Полный текст (5 934 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
فعليه إيفاء الدَين (وسمى ذلك أمانة)، والذي اؤتمن يعني: أو يشمل الّذي تسلَّم الرهان المقبوضة.
فواحد مأمون على الرهن، والآخر مأمون على الدَين.
لأنّه ليس هناك كتابة، ولا شهود، فعلى المدين إيفاء الدَين، وعلى الدائن إعادة الرهن.
﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾: كل واحد منهما ربه؛ أي: يخاف عقابه إن راودته نفسه بالمماطلة، والتأخير، أو الإنكار، أو التغيير، أو التحريف في تلك الأمانة.
﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: النّاهية، والخطاب موجَّه إلى الشهود.
﴿تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾: الشهادة: مصدر شهد من الشهود؛ بمعنى: الحضور، وهي الخبر بالشيء الواقع الّذي شهدته؛ أي: القاطع الّذي لا يتغير.
﴿تَكْتُمُوا﴾: من الكتمان، وهو السكوت عن ذكر الشّيء للعلن، والكتمان يختص بالأسرار والأخبار (أي: بالمعاني)، وأما الإخفاء فهو أعم، وغالباً ما يكون في الأشياء المادية الحسية والمعنوية.
وكتم الشهادة هو عقد النية؛ لترك أدائها؛ أي: إياكم أن تكتموا الشهادة إذا دعيتم إلى إقامتها.
﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا﴾: من: شرطية استغراقية.
﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.
﴿فَإِنَّهُ﴾: الفاء: للتوكيد، إنّه: لزيادة التّوكيد.
﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾: خصَّ القلب بالذكر؛ لأنّ الكتمان من عمل القلب،
стр. 527
والجوارح كلها خاضعة للقلب، وتتبع القلب؛ لذلك نسب الإثم إلى القلب، وليس إلى النفس، أو الذات، أو العبد.
أي: كاتم الشهادة سوف يعاقب على الذّنب العظيم، وفيه تهديد ووعيد لمن يكتم الشهادة، أو يقول الزور.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾: ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول بمعنى الّذي تعملون، أو مصدرية (وما أوسع شمولاً من الذي).
﴿تَعْمَلُونَ﴾: تضم الأقوال والأفعال، وقدَّم تعملون على عليم، ولم يقل: الله عليم بما تعملون؛ لأنّ السياق في الأعمال، وكتابة الدَّين، وأداء الأمانة.
﴿عَلِيمٌ﴾: ارجع إلى الآية (٢٨٢) من سورة البقرة للبيان.
سورة البقرة [٢: ٢٨٤]
﴿لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
﴿لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: ملكاً، وخلقاً، وحكماً، وتدبيراً.
فهو مالك لهنَّ، وما فيهنَّ، الكل ملكه، وتقديم الجار والمجرور.
لفظ الجلالة للحصر، والقصر، فلا مالك إلا هو، وهو المالك الحق، (ولم يقل: ما في السموات وما في الأرض لله).
﴿مَا فِى﴾: ما: اسم موصول، وهي مطلقة تشمل العاقل، وغير العاقل، ما في السموات السبع وما فيها من كواكب ومجرات ونجوم وغيرها، وما في الأرض وما فيها؛ أي: أنّ الله سبحانه هو الخالق، والمالك، والحاكم، والغني.
وتكرار (ما) في السموات، و (ما) في الأرض: يفيد التّوكيد، وفصل كل عن الآخر، أو كلاهما معاً.
لأنّ هناك أشياء موجودة في السماء، وليست في الأرض، أو أشياء موجودة في الأرض، وليست في السماء.
стр. 528
والظرف السموات، وما فيهنَّ هو المظروف.
والظرف الأرض، وما فيها هو المظروف.
﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة، إن: شرطية.
﴿تُبْدُوا﴾: من الإبداء، وإبداء ما في النفس هو إظهار ما يضمره العبد، سواء بالنطق، أو العمل به.
﴿مَا﴾: اسم موصول تفيد الشمول (كل شيء تبدونه من خير، أو شر صغير، أو كبير تنطقون به، أو تفعلونه في كل زمان، وفي كل مكان).
﴿فِى﴾: ظرفية زمانية ومكانية.
﴿أَوْ﴾: للتقسيم.
﴿تُخْفُوهُ﴾: من الإخفاء، ويشمل الكتمان، والسر، والكتمان يكون للمعنى، أو الأشياء المعنوية مثل كتم السر، أو الخبر، والإخفاء يكون للأشياء الحسية خاصة، والمعنوية أحياناً.
﴿مَا فِى أَنفُسِكُمْ﴾: ولم يقل: ما في نفوسكم؛ لأنّ الأنفس أقل من النفوس (النفوس تعني: كل نفس).
فيصبح المعنى: إن الله سيحاسب أنفساً، وليس كلَّ النفوس؛ لما تبديه، ولما تخفيه؛ أي: يعفو، ويفغر لمن يشاء، وسيحاسب من يشاء.
وهل يعني: سيحاسب الله كلَّ نفس على نوازعها الكثيرة الّتي تضم الهواجس (والخواطر، وأحاديث النفس، والوساوس، والهم؛ أي: النية والقصد، والعزم؟) الجواب: لا.
وما قاله الفقهاء في هذا: أنّ الوساوس، وأحاديث النفس، والخواطر لا
стр. 529
تدخل فيما ستحاسب عليه النفس، ولكن الّذي سيحاسب عليه الله سبحانه هو العزم، أو ما يُبدي الإنسان، وليس ما يُخفي؛ أي: حين يبدأ بفعل المعصية أو السيئة ولا رجعة بعدها.
﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: يستر من أراد مغفرته، (واللام في لمن: للتوكيد)، يستره بفضله.
﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾: يعاقب من أراد تعذيبه.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: على محاسبتكم، وجزائكم، ومغفرتكم، وعذابكم.
وفي هذه الآية قدَّم الإبداء (الإظهار) على الإخفاء، فقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾: للاهتمام، والمفروض من المؤمن أن يكون سرُّه كجهره، وليس كالمنافق الّذي يختلف ظاهره عن باطنه.
عن أبي هريرة قال: لما نزل على رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾: اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتوا رسول الله ﷺ ، ثم جَثَوْا على الرُّكب، فقالوا: أي: رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصّيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزل الله هذه الآية، ولا نطيقها، فقال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
فلما قرأها القوم وذلّت (لانت) بها ألسنتهم، أنزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾». رواه مسلم، وأحمد، وابن حبان.
سورة البقرة [٢: ٢٨٥]
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ
стр. 530
وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾: أولاً ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: آمنوا ثانياً بعد أن بلغهم الرسالة.
﴿كُلٌّ﴾: للتوكيد؛ أي: الرّسول ﷺ ، والمؤمنون.
﴿آمَنَ بِاللَّهِ﴾: (بأركان الإيمان). آمن بالله: هو الاعتقاد الجازم واليقين بوجوده وأنه الإله الحق وبواحدانيته وربوبيته وإلوهيته وأسمائه وصفاته بدون تحريف أو تعطيل أو تمثيل أو تكييف.
﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾: ارجع إلى الآية (١٧٧) من نفس السورة.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، والملازمة.
﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾: من الوحي والقرآن، إيمان عقيدة، وتصديق معاً، والمؤمنون كذلك آمنوا بكل أركان الإيمان.
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾:
﴿لَا﴾: النّافية، ﴿نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾: أي: نحن نؤمن بكل رسول ونبيٍّ، ونصدِّق أنّ كلاً منهم قد بلغ رسالته، وأنّ عقيدتهم واحدة (لا إله إلَّا الله)، والإسلام، وإن اختلفت الأحكام باختلاف العصور، ولا نؤمن ببعض الرسل، ونكفر ببعض، فالإيمان لا يتجزأ.
﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾:
﴿وَقَالُوا﴾: الرّسول والمؤمنون.
﴿سَمِعْنَا﴾: ما أُنزل إلينا من الوحي (القرآن)، وما شرعت لنا، واستجبنا.
стр. 531
﴿وَأَطَعْنَا﴾: ما أمرنا الله سبحانه به، وما نهانا عنه، وما أحلَّ لنا وحرَّم علينا، وما أمرتنا أنت به وما نهيتنا عنه، وما أحللت لنا وحرَّمت علينا.
﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾: تعني طلب المغفرة من الله فقط، ولا تستعمل إلا مع الله سبحانه؛ أي: اغفر لنا ربنا، أو نستغفرك ربنا، أو نسألك المغفرة، والمغفرة تشمل الستر مع العفو، والثواب على الأعمال الصالحة.
﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أي: إليك وحدك المصير (المنتهى)، المرجع؛ للمحاسبة والثواب.
سورة البقرة [٢: ٢٨٦]
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾:
في الآية السابقة قال سبحانه ما معناه: لن يحاسبكم على الوساوس، أو الخواطر، وأحاديث النفس، وفي هذه الآية: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
﴿لَا﴾: النّافية؛ أي: ينفي الله سبحانه أن يكلِّف نفساً إلَّا وسعها.
﴿يُكَلِّفُ﴾: لا يلزم، ﴿اللَّهُ نَفْسًا﴾: بأمر، أو عبادة، أو فرض، أو يأمرها بأي أمر تكليفي فوق قدرتها.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿وُسْعَهَا﴾: والوسع: هو القدرة + ما يستطيع القيام به من الزّيادة (التطوع).
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾: الكسب: فد يكون في الخير والشر؛ أي: ما أصابت من الخير، والكسب: هو جلب نفع أو دفع ضرر، اللام تفيد الاختصاص، والاستحقاق، ﴿مَا﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي وهي أعم شمولاً من الذي، أو مصدرية. الكسب: سواء لنفسه، أو لغيره، والكسب يتم من دون تكلف،
стр. 532
ويستعمل في الخير عادة؛ أي: لها ثواب ما عملت، أو كسبت من الخير، وقد يستخدم في الشر أحياناً من باب التهلكم أو السخرية.
﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾: اجتهدت في تحصيله من المعاصي على فيها معنى المشقة والعلوية، ﴿مَا﴾: اسم موصول؛ بمعنى الّذي، أو مصدرية، ﴿اكْتَسَبَتْ﴾: على وزن افْتَعَلَ، والاكتساب يكون على نفسه فقط، وفيه جهد، وافتعال، ومشقة، وتكلُّف، وتستعمل في الشر، وارتكاب المعاصي؛ أي: عليها وزرُ ما اكتسبت من الشر واجتهدت في تحصيله، وكل اكتساب كسب، وليس كل كسب اكتساباً، وقد وردت كلمة كسب أو اكتسب ومشتقاتها في (٦٧) في القرآن ووردت بصيغة الماضي والمضارع، وجاءت بمعان عدة منها: العمل، والجمع، والرشوة، وغيرها … ، ومنها كسب الصالحات، والسيئات، والأموال، ومنها: الخبيث، والطيب.
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾:
﴿رَبَّنَا﴾: لا تعاقبنا، ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال، والندرة، ﴿نَسِينَا﴾: من النسيان: هو ترك بغير اختيار الإنسان، ويختلف عن الغفلة التي هي ترك باختيار الغافل، والغفلة: اسم عام فكل نسيان غفلة، وليس كل غفلة نسيان؛ أي: الغفلة أعم من النسيان، وقيل: النسيان الغفلة عن الشيء مع انمحاء صورة أو معناه عن العقل أو الخيال بالكلية، وأما الغفلة عن الشيء فهي عدم حضور الشيء في الذاكرة أو الخيال؛ أي: انمحاء صورة أو معناه بشكل كامل أو مؤقت، والنسيان هنا يكون عن عمد أو يعني كذلك الترك العمد.
﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾: من الفعل الرباعي أخطأ؛ أي: ارتكب الخطأ بغير عمد واسم الفاعل المخطئ فهو المرتكب الخطأ من دون قصد وتعمد، فالخاطئ يعلم الصواب ويتعدّاه، أما المخطئ فلا يعلم الصواب، وأما الفعل الثلاثي خطِئ بكسر الطاء: وهو الذي يتعمد الخطأ، أو يقع في الذنب وهو يعلمه كقوله تعالى: ﴿إِنَّكِ
стр. 533
كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩]، وفاعل خطِئ مخطئ، فقالوا الفعل الثلاثي خطِئ (خاطئ) في العمد، والرباعي أخطأ (مخطئ) في غير العمد، وهناك من العلماء من قال كلاهما يستعمل في العمد وغير العمد، أو في غير العمد، وهناك من قال الخاطئ من أراد فعلاً لا يحسنه ففعله، والمخطئ من أراد فعلاً يحسنه فوقع منه غيره.
لأنّ النسيان، أو الخطأ الناتج عن السَّهو، ومن دون تعمد، أو قصد: لا إثم عليه أصلاً.
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾:
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا﴾: من التحميل، والتحميل: لا يكون إلَّا لما يستثقل من التكاليف الشاقة والقيود، أما التكليف فقد يكون لما لا ثقل له من التكاليف مثل: الاستغفار، والتسبيح، والذِّكر، فكل ذلك تكليف وليس تحميلاً.
﴿عَلَيْنَا﴾: تفيد الاستعلاء والمشقة.
﴿إِصْرًا﴾: الإصر: الأمر الغليظ الصعب؛ أي: التكاليف الشاقة، والقيود، والإصر: يطلق على العهد الثقيل، وما كان ناتج عن يمين موثق.
﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾: الكاف: كاف التشبيه، ﴿حَمَلْتَهُ﴾: فرضته، وحملته ﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾: أمثال بني إسرائيل، وغيرهم مثل الزكاة بربع المال، والتوبة لا تقبل، والطهارة إلَّا بقطع مكان النجس، وإحراق الغنائم، وتحريم شحوم الأغنام، والبقر، وغيرها من الأحكام.
ما الفرق بين الإصر والوزر: الإصر: هو التكاليف الشاقة والقيود في العبادات، والطاعات، أو العهد، أو اليمين المؤكد مثال: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى﴾ [آل عمران: ٨١].
стр. 534
والوزر: الذّنب، أو الإثم، وأصل الوزر: الحمل الثقيل على الظهر، واستعير للذنب؛ لأن الذّنب له ثقل مثال: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]، ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢].
﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا﴾: من العقوبات، والمصائب، والكوارث، والصواعق، والابتلاءات ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.
فهم دعوا ربَّهم الإعفاء من التكاليف الشاقة في العبادات، والإعفاء من الكوارث الكونية، والمصائب والبلايا.
﴿مَا﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، لا: نافية للجنس.
﴿طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: الطاقة: هي الوسع + المقدرة (غاية مقدرة القادر).
﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: من العبادات، أو الأعمال الشاقة.
﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾:
﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾: العفو: هو ترك العقوبة على الذّنب؛ أي: لا تعاقبنا على ذنوبنا.
﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾: استر ذنوبنا، ولا تفضحنا، وائتنا ثواب أعمالنا الصالحة.
وستر الذّنب يعني: إسقاط العقوبة؛ أي: العفو، فالمغفرة = العفو + استحقاق الثواب (إيجاب الثواب)، وتعني: لا تطرح سيئاتنا من حسناتنا، وأعطنا الثواب كاملاً.
﴿وَارْحَمْنَا﴾: جنبنا وأبعدنا عن الذّنوب، وارحمنا مشتقة من الرّحمة: وهي جلب ما يسر ودفع ما يضر، والرحمة تعني: إيصال النعمة؛ أي: أنعم علينا.
﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾: ﴿أَنْتَ﴾: تفيد التّوكيد، أنت وحدك ﴿مَوْلَانَا﴾: مالكنا، ومتولي أمورنا، وناصرنا.
стр. 535
﴿فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: للحدِّ من فسادهم وعبثهم في الأرض، أو حتّى يتبيَّن لهم الحق، والهدى، والنصر: لا يعني النصر بالقوة، والسلاح فقط، بل بالحجَّة، والسلطان، وإظهار أمر الله (الإسلام) ولو كره الكافرون.
لو عكسنا الآية تكون كما يلي: ارحمنا (أبعدنا عن الذنوب)، واغفر لنا (استر ذنوبنا، ولا تفضحنا إذا ارتكبناها)، واعف عنا (لا تعاقبنا عليها).
فضل هاتين الآيتين:
روى البخاري، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه».
واختلف في معنى كفتاه: قيل: أجزأتاه عن قيام الليل، أو قيل: كفتاه أجراً وفضلاً، وقيل: كفتاه من كل شيطان، أو من كل آفة.
وما رواه الإمام أحمد، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهنَّ نبيٌّ قبلي».
