Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.
стр. 5076
﴿يُبَدَّلُ الْقَوْلُ﴾: أيْ: يتغيَّر أو يتحوَّل، والقول هو لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين، أو ما يبدَّل القول: أيْ: ما يبدَّل ما قضيت أو حكمت أو يتغيَّر وعدي.
﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾: ارجع إلى الآية (١٨٢) من سورة آل عمران.
سورة ق [٥٠: ٣٠]
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَّزِيدٍ﴾:
المناسبة: ما يُبدل القول لديَّ في ذلك اليوم يوم نقول لجهنم: هل امتلأت، وتقول: هل من مزيد، أو اذكر لقومك الغافلين يوم نقول لجهنم: هل امتلأت، وتقول: هل من مزيد.
﴿يَوْمَ﴾: نكرة للتهويل والتّعظيم.
﴿نَقُولُ﴾: نون الجمع الدّالة على العظمة.
﴿لِجَهَنَّمَ﴾: اللام لام الاختصاص، جهنم: اسم من أسماء النّار مشتق من بُعد قعرها أو دركة من دركاتها، ارجع إلى سورة الرعد الآية (١٨).
﴿هَلِ﴾: للاستفهام.
﴿امْتَلَأْتِ﴾: والله سبحانه يعلم هل امتلأت أم لم تمتلئ، وإنما يذكر ذلك للتحذير والتّرهيب والإنذار من جهنم التي وقودها النّاس والحجارة.
﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَّزِيدٍ﴾: هذا السّؤال يطرح على جهنم بعد أن يدخلها أهلها من الإنس والجن، فتنطق جهنم وتجيب السّائل هل: استفهام فيه معنى التّهويل والتّعظيم، هل من مزيد لها ثلاثة معانٍ: لم أمتلئ بعد، هل من مزيد أو هل هناك أكثر من هؤلاء الذين دخلوا فيها لفرط كثرتهم، أو تعني امتلأت وانتهى الأمر.
стр. 5077
سورة ق [٥٠: ٣١]
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾:
﴿وَأُزْلِفَتِ﴾: الواو استئنافية، أزلفت: أُدنيت وقُربت.
﴿الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾: اللام لام الاختصاص، أيْ: قُربت الجنة للمتقين حتى يرونها قبل أن يدخلوها.
﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: وينظرون إليها من قُرب، ينتظرون دخولها بشوق وتلهف.
سورة ق [٥٠: ٣٢]
﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾:
﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب يشير إلى الجنة التي أزلفت لهم.
﴿مَا﴾: الذي توعدون أو مصدرية.
﴿تُوعَدُونَ﴾: أيْ: وعدتم أو وعدناكم وأنتم في الدّنيا، والوعد يكون غالباً في الخير، توعدون بصيغة المضارع حكاية الحال لاستحضار الحالة أمام السّامع، فكأنه يراها لعظم المشهد.
ارجع إلى الآية (٢٨) من نفس السورة.
﴿لِكُلِّ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، كل تفيد التّوكيد.
﴿أَوَّابٍ﴾: من أب؛ أي: رجع إلى ربه، أو رجع عن المعصية، وأواب تعني: كثير الرّجوع إلى الله والتّوبة أو سريع التّوبة والإنابة إلى الله تعالى في كلّ الأوقات سواء أكانت الإنابة صادرة عن ذنب، أم بغير ذنب، وتعني: سرعة الإقبال على الله بعد كل قول وفعل.
﴿حَفِيظٍ﴾: محافظ على حدود الله وشرائعه وأوامره ونواهيه. والممسك عما حرم الله تعالى.
стр. 5078
سورة ق [٥٠: ٣٣]
﴿مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾:
تتمة للآية السّابقة الأواب الحفيظ من خشي الرّحمن بالغيب، وجاء بقلب منيب.
﴿مَّنْ﴾: ابتدائية للمفرد والمثنى والجمع وللعاقل، وهي اسم موصول بمعنى الذي.
﴿خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾: الخشية هي الخوف مع التّعظيم والتّوقير.
الرحمن: ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٣) وسورة الفرقان آية (٢٦) للبيان.
بالغيب: الباء للإلصاق والملازمة بالغيب، أيْ: إذا غاب عن أعين النّاس، أو خلا بنفسه، ويخشى الله تعالى في العلن أمام الناس أيضاً؛ ارجع إلى سورة ياسين آية (١١) لمزيد من البيان في الغيب.
﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾: قلب سريع التّوبة، وكثير الرّجوع إلى طاعة الله (كثير الإنابة) أي: المقبل على الله تعالى جاء بقلبه المنيب يوم القيامة لملاقاة ربه، وهناك فرق بين القلب المنيب، والقلب السليم؛ السليم: هو المطيع الخالي من كلّ مرض مثل الشّك والنفاق والرّيبة والتّردد.
سورة ق [٥٠: ٣٤]
﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾:
﴿ادْخُلُوهَا﴾: أي: الجنة.
﴿بِسَلَامٍ﴾: أيْ: تحية من الله وملائكته وعباده المؤمنين، وبسلام تعني: من العذاب ومن زوال النّعم ومن كلّ خوف وحزن وموت، وسلام يعني: الأمن والطمأنينة.
بسلام: الباء للإلصاق: أي: الملازمة ملازمة السّلام فلا ينفك عنهم.
﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد والتّعظيم ويشير إلى يوم الخلود.
стр. 5079
﴿يَوْمُ الْخُلُودِ﴾: الخلود هو استمرار البقاء من وقت مبتدأ، أيْ: من زمن دخولها، أمّا الفرق بين الخلود والدّوام، فالدوام استمرار البقاء في كلّ الأوقات ليس هناك بداية أو نهاية، أمّا الخلود فيعني الدّوام، ولكن فيه بداية تبدأ من زمن الدّخول وليس له نهاية.
سورة ق [٥٠: ٣٥]
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾:
﴿لَهُمْ﴾: لأهل الجنة، اللام لام الاختصاص والاستحقاق لهم خاصة.
﴿مَا﴾: بمعنى الذي أو مصدرية. وهي أعم وأشمل من الذي.
﴿يَشَاءُونَ فِيهَا﴾: أيْ: لهم في الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من النّعيم والخيرات وكلّ ما يخطر على البال.
﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾: لدينا من النّعيم والخيرات ما لم يخطر على البال والعقل أيضاً، ومن أعظم المزيد هو رضوان الله تعالى، ومن أعظم النّعيم لذة النّظر إلى وجهه الكريم .
لنقارن هذه الآية (٣٥) من سورة (ق) وهي قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ أخَّر (فيها).
والآية (١٦) من سورة الفرقان، وهي قوله: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾: قدَّم (فيها).
فيها تعني الجنة قدَّم (فيها) في آية الفرقان؛ لأنّ الحديث أو السّياق عن الجنة، وليس أهل الجنة، أما السياق في آية (ق) في أهل الجنة أنفسهم، وليس الجنة بحدِّ ذاتها، ولذلك أخَّرها.
стр. 5080
سورة (ق) [الآيات ٣٦ - ٤٥]
سورة ق [٥٠: ٣٦]
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِى الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾:
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾: الواو استئنافية، كم الخبرية تفيد الكثير، أيْ: أهلكنا الكثير من القرون.
﴿قَبْلَهُم﴾: قبل كفار قريش، ولم يقل: من قبلهم: أيْ: قريباً. أما قبلهم فلا تحدد زمن فقد يكون قريباً أو بعيداً.
﴿مِنْ قَرْنٍ﴾: من استغراقية، القرن: أهل كل عصر، والقرن يقدَّر بـ (١٠٠) عام.
﴿هُمْ﴾: للتوكيد.
﴿أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا﴾: البطش: الأخذ بقوة وعنف، أيْ: أهلكنا قبل كفار قريش من هم أشد منهم قوة مثل قوم عاد وثمود.
