← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

﴿وَرَسُولِهِ﴾: تصدقوا برسوله ﷺ . ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾: تعود على (رسوله)، وقد تعود على الله؛ التّعزير: هو الإعانة، والنّصرة تكون بالقوة، وتعزير الرسول: هو تعزير لله ولم يقل وتعزروهما، توقير الرسول هو توقير لله تعالى. ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾: تعود على الله ورسوله، التّوقير هو الاحترام مع التّعظيم. ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: تعود على الله وحده سبحانه، وقد تكون كل الضمائر السابقة تعزروه، وتوقروه، وتسبحوه: تعود على الله سبحانه، وهناك من قال: أن تعزروه، وتوقروه تعود على الرسول ﷺ ، أو قد تكون مشتركة تعود على الله تعالى ورسوله ﷺ ، أما التسبيح: فلا يكون إلا لله وحده ؛ التّسبيح: هو تنزيه الله عمّا لا يليق به من كل نقص وعيب وشريك وولد وندٍّ ومثيل. والتسبيح لا يكون إلا لله وحده ولا يشمل الرسول ﷺ . البكرة: أول النّهار، الأصيل: آخر النّهار، ارجع إلى سورة مريم آية (١١) لمزيد من البيان. والتّسبيح قد يعني الصّلاة، وبكرةً وأصيلاً يعني: طول النّهار.

стр. 5007

سورة الفتح [٤٨: ١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد المدح. ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾: الخطاب إلى رسول الله ﷺ ، والبيعة: هي العهد على الطاعة لولي الأمر، وبشكل عام: هي أخذ العهد على فعل ما، وإذا بايعوا الولي جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد فأشبه ذلك البائع والمشتري، ولذلك سميت بيعة، وهي بيعة الرّضوان بالحديبية في السّنة السّادسة من الهجرة. والحديبية: قرية صغيرة قرب مكة تدخل في حدود الحرم، وكانوا (١٤٠٠) مسلم. بايع المسلمون رسول الله ﷺ على قتال أهل مكة؛ لأنّهم منعوهم من دخول الحرم للعمرة فبايعوه على الموت في سبيل الله وعدم الفرار. يبايعونك: مشتقة من البيع؛ أي: هم باعوا أنفسهم في سبيل الله بالجنة. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾: أي جعل الله سبحانه مبايعة النّبي ﷺ بمنزلة مبايعتهم له سبحانه.

стр. 5008

أي: من يبايعونك إنما يبايعون الله، وهذا تشريف عظيم له ﷺ . ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾: لتأكيد البيعة، فقد كان كل صحابي يأخذ بيد رسول الله ﷺ يبايعه، يد الله فوق أيديهم هذا مجاز لغوي؛ يعني: الله سبحانه حاضر وشاهد على البيعة. ﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾: الفاء للتوكيد، من: شرطية، نكث: نقض العهد أو البيعة فلم يقاتل وينصر رسول الله ﷺ . ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾: أي عاقبة أو وبال نقضه العهد يرجع عليه وحده ولا يتجاوزه إلى غيره. فإنما: الفاء للتوكيد، إنما كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. ينكث على نفسه: أي وقع عقاب النّقض أو النّكث على نفسه وحده. ﴿وَمَنْ أَوْفَى﴾: من شرطية، أوفى: أي أتمّ عهده ولم ينكث، وحافظ على عهده. ﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق والملازمة، ما: بمعنى الذي عاهد عليه الله. ﴿عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾: عليهُ جاء بالضّمة بدلاً من الكسرة ولم يقل عليهِ؛ لأنّ الضّمة أثقل الحركات (من الفتح أو الكسر) جاء بها لتدل على أنّ هذا العهد هو أثقل العهود؛ أي: استعمل أثقل الحركات وهي الضّمة لأثقل العهود أو البيعات. وهناك من قال بناء الضمير (عليهُ) بالضم لغة الحجاز، أو البناء على الضم يدل على التفخيم لكي يفخم هذا العهد.

стр. 5009

﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط تفيد التوكيد. فسيؤتيه: السّين للاستقبال القريب، الإيتاء هو العطاء وهناك فرق بينهما. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة للبيان. أجراً عظيماً: أي الجنة. وقيل: لم ينكث من الصّحابة أحدٌ غير رجلٍ واحدٍ هو الجدُّ بن قيس وكان من المنافقين. سورة الفتح [٤٨: ١١] ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾: سيقول: السّين للاستقبال القريب أو سيقول لك قريباً. المخلّفون من الأعراب: الذين تخلّفوا عن الخروج معك إلى الحديبية؛ فقد خرج رسول الله معتمراً وطلب من الأعراب الذين كانوا حول المدينة الخروج معه للعمرة، وساق معه الهدي؛ ليُعلِم أهل مكة أنّه لا يريد حرباً، فتثاقل أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع عن الخروج خوفاً من القتل أو الموت وقالوا: كيف يخرج لملاقاة قوم غزوه في عقر داره؟ أي: بالمدينة وقتلوا أصحابه في أحد، وظن هؤلاء أنه سيهلك هو ومن خرج معه ولن يرجعوا إلى المدينة أحياء، واعتذروا لعدم الخروج بالشّغل في أموالهم وأهليهم؛ أي: ليس هناك من

стр. 5010

يقوم بالشّغل بدلاً منهم، وأنهم خافوا على أهليهم وديارهم من الغزو، وهم في الحقيقة تخلّفوا مخافة القتل، وليس صحيحاً ما زعموه. ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾: للتكثير والمبالغة، ولم يقولوا شغلنا. ﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾: الفاء السّببية ربط السّبب بالمسبب، استغفر لنا الله من التّخلف وعدم الخروج معك. وطلبهم الاستغفار هو طلب رياء وليس حقيقة أو جادين في طلب الاستغفار؛ والدليل على ذلك: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ﴾. وهذا من علامات النّفاق؛ أي: يقولون كذباً. ولم يقل يقولون بأفواههم كما ورد في آل عمران آية (١٦٧) القول بالأفواه أقوى وآكد من القول باللسان؛ لأنّ اللسان جزء من الفم فإذا كان القول فيه مبالغة أو توكيد، ذُكرت الأفواه، ولو نظرنا في هذه الآية من سورة الفتح والآية (١٦٧) من سورة آل عمران لوجدنا: (يقولون بألسنتهم) جاءت على لسان الذين تخلّفوا عن الحديبية والخروج مع الرسول ﷺ للعمرة، وزعموا أنهم مشغولون بأموالهم وأهليهم. أما (يقولون بأفواههم): جاءت على لسان الذين تخلّفوا عن معركة أحد والقتال فيها فقد قالوا: لو نعلم قتالاً لاتّبعناكم. فهو سبحانه استعمل كلمة أفواههم في غزوة أحد التي حدث فيها قتال كبير، واستعمل ألسنتهم في صلح الحديبية الذي لم يحدث فيه قتال. ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ ، لهؤلاء الذين

стр. 5011

تخلّفوا عن الخروج معك للحديبية، فمن: الفاء رابطة لجواب شرط مقدّر، من: استفهامية. لكم: اللام لام الاختصاص، فالخطاب هنا خطاب خاص موجَّهٌ لهؤلاء فقط؛ أي: المخلفون من الأعراب الذين تخلفوا عن الخروج إلى الحديبية، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٧) من سورة المائدة وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: نجد أنه لم يذكر (لكم) في هذه الآية؛ لأن الآية عامة، وليست خاصة بفئة معينة، كما هو الحال في آية الفتح. شيئاً: نكرة تشمل أيَّ شيء مهما كان صغيراً أو كبيراً، والشّيء هو أقل القليل نفعاً أو ضراً، وسواء أكان حسياً أم معنوياً. ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾: إن: شرطية تفيد الاحتمال، أراد بكم ضراً: قدّم بكم الجار والمجرور للحصر، (بكم) وحدكم، ضراً: بفتح الضّاد، وهو خلاف النّفع مثل: الفقر والقتل والهزيمة والخوف وعدم الأمن وضياع الأموال والموت، ضُراً: بضم الضّاد هو سوء الحال في النّفس مثل: المرض والهم والغم. والضر: هو الأذى إذا اشتد فالضرر أشدّ من الأذى وتكون له آثار بعد ذلك، وقدّم الضر على النفع في هذه الآية؛ لكون السياق في التخلف عن الجهاد الذي يعتبر ضراً؛ لكونه يؤدي إلى القتل والسّبي. ﴿أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾: من ظفر ونصر وغنيمة وأمن.

