدد الله نعمه العامة على عباده يذكر عدداً من نعمه الخاصة على بني إسرائيل، وكيف اختلفوا بينهم، وسوف يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد اللام للتوكيد، قد للتحقيق (أيْ: حدث ذلك وتم). ﴿آتَيْنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: الإيتاء هو العطاء من دون تملك، ويمكن استرداد ما أعطي، والإيتاء أعم من العطاء يشمل الأشياء الحسية والمعنوية، بني إسرائيل: أي: بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇. ﴿الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ﴾: التّوراة، والحكم: الفقه في الدّين والفصل في الخصومات بين النّاس والفتوى. ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾: لموسى وهارون وكثير من الأنبياء أمثال يوسف وداود وسليمان. ﴿وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: من: البعضية، الطّيبات: الطّيب هو الحلال والطّاهر. ارجع إلى سورة الأنفال آية (٦٩) لمزيد من البيان. ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: عالمي زمانهم من الأمم المعاصرة لهم أمثال

стр. 4904

الفراعنة والأمم الّتي كانت تسكن بلاد الشّام، ولا يعني التّفضيل الأبدي، وإنما كان مقصوراً على تلك الفترة من الزّمن. سورة الجاثية [٤٥: ١٧] ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: ﴿وَآتَيْنَاهُم﴾: ارجع إلى الآية السّابقة، والواو عاطفة. ﴿بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾: جمع بيِّنة: أحكام وشرائع في الحلال والحرام مثلاً، وفي المعاملات والعبادات والعلم بمبعث النّبي ﷺ وشواهد نبوته، وبما في التّوراة من آيات بينات. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: الفاء عاطفة، ما النّافية، اختلفوا في الأحكام والشّرائع والتّحريم والتّحليل وأمور الدّين والعقيدة وفي عيسى ﵇ وفي محمّد ﷺ وأنبيائهم، إلا: أداة حصر، من بعد: من تفيد القرب أي مباشرة من بعد، ما جاءهم العلم: ما بمعنى الّذي جاءهم من العلم عن طريق الإنجيل والقرآن وبعثة عيسى ومحمّد ﵇، بغياً بينهم: من البغي: مجاوزة الحد في الظّلم والفساد وأخذ حق الغير بالقهر والقوة والتّعسف، بينهم: بني إسرائيل. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: إنّ للتوكيد، ربك يقضي: يفصل بينهم أيْ: بين بني إسرائيل يوم القيامة. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٦٤)، وسورة السجدة آية (٢٨) لبيان معنى القضاء والحكم والفصل. ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: في الدّنيا، يختلفون: من أمور الدّين والعقيدة والأحكام والحلال والحرام وطاعة الرّسل وأمر محمّد ﷺ وعيسى.

стр. 4905

سورة الجاثية [٤٥: ١٨] ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: لتباين الصّفات، صفات الشّريعة الإسلامية عما سبقها من الشّرائع. ﴿جَعَلْنَاكَ﴾: الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ . ﴿عَلَى شَرِيعَةٍ﴾: على تفيد العلو والسّمو والمشقة، شريعة: جملة الشّرائع الّتي تشمل العقائد والعبادات والأحكام، والّتي تختلف باختلاف الأمم، شريعة محمّد ﷺ الإسلام وشريعة عيسى ﵇ النّصرانية، وشريعة موسى ﵇ اليهودية، شريعة إبراهيم ﵇ الحنفية السّمحة، وأما الدّين فهو واحد وهو الإسلام، أمّا الشّرائع، أي: الدّيانات فمختلفة، وكما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، ارجع إلى سورة المائدة الآية (٤٨) لمزيد من البيان. ﴿شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾: أيْ: من أمرنا، أيْ: مما شرعناه لكم، والأمر هو إما واحد من الأمور أو الشؤون أو واحد من الأوامر. ﴿فَاتَّبِعْهَا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، اتَّبعها كاملة، أيْ: خذ بها والتزم بها. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ﴾: لا النّاهية، أهواء: جمع هوى: والهوى: هو ما تميل إليه النّفس باطلاً بما لا ينبغي ولا دليل، والهوى يغلب عليه الذّم ويختص بالأداء والمعتقدات. ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أهواء الجهال من قريش أو أهل الكتاب الّذين لا يعلمون أمور الدّين أو الّذين لا يعلمون التّوراة والإنجيل والقرآن وما أنزل الله على رسله.

стр. 4906

سورة الجاثية [٤٥: ١٩] ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُتَّقِينَ﴾: ﴿إِنَّهُمْ﴾: تعود على الّذين لا يعلمون. ﴿لَنْ﴾: لنفي المستقبل القريب أو البعيد. ﴿يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: أيْ: لن ينفعوك من الله: من عذاب الله شيئاً أو يشفعوا لك أو يدفعوا عنك من عذاب الله شيئاً أو يعطوك حسنة من حسناتهم، والخطاب موجَّه إلى الرّسول ﷺ ، وإلى أمته وشيئاً نكرة تعني: أيَّ شيء مهما كان نوعه وجنسه، والشّيء هو أقل القليل، وسواء أكان حسياً أم مادياً. ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾: إن للتوكيد، الظّالمين: المشركين والكافرين والظالمين أنفسهم بالمعاصي، والظّلم يعني: الخروج عن المنهج الرّباني، وإنّ أعظم الظّلم هو الشّرك بالله. وعبادة غير الخالق والرّازق ومدبِّر الأمر هي أبشع أنواع الظّلم، وكثر في القرآن إطلاق الظّلم على الشّرك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: أولياء جمع ولي، والموالاة تعني المودة والنّصرة بينهم، المودة: المحبة واتخاذ بعضهم لبعض بطانة، وتعني: يسرون إلى بعضهم بعضاً الأخبار، والنّصرة: تعني: هم أعوان لبعضهم بعضاً وينصرون بعضهم بعضاً بالعدة والعتاد. ﴿وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُتَّقِينَ﴾: أيْ: والله المحب والمعين لأوليائه المتقين يواليهم بالمعونة والنّصر والرّحمة ويحفظهم والمتولي أمورهم، ولا يَكِلُهم إلى غيره، المتقين: جمع متقٍّ: وهو الّذي يطيع أوامر الله ويتجنب نواهيه.

