← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

في عقبة بن أبي المعيط أرسله رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق من خزاعة؛ ليأتيهم بصدقات أموالهم، فلما سمعوا بقدومه خرجوا لاستقباله، فخاف منهم أن يقتلوه حيث كان بينهم وبين عقبة عداوة في الجاهلية، فرجع بعد أن سار بعض الطّريق وأخبر رسول الله ﷺ أنّهم منعوه من الصّدقة وأرادوا قتله، وكان هذا غير صحيح! وغضب رسول الله ﷺ وهمَّ بغزوهم، فقدِم وفدٌ من بني المصطلق إلى النّبي فأخبروه بكذب عقبة، ونزلت هذه الآية، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب. جاءكم فاسق بنبأ: جاءكم من المجيء، والمجيء فيه مشقة، ولم يقل أتاكم؛ لأنّ عقبة رجع وأخبر النبي بخبر غير صحيح واتّهم بني المصطلق، فاسق: نكرة والفاسق: هو الخارج عن طاعة الله ورسوله؛ وتعني: إن جاءكم أيُّ فاسق من الآن وصاعداً بأيِّ نبأ، والنبأ: هو الخبر العظيم أو الخبر الهام. فتبيّنوا: فتثبّتوا من صحّته: أي انظروا في الخبر وتحقّقوا من صدقه أو كذبه ولا تتعجّلوا بالحكم أو اتخاذ أيِّ قرار. أن تصيبوا: أن حرف مصدري يفيد التّعليل؛ أي: كراهة أن تتّهموا قوماً، والإصابة أشدّ من المسِّ، ولم يقل أن تمسّوا. قوماً بجهالة: بجهالة: الباء للإلصاق؛ أي: تتّهموا قوماً جاهلين بحقيقة الأمر، أو تقوموا بعمل سيئ بسبب الجهالة وعدم التّريّث، والطّيش وعدم التّدبّر في إصدار الأحكام وبدون دليل وإثبات. ارجع إلى سورة النساء آية (١٧) لمعرفة الفرق بين بجهل وجهالة. ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، على ما: على تفيد العلوّ والمشقة، ما: اسم موصول بمعنى الذي (ولكنّها أعمّ وأشمل) أو

стр. 5042

مصدرية، فعلتم: من الخطأ واتّهام الغير بغير الحق أو الإساءة لهم، نادمين: من النّدم وهو الشّعور بالغمّ والأسى على وقوع شيء مع تمنّي لو أنّه لم يقع. سورة الحجرات [٤٩: ٧] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾: أن للتوكيد، فيكم رسول الله: قدّم فيكم؛ للتوبيخ، توبيخ بعض المؤمنين لجعل رأي رسول الله ﷺ تابعاً لرأيهم، والواجب والمطلوب تقديم رأي رسول الله ﷺ ، واعملوا إن كذبتم على رسول الله ﷺ فالله سبحانه سيطلعه على ذلك فلا تقولوا إلا الحق والصدق، وهذا إنذار وتهديد لكل من يفتري على رسول الله ﷺ سواء في محياه أو بعد مماته. ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾: لو: حرف امتناع لامتناع، امتنعت طاعته لكم فامتنع العَنَت عنكم. ﴿فِى كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾: أي فيما تخبرونه أو تطلبون منه القيام به، وكلّ ما يحلو لكم، كما حدث حين أشار بعض الصحابة لرسول الله ﷺ بمحاربة بني المصطلق بعد سماعهم الخبر الكاذب، ولكنه ﷺ لا يُطيعكم غالباً قبل أن يتبيّن له الحق والصدق، وقوله: (في كثير من الأمر): ولم يقل كلّ الأمور فلم ينسب جميع ما يقولونه بالخطأ والكذب، فهناك بعض ما يقولونه صدق وحق. وقوله: لو يطيعكم: عبّر بصيغة المضارع ولم يقل لو أطاعكم؛ لدلالة التكرار والتجدد في أن يُطيعهم في بعض الأمر (وهناك فرق بين الطّاعة والاستماع) ولو يطيعكم في كثير من الأمر. ﴿لَعَنِتُّمْ﴾: اللام للتوكيد، والعنت: هو المشقة والضرر والشدة؛ أي: لوقعتم في المشقة والضرر والإثم بسبب عدم سداد رأيكم أو معرفتكم.

стр. 5043

﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾: حرف استدراك وتوكيد؛ أي: هناك طائفة مستثناة من هؤلاء المذكورين سابقاً: هم الذين حبَّب الله إليهم الإيمان. ﴿وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾: وأمدّهم الله بالإيمان والتّوفيق والهداية. وزيّنه في قلوبهم: أي حسّنه وحبّبه إلى قلوبهم؛ كلمة الزينة: تشمل الزينة الخارجية أو الداخلية؛ أي: الباطنة التي تشمل الاعتقادات الحسنة، وزينة الإيمان والطهارة … وغيرها؛ وكره إليهم الكفر والفسوق: الخروج عن طاعة الله ورسوله وعن الدّين، والعصيان: مخالفة أوامر الله ورسوله، فلم يتّهموا بني المصطلق ويحثّوا على محاربتهم من غير تحقيق في الخبر. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾: أولئك اسم إشارة واللام للبعد وتفيد المدح وإشارة إلى منزلتهم العالية، هم: تفيد التّوكيد، الرّاشدون: الرّشاد هو إصابة الحق واتّباع طريق الاستقامة؛ أي: الرّشد الاستقامة على طريق الحق. وهناك فرق بين الرُّشد بضم الراء ويستعمل في سياق الأمور الدّنيوية والأخروية، والرَّشد: بفتح الرَّاء يستعمل في سياق الأمور الأخروية (الآخرة) فقط. ارجع إلى سورة النساء آية (٦) لمزيد من البيان. والرّشاد، قيل: هو الصّلاح ويعني حبّ الإيمان. والرّاشدون: تدلّ على صفة الرّشد صفة ثابتة عندهم لا تتغير. سورة الحجرات [٤٩: ٨] ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾: أي هدايتهم وكونهم راشدين هو فضلٌ من الله ونعمة، أو رشدهم وتحبيب الإيمان لهم وتزيينه في قلوبهم، وكراهية الكفر والفسوق والعصيان هو كلُّه فضلٌ من الله: والفضل هو الزّيادة على ما يستحقّون

стр. 5044

من الأجر، وليس بواجب على الله تعالى وإنما هو فضل منه، ونعمة: وتعريف النّعمة: هي ما يهبه الله تعالى لعبده من خير يجلب له المسرّة أو يدفع عنه المضرّة. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: بما يفعلونه ويقولونه ويكتمونه، عليم بذات الصّدور، وعليم: صيغة مبالغة؛ أي: كثير العلم. ﴿حَكِيمٌ﴾: في تدبير شؤون خلقه وكونه، فهو الحاكم وهو أحكم الحاكمين وهو أحكم الحكماء، وحكيم فيما يشرعه ويأمر به أو ينهى عنه. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان. سورة الحجرات [٤٩: ٩] ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِاءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والنّدرة. ﴿طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مثنى طائفة، والطائفة: جماعة من النّاس، والطّائفة: جماعة تطوف حول عقيدة أو مبدأ أو فكرة ما تجمعها. ﴿اقْتَتَلُوا﴾: همُّوا بالقتال أو باشروا القتال؛ أي: أفراد كلّ طائفة اقتتلوا مع أفراد الطائفة الأخرى، ولم يقل وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلتا بالتّثنية؛ لأنّ الأفراد هم الذين يقاتلون، والطائفة: اسم للجماعة التي تقاتل. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط. أصلحوا بينهما: بالوعظ والإرشاد والتّحكيم، أصلحوا ما فسد بالنّصح والدّعوة إلى حكم الله والعفو والغفران، وافعلوا ما تروه مناسباً لوقف القتال بإزالة الشّبهة وأسباب الخصام. ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، بغت إحداهما على الأخرى: أي تعدّت؛ أي: تجاوزت الحد أو رفضت الصّلح ولم تُذعن

