Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.
стр. 5111
﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾: نظرية اتساع الكون حقيقة لم يدركها الإنسان أو العلماء إلا حديثاً، وهي أنّ الكون في اتساع مستمرٍّ يسمَّى الكون المتسع، فقد اكتشف علم الفلك والفضاء والفيزياء أنّ المسافات بين أجرام السّماء تتباعد عن بعضها وتتباعد عنا، واكتشف مجرات جديدة، فقد رصد أكبر مرصد جوي على الأرض أكثر من مئتي ألف مليون مجرة، ولكننا لا نرى بالعين المجردة إلا ثلاث منها فقط هي مجرة التّبانة، (وهي مجرتنا التي في كوكب الأرض)، ومجرة ماجلان الصّغرى، ومجرة ماجلان الكبرى.
أما ماذا بعد هذا التّوسع في الكون، فقد أثبتت الدّراسات العلمية أنّ هذا التّوسع سوف يتوقف، وتأتي مرحلة ثبوت الكون. ثم يتلوها مرحلة التّقلص، أي: يعود الكون كما بدأ، كما قال الحق سبحانه: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
سورة الذاريات [٥١: ٤٨]
﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾:
﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾: أي: بسطناها ومددناها ومهدناها وجعلنا كالفراش لتصلح للاستقرار والعيش عليها. رغم أنها كروية الشكل (بيضاوية) ورغم كونها متحركة.
فالأرض تقطع في كل ثانية ٣٠ كيلومتراً، ومع تلك السّرعة الأرض تبقى كأنها لا تتحرك ومستقرة، وتعليل ذلك لأننا نحن ندور معها وسرعتنا هي سرعة الأرض.
بفضل قوانين الجاذبية وقوانين الطرد والكهرومغناطيسية بين الأرض وبين الأجرام الأخرى، وبفضل الجبال الرّواسي والألواح القاربة وكتلة الأرض
стр. 5112
ذاتها تبقى مستقرة، فإذا اهتزت الأرض بمقدار (٦ - ٨) درجات في ميزان ريختر تحدث زلازل عظيمة.
سورة الذاريات [٥١: ٤٩]
﴿وَمِنْ كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾:
﴿وَمِنْ﴾: استغراقية تشمل النّبات والحيوان والجماد والإنسان والجن.
﴿كُلِّ﴾: للتوكيد.
﴿شَىْءٍ﴾: مهما كان نوعه وشكله وحجمه ووزنه، شيء نكرة تشمل كل شيء: إنسان حيوان نبات جماد.
﴿خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾: زوجين صنفين ذكر وأنثى، موجب وسالب، ليبقى الله سبحانه متفرداً بالوحدانية لوحده لا يشاركه في هذه الصفة أحد.
﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعل للتعليل والكاف للمخاطب.
﴿تَذَكَّرُونَ﴾: أن خالق هذه الأزواج هو الإله الحق الذي يجب أن يعبد وهو الواحد الأحد لعلكم تتذكروا قدرة وعظمة الخالق فتعبدوه.
سورة الذاريات [٥١: ٥٠]
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾: الفاء للتوكيد أو رابطة لجواب الشّرط مقدر تقديره إذا علم الإنسان أو العالِم هذه صفات الله ففروا إليه، فروا: الفرار سارعوا إليه بخوف وجلل وبالسر والعلن، ومن دون تأخير.
ففروا إلى الله: أي: سارعوا إليه بالتوبة والمغفرة والإنابة؛ ففروا: تعني اللجوء إلى الله بسرعة مع الخوف وبدون تستر؛ أي: على مرأى الناس.
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد والضّمير يعود للرسول ﷺ .
﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص أيها المسلمون المؤمنون.
стр. 5113
﴿مِّنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: منه الضّمير يعود إلى الله، نذير: من الإنذار وهو الإبلاغ مع التّحذير والتّخويف، مبين: واضح التّبليغ والإنذار، فلا يخفى على أحد منكم، ولا يحتاج هذا الإنذار إلى تبيين وتوضيح فهو واضح بذاته بامتثال أوامر الله وتجنب نواهيه، وعدم الخروج عن منهج الله تعالى وعصيانه؛ أي: هذا الإنذار الأول لهؤلاء الذين يعصون ربهم، وأما الإنذار التالي في الآية (٥١) لهؤلاء الذين يشركون بالله تعالى.
سورة الذاريات [٥١: ٥١]
﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾:
﴿وَلَا تَجْعَلُوا﴾: الواو عاطفة، لا: النّاهية، تجعلوا: الجعل، أي: التصيير.
﴿مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: بالإشراك به بأن تقولوا: له ولد أو نِدٌّ أو مثيل أو تتخذوا أولياء من دونه أو طاغوت أو وليٌّ.
﴿إِنِّى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ارجع إلى الآية السابقة (٥٠) للبيان.
وتكرار هذا الجزء من الآية يفيد التّوكيد على عدم الإشراك بالله تعالى. ويُعد إنذاراً آخر، أي: (إنذار ثانٍ) غير الإنذار الأول.