стр. 4907

سورة الجاثية [٤٥: ٢٠] ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب يشير إلى القرآن العظيم. ﴿بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾: جمع بصيرة: والبصائر تشمل الآيات والبراهين والحجج والشواهد والبينات والمعجزات والحجج الّتي لا لبس فيها من الله وهي ما يتضح بها الحق وتميز بين الحق والباطل، والخطأ والصواب، والرشاد والغي، وسميت بصائر؛ لأنه لا يمكن الرؤية بدونها، والقرآن كله بصائر وليس بصيرة واحدة؛ فهذه البصائر هي التي تنير لنا الطريق في الدنيا طريق الهداية والوصول إلى الغاية العظمى، وهي رضوان الله تعالى، والسعادة في الدارين. ﴿وَهُدًى﴾: هدى: نكرة يشمل كلّ أنواع الهدى، فهو مصدر للهدى أو هو هدى يهدي للحق ويهدي للغاية والصّراط المستقيم. والهدى الكامل التّام. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: يجلب ما يسر ويدفع ما يضر (أيْ: وقاية) ونعمة من أعظم النّعم. ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: اللام لام الاختصاص، يوقنون: أن القرآن بصائر وهدى ورحمة لقوم يوقنون لكي يستقر اليقين في قلوبهم وتنكشف لهم الحقائق الرّبانية، ويوقنون من اليقين هو العلم بالحق ولا يكون غيره والرّاسخ في القلب. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) لمزيد من البيان. سورة الجاثية [٤٥: ٢١] ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي، الهمزة للاستفهام الإنكاري إنكار. ﴿حَسِبَ﴾: اعتقد أو حسب يعني: الظّن الرّاجح، أيْ: ظن الّذين اجترحوا

стр. 4908

السّيئات ظناً راجحاً أنّ الله سيجعلهم كالّذين آمنوا وعملوا الصّالحات سواء محياهم ومماتهم. ﴿اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾: أي: اكتسبوا السّيئات أيْ: فعلوها عمداً، السّيئات منها الكفر والشّرك والمعاصي، أيْ: قاموا بالسّيئات بجوارحهم (كالعين واليد والرّجل والأذن) كقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. ﴿أَنْ﴾: للتعليل والتّوكيد. ﴿نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: أيْ: نسوي بينهم في الدّنيا أو في الآخرة مع الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات، نسوي بينهم في الجزاء والثّواب والابتلاء. ﴿سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ﴾: أيْ: في حياتهم الدّنيا. ﴿وَمَمَاتُهُمْ﴾: أو في الآخرة، نسوي بينهم في الجنة والنّار. ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: ساء: من أفعال الذّم العامة؛ أيْ: بئس ما يحكمون: يقضون به ويصدر عن عقولهم من أحكام، ما: اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية أو ساء حكمهم. سورة الجاثية [٤٥: ٢٢] ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: الواو: استئنافية، أيْ: وجعلناك على شريعة من الأمر وأيضاً خلق الله السّموات والأرض بالحق: بالأمر الثّابت الّذي لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، أيْ: بقوة وإحكام وبالقوانين الفائقة، الثّابتة الّتي لا تتغيَّر، والتي تحكم الأجرام والمجرات والنّجوم منذ (١٤ ألف مليون سنة).

стр. 4909

ولتجزى كلّ نفس: الواو حرف عطف أيْ: معطوف على الحق أيْ: ولتجزى الجزاء من جنس العمل كلّ نفس بالعدل، أو بالحق (من هؤلاء الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات وهؤلاء الّذين اجترحوا السّيئات). ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: فسبحانه خلق لكم السّموات والأرض لتتمكنوا من العيش فيها وسخر لكم ما في السّموات والأرض، وأنزل لكم شرائعه ورسله وبيَّن لكم الحق من الباطل، ولم يخلق كلّ ذلك عبثاً، فلا بُدَّ من أن تجزى كلّ نفس بما كسبت. لتجزى: اللام لام التّعليل، كلّ نفس بما: الباء للإلصاق والمصاحبة، ما اسم موصول بمعنى الّذي كسبت أو مصدرية، كسبت: من خير أو شر، وهم: للتوكيد، لا النّافية، يظلمون: مقدار ذرة من خير أو شر.

стр. 4910

سورة الجاثية [٤٥: ٢٣] ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: المناسبة: فكيف بعد أن جعلنا لكل أمة منكم شرعة ومنهاجاً وسخرنا لكم السّموات والأرض وما فيهما منكم ما زال يريد أن يتخذ إلهه هواه. ﴿أَفَرَءَيْتَ﴾: الهمزة للاستفهام والتّعجب والإنكار، والفاء للتوكيد، أرأيت: الرّؤية هنا قلبية فكرية بمعنى: أخبروني بعلم ويقين. ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾: أيْ: من جعل هواه معبوده، أيْ: يعبد هواه ويطيعه كما يخضع العابد للمعبود والهوى، لتعريفه ارجع إلى الآية (١٨) من نفس السّورة. ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾: أي: الّذي اتخذ إلهه هواه على علم أنّه على ضلال حين اتبع هواه وبما أنّه استمر على ضلاله ولم يتب ويرجع عن ذنبه وأصرّ على ضلاله، ولم يعد هناك أملاً في هدايته فالله سبحانه تعالى يتركه وشأنه ويزيده ضلالاً؛ لأنّه اختار لنفسه طريق الضّلال. ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾: ثمّ إذا تمادى في ضلاله يختم الله على سمعه فيصبح كأنه أصم ويختم على قلبه. فلا يدخله إيمان أو يخرج منه كفر. ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾: فلا يعد يبصر طريق الحق أو الهداية. ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾: فمن: الفاء: للتوكيد؛ من: للاستفهام، وتفيد

стр. 4911

التقرير؛ أي: لا أحد يستطيع أن يهديه من بعد أن ختم الله سبحانه، على سمعه وقلبه. ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: الهمزة للاستفهام التّوبيخي والإنكار، فالفاء لزيادة الإنكار على عدم التّذكر، الا: أداة تنبيه وحضٍّ وتحمل معنى الأمر، أي: تذكرون تتعظون وتتبعوا ما أمر الله، وتتجنبوا ما نهى الله عنه، وتتجنبوا الهوى والشهوات، وهذا التّذكر لا يحتاج إلى زمن طويل، كما لو قال: أفلا تتذكرون وأنه لا الذي يحتاج إلى زمن طويل أحد يستطيع هدايته من بعد الله. سورة الجاثية [٤٥: ٢٤] ﴿وَقَالُوا مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾: ﴿وَقَالُوا﴾: تعود على الّذين اجترحوا السّيئات واتخذوا إلههم هواهم وختم على سمعهم وقلوبهم وزيادة على ذلك فهم ينكرون البعث والحساب وقالوا. ﴿مَا هِىَ﴾: ما النّافية تنفي الحال غالباً، هي: ضمير فصل للتوكيد تعود على الحياة الدّنيا. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾: أي: الحياة محصورة ومقصورة على الحياة الدّنيا الّتي نحياها فليس هناك حياة أخرى أو دار الآخرة، وسُمِّيت بالحياة الدّنيا السّفلى لكونها زائلة وحقيرة. ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾: أيْ: بعضنا يموت وبعضنا يُخلق أو يولد، ولا تعني: نموت، ثمّ نحيا نبعث من جديد؛ لأنّهم لا يؤمنون بالبعث أصلاً.

