← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾: وللكافرين أمثال تلك العاقبة والدمار والخزي والهلاك، واللام في كلمة (وللكافرين) لام الاختصاص والاستحقاق. سورة محمد [٤٧: ١١] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة، اللام للبعد ويشير إلى نصر المؤمنين، أو ما أصاب الكافرين من التّدمير والهلاك. ﴿بِأَنَّ﴾: الباء للإلصاق والمصاحبة، أن: تعليلية وللتوكيد. ما أصاب المشركين من الدّمار والهلاك سببه أن الله. ﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: ولي الّذين آمنوا متولي أمورهم وناصرهم والقائم عليهم، والمولى: المعين والمحب. ﴿وَأَنَّ﴾: تكرارها يفيد التّوكيد، وأن للتعليل، والتّوكيد. ﴿الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾: لا النّافية، لا مولى لهم: لا ناصر لهم ولا معين.

стр. 4972

سورة محمد [٤٧: ١٢] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾: المناسبة: بعد ذكر بعض صفات الّذين آمنوا وعملوا الصالحات ومنها: ١ - آمنوا بما نُزل على محمّد. ٢ - واتبعوا الحق من ربهم. ٣ - وأنهم ينصرون الله ويقاتلون في سبيله. ٤ - وأن الله هو مولاهم. يذكر في هذه الآية جزاءَهم وهو جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وأما الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله واتبعوا الباطل، وكرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم. يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، وجزاؤهم النار هي مثوى لهم. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾: منشغلون بمتاع الدّنيا الزّائل من طعام وشراب ولباس وأثاث ومساكن ومراكب همهم اللهو واللعب والفرح والمرح والأكل والشّرب لا تهمهم الآخرة. ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾: المثوى: مكان الإقامة الجبرية الدّائم والضّيق المطبق عليهم. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٥١) لبيان معنى مثوى.

стр. 4973

سورة محمد [٤٧: ١٣] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِى أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾: سبب النزول: نزلت هذه الآية، كما قال ابن عباس، حين خرج رسول الله ﷺ مهاجراً إلى المدينة التفت إلى مكة، وقال: «ما أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ ولَوْلا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ». ﴿وَكَأَيِّنْ﴾: قيل: مركبة من كاف التّشبيه وأيٍّ الاستفهامية المنونة. وقيل: هي اسم بسيط غير مركب وهي تفيد التّكثير والتّفخيم. ﴿مِنْ﴾: للتوكيد. ﴿قَرْيَةٍ﴾: أي: أهل قرية والقرية تطلق على ساكني أهل القرية من النّاس، وعلى البناء (المساكن). ﴿هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ﴾: قريتك، أي: مكة، وتسمَّى أم القرى، أضافها إليه تشريفاً لها وتكريماً، أيْ: وكم من قوم هم أشد قوة من قومك الّذين أخرجوك أهلكناهم. أخرجوك: أي: كانوا سبباً في خروجك. ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾: بالخسف أو الصّيحة أو الرّيح أو الحاصب. ﴿فَلَا﴾: الفاء عاطفة، لا النّافية للجنس. ﴿نَاصِرَ لَهُمْ﴾: ينصرهم من الهلاك أو ينقذهم من عذاب الله إذا حلَّ بهم. سورة محمد [٤٧: ١٤] ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم﴾: ﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، الفاء للتوكيد، من اسم موصول بمعنى الّذي.

стр. 4974

﴿كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: البينة: أي: القرآن العظيم، أي: كان على حُجَّة وبرهان من ربه ويعبد الله على علم. ويعني: رسول الله ﷺ . ﴿كَمَنْ﴾: الكاف للتشبيه، من اسم موصول بمعنى الّذي، ومن: تشمل المفرد والمثنى والجمع. ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: وهم مشركو مكة، زين لهم الشّيطان أعمالهم مثل الشّرك والصّد عن سبيل الله والكفر والمعاصي. ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم﴾: الهوى تعريفه ارجع إلى الآية (٥٦) من سورة الأنعام. وجواب الاستفهام محذوف؛ لأنه واضح وبيِّن. سورة محمد [٤٧: ١٥] ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِى النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: مثل الجنة: يضرب المثل لإزالة غموض الاجمال أو أمر ما. ﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: من الوعد المطلق هو عادة يأتي في سياق الخير وعد المتقون في الآخرة. ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾: فيها أنهار من ماء فرات (ماء غدق). ماء لم يتغيَّر طعمه أو رائحته لطول مكثه. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾: وفيها أنهار من لبن خالصاً سائغاً للشاربين. أي: لم يتغيَّر طعمُهُ كالحامض، أو الفاسد. ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾: للشاربين اللام لام الاختصاص لا يسبب شربها ذهاب عقل أو صداع أو نزف.

стр. 4975

﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾: منقَّى خالٍ من الشّمع والقذى والفضلات. أربعة أنهار للشرب والطعام (اللبن) والمتعة واللذة. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: من استغراقية، كل الثمرات: من سائر أنواع الثّمار والفاكهة. ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَّبِّهِمْ﴾: لسائر ذنوبهم والمغفرة تعني: العفو وعدم العقوبة والإثابة على الحسنات. ﴿كَمَنْ هُوَ﴾: الكاف للتشبيه، من: تفيد المفرد أو الجمع وما بينهما وتشمل الواحد والاثنين والجمع، هو ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿خَالِدٌ فِى النَّارِ﴾: لا يخرج منها من زمن دخولها. ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾: ماء متناهٍ في حرارة الغليان، واليحموم: الدخان الشديد السواد كما في قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]. ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾: الفاء للمباشرة، من شدة حرارته والأمعاء الدقيقة والغليظة. وفي آية أخرى ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩]. سورة محمد [٤٧: ١٦] ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾: ﴿وَمِنْهُم﴾: ومن الذين كفروا أو نافقوا. ﴿مَنْ﴾: بعضية، يستمع ولم يقل: يسمع إليك، ومن: أي: بدون نية أو قصد، ومن: تأتي للمفرد والمثنى والجمع. ﴿يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾: في مجلس أو خطبة جمعة أو أيِّ مناسبة. يستمع إليك، أي: بقصد ونية واهتمام، فهم يقومون بذلك يتظاهرون