стр. 5012

﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: بل للإضراب الانتقالي. كان الله: (كان) تشمل كل الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل، كان ولا يزال وسيبقى خبيراً. بما: الباء للإلصاق والملازمة، ما: تعني الذي أو مصدرية. تعملون: العمل يشمل الأقوال والأفعال. خبيراً: أي عليماً ببواطن أموركم وما تخفي صدوركم من الصدق أو الكذب والنّفاق والرّياء. وقدّم (تعلمون) على (خبيراً) ولم يقل وكان الله خبيراً بما تعلمون؛ لأن الآيات في سياق عمل المخلّفين (أي أقوالهم بألسنتهم). سورة الفتح [٤٨: ١٢] ﴿بَلْ ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾: ﴿بَلْ ظَنَنتُمْ﴾: بل للإضراب الانتقالي، ظننتم: من الظّن: هو الشك مع رجحان كِفَّة الإثبات على النّفي. أي: كان رأيهم الراجح. ﴿أَنْ لَنْ﴾: أن للتعليل والتّوكيد، لن: لنفي المستقبل القريب والبعيد؛ أي: أنّ الرّسول والمؤمنين لن يرجعوا سالمين بعد الذهاب للعمرة؛ أي: سيهلكون قريباً أو بعيداً. ﴿يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾: الانقلاب؛ أي: الرّجوع أو

стр. 5013

العودة إلى منازلهم أو ديارهم، والانقلاب يختلف عن الرّجوع، الرّجوع: هو العودة إلى المكان الذي خرج منه وبدون تغيير. الانقلاب: هو الرّجوع إلى غير الحالة التي خرج فيها، فقد يرجع أو لا يرجع وإذا رجع لن تكون حالته كما في السّابق. ﴿إِلَى أَهْلِيهِمْ﴾: ولم يقل إلى أهلهم، أهليهم: تضمّ الزوجة والأولاد والعشيرة والأقارب، وأما أهلهم: تعني الزوجة والأولاد فقط. ﴿أَبَدًا﴾: للتوكيد؛ أي: سيقتلون حتماً على يد قريش ولن يرجعوا إلى أهليهم بل ينقلبوا إلى القبور. ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ﴾: زُيّن: مبني للمجهول، وغالباً من يفعل ذلك هو الشّيطان. ﴿ذَلِكَ﴾: أي عدم الانقلاب والعودة إلى أهليهم. ﴿فِى قُلُوبِكُمْ﴾: خاصة. ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾: ظننتم من الظّن هو الاحتمال الراجح، ارجع إلى مطلع الآية. ظن السوء: الظن السيء، والسوء: مصدر ساءه، والسوء: هو الاسم، والظن السيء: هو أن الرّسول والمؤمنين سيُقتلون ولن ينقلب أحد منهم إلى أهليهم. ﴿وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾: بور: جمع بائر، وبار الشّيء: فسد وهلك، بوراً

стр. 5014

مصدر للمفرد والمؤنث والجمع؛ أي: لا خير فيكم مستوجبين سخط الله وعقابه؛ أي: هالكين أو فاسدين. مشتقة من: أرض بور أي جدباء لا خير فيها. سورة الفتح [٤٨: ١٣] ﴿وَمَنْ لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾: ﴿وَمَنْ لَّمْ﴾: الواو عاطفة، من: شرطية، لم: للنفي. ﴿يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾: إيمان عقيدة وتوحيد، والباء للإلصاق والملازمة. ﴿وَرَسُولِهِ﴾: إيمان تصديق وطاعة، انتبه إلى كونه جمع بين الإيمان بالله تعالى ورسوله، وهذا مغاير لمن يظن أنّ الإيمان بالله تعالى أو بالقرآن وحده يكفي. ﴿فَإِنَّا﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، إنّا: للجمع والتّعظيم. ﴿أَعْتَدْنَا﴾: هيّأنا وحضّرنا. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، الكافرين: الذين لم يؤمنوا بالله وروسوله. ﴿سَعِيرًا﴾: اسم للنار، سعير (نكرة) للتهويل والتّعظيم، والسّعير: شدة الالتهاب، فمن لم يؤمن بالله ورسوله فهو يستحق السّعير. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) لمزيد من البيان.

стр. 5015

سورة الفتح [٤٨: ١٤] ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ولله حصراً ملك السموات والأرض الحكم، والملك لا يشاركه فيه أحد. ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: ومشيئته تابعة لحكمته، يغفر للتائب المنيب. ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾: ويعذّب المنافق والكافر والمشرك أو العاصي لأوامر الله ورسوله إذا لم يتب ويرجع عن ضلاله. ورحمته سبحانه سبقت غضبه (عذابه)، ولذلك قدّم المغفرة على العذاب. وقد يكون هذا الكلام معطوفاً على قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: الذي له ملك السموات والأرض يغفر لمن يشاء، انتقال من الإنذار والتّخويف إلى الإطماع في المغفرة والرّحمة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾: كان: تشمل جميع الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل؛ أي: كان ولا يزال وسيبقى غفوراً لمن تاب وأصلح وأناب إلى ربه وأخلص دينه لله. غفوراً: صيغة مبالغة من غفر؛ أي: يغفر الذنوب العِظام والكثيرة. ﴿رَحِيمًا﴾: بالمؤمنين يستر ذنوبهم ويمحوها ولا يعاقبهم عليها، ويثيبهم على حسناتهم وقد يبدّل سيئاتهم حسنات، فهذا يدل على أقصى درجات الرّحمة. رحيماً: صيغة مبالغة: كثير الرحمة بعباده المؤمنين. سورة الفتح [٤٨: ١٥] ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ

стр. 5016

يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾: سيقول: السّين للاستقبال القريب؛ أي: سيقول لكم المخلّفون من الأعراب؛ قبائل غفار وجهينة ومزينة وأشجع بعد رجوعكم من الحديبية، وأردتم الخروج إلى غزوة خيبر: ذرونا نتّبعكم. ﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية، تفيد الحتمية. ﴿انطَلَقْتُمْ﴾: أي: إذا خرجتم لفتح خيبر (مغانم خيبر) حيث وعدهم الله سبحانه بها عند رجوعهم من الحديبية في ذي الحجة من السّنة (٦) للهجرة. ﴿إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾: أي: بعد الانتهاء من فتح خيبر وجلاء اليهود عنها، لتأخذوها: لام التّعليل. ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾: أي دعونا نخرج معكم لخيبر. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾: يريدون ولم يقل يريدوا؛ أضاف نون التّوكيد. يبدّلوا كلام الله: هو أنّ مغانم خيبر خاصة لمن خرج للحديبية مع الرّسول ﷺ ، وأن لا يسمح لمن تخلّف عن الخروج للحديبية بالخروج معه إلى خيبر. ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ ، لن: للنفي القريب أو البعيد، لن تخرجوا معنا ولن تتبعونا إلى خيبر.