стр. 5114
سورة الذاريات [٥١: ٥٢]
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾:
﴿كَذَلِكَ﴾: أي: كما كذبك قومك قالوا عنك: ساحر أو مجنون كذب الذين من قبلهم رسلهم وقالوا عنهم ساحر أو مجنون، فأمر التّكذيب والافتراء على الرّسل أمر قديم متعارف عليه.
﴿مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم مِنْ رَسُولٍ﴾: ما النّافية، ما أتى الذين من قبلهم (الضّمير يعود لكفار مكة) ومن تدل على القرب، أي: ليس من زمن بعيد، من رسول: من استغراقية تشمل كل رسول.
﴿إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾: إلا أداة حصر، ساحر: يتعاطى السّحر. ولتعريف السّحر ارجع إلى الآية (٥٨) من سورة طه، أو مجنون: (أو) تعني: (و) أي: ساحر ومجنون معاً، وقد تعني تارةً: ساحراً وتارةً: مجنوناً.
واتهموهم بالسحر والجنون؛ لأن ما جاء به الرسل من الوحي لم يسمعوا به من قبل، أو لكونه أثَّر في عقولهم، أو لكونه خارقاً للعادة شبَّهوه بالسحر، أو الجنون.
سورة الذاريات [٥١: ٥٣]
﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾:
﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّعجبي وتعني: أتواصوا
стр. 5115
به تعود على القول، أي: أوصى الأولون الأخِرين أو أوصى بعضهم بعضاً بأن يقولوا هذا القول لرسلهم: ساحر أو مجنون.
أي: من كثرة هذا الفعل أو (القول) كأنّ الأولين أوصوا الآخرين، أوصى بعضهم بعضاً بأن يتَّهموا أنبياءَهم ورسلهم بهذا.
﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾: بل للإضراب الإبطالي، هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿قَوْمٌ طَاغُونَ﴾: أي: الصّحيح لم يتواصوا بذلك لتباعد أزمانهم، فهم لم يتلاقوا حتى يوصي بعضهم بعضاً، ولكنهم قوم طاغون، أي: طغاة، أي: تجاوزوا الحد في الكفر والفساد، وقالوا: ﴿مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨].
طاغون: جملة اسمية تدل على الثّبوت، ثبوت صفة الطّغيان عندهم. فالطغيان هو ما حملهم على القول بذلك.
سورة الذاريات [٥١: ٥٤]
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾:
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدَّر تقديره، أي: إن لم يستجيبوا لك فتولَّ عنهم وتفيد المباشرة والتّوكيد، أي: أبعد عن هؤلاء خاصة؛ لأن عن تفيد المجاوزة والابتعاد. أي: اتركهم وليس أعرض عنهم هناك فرق بين تولى وأعرض، أي: أبعد أو ابتعد عن هؤلاء الطّغاة من قومك، ولا يعني: تولَّ عن الكل بل عن هؤلاء فقط، وقد تعني: لا تجادلهم ولا تتصدَّ لهم.
﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾: الفاء تعليلية، ما النّافية تعمل عمل ليس، ولكن (ما) أقوى في النّفي من (ليس)، وما لنفي الحال والمستقبل، وليس تنفي الحال، وقد تنفي المستقبل إذا قيدت، أنت: ضمير متصل يفيد التّوكيد.
стр. 5116
بملوم: الباء للإلصاق، اللوم: هو عدم الرّضا عن فعل لم يكن متوقِّعاً من فاعله، أي: لن تلام على عدم استجابتهم لك أو عدم إيمانهم وهدايتهم إن عليك إلا البلاغ.
سورة الذاريات [٥١: ٥٥]
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
تولَّ عن الطّاغين وداوم واستمر في تذكير المؤمنين والنّاس.
﴿وَذَكِّرْ﴾: بالقرآن وبآيات الله وبنعمت ربك.
﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الفاء تعليلية (توكيد)، الذكرى: أي: التذكير رجاء الانتفاع ينتفع بها المؤمنين.
سورة الذاريات [٥١: ٥٦]
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾:
﴿وَمَا﴾: النّافية للحال والمستقبل.
﴿خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: إلا أداة حصر. من خصوصيات القرآن يستعمل الجن مقابل الإنس، والناس مقابل الجنة، والجن: اسم جنس، وكذلك الإنس، والإنسان واحد من الناس، فالجنة: مجموعة من الجن غير محددة العدد كما في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٦]، وقدم الجن على الإنس في هذه الآية؛ لأن الجن أسبق من الإنس في القدم في الخلق.
﴿لِيَعْبُدُونِ﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد، يعبدون من العبادة، وهي طاعة الخالق فيما أمر به أو نهى عنه على حسب ما أراده، وتعني: الخضوع والانقياد، ولا تكون إلا للخالق وحده، ويثاب عليها، والنّون في يعبدون لزيادة التّوكيد، ويعبدون تدل على التّجدُّد والتّكرار. ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣) للبيان
стр. 5117
المفصل، وحذف الياء في يعبدون (بدلاً ليعبدوني) تدل على أنها عبادة مؤقتة مدة حياتهم من سن البلوغ إلى انتهاء أجلهم وعبادة قدر استطاعتهم. ارجع إلى سورة ياسين آية (٦١) لمزيد من البيان.