وما رواه مسلم، عن ابن عبّاس ﵄ قال: «بينما رسول الله ﷺ وعنده جبريل؛ إذ سمع نقيضاً فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء، ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك، فأتى النّبي ﷺ ، فقال له: أبشر بنورين قد أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفاً منهما إلَّا أوتيته».
стр. 536
سورة آل عمران [٣: ١]
سورة آل عمران
ترتيبها في القرآن (٣) وترتيبها في النزول (٨٩) نزلت بعد سورة الأنفال.
وتسمى سورة البقرة، وآل عمران بالزَّهْرَاوَين
﴿الم﴾:
ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة؛ للبيان.
سورة آل عمران [٣: ٢]
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾:
﴿اللَّهُ﴾: هو الاسم الأعظم الذي تفرد به الحق سبحانه، واختصه لنفسه، وقدَّمه على سائر أسمائه الجامع لجميع صفات الكمال الإلهية، فهو يدل على المعبود، ولا معبود إلا هو، وكل اسم من أسمائه جل وعلا نعت له (أي: صفة له). ارجع إلى سورة الفاتحة آية (١) لمزيد من البيان.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: ﴿لَا﴾: النافية للجنس. ﴿إِلَهَ﴾: معبود بمعنى مألوه على وزن مفعول؛ أي: لا معبود ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿هُوَ﴾: ضمير متصل يفيد التوكيد والحصر.
﴿الْحَىُّ﴾: الواجب الوجود، الباقي الدائم من أزل الأزل إلى أبد الأبد؛ أي: الباقي أولاً وأبداً، والأزل: هو دوام الوجود في الماضي، والأبد: هو دوام الوجود في المستقبل.
стр. 537
﴿الْحَىُّ﴾: واهب الحياة، والحي اسم جامع لصفات الذات؛ كالسميع، والبصير، والعليم، وغيرها.
الحي الذي لا ينام ولا يموت: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، ولا يزول، ولا يحول.
﴿الْقَيُّومُ﴾: دائم القيام بتدبير خلقه، وكونه، وملكه، وعرشه، القائم بذاته، وعظمته، وصفاته، والغني عن خلقه، لا يقوم شيء إلا به، السيد المدبر الحافظ للعالم بكل الأحوال، والأمور، وهو سبب وقوام لكل ما سواه.
والقيوم تعني: كامل التدبير، والقيوم اسم جامع لكثير من أفعال الله سبحانه؛ كالخالق، والبارئ، والمصور، والرزاق.
وقيل: الحي القيوم: اسم الله الأعظم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥٥)؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [٣: ٣]
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾:
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: نزل على وزن فعّل، وتدل على كثرة التنزيل، وإنه منزل منجماً (مفرقاً) في ثلاث وعشرين عاماً.
﴿عَلَيْكَ﴾: يا محمد ﷺ .
﴿الْكِتَابَ﴾: يقصد به القرآن في هذه الآية، يسمى الكتاب؛ لكونه مكتوباً في السطور، وفي اللوح المحفوظ، وجاء بـ (ال) التعريف؛ للدالة على الكمال؛ أي: الكتاب الكامل التام.
والكتاب (القرآن) له نزولان:
نزول أول: أنزل جملة واحدة (دفعة واحدة، أو مرة واحدة) من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، أنزل في ليلة القدر في شهر رمضان ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
стр. 538
نزول ثان: منجماً؛ أي: مفرقاً؛ كقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦].
نزل به جبريل ﵇ في ثلاث وعشرين سنة حسب الأحداث والوقائع والحاجة على رسول الله ﷺ منذ بعثته إلى وفاته.
فعندما يقول: أنزل؛ أي: جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وعندما يقول: نزل منجماً متفرقاً (أي: بالتدرج) نزل على رسول الله ﷺ خلال (٢٣) سنة.
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾؛ أي: أنزله الله سبحانه، وأنزل مقصورة على الله سبحانه، وتعني: مصدر الإنزال من الله سبحانه؛ أي: هو المنزل.
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾؛ أي: جبريل ﵇.
﴿نَزَلَ بِهِ﴾: به: تعود على الكتاب؛ يقصد به القرآن في هذه الآية، فكلمة نزل: قد تنسب إلى جبريل ﵇، وتعني: آلية النزول، وطريقته. ارجع إلى الآية (٤) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ﴾: كلمة عليك يستعملها بمعنى التشريف، وفي سياق الأمور الخاصة، والعبادة، وعلى: تعني: العلو، والمشقة، فالقرآن نزل على الرسول ﷺ من أعلى؛ أي: من جهة واحدة، هي السماء العليا.
وأما كلمة نزل إليك: إليك: يستعملها في سياق الدعوة، والتبليغ، والتعميم، وإلى تقيد الانتهاء؛ أي: انتهاؤه إلى عامة الناس، والغاية من الإنزال: هو أن ينتهي إلى أيدي الناس ليقرؤوه.
وإلى: لا تعني جهة معينة، فالكتب تنزل على الرسل أولاً، وتنتهي إلى أممهم، عليك: تشير إلى البداية، وإليك: تشير إلى النهاية.
والخلاصة: إذا كان القصد، أو السياق، والنهاية إلى الناس يستعمل إليك.
стр. 539
﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: للإلصاق، والملازمة؛ أي: ملازمة للحق، فالكتاب: هو الحق، والحق هو الكتاب.
والحق: هو الأمر الإلهي الثابت الذي لا يتغير.
﴿مُصَدِّقًا﴾: موافقاً. اسم فاعل من صدق؛ أي: موافقاً لما سبقه من الكتب السماوية، لا يخالفها في القضايا العقدية، والإيمانية، والنبوَّة.
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: من الكتب السماوية؛ كالتوراة، والإنجيل.
﴿لِمَا﴾: (اللام - ما) اللام: للتوكيد، ما: اسم موصول يستعمل في المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث.
﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾: أنزل التوراة جملة واحدة على موسى ﵇، وأنزل الإنجيل جملة واحدة على عيسى ﵇.
﴿التَّوْرَاةَ﴾: الكتاب الذي أنزل على موسى، والتوراة كلمة عبرية؛ تعني: الشريعة، والتوراة: تشتمل على خمسة أسفار: هي سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر اللاويين، وسفر العدد، وسفر تثنية الاشتراع، ويظن اليهود أن موسى هو الذي كتبها، ويسميها النصارى العهد القديم.
﴿وَالْإِنجِيلَ﴾: الكتاب الذي أنزل على عيسى، والإنجيل كلمة يونانية، معناها: البشارة، وهو ما أوحاه الله تعالى إلى عيسى ﵇، ويسمى العهد الجديد.
ويشمل أربعة أناجيل: هي إنجيل متى، ويوحنا، ومرقس، ولوقا.
ويشمل على تعاليم المسيح عيسى ابن مريم ﵇، وأعمال الحواريين.
وهي أناجيل كتبت بعد زمن طويل من وفاة المسيح ﵇.
стр. 540
سورة آل عمران [٣: ٤]
﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾:
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: إنزال القرآن؛ أي: أنزل الله سبحانه التوراة، والإنجيل من قبل نزول القرآن هُدى للناس.
﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾: اللام: في كلمة الناس للاختصاص؛ أي: أنزلنا التوراة، والإنجيل، والقرآن من أجل هدايتهم.
﴿هُدًى﴾: نكرة تشمل كل أنواع الهداية التي يحتاجونها في حياتهم الدنيا، هدى لهم للخروج من الظلمات إلى النور، وهدى للوصول إلى الصراط المستقيم، أو الصراط الحق الموصل إلى الغاية.
﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾: وأنزل ما يفرق بين الحق، والباطل، والحلال، والحرام، والهدى، والضلال بالدلائل، والآيات والبراهين في هذه الكتب جميعها.
فالقرآن، والتوراة، والإنجيل وصفها الله بأنها الفرقان؛ لأنها كلها نور من الله تفرِّق به، وتميِّز بين الحق والباطل.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾:
المناسبة: بعد ذكر إنزال الكتب السماوية هدى للناس، وما فيها من الفرقان فما مصير الذين كفروا بآيات الله؟ إن لهم عذاباً شديداً.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: ﴿كَفَرُوا﴾: جحدوا، ولم يصدقوا بآيات الله. الآيات المنزلة في كتبه، والآيات الكونية، والمعجزات التي أنزلها على رسله. الباء: للإلصاق، والملازمة.