стр. 5045

لحكم الله والنّصيحة، والبغي في الأصل: هو أخذ حق الغير بالقوة والقهر والتَّعسُّف. ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِى تَبْغِى﴾: أي قاتلوا الطّائفة الباغية المعتدية بشتى الوسائل حتّى الوصول إلى الغاية وهي وقف القتال. ﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية. ﴿تَفِاءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾: تفيء: ترجع إلى حكم الله تعالى إلى الحقّ والرُّشد والصّواب، أو إلى طاعة الله ورسوله وكفِّ القتال. ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾: فإن شرطية تفيد الاحتمال والنّدرة، فاءت: رجعت إلى حكم الله ورضيت به. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾: بالحق؛ أي: احكموا بين الطّائفتين بالعدل وتحرُّوا حكم الله تعالى ورسوله. ﴿وَأَقْسِطُوا﴾: القِسط هو الحكم بالعدل وتطبيق الحكم، فمجرد الحكم بالعدل لا يكفي؛ أي: القول باللسان فلا بدّ من تنفيذ الحكم وتطبيقه (أي رفع الظّلم وتنفيذ الحكم). ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: إنّ للتوكيد، يحب المقسطين: الذين يحكمون بالعدل وينفّذون العدل برفع الظّلم والجور عن النّاس. المقسطين: جمع مقسط، وصفة القسط فيهم ثابتة. سورة الحجرات [٤٩: ١٠] ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾: الإخوة إما تكون مبنية على النّسب والدّم، وإمّا تكون

стр. 5046

مبنية على الإيمان والعقيدة والدّين؛ أي: إخوة الدين والإيمان، فأخوّة الدّين والعقيدة أقوى وأدوم من أخوّة النّسب والدّم. وتعني: إنما المؤمنون كالإخوة في التّراحم والدّين أو الدّم والنّسب. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾: إذا تنازعا أو اختصما. ﴿أَخَوَيْكُمْ﴾: خصّ الاثنين بالذّكر؛ لأنّهما أقل ما يقع بينهما الشّقاق. ﴿فَأَصْلِحُوا﴾: بالجمع؛ لأن الكل مسؤول عن الاشتراك في الصّلح بين الاثنين؛ لأنّ صلاح الجماعة أو القوم مبنيٌّ على صلاح الفرد، ولم يقل فأصلحا بينهما، وتخاصم الاثنين قد يجرّ إلى اتّساع رقعة الخصام لتشمل العائلة والقبيلة والطّائفة. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أطيعوا أوامر الله تعالى وتجنّبوا نواهيه وخافوا غضبه وسخطه وناره. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: لعل للتعليل، ترحمون: إذا قدّمتم الأسباب مع تقواكم. ارجع إلى سورة الإسراء آية (٨) للفرق بين لعلكم ترحمون ولترحموا وعسى ربكم أن يرحمكم. وهل هناك فرق بين إخوة وإخوان: كلمة أخ جمعها: إخوة وإخوان، فمن الناحية اللغوية قيل: لا فرق بينهما، أما في المعنى يبدو أن كلمة إخوة غالباً تستعمل في سياق النسب (الولادة) أو الدين أخوة في الدين. أما كلمة إخوان: تطلق على الأصدقاء أو قوم يجمعهم مبدأ واحد، وقيل: إن الكلمتين مترادفتان في المعنى، وقيل: إن كلمة إخوان: أعم وأشمل من إخوة، فتشمل الولادة والدين والصداقة معاً.

стр. 5047

سورة الحجرات [٤٩: ١١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: نداء جديد إلى الذين آمنوا بتكليف جديد وهو عدم السّخرية والتّنابز بالألقاب. ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾: لا النّاهية، يسخر قوم من قوم: من السّخرية، هي الازدراء والتّصغير والاحتقار، والعيب بالقول والفعل في وجه المسخور منه أو في حال غيابه، والسخرية: خاصة بالأشخاص، وأما الاستهزاء عام في الأشخاص وغير الأشخاص. قوم من قوم: القوم في هذه الآية هم الرّجال دون النّساء، والقوم: الجماعة الكثيرة التي قد تكون بينها نوع من القرابات؛ قوم من قوم: نكّر القوم؛ لتشمل أيَّ قوم مهما كانوا أغنياء أو فقراء أو أقوياء أو ضعفاء. ﴿عَسَى﴾: من أفعال الرّجاء للفعل المرجو حصوله في المستقبل البعيد أو القريب. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل. ﴿يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾: عند الله منزلة ودرجة في التقوى أو الصّلاح أو الإيمان أو الأخلاق والدّين، وقوله: (لا يسخر قوم من قوم) ولم يقل رجلٌ من رجل؛ لأنّ السّاخر لا يكون وحيداً فهناك من يشاركه في سخريته بالضّحك أو التّلهّي واللغو والإشاعة، فلا يكاد يكون منفرداً في سخريته إلا نادراً بل يشاركه الكثير من النّاس وعليهم من الإثم والذّنب ما عليه. ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾: ولا النّاهية، نساء من نساء: نكرة أيّ نسوة، فالنّساء والرّجال هم سواء في حكم تحريم السّخرية، فلا يحلّ للمؤمنة أن تسخر من أختها المؤمنة.

стр. 5048

﴿عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾: كما ورد في مطلع الآية عسى أن يكون خيراً عند الله منزلة، وحين خاطب الذين آمنوا فهو يشمل الرجال والنساء ولكنه عاد وأكّد بذكرهن. ﴿وَلَا﴾: تكرار حرف (لا) يفيد توكيد النّفي، وفصل السّخرية عن اللمز. ﴿تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾: اللمز العيب أو الطّعن فلا يعِبْ بعضكم بعضاً بالقول أو الإشارة أو الفعل، ويتميز اللمز بالعلن أو الحضور بعكس الهمز الذي يتميز بالطعن بالغيب، أو عدم حضور المطعون فيه. ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾: سواء كان اللقب محبوباً أو مكروهاً، التّنابز: التّعاير والتّداعي كأن يقول: يا فاسق أو يا كافر، أو يا قصير أو يا طويل. ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾: بئس: من أفعال الذّم؛ أي: بئس أن يلقّب المسلم المؤمن بلقب الفسق كأن يقال له: يا منافق أو يا يهودي أو يا فاسق. ﴿وَمَنْ لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: ومن لم: من شرطية، لم النّافية، يتب: يكفّ ويتوقف عن السّخرية من المؤمنين ومخاطبتهم بألقاب لا تليق بالمؤمن وعمّا نهى الله عنه. فأولئك: الفاء للتوكيد، أولئك: اسم إشارة واللام للبعد. هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد. الظّالمون: لأنفسهم بتعريضها للعذاب. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٤) لمعرفة معنى الظلم.

стр. 5049

سورة الحجرات [٤٩: ١٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾: نداء جديد للذين آمنوا بتكليف جديد أو حكم آخر. ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾: الاجتناب هو الابتعاد، والاجتناب أشد من التّحريم وهو عدم الاقتراب من الأمر المحرّم؛ أي: ابتعدوا عن سوء الظن بأيّ مؤمن أو بأهل الخير، والظنّ السيّئ يعدّ إثماً ويجب تجنبه مثل حديث الإفك والظّن السيّئ بأم المؤمنين عائشة ﵂، وهو الظّن الذي لا يستند إلى دليل وبرهان. ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾: هناك القليل من الظّن المباح أو الغير محرم أو الظن الحسن، وقوله: (إنّ بعض الظن إثم): البعض هنا يعني: الكثير المأمور باجتنابه. أمّا أهل السّوء والفسق فإذا ظهر منهم القبيح والسّوء والفسق، فلا يدخل ذلك تحت الظّن المحظور. ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾: التّجسس: هو البحث في الخفاء والتستر لكشف أمراً ما غالباً ما يكون في الشر مثل: تتبّع عورات المسلمين أو البحث عن عيوبهم ثم كشفها للآخرين أو الحديث عنها، أو التجسس على العدو لمعرفة عدده وعدته … وغيرها.