стр. 5017

﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾: كذلكم ولم يقل كذلك بلفظ الجمع خطاب لهؤلاء الذين قل لهم لن تتبعونا، ويفيد التوكيد. قال الله من قبل: أي أخبرنا بالوحي قبل عودتنا إلى المدينة بعد الحديبية لن تخرجوا معنا ولن تتبعونا. ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾: أي الذين تخلّفوا عن الحديبية سيقولون للذين خرجوا لغزوة خيبر بل تحسدوننا، وفعلاً قالوا ذلك (ليس هذا أمراً من الله) إنّما هو ذريعة وحُجّة باطلة، من عند أنفسهم؛ أي: تحسدوننا على نصيبنا من الغنائم ولذلك لا تريدوننا أن نخرج معكم. ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: بل للإضراب الانتقالي. كانوا لا يفقهون: لا يفهمون؛ الفقه لغةً: الفهم، واصطلاحاً: هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها. إلا أداة حصر، قليلاً: أي قلّة الفقه في الدّين، وصفهم الله بالجهل وعدم الفهم. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٨) لمزيد من البيان. ﴿لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي عدد الذين يفقهون قليلٌ والأكثرية جهّالٌ، أو مقدار فقههم قليلٌ.

стр. 5018

سورة الفتح [٤٨: ١٦] ﴿قُلْ لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِى بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: ﴿قُلْ﴾: يا رسول الله ﷺ . ﴿لِّلْمُخَلَّفِينَ﴾: اللام لام الاختصاص، المخلّفين: أي الذين تخلّفوا عن الخروج مع رسول الله ﷺ إلى الحديبية، وطالبوا بالخروج معك إلى خيبر؛ ليأخذوا من مغانمها، ومنعهم الله من ذلك. ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى﴾ وعدهم الله سبحانه بأنّه سيدعوهم للخروج في المستقبل. ﴿إِلَى قَوْمٍ أُولِى بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: لقتال قوم أولي بأس: أصحاب قوة وشدة في الحرب أو القتال، قيل: هم هوازن وغطفان يوم حنين في السّنة الثامنة للهجرة أو بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة الكذّاب، وكان قتالهم في زمن أبي بكر الصّديق ﵁. ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾: تقاتلونهم أو يسلمون بدون حاجة إلى القتال. ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾: الفاء للتوكيد، إن: شرطية تفيد الافتراض أو الاحتمال، تطيعوا: الدّاعي؛ أي: تنفروا للجهاد. ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾: أي الجنة. ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾: إن شرطية، تتولَّوا: تُعرِضوا وترفضوا الجهاد في سبيل الله. ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُم مِنْ قَبْلُ﴾: أي عام الحديبية، لم تخرجوا للحديبية مع رسول الله ﷺ .

стр. 5019

﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: في الدّنيا بالقتل والإذلال والكوارث والبلاء وغيرها من أنواع العذاب، وفي الآخرة بعذاب النار، ثمّ يستثني من هذا العذاب الأعمى والأعرج والمريض. سورة الفتح [٤٨: ١٧] ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: الأعمى والأعرج والمريض، ليس على هؤلاء حرج في عدم الخروج، أو حرج في التّخلف عن الجهاد أو قتال القوم أولي البأس الشديد، لأنّ هؤلاء لما نزلت الآية (١٦) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. قال أهل الأمراض المزمنة مثل الأعمى والأعرج والمريض: كيف بنا يا رسول الله؟ فنزلت هذه الآية (١٧). لا حرج عليكم ولا إثم ولا ذنب في التّخلّف وعدم الخروج والجهاد أو قتال هؤلاء القوم. وتكرار لا يفيد توكيد النّفي، وفصل كل طائفة عن الأخرى أو الكل معاً. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: من شرطية، تشمل المفرد والمثنى والجمع، يطع الله ورسوله فيما أمرا به ونهيا عنه. وجمع بين طاعة الله ورسوله؛ لأن طاعة الرسول ﷺ هي طاعة لله تعالى. ارجع إلى سورة النساء آية (٥٩) للبيان المفصل. يطع الله ورسوله بالخروج للجهاد في سبيل الله.

стр. 5020

﴿يُدْخِلْهُ﴾: جواب الشّرط. ﴿جَنَّاتٍ﴾: جمع جنة، هناك جنات الفردوس وعدن والنّعيم، ودار الخلد والسّلام، جنات المأوى. ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي تنبع من تحتها الأنهار، وهذا وعد صدقٍ من الله تعالى وترغيب في الجهاد في سبيل الله. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾: يعرض ويرفض الخروج إلى الجهاد في سبيل الله. ﴿يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: هذا وعيد من الله تعالى لمن يعصي أوامر الله ويترك ويتخلّف عن فريضة الجهاد إذا توفرت شروط الجهاد. سورة الفتح [٤٨: ١٨] ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾: ﴿لَّقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق. ﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي الذين خرجوا معه للعمرة وحضروا صلح الحديبية وكان عددهم (١٤٠٠) ﵃ إلا المنافق جدّ بن قيس لم يبايع رسول الله ﷺ . رضي الله تعالى عن عملهم (البيعة) على الموت في سبيل الله. ﴿إِذْ﴾: ظرف للزمن الماضي. ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾: ولم يقل بايعوك بالماضي وإنما جاء بصيغة الحاضر؛ للدلالة على حكاية الحال؛ أي: كأنّ البيعة تحدث الآن لعظم شأنها، واستحضار صورتها الجليلة. والنون في (يبايعونك) للتوكيد على أهمية البيعة. يبايعونك على الموت وعدم الفرار، يبايعونك على قتال قريش، وكما روى البخاري ومسلم عن يزيد بن عُبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع: على أيِّ شيء بايعتم رسول الله؟ قال: على الموت، وسمّيت بيعة الرّضوان؛ لقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾: اسمها سَمُرة، وجاء بأل التّعريف (الشّجرة)؛ لأنّها معروفة. ﴿فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾: الفاء للتوكيد، علم ما في قلوبهم: من الصّدق والإخلاص والوفاء للقتال في سبيل الله. ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾: الفاء للمباشرة، السّكينة؛ أي:

стр. 5021

الطّمأنينة والأمن والسّكون والرّضى، عليهم: على الصّحابة ﵃ (١٤٠٠) إلا جدّ بن قيس. قال: السّكينة، ولم يقل سكينته، السّكينة هذه عامة تنزل على الصّحابة والمؤمنين إذا شاء الله، وأمّا سكينته تشريف السّكينة بإضافتها إليه سبحانه، هذه سكينة خاصة تخص الرّسول ﷺ أو الرّسل الآخرين أو فئة خاصة من المقربين. ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾: أثابهم من الثّواب: هو الجزاء على أعمالهم الصّالحة، فتحاً قريباً: هو فتح خيبر. سورة الفتح [٤٨: ١٩] ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾: في الآية السّابقة قال تعالى: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ هو فتح خيبر، ومغانم كثيرة يأخذونها: من جراء ذلك الفتح. فقد كانت خيبر ذات بساتين ومزارع ونخيل وثمر وحصون ومال. ﴿وَمَغَانِمَ﴾: جمع غنيمة، وهو ما يؤخذ من أموال المشركين أو الكافرين بقتال. أما الفيء: هو ما يؤخذ من الأموال والغنيمة بدون قتال، أما الأنفال: ارجع إلى الآية (١) من سورة الأنفال للبيان. ﴿يَأْخُذُونَهَا﴾: في المستقبل، وهذا بشارة لهم بالنّصر ولتطمئنّ قلوبهم بعد ما حدث لهم في الحديبية. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾: ارجع إلى الآية (٧) من السّورة نفسها للبيان. سورة الفتح [٤٨: ٢٠] ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ﴾: الوعد يأتي في سياق الخير عادة إذا أطلق وإذا قيد قد يأتي في سياق الشر للتوبيخ أو التقريع، والوعيد يأتي في سياق الشّر.