﴿فَنَقَّبُوا فِى الْبِلَادِ﴾: طافوا وفتشوا في البلاد كثيراً بحثاً عن نقب أو نقوبها للهروب من عذاب الله فلم يجدوا، ونقب: أحدث خرقاً أو نقباً أو للدخول فيه والنّجاة، الفاء: فاء السّببية.
﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: هل للاستفهام الإنكاري، من استغراقية، محيص:
стр. 5081
مهرب، هل وجدوا لهم مهرباً أو ملجأ الجواب لا، محيص: من حاص، أيْ: عدل عن الطّريق وهرب.
سورة ق [٥٠: ٣٧]
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾:
هناك من قال أن هذه الآية هي جواب القسم لقوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [آية: ١]، ومنهم من قال غير ذلك؛ ارجع إلى الآية (١) لمزيد من البيان.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إنّ للتوكيد، في ذلك: اسم إشارة يشير إلى إهلاك الأمم السّابقة القوية قبلهم.
﴿لَذِكْرَى﴾: اللام لام التّوكيد، ذكرى: تذكرة.
﴿لِمَنْ﴾: اللام للتوكيد، من: اسم موصول بمعنى الذي، من: للمفرد والمثنى والجمع والعاقل. أي: الذي يأتي بعدهم.
﴿كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾: أيْ: عقل يفقه به ويتفكر.
﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾: أي: استمع سماع هداية، أيْ: أصغى بعناية إلى ما ينفعه ويستفيد منه.
﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾: وهو: يفيد التّوكيد، وهو شهيد: حاضر القلب والعقل.
سورة ق [٥٠: ٣٨]
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾:
سبب نزول هذه الآية: قالت اليهود: خلق الله السموات والأرض في ستة أيّام أوّلها الأحد وآخرها الجمعة، ثمّ استراح في اليوم السّابع، ويسمُّونه يوم الرَّاحة، فأنزل الله تكذيبهم فيما قالوه.
стр. 5082
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: ولقد: الواو استئنافية، لقد: اللام لام التّوكيد، قد للتحقيق، خلقنا السموات والأرض وما بينهما: ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٣٠) وسورة فصلت آية (٩ - ١٢) لبيان معنى خلق السموات والأرض.
﴿وَمَا مَسَّنَا﴾: ما: النافية؛ المس: أقل اللمس.
﴿مِنْ لُّغُوبٍ﴾: من استغراقية، لغوب: الشّعور بالفتور الذي يكون نتيجة النّصب، النّصب: التّعب البدني، وقيل: اللغوب الإعياء النّفسي؛ للدلالة على عظمة قدرته تعالى.
سورة ق [٥٠: ٣٩]
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾:
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾: الفاء للتوكيد، اصبر على ما يقولون: الخطاب إلى رسول الله ﷺ ، على ما يقولون إنّك ساحر أو إنّك كاهن أو إنّك مجنون. وغيره من الافتراءات.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: سبح: التّسبيح هو تنزيه الخالق عما لا يليق في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله من كل نقص وعيب وشريك وولد والتّسبيح قد يعني: الصّلاة، أيْ: صلِّ لله تعالى حامداً إياه قبل طلوع الشمس وقبل الغروب أو صلِّ لله تعالى ولا تنسَ حمده.
﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾: قيل: صلاة الفجر.
﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾: قيل: صلاة الظهر وصلاة العصر. والتسبيح: قد يكون
стр. 5083
ذكر الله والقول: سبحان الله، أو سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، وفي سورة طه آية (١٣٠) قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾.
سورة ق [٥٠: ٤٠]
﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾:
﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: أيْ: صلِّ صلاة المغرب والعشاء (صلِّ العشاءين) أو سبحه التسبيح العادي، الفاء للتوكيد.
﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: أي: سبحه عقب الصلوات، أيْ: عقب أو بعد أو دُبُرَ كلِّ صلاة أيْ: بعد انقضائها.
وفي سورة الطور آية (٤٩) قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ أيْ: عقب أو دبر أو بعد اختفاء النجوم. ارجع إلى سورة الطور آية (٤٩) لمزيد من البيان.
سورة ق [٥٠: ٤١]
﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾:
﴿وَاسْتَمِعْ﴾: ولم يقل: واسمع استمع تعني: بقصد ونية واهتمام وجند كل حواسك وعقلك لما تسمع في ذلك اليوم، واستمع فيها معنى التشويق لما سيسمع.
يوم ينادي المناد: يوم نكرة للتهويل والتعظيم والمناد نكرة أيضاً، قيل: هو إسرافيل، واليوم هو يوم البعث أو القيامة.
والنداء لم يذكر ما هو.
من مكان قريب: والمكان مجهول أيضاً، للتهويل ويسمعه كل واحد.
стр. 5084
سورة ق [٥٠: ٤٢]
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾:
حتى يسمعوا الصيحة لا بُدَّ أن تبعث الحياة فيهم مرة أخرى وهم في القبور ويصبح القبر حينذاك جدثاً، وبعد ذلك يخرجون من قبورهم، يوم: نكرة للتعظيم والتهويل، ويعني: يوم البعث.
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾: أي: النفخة الثانية نفخة البعث. حين ينفخ إسرافيل في الصور.
﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق بالحق الأمر الثابت الذي لا يتغيَّر.
ذلك: اسم إشارة واللام للبعد.
﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾: الخروج من الأجداث، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾: [المعارج: ٤٣].
وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥].
وكما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ».
في حديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيره، عن أوس بن أوس قال ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ قُبِضَ وَفِيهِ النَّفْخَةُ وَفِيهِ الصَّعْقَةُ».
سورة ق [٥٠: ٤٣]
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم.
стр. 5085
﴿نَحْنُ﴾: للتوكيد، توكيد العظمة والقدرة.
﴿نُحْىِ وَنُمِيتُ﴾: في الحياة الدنيا.
﴿وَإِلَيْنَا﴾: تقديم إلينا تفيد الحصر.
﴿الْمَصِيرُ﴾: مصدر ميمي لفعل صار، ومعنى صار يعني: الانتقال والتحول من حال إلى حال، أي: إلى الله المنتهى والمأل.
سورة ق [٥٠: ٤٤]
﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾:
﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ﴾: يوم ظرف زمان وجاء بصيغة النكرة: للتهويل والتعظيم، ويعني: يوم البعث. يوم الخروج من الأجداث، تشقق الأرض: الأرض الجديدة: تنتفخ وتتصدع عنهم، تتشقق بفتح التاء وتشديد الشين وأصلها تتشقق أدغمت التاء الثانية في الشين وقلبت إلى شين.
﴿سِرَاعًا﴾: أي: يخرجون سراعاً، أي: مسرعين إلى الداع. سراعاً: جمع سريع.
﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد.
﴿حَشْرٌ﴾: هو السوق والجمع.
﴿عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾: تقديم علينا للحصر، يسير: هيِّن.
سورة ق [٥٠: ٤٥]
﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾:
في الآية (٣٩) من نفس السورة قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. وفي هذه الآية يقول تعالى: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ كفار قريش وغيرهم من الأقاويل سراً
стр. 5086
وعلناً مثل قولهم شاعر، ساحر، كاهن مجنون مفتر، يعلمه بشر أساطير الأولين. يقولون، ولم يقل: قالوا؛ لتدل على تكرار قولهم وتجدُّده واستمراره وفيها تهديد ووعيد.
﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق، (ما) تعني: الذي و (ما) أوسع شمولاً.
﴿وَمَا أَنْتَ﴾: (ما) النافية، أنت: الخطاب إلى رسول الله ﷺ .
﴿عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾: جبار صيغة مبالغة من جبر: وجبره على الأمر: قهره عليه، أيْ: أنت لم تبعث لتجبرهم على الإسلام أو الإيمان. كقوله تعالى: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]. ارجع إلى سورة مريم آية (١٤) لمزيد من البيان في جبار.
﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾: أي: إنما أنت مذكر فقط، فذكر بالقرآن: الفاء لربط السبب بالمسبب؛ فذكر بالقرآن من يخاف وعيدي من المؤمنين.
من: ابتدائية، يخاف وعيد: ارجع إلى الآية (٢٨) من نفس السورة.
стр. 5087
سورة الذاريات [٥١: ١]
سورة الذاريات
ترتيبها في القرآن (٥١) في النزول (٦٧).
﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾:
الواو واو القسم. والله سبحانه لا يقسم إلا بشيء مهم وعظيم، وهو سبحانه غني عن القسم، ويشير القسم عادة إلى أهمية الأمر المقسم به وجواب القسم.
﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾: أي: الرياح جمع ذارية مؤنث الذاري اسم فاعل من ذرا. تشمل الرياح أو الريح، وهي جند من جنود السموات والأرض، فالرياح (الريح اللينة) في القرآن تأتي في سياق الخير والرحمة، وأما الريح في القرآن فتأتي في سياق الهلاك والدمار والشر، وتسمَّى أحياناً الريح العقيم أو العاصفة أو الصرصر، وسُمِّيت بالذاريات؛ لأنها تذر التراب والرمل، وكما قال تعالى: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِنْ شَىْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤١ - ٤٢] (ذرواً) مصدر يفيد التوكيد من فعل ذرا: فرق أو انتشر.
سورة الذاريات [٥١: ٢]
﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾:
الفاء: عاطفة، والصفات المعطوفة بالفاء تكون لموصوف واحد، وأما العطف بالواو كما لو قال تعالى: والحاملات وقرا؛ لدل ذلك على تغاير الذات (الصفات)؛ أي: الذاريات غير الحاملات كما ذكر الألوسي؛ الحاملات وقراً: الحاملات: أي: الرياح التي تحمل السحب الركامية التي قد تمتد وترتفع في السماء عشرات، بل مئات الكيلو مترات، وقِراً: الحمل الثقيل (وهي السحب الركامية) التي تحمل ماء المطر، وهو الوِقر: بكسر الواو، وسكون القاف: هو الحمل الثقيل من الماء المقدر بمئات وآلاف الأطنان، وهناك الوَقْر: بفتح الواو، وسكون القاف: وهو الثقل في السمع أو الأذن.
стр. 5088
والحاملات وقراً: آية أخرى من آيات الله تعالى أو جند من جنود السموات والأرض يقسم الله بها لأهميتها في حياة الناس. وهذه هي الوظيفة الثانية للرياح حمل السحب الركامية.
سورة الذاريات [٥١: ٣]
﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾:
وهذه هي الوظيفة الثالثة للرياح.
الفاء عاطفة تعود على الرياح. ارجع إلى الآية السابقة.
الجاريات: جمع جارية: أي: الفلك، أي: السفن التي تجري على سطح الماء في البحار والمحيطات، وفي الآية (٢٤) من سورة الرحمن قال تعالى: ﴿الْجَوَارِ الْمُنشَئَاتُ فِى الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾، وفي الآية (٣٢) من سورة الشورى قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِى الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾، فما الفرق بين الجاريات والجوار؟ فالجاريات من حيث اللغة: يراد بها الوصف، والجوار: يراد بها الاسم؛ ارجع إلى سورة إبراهيم آية (٣٢) للتعليل العلمي لجريان الفلك على سطح الماء. وتوربينات الرياح التي تولِّد الطاقة الكهربائية.
يسراً: جرياً بسهولة أيْ: يسر ومن دون كلفة. وكما قال تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمُ الْفُلْكَ فِى الْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٦٦].
سورة الذاريات [٥١: ٤]
﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾:
وهذه هي الوظيفة الرابعة للرياح.
الفاء عاطفة تعود على الرياح المقسمات جمع المقسمة اسم فاعل من الفعل الرباعي قسَّم.
الرّياح المقسمة للأرزاق مثل الرّياح اللواقح التي تحمل هباءات الغبار لتلقح بها السحب التي تسبب المطر الذي نشرب منه، والذي ينبت به الزّرع والزّيتون والنّخيل، ومن كل الثمرات.
وقيل: المقسمات أمراً: الملائكة: لأنها تقسم الأرزاق، أو تقسم المطر أو الرزق بين العباد.
стр. 5089
سورة الذاريات [٥١: ٥]
﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾:
جواب القسم.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
﴿تُوعَدُونَ﴾: البعث وكل ما وعد الله به من خير وشرٍّ وثواب وعقاب وجنة ونار.
﴿لَصَادِقٌ﴾: اللام لام التوكيد. صادق: حق والحق هو الأمر الذي لا يتغيَّر ولا يتبدَّل. وفي الآية (٧) من المرسلات قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾، وفي الآية (١٣٤) من سورة الأنعام قال تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾، فآية الذاريات: جاءت في سياق الآخرة والحساب لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾، وأما آية المرسلات جاءت أيضاً في سياق الحساب والآخرة، وأما آية الأنعام فقد جاءت في سياق الدنيا والآخرة لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [آية: ١٣٦] في سياق الدنيا، ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (في الآخرة) في سياق الآخرة، وإذا نظرنا إلى كلمة (وإن ما) في آية الأنعام: نجدها مركبة من (إن+ ما)، أو فصلت (إن) عن (ما)، بينما في آية الذاريات والمرسلات نجدها كلمة واحدة (إنما).
سورة الذاريات [٥١: ٦]
﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾:
معطوفة على جواب القسم السّابق.
﴿وَإِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الدِّينَ﴾: الجزاء والحساب.
﴿لَوَاقِعٌ﴾: اللام لام التوكيد، واقع حاصل لا محالة.
стр. 5090
سورة الذاريات [٥١: ٧]
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾:
الواو واو القسم. ولا يقسم الله سبحانه إلا بشيء عظيم وهي السماء ذات الحبك.
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: أي: السماء ذات البنيان المحكم. ذات الترابط الشديد والانضباط الدقيق، والمتباينة الكثافات بسبب تعدد الأجرام السماوية كالنجوم المختلفة في الكثافة والطاقة والكواكب والأقمار، فهذه الأجرام مرتبطة بقوة الجاذبية التي تشد الجرم الصغير إلى الجرم الكبير، وكذلك بقوة الطرد المركزي التي تدفع الجرم الصغير بعيداً عن النجم الكبير. فالسماء ذات الحبك تعني ذات الشموخ لاختلاف الكثافات والقوى الجاذبة وقوى الطرد.
سورة الذاريات [٥١: ٨]
﴿إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ﴾:
﴿إِنَّكُمْ﴾: للتوكيد والخطاب أهل مكة وغيرهم.
﴿لَفِى﴾: اللام للتوكيد، في: ظرفية.
﴿قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ﴾: متناقض متضارب بشأن رسول الله ﷺ ساحر شاعر مجنون كاهن مفتر، أو بشأن القرآن تقولون: هو سحر أو شعر أو افتراه، أو أساطير الأولين، أو ليس هناك حشر ولا حساب ولا بعث أو تقولون أنّ الله هو الذي خلق السّموات والأرض وخلقكم، ثم تعبدون غيره، أو تقولون: إنّ محمّداً الصّادق الأمين، ثم تكذِّبون به ولا تصدِّقونه.
стр. 5091
سورة الذاريات [٥١: ٩]
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾:
﴿يُؤْفَكُ﴾: يصرف عنه من أَفَكَ: صرف فالأفك نوع من الصرف والتحويل؛ أي: الكذب، وهاء الضّمير تعود للقرآن أو الرسول أو الدِّين. إذن الإفك هو صرف الشيء عن مساره الذي يجب أن يكون عليه. والإفك: نوع من الكذب.
﴿مَنْ أُفِكَ﴾: من أفك (كذب) من قريش أو غيرهم من الكفار أو يصرف عنه من كذبَ من قريش أو النّاس أو من هو أفاك كذاب.