وتقديم الجن على الإنس في هذه الآية؛ لأنّ الحديث أو السّياق في الخلق وبما أنّ الله سبحانه خلق الجن قبل خلق الإنس فقدَّم الجن على الإنس.
وفي آيات أخرى قد يقدِّم الإنس على الجن، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
ففي هذه الآية قدَّم الإنس على الجن؛ لأنّهم هم المقصودون بالتّحدِّي أولاً.
سورة الذاريات [٥١: ٥٧]
﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِنْ رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾:
﴿مَا﴾: للنفي تنفي الحال والمستقبل.
﴿أُرِيدُ مِنْهُم﴾: منهم، أي: الجن والإنس، أي: لا أطلب منهم.
﴿مِنْ رِّزْقٍ﴾: من استغراقية، أي: رزق مهما كان نوعه من طعام أو شراب أو مال أو متاع أو أيِّ شيء.
﴿وَمَا أُرِيدُ﴾: تكرار ما لتوكيد النّفي، وفصل كلّاً من الرّزق عن الإطعام أو كلاهما معاً.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد.
﴿يُطْعِمُونِ﴾: يقصد بها يطعمون أحداً من خلقي، أي: وما أريد أن يطعموا
стр. 5118
أحداً من خلقي؛ لأنّي أنا الخالق الرّزاق. والرزق قد يشمل الطعام والشراب، ويطعمون تعني: ذكر الخاص الطعام بعد ذكر العام وهو الرزق للتوكيد.
فالآية (٥٦ - ٥٧) تعني: ما أريد أن يرزقوا أحداً من خلقي ولا يرزقوا حتى أنفسهم؛ لأنّي أنا الرّزاق، ولا أريد منهم أن يطعموا أحداً من خلقي ولا حتى أنفسهم؛ لأنّه هو الذي يُطعم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، أو لا أطلب منهم رزقاً ولا طعاماً، ولكن عليهم بعبادتي وحدي وطاعتي.
ويطعمون: وحذف ياء المتكلم لتدل على ما أريد أن يطعمون أدنى أو أقل الطعام لعبادي أو يرزقوهم أدنى أو أقل الرزق.
سورة الذاريات [٥١: ٥٨]
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾:
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر هو لا سواه الرّزاق الحقيقي.
وأما قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] فلا يتعارض مع كونه الرزاق الحقيقي، فقد أسبغ على بعض عباده صفة الرّزق تكرماً منه وفضلاً، وقال ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
﴿الرَّزَّاقُ﴾: أي: الذي خلق الأرزاق وأعطى كل الخلائق أرزاقها ولم ينس أحداً، وذكر اسم الله الرّزاق في القرآن الكريم مرة واحدة في هذه الآية فقط، الرّزاق صيغة مبالغة؛ أي: كثير الرزق من فعل رزق يرزق، والرّزق يشمل المال والطّعام والشّراب والعلم والأهل، وكل ما ينتفع به ويرزق المؤمن والكافر والمطيع والعاصي، ويرزق الإنسان والجن والحيوان.
стр. 5119
﴿ذُو﴾: بمعنى صاحب، اسم من الأسماء الخمسة، ذو: أشرف وأبلغ من كلمة صاحب. ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٨٧) وسورة غافر آية (٢) لمزيد من البيان.
﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾: كامل القوة، عظيم القدرة، شديد القوة والقدرة، لا تنقص قوته ولا قدرته شيئاً.
﴿الْمَتِينُ﴾: من المتانة والمتن وهو الظّهر (والظّهر مكوَّن من فقرات العمود الفقري، وتحيط به العضلات القوية) بمعنى: القوي الصلب. جميع نواصي المخلوقات بيده لا يحدث أو يتحرك شيء إلا بحوله وقوته وإذنه.
وذكر اسم المتين مرة واحدة في القرآن.
سورة الذاريات [٥١: ٥٩]
﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾:
﴿فَإِنَّ﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدَّر، أي: إن كان للأمم السّابقة نصيب من العذاب، فإن للذين ظلموا من كفار مكة أيضاً نصيباً من العذاب، إن للتوكيد.
﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: اللام لام الاختصاص، الذين اسم موصول يفيد التّحقير، ظلموا: بالشّرك والكفر أو التّكذيب والمعاصي.
﴿ذَنُوبًا﴾: نصيباً والذَّنُوب: الدلو المملوءة بالماء. انتبه إلى فتح الذّال وضم النّون، وليس ذُنُوباً بضم الذّال وضم النّون، ذَنُوب: تعني: النّصيب والحظ، والذَّنُوب: الدلو المملوءة بالماء. حيث كان السقاة يتقاسمون الماء فيأخذ هذا دلواً مملوءة بماء، وهذا دلواً أخرى، وهكذا، ثم فسرت الذنوب بالنصيب.