стр. 5050

﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾: الواو عاطفة، لا النّاهية. يغتب: من الغيبة وهي كما عرّفها رسول الله ﷺ في حديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة (قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال ﷺ : ذكرُك أخاك بما يكره. قال: وإن كان في أخي ما أقول؟ قال: وإن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهَتَّه) (أي قلت فيه بهتاناً؛ وهو الكذب والباطل المثير للدهشة). ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾: أيحب: الهمزة للاستفهام الإنكاري، أحدكم: أي منكم. ﴿يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾: استعارة أو تشبيه المغتاب الذي يغتاب أخاه بمن يأكل لحم الإنسان الميت، مما يدل على بشاعة عمله. ومَيْتاً: جاءت بسكون الياء التي تدل على الموت الحقيقي قد حصل، والميت مات فعلاً، ولو جاءت بتشديد الياء: لدلت على أن الميت لم يمت بعد لا زالت روحه لم تغادر جسمه. ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدّر. أي: كما يمتنع أحدكم ويكره أن يأكل لحم أخيه ميتاً، كذلك يجب أن يمتنع عن غيبة أخيه سواء كان حياً أو ميتاً. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أي امتثلوا أوامره وتجنّبوا نواهيه؛ لكي تتجنّبوا غضبه وسخطه وناره. ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾: إن الله: للتوكيد.

стр. 5051

﴿تَوَّابٌ﴾: أي كثير قبول التّوبة، يقبل توبة كل عبد من خلقِه من آدم إلى آخر مخلوق، ومهما كان عددهم وعدد توباتهم فلا يردّ توبة تائب إذا آمن به وتوفرت أركان التّوبة. ﴿رَحِيمٌ﴾: لكونه لا يعاقب على الذنب والإثم مباشرة، ولكن يؤخّر العقاب؛ لعلّ العاصي يتوب وبالتّالي يعفو عنه ويغفر له. سورة الحجرات [٤٩: ١٣] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾: نداء عام إلى النّاس كافة استعمل فيها ياء النداء، والهاء للتنبيه، وكلمة (الناس) مشتقة من النّوس؛ أي: كثرة الحركة. ﴿إِنَّا﴾: للتعظيم. ﴿خَلَقْنَاكُم مِنْ﴾: ابتدائية استغراقية. ﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾: أي من آدم وحواء، أو خلقنا كل واحد منكم من أب وأم ليبقى الله سبحانه متفرداً بالوحدانية، فالكل سواء في الأصل (في الخلق) فلا داعي للتفاخر بالأنساب والألقاب، أو العِرق أو اللون. ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ﴾: الجعل يتمّ بعد الخلق. ﴿شُعُوبًا﴾: جمع شعب، والشّعب: جمع قبائل أو جمع عظيم تجمعه وحدة الوطن (الأرض أو اللغة والتّاريخ) بغير النظر إلى العدد والحيز الجغرافي. ﴿لِتَعَارَفُوا﴾: اللام لام التّعليل.

стр. 5052

لتعارفوا: والتّعارف يؤدي إلى التّعاون التّجاري والصّناعي والسّياحي وكل مجالات التّعاون. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾: إن للتوكيد، أكرمكم عند الله: أي أرفعكم عند الله منزلة أو أشرفكم، أتقاكم: والتقوى تكون بامتثال أوامر الله سبحانه وتجنّب النّواهي، وليس أكرمكم بالأحساب أو الأنساب فالفقير إذا كان تقياً قد يكون أكرم وأفضل عند الله من أغنى الأغنياء على الأرض إذا لم يكن الغني تقياً. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾: إن للتوكيد، عليم: بما تفعلونه وتقولونه، عليم بتقواكم وعليم بظواهركم، وعليم صيغة مبالغة: كثير العلم. خبير: ببواطن الأمور والأسرار. سورة الحجرات [٤٩: ١٤] ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أسباب النّزول: قيل: نزلت هذه الآية في أعراب بني أسد الذين قدموا المدينة بأولادهم ونسائهم في سنة مُجدبة، فأظهروا الإسلام طمعاً في الصدقات أو المغانم ولم يكونوا مؤمنين حقاً وكانوا يمنُّون على رسول الله ﷺ بعدم قتاله. وقيل: نزلت هذه الآية في أعراب مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار، الذين قالوا: آمنا بالله؛ ليأمنوا على أنفسهم، فلما خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية تخلَّوا عنه ولم يخرجوا معه، وهم الذين قالوا: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [الفتح: ١١]. ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾: أنّث كلمة (قال) بإضافة تاء التّأنيث التي تدل على

стр. 5053

الكثرة؛ أي كثرة الأعراب الذين أسلموا؛ أي: دخلوا في الإسلام وادَّعوا الإيمان، ولم يقل قال الأعراب التي تدل على القلة. فردّ الله تعالى عليهم: ﴿قُلْ لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ : لم تؤمنوا؛ أي: لا يكفي القول باللسان: آمنّا؛ لأن الإيمان لم يصل بعد ويستقر في قلوبكم أو يتمكّن الإيمان في قلوبكم. ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾: ولكن حرف استدراك وتوكيد. قولوا أسلمنا: أسلمنا لها معانٍ عدّة: الشهادة: القول لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو أسلمنا: معناه الاستسلام والخضوع خوفاً من القتل أو الإسلام باللسان (بالقول) فقط وعدم موافقة القلب كما يفعل المنافقون. ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾: لما حرف نفي تدل على استمرار النفي إلى زمن نزول هذه الآية أو وقت هذا الكلام. ومن أسلم بلسانه ولم يؤمن بقلبه فهو منافق، وقد بيّن في الآية (١٥) حقيقة الإيمان ومعنى الصّدق في الإيمان. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: وإن شرطية تفيد الاحتمال أو النّدرة، تطيعوا الله ورسوله: وحّد طاعة الله تعالى وطاعة رسوله. ارجع إلى سورة النساء آية (٥٩) للبيان. ﴿لَا يَلِتْكُم﴾: لا النّافية، يلِتْكم: من ألت يألت: أنقص: لا ينقصكم. ﴿مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾: مِنْ ابتدائية؛ أي: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً ولو كان مقدار حسنة، وأما النفاق فهو يحبط أعمالكم.

стр. 5054

﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد. ﴿غَفُورٌ﴾ صفة مبالغة من غفر، وغفر: ستر، والسّتر يؤدي إلى المحو وعدم المعاقبة على الذّنب، وغفور يغفر الذّنوب العِظام مهما عظمت، وأمّا الغفار: يغفر الذّنوب مهما كثرت وتعدّدت. ﴿رَحِيمٌ﴾: على وزن فعيل: كثير الرّحمة لعباده المؤمنين ودائم الرّحمة، وأمّا رحمان: فهو متجدد الرّحمة لا يعجل بالعقوبة أو بالعذاب. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٣). سورة الحجرات [٤٩: ١٥] ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: إيماناً خالصاً هو الإيمان بالله ورسوله ﷺ إيماناً لا ريب فيه. ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾: ثم للتوكيد، لم النّافية، يرتابوا: من الرّيبة وهو الشّك والتّهمة؛ أي: لم يشكّوا في دينهم أو يتّهموا أحداً. ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: والجهاد هو محاربة العدو لإعلاء كلمة الله تعالى ونصر دينه ويكون بالأموال والأنفس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد. ﴿هُمُ﴾: للتوكيد، أي إذا كان هناك صادقون فهم الصّادقون حقاً.