стр. 4912

﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾: ما النّافية، يهلكنا إلا الدّهر: إلا: أداة حصر، أيْ: ما نفنى ونموت إلا بسبب مرور الدّهر: الزّمن الطّويل أو توالي الأيّام. وهذا غير صحيح؛ لأن هناك من يموت في سن مبكرة في سن الطّفولة أو الشّباب. ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾: من استغراقية، أيْ: ما لهم: ما النّافية، لهم بذلك: اسم إشارة يشير إلى الدّهر هو سبب هلاكهم، فما لهم بذلك من دليل علمي أو كتاب إلهي أو وحي أو حتّى عقل صحيح يوافق ذلك. ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾: إن نافية وأقوى نفياً من (ما)، هم إلا: هم ضمير فصل يفيد التّوكيد، إلا أداة حصر، يظنون: من الظّن هو الاحتمال الرّاجح عندهم أو هو الشّك مع رجحان كفة الإثبات على كفة النّفي، قالوا ذلك بناء على تقليد آبائهم. لنقارن هذه الآية (٢٤) من سورة الجاثية، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ والآية (٧١) من سورة الحج، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: ما لهم بذلك من علم: من هنا استغراقية تستغرق أدنى علم. ما ليس لهم به علم: هؤلاء عندهم بعض العلم وأفضل من المذكورين في آية الجاثية. ولنقارن هذه الآية (٢٤) من سورة الجاثية، وهي قوله تعالى: ﴿مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ والآية (٣٧) من سورة المؤمنون، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾: (إنْ) أشد نفياً من (ما)، فالذين قالوا: إن هي إلا حياتنا الدّنيا أشد تكذيباً بالبعث، والدّار الآخرة من الّذين قالوا: ما هي إلا حياتنا الدّنيا أشد تكذيباً بالبعث

стр. 4913

والدّار الآخرة من الّذين قالوا: ما هي إلا حياتنا الدّنيا، أيْ: من النّاس من ينكر البعث والحساب بدرجة (اليقين) مطلقة، ومنهم من ينكر البعث والحساب بشكل نسبي أو شك. سورة الجاثية [٤٥: ٢٥] ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية زمانية شرطية تدل على حتمية الحدوث. ﴿تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾: عليهم تعود على الّذين اجترحوا السّيئات والمكذبين بالبعث، تتلى عليهم آياتنا: آيات القرآن، بينات: الواضحات الدّالة على قدرة الله على البعث والإحياء، ولمعرفة معنى التّلاوة. ارجع إلى الآية (٦) من نفس السّورة. ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾: ما النّافية، إلا أداة حصر، أن قالوا: أن تعليلية. ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾: أيْ: أعيدوا إلينا آباءنا أحياء حتّى نراهم ونكلِّمهم أو نسألهم. ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: على أننا سنبعث ونحاسب، إن شرطية تفيد الشّك أو الاحتمال في كونهم صادقين. انتبه: إلى قوله: ما كان حجتهم: بدلاً من القول: ما كان قولَهُم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا، وهذه الحُجَّة ليست بحُجَّة مقبولة، وإنما ساقوا قولهم مساق الحُجَّة على سبيل المستحيل؛ لأنّهم يعلمون ما من أحدٍ مات، ثمّ أعيد إلى الحياة مرة أخرى. كذلك انتبه إلى قوله تعالى: حُجَّتَهُم بفتح التّاء تدل على أنّهم هم الوحيدون

стр. 4914

الّذين جاؤوا بهذه الحُجَّة، من بين النّاس، بينما إذا قرأت حُجَّتُهُم بضم التّاء تدل على أنّه لم يكن لهم حُجَّة غيرها فقط حُجَّة واحدة، فهناك فرق واضح بين القولين. سورة الجاثية [٤٥: ٢٦] ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿قُلِ﴾: قل يا رسول الله ﷺ لهؤلاء منكري البعث، والّذين قالوا: ائتوا بآبائنا: ألم يحييكم الله، ثمّ يميتكم. ﴿اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾: بعد أن كنتم أمواتاً في أصلاب آبائكم وأمّهاتكم، يحييكم حين تتشكَّلون أجنَّة في بطون أمّهاتكم، ثمّ تخرجون إلى هذه الحياة الدّنيا. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾: ثمّ للترتيب والتّراخي في الزّمن، يميتكم حين تنقضي آجالكم بالموت. ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: ثمّ للترتيب والتّراخي، تبعثون أحياء مرة ثانية من جديد يوم القيامة (يوم البعث) وتحشرون وتجمعون في أرض المحشر، إلى تفيد الانتهاء. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا النّافية، لا شك ولا جدال فيه، وفيه تعود إلى يوم القيامة. ﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد. ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أن للكون نهاية، والقلة يعلمون ذلك مثل علماء الفلك والفضاء، أو لا يعلمون أن الله سبحانه قادر على إعادة الخلق، وهو أهون عليه، أو أنهم سيُبعثون وينبَّؤون بما عملوا، وذلك على الله يسير.

стр. 4915

سورة الجاثية [٤٥: ٢٧] ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾: هذا دليل آخر على قدرته سبحانه وعظمته على البعث والإحياء. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ولله: الواو استئنافية، لله: اللام لام الاختصاص والملكية له وحده سبحانه، ملك: حكم، السّموات والأرض: أيْ: هو حاكم السّموات والأرض وحده، وملك: تعني: المالك فهو الحاكم والمالك للسموات والأرض، أيْ: له ملك السّموات والأرض خلقاً وملكاً وحكماً، فمن يملك السّموات والأرض قادر على البعث والإحياء. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾: السّاعة جزء من اليوم، فالسّاعة تعني: يوماً، واليوم يعني: السّاعة، أيْ: يوم تهدم النّظام الكوني الحالي، يوم: ظرف زمان، وقدَّم كلمة يوم للاهتمام بدلاً من القول: يخسر المبطلون يوم تقوم السّاعة. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: أصلها يوم + إذ (ظرف أضيف إلى ظرف للتوكيد) أو يوم ذاك. ﴿يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾: يخسروا أنفسهم ويخسروا أهليهم، المبطلون: جمع مبطل: وهو من مات مصراً على الباطل، والباطل هو الزّائل، وما لم يُشرع، أو ما لا وجود له. مثال على المبطلين: المنكرون للبعث أو المفترون على الله الكذب بأنّ الله غير قادر على بعثهم، والّذين قالوا: وما يهلكنا إلا الدّهر، وتشمل الكافرين والمشركين وغيرهم.