سورة الذاريات [٥١: ١٠]
﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾:
﴿قُتِلَ﴾: دعاء عليهم باللعن؛ أيْ: لُعن الخراصون: ومن لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك.
﴿الْخَرَّاصُونَ﴾: جمع خراص من الفعل خرص بمعنى خمن أو حزر، الخرص هو التّخمين والحزر من دون علم ودليل وحقيقة، وقد يعني: الكذب. أيْ: لُعن الكاذبون الذين قالوا: إن القرآن سحر أو محمد ساحر أو افتراه، أو هو أساطير الأولين، وغيرها من الأكاذيب.
سورة الذاريات [٥١: ١١]
﴿الَّذِينَ هُمْ فِى غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد دنو منزلتهم.
﴿هُمْ﴾: للتوكيد.
﴿غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾: في ظرفية مكانية، غمرة: ما ستره الشّيء وغطَّاه وغمرة، السّهو: عدم تذكر الشّيء مع أن صورته موجودة في منطقة التّذكر. فالسهو عدم التفطن للشيء بسبب انشغال النفس، وأما الغفلة فهي أعم من السهو.
стр. 5092
﴿سَاهُونَ﴾: عما أمروا به، ساهون تدل على أنّ صفة السّهو ثابتة عندهم لن تتغيَّر، أي: هم في عمى وجهالة بأمر الآخرة وساهون عنها.
سورة الذاريات [٥١: ١٢]
﴿يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾:
﴿يَسْئَلُونَ﴾: سؤال استهزاء واستنكار، أيان: ظرف زمان مبهم، ويستعمل في الأمور العظام والتفخيم، ويستعمل في الاستفهام بالمستقبل، ويوحي بالتراخي في الزمن بخلاف متى: التي تستعمل في الماضي والمستقبل والأمور العامة. يسئلون: بصيغة المضارع التي تدل على التكرار والتجدد.
﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾: متى يوم الحساب أو قيام السّاعة وجواب السّؤال محذوف للتعظيم والتّهويل.
سورة الذاريات [٥١: ١٣]
﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾:
﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان تقديره يوم يأتي.
﴿هُمْ﴾: للتوكيد على النّار.
﴿يُفْتَنُونَ﴾: مشتق من الفتنة وأصلها عرض الذّهب على النّار للتخلص من الشّوائب إذن يفتنون يحرقون ويعذبون ويفتنون تدل على التّكرار والتّجدد والاستمرار.
سورة الذاريات [٥١: ١٤]
﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِى كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾:
﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾: أيْ: ذوقوا عذاب الحريق: (النار).
﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب ويشير إلى العذاب.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يدل على شيء محدد وهو العذاب.
﴿كُنْتُمْ بِهِ﴾: أيْ: في الدنيا.
стр. 5093
﴿تَسْتَعْجِلُونَ﴾: تقولون ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] في هذه الآية شبَّه العذاب بطعام يؤكل، وحذف كلمة الطّعام وأبدلها بكلمة الذّوق، التي تفيد أن العذاب سوف يطول كلَّ عضو من أعضائه كما يصل الغذاء إلى كل عضو.
سورة الذاريات [٥١: ١٥]
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الْمُتَّقِينَ﴾: جمع متَّقٍ، وهو الذي أطاع أوامر الله وتجنَّب نواهيه.
﴿فِى﴾: ظرفية.
﴿جَنَّاتٍ﴾: جمع جنة، وهي البساتين والحدائق الغنَّاء، جنات الفردوس والنّعيم وعدن وجنات المأوى ودار السّلام والخلد.
﴿وَعُيُونٍ﴾: جمع عين وتعني: عيون الماء والتّسنيم والكافور والسّلسبيل والزّنجبيل، وعين قد تجمع على أعين، وتعني التي نبصر بها.
إذن عيون في القرآن تعني: عيون الجنة وأعين تعني: التي نبصر بها وترى الأشياء، وفي الآية (١٧) من سورة الطور قال تعالى: ﴿فِى جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾: هذا جاء في سياق المتقين، وجنات وعيون في سورة الذاريات جاءت في سياق المحسنين، وهم أعلى درجة من المتقين.
سورة الذاريات [٥١: ١٦]
﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾:
﴿آخِذِينَ﴾: راضين.
﴿مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾: ما اسم موصول بمعنى الذي، أتاهم ربهم: من الجنات والقصور والحور العين والطّعام والشّراب. و (ما) أوسع شمولاً من (الذي)
стр. 5094
وأكثر إبهاماً تقع على كل شيء، وفي الآية (١٧) من سورة الطور قال تعالى: ﴿فِى جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾، وهذا ليس بتكرار ما جاء في آية الذاريات يدل على السبب وهو أنهم كانوا قبل ذلك محسنين، وما جاء في آية الطور يدل على الثواب الذي ينالوه في الآخرة.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾: أول صفة.
﴿إِنَّهُمْ﴾: للتوكيد.
﴿كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: أي: في الدّنيا.
﴿مُحْسِنِينَ﴾: جمع مُحسن. تعليل لاستحقاقهم هذا الإيتاء الجنات والعيون هو إحسانهم في الدّنيا.
ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٢) لبيان معنى الإحسان.
سورة الذاريات [٥١: ١٧]
﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾:
هذه ثاني صفة للمحسنين.
﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ الَّيْلِ﴾: كانوا: في الدنيا وخص الليل؛ لأنه وقت الراحة والسبات.
﴿مَا﴾: للتوكيد.
﴿يَهْجَعُونَ﴾: ينامون، الهجوع النّوم القليل.
سورة الذاريات [٥١: ١٨]
﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾:
هذه هي الصفة الثالثة للمحسنين.
﴿وَبِالْأَسْحَارِ﴾: الباء ظرفية زمانية، جمع سحر، وهو الجزء الأخير من الليل.
стр. 5095
وتخصيص الأسحار بالاستغفار؛ لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة، والعبادة فيها أصفى وأشقُّ.
﴿هُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾: من الاستغفار لذنوبهم والمغفرة تعني: ستر الذّنب وترك العقوبة والثّواب على العمل الصّالح سواء كان استغفار إنابة (من دون ذنب)، أو استغفار لذنب؛ يستغفرون بصيغة المضارع لتدل على التّجدد والتّكرار.
سورة الذاريات [٥١: ١٩]
﴿وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾:
وهذه هي الصفة الرابعة للمحسنين.
﴿وَفِى﴾: الواو عاطفة، في الظرفية.
﴿أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾: قيل: ليست الزّكاة المفروضة، وإنما الصدقات والنوافل؛ لأنّ هذه الآية مكية نزلت قبل فرض الزّكاة بالمدينة، والحق هنا قد يعني: زيادة عن الزّكاة، ولم يقل سبحانه في هذه الآية: (حق معلوم)، كما ورد في سورة المعارج آية (٧٩) والحق المعلوم يعني: الزّكاة.
﴿حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾: تقرباً إلى الله تعالى، للسائل: اللام لام الاختصاص والاستحقاق والسّائل من يسأل النّاس لفاقته، أيْ: لفقره، والمحروم: الذي يتعفَّف عن السّؤال يظنه النّاس غنياً، وسُمِّي المحروم، أو لأنّه يُحرم الصّدقة من كثير من النّاس.
ثم يذكر الله سبحانه عدد من الآيات الكونية وآيات خلق الإنسان الدّالة على عظمته وقدرته، وأنّ الله هو الإله الحق الواحد الأحد الذي يجب أن يُعبد.
стр. 5096
سورة الذاريات [٥١: ٢٠]
﴿وَفِى الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾:
﴿وَفِى الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾: دلائل كونية وبراهين دالة على قدرته ووحدانيَّته، ومنها:
خلق الأرض، وإخراج الماء والمرعى منها. ودورانها حول الشمس، ونسبة اليابسة إلى الماء.
وإحياء الأرض بعد موتها وكيف تهتز وتربو بعد نزول المطر بعد ما كانت خاشعة أو ميتة.