стр. 5055

﴿الصَّادِقُونَ﴾: في إيمانهم ودعواهم. الصادقون: جملة اسمية تدل على ثبوت صدق إيمانهم. سورة الحجرات [٤٩: ١٦] ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله ﷺ . ﴿أَتُعَلِّمُونَ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ. ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾: أتعلمون مشتقة من: علّم وأعلم؛ أي: عَرف أو أخبر؛ أي: أتنبِّؤن الله بإيمانكم؟! أي هو سبحانه يعلم ما أنتم عليه من الإيمان والإسلام، وما نوع إسلامكم ونواياكم. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ﴾: والله: تقديم الفاعل (اللهُ) على الفعل (يعلم) للاهتمام. يعلم ما: ما أوسع شمولاً من (الذي)؛ تشمل كلّ شيء العاقل وغير العاقل. في: ظرفية. ﴿السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: من مخلوقات، وأحداث ونوايا، وأقوال وأفعال وتطورات وموت وحياة وكل شيء وحركة وتحول. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: لا يخفى عليه شيء ولا يعزُب عن علمه شيء. سورة الحجرات [٤٩: ١٧] ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَىَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾: يعدّون إسلامهم منّةً على رسول الله ﷺ ؛ أي: يمنُّون

стр. 5056

عليك إسلامهم؛ أي: يذكرون لك أنّهم أسلموا على وجه التّفضُّل عليك أو الصّدقة عليك؛ أي: كأنهم يتصدقون عليك بإسلامهم. ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَىَّ إِسْلَامَكُم﴾: قل لهم يا محمّد: لا تتفضّلوا عليَّ بإسلامكم؛ لأن نفع وفائدة إسلامكم يعود عليكم وليس علي؛ أي: على رسول الله ﷺ . ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾: بل للإضراب الانتقالي؛ أي: والله وحده له المنَّة والفضل. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل والتوكيد على إسلامهم. ﴿هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾: وفّقكم وأرشدكم إلى الإيمان كما تزعمون وتقولون: آمنّا. ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن شرطية، كنتم صادقين في ادّعائكم الإيمانَ، فلله المنَّة جميعاً، وقد تعني: إنكم غير صادقين في دعواكم. سورة الحجرات [٤٩: ١٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد. الله: الاسم الأعظم الدال على الذات الإلهية الذي تفرّد به الحق واختصّه لذاته وقدّمه على سائر الأسماء، وهو الاسم الجامع لجميع الصفات الإلهية. ﴿يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الغيب: مصدر غاب، الغيب: كل ما لا يظهر ويُرى للعيان ولا يُدرك بالحواس؛ أي: سبحانه يعلم بكل ما يجري في السّموات والأرض من السّر والعلن من قول وفعل، ويعلم الذين آمنوا ويعلم الكاذبين،

стр. 5057

وعليم بذات الصّدور، وكل النّوايا والمقاصد والدّوافع والأطماع، يعلم بذلك قبل أن تقع ومنذ الأزل. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: والله مطَّلع ويرى كل أعمالكم. بما: الباء للإلصاق والملازمة، ما: بمعنى الذي أو مصدرية، و (ما) أوسع شمولاً من (الذي)؛ تشمل كل شيء. تعملون: في الدّنيا، وتعملون: تضم الأقوال والأفعال، تعملون من خير أو شر. وقدّم كلمة (بصير) على كلمة (تعملون) ولم يقل والله بما تعملون بصير؛ لأنّ السّياق عن الغيب وصفات الله تعالى وقدرته سبحانه.

стр. 5058

سورة ق [٥٠: ١] سورة ق ترتيبها في القرآن (٥٠) وترتيبها في النّزول (٣٤). ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾: ﴿ق﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة للبيان. ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾: الواو: واو القسم، يقسم الله سبحانه بالقرآن المجيد (المقسم به)، والله سبحانه لا يقسم إلا بشيء عظيم، وهو سبحانه غني عن القسم، ويشير إلى أهمية الأمر المقسم به وجواب القسم. ﴿الْمَجِيدِ﴾: الرفيع القدر والشّأن والشّرف لا يعلوه شيء، والمجيد، يعني: السّعة في المعاني والأوصاف والمجيد، يعني: كذلك كثير الخير والكرم والبركة، قراءة حرف واحد بعشر حسنات، وجواب القسم محذوف للتوسع في المعنى والتعظيم، وليشمل على كل ما يدور في الفكر مثل البعث والحساب، وقيل: جوابه ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ (الآية: ٤)، وقيل: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ [آية: ٣٧]. سورة ق [٥٠: ٢] ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ﴾: ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي، من القسم بالقرآن المجيد إلى العجب. أو بل إضراب إبطالي: لم يقبلوا (أبطلوا) كونك منذراً لهم، بل عجبوا.

стр. 5059

﴿عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾: عجبوا من عجب والعجب استعظام الشيء لخفاء سببه. والعجيب: الطريف. أن: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد. جاءهم منذر منهم: من قريش أو من العرب هو رسول الله ﷺ ، منذر: من الإنذار هو الإعلام والتّخويف والتّحذير، ينذرهم بالبعث والحساب والجزاء، ينذر المكذبين بدين الله والقرآن وبرسوله ﷺ . ﴿فَقَالَ﴾: الفاء: قد تكون فاء السببية؛ أي: ما قبلها يصلح لأن يكون لما بعدها، وقد تدل على المباشرة والتعقيب. ﴿الْكَافِرُونَ﴾: كفار قريش. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يفيد القرب. ويشير إلى مجيء المنذر منهم. ﴿شَىْءٌ عَجِيبٌ﴾: هذا شيء عجيب. لنقارن هذه الآية (٢) من سورة ق، وهي قوله تعالى: ﴿هَذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ﴾، مع الآية (٧٢) من سورة هود، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ﴾، مع الآية (٥) من سورة (ص)، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ﴾. سورة (ق) قال: ﴿شَىْءٌ عَجِيبٌ﴾، وفي هود قال: ﴿لَشَىْءٌ عَجِيبٌ﴾، وفي (ص) قال: ﴿لَشَىْءٌ عُجَابٌ﴾. سورة هود قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ﴾: أكد بإضافة إن واللام. سورة (ص) قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ﴾: أكد بإضافة إن واللام، وبدل كلمة عجيب بعجاب.

стр. 5060

السّبب: أنّ آية (ق) جاءت في سياق ﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ فهذا أمر عجيب فلم يؤكد، أما في آية هود فجاءت في سياق الولادة، وهي عجوز وبعلها شيخ؛ فهذا أكثر عجباً من مجيء المنذر، فلذلك أكد بإن واللام: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْخًا﴾، أما آية (ص) فجاءت في سياق الإشراك بالله والآلهة، وهذا منتهى العجب، وهي اتخاذ الأصنام آلهة، فقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ﴾ فأكد بإن واللام، وأبدل كلمة عجيب بعجاب. سورة ق [٥٠: ٣] ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾: ﴿أَإِذَا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّعجب، إذا ظرفية تفيد الحتمية. ﴿مِتْنَا﴾: بكسر الميم، أيْ: موت عادي طبيعي. ولو ضم الميم فقال: أإذا مُتنا: لكان موتاً غير عادي مثل الموت في سبيل الله، وهذا من خصائص القرآن. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٥٧) للبيان. ﴿وَكُنَّا تُرَابًا﴾: بعد الموت والتّحول إلى تراب في القبور. ولم يقل: تراباً وعظاماً حذف العظام، واكتفى بذكر التراب الدال على كلاهما. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد، ويشير إلى التّحول إلى تراب. ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾: رَجْعُ: مصدر لفعل رجع؛ أي: رجوع مستبعد بعيد عن التّصديق والإدراك والفهم أن يعاد الإنسان إلى الحياة مرة ثانية للحساب والجزاء بعد أن تحول إلى تراب. سورة ق [٥٠: ٤] ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾: ﴿قَدْ﴾: للتحقيق والتّوكيد.