стр. 4976

بالاستماع، يستمعون عبثاً من دون نفع أو فائدة، يستمعون نفاقاً بلا وعي، ولو سمعوا حقيقة لوعوا ما قاله لهم ﷺ . ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾: من: تأتي للمفرد والمثنى والجمع، وبما أنّ الجميع يسمعون نفس الكلام فهم يمثلون في الاستماع مستمعاً واحداً، أما حين يخرجون أو يقولون فكل واحد يمثل نفسه. ولذلك أفرد يستمع وجمع خرجوا وقالوا. ﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية. ﴿إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾: إذا ظرفية، أي: بمجرد ما يخرجون من عندك من مجلسك، قالوا للذين أوتوا العلم. ﴿قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: سألوا الذين أوتوا العلم؛ العلم الشرعي والمعرفة بالدين؛ أي: العلماء المتقون ومخاطبتهم بأولي العلم فيها مدح وثناء أمثال: عبد الله بن مسعود وأبو الدرداء أو غيرهم من أصحاب رسول الله الذين أوتوا العلم. ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾: استخفافاً واستهزاءً: ماذا قال سابقاً؛ لأنهم لم يعوا كلام الرسول ﷺ ، ولم يقولوا: ماذا قال رسول الله ﷺ احتراماً وتوقيراً له. أو حتى يذكروا اسمه ﷺ . ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد والتّحقير. ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: طبع الله عليها بسبب كفرهم وصدهم عن سبيل الله كثيراً، فلا يدخلها إيمان، ولا يخرج منها كفر. والطبع أشد من الختم. ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾: بدلاً من اتِّباع ما أنزل الله تعالى، اتَّبعوا أهواءَهم، أي: الباطل. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٦) لبيان معنى الهوى.

стр. 4977

سورة محمد [٤٧: ١٧] ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد المدح. ﴿اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾: اهتدوا إلى الإيمان والعمل الصّالح، اهتدوا إلى الطّريق المستقيم (الإسلام)، زادهم هدى: بالتّوفيق والإرشاد والطّاعة لمزيد من العمل الصّالح. ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾: أعانهم على تقواهم، بالتّوفيق والتّقوى، طاعة أوامر الله وتجنب نواهيه. سورة محمد [٤٧: ١٨] ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾: الفاء استئنافية، هل استفهامية تفيد النفي، أي: ما ينتظرون إلا الساعة وتعود على الكافرين والمنافقين. وينظرون تدل على قصر الزمن أو قرب وقوعها، ولم يقل: ينتظرون التي تدل على طول الزمن، زمن الانتظار. ﴿إِلَّا السَّاعَةَ﴾: إلا أداة حصر الساعة: السّاعة: تعني: آخر ساعة من عمر الأرض. عندها يبدأ تهدم النظام الكوني الحالي. ﴿أَنْ تَأْتِيَهُم بَغْتَةً﴾: أن تعليلية، تأتيهم: وهم غافلون. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء استئنافية، قد للتحقيق. ﴿جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾: أمارتها وعلاماتها، شرط وهو العلامة. وقيل: من أشراطها مجيء النبي ﷺ وانشقاق القمر والدخان. ﴿فَأَنَّى لَهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، أنَّى: كيف لهم أو من أين لهم التّذكر، الاستفهام بأنَّى أقوى من كيف، وفيها معنى التّعجُّب، أشراطها: أي: ظهرت معظم علاماتها الصغرى.

стр. 4978

﴿إِذَا جَاءَتْهُمْ﴾: إذا ظرفية للمستقبل، جاءتهم، أي: لا ينفعهم حينئذ بأن يتوبوا أو تنفعهم توبتهم أو ينفعهم إيمانهم إذا لم يؤمنوا قبل مجيء العلامات الكبرى. سورة محمد [٤٧: ١٩] ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾: فاستقم واثبت واستمر على ما أنت عليه من التّوحيد ومراقبة النّفس واستمر على تقوى الله، الخطاب موجَّه إلى الرّسول وأمته ﵊. فاعلم أنه لا إلا الله: (كلمة التوحيد). ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥٥) لمزيد من البيان. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾: تب إلى الله واطلب منه العفو والغفران لك وللمؤمنين والمؤمنات. فقد روى مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ . قال: إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة. ليغان: أفتر عن الذكر. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾: بالنّهار، أي: يعلم أشغالكم بالنّهار والتّقلب والتّصرف في أمور دنياكم. وقيل: متقلبكم في أصلاب آباءكم. ﴿وَمَثْوَاكُمْ﴾: مأواكم بالليل، أي: نومكم أو مثواكم في القبور أو مثواكم في الآخرة.

стр. 4979

سورة محمد [٤٧: ٢٠] ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾: بعد أن ذكر حالة من يستمع إلى رسول الله ﷺ عبثاً أو استهزاءً، وبعد أن يخرج من عنده يسئل الّذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً فكأنهم لا يسمعون. يَذكر نوعً آخرَ من الّذين في قلوبهم مرض حين يسمعون آيات الجهاد وكيف يكون شأنهم وحالهم. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: من صحابة رسول الله ﷺ . يقولُ: بصيغة المضارع تدل على تجدُّد قولهم وتكراره. ﴿لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾: لولا: للتمني والحصر، أي: يتمنى المؤمنون حقاً أن يشرع الله الجهاد حتى يدافعوا عن أنفسهم وأهليهم وعن دين الله وإعلاء كلمة الله. نزلت سورة تبيح لنا الجهاد أو القتال في سبيل الله، نزلت سورة: أي: سورة خاصة بنا، نزلت علينا. ﴿فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾: إذا: ظرفية شرطية، أنزلت ولم يقل: نزلت فما هو الفرق بين نزلت وأنزلت، أنزل: أي: بشكل عام، أي: يفرض فيها القتال على

стр. 4980

جميع المؤمنين بينما نزلت: بشكل خاص بهم فقط، أي: من يتمنون الجهاد فئة خاصة. ونزلت: تدل على تكرار دعواهم وطلبهم بإنزال سورة، وأما أنزلت: فتدل على مرة واحدة أنزلت وانتهى الأمر بفرض الجهاد. إذا ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث. ﴿مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾: محكمة: واضحة لا شبهة فيها ولا احتمال، ومحكمة وتعني: غير منسوخة، وذكر فيها القتال: أي: أُمر أو فرض فيها القتال أو دعت إلى الجهاد في سبيل الله تعالى. ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: أي: مرض النّفاق أو الشّك أو ضعف الإيمان. ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾: أي: خافوا وزلزلوا ودب الرّعب في قلوبهم وأصبحت أعينهم تنظر إليك تدور كعيون المحتضر الذي لا أمل له في الشّفاء. ونظر المغشي عليه من الموت، أي: الذي يفارق الحياة تراه لا يتحكم بحركة عينيه، فإذا أدرت رأسه إلى اليمين ترى عينيه تتحرك إلى اليسار، وإذا أدرت رأسه إلى اليسار ترى عينيه تتحركان إلى اليمين، أي: إلى الجهة المعاكسة، ويقال لهذا في عالم الطب منعكس عيني الدُمية ويدل على إصابة جذع النخاع الشوكي للدماغ. وهذه آية من آيات الإعجاز العلمي في القرآن. ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾: أي: أجدر بهم وأحرى لهؤلاء الذين في قلوبهم مرض،