﴿مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾: أيْ: إن للذين ظلموا من كفار مكة نصيباً من العذاب
стр. 5120
والعقاب مثل نصيب من سبقهم من القرون الأولى. مثال على ذلك ما حدث لهم يوم بدر من القتل والأسر
﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾: الفاء للتوكيد، لا النّاهية.
يستعجلون: العذاب، فالعذاب آتٍ لا محالة، وفي وقته المحدد والمكان المحدد في الدّنيا أو في القبر أو في النّار.
سورة الذاريات [٥١: ٦٠]
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِى يُوعَدُونَ﴾:
﴿فَوَيْلٌ﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدَّر تقديره: إن جاء يوم عذابهم فويل لهم.
الويل: هو الهلاك والعذاب.
﴿لِلَّذِينَ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق كفروا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ارجع إلى سورة البقرة آية (٦) لمزيد من البيان في معنى كفروا.
﴿مِنْ﴾: ابتدائية عذاب يومهم.
﴿يَوْمِهِمُ الَّذِى يُوعَدُونَ﴾: أي: يوم القيامة، أو يوم تنزع أرواحهم (القيامة الصغرى).
وقيل: يوم بدر، وقد يكون الكل؛ أي: يوم بدر، أو يوم يحل بهم العذاب، أو يوم تقبض أرواحهم، أو يوم القيامة.
стр. 5121
سورة الطور [٥٢: ١]
سورة الطور
ترتيبها في القرآن (٥٢) وترتيبها في النزول (٧٦).
﴿وَالطُّورِ﴾:
﴿وَالطُّورِ﴾: واو القسم، الطور: هو طور سيناء الذي كلم الله سبحانه عليه موسى ﵇.
والطور: هو جبل، ولكنه أقل ارتفاعاً وحجماً من الجبل والطور باللغة السريانية الجبل.
أقسم الله تعالى بالطور تشريفاً له، ولا يقسم إلا بشيء عظيم رغم أنه سبحانه عنه غني عن القسم، والقسم يشير إلى أهمية المقسم به؛ أي: الطور، وجواب القسم، وهو: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [آية: ٧].
سورة الطور [٥٢: ٢]
﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾:
يقسم الله تعالى أيضاً بكتاب مسطور: أيْ: مكتوب في أسطر.
قيل: هو القرآن أو اللوح المحفوظ.
وجاء بصيغة النكرة ولم يقل: الكتاب للدلالة على جنس الكتاب وقد يعني: الكتب السماوية.
وقد يشمل كتاب أعمال العبد، كما قال تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣].
стр. 5122
سورة الطور [٥٢: ٣]
﴿فِى رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾:
الرّق بفتح الراء هو مارق من الجلد أو الورق الذي يكتب فيه رقٍّ منشور، نكرة لتشمل الورق وغيره.
﴿مَّنشُورٍ﴾: مبسوط (مفتوح غير مطويٍّ) يستطيع كل ناظر أن يقرأه، وقد يعني أيضاً: آلة الحاسوب (الكمبيوتر)، والله أعلم.
سورة الطور [٥٢: ٤]
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾:
وهذا هو القسم الثالث، وهو البيت المعمور.
قيل: هو في السماء السابعة بيت تطوف به الملائكة كل يوم (٧٠) ألفاً؛ أي: المعمور بالملائكة، والمعمور بالعبادة والذكر.
وقيل: الكعبة المعمورة بالحجاج والعُمار.
سورة الطور [٥٢: ٥]
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾:
ويقسم بالسماء (وتضم السموات السبع) السماء السقف المرفوع فوق الأرض، وكما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]. ليحفظها من الإشعاعات الضارة وغيرها. ارجع إلى الآية (٣٢) من سورة الأنبياء للبيان وسماها أيضاً ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ ارجع إلى سورة الطارق آية (١١) للبيان.
فالسماء وحدها مظهر من مظاهر طلاقة القدرة الإلهية التي ترسخ الإيمان في القلب واليقين على عظمة الخالق.
سورة الطور [٥٢: ٦]
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾:
وهذا هو القسم الخامس.
البحر: الموقد والمملوء ناراً، من سجر الشيء: أوقد عليه حتى أحماه (جعله ناراً حامية) وهناك من المفسرين من قالوا: هذا يحدث في الآخرة تشتعل
стр. 5123
البحار بالنيران، والحقيقة العلمية تثبت لنا أن البحر المسجور هو أمر قائم الآن في حياتنا وطبقات الأرض السبعة: الطبقة الأولى: وتسمى لب الأرض، وهي طبقة صلبة مكونة من حديد جامد وغيره من المعادن مثل الرصاص، والنحاس والطبقة الثانية المحيطة باللب، وهي طبقة مكونة من حديد بشكل سائل وغيره من المعادن، ويحيط بهذه الطبقة الثانية ثلاثة أوشحة، ثم الصفيحة القارية، ثم القشرة الأرضية.