стр. 5061

﴿عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾: أيْ: علمنا ما يموت منهم ويدفن في الأرض على مر الأيّام والسّنين أو الدّهر. ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾: قيل: هو اللوح المحفوظ: حفيظ يحفظ عددهم وأسماءَهم وأعمالهم سواء كانوا أحياء أو أمواتاً، محفوظ من التّغيير والتّبديل وتنكير الكتاب (كتاب) للتعظيم. سورة ق [٥٠: ٥] ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾: ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾: بالقرآن، وقيل: بنبوة محمّد ﷺ ، أو كلاهما، والباء للإلصاق والملازمة أو المصاحبة. ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾: لما ظرفية زمانية أو مكانية؛ أي: كذبوا لما جاءهم مباشرة بمجرَّد تبليغهم من غير تفكير ولا تدبُّر. ﴿فَهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، هم لزيادة التّوكيد. ﴿فِى أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾: مضطرب مختلط عليهم مرة يقولون: ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون، ثمّ يذكر الله سبحانه أدلة قدرته وعظمته على الخلق والبعث. سورة ق [٥٠: ٦] ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾: ﴿أَفَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، الفاء للتوكيد، لم للنفي. ﴿يَنظُرُوا﴾: نظرة بصرية (عينية) وفكرية، ينظروا بصيغة المضارع لكي تحثهم على إعادة النّظر إلى السماء المرات الكثيرة وليس مرة واحدة. ﴿إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾: فوقهم: تحتمل المسافة بينهم وبين السماء؛ فوقهم قريبة أو بعيدة، ولو قال: من فوقهم يعني: ليس هناك بينهم وبين

стр. 5062

السماء فوقهم أي فاصل؛ كيف: للاستفهام؛ أي: السؤال عن الحال؛ بنيناها: أيْ: رفعناها بغير عمد يرونها. ارجع إلى سورة الرعد آية (٢)، وسورة الذاريات آية (٤٧) للبيان. ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾: بالكواكب والنّجوم والشّمس والقمر. ارجع إلى سورة فصلت آية (١٢)، وسورة الصافات آية (٦)، وسورة الملك آية (٥) للبيان. ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾: ما النّافية، لها: أيْ: للسماء، من استغراقية، فروج: شقوق، جمع فرج وهو الشّق بين الشّيئين، والمراد بالآية سلامة السّماء من كلّ عيب. ارجع إلى سورة الملك (تبارك) آية (٣) للبيان. فالكون ليس فيه فراغ بين أجرامه، فكل طبقاته مليئة بالمادة والطاقة والغازات، فلا يوجد فيه منطقة فراغ، أيْ: فروج فوقهم سواء كان الفاصل قريباً أو بعيداً. سورة ق [٥٠: ٧] ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾: بسطناها طولاً وعرضاً إلى ما يُرى منتهاه رغم أن الأرض كروية (بيضاوية). ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ﴾: الجبال وما تحت البحار من الألواح القارية وغيره. ارجع إلى سورة النحل آية (١٥) لمزيد من البيان، وسورة الحجر آية (١٩)، وذكرت الرواسي في تسع آيات في القرآن هي: الرعد، والحجر، والنحل، والأنبياء، والنمل، ولقمان، وفصلت، وق، والمرسلات. ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِنْ﴾: أنبتنا: للتعظيم أو الجمع لأن البعض يشارك في عملية الزرع والحرث والسقي. فيها: في الأرض، من: استغراقية. ﴿كُلِّ﴾: للتوكيد.

стр. 5063

﴿زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾: زوج صنف من أصناف النّباتات، بهيج: حسن المنظر يسر الناظرين كالأزهار والورود، وأما حين يقول: الزّوج الكريم فهو الصّنف البالغ في الجودة وكثير النّفع والبركة. فهناك من النباتات ما هو للمنظر ومنها ما هو للأكل مثل الفواكه. ووردت زوج بهيج في آيتين من هذه الآية، والآية (٥) من سورة الحج. ووردت زوج كريم في آيتين الشّعراء الآية (٧) ولقمان الآية (١٠). سورة ق [٥٠: ٨] ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾: أي: الأرض مددناها وألقينا فيها وراسي وأنبتا فيها من كل زوج بهيج كلّ ذلك. ﴿تَبْصِرَةً﴾: أيْ: لنُري عبادنا قدرتنا على الخلق والبعث، يبصرها كل مؤمن وكل كافر وكلّ جاهل بعظمة الله وقدرته أو من عنده بصيرة. ﴿وَذِكْرَى﴾: تذكرة أو تذكير. ﴿لِكُلِّ﴾: اللام لام الاختصاص، كلّ للتوكيد، أيْ: ينتفع بهذه التّبصرة والتّذكرة كلّ عبد منيب. ﴿عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾: عبد كثير الإنابة، والإنابة السّرعة في التّوبة والرّجوع إلى الله تعالى والاستغفار لكلّ عبد يفكر في قدرة الله، ويرجع إليه ويشكره ويحمده ويعبده ولا يشرك به. سورة ق [٥٠: ٩] ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾: ﴿وَنَزَّلْنَا﴾: للتعظيم وتدل على كثرة النّزول. أما لو قال: أنزلنا فتدل على الإفراد.

стр. 5064

﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: أيْ: من السّحاب، والسّحاب تسمَّى السّماء؛ لأن تعريف السّماء هو كلّ ما علاك والسّحب تعلونا، فيمكن تسميته بالسّماء؛ أي: (السحب الركامية). ﴿مَاءً مُّبَارَكًا﴾: أيْ: ماء المطر (الغيث) كثير المنافع والبركة. فالله سبحانه يبخر كل سنة حوالي (٥٠٠، ٠٠٠) كم ٣ من ماء البحار والمحيطات ويبخر (١٠٠، ٠٠٠) كم ٣ من اليابسة؛ لكي ينقي ويطهر هذه الكميات من الماء؛ لأنها لو بقيت راكدة على سطح الأرض لفسدت، وامتلأت بالجراثيم والطين والقاذورات فحين يبخرها ويحركها فهو يطهرها وينقيها من الأملاح والبكتريا بأشعة الشمس، ثم يعيدها إلى الأرض. أكثر من (١٦٥، ٠٠٠) كم ٣ بزيادة (٦٥، ٠٠٠) تلعب دوراً مهماً في السقي وتلطيف المناخ، وتركيز المعادن وفي الإنبات والزائد منها يفيض إلى البحار والمحيطات. ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾: ارجع إلى الآية (٧)، به: بماء المطر. جنات: حدائق وبساتين ذات ثمر وبهجة. وحب الحصيد: الحصيد؛ أي: المحصود مثل القمح والذرة والرز والشعير وغيرها. سورة ق [٥٠: ١٠] ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾: ﴿وَالنَّخْلَ﴾: اسم جنس، وأنبتنا النّخل. ﴿بَاسِقَاتٍ﴾: جمع باسقة، وأنث باسق من فعل بسق، والبسوق هو الطّول، أيْ: طوالاً في السّماء. ﴿لَهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾: منضود مركب بعضه فوق بعض، والمراد به كثرة ثمره. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٩٩) لمزيد من البيان.

стр. 5065

سورة ق [٥٠: ١١] ﴿رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾: ﴿رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ﴾: إنزال الماء وإنبات الجنات وحب الحصيد والنّخل وغيره؛ ليكون رزقاً وقوتاً للعباد. ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾: للتعظيم بالماء، الماء المبارك. ﴿بَلْدَةً مَّيْتًا﴾: بتشديد الميم تدل على الأرض أنّها كانت حية فماتت، بسبب انقطاع الماء، أيْ: هي أرض صالحة للزراعة إذا توافر لها الماء من جديد. وأما إذا جاءت الميم بالفتح بدون تشديد: تدل على الأرض التي ماتت منذ زمن طويل، وأعيد أحياؤها من جديد. ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾: أيْ: كما يحيي الأرض بعد موتها كذلك تخرجون من القبور. ارجع إلى الآية (١٩) من سورة الروم للبيان. والفرق بين الخروج وتخرجون: الخروج: مصدر يدل على اسم الحدث، والإخراج أو تخرجون هو الحدث. سورة ق [٥٠: ١٢] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾: ﴿كَذَّبَتْ﴾: ولم يقل: كذب قبلهم، كذبت (تاء التأنيث) تدل على الكثرة، وكذب تدل على القلة، أيْ: كثرة الأمم التي كذبت رسلها. ﴿قَبْلَهُمْ﴾: أيْ: كفار مكة. ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾: كذبوا نبيهم نوح ﵇. ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾: أصحاب البئر، اختلفت الرّوايات فيها وأفضل ما قيل فيهم أنّ نبيَّهم هو حنظلة بن صفوان فكذبوه وقتلوه. وقيل: هم قوم باليمامة. ارجع إلى سورة الفرقان آية (٣٨) لمزيد من البيان.