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: في الدنيا والآخرة. عذابٌ: نكرة يشمل كل أنواع العذاب،
стр. 541
وهو عبارة عن عقوبة قد تكون في الدنيا أو الآخرة، والعذاب أوسع من العقاب، ولم يرد في القرآن أن الله سريع العذاب.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾: قوي لا يُغلب، ولا يُقهر، ولا يضره، ولا يناله أحدٌ بسوء، فله العزة جميعاً عزة الامتناع، والقوة، والغلبة، والقهر.
﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾: ذو انتقام من أهل الكفر، والانتقام: يعني: العقوبة والجزاء على أعمالهم؛ أي: يعاقب ويجازي الناس على أعمالهم.
﴿ذُو﴾: أشرف وأبلغ في الثناء، والمعنى من صاحب. ارجع إلى سورة الأنبياء، آية (٨٧)؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [٣: ٥]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ﴾: ﴿لَا﴾: النافية للجنس، ﴿يَخْفَى﴾: عليه شيء: لا يعزب، ولا يغيب عنه مثقال ذرة في السموات، ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر، ولا تخفى عليه خافية في الكون من أقوال، أو أفعال خلقه، أو مخلوقاته.
﴿شَىْءٌ﴾: أقل القليل، شيء نكرة؛ أيُّ شيء مهما صغر، ودق، أو كبر حجمه، وأي نوع.
﴿فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ﴾: ﴿فِى الْأَرْضِ﴾: ظرفية تعني: الأرض ذاتها، وما فيها؛ وتعني: كل زمان، وتكرار لا تفيد التوكيد، وتفيد كلاً على حدة، السماء لوحدها والأرض لوحدها، وكليهما معاً.
والسماء: تعريفها كل ما علاك، وتشمل السموات السبع وما فيهن.
وفي هذه الآية تحذير لكل كافر بآيات الله .
стр. 542
سورة آل عمران [٣: ٦]
﴿هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد الحصر والتوكيد.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول.
﴿يُصَوِّرُكُمْ فِى الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: أي: يخلق الناس في صور مختلفة متميز بعضها عن بعض في الصفات والأشكال والألوان، وكل ذلك ناتج الصفات الوراثية التي تقدر (٢٥ - ٣٠) ألف صفة وراثية، ويتم ذلك عند خلق الجنين، فقوله: ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِى الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾؛ يعني: يختار لكم الصفات الوراثية بحيث لا تجدوا إنساناً يشبه إنساناً آخر، منذ آدم إلى قيام الساعة، وهذا دلالة على طلاقة قدرته الخلقية الدالة على عظمته.
﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾: بتغيير الصبغيات، والجينات والمحفظة الوراثية.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ﴿لَا﴾: النافية، ﴿إِلَهَ﴾: معبود، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التوكيد، ﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي الذي لا يُغلب، ولا يقهر، ولا يناله أحد بسوء، وعزيز المنعة، والغلبة، والقوة، ﴿الْحَكِيمُ﴾: في تدبير خلقه، وكونه، وتشريعه، وصنعه، وأحكامه القدرية، والشرعية، والجزائية، أحكم الحكماء، يؤتي الحكمة من يشاء، لا يخلق شيئاً عبثاً، والحكيم مشتقة من الحكم؛ فهو الحاكم، ومشتقة من الحكمة؛ فهو أحكم الحكماء، وأحكم الحاكمين.
سورة آل عمران [٣: ٧]
﴿هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾:
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد الحصر والتوكيد.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التعظيم.
﴿أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: ارجع إلى الآية (٣).
стр. 543
﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾: آيات الفرائض، والحدود، وآيات الأحكام كلها، والأسرة، والطلاق، والزواج، والعبادات، وآيات الأمر، والنهي، والحلال، والحرام.
﴿آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾: واضحة المعنى، ظاهرة الدلالة، لا تحتمل التأويل والاشتباه، ولا يختلف فيها الناس، ولا تتغير ولا تتبدل، ولا تحتمل إلا معنى واحداً، وهي عماد الدِّين، أو أصول علم الفقه، ارجع إلى سورة هود، آية (١)؛ لمزيد من البيان.
أمثلة على الآيات المحكمة: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، ومعنى هذه الآيات واضح وجلي.
﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: أم الكتاب؛ أي: الأصل؛ لأن أم كل شيء أصله.
ومما ذكر، أو كتب في أم الكتاب لا يتغير، ولا يتحول، ولا يقع فيه محو، أو تغير.
وأما ما ذكر في اللوح المحفوظ يمكن أن يتغير، ويتبدل؛ لقوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.
﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: لها معانٍ كثيرة متشابهة، أو متعددة، خفية وظاهرة.
مثل أمور الغيب، وفواتح السور: وهي آيات الاعتقاد، والقدر.
وتتعلق بصفات الله تعالى.
نسلم بها كما جاءت، وغير مسؤولين عن تأويلها.
وأفضل ما نقول فيها ما قاله الله تعالى ونسكت.
أمثلة: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾.
стр. 544
والقرآن وصف كله بالتشابه، ووصف كله بالإحكام، فقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِىَ﴾ [الزمر: ٢٣].
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾:
﴿فَأَمَّا﴾: الفاء: استئنافية، أما: حرف شرط وتفصيل.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول.
﴿فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: الزيغ: هو الميل عن الحق، بسبب الأهواء، والشهوة، أو الشبهة، أو الفتنة، والزيغ: مشتقة من تزايغ الأسنان؛ أي: اختلاف منابتها، فتظهر خارجه، أو داخله.
في قلوبهم مرض الزيغ.
والزيغ: مرض يطرأ على القلوب التي تخلق لا زيغ فيها؛ لأنها تخلق على الفطرة السليمة، وما يجعلها تزيغ هي الأهواء، والشهوات.
﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾: يتخذون الآيات المتشابهات وسيلة للطعن، أو يعطلون صفات الله، أو يحرفونها؛ ليخدموا شهواتهم، وأهواءهم.
﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: أي: يتبعون الزيغ طلباً لفتنة المؤمنين في دينهم، ومعتقداتهم، وليضلوا عقول الذين يضلونهم، وإثارة للشبهة، والتناقض، وتشكيك المؤمنين بدينهم، والتلبيس عليهم.
والفتنة: هي أشد الابتلاء، والاختبار، وتكون في الخير والشر، وأصلها مشتق من فتنة (عرض) الذهب على النار ليميز الجيد من الرديء، ولها معانٍ كثيرة، ومختلفة؛ منها: الكفر، والشرك، والأذية (أذى الناس)، والقتل، والأسر، والضلالة، والزيغ، والعدول عن الحق والصراط، وتعني: الحجة، والمعذرة،
стр. 545
والتعذيب في النار، أو غيره، والوقوع في المعاصي، والنفاق، والعذاب، والصد عن سبيل الله، وغيرها.
﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾: طلباً للتأويل، وهو التحريف؛ ليوافق معتقداتهم الفاسدة، كما في تأويلهم خاتم النبيين: يقولون: إنه الخاتم الحقيقي الذي في الإصبع، وليس هو آخر النبيين، فهناك أنبياء سيأتون من بعده.
والتأويل: هو نقل ظاهر اللفظ إلى دلالة أخرى، أو معنى آخر، ولا يجوز التأول كيف نشاء وله شروطه.
أما التفسير: فهو كشف المراد من اللفظ، أو المعنى، أو الآية.
﴿وَمَا﴾: الواو: حالية؛ تفيد التوكيد، ما: نافية؛ لنفي الاستمرار، نفي مستمر.
﴿يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾: أداة حصر؛ أي: الله وحده سبحانه هو الذي يعلم تأويل المتشابه.
﴿وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ﴾: جمع راسخ، ورسوخ الشيء في الشيء ثبوته؛ أي: أتقنوا علمهم بلا شك ولا لبس، والقادرون على تأويله يعلمون المحكم والمتشابه، ويعلمون الشيء بدلائل كثيرة، ويعرفون أصل الشيء، ومن المفسرين من يقف على قوله إلا الله: ويفسرون المتشابه لا يعلمه إلا الله وحده ويبتدئ والراسخون في العلم يقولون، ومن المفسرين مَنْ عطف الراسخين في العلم على الله تعالى؛ أي: الله سبحانه، والراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه، ونتيجة علمهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (نؤمن به جميعاً).