فتحت مياه البحار نار مستعرة، أيْ: تحت الماء نار، وتحت النار ماء، فالماء لا يطفئ النار ولا النار تبخر الماء، ولولا هذه الوسيلة من التدفئة لقيعان البحار لما استطاعت الحيوانات البحرية العيش ساعات، فهذا التوازن بين الماء والنار آية من أروع الآيات الكونية الدالة على عظمة الخالق وقدرته على الإبداع، حيث الماء والنار من الأضداد، ولذلك سماه البحر المسجور. ارجع إلى سورة التكوير آية (٦) لمزيد من البيان.
سورة الطور [٥٢: ٧]
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾:
هذا هو جواب القسم، إن: للتوكيد.
﴿عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾: اللام لام التوكيد. لواقع: لكائن أو حاصل لا محالة في الآخرة.
سورة الطور [٥٢: ٨]
﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾:
للنفي الحال والمستقبل. له: الضمير يعود إلى العذاب. من: استغراقية تستغرق كل دافع. وما له من دافع: جملة اسمية تدل على الثبوت والاستمرار.
دافع: يمنعه أو يرده سواء كان ملكاً أو إنساناً أو جنّاً. ولنقارن هذه الآية مع قوله تعالى في سورة المعارج آية (٢): ﴿لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾: هذه الجملة جملة فعلية تدل على التجدد والتكرار، وبما أن الجملة الاسمية فيها تأكيد أقوى من الفعلية فآية الطور آكد من آية المعارج؛ لأن سورة الطور بدأت بخمسة أنواع
стр. 5124
من القسم؛ لذلك جاء جواب القسم مؤكداً للقسم، بينما آية المعارج جاءت في سياق الذي دعا على نفسه وقومه بالعذاب فقال تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾.
سورة الطور [٥٢: ٩]
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾:
﴿يَوْمَ﴾: نكرة للتعظيم، ويعني: الساعة، أو يوم القيامة؛ ﴿تَمُورُ السَّمَاءُ﴾: المور هو: التحرك في تموج تتحرك وتضطرب، أيْ: تختل قواها الكهرمغناطيسية وقوى الجاذبية؛ مما يؤدي إلى الهول والفزع. ﴿مَوْرًا﴾: توكيد.
سورة الطور [٥٢: ١٠]
﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾:
وفي ذلك اليوم تسير الجبال سيراً بعد أن تحمل وتدك مع الأرض، كقوله تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]. ثم ترجف وتنسف وبست كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤].
﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥ - ٦].
﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥].
سورة الطور [٥٢: ١١]
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾:
﴿فَوَيْلٌ﴾: الفاء للتوكيد، ويل: هلاك وعذاب، يومئذ: مركبة من يوم (ظرف) وإذ اسم ظرف.
﴿لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، المكذبين بالرسل وبما أنزل الله والمكذبين بالبعث والآخرة والحساب. والمكذبين بعذاب الله.
سورة الطور [٥٢: ١٢]
﴿الَّذِينَ هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد الذمَّ والتحقير.
﴿هُمْ﴾: للتوكيد.
﴿فِى﴾: ظرفية.
стр. 5125
﴿خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾: أصل الخوض المشي في الماء والخوض فيه من دون أن يعلم إذا كانت هناك حفرة أمام قدميه ستزل فيها قدماه ويقع على وجهه، والخوض يعني: الاندفاع في الباطل.
﴿يَلْعَبُونَ﴾: أيْ: ينشغلون بالباطل ويهملون واجباتهم وفرائضهم.
سورة الطور [٥٢: ١٣]
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾:
﴿يَوْمَ﴾: أيْ: يوم القيامة ونُكِّر للتهويل.
﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ﴾: يُدَعّون: من الدع وهو الدفع بعنف وغلظة وجفاء ومن دون أيِّ رحمة.
دعا: للتوكيد. أيْ: يدفعون دفعاً. أو يُدَعُّون دعاً من قبل الملائكة الغلاظ الشداد القائمين على جهنم. وتقول لهم الملائكة:
سورة الطور [٥٢: ١٤]
﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِى كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾:
هذه: الهاء للتنبيه وذا: اسم إشارة للقرب، ويشير إلى النار القريبة منهم.
﴿الَّتِى كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾: أيْ: في الدنيا. تكذبون: لا تصدقون.
وتكذِّبون تدل على تجدُّد وتكرار التكذيب المرات العديدة. ولم يقل: التي كذبتم بها.
стр. 5126
سورة الطور [٥٢: ١٥]
﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾:
﴿أَفَسِحْرٌ﴾: الهمزة استفهام إنكاري وتوبيخ، الفاء للتوكيد.
﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقرب يشير إلى العذاب، أيْ: أهذا العذاب الذي ترونه سحر أم حقٌّ.
﴿أَمْ﴾: الهمزة: للاستفهام والتوبيخ والتقرير. أم: للإضراب الانتقالي.
﴿أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾: أم أنتم عميٌ الآن، كما كنتم عمياً في الدنيا لا تعقلون ولا تبصرون.
سورة الطور [٥٢: ١٦]
﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
﴿اصْلَوْهَا﴾: ادخلوها وقاسوا حرها وشدتها، وصليت اللحم أيْ: شويته. وأصلاه النار: أدخله النار.
﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾: فالأمران سواء، أي: اصبروا أو اجزعوا (لا تصبروا) الصبر أو عدمه سواء في عدم النفع.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التوكيد.
تجزون من الجزاء مقابل العمل سواء كان حسناً أو سيئاً.
﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: كنتم في الدنيا تعملون تضم (الأقوال والأفعال).
بعد ذكر المكذبين ومصيرهم يذكر المتقين ومصيرهم.
стр. 5127
سورة الطور [٥٢: ١٧]
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الْمُتَّقِينَ﴾: أي: الذي أطاعوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه.
﴿فِى جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾: في ظرفية. ﴿جَنَّاتٍ﴾: جمع جنة جنات الفردوس أو عدن أو الخلد أو جنات المأوى. دار السلام. وغيرها.
﴿وَنَعِيمٍ﴾: هو ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من الخيرات والمأكل والمشرب والملبس والمسكن والمتاع.
سورة الطور [٥٢: ١٨]
﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾:
وردت فَاكِهِين في القرآن بصيغ مختلفة منها فكِهِين (سورة المطففين آية ٣١)، فاكِهون (سورة يس آية ٥٥).
فالأولى: فاكِهين (سورة الطور آية ١٨، سورة الدخان آية ٢٧) فهي مشتقة من الفكاهة: طيب العيش، والتلذذ بالنعم، فيقال رجل فاكه: يتلذذ بالفاكهة، رجل فكه: طيب النفس.
أما فاكهون: سورة يس آية (٥٥) فهي أوسع وأعم من فاكهين، ولها معانٍ أربعة: فرِحون معجبون ذوو فاكهة وناعمون، فكِهون: يتفكَّه بالطّعام أو بالفاكهة أو فرحين، وأما فكهين: كما في سورة المطففين فتعني: فرحين. والسياق هو الذي يحدد المعنى (طيب العيش أو يتفكه بالفاكهة؛ أي: الطعام، أو فرحين، أو معجبون).
﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾: أيْ: جنبهم وأبعدهم ربهم عن عذاب الجحيم: اسم من أسماء النّار أو دركة من دركاتها مشتقة من الجموح وهو (من التَأجج) فلا تخمد أبداً. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) لمزيد من البيان.
стр. 5128
سورة الطور [٥٢: ١٩]
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾: كلوا واشربوا في الجنة مما تشتهون ومما تتخيرون.
﴿هَنِيئًا﴾: كلوا واشربوا هنيئاً لكم؛ سهل وسريع الهضم، أما المريء؛ أي: حميد العواقب، ليس له اختلاطات هضمية مهما كانت.
﴿بِمَا﴾: باء السّببية أو البدلية أو تعليلية، ما: اسم موصول بمعنى الذي أو مصدرية، وما أوسع شمولاً
﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تضم الأقوال والأفعال، بما كنتم تعملون: تدل على الزّيادة والمضاعفة والمبالغة في جزاء المتقين، والدّلالة على الدّوام وعدم انقطاع الأكل والشّرب.
سورة الطور [٥٢: ٢٠]
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾.
﴿مُتَّكِئِينَ﴾: من الاتكاء هو الجلوس على السّرر: وهي الأرائك المصفوفة بجانب بعضها والاتكاء يعني: الجلوس بشكل مريح يدل على الراحة والسعادة؛ لأنه لا نوم في الجنة، وورد هذا الاتكاء بعدة أوصاف منها: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِىٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦]، ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ [ص: ٥١]، ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٦].
﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾: زوجناهم بزوجات من الحور العين، حور عين: جمع حوراء وهي التي يغلب بياض عينها على سوادها، والعين جمع عيناء، وهي الواسعة العينين.
سورة الطور [٥٢: ٢١]
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَىْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾: الذرية: الأولاد والزوجة أو النسل.
стр. 5129
فإن كان إيمانهم لا يؤهلهم ليكونوا بدرجة آبائهم في الجنة، فلا بُدَّ للذرية أن يكونوا من الموحدين ودرجة إيمانهم تؤهلهم الدّخول الجنة، وبرحمة الله وفضله يلحقهم ربهم بآبائهم.
أما إذا كان إيمانهم محبطاً أو غير مقبول، فلن يدخلوا الجنة ولن يلحقوا بآبائهم.
﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: بفضل من الله على الآباء والأبناء لتقر أعينهم وتطيب نفوسهم.
﴿وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَىْءٍ﴾: أيْ: جزيناهم أجرهم أو ثواب أعمالهم كاملاً من دون أيِّ نقص في حقهم من ألتَه حقَّه: أيْ: نقصه حقَّه، أيْ: ما نقصنا من ثواب الآباء بما أعطينا ذريتهم.
﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾: أيْ: كلّ نفس مرهونة بعملها فإن كسبت خيراً فلها، وإن كسبت شراً فعليها، فالعمل الصّالح يفك النّفس من الرّهان والعمل السّيِّئ يبقيها في الأسر. فإن كان عمله صالحاً فك نفسه وخلصها من عذابها وهلاكها كما يفك المرهون من يد مرتهنه.