стр. 5022

﴿مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾: أي في الفتوحات القادمة. ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾: الفاء للمباشرة، عجّل لكم هذه؛ أي: مغانم خيبر. ﴿وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنكُمْ﴾: الكفّ: الامتناع عن القيام بالفعل أو موالاة الفعل، أي: أيدي اليهود من أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان حين جاؤوا لنصرتهم، فقذف الله في قلوبهم الرّعب فولَّوا هاربين. ولمَ اختار كفّ أيدي النّاس عنكم؟ الكفّ يحدث حين يأتي العدو ويباشر أول خطوة ويحشد قواته ويتحرك تجاه أرض المعركة، فتأتي قوة تمنعه من التّحرك، وهذا ما حدث في خيبر حيث كفّ أيدي العدو اليهود وحلفائهم، وقذف في قلوبهم الرّعب فلم يصمدوا طويلاً أمامهم. أو ما حدث في الحديبية من عدم القتال. ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾: الواو عاطفة، اللام لام الاختصاص؛ أي: أخذ المغانم المعجّلة، أو كفّ أيدي النّاس عنكم بالصّلح في الحديبية، أو منع أهل خيبر وحلفاءهم من الوصول إليكم، كل ذلك آية للمؤمنين وعبرة. أي: علامة تسبق فتح مكة؛ أي: كان فتح خيبر أو صلح الحديبية آية للمؤمنين (دلالة وعلامة) على فتح مكة القادم. وقدّم الآية على المؤمنين؛ لأهميتها ودلالتها لكونها فريدة وخاصة. ارجع إلى سورة مريم آية (٢١) للبيان. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾: هو دين الإسلام الموصل للغاية بأقصر مسافة وزمن وبلا مشاقّ. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٦) لمزيد من البيان. سورة الفتح [٤٨: ٢١] ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا﴾: ﴿وَأُخْرَى﴾: أي مغانم أخرى، وأخرى قيل: هي مغانم هوازن في غزوة حنين وفتوحات فارس والرّوم.

стр. 5023

﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾: في حالتكم الرّاهنة أو عددكم وعدّتكم. ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾: علماً أنّها ستكون لكم وتأخذونها في المستقبل. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا﴾: ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٠) للبيان. سورة الفتح [٤٨: ٢٢] ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: ﴿وَلَوْ﴾: لو شرطية. ﴿قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: مشركو مكة بالحديبية ولم يصالحوكم، لَولَّوا الأدبار، أو قيل: أهل خيبر وحلفاؤهم يوم خيبر، لَولَّوا الأدبار وقد تعني كلاهما. ﴿ثُمَّ﴾: لتباين الأهمية بين الهزيمة (لَولوَّا الأدبار) وبين (لا يجدون ولياً ولا نصيراً) لأنّ التّولّي أمرٌ مؤقّتٌ وينتهي، بينما: لا يجدون ولياً ولا نصيراً: أمرٌ دائمٌ. ولياً: مُعيناً أو مُحبّاً من يلجؤون إليه في الدنيا أو الآخرة. ﴿نَصِيرًا﴾: من ينصرهم بأيّ وسيلة بالأيدي أو العدّة والعتاد، أو يدفع عنهم العذاب أو يخفّفه في الدّنيا والآخرة. وتكرار لا يفيد توكيد النّفي، وفصل الولاية عن النّصرة أو كلاهما معاً. سورة الفتح [٤٨: ٢٣] ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾: تعريف السّنة: طريقته وعادته سبحانه تكون على مثال سابق أجراه الله على خلقه وكونه سابقاً. ﴿الَّتِى قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾: مضت من قبلُ: بالضّم وتدل على زمن معين. ولم يقل من قبلِ بالكسر التي تدل على زمن بعيد أو قريب؛ أي: في أيّ زمن غير محدد. ﴿وَلَنْ﴾: نافية للاستقبال القريب والبعيد.

стр. 5024

﴿تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾: أي يبدّل الهلاك بالعفو مثلاً، أو العذاب بعذاب آخر. أما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣]؛ تعني: يحوّل العذاب من قوم إلى قوم، فسُنن الله سبحانه لا تُبدّل ولا تتغير ولا تتحوّل، ارجع إلى سورة النساء آية (٢٦) لمزيد من البيان، وإلى سورة فاطر آية (٤٣). ما الفرق بين السّنّة والعرف والعادة؟ السّنّة كما ذكرنا في مطلع الآية. العادة: مأخوذة من العَود أو المعاودة؛ أي: التّكرار، العادة تتحقق بتكرار العمل، والعادة تطلق على ما يعتاده الإنسان بنفسه (عادات في الأكل والشّرب والحديث) العادة إذن فردية. أما العادات التي تعتادها الجماهير أو الجماعات وتقوم بها يطلق عليها: العرف. العرف: ما تعارف عليه النّاس من قول أو فعل أو ترك، وتواصَوا به في شؤونهم الحياتية، حيث ألِفوه واطمأنّوا إليه فأصبح أمراً معروفاً. أي: هو ما اعتاده وألِفه النّاس وتعارفوا عليه، واستقرّ في نفوسهم وساروا عليه من قول أو فعل أو العرف (العادة الجارية المشتركة بين النّاس). والتقليد: أن يقلّد الإنسان من سبقه من الآباء والأجداد، أو أن يفعل ما فعلوه بدون تفكير أو استعمال العقل، فالتّقليد: هو إلغاء للفكر والعقل، وهو مذموم، وهناك تقليدٌ مستحبٌّ مثل تقليد الصحابة.

стр. 5025

سورة الفتح [٤٨: ٢٤] ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾: وهذه منَّةٌ أخرى من الله تعالى على رسوله ﷺ وعلى المؤمنين حين حاول ثمانون من المشركين المتسلّحين الغدر بالمؤمنين يوم الحديبية، فأسرهم أصحاب رسول الله وأتوا بهم رسول الله ﷺ فعفا عنهم، فكان سبب صلح الحديبية. وفي حديث آخر قيل: ثلاثون. ﴿وَهُوَ الَّذِى﴾: وهو ، الذي للتعظيم. ﴿كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾: في الحديبية وسمّى الحديبية (ببطن مكة) وقيل: بطن مكة وادي مكة، وقيل: بطن مكة التّنعيم. ﴿كَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾: أي كفّ أيدي أهل مكة من الكفار والمشركين. ﴿عَنكُمْ﴾: عن الرّسول وأصحابه الذين خرجوا للعمرة. ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم﴾: حين أسروا (٣٠) أو (٨٠) رجلاً من أهل مكة أرادوا غرَّة رسول الله وأصحابه؛ أي: المفاجأة والنَّيل منكم. ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾: بأسر هؤلاء الـ (٨٠) أو (٣٠) منهم. وهناك فرق بين: ظفرت بفلان وظفرت عليه، ظفرت عليه؛ أي: تغلّبت عليه وقهرته أو أسرته، وظفرت به؛ أي: ثقفته أو وجدته وأنت قادرٌ ومتمكِّنٌ منه.