وفي كلا الحالتين: إن علموا تأويله وحكمته، قالوا: آمنا به كلٌّ من عند ربنا (نؤمن بالمحكم والمتشابه جميعاً)، وإن لم يعلموا تأويله، وحكمته قالوا: آمنا به كلٌّ من عند ربنا، النهاية نفسها.
وهناك من المفسرين من قال: إن من المتشابه في القرآن ما هو حقيقي، لا
стр. 546
يعلمه إلا الله سبحانه؛ كقوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، أو كيف ينزل إلى السماء الدنيا، ومن المتشابه ما هو نسبي، والراسخون في العلم قادرون على تأويله، وإرجاعه إلى ما جاء في المحكم.
وقيل: الراسخ: هو الثابت المتمكن في العلم.
﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾؛ (أي: المحكم والمتشابه)، ﴿كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: المحكم من عنده، والمتشابه من عنده، لا يتناقض كلامه، ولا يختلف كتابه.
﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: ما: النافية، يذكر: أصلها يتذكر؛ أي: لا يغفل، ولا ينسى ذلك، أولو العقول النيرة الذين أسلموا وجوههم لله.
أولو التفكير، والتدبير، والحكمة، أو الصفوة من المؤمنين.
واللب: منطقة التفكير، والتدبر في العقل (وسموها قديماً باطن العقل).
وجاء تعريفهم في القرآن في سورة الزمر، آية (١٨): ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ (القرآن والسنة) ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (المحسنين) ﴿الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾. ارجع إلى الآية (١٧٩)، والآية (١٩٧) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [٣: ٨]
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾:
﴿رَبَّنَا﴾: منادى محذوف منه ياء النداء، وهي الياء التي تفيد البعد، ولم يقولوا: يا ربنا؛ لأن الرب قريب جداً، ولا يحتاج إلى ياء النداء، فهو أقرب إلينا من حبل الوريد بعلمه .
﴿لَا﴾: الناهية، وحاشا الله أن يُنهى.
﴿تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾: تزغ من الزيغ، وهو الميل عن الحق (ارجع إلى الآية: ٧)، والفرق بين الميل والزيغ: أن الميل عام في الحق والباطل، والمحبوب والمكروه، أما الزيغ: خاص بالحق.
﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان.
стр. 547
﴿إِذْ﴾: ظرف زمان، بمعنى حين، وللتعليل.
﴿هَدَيْتَنَا﴾: أرشدتنا لدينك، وهديتنا للإسلام الحق.
ثم ذكر تتمة دعاء هؤلاء الراسخين في العلم:
﴿وَهَبْ﴾: من الهبة: والهبة: كل عطاء بلا مقابل، ومقتضى التمليك فيه تمليك؛ (أي: إذا وهبته ملكته)، وكل عطاء من الله هبة، والهبة عطاء من وراء الأسباب، وعطاء ليس حقاً للعبد، والهبة: قد تكون هبة في العطاء، أو هبة في المنع.
﴿لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾: فيها تقديم من لدنك على رحمة بدلاً من قوله: رحمة من لدنك، فيها تقديم لذات الله على الرحمة.
﴿رَحْمَةً﴾: نكرة تشمل كل رحمة مثل الغنى والصحة.
ولم يقل: منك، فمن لدنك خاصة بالمؤمنين فقط، أما لو قال: رحمة منك فهي رحمة عامة تشمل المؤمن والكافر.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾: إنك: للتوكيد، أنت: ضمير فصل يفيد زيادة التوكيد، الوهاب: المنعم على العباد، والذي يهب بلا عوض، ولا حساب، واهب النعم الظاهرة والباطنة، وكثير النعم، دائم العطاء، شمل بره وكرمه سائر مخلوقاته.
الوهاب: صفة مشتقة فيها مبالغة لاسم الفاعل من فعل وهب.
سورة آل عمران [٣: ٩]
﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾:
﴿رَبَّنَا﴾: ارجع إلى الآية (٨).
﴿إِنَّكَ﴾: إن للتوكيد.
﴿جَامِعُ النَّاسِ﴾: الأولين والآخرين، الإنس والجن، وأهل السماء وأهل الأرض، والظالم والمظلوم، وكل نبي وأمته، جامع الناس للحساب والجزاء.
﴿لِيَوْمٍ﴾: اللام: لام التوقيت (الدخول)، وهذا يدل على الاستقبال، يوم:
стр. 548
يوم القيامة، يوم الجمع، يوم التغابن، يوم الحشر، وقد تكون اللام في كلمة (ليوم): لام التعليل؛ أي: لأجل ذلك اليوم؛ للدلة على تهويله وعظمته.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا: النافية، ريب: يعني: الشك والتهمة، فيه: ظرفية في زمن حدوثه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: إن: توكيد، الميعاد: يطلق على الزمان (وهو يوم القيامة)، والمكان (أرض المحشر)، إنك لا تخلف الزمان، ولا المكان، إنك جامع: اسم الله الجامع؛ أي: الذي جمع الكمالات كلها في ذاته، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله، والذي يجمع الأولين والآخرين، جامع الخلائق يوم الحشر.
انتبه:
أولاً: هم يخاطبون الله إنك، ثم قالوا: إن الله لا يخلف الميعاد، بدلاً من إنك لا تخلف الميعاد كما ورد في الآية (١٩٤) في نفس السورة، الانتقال من صيغة الخطاب إلى الغيبة؛ للفت الانتباه، وكذلك إن الله لا يخلف الميعاد: خبر من الله تعالى، بينما إنك لا تخلف الميعاد في سياق الدعاء، وقوله إنك بصيغة المخاطب أقوى وأبلغ من صيغة الخبر.
ثانياً: إلى الفرق بين الميعاد، والمعاد: ميعاد: من الوعد، وقت الوعد؛ أي: زمنه ومكانه.
أما المعاد: من عاد يعود، اسم مكان، ومعاد الرجل: عودة الرجل إلى مكانه، يذهب إلى البلاد الأخرى، ثم يعود إلى بلده.
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]؛ أي: إلى مكة. ارجع إلى سورة القصص آية (٨٥) لمزيد من البيان.
стр. 549
سورة آل عمران [٣: ١٠]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ﴾: لنفي المستقبل القريب، والمستقبل البعيد.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٦).
﴿تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم﴾: لن: تقيهم أموالهم من عذاب الله، أو تنفعهم يوم القيامة، ولا أولادهم، وتكرار لا: (أداة النفي) تفيد: توكيد النفي، وتكرار (لا) تفيد لا أموالهم لوحدها، ولا أولادهم لوحدها، ولا كلاهما معاً تغني عنهم.
وقدم الأموال على الأولاد؛ لأن الكل يملك المال، وليس الكل يملكون أولاداً.
﴿مِنَ﴾: ابتدائية، استغراقية.
﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: أي: من عذاب الله.
﴿شَيْئًا﴾: نكرة، والشيء: أقل القليل، والشيء كل ما يعلم ويخبر عنه سواء أكان حسياً أم معنوياً.
﴿وَأُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يفيد البعد.
стр. 550
﴿هُمْ﴾: ضمير فصل يفيد الحصر والتوكيد. ولو قال تعالى: وأولئك وقود النار لتم المعنى، وجاء بالضمير للتوكيد والقصر.
﴿وَقُودُ النَّارِ﴾: أي: يصورهم كالحطب حطب جهنم الذي تسعر به، وقود النار جملة اسمية تفيد الثبوت. وتشير إلى شدة العذاب والإهانة.
سورة آل عمران [٣: ١١]
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:
دأب هؤلاء الذين كفروا: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أمثال قوم نوح، وعاد، وثمود، ولوط.
الدأب: أي: الحال، والشأن، والدأب يعني: السعي المتواصل حتى يصبح كالعادة، ولكن هناك فرق بين العادة والدأب، فالعادة: تكون على ضربين: اختيار، أو اضطرار، بينما الدأب: لا يكون إلا اختياراً.
إذن: حال وشأن وتظاهر هؤلاء الكفرة (كفرة قريش، وبنو قريظة، وبنو النضير) على محمد ﷺ كحال وشأن وتظاهر آل فرعون على موسى ﵇، وغيرهم من الأقوام على رسلهم.
﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: جحدوا بها، ولم يؤمنوا بها، ويصدقوها، والكفر أشد من التكذيب (كذبوا بآياتنا التسع)، والذين من قبلهم مثل قوم صالح (كذبوا بالناقة) وغيرها من الآيات.
﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: أهلكهم الله تعالى، بذنوبهم: الباء: للإلصاق، والتعليل، أو البدلية، أو السببية، والأخذ: يكون بقوة وشدة، ويأتي بمعنى: العقاب والعذاب والهلاك.
﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: والعقاب من التعقيب، والمعاقبة التي تتلو الجرم،
стр. 551
أو الذنب، وسمي بالعقاب؛ لأن الفاعل يستحق العقاب عقب إجرامه، أو ذنبه. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢١١) لمزيد من البيان في العقاب والعذاب، وارجع إلى سورة الأنفال آية (٥٢)، والآية (٥٤) للمقارنة بين آيات آل عمران والأنفال.
سورة آل عمران [٣: ١٢]
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾:
﴿قُلْ﴾: يا محمد ﷺ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: اللام لام الاختصاص، الذين كفروا عامة كفار قريش بما فيهم يهود المدينة أمثال: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٦)؛ لمزيد من البيان.
﴿سَتُغْلَبُونَ﴾: السين: للاستقبال القريب؛ أي: ستغلبون عما قريب، (وكان ذلك) في بدر، وفي غيرها من الغزوات.
﴿وَتُحْشَرُونَ﴾: من الحشر: وهو الجمع مع السوق بعد البعث، والخروج من القبور.
﴿إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: جهنم: اسم من أسماء النار، وسميت بذلك؛ لكونها كريهة المنظر، الشيء المرعب المخوف مشتقة من الجهومة، أو لكونها بعيدة القعر. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) للبيان المفصل. وبئس: فعل لإنشاء الذم، بئس المهاد: ارجع إلى الآية (٢٠٦) من سورة البقرة؛ للبيان. المهاد: كالفراش، أو الموضع الذي يمهد للصبي، وجمعه: مُهد.
سورة آل عمران [٣: ١٣]
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِى فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِى الْأَبْصَارِ﴾:
﴿قَدْ﴾: حرف للتحقيق، والتوكيد.
﴿كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾: خاصة، اللام: لام الاختصاص، والكاف كاف
стр. 552
الخطاب موجَّهة إلى المؤمنين (أصحاب رسول الله ﷺ خاصة، والمؤمنين عامة، وكذلك موجَّهة إلى الكفار، واليهود، ولم يقل: قد كانت. الجواب: كل ما ليس بمؤنث حقيقي، يجوز تذكيره، أو تأنيثه. وأما تنكير آية فهو للتفخيم والتهويل.
الآية: العلامة الثابتة، أو الدلالة على صدق ما يقول رسول الله ﷺ ، وتذكير الآية بدلاً من تأنيثها؛ يدل على قوة الآية والتوكيد.
﴿فِى﴾: ظرفية زمانية ومكانية.
﴿فِئَتَيْنِ﴾: الفئة: وهي الجماعة التي يحمي وينصر أفرادهم بعضهم بعضاً وقت الحرب، أو الشدة، والفئة من الفيء وهو الرجوع.
فكل فرد من هؤلاء الجماعة لا يستطيع، أو يظن أنه قادر على يحمي نفسه إلا إذا فاء؛ (أي: رجع) إلى فئة كي تحميه.
فئتين: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (الفئة المؤمنة).
﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾: الفئة الكافرة التي تقاتل في سبيل الطاغوت والشيطان.
﴿الْتَقَتَا﴾: يوم بدر (غزوة بدر الكبرى).
﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ﴾؛ أي: يرونهم ومثليهم؛ أي: إذا كان عددهم ألفاً؛ فإنهم يرونهم ألفين.
ويرونهم مثليهم؛ أي: الفئة الكافرة ترى الفئة المؤمنة مثليهم في العدد وذلك حين بدأت المعركة، ومثليهم تعني مثلي عدد المؤمنين. ارجع إلى سورة الأنفال، آية (٤٣ - ٤٤)؛ لمزيد من البيان.
стр. 553
رأي العين: رؤية ظاهرة مكشوفة بالعين (رؤية معاينة)؛ أي: ليست رؤية قلبية.
﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: يؤيد: يقوي من أيده، بدون الأسباب العادية، ويعين بنصره من يشاء، كما أيد المؤمنين على عدوهم.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إن للتوكيد، في ذلك: اسم إشارة للبعد، وفيه معنى العلو إشارة إلى النصر في معركة بدر.
﴿لَعِبْرَةً﴾: الدلالة الموصلة، أو المؤدية إلى العلم: والعبرة الآية التي يعبر منها من منزلة الجهل إلى منزلة العلم، ومشقة من العبور عبر الوادي؛ أي: قطعة من شاطئ إلى شاطئ.
وسمي الاتعاظ عبرة؛ لأن المتعظ يعبر من الجهل إلى العلم، ومن الهلاك إلى النجاة.
الموعظة: ما يُنصح، أو يُذكر به من قول، أو فعل ففيها نصح، وتذكير بالعواقب، أو إرشاد.
﴿لِّأُولِى الْأَبْصَارِ﴾: ولم يقل: أولي البصائر.
الأبصار: جمع بصر؛ أي: من له عينان عليه أن يبصر بهما، ويرى المشهد؛ لأن الأمر أمر مشاهد ومحسوس.
والبصائر ذوي البصيرة؛ أي: العقول كيف نصر الله الأقلية المسلمة، وهزم الأكثرية الكافرة، وأنزل جنوداً لم تروها.
ولا ننسى ما ورد في هذه الآية من البلاغة المسمى فن الاحتباك حيث حذف
стр. 554
القول فئة (مؤمنة) تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت أو الشيطان.
سورة آل عمران [٣: ١٤]
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَئَابِ﴾:
﴿زُيِّنَ﴾: فعل ماض مبني للمجهول، المزين قد يكون هو الله سبحانه للابتلاء، والاختبار، والتزيين من الله هنا يقصد به الحض على الشهوات المنصوص عليها شرعاً؛ كالنكاح، والأبناء، فالله سبحانه زين لكل أمة عملها، وجعل على الأرض زينة ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وتزينه سبحانه لا يكون إلا لخير العبد أبداً.
أو المزين هو الشيطان بوسوسته؛ ليقود الإنسان إلى المعاصي، والآثام فهو يزين الشهوات المحظورة، والله سبحانه يزين للشهوات المباحة، وتزيين الشيطان لا يكون إلا في الشر، وليس لمصلحة العبد.
﴿لِلنَّاسِ﴾: تشمل الرجال والنساء، وعادة حين نقرأ هذه الآية نظن أن هذه الآية تخص الرجال فقط دون النساء؛ لأنه لم يذكر فيها اسم النساء؛ ولكنه سبحانه شمل ذلك في المعنى، فالآية تشير إلى الرجال، والنساء.
﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾: حُبُّ: الحب هو قيل القلب الدائم، والإقبال على أمر أو شيء في الخير أو الشر؛ الشهوات: جمع شهوة، وهي توقان النفس والميل إلى المشتهى، وليست من قبيل الإرادة، والشهوة تتعلق بما يلذ من المدركات بالحواس، وقد عددها الله سبحانه في الآية منها: النساء والبنين والمال والذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث.
стр. 555
﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾: من البعضية ابتدائية، النساء: ابتدأ بالنساء؛ لأن الشهوة إلى النساء تفوق الشهوة إلى البنين والمال.
﴿وَالْبَنِينَ﴾: ولم يقل الأولاد؛ أي: الذكور والإناث، أما البنين: الذكران، ولم يقل البنات؛ لأن حب الذكور مقدم على حب الإناث كما كان سائداً في الجاهلية، ومنهم من قال: البنين يشمل البنات، والبنين وكيف يأتون إلا عن حب الرجال للنساء، والنساء للرجال، ولم يصرح باسم النساء في هذه الآية، ولكنه ضمنها في كلمة الناس، والبنين، ومراعاة لشعور المرأة وحيائها.
﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾: القنطار هو (١٠٠ رطل)، وقيل: (١٠٠ ألف دينار).
قناطير مقنطرة: قناطير جمع قنطار المال الكثير، والمنضدة بعضها فوق بعض كالقنطرة.
والمقنطرة: صفة، أو نعت للقناطير.
والذهب والفضة ليس خاصاً بالرجال؛ فالنساء: هي التي تشتري الذهب والفضة؛ كزينة، وتشتهي الزينة، ولو كان لها من الزينة أكثر وأكثر.