سورة الطور [٥٢: ٢٢]
﴿وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
﴿وَأَمْدَدْنَاهُم﴾: الضّمير يعود للآباء والأبناء، وأمددناهم: المد وهو الزّيادة والإمداد يكون في الخير، وقيل: هناك فرق بين الإمداد والمد.
الإمداد: يكون في الخير وإعانة الغير.
المد: يستعمل في الشّر. أو الإعانة على الشّر.
﴿بِفَاكِهَةٍ﴾: الباء للإلصاق، فاكهة: اسم جنس ولم يقل: فواكه. فاكهة تشمل كل الفواكه.
﴿وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾: لأنّ اللحم يشبه بعضه، والذي يميزه الطّعم، واللحم
стр. 5130
ليس أمامهم، وكلّ ما يشتهونه من اللحم يقدَّم لهم، والفاكهة مما يتخيرون؛ لأنّها أمام أعينهم على مرأى من أعينهم وهي أنواع فيختار ما يشاء.
سورة الطور [٥٢: ٢٣]
﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾:
﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا﴾: أيْ: يتداولون فيها (في الجنة)، ويعني: يتعاطون أو يتبادلون، ولا تعني: يتخاصمون.
﴿كَأْسًا﴾: هو إناء يشرب منه، وتسمَّى كأساً إذا كانت مملوءة، فإن كانت فارغة فلا تسمَّى كأساً.
﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾: أيْ: ليس في الجنة لغو: هو الكلام الذي لا فائدة منه أو شرب خمر الجنة لا يذهب بالعقل، ويؤدِّي إلى اللغو والكلام السّاقط الخبيث النّاتج عن شرب خمر الدّنيا وذهاب العقل.
﴿وَلَا تَأْثِيمٌ﴾: تكرار لا تفيد التّوكيد، تأثيم: من فعل إثم، أيْ: لا يأثم شاربها، فهي مباحة وليست محرَّمة، كما كانت في الدّنيا فليس في الجنة لغو ولا تأثيم، ولا هذا ولا ذلك ولا لغو وتأثيم معاً.
سورة الطور [٥٢: ٢٤]
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾:
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾: الطّواف ويعني: الدّوران، للخدمة عدة مرات، أيْ: يدور عليهم.
عليهم: الضّمير يعود على الذين آمنوا.
﴿غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾: شباب خدم، غلمان جمع غلام؛ لهم: اللام: لام الاختصاص؛ أي: غلمان مختصين بهم وبخدمتهم، وليسوا لغيرهم؛ ارجع إلى سورة مريم الآية (٧) لمعرفة معنى الغلام، وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَّعِينٍ﴾ كما بيَّنت ذلك سورة الواقعة الآية (١٧ - ١٨). والفرق بين الولدان والغلمان: الولدان: أقل من الغلمان سناً،
стр. 5131
والغلام: هو الشاب الذي أوشك على البلوغ، والفرق الثاني: في سورة الطور آية (٢٤) قال تعالى: ﴿غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾، وفي سورة الواقعة آية (١٧): ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ولم يقل: لهم.
﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾: مصون لم تمسه الأيدي، من كنَّ الشّيء، أيْ: ستره وحفظه. أيْ: في صفائهم وبياضهم.
سورة الطور [٥٢: ٢٥]
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾:
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾: الإقبال هو الإتيان من الأمام أو جهة الوجه، والمجيء هو الإتيان من أي جهة أو ناحية.
﴿عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾: أيْ: توجَّه بعضهم على بعض يتساءلون: أيْ: يسأل بعضهم بعضاً في الجنة، والضّمير يعود على الذين آمنوا: يتذاكرون ما كانوا عليه في الدّنيا من خوف من عذاب الله تعالى، وما كانوا عليه من عبادة وتوحيد.
سورة الطور [٥٢: ٢٦]
﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾:
﴿قَالُوا﴾: قال بعضهم لبعض.
﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ﴾: أيْ: في الحياة الدّنيا.
﴿فِى﴾: ظرفية.
﴿أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾: في الدنيا في أهلنا؛ الأهل: الذرية، والزوجة، والأقارب؛ مشفقين: جمع مشفق من الإشفاق وهو الخوف مع الحذر وعدم الاطمئنان مما سيحل بنا في الآخرة. مشفقين من عدم قبول عملهم الصالح.
سورة الطور [٥٢: ٢٧]
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾:
﴿فَمَنَّ﴾: الفاء للتوكيد، منّ: أنعم أو تفضل الله علينا.
﴿وَوَقَانَا﴾: جنبنا وحمانا في الآخرة من عذاب السّموم عذاب النّار
стр. 5132
المحرقة الحارة التي تتخلل مسام الجلد وتؤثر فيه، كما يؤثر السّم في الجلد، وكما يحدث في حرق الجلد من الدّرجة الثّانية. الذي يصيب نهايات الأعصاب الذي يؤدِّي إلى الألم الشديد.
سورة الطور [٥٢: ٢٨]
﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾:
﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ﴾: إنا للتوكيد، كنا من قبل: أيْ: في الحياة الدّنيا.