والحدائق والأشجار والنّخيل والأعناب وكل الثّمرات.
والزّلازل والبراكين ودوران الأرض بسرعة تقدر بـ (٣٠ كيلو متر/ بالثانية)، وعدم الشّعور بذلك الدّوران، وجعلها كالمهد.
﴿لِّلْمُوقِنِينَ﴾: اللام لام الاختصاص، أيْ: آيات تنفع الموقنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم.
أو يقيناً مع يقينهم، والموقنون: جمع موقن. والموقن اسم فاعل من فعل أيقن.
ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) لبيان معنى اليقين ودرجاته.
سورة الذاريات [٥١: ٢١]
﴿وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾:
من آيات الخلق والنّشأة والتّطور والحركة والسّمع والبصر والأفئدة وعمل الجوارح والنوم واليقظة والحركة وغيرها.
﴿أَفَلَا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّقريري، والفاء تدل على التّوكيد، ألا: أداة حصر وتنبيه وأمر، أيْ: أبصروا ذلك.
стр. 5097
﴿تُبْصِرُونَ﴾: تنظرون في الدلائل والآيات بصيغة المضارع لتدل على ضرورة إعادة البصر والتّجدُّد والتّكرار، تبصرون: رؤية فكرية قلبية (رؤية بصيرة).
سورة الذاريات [٥١: ٢٢]
﴿وَفِى السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾:
﴿وَفِى﴾: ظرفية.
﴿السَّمَاءِ﴾: تعريفها: هي كل ما علاك تشمل السّحاب والسّموات السّبع وما فيهن.
﴿رِزْقُكُمْ﴾: لنعلم أن كل ما نحتاجه من صور المادة والطاقة يخلقه لنا ربنا في صفحة السماء، وينزله إلى الأرض بالقدر المعلوم، فدورة الماء حول الأرض بخار، سحاب، ثم مطر من أنواع الرزق، والطاقة الحرارية الآتية من الشمس رزق، والحديد الذي أنزل من السماء عن طريق تفجُّر الشهب والنيازك رزق، وكذلك غاز الهيدروجين الداخل في تشكيل نويات كثيراً من الأطعمة والأشربة من الرزق والرياح من الرزق، والجنة وما فيها رزق للمؤمنين في الآخرة.
﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾: ما: اسم موصول أوسع شمولاً من الذي ويشمل كل شيء. توعدون من البعث والجزاء والثواب (الجنة) أو العقاب (النّار) وكذلك ما توعدون من الخير والشّر من الصّواعق والرّعد والبرق، والرزق.
سورة الذاريات [٥١: ٢٣]
﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾:
﴿فَوَرَبِّ﴾: الفاء عاطفة، ورب: واو القسم. ويقسم الله سبحانه بربوبيته ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: خالق السّماء والأرض ومدبرهما ومالكهما وحاكمهما، السماء: تشمل السّموات السّبع وكل ما يعلو الإنسان.
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.
стр. 5098
﴿لَحَقٌّ﴾: اللام لزيادة التّوكيد، أي: ما ذكر من الآيات والرّزق وما توعدون من البعث والحساب والجزاء حق وصدق ثابت لا يتغيَّر، أي: لا يكون غير ذلك.
﴿مَا﴾: لزيادة التّوكيد.
فانظر إلى توكيد هذا القسم باستعمال (إن) و (اللام) و (ما) كلها أدوات تؤكِّد هذا الخبر الذي ينكره الإنسان.
﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾: وكل ما ذكر وما يذكره الله سبحانه هو حق فلا تكونوا من الممترين، تنطقون: تدل على التّجدُّد والتّكرار.
﴿مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾: أي: إن كل ما توعدونه من البعث والحساب والجزاء وغيره حق مثل ما تنطقون أو مثل نطقكم الذي لا تنكرونه أبداً، أو إنّه لحق كما حقَّ أن يكون الإنسان خلقاً ناطقاً.
سورة الذاريات [٥١: ٢٤]
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾:
﴿هَلْ﴾: للاستفهام والتّشويق.
﴿أَتَاكَ﴾: يا محمّد ﷺ خطاب للنبي ﷺ .
﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾: ضيف مصدر يطلق على الواحد والاثنين والجماعة؛ أي: ضيوف إبراهيم، وسمَّاهم ضيفاً؛ لأنّهم جاؤوا في صورة الضّيف أو نزلوا ضيفاً على إبراهيم، وقيل: كانوا ثلاثة من الملائكة أو أكثر، والله أعلم بذلك، ومما يدل على أنهم أكثر من واحد (قيل: كانوا ثلاثة) قوله تعالى: (المكرمين) الدالة على الجمع.
﴿الْمُكْرَمِينَ﴾: أي: هم مكرمون عند الله تعالى، بالجاه والشرف والقرب
стр. 5099
من الله مكانة، وكان من بينهم جبريل ﵇، أضياف مكرمون: لأنّ إبراهيم وامرأته بأنفسهما أكرموهم. والمكرمون تعني: الأعزاء.
سورة الذاريات [٥١: ٢٥]
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾:
﴿إِذْ﴾: ظرفية زمانية بمعنى: واذكر حين دخلوا على إبراهيم في داره.
﴿فَقَالُوا سَلَامًا﴾: الفاء للمباشرة، سلاماً جملة فعلية تفيد التّجدُّد والتّكرار.
﴿قَالَ سَلَامٌ﴾: جملة اسمية تفيد الثّبوت. أي: وعليكم سلام أو أجابهم بقوله: سلام. والجملة الاسمية أقوى من الجملة الفعلية وهذا يناسب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] أي: رد إبراهيم على تحيتهم بتحية أحسن من تحيتهم.
﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾: أي: قال إبراهيم سلام، قوم منكرون: تعني من أنتم حياكم الله أو من أين أنتم حياكم الله، أو قال في نفسه: هؤلاء قوم غرباء لا نعرفهم.
سورة الذاريات [٥١: ٢٦]
﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾:
﴿فَرَاغَ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، راغ: ذهب بخفيه وبحيله حتى يكرمهم، وأراد أن لا يُظهر لهم أنّه سيقوم بذلك، وهذا من مظاهر الكرم عند العرب أن يبادر المضيف بالقِرى من غير أن يُشعر به الضّيف حذراً من أن يكفَّه ويعذره من تحضير الطّعام.
فراغ: مشتقة من راغ الثعلب روغاً وروغاناً ذهب يمنة ويسرة في سرعة وخديعة، فهو لا يستقر في جهة واحدة.
﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾: لم يذكر مراحل الذّبح والشّوي؛ أي: التحضير.
стр. 5100
﴿فَجَاءَ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب.
﴿بِعِجْلٍ﴾: الباء للإلصاق.
﴿سَمِينٍ﴾: بينما في سورة هود ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] مشوي الذي يقطر الدّهن منه، سمين: ممتلئ لحماً وشحماً (يدل على كرم إبراهيم ﵇). أما حنيذ: فيدل على كيفية تحضيره.
سورة الذاريات [٥١: ٢٧]
﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾:
﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾: الفاء للتعقيب والترتيب، قربه إليهم: قدَّمه إليهم ليأكلوا منه.
﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾: ألا: أداة حصر وحثٍّ، أي: تفضلوا وكلوا، والهمزة استفهام إنكاري لما لا تأكلون؛ حيث رأى أيديهم لا تصله إليه: أي: لا تمتد إليه لتأكل منه؛ لأنّهم ملائكة لا يأكلون، وهو إلى الآن لا يعرف أنّهم ملائكة ولم يبشروه بعد، ويخبروه من هم.
سورة الذاريات [٥١: ٢٨]
﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾:
﴿فَأَوْجَسَ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، أوجس: أضمر أو أحس وشعر بالخوف منهم، فقد حاول إبراهيم أن لا يطلعهم على خوفه، ولكن الخوف سرعان ما ظهر على وجهه.