﴿وَالْخَيْلِ﴾: جمع مفردها فرس، وسميت خيلاً؛ لاختيالها في مشيتها، وطول أذنابها. والخيل يقابلها في زمننا الحاضر وسائل النقل السيارات الفاخرة، والقوارب، وغيرها من وسائل النقل.
﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾: تسويمها؛ أي: حسنها، أو المعلمة، من السيماء، وهي العلامة، أو مروضة، أو فيها علامات كالغُرة، والتحجيل، وهذا حصان أغر، أو أدهم، أو أشقر، وكذلك المسومة ترعى حيث تشاء، وتأكل كما تشاء.
﴿وَالْأَنْعَامِ﴾: ثمانية أزواج من الضأن اثنين، ومن الماعز اثنين، والإبل
стр. 556
اثنين، ومن البقر اثنين، وتمثل في وقتنا الحاضر الأسهم التجارية، والعقارية، وغيرها.
﴿وَالْحَرْثِ﴾: الزرع، أو المزروعات، والثمار، والفاكهة، والنخيل، والأعناب، وتمثل الأراضي، والبساتين، والعقارات.
﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ذلك اسم إشارة للمذكور سابقاً، أو المتقدم ذكره من النساء والبنين والمال والخيل والحرث وغيره من متاع الحياة الدنيا: ما يتمتع به في الدنيا، ثم يفنى ومنه الطعام، وأثاث البيت، والسلعة، والأداة، والمال، والتمتع: هو كل ما ينتفع به، ويرغب في اقتنائه، والمتاع يطلق على القليل والكثير.
﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَئَابِ﴾: عنده: ظرف مكان، أو زمان، حسن المآب؛ أي: المرجع، وهو الجنة، فيه إشارة إلى التزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة والجنة. المآب: من آب؛ أي: رجع، حسن المآب؛ يعني: ما أعده الله تعالى لأوليائه من النعيم.
سورة آل عمران [٣: ١٥]
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾:
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾: الهمزة للاستفهام، والتشويق، وحين تسمع أنبئكم؛ تعني: من النبأ، والنبأ: هو الخبر الذي له شأن عظيم، أو الخبر ذو الفائدة العظيمة يحصل به العلم.
﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾: ذلك: اسم إشارة للبعيد إشارة إلى (النساء والبنين والقناطير المقنطرة) من الذهب والفضة، وغيرها. بخير من ذلكم: أي أفضل وأحسن.
стр. 557
﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾: الفردوس، النعيم، جنات عدن، جنات المأوى، للذين: اللام: لام الاستحقاق، اتقوا: أي: امتثلوا أوامر الله، وأطاعوه، وتجنبوا نواهيه.
﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: تنبع من تحتها الأنهار، أو تجري الأنهار من أمامها.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: خلوداً بلا موت، والخلود: اللزوم المستمر، أو استمرار البقاء من وقت مبتدأ.
﴿وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾: خَلْقاً وخُلُقاً لا حيض مطهرة من كل عيب يصيب نساء الدنيا.
﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾: على وزن فعلان فيه مبالغة من الرضا، الكثير من الرضا، أعظم الرضا، ورضوان الله هو أفضل النعيم وما يعطى العبد يوم القيامة، ولنقارن هذه الآية بآية التوبة (٧٢): ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: الرضوان هنا أكبر من الجنة، والمساكين الطيبة، فهناك الأعمال الصالحة التي تؤدِّي إلى الجنة، وهناك من الأعمال الصالحة التي تؤدِّي إلى رضوان الله، وهو أكبر من الجنة.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾: مطلع، ومحيط علمه وبصره، وسمعه بجميع الكائنات في أقطار الأرض، والسموات، ويعلم مقدار ما يستحق كل عبد من ثواب.
стр. 558
سورة آل عمران [٣: ١٦]
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾:
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾: تعود على الذين اتقوا ربهم، فهو قد بين لهم الجزاء والثواب أولاً، ثم عاد ليبيِّن لهم ما هو مطلوب منهم؛ لنيل تلك الجنات الذين يقولون: جاءت بصيغة المضارع؛ ليدل على التجدد والاستمرار.
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾: ربنا: لم يقولوا يا ربنا؛ لأنه سميع قريب، لا يحتاج إلى أداة نداء. إننا: توكيد، آمنا: بك إلهاً، ورباً، وآمنا بوحدانيتك، وربوبيتك، وبأسمائك، وصفاتك، وملائكتك، وكتبك، ورسلك، واليوم الآخر، والقضاء، والقدر خيره وشره.
ونعلم: أن الإيمان يحتاج إلى العمل الصالح، ونحن لنا شهوات وعدونا الشيطان، وقد نخطئ فنرجوك أن تغفر لنا ذنوبنا.
﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾: أي: استرها لنا وجاء بالفاء ليدل على المباشرة، والتعقيب بدون انتظار مجرد ما شعروا بأنهم أذنبوا استغفروا ربهم، والذنوب: هي الجرم الذي يترتب عليه عقاب، وإذا سهوا عن الاستغفار سألوا الله الوقاية من عذاب النار.
﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: والوقاية تعني: أن اجعل بيننا وبين النار حاجزاً ومانعاً.
وإذا نظرنا إلى هذه الآية نرى أن طلب الغفران جاء بعد الإيمان، والتوبة شرعها لنا؛ لأنه سبحانه علم أننا سنخطئ، ونتكاسل، وربما ننحرف، ونخرج
стр. 559
عن طاعته، ولا بد من العودة، والرجوع إليه، فترك باب التوبة مفتوحاً دائماً ليلاً ونهاراً؛ ليتوب مسيء الليل بالنهار، ومسيء النهار بالليل.
سورة آل عمران [٣: ١٧]
﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾:
في هذه الآية يبيِّن لنا سبحانه صفات المتقين بعد أن ذكر لنا بالآية (١٥) ما هو الثواب والجزاء، وفي الآية (١٧) ذكر لنا شيئاً عن إيمانهم، وتوبتهم، وهنا يبيِّن لنا بعضاً من صفاتهم.
﴿الصَّابِرِينَ﴾: على التكاليف الشرعية؛ أي: صابرون على الطاعة، والعبادات، وما أمروا به، وصابرون عن المعاصي، وصابرون على الأحداث القدرية.
﴿وَالصَّادِقِينَ﴾: أي: صدقوا الله ما عاهدوه عليه، وصدقوا في أقوالهم وأفعالهم، وصدقوا الله في لا إله إلا الله، ويفعلون ما يقولون.
﴿وَالْقَانِتِينَ﴾: جمع قانت: وهو المطيع العابد بخشوع، وخضوع، ولزوم.
﴿وَالْمُنفِقِينَ﴾: مما رزقهم الله ابتغاء مرضات الله بالصدقة والزكاة.
﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾: يعود، ومرة ثانية ليؤكد على أهمية الاستغفار، فقد ذكرها سابقاً بقوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾: فهم رغم صبرهم، وصدقهم، وقنوتهم، وإنفاقهم لا يزالون بحاجة إلى التوبة والاستغفار؛ لأنهم معرضون للأغيار.
ويذكر سبحانه في هذه الآية الزمن المفضل للاستغفار، وهو وقت السحر، وهو الثلث الأخير من الليل إلى طلوع الفجر، وهو زمن سكون الليل، وبعد النوم والراحة.
стр. 560
الواو العاطفة بين الصفات؛ للدلالة على كمالهم في كل صفة ذُكرت من الصفات الخمسة.
سورة آل عمران [٣: ١٨]
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾: أي: أقر الله، بيَّن وأعلم الله تعالى لخلقه جميعاً بالدلائل، والآيات، والبراهين الحسية والمعنوية: أنه لا إله إلا هو، والشاهد هو الذي يبيِّن ما علمه وشاهده، والشاهد هنا هو الله سبحانه، والمشهود له هو الله سبحانه.
شهد الله سبحانه شهادة الذات للذات، وكفى بالله شهيداً.
شهد الله سبحانه أعظم شهادة، وهي لا إله إلا هو من أعظم الشهود وهو الله لأعظم مشهود له وهو الله سبحانه.
شهادة لا حاجة بعدها لشهادة أحد من خلقه، ولا ملائكة، ولا إنس، ولا جن.
شهد الله سبحانه، ماذا شهد؟
﴿أَنَّهُ﴾: للتوكيد.
﴿لَا﴾: النافية للجنس.
﴿إِلَهَ﴾: لا معبود.