стр. 4981

وأفضل لهم بدلاً من أن ينظرون نظر المغشي عليه من الموت، أي: من الخوف من القتل أن يقولوا: سمعنا وأطعنا. سورة محمد [٤٧: ٢١] ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾: أي: أجدر بهم وأفضل لهم أن يطيعوا أمر الله والرّسول بالجهاد وبالإخلاص له. وأجدر بهم أن يقولوا قولاً معروفاً، قولاً حسناً يدل على الرّضا بما كتب الله وقدَّر. ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾: الفاء للتوكيد، إذا شرطية تفيد حتمية الحدوث، عزم الأمر: أي: عزم الأمر على الجهاد في سبيل الله. ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾: فلو: الفاء للتوكيد، لو شرطية، صدقوا الله وأخلصوا له النّية وعزموا على الوفاء بما فرض الله وكتب عليهم. ﴿لَكَانَ﴾: اللام لام التّوكيد، كان تشمل كل الأزمنة. ﴿خَيْرًا لَّهُمْ﴾: أفضل لهم وأزكى من مخالفة ومعصية الله سبحانه ورسوله. سورة محمد [٤٧: ٢٢] ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾: ﴿فَهَلْ﴾: الفاء للتوكيد، هل للاستفهام والتّوبيخ. ﴿عَسَيْتُمْ﴾: عسى من أفعال الرّجاء والمتوقع حدوثها، وعسى ليست منسوبة إلى الله تعالى؛ لأنّه سبحانه يعلم منذ الأزل ما سيكون وما كان وإنما ليتم الحُجَّة على الّذين في قلوبهم مرض.

стр. 4982

﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والافتراض. ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: أي: أعرضتم عن القتال في سبيل الله أو توليتم عن طاعة الله ورسوله بالجهاد وتنفيذ أحكامه. ﴿أَنْ﴾: للتعليل والتّوكيد. ﴿تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾: أي: إن أعرضتم عن الجهاد في سبيل الله ولم تحاربوا أهل الباطل والظلم والبغي وتدافعوا عن أهليكم وأموالكم ودياركم، فهذا سيؤدي إلى انتشار الفساد في الأرض وقتل أهليكم وتقطع أرحامكم وانتشار الظلم والبغي والسلب والنهب وأكل أموال النّاس بالباطل والخوف. ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾: الكلام بصيغة الغائب. ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: الكلام بصيغة المخاطب. والانتقال من صيغة الغائب إلى المخاطب يدل على المبالغة والتوكيد في التوبيخ والتقريع لعدم الجهاد في سبيل الله. سورة محمد [٤٧: ٢٣] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾: أولئك اسم إشارة والام للبعد، للتحقير والذّم. وتشير إلى الذين فسدوا في الأرض بإعراضهم عن الجهاد في سبيل الله وقطعوا أرحامهم. ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: طردهم من رحمته وأبعدهم عنها.

стр. 4983

﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾: عن سماع الحق؛ لأنّهم هم الذين اختاروا لأنفسهم ذلك أي لا يريدون الاستماع إلى آيات الله والانتفاع بها، والإذعان لها والعمل بها والجهاد وغيره. ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾: عن رؤية الحق واتباعه فالبصيرة معطلة عندهم رغم أنهم يرون ويبصرون ما يحبون وليسوا عمين بعمى النظر فاستحقوا أن يُعمي الله أبصارهم (بصيرتهم). سورة محمد [٤٧: ٢٤] ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾: بعد بيان إعراض المنافقين عن الاستماع للقرآن فإنّه من الأفضل لهؤلاء المعرضون عن كتاب الله أن يتدبرونه ويتأملونه ليعلموا الحق من الباطل. وما هو خير لهم وما هو شر لهم. ﴿أَفَلَا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ؛ لعدم تدبر القرآن والتّعجب، ألا: أداة تنبيه وحضٍّ وتحمل معنى الأمر (أن تدبروا القرآن). ﴿يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾: التّدبر: يعني الفهم والتّأمل والتّفكر في آيات القرآن، والتّدبر يعني: النّظر في المعنى ومدلول اللفظ ظاهره وباطنه ومعطياته. وتطبيق أوامره والعمل به والتدبر في فضيلة الجهاد في سبيل الله. ﴿أَمْ﴾: الهمزة: للاستفهام؛ أم: منهم من قال: أم المنقطعة، ومنهم من قال: أم المتصلة للإضراب الانتقالي، أو الإبطالي (يعني: هم ليسوا متدبرين للقرآن)؛ لأن قلوبهم مقفلة.

стр. 4984

﴿عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾: الأقفال هي العوائق الّتي تحول بين الإنسان وتدبر القرآن، والأقفال مثل المعاصي والمنكرات كل واحدة هي قفل وهي مكتسبة. وكلمة قلوب: نكرة لتشمل قلوبهم وقلوب غيرهم، وشبه القلوب بالأبواب المقفلة فهي لا تفهم ولا تتأمل ولا تتفكر بالقرآن. سورة محمد [٤٧: ٢٥] ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾: بعد أن نهى الله عن الإعراض عن القرآن وأمر بتدبر القرآن وتفهمه، ينذر الّذين ارتدوا عن دينهم إلى الكفر بإحباط أعمالهم وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند الاحتضار، أو في يوم القيامة. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم﴾: قيل: هم الّذين كفروا بعد إسلامهم وإيمانهم، وقيل: هم اليهود الّذين كانوا يؤمنون بالنّبي القادم، فلما تحققوا أنّه هو الموصوف في كتبهم كفروا به، وقيل: هم المنافقون الذين ارتدوا بسبب الشّيطان سوَّل الذي لهم وأملى لهم. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾: أي: كفروا بمحمد ﷺ بعد ما تبيَّن أنه هو النبي الموصوف. والهدى يعني الإسلام، أي: بعد ما تبيَّن لهم الدِّين الحق. ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾: زين لهم الكفر (الباطل) وحسنه وحببه إليهم ليفعلوه.