وخاف منهم؛ لأنّ العُرف أنّ الضّيف إذا نزل بقوم وقدَّموا له الطّعام ليأكل منه فامتنع، فيسألونه عندها إذا كان له طلب حتى يستجيبوا له، فإذا استجابوا له أكل بعدها، وإذا رفضوا الاستجابة له لا يأكل، ويغادر ونادراً جداً أن لا يأكل الضيف، فعندما رأى الملائكة الخوف على وجه إبراهيم، قالوا لإبراهيم: لا تخف إنا رسل ربك إنا أرسلنا إلى قوم لوط. وإذا قارنا هذه الآية وهي قوله تعالى:
стр. 5101
﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ مع الآية (٦٧) من سورة طه وهي قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾: نجد أن هناك اختلافاً في الآيتين؛ ارجع إلى سورة طه آية (٦٧) لمعرفة الاختلاف.
﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾: البشرى الإخبار بخبر سار لأول مرة، بشروا إبراهيم بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب.
﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾: الباء للإلصاق والملازمة، عليم: ذي علم كثير، غلام هو الولد الذي سيبلغ الحلم ويصبح كثير العلم؛ أي: إسحاق ﵇، كما أشارت الآيات الأخرى في سورة الصافات آية (١١٢).
فالبشارة تضمنت أمرين الأول كونه غلاماً ذكراً، والثّاني كونه عليماً والعلم من أكمل الصّفات، وفي سورة الصافات آية (١٠١) قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، ويعني: إسماعيل ﵇.
سورة الذاريات [٥١: ٢٩]
﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِى صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾:
﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ﴾: امرأة إبراهيم ﵇، الفاء للمباشرة، أي: اتجهت إلى الملائكة، أي: لما سمعت بشارتهم، وهناك فرق بين امرأته وزوجه؛ ارجع إلى سورة القصص آية (٩) لمعرفة الفرق بين الزوجة والمرأة.
﴿فِى صَرَّةٍ﴾: صيحة وضجة. من الصرير: وهو الصوت، صرير الباب صوته.
﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾: لطمت وجهها بيديها عجباً والصّك هو الضّرب.
﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾: عجوز كبيرة السّن، العجوز: يشترك فيه الذّكر والأنثى يقال رجل عجوز وامرأة عجوز، كما بينت الآيات الأخرى كقوله تعالى: ﴿يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢].
стр. 5102
﴿عَقِيمٌ﴾: أي: لا تلد والعقيم ليست كالعاقر هناك فرق بين العقيم والعاقر. ارجع إلى سورة آل عمران آية (٤٠) للبيان.
سورة الذاريات [٥١: ٣٠]
﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾:
رد الملائكة على امرأة إبراهيم.
﴿كَذَلِكِ﴾: أي: كما أخبرناك وبشرناك بغلام عليم.
﴿قَالَ رَبُّكِ﴾: أي: قضى ربك بذلك فلا تعجبي ولا تخافي.
﴿إِنَّهُ هُوَ﴾: إن للتوكيد، هو لزيادة التّوكيد.
﴿الْحَكِيمُ﴾: في حكمه وقضائه وأقواله وأفعاله وتدبير شؤون خلقه وأحوال كونه. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان.
﴿الْعَلِيمُ﴾: بخلقه وما يصلحهم ويضرهم كثير العلم أحاط علمه بخلقه وكونه، فلا تخفى عليه خافية.
стр. 5103
سورة الذاريات [٥١: ٣١]
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾:
بعد أن علم إبراهيم أنهم ملائكة وأنّهم رسل من الله تعالى.
﴿قَالَ﴾: إبراهيم ﵇ للملائكة.
﴿فَمَا﴾: الفاء للتوكيد، ما الاستفهامية.
﴿خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾: الخطب الأمر العظيم أو الحدث الجلل الذي يشغل بال السّائل، وسُمِّي خطباً؛ لأنّ النّاس يتخاطبون به، ويتحدثون عنه كلما اجتمعوا فشغل بالهم، أي: ما سبب إرسالكم أو ما هي مهمتكم أو لماذا أرسلتم.
ارجع إلى سورة الحجر آية (٥٧) لمزيد من البيان.
سورة الذاريات [٥١: ٣٢]
﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾:
﴿قَالُوا﴾: الملائكة.
﴿إِنَّا﴾: للتوكيد.
﴿أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾: قوم مجرمين: أي: قوم لوط، مجرمين: أي: أجرموا بالكفر وارتكاب الفاحشة وعصوا أمر ربهم.
وفي سورة الأعراف آية (٨١) وصفهم بالمسرفين.
وفي سورة الشعراء آية (١٦٦) وصفهم بالعادين.
وفي سورة النمل آية (٥٥) وصفهم بالجاهلين.
стр. 5104
﴿مُّجْرِمِينَ﴾: جمع مجرم تدل على أنّ صفة الإجرام ثابتة لهم ولا تتغيَّر. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وإلى سورة الجاثية آية (٣١) للبيان المفصل في مجرمين.
سورة الذاريات [٥١: ٣٣]
﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾:
﴿لِنُرْسِلَ﴾: اللام لام التّعليل.
﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾: أي: من سجيل. ارجع إلى الآية (٧٤) من سورة الحجر للبيان.
﴿طِينٍ﴾: هو الماء والتّراب وقالوا: طين متحجر كالآجر، من شظايا إحدى الكواكب التي انفجرت، كما بيَّنت الدراسات العلمية على هذه الحجارة التي لا يزال أجزاء منها في آثار قرى قوم لوط.
سورة الذاريات [٥١: ٣٤]
﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾:
﴿مُسَوَّمَةً﴾: مُعلمه من السّومة، أي: العلامة. معلومة عند ربك من أيِّ نوع، أو ممَّ تتركب من المواد.
﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: أي: معدة في السّماء مصنوعة لرجم من قضى الله تعالى بالرّجم.
﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، المسرفين: المجاوزين الحد في الفجور والآثام.
سورة الذاريات [٥١: ٣٥]
﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿فَأَخْرَجْنَا﴾: الفاء تدل على المباشرة.
﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: أخرجنا من قرى قوم لوط.
стр. 5105
﴿مَنْ﴾: ابتدائية اسم موصول بمعنى الذي ومن للمفرد والجمع وللعاقل، وأما الذي تشير إلى المفرد.
﴿كَانَ فِيهَا﴾: ساكن فيها في قرية أو قرى لوط.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: من استغراقية.
سورة الذاريات [٥١: ٣٦]
﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾:
﴿فَمَا﴾: الفاء للتوكيد، ما النّافية.
﴿وَجَدْنَا فِيهَا﴾: في قرى لوط.
﴿غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: غير للمغايرة والاستثناء، بيت واحد من المسلمين: هو بيت لوط.
وصفهم الله سبحانه بالمؤمنين في الآية (٣٥) وبالمسلمين في الآية (٣٦) وقيل: هم لوط وابنتاه.
وبما أنّ كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً ذكر العام بعد الخاص للتوكيد، وسبب نجاتهم لا شك هي إيمانهم.
سورة الذاريات [٥١: ٣٧]
﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾:
﴿وَتَرَكْنَا﴾: نون العظمة للدلالة على الشّدة والتّحذير.
﴿فِيهَا﴾: ظرفية الضّمير يعود على قرى قوم لوط المؤتفكات، أي: بعد تدميرها وإهلاكهم.
﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾: علامة أو دلالة بيِّنة هي (الحجارة من سجيل منضود).
﴿لِلَّذِينَ يَخَافُونَ﴾: اللام لام الاختصاص، يخافون العذاب الأليم:
стр. 5106
عذاب الله تعالى شديد الإيلام، انتبه إلى تكرار كلمة (فيها) ثلاث مرات للتوكيد (في ثلاث آيات) وهي الآيات (٣٥، ٣٦، ٣٧) فيها الضمير يعود إلى قرى لوط (المؤتفكات).