﴿إِلَّا﴾: حصراً وقصراً.
﴿هُوَ﴾: للتوكيد والحصر.
أي: لا معبود في الوجود إلا هو حصراً وقصراً. ارجع إلى الآية (٢٥٥) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
стр. 561
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: شهدوا بأنه لا إله إلا هو بعد أن أخبرهم بشهادته.
﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾: سرعان ما شهدوا أنه لا إله إلا الله بعد أن أخبرهم، وبيَّن لهم آياته ودلائله.
وأولو العلم: هم الأنبياء، والمرسلون، والصديقون، والشهداء، والصالحون، وحملة العلم، والفقه في الدِّين، وعلماء الأمة الموحدون المخلصون؛ الذين علِموا التوحيد، وعلَّموهُ لغيرهم.
وعطف شهادة أولي العلم على الملائكة يدل على شرف ومنزلة أولي العلم.
﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: أي: الله ، وملائكته، وأولو العلم شهدوا أولاً أنه لا إله إلا هو، وشهدوا ثانياً أنه سبحانه قائمٌ بالقسط.
قائماً: بتدبير خلقه، وكونه وحده.
بالقسط: بالعدل، مع التنفيذ والتطبيق، والقسط يعني: الحصة والنصيب، وتعني: العدل في الميزان أيضاً.
فتصبح قائماً بالقسط: قائماً بتدبير خلقه بالقسط (بالعدل) من حيث الرزق، والعلم، والموت، والحياة، والصحة، والمرض.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: الشهادة الأولى جرت مجرى الشهادة وهذه تعتبر الشهادة الثانية بعد لا إله إلا هو الأولى التي جرت مجرى الشهادة، وأما الشهادة الثانية فهي تجري مجرى الحكم الدائم بوحدانية الله تعالى.
﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: العزيز الغني عن خلقه، وعن شهادتهم، القوي الذي
стр. 562
لا يُغلب، ولا يُقهر، والممتنع على خلقه؛ الذي تفرد بعزة الوحدانية، والقوة، والغلبة.
الحكيم: في تدبير خلقه، وكونه، وأفعالهم، الحكيم في شرعه وقضائه وعدله، واهب الحكم، أحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة.
سورة آل عمران [٣: ١٩]
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
شهد الله أنه لا إله إلا هو، وشهد الله أنه لا إله إلا هو قائماً بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وشهد أن الدِّين عند الله الإسلام، وكذلك شهد الملائكة، وأولوا العلم نفس الشهادة.
﴿إِنَّ الدِّينَ﴾: إن: للتوكيد؛ أي: لا دين عند الله إلا الإسلام، وهذا الدِّين هو الحق، وهو الدِّين القيم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٢)؛ لمعرفة معنى كلمة الدِّين والملة.
﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: جاءت للتوكيد؛ لتؤكد حصراً، وقصراً: أن الدِّين عند الله هو الإسلام: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
وأما اليهودية، والنصرانية: فهي ديانات، وليستا ديناً، أو أدياناً، بل رسالات سماوية؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، والإسلام يعتبر ديناً، ويمكن أن يطلق عليه ديانةً أحياناً.
الدِّين: من دان؛ أي: أطاع، ودان له؛ أي: أطاعه.
ودان: اعتقد، ودان به؛ أي: اعتقده.
والدِّين: هو الشرع الذي أنزل الله سبحانه من آدم ﵇ إلى محمد ﷺ ، فهو
стр. 563
دين الرسل جميعاً، وهو يشمل الملة، والشريعة، والأحكام، والكتاب، والسنة، فموسى ﵇ دينه الإسلام، وشريعته، أو ديانته اليهودية.
وعيسى ﵇ دينه الإسلام، وشريعته، أو ديانته النصرانية.
ومحمد ﷺ دينه الإسلام، وشريعته، أو ديانته الإسلام.
والإسلام بالنسبة للرسالات السابقة كان وصفاً، وأما بالنسبة لأمة محمد ﷺ فهو وصفٌ واسمٌ ودينٌ كاملٌ، والإسلام لغة يعني: الاستسلام، والخضوع لأوامر الله تعالى وطاعته، ويعني: السلام، والأمن، وجوهره التوحيد: توحيد الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات، وتهذيب وإصلاح الفرد، والمجتمع بالعمل الصالح.
﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾:
وما: الواو: عاطفة، ما نافية.
﴿اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: اليهود والنصارى.
اختلف: الخلاف عدم الاتفاق في الشرع، وهو مذموم، وهو من مظاهر الهوى.
١ - أوجه الاختلاف في مسألة التوحيد، والعقيدة في لا إله إلا الله، أو اختلفوا، قالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء.
أو اختلفوا في عيسى فقالوا: ابن الله، ثالث ثلاثة، أو هو الله.
أو اختلفوا في عزير، أو اختلفوا في نبوَّة محمد ﷺ ، وأن الدِّين هو الإسلام.
стр. 564
٢ - ومتى حدث الاختلاف: من بعد ما جاءهم العلم؛ أي: الحق؛ أي: القرآن بأن الله واحد، وعيسى عبده ورسوله، ومحمد عبده ورسوله.
٣ - سبب الخلاف: الحسد بغياً بينهم، وطلباً للسلطة، والقوة، والمال، والاستعلاء.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: ومن: شرطية، يكفر؛ أي: يستر آيات الله، (وسمي ذلك كفراً) بسبب الاختلاف، أو البغي.
بآيات الله: الباء: للإلصاق؛ أي: يسترها، أو يجحد بها، ولا يؤمن بالآيات الحاملة لشرائعه ودينه.
فإن: الفاء: رابطة لجواب الشرط، إن الله: للتوكيد. سريع الحساب: في الدنيا إذا شاء، وقد يؤجِّله سبحانه إلى الآخرة، وهو سريع الحساب في الآخرة أيضاً.
سورة آل عمران [٣: ٢٠]
﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّنَ ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾:
﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة، إن: شرطية.
﴿حَاجُّوكَ﴾: من المحاجة: وهو أن يدلي كل خصم من الخصمين بحجته، وعادة يكون لإظهار الحق، ودحر الباطل، أو لمعرفة الصدق من الكذب. ارجع إلى الآية (٢٥٨) من سورة البقرة؛ للبيان.
فإن حاجوك: أي: وفد نجران النصراني حاجوك في شأن وأمر عيسى ﵇.
﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ﴾: أي: داعياً إياهم إلى الإسلام، وإلى التوحيد، وإسلام الوجه لله، والإخلاص له.
стр. 565
أو حاجوك الكفار في الدِّين ولم يؤمنوا، فقل: الفاء: رابطة للجواب.
أسلمت وجهي لله: والوجه يراد به الذات (مجاز مرسل) إطلاق الجزء، وإرادة الكل؛ أي: أخلصت له وانقدت وخضعت لله. أسلمت ذاتي لله، وإسلام الوجه وهو أعلى درجات الإسلام، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٢) في سورة لقان وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ يسلم إلى الله تعني: يتوكل على الله، أو يفوض أمره إلى الله، أما يسلم لله؛ أي: يخلص لله وينقاد له ويستسلم له.
﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾: ومن: ابتدائية، اتبعن: من المسلمين، أو من البشر؛ أي: كذلك هؤلاء أسلموا وجوههم لله كما أسلمت أنا (أي: محمد ﷺ لله سبحانه، وأسلموا وجوههم لله، تعني: أخلصوا عبادتهم لله، والإخلاص لله هو أعلى درجات العبودية.
وبما أن المخلصين لله، والذين لا يراؤون في عبادتهم والاتباع هم قلة جداً، ولذلك جاء بكلمة ومن اتبعن بدون ياء مقارنة بكلمة اتبعني، فالياء تدل على الكثرة (زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى)، ولذلك قال: ومن اتبعن، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٠٨) من سورة يوسف رأينا كلمة اتبعني جاءت في سياق الدعوة، فهناك الكثير من الدعاة، ولذلك قال: من اتبعني، ومنهم من هو مخلص، أو غير مخلص، أما المخلصون لله (إسلام الوجه) فهم القلة، ولذلك استعمل اتبعن.
﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّنَ ءَأَسْلَمْتُمْ﴾: وقل يا محمد ﷺ ، للذين: اللام: لام الاختصاص. قل للذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى.
والأميين: جمع أُمي، وسموا أميين نسبة إلى الأم؛ لكونهم غير قادرين على
следующие страницы →