стр. 4985

﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾: من الإملاء والتأخير، أي: الإبقاء، منَّاهم بطول العمر والأمل وسعة العيش، ولن يحاسبوا أو يعذبوا يوم القيامة. سورة محمد [٤٧: ٢٦] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: الارتداد، ذا اسم إشارة واللام للبعد، ويشير إلى الارتداد والإضلال. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء باء السّببية، وأنّهم تعود على المنافقين. ﴿قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾: أي: قالوا لليهود أو المشركين. ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الْأَمْرِ﴾: في محاربة الرسول ﷺ وعداوته ومخالفة أمره، أو ما جاء به وعدم قتالكم قالوا ذلك سراً. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾: أي: ما تآمروا به سراً على رسول الله ﷺ والمؤمنين. تعريف السر: هو ما تسرُّه في نفسك، أيْ: تخفيه في نفسك أو يسرُّون إلى بعضهم بعضاً. سورة محمد [٤٧: ٢٧] ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾: ﴿فَكَيْفَ﴾: الفاء استئنافية، كيف: للاستفهام والتعّجب والإنذار، أي: كيف يكون حالهم وشأنهم. ﴿إِذَا﴾: ظرفية للمستقبل. ﴿تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾: توفتهم ملائكة الموت

стр. 4986

والوفاة أو الاحتضار: هي المرحلة السّابقة للموت وخروج الرّوح، يضربون وجوههم وأدبارهم. وجاء هذا موضحاً في آيات أخرى مثل سورة الأنفال آية (٥٠). ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾. والأنعام آية (٩٣): ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ﴾. سورة محمد [٤٧: ٢٨] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد والكاف للخطاب، ويشير إلى الضّرب على الوجوه والأدبار. ﴿بِأَنَّهُمُ﴾: الباء تعليلية أو السّببية تعود على المنافقين والّذين في قلوبهم مرض. ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾: اتبعوا ما تعني الذي أو مصدرية، وما: أوسع شمولاً من الذي. أسخط الله من الكفر وكتمان صفات النبي ﷺ ، وعصيانه ورسوله وتآمرهم مع أعداء الرسول على محاربة النّبي وعدم تصديقه. والإسخاط استجلاب السّخط وهو الغضب، والسّخط لا يكون إلا من الكبير على الصّغير، بينما الغضب يكون من الصّغير على الكبير، ومن الكبير على الصّغير، والسّخط خلاف الرّضا. وكرهوا رضوانه: الرضا يتضمن التسليم لله ـوطاعته والقيام بما أمر به

стр. 4987

أو نهى عنه، والرضا يتضمن قبول العطاء أو المنع. أي: هم كرهوا التسليم لله وعصوا الله وجحدوا أو أنكروا ما آتاهم الله ورسوله من فضله. ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾: أبطل ثوابها لم تعد تُجدي وليس لها أجرٌ. سورة محمد [٤٧: ٢٩] ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾: ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي والهمزة للاستفهام المصحوب بالإنكار. ﴿حَسِبَ﴾: هو الظن الرّاجح، وتعني: أعتقد وحسب مشتقة من الحساب وتشمل الحساب الحسي والقلبي القائم على التّجربة والنّظر في الحساب. ﴿الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: الشّك والنّفاق والرّيبة والحسد والعداوة أطلق عليه مرض، وهو عدة أمراض؛ لأنها كلها أمراض نفسية متشابهة. ﴿أَنْ﴾: تعليلية. ﴿لَنْ﴾: لنفي المستقبل القريب والبعيد. ﴿يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾: الضّغن: الحقد الشّديد وأضغانهم جمع ضغن، أحسبوا أنّ الله لن يكشف لرسوله وللمؤمنين، من هم هؤلاء الذين في قلوبهم مرض؛ أي: يفضح الله سرهم وشأنهم وحقدهم وعداواتهم للمؤمنين عاجلاً أم آجلاً.

стр. 4988

سورة محمد [٤٧: ٣٠] ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: الواو عاطفة، لو: حرف امتناع لامتناع. ﴿نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾: اللام للتوكيد، أريناكهم: الرّؤية رؤية عينية بصرية. ﴿فَلَعَرَفْتَهُم﴾: أي: لو نشاء لجعلنا لهم علامات فارقة مميزة خاصة بهم تعرفهم بها حين تراهم، ولكنه لم يشأ ستراً لخلقه ومن رحمته ولطفه أخفى ذلك. ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾: الباء للإلصاق، السّمة علامة خاصة. ارجع إلى سورة البقرة آية (٧٣) من البيان. ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ﴾: الواو عاطفة، واللام للتوكيد، والنّون في تعرفنهم لزيادة التّوكيد. أي: رغم أننا لن نبين لك من هم فهم لن يخفوا عليك فستعرفنهم في لحن القول، أي: في أسلوب القول أو طريقة كلامهم ومغزاه حين يطعنون بالمسلمين ويتحدثون على المسلمين بطريقة التورية والتّعريض، أي: يعرضون عن التّصريح إلى التّعريض والإبهام: أو يستعملون ألفاظاً معينة أو إشارات خاصة بهم متعارفون عليها. ويقال: لحنْتُ له: إذا قلت له قولاً يفهم عنك ويخفى على غيره.

стр. 4989

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾: أي: أقوالكم وأفعالكم وسيجازيكم عليها. سورة محمد [٤٧: ٣١] ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ﴾: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾: الواو استئنافية، لنبلونكم: اللام والنّون كلاهما للتوكيد، فهذا الابتلاء كائن لا محالة والابتلاء أشد من الاختبار، ويكون في الخير والشّر والابتلاء هنا يعني الجهاد بالمال والنّفس وبالتّكاليف. ﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية، وهي العلم من سيخرج في سبيل الله ومن يتخلف عن الجهاد، ومن الصابر أو غير الصابر والمرائي من المخلص. ﴿نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ﴾: وهل الله سبحانه بحاجة إلى هذا العلم طبعاً لا فهو يعلم منذ الأزل، وقبل خلق الإنسان ما سيعمل أو ما لا يعمل وغاية العلم لإقامة الحُجَّة على العبد أولاً، وحتى يعلم من حوله، أيْ: أنتم وغيركم شأنه وصدقه وكذبه وتكونوا شهوداً عليه. والجهاد نوعان: الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر، مجاهدة النّفس ومجاهدة العدو. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (٦) لبيان معنى الجهاد. ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾: على الطّاعات واجتناب النّواهي والقضاء والقدر. ﴿نَعْلَمَ﴾: الصّابرين من غير الصّابرين ودرجات صبرهم. ﴿وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ﴾: في القرآن الخبر: هو النبأ العادي، والنبأ: هو الخبر العظيم؛ أي: نكشف أخباركم أو نبلوكم بشتى الابتلاءات بالزّيادة في الخبر

стр. 4990

أو النّقصان منه أو الإخبار عنه بخلاف ما هو عليه أو نطلع على أخباركم هل تصدقون أم لا، أو هل تتبيَّنوا صدق الأنباء قبل الإعلان بها. الفرق بين الابتلاء والاختبار: الابتلاء: لا يكون إلا بتحمل المكاره والمشاق، ويكون في الخير والشّر وغاية الابتلاء، هو معرفة أو استخراج ما عند المبتلى من الطّاعة والصّبر أو المعصية من جراء المشقة، والابتلاء قد يؤدِّي إلى كشف الأسرار أو الفضيحة، وليس الغاية من الابتلاء ليعلم الله؛ لأن الله سبحانه يعلم نتيجة ابتلائهم. الاختبار: يكون بفعل المحبوب أو المكروه وغاية الاختبار وقوع الخبر والخبر هو العلم بكنه الشيء وحقيقته. سورة محمد [٤٧: ٣٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: إن للتوكيد، الّذين: اسم موصول يفيد الذم. ﴿كَفَرُوا﴾: بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمّد نبياً ورسولاً، أو كفروا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: صرفوا أو منعوا غيرهم من الدّخول في الإسلام، أو فعل الخيرات والأعمال الصّالحة، أو حاربوا الإسلام، أو إعلاء كلمة الله بشتى الوسائل.