стр. 4916

سورة الجاثية [٤٥: ٢٨] ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَتَرَى﴾: الخطاب عام، ترى يومئذ رؤية عينية، عين اليقين، أمّا الآن فهي رؤية قلبية. ﴿كُلَّ أُمَّةٍ﴾: أمة: جماعة من النّاس تجمعهم عقيدة واحدة بغض النّظر عن الكم أو الحيز الجغرافي. ﴿جَاثِيَةً﴾: من الجثي: يعني: البارك على ركبتيه من دون القدرة على القيام، وأمّا السّجود أو السّاجد: فيعني البارك على ركبتيه مع القدرة على القيام، وأمّا الجثم أو الجاثم: فمن لزم مكانه وتجمَّد على ما هو عليه، أمّا الجذو: فهو البارك على مقدَّم قدميه، أيْ: أصابع قدميه. ﴿كُلُّ﴾: تكرار كل: يفيد التّوكيد. ﴿أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾: الأمة: جماعة من الناس بغض النظر عن الحيز الجغرافي أو العدد؛ يا أهل القرآن يا أهل التّوراة يا أهل الإنجيل، أو كتابها: والكتاب اسم جنس كتاب أعمالها الّذي فيه حسناتها وسيئاتها، كما قال ابن عباس، أي: السّجل الحفيظ لأعمال البشر. ودليل ذلك قوله تعالى في الآية القادمة (٢٩): هذا كتابنا: أضاف الكتاب إليه سبحانه وإليهم؛ لأنّه سبحانه يملك كتاب أعمالهم فهو كتابه، وما كتب فيه هو كتابهم، فجاء بقوله: كتابنا. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾: تجزون: من الجزاء يكون بالثّواب أو العقاب، أو من جنس العمل. ﴿مَا كُنتُمْ﴾: ما بمعنى الّذي أو مصدرية، وهي أوسع شمولاً من الّذي.

стр. 4917

﴿تَعْمَلُونَ﴾: تشمل الأقوال والأفعال، تعملون في الدّنيا. سورة الجاثية [٤٥: ٢٩] ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب يشير إلى الكتاب، كتاب أعمالهم. ﴿كِتَابُنَا﴾: كتاب الأعمال الّذي تكتبه الحَفَظة أو صحائف أعمالكم، ارجع إلى الآية السّابقة للبيان. ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ﴾: أيْ: يشهد عليكم بالحق: الباء للإلصاق والملازمة بلا زيادة أو نقصان. ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: إنا: للتعظيم، أي: الله سبحانه وملائكته، كنا: في الحياة الدّنيا، نستنسخ: أيْ: نكتب ما كنتم تعملون (تعني: الأقوال والأفعال) أيْ: أمرنا ملائكتنا بكتابة أعمالكم وتثبيتها، والنّسخ يعني: النّقل ومنه نسخ الكتاب، أيْ: نقل الصورة إلى كتاب آخر، والنّسخ في اللغة: معناه إزالة شيء بشيء آخر كنسخ الشّمس للظل أو نسخ الرّيح لآثار الأقدام، أيْ: إزالتها. سورة الجاثية [٤٥: ٣٠] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾: ﴿فَأَمَّا﴾: أمّا: حرف شرط وتفصيل. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِ﴾: الفاء في فيدخلهم تدل على جواب الشّرط، في رحمته: في ظرفية، رحمته: وتعني جنته في الآخرة،

стр. 4918

وأمّا في الدّنيا الرّحمة فتعني: الإنعام عليهم بسعة العيش والخير والصّحة والعافية والأمن ودفع الضّر عنهم، أيْ: وقايتهم من كلّ مكروه. ﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد. ﴿الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾: الفوز الظّاهر لا يخفى على أحد ولا يخفي نفسه. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٣) لبيان معنى الفوز وأنواعه أو درجاته. سورة الجاثية [٤٥: ٣١] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾: ﴿وَأَمَّا﴾: حرف شرط وتفصيل. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بلقاء الله والآخرة والحساب والجزاء. ﴿أَفَلَمْ﴾: أفلم: الهمزة للاستفهام والتّقرير والتّوبيخ، وتعني: لقد تليت عليكم آياتي والفاء للتوكيد. ﴿تَكُنْ آيَاتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: قدَّم آياتي المفعول على الفعل للاهتمام، أيْ: أفلم تكن تتلى عليكم آياتي، آياتي: أيْ: آيات القرآن، التّلاوة: تكون من إحدى الكتب السّماوية، والتّلاوة تكون لأكثر من كلمة ولها أجر، آياتي ولم يقل: الآيات؛ لأنّها آيات خاصة لها أهمية ودلالة أكثر من الآيات الأخرى. ﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، استكبرتم: عن الإيمان بها وتصديقها. ارجع إلى الآية (٨) من نفس السّورة لمزيد من البيان. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لبيان معنى الاستكبار والكبر والمتكبر. ﴿وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾: مجرمين: بسبب استكباركم وعدم إيمانكم بها، مجرمين: كافرين مشركين، ومجرمين: مشتقة من جرم، وجرم الشّيء قطعه

стр. 4919

فهم قطعوا صلتهم بالله أو بمنهج الله، فتركوا ما أمرهم به وفعلوا ما نهاهم عنه، وجرم: أذنب وجنى جناية وفعلوا القبيح من الأفعال مثل الكفر والشّرك والظلم فأصبحوا بذلك مجرمين. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥) لمزيد من البيان. وإضافة كلمة (قوماً) إلى مجرمين، أيْ: قوماً مجرمين بدلاً من مجرمين تعني: أشد إجراماً من المجرمين؛ لأنّ الإجرام عم الكلّ، كلّ واحد أصبح مجرماً والإجرام خُلُقهم، ويضرب بهم المثل، أمّا (مجرمين) فأقل حالاً وقبحاً من القوم المجرمين. سورة الجاثية [٤٥: ٣٢] ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرف زمان بمعنى حين. ﴿قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: إنّ للتوكيد، وعد الله حق بالبعث والجمع والحساب، والجزاء والجنة والنّار، وعد الله حق في كلّ ما يعدكم به. ﴿وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: أيْ: لا شك فيها قادمة لا محالة ولا جدال ولا إنكار، لا: النّافية، ريب: الشّك + التّهمة. ارجع إلى سورة طه آية (١٥) لمقارنة الآيات المتشابهة. ﴿قُلْتُم مَا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ﴾: ما ندري: ما النّافية، ندري: من الدّراية: أي: العلم بعد الجهل، والدّراية أخص من العلم، أيْ: لا نعلم السّاعة من أيِّ مصدر أو خبر أو نبأ، ما السّاعة: ما استفهامية فيها معنى التّعجب واستبعاد حدوثها أو وجود السّاعة.