стр. 5066

﴿وَثَمُودُ﴾: قوم صالح كانوا يسكنون الحجر، كذبوا نبيَّهم صالحاً ﵇. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٧٣ ـ ٧٩) وسورة هود آية (٦١ ـ ٦٨). سورة ق [٥٠: ١٣] ﴿وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾: ﴿وَعَادٌ﴾: وكذبت قوم عاد نبيَّهم هوداً. ارجع إلى سورة هود آية (٥٠ ـ ٦٠). ﴿وَفِرْعَوْنُ﴾: كذبوا رسولهم ونبيَّهم وهو موسى ﵇. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) للبيان. ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾: كلمة أخ تجمع على إِخوة وإِخوان، إِخوة تأتي أو تستعمل في النّسب، وتأتي في سياق إِخوة في الدّين أو الإيمان، وأُخوَّة الدّين أقوى من أُخوَّة النّسب، وإخوان تدل على قوم اجتمعوا على مبدأ واحد خيراً كان أو شراً، وإخوان لوط، ولم يقل: قوم لوط؛ لأن كلمة القوم قد تعني: الذكور والإناث، أما إخوان لوط؛ أي: الذكور؛ أي: خاصة بالذكور الذين يأتون الذكور (أي: الفاحشة). ارجع إلى سورة الحجرات آية (١٠) للمزيد في معنى إخوة وإخوان. سورة ق [٥٠: ١٤] ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾: ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾: الغيضة الكثيفة الملتفة الشّجر وهم قوم شعيب كذبوا شعيباً ﵇. ارجع إلى سورة الحجر آية (٧٨ ـ ٧٩) للبيان. ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾: تبع الحميري من ملوك اليمن أسلم ودعا قومه للإسلام فكذبوه. ارجع إلى سورة الدخان آية (٣٧) للبيان. ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: أيْ: كلّ واحد على حدة من هؤلاء كذب الرّسل، ولم يقل: كذبوا رسولهم؛ لأنهم حين يكذبوا رسولهم كأنّهم يكذبون كلّ الرّسل، فمن يكذب برسول كأنّه يكذب بكلّ الرّسل؛ لأن كلّ الرسل يحملون نفس الرّسالة

стр. 5067

وهي الإيمان بالله وحده وامتثال أوامره وتجنب نواهيه، ولم يقل: كل كذبوا الرسل، وقال: كل كذب؛ لأنهم لم يكونوا مجتمعين معاً، وكان كل قوم على حدة، وفي أزمان مختلفة. ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾: الفاء للتوكيد، حق: وجب وحل وعيد: بنزول العذاب بمن كذبوا رسلهم. وإذا قارنا هذه الآية (١٤) من سورة (ق) وهي قوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ والآية (١٤) من سورة (ص) وهي قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾، العقاب أشد من الوعيد فالمخاطبون في حق عقاب أشد كفراً وعصياناً وإنذاراً من المخاطبين في حق وعيد، وإذا كان المخاطبون في الآيتين هم كفار قريش، فيدل على أنّ آية (ق) جاءت بالوعيد، فلما ازداد كفرهم وعصيانهم نزلت آية (ص) حق عقاب، وهذا يدل على أن سورة (ق) نزلت قبل سورة (ص)، ولو نظرنا في ترتيب نزول السور لوجدنا أن سورة (ق) ترتيبها في النزول (٣٤) وسورة (ص) ترتيبها في النزول (٣٨). سورة ق [٥٠: ١٥] ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: ﴿أَفَعَيِينَا﴾: الهمزة للاستفهام التّوبيخي لمنكري البعث والحساب، أفعيينا من الإعياء، أي: العجز وهو انقطاع أو ضعف القوة. ﴿بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾: أفعجزنا عن بدء الخلق حتّى نعجز عن إعادته. وما دمنا لم نعيَ في بدء الخلق، فلن نعيى في إعادة الخلق، بل هو أهون علينا، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. ﴿بَلْ هُمْ﴾: بل: للإضراب الإبطالي، أيْ: لم نعيَ أو ما عيينا بالخلق الأوّل:

стр. 5068

أيْ: كما خلقناهم أول مرة قادرين على إعادة خلقهم مرة ثانية. ضمير فصل يفيد التّوكيد ترجع إلى منكري البعث والحساب. ﴿فِى لَبْسٍ﴾: لبس: حيرة وشك أو خلط، لا داعي له؛ لأنّ الإعادة هي أهون من الابتداء إن كانوا يعقلون. والله سبحانه ليس عنده أمر صعب وأمر هين، إنما يخاطب الناس على قدر عقولهم فالكل عنده هيِّن. ﴿مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: أي: هم في حيرة وشك من خلق جديد، وهو البعث وليس الخلق الأول؛ لأنه سبحانه قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].

стр. 5069

سورة (ق) [الآيات ١٦ - ٣٥] سورة ق [٥٠: ١٦] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، اللام للتوكيد، قد للتحقيق أي تحقق ذلك. ﴿خَلَقْنَا الْإِنسَانَ﴾: بصيغة الجمع للتعظيم، الإنسان: اشتق هذا الاسم من الأُنس: الأُلفة: خلاف النفور، أيْ: يأنس به بنو جنسه أو يأنس بصاحبه ومن كونه يُرى أو ظاهر بخلاف الجن. ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾: أيْ: نعلم ما تحدثه به نفسه ما يخطر على باله والوسوسة هي الصّوت الخفي، ما: بمعنى الذي وما أوسع وأشمل من الذي تشمل كل شيء وأمر، أو ما مصدرية. ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾: أيْ: نحن أقرب إليه من حبل الوريد: الوريد الوداجي في العنق (في كل جانب)، ولكل إنسان وريدان، والقرب يكون بعلمنا. سورة ق [٥٠: ١٧] ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾: مع علم الله سبحانه بما توسوس به كل نفس وكلَّ به ملكين من الملائكة يكتبان كل ما يقوله ويعمله، ويحفظان أعماله لإقامة الحُجَّة عليه يوم الحساب ويشهدان عليه أو له يوم القيامة. ﴿إِذْ﴾: ظرف زماني ومكاني. ﴿يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾: مثنى المتلقي، أي: الملكان، يتلقى: كل منهما ما يقول وما يفعل الإنسان الموكلان به بالكتابة والحفظ في سجل أعماله.

стр. 5070

﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾: قعيد على وزن فعيل وقعيد صفة مبالغة، أيْ: ملازم مكانه لا يفارقه، ولم يقل: قاعدان، حذف الثاني لدلالة الأول عليه. قعيد واحد عن اليمن وواحد عن الشّمال. سورة ق [٥٠: ١٨] ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ﴾: ما النّافية، من استغراقية تشمل أيَّ قول. ﴿قَوْلٍ﴾: قيل: يكتبان ما يؤجر عليه أو يؤزر عليه، أيْ: فقط الحسنات والسّيئات. أو يكتبان كل ما يقوله أو يلفظه بلسانه من خير وشر. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾: لديه: ظرف مكاني، رقيب: يراقب قوله وعمله ويكتب ذلك ويمتاز بالعلم والإحاطة ولا يخفى عليه شيء، عتيد: عتيد بمعنى حاضر مهيأ للكتابة سواء كانت خيراً أو شراً، ولا يغيب عنه إلا حين قضاء الحاجة أو الجماع أو العُري. رقيب عتيد: صفة لكلّ ملك، أيْ: كلاهما رقيب عتيد، ولا يعني أنّ أحدهما رقيب والآخر عتيد، كما يظن البعض؛ أحدهما موكل بكتابة الحسنات، والآخر موكل بكتابة السيئات. سورة ق [٥٠: ١٩] ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾: المناسبة: بعد كتابة أقواله وأفعاله والاستمرار في ذلك حتّى تأتي سكرة الموت. ﴿وَجَاءَتْ﴾: الواو استئنافية، جاءت: بصيغة الماضي كأنّها جاءت وانتهت؛

стр. 5071

لأنّ الزّمن عند الله سبحانه واحد الماضي والحاضر والمستقبل؛ لأنه سبحانه خالق الزمان والمكان. ﴿سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾: شدته وهوله التي تذهب بالعقل. ﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق والملازمة، والحق: هو الأمر الثّابت الذي لا يتغير ولا يتبدل. وهو ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة تعود على الموت واللام للبعد. ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾: المخاطب غير معين، أو الخطاب لكل سامع؛ كنت في الدّنيا، تحيد: تفر منه وتهرب وتتجنب سماعه كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]. سورة ق [٥٠: ٢٠] ﴿وَنُفِخَ فِى الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾: وبعد سكرة الموت والبرزخ يأتي زمن النّفخ في الصّور، النّفخة الثّانية نفخة البعث والقيام. ﴿وَنُفِخَ فِى الصُّورِ﴾: النّافخ هو إسرافيل ﵇ وينفخ في الصّور: وهو القرن. ﴿ذَلِكَ﴾: النّفخ في الصور يشير إلى يوم الوعيد يوم البعث يوم القيامة الوعيد الذي كانوا يوعدون. ﴿يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾: يوم العذاب الذي وعد الله الكفار به. سورة ق [٥٠: ٢١] ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾: ﴿وَجَاءَتْ﴾: من المجيء وفيه معنى المشقة والصّعوبة وجاءت كل نفس في ذلك اليوم الذي: ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧].