стр. 5026

﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾: أي أحاط بصره بجميع المبصرات في أقطار السموات والأرض، يبصر ويرى كلّ شيء يجري في كونه سواء كان ظاهراً أو باطناً؛ أي: مطَّلع على أعمالكم (الأقوال والأفعال). وقدّم (تعملون) على (بصيراً)؛ لأنّ سياق الآيات في الأعمال وليس السّياق في صفات الله تعالى أو أعمال القلوب والنّوايا. سورة الفتح [٤٨: ٢٥] ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: ﴿هُمُ﴾: للتأكيد، وتعود على كفار مكة؛ كفروا بالله وبرسوله وما فعلوه من منعكم وصدِّكم يستحقون أن يقاتَلوا، ولكنّ الله سبحانه لم يسمح بذلك؛ لأنه كان هناك بين المشركين رجال مؤمنون ونساء مؤمنات. ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: أي منعوكم من الوصول إليه والدّخول إليه للعمرة والزّيارة. ﴿وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾: الهدي: كل ما يُهدى للبيت من البُدن والغنم؛ حيث ساقوا معهم (٧٠) بدنة، معكوفاً: محبوساً عن أن يبلغ محِلّه: مكان نحره أو حيث نحره؛ أي: مكان منى، أن: حرف مصدري يفيد التّعليل. ﴿وَلَوْلَا﴾: حرف امتناع لامتناع. ﴿رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ﴾: هذا هو المانع لعدم قتالهم؛ أي: وجود هؤلاء أهل الإيمان بين كفار مكة؛ أي: مختلطون بالمشركين. ﴿لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾: مَنْ هم، أو غير عارفين بهم.

стр. 5027

﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾: أن للتعليل، تطؤهم: أي أن تطؤوهم غير عالمين بهم والوطء: الدّوس؛ أي: القتل، أن تطؤوهم؛ أي: أن تقتلوهم خطأ. ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: معرَّة: عيب أو مساءة بقتل من هو على دينكم أو إثم بالتقصير في البحث عنهم، وتعيير الكفار لكم من إصابة إخوانكم بالأذى أو القتل. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: أنكم قد آذيتموهم أو أسأتم لهم. ﴿لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: ليدخل: اللام لام التّعليل. ﴿لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: قدّم الرّحمة على المشيئة؛ لأنّ الآيات جاءت في سياق صحابة رسول الله ﷺ الذين يمثّلون خير القرون، بينما في سورة الإنسان آية (٣١) قال تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِى رَحْمَتِهِ﴾، قدّم المشيئة على الرّحمة؛ لأنّ السّياق في عامة الخلق. ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾: لو حرف امتناع لامتناع. تزيلوا: أي لو تميّزوا أو انفردوا عن الكفار أو تفرّقوا عنهم؛ أي: خرجوا من بينهم. من زيّله: فرَّقه. ﴿لَعَذَّبْنَا﴾: اللام للتوكيد. ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: بالقتل والهزيمة في الدّنيا أو الكوارث أو الابتلاءات. سورة الفتح [٤٨: ٢٦] ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ

стр. 5028

عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾: ﴿إِذْ﴾: معناها: واذكر. ﴿جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أو بمعنى حين، واذكر حين جعل الذين كفروا. ﴿فِى قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: الحميّة حميّة الجاهلية؛ أي: الأنَفَة والتّعاظم والتّكبّر عن قول الحق، وبمنع دخول الرّسول والصّحابة لزيارة البيت الحرام والطّواف به، وقولهم: كيف نسمح لهم بدخول ديارنا ومنازلنا وهم عدو لنا؟ أو كيف يدخلوها رغم أنوفنا؛ أي: بالقوة والقهر. وكذلك حين رفضوا كتابة (بسم الله الرحمن الرحيم وأن محمّداً رسول الله) في عقد الصّلح. ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: فأنزل: الفاء للمباشرة، أنزل الله سكينته: ولم يقل السّكينة بل قال: سكينته، أضاف السّكينة إليه سبحانه تشريفاً لها، أنزلها على رسوله وعلى المؤمنين (الصّحابة) حين هَمَّ أو عزم المؤمنون عدم قبول الصّلح، فأنزل سكينته سبحانه؛ أي: الطّمأنينة والرّضى والصّبر والتّسليم لأمر الله سبحانه رغم ما أصابهم من القهر والأذى. ﴿وَأَلْزَمَهُمْ﴾: أي المؤمنين. ﴿كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: وهي لا إله إلا الله محمّد رسول الله، ألزمهم بحملها والدّعوة إليها، وقيل: بسم الله الرحمن الرحيم، وقيل: الوفاء بالعهد. ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا﴾: أولى بها وأجدر بهذه الكلمة كلمة التّوحيد. ﴿وَأَهْلَهَا﴾: أهلاً لحمل هذه الكلمة والدّعوة إليها.

стр. 5029

﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾: بأقوال وأفعال ونوايا كلٍّ من الفريقين المؤمنين والكفار. سورة الفتح [٤٨: ٢٧] ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّءْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾: المناسبة: كما قال قتادة ومجاهد: كان رسول الله ﷺ قد رأى في المنام أنّه دخل مكة وأصحابه، وطاف بالبيت وحلقوا رؤوسهم وقصّروا، وأخبر ﷺ أصحابه بتلك الرّؤيا وهم في المدينة قبل الخروج إلى الحديبية، فلما رجعوا بدون دخول مكة ولم يعتمروا ويطوفوا بالبيت، شقَّ عليهم ذلك وكانت أكبر فتنة يومها، وقال المنافقون: أين رؤياه التي رآها؟ والحقيقة: أنّ رسول الله ﷺ لم يخبرهم بالعام أو الزّمن؛ أي: متى سيدخل مكة. ﴿لَّقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق والتّوكيد. ﴿صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّءْيَا بِالْحَقِّ﴾: أي جعل رؤيا الرّسول ﷺ حقاً، أو صدقاً. الرّؤيا: هنا الرّؤيا المناميّة؛ أي: ما يراه النائم وليست الرّؤية البصريّة. والحق: الأمر الثابت الذي لم يتغير أو يتبدل، والحق نقيض الباطل، والريا بالحق: أي: الصدق. ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾: اللام والنّون للتوكيد، تدخلنَّ المسجد الحرام: للعمرة والزّيارة في العام القادم.

стр. 5030

﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال، شاء الله: بإذن الله تعالى ومشيئته. ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾: حلق الشعر أو التقصير جزء من مناسك العمرة (والجزء يدل على الكل)؛ أي: آمنين تقومون بأعمال أو مناسك العمرة كاملة لا تخافون، وحلقُ الرّأس والتّقصير يكون بعد إتمام العمرة، وهذا يدل على أنهم سيدخلون، ويتمون العمرة بأمن وطمأنينة، وعدم الخوف. ﴿لَا تَخَافُونَ﴾: لا النّافية، عدواً، تخافون: أحداً، والنون للتوكيد بدلاً من القول لا تخافوا. ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾: أي: علم سبحانه ما لم تعلموا من الحكمة والمصلحة والمنفعة في تأخير العمرة وعدم دخول مكة هذا العام وما في الصّلح من خير للمسلمين. وكذلك علم ما لم تعلموا من أنكم ستفتحون خيبر وأنتم لا تعلمون ذلك. ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾: أي جعل من دون فتح مكة أو فتح الحديبية. ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾: هو فتح خيبر. سورة الفتح [٤٨: ٢٨] ﴿هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾: ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل يفيد الحصر والتّوكيد؛ أي الله الذي أرسل رسولَه. ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾: بالهدى؛ أي: بالقرآن. ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾: دين الإسلام. الحق؛ أي: الثابت الذي لا يتغير أو يتبدل.