стр. 4920

﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾: إن للنفي أقوى نفياً من ما، الظّن: الرّأي الرّاجح عندهم، وهو الشّك والتردد الّذي ترجح فيه كفة الإثبات على كفة النّفي، إلا: أداة حصر، ظناً: للتوكيد. أيْ: نظن، وهذا الظّن الوحيد، ولا يوجد سواه (نفي ما سواه)، أيْ: ما جاءنا عن السّاعة أو علمنا بالسّاعة إلا من طريق الظّن فقط، وليس هناك إثبات آخر إلا الظّن. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾: ما النّافية، ما نحن بمستيقنين لها نفس معنى إن نظن إلا ظناً، ولذلك فهي توكيد لها، فالكافرون بالبعث صنفان: الأوّل جاحد له مع الإصرار، والثّاني جاحد له مع الشّك كما هو الحال في هؤلاء المذكورين في هذه الآية.

стр. 4921

سورة الجاثية [٤٥: ٣٣] ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: ﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾: ظهر لهم، وتبيَّن لهم في الآخرة، تدل على الفجأة، أيْ: يفاجَؤون بسيئات أعمالهم. ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾: ما حرف مصدري أو اسم موصول بمعنى الّذي عملوا، أيْ: ظهر لهم وتبيَّن لهم قبيح أعمالهم أو جزاء أعمالهم السّيئة. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾: نزل بهم وأحاط بهم. ارجع إلى سورة غافر آية (٤٥) لمزيد من البيان، والفرق بين حاق ونزل. ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: ما اسم موصول بمعنى الّذي كانوا به يستهزئون: أيْ: نزل وأحاط بهم العذاب الّذي كانوا في الدّنيا يستهزئون به ويستبعدون حدوثه، كالاستهزاء بالله وآياته ورسوله، والاستهزاء يعني: العيب والتّحقير والتّصغير بشأن المستهزَأ به. سورة الجاثية [٤٥: ٣٤] ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: ﴿وَقِيلَ﴾: مبني للمجهول، أي: القائل غير معلوم قد يكون الله سبحانه أو الملائكة، المهم هنا هي المقالة.

стр. 4922

﴿الْيَوْمَ﴾: هو يوم القيامة يوم الحساب. ﴿نَنسَاكُمْ﴾: أيْ: نترككم في العذاب في النّار، أو نترككم تنتظرون حسابكم، كما قال تعالى ﴿فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، أو لا نبالي بكم، والله سبحانه لا ينسى ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، والنّسيان يعني: نترككم ونهملكم. ﴿كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾: الكاف كاف التّشبيه، نسيتم: النّسيان (بقصد) والمتعمَّد، أيْ: أعرضتم وتركتم الاستعداد لهذا اليوم ولم تصدقوا به، ارجع إلى سورة السّجدة الآية (١٤) لمزيد من البيان. ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾: المأوى: المكان الّذي تأوي إليه للاستقرار والإقامة. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: ما النّافية، لكم: اللام لام الاختصاص، أيْ: لكم خاصة، من استغراقية تشمل أيَّ ناصر، ناصرين: يدفعون عنكم العذاب أو يمنعونه عنكم، أو من يخلصكم أو ينقذكم. سورة الجاثية [٤٥: ٣٥] ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾: ﴿ذَلِكُمْ﴾: ذا اسم إشارة، اللام للبعد، وتشير إلى عدة أمور، وللمبالغة مقارنة بذلك الّتي تشير إلى أمر واحد، وأشد توكيداً من ذلك، وتشير إلى النّسيان والدّخول في النّار سببه: بأنكم: الباء السّببية.

стр. 4923

﴿اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾: اتخذ من أفعال التّصيير، آيات الله هزواً: الاستخفاف والعبث بآيات الله ولم تقيموا لها وزناً. ارجع إلى الآية السّابقة (٣٣) من نفس السّورة، وسورة الزمر آية (٤٨) لمزيد من البيان في الاستهزاء. ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: بجمالها وزينتها ومتاعها وشهواتها وطول الأمل وخدعتم بها والغرور يوقع المغرور فيما هو غافل عنه من الضّرر. ارجع إلى سورة فاطر الآية (٥) لمزيد من البيان، ولمعرفة الفرق بين الغُرُور والغَرُور. ﴿فَالْيَوْمَ﴾: الفاء استئنافية. ﴿لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾: لا النّافية، يخرجون منها (من النّار). ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾: تكرار (لا) يفيد توكيد النّفي، هم: يفيد التّوكيد، ولا يستعتبون: لا يُطلب منهم العُتبى وإذا هم طلبوا العتبى بأنفسهم لا يَستعتبون، لا يُطلب منهم وإذا طلبوا العتبى لا يؤذن لهم. يُستعتبون: من العتاب والعتاب مأخوذ من العَتْب، وأصله الغضب على رجل آخر صدر منه إساءة، أو شيء لم يكن متوقعاً منه، وبعد أن يهدأ الغضب إما أن تعتب على من أساء إليك، وتوضح له ما أغضبك، فربما له عذر أو أساء لك من غير قصد، فإن أوضح لك الأسباب وأرضاك فقد أعتبك. ارجع إلى سورة الرّوم آية (٧٥)، وارجع إلى سورة فصلت آية (٢٤) لمزيد من البيان. سورة الجاثية [٤٥: ٣٦] ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿فَلِلَّهِ﴾: الفاء استئنافية وتوكيد، لله: جار ومجرور يفيد الحصر، أيْ: له، له

стр. 4924

وحده الحمد، واللام لام الاختصاص والاستحقاق والحصر؛ لأن سياق الآية في الآخرة، وإذا قارنا هذه الآية بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] هذه الآية في سياق الدنيا. ﴿الْحَمْدُ﴾: حمداً مطلقاً غير مقيد بزمن؛ لأنّه هو وحده المستحق للحمد على الدّوام بسبب فضله وإنعامه، له الحمد لذاته وصفاته، ولأنّه رب السّموات ورب الأرض رب العالمين. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٢) لمزيد من البيان في الحمد. ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾: خالق السّموات ومدبرها. ﴿وَرَبِّ الْأَرْضِ﴾: خالق الأرض ومدبرها، عطف الشّيء على مرادفه يفيد التّوكيد، رب كلّ منهما على حِدَةٍ وربهما معاً، وهو رب العالمين. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: خالق عالم الملائكة والثّقلين عالم الجن وعالم الإنس. ورب كل شيء. سورة الجاثية [٤٥: ٣٧] ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ﴿وَلَهُ﴾: الواو عاطفة، له وحده، تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر والاختصاص والاستحقاق. ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾: له العظمة والجلال والكمال والسّلطان له الكبرياء؛ لأنّ له

стр. 4925

ملك حكم السّموات والأرض وله ما فيهما، فهو الإله الحق واجب الوجود الذي ظهرت آثار عظمته وكبريائه في كلّ أقطار السّموات والأرض. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿الْعَزِيزُ﴾: له العزة جميعاً عزة القوة وعزة الغلبة وعزة القهر والامتناع. ﴿الْحَكِيمُ﴾: الحكيم في شرعه، وتدبير خلقه وكونه فهو أحكم الحاكمين وأحكم الحكماء لا يخلق عبثاً . ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان.