стр. 5072

﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾: مؤمنة أو كافرة. ﴿مَعَهَا سَائِقٌ﴾: الملك، قيل: هو الذي يكتب السّيئات يسوقها إلى أرض المحشر. ﴿وَشَهِيدٌ﴾: قيل: الذي يكتب الحسنات، أو هو ملك واحد يسوقها ويشهد عليها. شهيد: صيغة مبالغة، أيْ: يعلم ظواهر وبواطن الأمور الخاصة بمن يشهد له أو عليه، ولم يقل شاهد؛ الذي هو أقل شهادة من الشهيد. سورة ق [٥٠: ٢٢] ﴿لَّقَدْ كُنْتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾: ﴿لَّقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق. ﴿كُنْتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾: كنت في الدّنيا المخاطب هنا المؤمن والكافر والفاجر والصالح كنت مشغولاً عن هذا اليوم أو غير مستعد له منهمكاً في ملذات الدّنيا وشهواتها. قال تعالى: في غفلة من هذا، ولم يقل: عن هذا، جاء بمن ابتدائية، أيْ: كان غافلاً من نفسه فهو مبدأ الغفلة، ولم يكن هناك ما يُغفله عن الموت؛ لأنه يرى الأموات كلَّ يوم. ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾: الفاء عاطفة تفيد المباشرة، فكشفنا لك عملك لتراه، أو أزلنا عنك الغفلة التي غطت عينيك في الدّنيا. شبه الغفلة كأنها غطاء غطَّى بها حواسه. ارجع إلى سورة البقرة آية (٧٤) لمزيد من البيان في الغفلة. ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾: اليوم: يوم القيامة، لم تعد غافلاً، فهذا بصرك اليوم قوي وحاد تبصر به كل شيء كنت غافلاً عنه في الدّنيا أو تنكره أو لا تصدقه. أيْ: يرفع ويكشف ذلك الغطاء غطاء الغفلة، كما يُرفع غطاء النوم عن الإنسان.

стр. 5073

سورة ق [٥٠: ٢٣] ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ﴾: ﴿وَقَالَ﴾: الواو واو الحالية للتوكيد. ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾: القرين: يعني المصاحب، كما ورد في سورة الصافات آية (٥١) وهي قوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ﴾ هذا من الإنس، وأما في سورة الزخرف آية (٣٦) وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ فهذا القرين من الجن؛ أيْ: شيطانه في الدنيا الذي قُيض له، والقرين: هو الصاحب الضار الذي لا خير فيه. وقد يكون من الجن أو من الإنس كما قلنا. فيقول الشيطان: ﴿هَذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ﴾: هذا: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب، ويشير إلى الكافر الذي أضله وأغواه، هذا ما أعددته لجهنم، وهيأته لها. سورة ق [٥٠: ٢٤] ﴿أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾: الخطاب إلى الشّاهد والسّائق ألقيا (ألف التّثنية). ﴿أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ﴾: هذا الكافر العنيد وأمثاله من الكفار، أو الخطاب إلى ملائكة النّار، بإلقاء في النّار كلّ للتوكيد. ﴿كَفَّارٍ﴾: صيغة مبالغة كثير الكفر أو شديد الكفر سواء كان كفرَ عقيدة أو جحوداً بالنّعم. ﴿عَنِيدٍ﴾: صيغة مبالغة على وزن فعيل كثير العناد معاند لا يقبل الحق وآيات ربه رافضاً له ومجادلاً بالباطل.

стр. 5074

سورة ق [٥٠: ٢٥] ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾: ﴿مَّنَّاعٍ﴾: صيغة مبالغة من فعل منع على وزن فعال، أيْ: كثير المنع للخير وهو الشيء الحسن النافع من قول أو فعل، مثل: مناع للزكاة أو الصّدقة أو المعروف. ﴿مُعْتَدٍ﴾: ظالم متجاوز حدود الله أو معتد على حقوق الآخرين أو عباد الله بيده ولسانه. ﴿مُرِيبٍ﴾: يشك في دين الله أو الحق ذي ريب، أي: شك وتهمة. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٢) وهي قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾: نجد أن معتد مريب حالة تسبق معتد أثيم؛ أي: المعتد المريب يتحول إلى المعتد الأثيم. سورة ق [٥٠: ٢٦] ﴿الَّذِى جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِى الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾: ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد الذّم والتّحقير، ويعود على الكفَّار العنيد المناع للخير. ﴿جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: أيْ: أشرك بالله بالإضافة إلى كلّ تلك الصفات الخمس الكفر والعناد والمناع والمعتد والمريب. ﴿فَأَلْقِيَاهُ﴾: تكرار ألقياه تفيد التوكيد، والفاء للمباشرة، ألقياه في جهنم وفي العذاب الشديد. ﴿فِى الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾: وهو نوع من أنواع العذاب في جهنم منها الشّديد والعظيم والأليم والمهيمن. سورة ق [٥٠: ٢٧] ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِى ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾: ولم يقل: وقال قرينه: حذف الواو تشير إلى أنّ

стр. 5075

هناك مقالة محذوفة، وأنّ الكافر قال لما قال: ألقياه في العذاب الشّديد قال: رب هو أطغاني وأضلني، فهو يحاول أن يجد له عذراً أو مبرِّراً لعدم إلقائه في النّار، فيتهم قرينه الشّيطان، فأجاب الشّيطان (القرين) ربنا ما أطغيته ما النّافية، أطغيته، أيْ: ما أوقعه في الطّغيان (الكفر والشرك والعصيان). ﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك وتوكيد. ﴿كَانَ فِى ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾: في بعد عن الحق يصعب الرّجوع عنه، أو تمادى في طغيانه وفساده وبعد عن الحق بنفسه، واستمر على ذلك حتى مات من دون توبة. سورة ق [٥٠: ٢٨] ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ﴾: قال الرّب عندما رأى كلّاً من الكافر والقرين (الشيطان) يختصمان. ﴿قَالَ لَا﴾: لا النّاهية. ﴿تَخْتَصِمُوا لَدَىَّ﴾: أيْ: عندي الآن، أو لا فائدة في اختصامكم الآن. ﴿وَقَدْ﴾: الواو حالية تفيد التّوكيد، قد للتحقيق والتّوكيد. ﴿قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ﴾: أيْ: أنذرتكم ذلك في الدّنيا بإرسال الرّسل وإنزال الكتب، الوعيد يكون بالعذاب غالباً مثال على الوعيد، فأمّا من طغى وآثر الحياة الدّنيا فإنّ الجحيم هي المأوى، الوعيد: دائماً يكون في الشّر، أمّا الوعد: فقد يكون في الخير أو الشّر، الوعد المطلق يدل على الخير الوعد المقيد قد يدل على الشّر. سورة ق [٥٠: ٢٩] ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾: ﴿مَا﴾: النّافية.