стр. 4991

﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾: أي: خالفوا الرّسول وعادوه وحاربوه، وأصل المشاقة أن تصير في شق غير شق عدوك. والشّق هو الّذي يفصل بين الشّيئين ويعني: الخلاف من جراء الاستهزاء بالدين، أو الآيات، أو رسول الله ﷺ . ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾: أي: من بعد أن تبيَّن لهم في كتبهم صدق نبوة محمد ﷺ وأنه حق والإسلام حق، والمرجح أن هذه الآية نزلت في يهود بني قريظة والنضير؛ لأن إضافة وشاقوا الرسول تدل على اليهود، وخاصة أنه قد سبق ذكر المشركين والكفار والمنافقين في الآيات السابقة. ﴿لَنْ﴾: أداة نفي تنفي المستقبل القريب والبعيد. ﴿يَضُرُّوا اللَّهَ﴾: أي: بكفرهم وصدهم عن سبيل الله تعالى دين الله وإصرارهم على الكفر، لن يضروا الله الآن ولا في المستقبل القريب والبعيد ولا في أيِّ زمن. ﴿شَيْئًا﴾: نكرة، أي: مهما كان نوع أو شكل هذا الضرر ومقداره وجهته، والشيء هو أقل القليل، وسواء أكان حسياً أم مادياً. وشقاق الرسول ﷺ أو شقاق المؤمنين هو شقاق لله تعالى ومعاداة الرسول أو معاداة المؤمنين هي معاداة لله تعالى. وفي هذه الآية تهديد لهؤلاء الكفار. ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾: السين للاستقبال القريب، أي: في الدنيا ناهيك

стр. 4992

عن الآخرة، إذن نفهم من هذه الآية أن معاداة الرسول من محبطات العمل الصالح. سورة محمد [٤٧: ٣٣] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾: نداء جديد للذين آمنوا بتكليف أو حكم أو أمر وهو طاعة الله تعالى وطاعة رسوله. ارجع إلى سورة النساء آية (٥٩)، وسورة آل عمران آية (٣٢) للبيان والفرق. ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾: تحبطوا أعمالكم الصالحة بمحبطات العمل كالشّرك والكفر والبدع، ومشاقة الرّسول ﷺ والمن والكبرياء وغيرها. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢١٧) لمزيد من البيان. سورة محمد [٤٧: ٣٤] : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ارجع إلى الآية السابقة (٣٢). ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزّمن. ﴿مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: ماتوا ولم يتوبوا من الكفر أو الشّرك، ماتوا على ملة الكفر، وهم ضمير فصل يفيد التوكيد. ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾: الفاء: للتوكيد؛ لن: أداة نفي تنفي المستقبل القريب والبعيد معاً. لن يغفر الله لهم كفرهم وشركهم في الدنيا.

стр. 4993

ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. سورة محمد [٤٧: ٣٥] ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾: ﴿فَلَا﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدر هو إذا لقيتم الّذين كفروا فلا تهنوا أو نودي للجهاد فلا تهنوا: لا النّاهية. ﴿تَهِنُوا﴾: من الوهن وهو الشعور بالضعف والخور، وأن يفعل الإنسان فعل الضّعيف، وهو قوي والضعف هو نقصان القوة، فالوهن ليس هو الضّعف حقيقة، أي: لا تفعلوا فعل الضّعفاء وأنتم أقوياء. ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾: بكسر السّين وفتحها، أي: الصّلح أو المسالمة، أي: لا تدعوا إليها وأنتم الأعلون. ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾: أي: الغالبون والقاهرون. ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾: بالعون والنصر، أي: ناصركم وممدكم بحاجاتكم. ﴿وَلَنْ﴾: أداة نفي للمستقبل القريب والبعيد. ﴿يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾: أيْ: لن ينقصكم أجور أعمالكم، أيْ: ثوابها ولو بحسنة، لا الآن ولا في المستقبل يقال: وتره حقَّه: أيْ: نقصه حقَّه، أو سأله ماله من دون حقٍّ.

стр. 4994

سورة محمد [٤٧: ٣٦] ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْئَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد الحصر. ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾: اللعب هو شغل لا يُلهي عن واجب، واللهو هو شغل يُلهي عن واجب. فاللعب قد يصبح لهواً إذا شغل الإنسان عن واجبه، واللهو أسوأ من اللعب، وهو أعم من اللعب، والحياة الدنيا مليئة باللعب واللهو. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٣٢) للبيان. وقدم اللعب على اللهو في ثلاث آيات: في سورة الأنعام آية (٣٢)، وفي هذه السورة (محمد ﷺ ، وفي سورة الحديد آية (٢٠)، وقدم اللهو على اللعب في سورة العنكبوت آية (٦٤)؛ ارجع إلى سورة العنكبوت للمقارنة. ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾: إن شرطية. تؤمنوا: بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وتتقوا: أيْ: تطيعوا أوامر الله وتتجنبوا نواهيه، أيْ: تعملوا عملاً صالحاً. ﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾: أيْ: ثواب أعمالكم ثواب إيمانكم وتقواكم، الإيتاء هو العطاء ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) لمعرفة الفرق بينهما، والأجر يكون مقابل العمل. ﴿وَلَا يَسْئَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾: لا يطلب منكم جميع أموالكم، بل زكاة أموالكم، وما ترغبون أن تتصدقوا به وعدم ذكر الزكاة أو الصدقات؛ لأن نسبتها قليلة جداً

стр. 4995

(٢، ٥%)، فهي نسبة ضئيلة لا تذكر قليلة جداً مقارنة بما عندكم من الأموال، وما تنفقوا منها فكأنه لا يستحق ذكرها أو إذا أخرجت الزكاة أو الصدقات، فكأن الأموال تبقى نفسها ولا تنقص، ولذلك قال: ولا يسألكم أموالكم في الحقيقة، وإنما هي أمواله. سورة محمد [٤٧: ٣٧] ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾: ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الافتراض والاحتمال والندرة. ﴿يَسْئَلْكُمُوهَا﴾: أيْ: يسألكم الزكاة والصدقات، وجاءت بصيغة المضارع لتكرار الزكاة والصدقات. ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾: الفاء للتوكيد، يحفكم: ألح في طلب أموالكم أو بالغ أو كرَّر عليكم لوجدكم تبخلوا أحفى في المسألة ألح فيها أو ألح في طلبها، والإنسان يكره أن يلح عليه آخَرُ مرةً بعد الأخرى. ﴿تَبْخَلُوا﴾: يجدكم تبخلوا جواب الشرط. ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾: أحقادكم وبغضكم وكراهيتكم للسؤال. سورة محمد [٤٧: ٣٨] ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾: ﴿هَاأَنتُمْ﴾: الهاء للتنبيه، أنتم للتوكيد.