стр. 4926

سورة الأحقاف [٤٦: ١] سورة الأحقاف ترتيبها في القرآن (٤٦)، وترتيبها في النّزول (٦٦). ﴿حم﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة للبيان. سورة الأحقاف [٤٦: ٢] ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة الزّمر للبيان. انظر كيف انتهت السّورة السّابقة، سورة الجاثية، بقوله: وهو العزيز الحكيم، ولتبدأ هذه السّورة بقوله: تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم؛ مما يدل على الترابط الوثيق بين نهاية السورة السابقة مع بداية السورة التالية، وكذلك الترابط بين بداية هذه السورة كقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ آية (٣)، مع نهاية هذه السورة، وهي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيىَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ آية (٣٣).

стр. 4927

سورة الأحقاف [٤٦: ٣] ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾: ﴿مَا خَلَقْنَا﴾: ما النّافية، خلقنا: بصيغة الجمع والتّعظيم والخلق: هو الإيجاد من العدم والخلق هو التّقدير. ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٣٠) وسورة فصلت آية (١٠ - ١١) وسورة الأعراف آية (٥٤) للبيان. ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: السّموات السّبع والأرض وما بينهما: قيل: هي الطبقة الغازية الّتي لا تعد من مكونات السّماء ولا الأرض. ارجع إلى سورة الفرقان آية (٥٩). ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: إلا للحصر، بالحق الباء للإلصاق والمصاحبة أو الملازمة، بالحق، والحق هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، أيْ: تسير على نظام ثابت لا يتغيَّر ولا تتبدَّل في دورانها وحركتها في فلكها، رغم هذه المليارات من المجرات والنّجوم والكواكب الّتي تجري بسرعات مختلفة وتدور حول مركز مجراتها. ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: هو يوم القيامة بعد هذا الأجل تتغيَّر وتزول، وتنتهي كما في قوله: ﴿تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾: أيْ: رغم هذه الأدلة القاطعة على قدرة الله وعظمته ووحدانيَّته، وأنّه الإله الحق الّذي يستحق أن يعبد ورغم إرسال الرّسل وإنزال الكتب السّماوية، الّذين كفروا عما: عن تفيد المجاوزة والمباعدة، ما: اسم موصول بمعنى الّذي، أي: الّذين كفروا عن الّذي أنذروا به معرضون أو عن إنذارهم معرضون.

стр. 4928

معرضون: لا يؤمنون به ولا يصدقونه والإنذار يعني: الإعلام مع التّحذير والتّخويف، والّذين كفروا عما أنذروا معرضون: إخبار فيه تعجُّب من إعراض الكافرين عن دعوة الحق إلى الإيمان والعمل الصّالح والنّجاة من العذاب وعدم الاستجابة لها. سورة الأحقاف [٤٦: ٤] ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السَّمَاوَاتِ ائْتُونِى بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: رغم هذه الأدلة القاطعة على قدرة الله تعالى وعظمته ووحدانيته مثل خلق السّموات والأرض وما بينهما وأنّه الإله الحق الّذي يجب أن يُعبد وحده، ها هم يشركون بالله ويجعلون له أنداداً؛ لذلك أخبر الله تعالى النبي ﷺ : أن يسألهم. ﴿قُلْ﴾: لهؤلاء الّذين أشركوا بالله تعالى. ﴿أَرَءَيْتُم﴾: الهمزة للاستفهام والتّقرير والتّعجُّب، الرّؤية رؤية قلبية، أيْ: أخبروني إخبار من له علم ودراية، أيْ: بالتّوكيد. ﴿مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: ما لغير العاقل (أو صفات العاقل) اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية، تدعون: تعبدون، من دون الله: من غير الله من الآلهة والأصنام. ﴿أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾: أروني توكيد لقوله: أرأيتم، ماذا للاستفهام أقوى في الاستفهام والتّوكيد من ما، ومن ابتدائية استغراقية، ماذا خلقوا: أيَّ شيء خلقوا من الأرض.

стр. 4929

﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السَّمَاوَاتِ﴾: أم للإضراب الانتقالي، شرك: نصيب ومشاركة في خلق أو ملك السّموات. ﴿ائْتُونِى بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾: أي هَلُمَّ بكتاب منزل من قبل القرآن فيه آية تشهد على ما تدَّعون أن الأصنام والآلهة شركاء لله. ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾: أيْ: بقية من علم السابقين؛ السّابقين تشهد بصحة عبادة الآلهة أو شيء مأثور من كتب الأولين بصحة عبادة الأصنام. ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن شرطية تفيد الشّك، كنتم: في دعواكم، صادقين: أن هذه الآلهة تستحق أن تعبد، وجواب الشّرط محذوف، وتقديره: أنتم غير صادقين. سورة الأحقاف [٤٦: ٥] ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾: في الآية السّابقة نفى الله سبحانه عن الآلهة والأصنام القدرة على الخلق أو الشّراكة في السّموات وفي الأرض، وفي هذه الآية ينفي عنها العلم: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ من الاستفهامية تحمل معنى النّفي والإنكار والتّعجب، أيْ: لا أحد أشد ضلالاً وأعجب حالاً. ﴿مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أيْ: يعبد غير الله أو يدعو معبوداً لا يستجيب له لدعائه أو قضاء حاجته، ولو انتظر إلى يوم القيامة؛ لأنّ هذه الآلهة لا تبصر ولا تسمع ولا تعقل لكونها حجارة أو معادن منحوتة بأيديكم. ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾: وصفهم بضمير العاقل تهكماً وتقريعاً لهم، عن:

стр. 4930

تفيد المجاوزة والمباعدة، عن دعائهم غافلون: أيْ: عبادتهم لا تجدي لهم نفعاً ولا ضراً؛ لأنّها أصناماً لا تشعر بهم ولا تعقل ولا تدرك من أفعالهم شيئاً. غافلون: جمع غافل تدل على الثّبوت والاستمرار. ارجع إلى سورة البقرة آية (٧٤) لمزيد من البيان في معنى الغفلة.

стр. 4931

سورة الأحقاف [٤٦: ٦] ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾: المناسبة: بعد نفي الخلق أو الشّراكة في السّموات والأرض ونفي العلم عن تلك الآلهة الّتي يعبدونها في الآيات السّابقة، يذكر في هذه الآية موقف هذه الأصنام من عُبادها يوم القيامة. ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث. ﴿حُشِرَ النَّاسُ﴾: يوم القيامة حشر العابدون والمعبودين أو التّابعون والمتبوعين والسّادة والرّؤساء والضّعفاء. ﴿كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾: كانت الأصنام لهم، لمن عبدها في الدّنيا أعداء جمع عدو، أعداء في كثير من الأمور أو العبادات والطّاعات، ولم يقل: عدوٌّ الّتي تعني: عدوّاً في أمر واحد. ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾: أي: الأصنام والآلهة تكفر وتكذب وتجحد بعبادتهم لها، أيْ: يتبرأ كلٌّ من الآخر. سورة الأحقاف [٤٦: ٧] ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: المناسبة: بعد نفي الشّركاء وإثبات عقيدة التّوحيد ينفي في الآيات التّالية الشّبهات حول القرآن الكريم ونبوة رسوله محمد ﷺ .