стр. 5031

﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾: اللام للتوكيد والتَّعليل، وهاء الضَّمير في (يظهره) تعود على الإسلام، وإظهاره لا يعني بالقوة فحسب، وإنما بالحجج والبراهين للناس، ولا يعني أنّ كل إنسان سيدخل في الإسلام ويصبح مسلماً أو أنّه يمحو الشرائع أو الدّيانات الأخرى. وقيل: ليظهره على الدين كُلِّه عند نزول عيسى ويحكم بالإسلام ويصبح الدين الظاهر على بقية الديانات أو الشرائع. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾: الباء للتوكيد، شهيداً: صيغة مبالغة من: شاهد، والشّهيد: العليم بظاهر الأمور، والخبير: هو الشّهيد ببواطن الأمور، والشّهادة تعني: العلم مع الحضور. فيكفي أن يكون الله شهيداً على نبوّة محمّد أو شهيداً على ما وعده، أو شهيداً أنه سيظهر دينه. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٣٣) لمزيد من البيان في معنى شهيداً.

стр. 5032

سورة الفتح [٤٨: ٢٩] ﴿مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِى الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾: الآية السّابقة انتهت بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ وبدأت هذه الآية: ﴿مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ فضلاً من الله ورضواناً؛ أي كفى بالله شهيداً محمّد رسول الله. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول للمدح. ﴿مَعَهُ﴾: ولم يقل والذين آمنوا معه؛ لأنّ (معه) تعني: الصحابة الكرام والصّحبة، وهل يصاحب رسولُ الله إلا مؤمناً؟ إذن لا داعي لذكر: الذين آمنوا معه. ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾: أشداء على الكفار، ولم يقل شداد؛ أشداء تعني: في الناحية العاطفية والمعنوية؛ أي:، رحماء فيما بينهم؛ أي: يعاملون إخوانهم أو بعضهم بعضاً بالبر والرّحمة، ولو قال: شداد؛ تعني: في القوة المادية أو الحسية. ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾: منشغلين أو مهتمين بالصّلاة أو كثرة الصّلاة. ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾: يطلبون ثواب الله ورضاه رضواناً: من الرّضوان؛ صيغة مبالغة: كثير الرّضا، فرضاه سبحانه أعظم الرّضا. ﴿سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: سيماهم: علامتهم، السّيما هي العلامة، السّيماء: العلامة التي تحدث في الجبهة من كثرة السّجود، أو النّور الذي يحدث في وجوههم من أثر الإيمان، تشعُّ وجوههم بالنّور، وقيل: هو صفرة الوجه من خشية الله. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٧٣) لمزيد من البيان.

стр. 5033

﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التَّوْرَاةِ﴾: ذلك: الوصف السابق لأصحاب رسول الله مذكور في التّوراة؛ أي: تلك صفاتهم التي ذكرت في التّوراة قبل تحريفها وهي: أشداء على الكفار، رحماء بينهم، تراهم ركّعاً سجّداً، سيماهم في وجوههم. ﴿وَمَثَلُهُمْ فِى الْإِنجِيلِ﴾: ووصفهم في الإنجيل. ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ﴾: الشَّطء: ما يتفرّع على جانب الزرع من فروع، فالشَّطء تعني: الأغصان الجانبية، جمعه: أشطاء؛ أي جوانب؛ أي هم كزرع. يقال: أشطأ الزرع: إذا فرّخ؛ أي ظهرت له أغضان جديدة. فآزره: من المؤازرة؛ أي المساعدة؛ أي يشدُّ بعضهم أزرَ بعض ـ آزره على وزن: أفعل. ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾: تحوّل من الرّقّة إلى الغلظة؛ أي: نما وازداد حجماً أو غلظ وقوي، وهذا يمثّل ازدياد عدد الصحابة والمؤمنين وازدياد قوتهم وشدتهم. ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾: استقام أو قام. وقيل الزّرع: هو رسول الله ﷺ . والشَّطء: أصحاب رسول الله ﷺ ، كانوا قليلاً ثم كثروا وأصبحوا أقوياء؛ أي: هم ينبتون كالنبات في الزيادة والقوة. ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾: لقوامه وغلظته وحسن هيئته؛ أي: يعجب زارعيه (من زرعه) وإذا عجب من زرعه أعجب غيرهم. الزُّرَّاع: جمع زارع جمع تكسير، ويدل على الاسم أكثر مما يدل على الفعل، أو الحدث كما لو قال يعجب الزارعون، وفي سورة الحديد آية (٢٠) قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾؛ الكفار: تعني الزراع، ولذلك لم يقل في سورة الفتح يعجب الكفار ليغيظ بهم الكفار، وإنما استبدل الكفار بالزراع؛ لأن الزارع يحاول إخفاء البذرة في الأرض، والكافر يحاول إخفاء كفره، والزارع لا يزرع إلا ما

стр. 5034

ينتفع به، وله فائدة، وأما المطر أو الغيث قد يؤدي إلى إخراج نباتات لا فائدة منها، والزراع في آية الفتح هم صحابة رسول الله ﷺ ، فهم لا يزرعون إلا الخير لغيرهم من الأجيال القادمة، وتحمل الآية معنى المدح والثناء عليهم. ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾: اللام في (ليغيظ) لام التعليل، والغيط: هو غضب كامن في نفس العاجز عن الانتقام، وهو نوع من الغمّ أو مرحلة من مراحل الغضب وهو أشد من الغضب … ارجع إلى سورة التوبة آية (١٥) لمزيد من البيان. والآية تعني: كثّرهم وقوّاهم؛ ليغيظ بهم الكفار حتى يقيموا لهم وزن ويخافوا منهم، أو يشبهوا الزرع في نمائهم في الزيادة والقوة. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم﴾. منهم: أي من أصحاب الرسول ﷺ ، منهم خاصة؛ أي: وهذا وعد خاص للصحابة ﵃، مَنْ شهد صلح الحديبية. وإذا قارنّا هذه الآية (٢٩) من سورة الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. والآية (٩) من سورة المائدة وهي قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. فالآية في سورة الفتح تتحدث عن صحابة رسول الله ﷺ فقال: منهم (فقط). والآية من سورة المائدة تتحدث عن المؤمنين والمؤمنات عامة فقال: لهم. والمغفرة: هي محو الذّنوب وترك العقاب. وأجراً عظيماً: هو الجنة.

стр. 5035

سورة الحجرات [٤٩: ١] سورة الحجرات ترتيبها في القرآن (٤٩)، وترتيبها في النزول (١٠٦). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أسباب النزول: ١ - روى البخاري والترمذي أنها نزلت حين اختلف أبو بكر وعمر ﵄ في تأمير القعقاع بن معبد أو الأقرع بن حابس. ٢ - وروي عن الحسن البصري أن أناساً ذبحوا قبل رسول الله ﷺ يوم النحر. ٣ - وأخرج الطبراني عن عائشة ﵂ أن أناساً كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي ﷺ . والمهم هو عموم اللفظ وليس بخصوص السبب. نداء جديد للذين آمنوا بتكليف جديد أو أمر أو حكم. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: يا النّداء للبعد والهاء للتنبيه ﴿لَا﴾: النّاهية. ﴿تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: لا تتعجلوا بقول أو فعل أو فتوى أو إصدار حكم أو تحليل أو تحريم أو تشريع بغير علم أو إذن من الله ورسوله أو أمر،

стр. 5036

واتّبعوا ما شرع الله تعالى ورسوله، ولا تقدّموا بآرائكم على ما جاء في الكتاب أو سنّة رسوله ﷺ ؛ أي: الزموا الكتاب والسّنّة. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أي أطيعوا أوامر الله تعالى وتجنبوا نواهيه، وقُوا أنفسكم غضب الله وسخطه أو النّار. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: إنّ للتوكيد، سميع لكلّ أقوالكم في السّر والعلن، وما في الكون من سر وعلن، عليم بكلّ الأفعال والنّوايا وذوات الصّدور، وأحاط علمه بخلقه وكونه فلا يعزُب عن علمه مثقال ذرة في السّموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. سورة الحجرات [٤٩: ٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾: سبب النزول: نزلت في ثابت بن قيس كان جهوريّ الصوت إذا كلّم أيَّ إنسان جهر بصوته فربما كلّمه رسول الله ﷺ فتأذّى منه رسول الله ﷺ ، فنزلت الآية. رواه الواحديّ في أسباب النزول. نداء جديد وتكليف جديد أو أمر أو حكم. ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ﴾: لا النّافية، ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبي: أي حين تكلّموه إيّاكم أن ترفعوا أصواتكم فوق صوته، فهذا يدل على عدم توقير واحترام للنبي ﵇؛ أي: اخفضوا أصواتكم إذا تحدّثتم مع رسول الله ﷺ . ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾: أي لا تنادوه يا محمّد،