سورة الذاريات [٥١: ٣٨]
﴿وَفِى مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾:
بعد بيان ما حدث لقوم لوط من دمار وهلاك، ينتقل الحق سبحانه لبيان ما حدث لموسى ﵇ الذي أرسل إلى فرعون وقومه.
﴿وَفِى﴾: الواو عاطفة وفي موسى وما حدث لفرعون وقومه آية أخرى.
﴿إِذْ﴾: ظرف زماني بمعنى: حين، أي: اذكر إذا أرسلناه، أو اذكر حين أرسلناه.
﴿أَرْسَلْنَاهُ﴾: ارجع إلى آية (١١٩) من سورة البقرة للبيان.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: إلى فرعون: ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) لمعرفة من هو فرعون. الباء: للإلصاق، سلطان: بسلطان الحُجَّة والدّليل وهي العصا واليد، وقيل: التّسع آيات.
﴿مُبِينٍ﴾: السّلطان الواضح والظّاهر لكل فرد رأى تلك الآيات والمبين الذي لا يحتاج معها إلى برهان أو دليل آخر.
سورة الذاريات [٥١: ٣٩]
﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾:
﴿فَتَوَلَّى﴾: الفاء للمباشرة.
﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾: انصرف وابتعد، أي: أعرض بركنه: بجنده أو أعوانه. والرّكن وما يُركن إليه الشّيء ويُتقوَّى به أو الرّكن يعني: جانب البدن الأقوى، والرّكن يعني: العزة والمنعة، أي: أعرض عن الآيات وجحد بها هو وجنوده.
стр. 5107
﴿وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾: اتهم فرعون وموسى بأنّه ساحر وما جاء به السّحر، أو مجنون: أي: موسى ساحر ومجنون معاً أو ساحر أحياناً ومجنون أحياناً أخرى.
انظر إلى كيفية كتابة كلمة ساحر في هذه الآية وقارنها بكتابة كلمة ساحر أو مجنون التي وردت في الآية (٥٢) من نفس السّورة تجد أن الألف مقصورة في آية (٣٩) التي تخص موسى، وأنّ الألف ممدودة في الآية (٥٢) التي جاءت في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ وقد تعلل بما أن الآية (٥٢) قيلت في رسل كثيرين، فلما ازدادوا في العدد زيد في رسم الكلمة بالألف الممدودة الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى.
سورة الذاريات [٥١: ٤٠]
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِى الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾:
﴿فَأَخَذْنَاهُ﴾: الفاء عاطفة، أخذناه: أهلكناه وجنوده.
﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾: النّبذ هو إلقاء الشّيء، استهانة به وأنّه غير مهم، أي: أغرقناهم في اليم.
﴿فِى الْيَمِّ﴾: في البحر (الأحمر).
﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾: وهو يفيد التّوكيد، وتعود لفرعون، مُليم: أتى بما يُلام عليه من الكفر والتّكذيب وادعاء الربوبية والشّرك بالله، فهذه آية أخرى تدل على قدرة الله وعظمته، وهي قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٢].
سورة الذاريات [٥١: ٤١]
﴿وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾:
في إهلاك عاد الأولى بالرّيح العقيم آية أخرى تدل على عظمة الله وقدرته في الانتقام ممن كذب بآياته ورسله، الرّيح الصّرصر العاتية التي ﴿سَخَّرَهَا
стр. 5108
عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧].
﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾: إذ: ظرف زمان للماضي بمعنى: حين، أو اذكر إذ أرسلنا عليهم؛ على: فيها معنى الاستعلاء والشدة والقوة؛ الرّيح العقيم الرّيح التي لا خير فيها ولا فائدة، وسُمِّيت الرّيح العقيم؛ لأنّها أهلكتهم وقطعت دابرهم كما يحدث في عقم النّساء التي لا تلد، وقال تعالى: (أرسلنا): التي تدل على استمرار الإرسال الذي دام سبع ليال وثمانية أيام حسوماً.
سورة الذاريات [٥١: ٤٢]
﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَىْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾:
﴿مَا﴾: النّافية.
﴿تَذَرُ مِنْ شَىْءٍ﴾: تذر: تترك أو تدع، من: استغراقية تستغرق كل شيء وشيء نكرة يعني: أيَّ شيء والشّيء هو أقل القليل.
﴿أَتَتْ عَلَيْهِ﴾: أي: أصابته.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾: البالي المتفتت رم العظم أو النّبات أو غير ذلك بَلِيَ وتفتت.
سورة الذاريات [٥١: ٤٣]
﴿وَفِى ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾:
وفي إهلاك ثمود آية أخرى تدل على قدرة الله سبحانه وعظمته وثمود قوم صالح نبيهم صالح وهم أصحاب الحجر.
﴿إِذْ﴾: ظرف زمان بمعنى حين أو اذكر إذ …
стр. 5109
﴿قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾: قيل لهم بعد أن عقروا النّاقة: ﴿تَمَتَّعُوا فِى دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥].
﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية.
﴿حِينٍ﴾: الحين زمن غير محدد، وحين: نهاية أجلكم الذي هو قادم في ثلاثة أيام، أي: تمتعوا إلى زمن هلاككم.
سورة الذاريات [٥١: ٤٤]
﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾:
﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾: فعتوا من العتو: هو النُّبُوُّ، أي: الارتفاع عن الطّاعة والتكبر بغير الحق، أي: بدلاً من أن يندموا أو يسلموا أو يخافوا ويتضرعوا إلى الله، أرادوا المكر بصالح وقتله وأهله، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِى الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٤٨ - ٥١].
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: حلت بهم نازلة من السّماء أهلكتهم مثل الغيوم الكثيفة التي تصاحبت بالرّعد والبرق الذي أدَّى إلى تفريغ الشحنات الكهربائية عالية الفولتاج في أجسامهم؛ مما أدَّى إلى صعقهم وموتهم في الحال.
﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾: وهم ينظرون كيف يصعق كل منهم أمام عيني الآخر.
سورة الذاريات [٥١: ٤٥]
﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾:
﴿فَمَا﴾: الفاء للتعقيب والتّرتيب، ما: النّافية.
стр. 5110
﴿اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾: على أرجلهم أو على الوقوف، أي: ما قدروا على النهوض من أماكنهم.
﴿وَمَا﴾: تكرار ما يفيد توكيد النّفي.
﴿كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾: ناجين من العذاب. بالهرب أو اللجوء إلى مكان آمن يقيهم من البرق أو الصيحة.
سورة الذاريات [٥١: ٤٦]
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾:
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾: آية أخرى لهم قوم نوح أهلكناهم بالطّوفان. وقومَ: جاءت منصوبة تقديرها وأهلها قومَ نوح، أو أخذنا قومَ نوح.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل عاد وثمود ولوط وفرعون.
﴿إِنَّهُمْ﴾: للتوكيد.
﴿كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: خارجين عن طاعة الله تعالى متجاوزين لحدوده لأكثر من ألف سنة إلا خمسين عاماً.
سورة الذاريات [٥١: ٤٧]
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾:
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا﴾: بقوة، أي: بقوة وإحكام دقيق متماسك مترابط وليست فراغاً، كما كان يظن النّاس في القديم، فبين الأجرام السّماوية والمجرات غلالة من الغازات (طبقة غازية) يغلب عليها الهيدروجين، وهناك ذرات من بخار الماء والأمونيا والفورمالدهيد وذرات من الكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم والحديد.
هناك القوى والروابط الكهرومغناطيسية المتجاذبة وقوانين الجاذبية بين كل جرم وآخر.