стр. 4932

﴿وَإِذَا﴾: ظرف زمان بمعنى حين وشرطية وتفيد حتمية الحدوث، وإذا سمع الّذين كفروا آيات القرآن: ﴿تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾: واضحة المعنى والدّلالة على أن القرآن حق والرسول ﷺ حق. ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾: اللام لام الاختصاص للحق؛ أيْ: للقرآن حين أنزل عليهم قالوا هذا سحر مبين؛ أي: افتراء وباطلاً. ﴿لَمَّا﴾: ظرفية زمانية بمعنى حين. ﴿جَاءَهُمْ﴾: أي: أنزل عليهم. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يفيد القرب، ويشير إلى القرآن. ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: اتهموا القرآن بالسّحر لشدة تأثيره في القلوب والأنفس، وكونه خارقاً للعادة، وسحراً واضحاً لا يخفى على أحد، أو سحراً ظاهراً لا يحتاج إلى بيِّنة أو دليل، ولتعريف السّحر ارجع إلى سورة طه آية (٥٨) للبيان. سورة الأحقاف [٤٦: ٨] ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِى مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: لم يكتفوا بالقول أو بوصف القرآن بأنّه سحر مبين، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، وقالوا أنّه مفترى والافتراء هو الكذب المختلق المتعمَّد: ﴿أَمْ﴾: المنقطعة أو للإضراب الانتقالي والهمزة للاستفهام والإنكار، وقد تأتي بمعنى: بل يقولون افتراه.

стр. 4933

﴿يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ﴾: أيْ: هو كذب اختلقه أو اخترعه محمّد ﷺ ، فردَّ الله عليهم بقوله تعالى: قل يا رسول الله لهؤلاء الكفرة: ﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾: إن شرطية تفيد الشّك. افتريته: جئت به من عندي. ﴿فَلَا﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، لا النّافية. ﴿تَمْلِكُونَ لِى مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: أيْ: لا تقدروا أن تردُّوا عني عذابه، أو سيعذبني وحدي وأنتم لا تملكون أيَّ وسيلة أو حيلة لدفع العذاب عني، من استغراقية، شيئاً: نكرة، أيَّ شيء لمساعدتي، ومهما كان حسياً أو معنوياً، والشيء: هو أقل القليل. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: هو للتوكيد تعود إلى الله سبحانه، أعلم على وزن أفعل للمبالغة، بما: الباء للإلصاق، ما: أي: الّذي أو مصدرية، تفيضون فيه: مشتقة من فاض الماء أيْ: سال منصباً، مندفعين بقول الباطل والخوض فيه والطّعن في القرآن وأنّه سحر وأنّه مفترى. ﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾: أيْ: كفى بالله شهيداً، ولم يقل: شاهداً، شهيداً صيغة مبالغة، أيْ: عالماً بما نخفي وما نعلن وبما هو ظاهر وباطن، أيْ: يكفي أن يشهد أنّ القرآن منزل من عنده وليس من عندي. وتقديم شهيداً على بيني وبينكم: جاء على الأصل، وإذا جاء الشيء على الأصل لا يُسأل عنه، وقد يؤخر كما في قوله تعالى في سورة العنكبوت آية (٥٢): ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾، وهذه الآية الوحيدة في القرآن أخَّر فيها شهيداً على بيني وبينكم. ارجع إلى سورة العنكبوت لبيان السبب في التأخير.

стр. 4934

﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: هو للتوكيد، الغفور: صيغة مبالغة كثير الغفر، أيْ: ستر الذّنوب ومحوها، الغفور لمن تاب من بعد ظلمه، الرّحيم بتأخير العذاب عن عباده لعلهم يدركون الحقيقة بالتدبر والتفكر ويتوبون إليه وينيبون. سورة الأحقاف [٤٦: ٩] ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ﴿قُلْ﴾: يا رسول الله للذين كفروا: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾: ما النّافية، وانظر كيف تكررت ما النافية في هذه الآية ثلاث مرات لتوكيد النفي، والإشارة أن رسول الله ﷺ هو رسول قد خلت من قبله الرسل، وأنه لا يعلم الغيب، وما هو إلا وحي يوحى، والأمر كله لله سبحانه؛ بدعاً من الرّسل: رسولاً جديداً أو مخترعاً شيئاً جديداً، أي: النّبوة، فقد سبقني الكثير من الرّسل إليها، ورسالتي هي إحدى الرسالات. ﴿وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ﴾: وما النّافية لتوكيد النّفي، أدري، ما: اسم موصول أو استفهامية، أي: وما أعلم الغيب إلا ما يوحى إلي، وما أدري: أعلم بأي وسيلة ما يُفعل بي ولا بكم في الدّنيا ولا في الآخرة، وما أدري ما سيحل بي أو بكم هل أبقى في مكة أو أخرج منها أو أقتل أو أموت، وهل ستعجل لكم العقوبة أو تمهلون. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ﴾: إن النّافية أقوى نفياً من ما، أيْ: ما أتبع إلا ما يوحى إليَّ إلا تفيد الحصر، أيْ: أتبع فقط ما يوحى إليّ من ربي، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النّجم: ٤ - ٥]، ولمعرفة معنى الوحي ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣).

стр. 4935

﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ما النّافية، أنا إلا أداة حصر، نذير مبين: الإنذار هو الإعلام من التّحذير والتّخويف إعلان مقترن بتهديد، نذير مبين: منذر لكلّ فرد منكم، مبين: تام الإنذار لا أخفي منه شيئاً، نذير صيغة مبالغة، أيْ: وكثير الإنذار، نذير لأمتي وللناس كافة ونذير لمن خالف منهج الله تعالى. لنقارن هذه الآية (٩) من سورة الأحقاف وهي قوله: ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، والآية (١١٥) من سورة الشّعراء وهي قوله: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: آية الأحقاف جاءت في سياق الدّعوة والحوار، وآية الشّعراء جاءت في سياق التحدي والمحاربة والتّكذيب للرسل، ولذلك استعمل (إن) الأشد نفياً من (ما) في سورة الشّعراء. سورة الأحقاف [٤٦: ١٠] ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ﴾: ارجع إلى الآية (٤) من نفس السّورة للبيان والخطاب موجَّه إلى الّذين كفروا وكذبوا بالرّسول ﷺ وبالقرآن. ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ﴾: إن شرطية، كان من عند الله: أي: القرآن على سبيل الحقيقة وليس الاحتمال والافتراض؛ أي: هو حق من عند الله تعالى. ﴿وَكَفَرْتُم بِهِ﴾: أيْ: واستمررتم وأصررتم على كفركم، جواب الشّرط محذوف، وتعني: من سيكون أشد منكم كفراً. ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾: قيل: هو عبد الله بن سلام، شهد على مثله: مثل القرآن شهد على مثل ما في القرآن في التّوراة،