стр. 4996

﴿هَؤُلَاءِ﴾: تكرار الهاء للتوكيد على التّنبيه والاستماع، أولاء اسم إشارة، هؤلاء بمعنى الّذين. ﴿تُدْعَوْنَ﴾: أيْ: أنتم أيها المخاطبون تدعون الآن أو في المستقبل لتنفقوا. ﴿لِتُنْفِقُوا﴾: اللام لام التعليل جزءاً من أموالكم كالزكاة والصدقات والقرض الحسن. ﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ابتغاء مرضاة الله كالجهاد أو مساعدة الفقراء والمساكين وابن السبيل وفي سبيل الله قد تشمل الدعوة إلى الله وغيرها. ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾: الفاء للتوكيد، منكم من بمعنى الّذي، يبخل: يكره أن ينفق ولا يخرج زكاة أمواله. ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَّفْسِهِ﴾: الواو استئنافية من شرطية، فإنما: الفاء رابطة لجواب الشّرط، إنما كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. يبخل عن نفسه: يحرم نفسه رضا الله أو عن الثواب والأجر، وعن تفيد المجاوزة والمباعدة، أيْ: يبعد نفسه عن مصلحتها أو عن الخير. أما لو قال: إنما يبخل على نفسه: أيْ: فعاقبة بخله تعود على نفسه كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ [يونس: ٢٣]. أو بخله يعود عليه، أي: هو يبخل على نفسه.

стр. 4997

﴿وَاللَّهُ الْغَنِىُّ﴾: عنكم وعن أموالكم وعن العالمين، هو الغني الذي يعطيكم المال وكل ما سألتموه ولا يبخل عليكم. ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾: إليه في كل حاجة من حوائجكم. ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال والافتراض تقولوا عن الإيمان والتقوى وعن الإنفاق في سبيله والبخل أو ترجعوا كفاراً، وتتولوا قد تكون معطوفة على (وإن تؤمنوا وتتقوا … وإن تتولوا … ). ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾: أيْ: يذهبكم ويأتِ بآخرين أفضل منكم. ﴿ثُمَّ﴾: للتباين في الصفات، وليس للبعد الزمني. ﴿لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾: في الطاعة والعبادة والإنفاق في سبيل الله. بل أفضل منكم وأطوع وأكرم، وأسرع امتثالاً لأوامر الله تعالى.

стр. 4998

سورة الفتح [٤٨: ١] سورة الفتح ترتيبها في القرآن (٤٨) وترتيبها في النّزول (١١١). أسباب النزول: قيل: نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة بعد صلح الحديبية بعد أن شعر الصحابة بالحزن والألم؛ لأنه حيل بينهم وبين دخول مكة للعمرة فقال رسول الله ﷺ : (نزلت عليَّ آية أحب إليَّ من الدنيا وما فيها وهي: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]. ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾: ﴿إِنَّا﴾: للتعظيم. ﴿فَتَحْنَا لَكَ﴾: الخطاب إلى رسول الله ﷺ . فتحنا: من الفتح، في اللغة يعني: إزالة الإغلاق، والفتح شرعاً: هو النّصر والغلبة بدون استخدام القوة أو الدّخول في حرب، وفتحنا جاءت بصيغة الجمع للتعظيم. وأمّا النّصر: فهو الغلبة أو الظّفر باستخدام القوة والسّلاح أو الحرب. والفتح هنا في رأي الجمهور: هو صلح الحديبية في السّنة السّادسة

стр. 4999

للهجرة، وهناك من قال: إنّه فتح مكة، وكما قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فهناك فرق بين النصر والفتح. فتحنا لك: ولم يقل فتحنا عليك، لك: اللام لام الاختصاص؛ أي: لك خاصة. فتحنا لك: إذا كان الفتح فيه خير ولصالح المفتوح له يقال: فتحنا لك. فتحنا عليك: إذا كان الفتح فيه ضرر وشر ولغير صالح المفتوح له. كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٧]. وسمّي صلح الحديبية فتحاً مبيناً؛ لأنّه لم يكن هناك فتحٌ أعظم منه؛ لما حققه من فتح مكة وانتشار الإسلام. سورة الفتح [٤٨: ٢] ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق. أي: مع هذا الفتح نبشرك بأنّا غفرنا لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. ليغفر لك: المغفرة الشّاملة ما تقدم وما تأخر، ما تقدم؛ أي: قبل الرّسالة (النّبوة)، وما تأخر؛ أي: بعد الرّسالة (النّبوة)، ولا يعني أنّ رسول الله ارتكب ذنباً؛ لأنّ الأنبياء معصومون عن الذّنوب والكبائر. وقدّم (لك) أي: لك خاصة أو حصراً.

стр. 5000

﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾: بالإضافة إلى النّبوة يتم نعمته عليك بالنّصر والفتح أيضاً، ودخول الناس في دين الله أفواجاً وبعد ذلك فتح مكة وخيبر وانتشار الإسلام، وإرسالك للثقلين بشيراً ونذيراً أو للناس كافة ورفع ذكرك في العالمين. وكلمة (نعمته) الضّمير يعود على الله سبحانه نعمته تشمل سائر النّعم (نكرة) التي لا تعدّ ولا تحصى. ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾: أي يرشدك ويثبّتك على الاستقامة على دين الإسلام للوصول إلى الغاية العظمى وهي رضوان الله تعالى. سورة الفتح [٤٨: ٣] ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾: ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾: نصراً منيعاً قوياً، لا ذلّ بعده، ينصرك على أعدائك. والنصر يكون بالقوة والسلاح والجهاد ـ كما قلنا سابقاً ـ أو الفتح يكون بالغلبة بدون قتال وسلاح؛ أي: بالحجة والسلطان وإظهار الإسلام على الدين كلِّه. سورة الفتح [٤٨: ٤] ﴿هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد الحصر والتّوكيد. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم والوحدانية يعود على الله سبحانه. ﴿أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: السّكينة: من سكون النفس، والسكينة أشد من الطّمأنينة والشّعور بالأمن، والسكينة قد تكون عامة تشمل كل المؤمنين أو خاصة تخص الرسول ﷺ أو الصحابة أو فئة معينة، وعندها بدلاً من أن يقول