стр. 5037

ولكن نادوه: يا رسول الله، يا نبي الله، وباحترام وتوقير وعدم التّسرع والعجلة، والحيطة والحذر حين الحديث معه. ﴿أَنْ﴾: مصدرية تفيد التّعليل. ﴿تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾: أي خشية أو لئلّا تحبط أعمالكم؛ أي: يبطل ثوابها من جرّاء رفع أصواتكم، أو معاملته بدون توقير واحترام وتعظيم كما يعامل أحدكم الآخر. ﴿وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾: أنها بطلت وحبطت وذهب ثوابها، ارجع إلى سورة البقرة الآية (٢١٧) لبيان معنى الحبط. سورة الحجرات [٤٩: ٣] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾: يخفضون أصواتهم عند رسول الله ﷺ عند الحديث معه أو تكليمه، والخفض يعني: القريب من الهمس، ويدلّ على تعظيم وتوقير واحترام رسول الله ﷺ . ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يفيد البعد. ﴿الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾: امتحن: اختبر، والامتحان هو للذين في قلوبهم تقوى، والاختبار: هو الطلب منهم القيام وأداء بعض التّكاليف الشّرعية ومنها: أن يغضّوا أصواتهم عند رسول الله ﷺ لكي يخرج ما في قلوبهم من التّقوى والإخلاص لما يوصيهم به ربهم، ولكي يعلموا أنفسهم مدى صبرهم

стр. 5038

على الالتزام والأخذ واتباع ما أمر الله به، وهذا الامتحان يعلم الله سبحانه مسبقاً نتيجته ولكن ليكون حُجّةً لهم أو حُجّةً عليهم. ﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاستحقاق. ﴿مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: أي أن يستر ذنوبهم ويمحوها، ويثيبهم على أعمالهم الصالحة، وأجر عظيم: هو الجنة. سورة الحجرات [٤٩: ٤] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: سبب نزول هذه الآية: قدم وفد من بني تميم على رسول الله ﷺ وهو في المدينة، وقيل: كانوا (٧٠) رجلاً فلما وصلوا إلى مسجد رسول الله ﷺ راحوا ينادون رسول الله ﷺ من وراء الحجرات؛ ليخرج إليهم. كما روى محمد بن إسحاق وغيره، وذكره الواحدي في أسباب النزول. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: إنّ للتوكيد، الذين: اسم موصول. ﴿يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾: جمع حجرة: وهي الرّقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها، وتعني: الغرفة، وقد تكون الحجرة أصغر رقعة من الغرفة، والمراد بالحجرات: حجرات نساء رسول الله ﷺ فكان لكلّ واحدة منهنّ حجرة، ولم يقل نسائك ولا حجراتك: وإنما استعمل الصّيغة العامة (حجرات) وهذا من الأدب الرّباني؛ لكي يتعلّم أصحاب رسول الله ﷺ كيف ينادونه. من وراء الحجرات، ولم يقل من خلف الحجرات؛ ما معنى من الوراء؟ من: ابتدائية، وراء: أوسع معنى من خلف من حيث البعد المكاني الذي قد يكون

стр. 5039

طويلاً أو قصيراً، وقد تعني من أمام الدّار أو الحجرة ولا من خلفها، وإنما هم نادوا وهم لا زالوا بعيدين؛ وتعني: من وراء الجُدُر (جمع جدار) وهو الحائط (أي الحجرات)، فنادوا مناداة بغلظة. ولا يعني أنّ الكلّ اشتركوا بالنّداء، والاحتمال أنّ بعضهم نادوا والباقين كانوا راضين عن ذلك، فكأنّ الكلّ اشترك في النّداء، وقد يحتمل أنّهم تفرّقوا فبعضهم نادى من هذه الجهة أو تلك. ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: أي هناك أقليّة يعقلون، والأكثرية وصفهم بالجهل والسَّفَه؛ لأن هذه المناداة ليست ضرورية، أو مناداته بهذا الشكل لا تدل على توقير واحترم لرسول الله ﷺ .

стр. 5040

سورة الحجرات [٤٩: ٥] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: شرطية. ﴿أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾: أي انتظروا، حتّى: حرف نهاية الغاية، تخرج إليهم: أي لتلقاهم. ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾: اللام للتوكيد، لكان أفضل لهم من ذلك النّداء بأعلى أصواتهم، وخيراً لهم وأصلح من الاستعجال، ولما فيه من الثّواب والأجر. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾: لمن تاب وأناب إلى الله من بعد ظلمه. ﴿رَحِيمٌ﴾: حيث لا يعاجلهم بذنوبهم لعلهم يستغفروه ويتوبوا إليه من ذنوبهم. سورة الحجرات [٤٩: ٦] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾: نداء جديد بتكليف جديد للذين آمنوا. ﴿إِنْ﴾: شرطية تستعمل في الأمور النّادرة؛ أي: قليلة الحدوث أو احتمال أن جاءكم فاسق، أو على سبيل الافتراض، ولم يستعمل إذا التي تدل على حتمية الحدوث وكثرته. ﴿جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾: قيل: فيما رواه الإمام أحمد وغيره، وكثير من المفسرين، وقيل: حديث فيه ضعف. نزلت هذه الآية

стр. 5041

في عقبة بن أبي المعيط أرسله رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق من خزاعة؛ ليأتيهم بصدقات أموالهم، فلما سمعوا بقدومه خرجوا لاستقباله، فخاف منهم أن يقتلوه حيث كان بينهم وبين عقبة عداوة في الجاهلية، فرجع بعد أن سار بعض الطّريق وأخبر رسول الله ﷺ أنّهم منعوه من الصّدقة وأرادوا قتله، وكان هذا غير صحيح! وغضب رسول الله ﷺ وهمَّ بغزوهم، فقدِم وفدٌ من بني المصطلق إلى النّبي فأخبروه بكذب عقبة، ونزلت هذه الآية، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب. جاءكم فاسق بنبأ: جاءكم من المجيء، والمجيء فيه مشقة، ولم يقل أتاكم؛ لأنّ عقبة رجع وأخبر النبي بخبر غير صحيح واتّهم بني المصطلق، فاسق: نكرة والفاسق: هو الخارج عن طاعة الله ورسوله؛ وتعني: إن جاءكم أيُّ فاسق من الآن وصاعداً بأيِّ نبأ، والنبأ: هو الخبر العظيم أو الخبر الهام. فتبيّنوا: فتثبّتوا من صحّته: أي انظروا في الخبر وتحقّقوا من صدقه أو كذبه ولا تتعجّلوا بالحكم أو اتخاذ أيِّ قرار. أن تصيبوا: أن حرف مصدري يفيد التّعليل؛ أي: كراهة أن تتّهموا قوماً، والإصابة أشدّ من المسِّ، ولم يقل أن تمسّوا. قوماً بجهالة: بجهالة: الباء للإلصاق؛ أي: تتّهموا قوماً جاهلين بحقيقة الأمر، أو تقوموا بعمل سيئ بسبب الجهالة وعدم التّريّث، والطّيش وعدم التّدبّر في إصدار الأحكام وبدون دليل وإثبات. ارجع إلى سورة النساء آية (١٧) لمعرفة الفرق بين بجهل وجهالة. ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، على ما: على تفيد العلوّ والمشقة، ما: اسم موصول بمعنى الذي (ولكنّها أعمّ وأشمل) أو