стр. 5111
﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾: نظرية اتساع الكون حقيقة لم يدركها الإنسان أو العلماء إلا حديثاً، وهي أنّ الكون في اتساع مستمرٍّ يسمَّى الكون المتسع، فقد اكتشف علم الفلك والفضاء والفيزياء أنّ المسافات بين أجرام السّماء تتباعد عن بعضها وتتباعد عنا، واكتشف مجرات جديدة، فقد رصد أكبر مرصد جوي على الأرض أكثر من مئتي ألف مليون مجرة، ولكننا لا نرى بالعين المجردة إلا ثلاث منها فقط هي مجرة التّبانة، (وهي مجرتنا التي في كوكب الأرض)، ومجرة ماجلان الصّغرى، ومجرة ماجلان الكبرى.
أما ماذا بعد هذا التّوسع في الكون، فقد أثبتت الدّراسات العلمية أنّ هذا التّوسع سوف يتوقف، وتأتي مرحلة ثبوت الكون. ثم يتلوها مرحلة التّقلص، أي: يعود الكون كما بدأ، كما قال الحق سبحانه: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
سورة الذاريات [٥١: ٤٨]
﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾:
﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾: أي: بسطناها ومددناها ومهدناها وجعلنا كالفراش لتصلح للاستقرار والعيش عليها. رغم أنها كروية الشكل (بيضاوية) ورغم كونها متحركة.
فالأرض تقطع في كل ثانية ٣٠ كيلومتراً، ومع تلك السّرعة الأرض تبقى كأنها لا تتحرك ومستقرة، وتعليل ذلك لأننا نحن ندور معها وسرعتنا هي سرعة الأرض.
بفضل قوانين الجاذبية وقوانين الطرد والكهرومغناطيسية بين الأرض وبين الأجرام الأخرى، وبفضل الجبال الرّواسي والألواح القاربة وكتلة الأرض
стр. 5112
ذاتها تبقى مستقرة، فإذا اهتزت الأرض بمقدار (٦ - ٨) درجات في ميزان ريختر تحدث زلازل عظيمة.
سورة الذاريات [٥١: ٤٩]
﴿وَمِنْ كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾:
﴿وَمِنْ﴾: استغراقية تشمل النّبات والحيوان والجماد والإنسان والجن.
﴿كُلِّ﴾: للتوكيد.
﴿شَىْءٍ﴾: مهما كان نوعه وشكله وحجمه ووزنه، شيء نكرة تشمل كل شيء: إنسان حيوان نبات جماد.
﴿خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾: زوجين صنفين ذكر وأنثى، موجب وسالب، ليبقى الله سبحانه متفرداً بالوحدانية لوحده لا يشاركه في هذه الصفة أحد.
﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعل للتعليل والكاف للمخاطب.
﴿تَذَكَّرُونَ﴾: أن خالق هذه الأزواج هو الإله الحق الذي يجب أن يعبد وهو الواحد الأحد لعلكم تتذكروا قدرة وعظمة الخالق فتعبدوه.
سورة الذاريات [٥١: ٥٠]
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾: الفاء للتوكيد أو رابطة لجواب الشّرط مقدر تقديره إذا علم الإنسان أو العالِم هذه صفات الله ففروا إليه، فروا: الفرار سارعوا إليه بخوف وجلل وبالسر والعلن، ومن دون تأخير.
ففروا إلى الله: أي: سارعوا إليه بالتوبة والمغفرة والإنابة؛ ففروا: تعني اللجوء إلى الله بسرعة مع الخوف وبدون تستر؛ أي: على مرأى الناس.
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد والضّمير يعود للرسول ﷺ .
﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص أيها المسلمون المؤمنون.
стр. 5113
﴿مِّنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: منه الضّمير يعود إلى الله، نذير: من الإنذار وهو الإبلاغ مع التّحذير والتّخويف، مبين: واضح التّبليغ والإنذار، فلا يخفى على أحد منكم، ولا يحتاج هذا الإنذار إلى تبيين وتوضيح فهو واضح بذاته بامتثال أوامر الله وتجنب نواهيه، وعدم الخروج عن منهج الله تعالى وعصيانه؛ أي: هذا الإنذار الأول لهؤلاء الذين يعصون ربهم، وأما الإنذار التالي في الآية (٥١) لهؤلاء الذين يشركون بالله تعالى.
سورة الذاريات [٥١: ٥١]
﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾:
﴿وَلَا تَجْعَلُوا﴾: الواو عاطفة، لا: النّاهية، تجعلوا: الجعل، أي: التصيير.
﴿مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: بالإشراك به بأن تقولوا: له ولد أو نِدٌّ أو مثيل أو تتخذوا أولياء من دونه أو طاغوت أو وليٌّ.
﴿إِنِّى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ارجع إلى الآية السابقة (٥٠) للبيان.
وتكرار هذا الجزء من الآية يفيد التّوكيد على عدم الإشراك بالله تعالى. ويُعد إنذاراً آخر، أي: (إنذار ثانٍ) غير الإنذار الأول.
стр. 5114
سورة الذاريات [٥١: ٥٢]
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾:
﴿كَذَلِكَ﴾: أي: كما كذبك قومك قالوا عنك: ساحر أو مجنون كذب الذين من قبلهم رسلهم وقالوا عنهم ساحر أو مجنون، فأمر التّكذيب والافتراء على الرّسل أمر قديم متعارف عليه.
﴿مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم مِنْ رَسُولٍ﴾: ما النّافية، ما أتى الذين من قبلهم (الضّمير يعود لكفار مكة) ومن تدل على القرب، أي: ليس من زمن بعيد، من رسول: من استغراقية تشمل كل رسول.
﴿إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾: إلا أداة حصر، ساحر: يتعاطى السّحر. ولتعريف السّحر ارجع إلى الآية (٥٨) من سورة طه، أو مجنون: (أو) تعني: (و) أي: ساحر ومجنون معاً، وقد تعني تارةً: ساحراً وتارةً: مجنوناً.
واتهموهم بالسحر والجنون؛ لأن ما جاء به الرسل من الوحي لم يسمعوا به من قبل، أو لكونه أثَّر في عقولهم، أو لكونه خارقاً للعادة شبَّهوه بالسحر، أو الجنون.
سورة الذاريات [٥١: ٥٣]
﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾:
﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّعجبي وتعني: أتواصوا
стр. 5115
به تعود على القول، أي: أوصى الأولون الأخِرين أو أوصى بعضهم بعضاً بأن يقولوا هذا القول لرسلهم: ساحر أو مجنون.
أي: من كثرة هذا الفعل أو (القول) كأنّ الأولين أوصوا الآخرين، أوصى بعضهم بعضاً بأن يتَّهموا أنبياءَهم ورسلهم بهذا.
﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾: بل للإضراب الإبطالي، هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿قَوْمٌ طَاغُونَ﴾: أي: الصّحيح لم يتواصوا بذلك لتباعد أزمانهم، فهم لم يتلاقوا حتى يوصي بعضهم بعضاً، ولكنهم قوم طاغون، أي: طغاة، أي: تجاوزوا الحد في الكفر والفساد، وقالوا: ﴿مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨].
طاغون: جملة اسمية تدل على الثّبوت، ثبوت صفة الطّغيان عندهم. فالطغيان هو ما حملهم على القول بذلك.
سورة الذاريات [٥١: ٥٤]
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾:
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدَّر تقديره، أي: إن لم يستجيبوا لك فتولَّ عنهم وتفيد المباشرة والتّوكيد، أي: أبعد عن هؤلاء خاصة؛ لأن عن تفيد المجاوزة والابتعاد. أي: اتركهم وليس أعرض عنهم هناك فرق بين تولى وأعرض، أي: أبعد أو ابتعد عن هؤلاء الطّغاة من قومك، ولا يعني: تولَّ عن الكل بل عن هؤلاء فقط، وقد تعني: لا تجادلهم ولا تتصدَّ لهم.
﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾: الفاء تعليلية، ما النّافية تعمل عمل ليس، ولكن (ما) أقوى في النّفي من (ليس)، وما لنفي الحال والمستقبل، وليس تنفي الحال، وقد تنفي المستقبل إذا قيدت، أنت: ضمير متصل يفيد التّوكيد.
следующие страницы →