стр. 4936

أيْ: نفس ما في التّوراة من علامات وبينات وحقائق في القرآن أو شهد أنّ القرآن منزل من عند الله تعالى، فآمن: الشّاهد عبد الله بن سلام أو غيره، واستكبرتم: أن تؤمنوا وتصدقوا به ألستم بظالمين. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٥٢) وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. ارجع إلى سورة فصلت للبيان. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ للتوكيد. ﴿لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: لا النّافية، يهدي القوم الظّالمين: الّذين اختاروا طريق الشّرك والضّلال وأصروا على ضلالهم وابتعادهم عن الدّين، ولم يعد هناك أمل في توبتهم وعودتهم إلى الإيمان، فهؤلاء انتهى أمرهم ولن يهديهم الله بعد ذلك. ارجع إلى سورة الجمعة آية (٥) لمزيد من البيان في معنى إن الله لا يهدي القوم الظالمين. سورة الأحقاف [٤٦: ١١] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الذين كفروا؛ قيل: هم قريش، وقيل: بنو عامر وأسد وأشجع وغطفان، والعبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب، أو يهود المدينة. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: اللام لام الاختصاص، أيْ: أسلموا مثل قبائل جهينة ومزينة وأسلم وغفار. ﴿لَوْ﴾: شرطية كان هذا القرآن أو الإيمان أو الإسلام.

стр. 4937

﴿كَانَ خَيْرًا﴾: شيئاً مفضلاً. ﴿مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾: أيْ: ما سبقنا إلى القرآن والإيمان والإسلام، هؤلاء أمثال بلال وعمار وصهيب وخباب وغيره من ضعفاء المسلمين. ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا﴾: ظرف للزمن الماضي، لم: النّافية، يهتدوا بالقرآن العظيم. ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾: الفاء عاطفة تربط السّبب بالمسبب، السّين للاستقبال القريب، أيْ: سيقولون عن قريب والنّون في يقولون للتوكيد. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب تشير إلى القرآن العظيم. ﴿إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾: كذب متعمَّد قديم أَفِكَه أناس غير محمّد، وجاؤوا به ومحمّد ﷺ عثر على ذلك الإفك أو تعلمه من غيره. سورة الأحقاف [٤٦: ١٢] ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾: الواو استئنافية، من ابتدائية، قبله: أيْ: قبل إنزال القرآن أنزلنا كتاب موسى، أي: التّوراة. ﴿إِمَامًا﴾: قدوة يؤتم به في دين الله كما يؤتم بالإمام. ﴿وَرَحْمَةً﴾: يجلب ما يَسُرُّ ويدفع ما يَضُرُّ، والرّحمة تعني: دفع الضّر (أي: الوقاية) من المعاصي والآثام. ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾: هذا: الهاء للتنبيه ذا اسم إشارة للقرب والتّعظيم ويشير إلى القرآن، هذا كتاب: أي: القرآن، وجاء بالنّكرة للتعظيم.

стр. 4938

﴿مُّصَدِّقٌ﴾: لكتاب موسى أو لما بين يديه من الكتب السّماوية السّابقة. ولم يقل: مصدقاً، وإنما مصدقٌ؛ لأنها نعت الكتاب، أو خبر ثان؛ أما لساناً: تعرب حال. ﴿لِسَانًا﴾: أيْ: بلغة. ﴿عَرَبِيًّا﴾: بلغة عربية توكيداً. ﴿لِيُنْذِرَ﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد، وينذر من الإنذار وهو الإعلام مع التّحذير والتّخويف. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: الّذين أشركوا وظلموا أنفسهم بالمعاصي وخرجوا عن منهج الله تعالى لينذرهم من عذاب عظيم. ﴿وَبُشْرَى﴾: من البشارة وهي الخبر السّار لأوّل مرة، بشرى لأهل الإحسان والتّقوى والإيمان. ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾: اللام لام الاستحقاق والاختصاص، المحسنين جمع محسن، ولمعرفة الإحسان وتبيانه، ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة، المحسنين: جملة اسمية تدل على ثبوت صفة الإحسان لهم. سورة الأحقاف [٤٦: ١٣] ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: ارجع إلى الآية (٣٠) من سورة فصلت للبيان. ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٨) من سورة البقرة.

стр. 4939

سورة الأحقاف [٤٦: ١٤] ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد تشير إلى علو منزلتهم. ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: من المصاحبة، أي: الملازمة. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: من الخلود: هو استمرار البقاء من وقت دخولهم إياها. ﴿جَزَاءً﴾: يكون مقابل العمل الصّالح أو السّيئ، أيْ: يأتي في سياق النّفع والضّر، وهو أعم من الأجر والأجر يكون مقابل عمل، ولا يستخدم إلا في النّفع. ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: الباء باء السّببية أو تعليلية، ما اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية، كانوا في الدّنيا يعملون (تضم الأقوال والأفعال).

стр. 4940

سورة الأحقاف [٤٦: ١٥] ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِى إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: ﴿وَوَصَّيْنَا﴾: كلفنا أمرنا من وصَّى فيها حثٌّ واهتمام. الفرق بين وصَّى وأوصى: وصَّى تستعمل لما هو أهم مثل أمور الدِّين والأمور المعنوية، وأوصى تستعمل للأمور المادية عادة، أيْ: طَالَب وأوصاه: طلب منه. ارجع إلى سورة النساء آية (١١) للبيان المفصل. ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾: الباء للإلصاق والملازمة، الوالدان: تطلق على الأب والأم بحكم الإنجاب؛ أي: الوالدة: من الولادة التي تقوم بها الأم، والوالد من الولادة، أما الأبوان: الأب والأم بحكم التّربية. ﴿إِحْسَانًا﴾: أعلى درجات البر والحُسن إحساناً: أمكن وأفضل من (حسناً) وتعني المعاملة الحسنة وزيادة، (حسناً): كلمة تجمع كلّ معاني الحُسن وأقل درجة من (إحساناً). ارجع إلى سورة النساء آية (٣٦)، وسورة البقرة آية (١١٢) لمزيد من البيان في معنى الإحسان. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾: كُرهاً: بضم الكاف: ما أكرهت نفسك عليه؛ لأنّك راغب في القيام به رغم أنّه شاق ومضنٍ، فالمرأة تفرح بالحمل وبولادة الولد رغم مشاق الحمل والآلام، ولا تمانع في الحمل فهو محبوب
следующие страницы →