стр. 5042

مصدرية، فعلتم: من الخطأ واتّهام الغير بغير الحق أو الإساءة لهم، نادمين: من النّدم وهو الشّعور بالغمّ والأسى على وقوع شيء مع تمنّي لو أنّه لم يقع. سورة الحجرات [٤٩: ٧] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾: أن للتوكيد، فيكم رسول الله: قدّم فيكم؛ للتوبيخ، توبيخ بعض المؤمنين لجعل رأي رسول الله ﷺ تابعاً لرأيهم، والواجب والمطلوب تقديم رأي رسول الله ﷺ ، واعملوا إن كذبتم على رسول الله ﷺ فالله سبحانه سيطلعه على ذلك فلا تقولوا إلا الحق والصدق، وهذا إنذار وتهديد لكل من يفتري على رسول الله ﷺ سواء في محياه أو بعد مماته. ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾: لو: حرف امتناع لامتناع، امتنعت طاعته لكم فامتنع العَنَت عنكم. ﴿فِى كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾: أي فيما تخبرونه أو تطلبون منه القيام به، وكلّ ما يحلو لكم، كما حدث حين أشار بعض الصحابة لرسول الله ﷺ بمحاربة بني المصطلق بعد سماعهم الخبر الكاذب، ولكنه ﷺ لا يُطيعكم غالباً قبل أن يتبيّن له الحق والصدق، وقوله: (في كثير من الأمر): ولم يقل كلّ الأمور فلم ينسب جميع ما يقولونه بالخطأ والكذب، فهناك بعض ما يقولونه صدق وحق. وقوله: لو يطيعكم: عبّر بصيغة المضارع ولم يقل لو أطاعكم؛ لدلالة التكرار والتجدد في أن يُطيعهم في بعض الأمر (وهناك فرق بين الطّاعة والاستماع) ولو يطيعكم في كثير من الأمر. ﴿لَعَنِتُّمْ﴾: اللام للتوكيد، والعنت: هو المشقة والضرر والشدة؛ أي: لوقعتم في المشقة والضرر والإثم بسبب عدم سداد رأيكم أو معرفتكم.

стр. 5043

﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾: حرف استدراك وتوكيد؛ أي: هناك طائفة مستثناة من هؤلاء المذكورين سابقاً: هم الذين حبَّب الله إليهم الإيمان. ﴿وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾: وأمدّهم الله بالإيمان والتّوفيق والهداية. وزيّنه في قلوبهم: أي حسّنه وحبّبه إلى قلوبهم؛ كلمة الزينة: تشمل الزينة الخارجية أو الداخلية؛ أي: الباطنة التي تشمل الاعتقادات الحسنة، وزينة الإيمان والطهارة … وغيرها؛ وكره إليهم الكفر والفسوق: الخروج عن طاعة الله ورسوله وعن الدّين، والعصيان: مخالفة أوامر الله ورسوله، فلم يتّهموا بني المصطلق ويحثّوا على محاربتهم من غير تحقيق في الخبر. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾: أولئك اسم إشارة واللام للبعد وتفيد المدح وإشارة إلى منزلتهم العالية، هم: تفيد التّوكيد، الرّاشدون: الرّشاد هو إصابة الحق واتّباع طريق الاستقامة؛ أي: الرّشد الاستقامة على طريق الحق. وهناك فرق بين الرُّشد بضم الراء ويستعمل في سياق الأمور الدّنيوية والأخروية، والرَّشد: بفتح الرَّاء يستعمل في سياق الأمور الأخروية (الآخرة) فقط. ارجع إلى سورة النساء آية (٦) لمزيد من البيان. والرّشاد، قيل: هو الصّلاح ويعني حبّ الإيمان. والرّاشدون: تدلّ على صفة الرّشد صفة ثابتة عندهم لا تتغير. سورة الحجرات [٤٩: ٨] ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾: أي هدايتهم وكونهم راشدين هو فضلٌ من الله ونعمة، أو رشدهم وتحبيب الإيمان لهم وتزيينه في قلوبهم، وكراهية الكفر والفسوق والعصيان هو كلُّه فضلٌ من الله: والفضل هو الزّيادة على ما يستحقّون

стр. 5044

من الأجر، وليس بواجب على الله تعالى وإنما هو فضل منه، ونعمة: وتعريف النّعمة: هي ما يهبه الله تعالى لعبده من خير يجلب له المسرّة أو يدفع عنه المضرّة. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: بما يفعلونه ويقولونه ويكتمونه، عليم بذات الصّدور، وعليم: صيغة مبالغة؛ أي: كثير العلم. ﴿حَكِيمٌ﴾: في تدبير شؤون خلقه وكونه، فهو الحاكم وهو أحكم الحاكمين وهو أحكم الحكماء، وحكيم فيما يشرعه ويأمر به أو ينهى عنه. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان. سورة الحجرات [٤٩: ٩] ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِاءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والنّدرة. ﴿طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مثنى طائفة، والطائفة: جماعة من النّاس، والطّائفة: جماعة تطوف حول عقيدة أو مبدأ أو فكرة ما تجمعها. ﴿اقْتَتَلُوا﴾: همُّوا بالقتال أو باشروا القتال؛ أي: أفراد كلّ طائفة اقتتلوا مع أفراد الطائفة الأخرى، ولم يقل وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلتا بالتّثنية؛ لأنّ الأفراد هم الذين يقاتلون، والطائفة: اسم للجماعة التي تقاتل. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط. أصلحوا بينهما: بالوعظ والإرشاد والتّحكيم، أصلحوا ما فسد بالنّصح والدّعوة إلى حكم الله والعفو والغفران، وافعلوا ما تروه مناسباً لوقف القتال بإزالة الشّبهة وأسباب الخصام. ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، بغت إحداهما على الأخرى: أي تعدّت؛ أي: تجاوزت الحد أو رفضت الصّلح ولم تُذعن

стр. 5045

لحكم الله والنّصيحة، والبغي في الأصل: هو أخذ حق الغير بالقوة والقهر والتَّعسُّف. ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِى تَبْغِى﴾: أي قاتلوا الطّائفة الباغية المعتدية بشتى الوسائل حتّى الوصول إلى الغاية وهي وقف القتال. ﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية. ﴿تَفِاءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾: تفيء: ترجع إلى حكم الله تعالى إلى الحقّ والرُّشد والصّواب، أو إلى طاعة الله ورسوله وكفِّ القتال. ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾: فإن شرطية تفيد الاحتمال والنّدرة، فاءت: رجعت إلى حكم الله ورضيت به. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾: بالحق؛ أي: احكموا بين الطّائفتين بالعدل وتحرُّوا حكم الله تعالى ورسوله. ﴿وَأَقْسِطُوا﴾: القِسط هو الحكم بالعدل وتطبيق الحكم، فمجرد الحكم بالعدل لا يكفي؛ أي: القول باللسان فلا بدّ من تنفيذ الحكم وتطبيقه (أي رفع الظّلم وتنفيذ الحكم). ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: إنّ للتوكيد، يحب المقسطين: الذين يحكمون بالعدل وينفّذون العدل برفع الظّلم والجور عن النّاس. المقسطين: جمع مقسط، وصفة القسط فيهم ثابتة. سورة الحجرات [٤٩: ١٠] ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾: الإخوة إما تكون مبنية على النّسب والدّم، وإمّا تكون
следующие страницы →