стр. 5076

﴿يُبَدَّلُ الْقَوْلُ﴾: أيْ: يتغيَّر أو يتحوَّل، والقول هو لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين، أو ما يبدَّل القول: أيْ: ما يبدَّل ما قضيت أو حكمت أو يتغيَّر وعدي. ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾: ارجع إلى الآية (١٨٢) من سورة آل عمران. سورة ق [٥٠: ٣٠] ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَّزِيدٍ﴾: المناسبة: ما يُبدل القول لديَّ في ذلك اليوم يوم نقول لجهنم: هل امتلأت، وتقول: هل من مزيد، أو اذكر لقومك الغافلين يوم نقول لجهنم: هل امتلأت، وتقول: هل من مزيد. ﴿يَوْمَ﴾: نكرة للتهويل والتّعظيم. ﴿نَقُولُ﴾: نون الجمع الدّالة على العظمة. ﴿لِجَهَنَّمَ﴾: اللام لام الاختصاص، جهنم: اسم من أسماء النّار مشتق من بُعد قعرها أو دركة من دركاتها، ارجع إلى سورة الرعد الآية (١٨). ﴿هَلِ﴾: للاستفهام. ﴿امْتَلَأْتِ﴾: والله سبحانه يعلم هل امتلأت أم لم تمتلئ، وإنما يذكر ذلك للتحذير والتّرهيب والإنذار من جهنم التي وقودها النّاس والحجارة. ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَّزِيدٍ﴾: هذا السّؤال يطرح على جهنم بعد أن يدخلها أهلها من الإنس والجن، فتنطق جهنم وتجيب السّائل هل: استفهام فيه معنى التّهويل والتّعظيم، هل من مزيد لها ثلاثة معانٍ: لم أمتلئ بعد، هل من مزيد أو هل هناك أكثر من هؤلاء الذين دخلوا فيها لفرط كثرتهم، أو تعني امتلأت وانتهى الأمر.

стр. 5077

سورة ق [٥٠: ٣١] ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: ﴿وَأُزْلِفَتِ﴾: الواو استئنافية، أزلفت: أُدنيت وقُربت. ﴿الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾: اللام لام الاختصاص، أيْ: قُربت الجنة للمتقين حتى يرونها قبل أن يدخلوها. ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: وينظرون إليها من قُرب، ينتظرون دخولها بشوق وتلهف. سورة ق [٥٠: ٣٢] ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾: ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب يشير إلى الجنة التي أزلفت لهم. ﴿مَا﴾: الذي توعدون أو مصدرية. ﴿تُوعَدُونَ﴾: أيْ: وعدتم أو وعدناكم وأنتم في الدّنيا، والوعد يكون غالباً في الخير، توعدون بصيغة المضارع حكاية الحال لاستحضار الحالة أمام السّامع، فكأنه يراها لعظم المشهد. ارجع إلى الآية (٢٨) من نفس السورة. ﴿لِكُلِّ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، كل تفيد التّوكيد. ﴿أَوَّابٍ﴾: من أب؛ أي: رجع إلى ربه، أو رجع عن المعصية، وأواب تعني: كثير الرّجوع إلى الله والتّوبة أو سريع التّوبة والإنابة إلى الله تعالى في كلّ الأوقات سواء أكانت الإنابة صادرة عن ذنب، أم بغير ذنب، وتعني: سرعة الإقبال على الله بعد كل قول وفعل. ﴿حَفِيظٍ﴾: محافظ على حدود الله وشرائعه وأوامره ونواهيه. والممسك عما حرم الله تعالى.

стр. 5078

سورة ق [٥٠: ٣٣] ﴿مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾: تتمة للآية السّابقة الأواب الحفيظ من خشي الرّحمن بالغيب، وجاء بقلب منيب. ﴿مَّنْ﴾: ابتدائية للمفرد والمثنى والجمع وللعاقل، وهي اسم موصول بمعنى الذي. ﴿خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾: الخشية هي الخوف مع التّعظيم والتّوقير. الرحمن: ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٣) وسورة الفرقان آية (٢٦) للبيان. بالغيب: الباء للإلصاق والملازمة بالغيب، أيْ: إذا غاب عن أعين النّاس، أو خلا بنفسه، ويخشى الله تعالى في العلن أمام الناس أيضاً؛ ارجع إلى سورة ياسين آية (١١) لمزيد من البيان في الغيب. ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾: قلب سريع التّوبة، وكثير الرّجوع إلى طاعة الله (كثير الإنابة) أي: المقبل على الله تعالى جاء بقلبه المنيب يوم القيامة لملاقاة ربه، وهناك فرق بين القلب المنيب، والقلب السليم؛ السليم: هو المطيع الخالي من كلّ مرض مثل الشّك والنفاق والرّيبة والتّردد. سورة ق [٥٠: ٣٤] ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾: ﴿ادْخُلُوهَا﴾: أي: الجنة. ﴿بِسَلَامٍ﴾: أيْ: تحية من الله وملائكته وعباده المؤمنين، وبسلام تعني: من العذاب ومن زوال النّعم ومن كلّ خوف وحزن وموت، وسلام يعني: الأمن والطمأنينة. بسلام: الباء للإلصاق: أي: الملازمة ملازمة السّلام فلا ينفك عنهم. ﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد والتّعظيم ويشير إلى يوم الخلود.

стр. 5079

﴿يَوْمُ الْخُلُودِ﴾: الخلود هو استمرار البقاء من وقت مبتدأ، أيْ: من زمن دخولها، أمّا الفرق بين الخلود والدّوام، فالدوام استمرار البقاء في كلّ الأوقات ليس هناك بداية أو نهاية، أمّا الخلود فيعني الدّوام، ولكن فيه بداية تبدأ من زمن الدّخول وليس له نهاية. سورة ق [٥٠: ٣٥] ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾: ﴿لَهُمْ﴾: لأهل الجنة، اللام لام الاختصاص والاستحقاق لهم خاصة. ﴿مَا﴾: بمعنى الذي أو مصدرية. وهي أعم وأشمل من الذي. ﴿يَشَاءُونَ فِيهَا﴾: أيْ: لهم في الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من النّعيم والخيرات وكلّ ما يخطر على البال. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾: لدينا من النّعيم والخيرات ما لم يخطر على البال والعقل أيضاً، ومن أعظم المزيد هو رضوان الله تعالى، ومن أعظم النّعيم لذة النّظر إلى وجهه الكريم . لنقارن هذه الآية (٣٥) من سورة (ق) وهي قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ أخَّر (فيها). والآية (١٦) من سورة الفرقان، وهي قوله: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾: قدَّم (فيها). فيها تعني الجنة قدَّم (فيها) في آية الفرقان؛ لأنّ الحديث أو السّياق عن الجنة، وليس أهل الجنة، أما السياق في آية (ق) في أهل الجنة أنفسهم، وليس الجنة بحدِّ ذاتها، ولذلك أخَّرها.

стр. 5080

سورة (ق) [الآيات ٣٦ - ٤٥] سورة ق [٥٠: ٣٦] ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِى الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾: الواو استئنافية، كم الخبرية تفيد الكثير، أيْ: أهلكنا الكثير من القرون. ﴿قَبْلَهُم﴾: قبل كفار قريش، ولم يقل: من قبلهم: أيْ: قريباً. أما قبلهم فلا تحدد زمن فقد يكون قريباً أو بعيداً. ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾: من استغراقية، القرن: أهل كل عصر، والقرن يقدَّر بـ (١٠٠) عام. ﴿هُمْ﴾: للتوكيد. ﴿أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا﴾: البطش: الأخذ بقوة وعنف، أيْ: أهلكنا قبل كفار قريش من هم أشد منهم قوة مثل قوم عاد وثمود. ﴿فَنَقَّبُوا فِى الْبِلَادِ﴾: طافوا وفتشوا في البلاد كثيراً بحثاً عن نقب أو نقوبها للهروب من عذاب الله فلم يجدوا، ونقب: أحدث خرقاً أو نقباً أو للدخول فيه والنّجاة، الفاء: فاء السّببية. ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: هل للاستفهام الإنكاري، من استغراقية، محيص:
следующие страницы →