стр. 5001

السكينة يقول تعالى: سكينته، يضيف إليها هاء التشريف؛ أي: سكينة خاصة. ارجع إلى الآية (١٨) من السّورة نفسها لمعرفة الفرق بين السكينة وسكينته والمقارنة. ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد، إيماناً مع إيمانهم ليزدادوا إيماناً بالكم والكيف، مع إيمانهم؛ أي: يزدادوا يقيناً واستقامة؛ أي: كلما نزلت فريضة أو آية زادتهم إيماناً مع إيمانهم السابق. وفي هذه الآية دليل أنّ الإيمان يزيد وقد ينقص. ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: جنود تشمل الملائكة والرّياح والسّحاب والرّعد والبرق والصّواعق والنّار والقوى الكونية. ارجع إلى الآية (٧) من السورة نفسها لبيان الفرق بين جنود السموات والأرض في كلا الآيتين. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: اختار عليماً حكيماً؛ لأنه سبق ذلك ذكر الفتح، وازدياد الإيمان والهداية، وجنود السموات والأرض، وإنزال السكينة؛ فالسياق سياق علم وحكمة؛ عليماً بأفعال وأقوال خلقه وأحوالهم في الأمن والخوف والسّكينة والرّعب، ويعلم مصالح عباده وما ينفعهم وما يضرهم. وعليماً: صيغة مبالغة كثير العلم. حكيماً: من الحكمة، حكيماً في تدبير شؤون خلقه وكونه، فهو أحكم الحاكمين وأحكم الحكماء، (كان) تشمل كل الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩).

стр. 5002

سورة الفتح [٤٨: ٥] ﴿لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾: ﴿لِّيُدْخِلَ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، يدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار. ﴿جَنَّاتٍ﴾: جمع جنة جنات الفردوس، جنات النّعيم، جنات عدن، دار السّلام. ﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: تنبع من تحتها الأنهار، خالدين فيها خلوداً يبدأ من وقت دخولهم إلى ما لا النهاية. ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: يستر عليهم سيئاتهم ويمحوها ويعفو عنها فلا يعاقبهم عليها، والسيئات: قيل هي الصغائر، وهناك من قال هي الصغائر والكبائر، والكبائر لا بد لها من توبة. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾: التّكفير عن السّيئات وإدخال الجنات يُعدّ عند الله تعالى فوزاً عظيماً. ﴿عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾: الفوز العظيم هو أعظم فوز، لا يعلوه فوز. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٣) لبيان معنى الفوز وأنواعه أو درجاته والمقارنة بينها.

стр. 5003

سورة الفتح [٤٨: ٦] ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾: قدّم المنافقين على المشركين؛ لأنّ المنافقين خطرهم أشد وأسوأ على المؤمنين من الكافرين. ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾: في الدّنيا والآخرة بشتى أنواع العذاب. ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾: أنّ الله لن ينصر رسوله، وأنّ الرسول ﷺ سيُهزم أو يُقتل، وأنّ المؤمنين سوف يهلكوا أو يقتلوا، أو الظّانين بالله أن له شريكاً أو ولداً. ظن السوء: تشمل كل ظن سيئ بالله سبحانه. ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾: أي ما يظنون بالمؤمنين من ظن السّوء هو دائر عليهم؛ أي: محيط بهم وواقع عليهم جميعاً من كل جانب كما تحيط الدّائرة بما كائن فيها. ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: ﴿وَلَعَنَهُمْ﴾: طردهم وأبعدهم عن رحمته. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾: وهيّأ وجهّز لهم جهنم، لهم: اللام لام الاختصاص؛ أي: لهم خاصة، جهنم: اسم للنار مشتق من كونها بعيدة القعر؛ أي: شدة التّأجّج بالنّار؛ أي: شديد الاحتراق. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) لمزيد من البيان.

стр. 5004

﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾: المصير: المنتهى. المصير: هو انقلاب الشّيء إلى خلاف الحال التي كان عليها. وأمّا المرجع فهو انقلاب الشّيء إلى الحال التي كان عليها. سورة الفتح [٤٨: ٧] ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾: ﴿وَلِلَّهِ﴾: وحده، تقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة يفيد الحصر. ﴿جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: إعادة هذه الآية لا تعني التّكرار، ولكن الآية (٤) تعني جنود الرحمة المختصين بإنزال السكينة والرحمة، وأما الآية (٧) تعني جنود العذاب، وكذلك أعقبها بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، ولكون الجنود من أجناس مختلفة قال تعالى: (جنود) ولم يقل جند (جند) يدلّ على أنهم من جنس واحد وغايتهم أو مهمتهم واحدة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾: اختار عزيزاً حكيماً؛ لأنه سبق ذلك ذكر إدخال المؤمنين والمؤمنات الجنات، وعذاب المنافقين والمشركين، وجنود السموات والأرض، فالسياق سياق عزة؛ أي: قدرة، وحكمة في الجزاء والثواب. ﴿عَزِيزًا﴾: قوياً لا يُغلب ولا يُقهر وممتنع لا يضره أحد من عباده، له العزة جميعاً؛ عزة القهر وعزة القوة والقهر وعزة الامتناع، وذكر العزة يتناسب مع العقاب والتهديد. ﴿حَكِيمًا﴾: مشتقة من الحكم ومن الحكمة، فهو حاكم السماوات والأرض، وهو كذلك مالك السموات والأرض فهو أحكم الحاكمين وهو أحكم الحكماء

стр. 5005

في شرعه وتدبير شؤون كونه وخلقه، وإدخال المؤمنين الجنة وطرد المشركين والكفار من رحمته وإعداد جهنم لهم مصيراً، ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩). سورة الفتح [٤٨: ٨] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾: ﴿إِنَّا﴾: للجمع والتّعظيم. ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾: يا رسول الله، أرسلناك بالحق للناس كافة، ولمعرفة الفرق بين (أرسلناك وبعثناك) ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة للبيان. ﴿شَاهِدًا﴾: على أمتك يوم القيامة بتبليغ الرّسالة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. ﴿وَمُبَشِّرًا﴾: بالثّواب بالفوز والجنة مبشراً للمتقين وللمؤمنين الذين يعملون الصّالحات. ﴿وَنَذِيرًا﴾: من الإنذار وهو الإعلام مع التّحذير والتّخويف منذراً للكافرين والمشركين والمجرمين والمكذبين، منذراً بالعذاب وبالنّار، نذيراً: كثير الإنذار، وقدم مبشراً على نذيراً؛ لأن المخاطب هو رسول الله ﷺ تكريماً له ولقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، والبشارة: هي رحمة. سورة الفتح [٤٨: ٩] ﴿لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: ﴿لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾: اللام لام التّعليل، بالله: الباء للإلصاق، إيمان العقيدة والتّوحيد والألوهية والرّبوبية والأسماء والصّفات.

стр. 5006

﴿وَرَسُولِهِ﴾: تصدقوا برسوله ﷺ . ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾: تعود على (رسوله)، وقد تعود على الله؛ التّعزير: هو الإعانة، والنّصرة تكون بالقوة، وتعزير الرسول: هو تعزير لله ولم يقل وتعزروهما، توقير الرسول هو توقير لله تعالى. ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾: تعود على الله ورسوله، التّوقير هو الاحترام مع التّعظيم. ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: تعود على الله وحده سبحانه، وقد تكون كل الضمائر السابقة تعزروه، وتوقروه، وتسبحوه: تعود على الله سبحانه، وهناك من قال: أن تعزروه، وتوقروه تعود على الرسول ﷺ ، أو قد تكون مشتركة تعود على الله تعالى ورسوله ﷺ ، أما التسبيح: فلا يكون إلا لله وحده ؛ التّسبيح: هو تنزيه الله عمّا لا يليق به من كل نقص وعيب وشريك وولد وندٍّ ومثيل. والتسبيح لا يكون إلا لله وحده ولا يشمل الرسول ﷺ . البكرة: أول النّهار، الأصيل: آخر النّهار، ارجع إلى سورة مريم آية (١١) لمزيد من البيان. والتّسبيح قد يعني الصّلاة، وبكرةً وأصيلاً يعني: طول النّهار.

стр. 5007

سورة الفتح [٤٨: ١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد المدح. ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾: الخطاب إلى رسول الله ﷺ ، والبيعة: هي العهد على الطاعة لولي الأمر، وبشكل عام: هي أخذ العهد على فعل ما، وإذا بايعوا الولي جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد فأشبه ذلك البائع والمشتري، ولذلك سميت بيعة، وهي بيعة الرّضوان بالحديبية في السّنة السّادسة من الهجرة. والحديبية: قرية صغيرة قرب مكة تدخل في حدود الحرم، وكانوا (١٤٠٠) مسلم. بايع المسلمون رسول الله ﷺ على قتال أهل مكة؛ لأنّهم منعوهم من دخول الحرم للعمرة فبايعوه على الموت في سبيل الله وعدم الفرار. يبايعونك: مشتقة من البيع؛ أي: هم باعوا أنفسهم في سبيل الله بالجنة. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾: أي جعل الله سبحانه مبايعة النّبي ﷺ بمنزلة مبايعتهم له سبحانه.

стр. 5008

أي: من يبايعونك إنما يبايعون الله، وهذا تشريف عظيم له ﷺ . ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾: لتأكيد البيعة، فقد كان كل صحابي يأخذ بيد رسول الله ﷺ يبايعه، يد الله فوق أيديهم هذا مجاز لغوي؛ يعني: الله سبحانه حاضر وشاهد على البيعة. ﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾: الفاء للتوكيد، من: شرطية، نكث: نقض العهد أو البيعة فلم يقاتل وينصر رسول الله ﷺ . ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾: أي عاقبة أو وبال نقضه العهد يرجع عليه وحده ولا يتجاوزه إلى غيره. فإنما: الفاء للتوكيد، إنما كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. ينكث على نفسه: أي وقع عقاب النّقض أو النّكث على نفسه وحده. ﴿وَمَنْ أَوْفَى﴾: من شرطية، أوفى: أي أتمّ عهده ولم ينكث، وحافظ على عهده. ﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق والملازمة، ما: بمعنى الذي عاهد عليه الله. ﴿عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾: عليهُ جاء بالضّمة بدلاً من الكسرة ولم يقل عليهِ؛ لأنّ الضّمة أثقل الحركات (من الفتح أو الكسر) جاء بها لتدل على أنّ هذا العهد هو أثقل العهود؛ أي: استعمل أثقل الحركات وهي الضّمة لأثقل العهود أو البيعات. وهناك من قال بناء الضمير (عليهُ) بالضم لغة الحجاز، أو البناء على الضم يدل على التفخيم لكي يفخم هذا العهد.

стр. 5009

﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط تفيد التوكيد. فسيؤتيه: السّين للاستقبال القريب، الإيتاء هو العطاء وهناك فرق بينهما. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة للبيان. أجراً عظيماً: أي الجنة. وقيل: لم ينكث من الصّحابة أحدٌ غير رجلٍ واحدٍ هو الجدُّ بن قيس وكان من المنافقين. سورة الفتح [٤٨: ١١] ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾: سيقول: السّين للاستقبال القريب أو سيقول لك قريباً. المخلّفون من الأعراب: الذين تخلّفوا عن الخروج معك إلى الحديبية؛ فقد خرج رسول الله معتمراً وطلب من الأعراب الذين كانوا حول المدينة الخروج معه للعمرة، وساق معه الهدي؛ ليُعلِم أهل مكة أنّه لا يريد حرباً، فتثاقل أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع عن الخروج خوفاً من القتل أو الموت وقالوا: كيف يخرج لملاقاة قوم غزوه في عقر داره؟ أي: بالمدينة وقتلوا أصحابه في أحد، وظن هؤلاء أنه سيهلك هو ومن خرج معه ولن يرجعوا إلى المدينة أحياء، واعتذروا لعدم الخروج بالشّغل في أموالهم وأهليهم؛ أي: ليس هناك من

стр. 5010

يقوم بالشّغل بدلاً منهم، وأنهم خافوا على أهليهم وديارهم من الغزو، وهم في الحقيقة تخلّفوا مخافة القتل، وليس صحيحاً ما زعموه. ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾: للتكثير والمبالغة، ولم يقولوا شغلنا. ﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾: الفاء السّببية ربط السّبب بالمسبب، استغفر لنا الله من التّخلف وعدم الخروج معك. وطلبهم الاستغفار هو طلب رياء وليس حقيقة أو جادين في طلب الاستغفار؛ والدليل على ذلك: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ﴾. وهذا من علامات النّفاق؛ أي: يقولون كذباً. ولم يقل يقولون بأفواههم كما ورد في آل عمران آية (١٦٧) القول بالأفواه أقوى وآكد من القول باللسان؛ لأنّ اللسان جزء من الفم فإذا كان القول فيه مبالغة أو توكيد، ذُكرت الأفواه، ولو نظرنا في هذه الآية من سورة الفتح والآية (١٦٧) من سورة آل عمران لوجدنا: (يقولون بألسنتهم) جاءت على لسان الذين تخلّفوا عن الحديبية والخروج مع الرسول ﷺ للعمرة، وزعموا أنهم مشغولون بأموالهم وأهليهم. أما (يقولون بأفواههم): جاءت على لسان الذين تخلّفوا عن معركة أحد والقتال فيها فقد قالوا: لو نعلم قتالاً لاتّبعناكم. فهو سبحانه استعمل كلمة أفواههم في غزوة أحد التي حدث فيها قتال كبير، واستعمل ألسنتهم في صلح الحديبية الذي لم يحدث فيه قتال. ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ ، لهؤلاء الذين
следующие страницы →