﴿نَدْعُوهُ﴾: نوحِّده ونعبده ونخلص له، أو نسأله وندعوه النّجاة والوقاية من عذاب النّار والفوز بالجنة.
﴿إِنَّهُ هُوَ﴾: إنّه للتوكيد، هو للحصر والتّوكيد كأنّه هو الوحيد البر الرّحيم.
﴿الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾: بفتح الباء معناه فاعلُ البِر. والبَرُّ هو الصادق في وعده. كثير الإحسان والخير والمغفرة والرّحيم بعباده. لا يعجل لهم العقاب لعلهم يتوبوا إليه ويستغفروه فيصفح عنهم.
أما البِرُّ: بكسر الباء فهو كلّ ما يتقرَّب به إلى الله تعالى من إيمان وعمل صالح واعتقاد وأخلاق ومعاملات.
سورة الطور [٥٢: ٢٩]
﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾:
﴿فَذَكِّرْ﴾: الفاء للتوكيد، ذكر: من التّذكير فذكر بالقرآن، كما قال الله تعالى في سورة الذاريات آية (٥٥ - ٥٦): ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ذكِّر وعظْ واستمرَّ على ذلك في تذكير المؤمنين بالآخرة وبآيات القرآن، ولا تأبه لأقوالهم لك: كاهن أو مجنون أو ساحر، وغيرها من الاتهامات الباطلة.
﴿فَمَا أَنْتَ﴾: الفاء للتوكيد، ما النّافية لنفي الحال والمستقبل.
﴿بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾: أيْ: بالنّبوة، نعمت: التّاء مفتوحة تعني: نعمة خاصة أو
стр. 5133
نعم كثيرة لا تحصى، بينما نعمة بالتّاء المربوطة نعمة عامة لكلّ البشر أو ظاهرة للعيان.
﴿بِكَاهِنٍ﴾: الباء للإلصاق والملازمة، الكاهن: هو الذي يدعي أنّه يعلم الغيب. بمساعدة من الجن.
﴿وَلَا﴾: تكرار النّفي بـ (لا): يفيد التّوكيد، وهي تنفي كلّ الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل.
﴿مَجْنُونٍ﴾: ولا مصاب باضطراب عقلي أو خبل، كما يزعم الذين كفروا باطلاً، وإضافة (لا) لفصل كل منهما عن الآخر؛ أي: لا كاهن، ولا مجنون، ولا كلاهما.
سورة الطور [٥٢: ٣٠]
﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾:
﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، أم منقطعة للإضراب الانتقالي، وردت أم في هذه السّورة خمس عشرة مرة.
﴿يَقُولُونَ﴾: ولم يقل: قالوا، بصيغة المضارع لتدل على تجدُّد قولهم وتكراره، وأنّه لم يتوقَّف. وتدل على بشاعته، وكأنّه يحدث الآن (حكاية الحال).
﴿شَاعِرٌ﴾: أيْ: ما جاء به هو شعر وليس وحياً من الله.
والشعر: هو الكلام الموزون المقفَّى، الموزون بأشكال وأبنية موسيقية بالغة الضّبط تعرف ببحور الشّعر والمقفَّى في أشكال من التّوافق الموسيقي الدّقيق أبدعها أهل العربية منذ عصر قبل الإسلام واستخلصها وبينها الخليل بن أحمد الفراهيدي (١٠٠ - ١٦٠ هـ) فيما عرف باسم علم عروض القافية أو أوزان الشّعر.
﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾: التّربص هو طول الانتظار وبحذر ويقظة ومراقبة المتربص في كلّ حركة مع الصبر وتشوق لما يحدث، ريب: أحداث، المنون،
стр. 5134
والريب؛ أي: النزول من راب عليه الدهر؛ أي: نزل به الهلاك، والمنون: قيل: الموت، وقيل: الدهر من المن؛ أي: القطع؛ لأنه يقطع أعمار الناس؛ أي: تتربص به حوادث الدهر التي تؤدي به إلى الموت، أيْ: ننتظر هلاكه كما هلك غيره فيمضي أمره وما جاء به من شعر.
سورة الطور [٥٢: ٣١]
﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّى مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾:
﴿قُلْ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ :
﴿تَرَبَّصُوا﴾: انتظروا وراقبوا بحذر ويقظة وتابعوا ما يحدث.
﴿فَإِنِّى﴾: الفاء للتوكيد، إنّي: لزيادة التوكيد بدلاً من: وأنا معكم من المتربصين.
﴿مَعَكُمْ﴾: وليس فيكم؛ لأن كلّاً يتربص بعدوه. ولو قال: تربصوا فإنّي من المتربصين: فقد يعني هو وإيّاهم يتربصون أمراً واحداً، أما قوله: ﴿فَإِنِّى مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أيْ: أتربص ما ينزل أو يحل بكم من هلاك ودمار، وأنتم تتربصون ما ينزل ويحل بي من هلاك أو مصائب.
стр. 5135
سورة الطور [٥٢: ٣٢]
﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ أم منقطعة للإضراب الانتقالي.
﴿تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم﴾: أيْ: عقولهم جمع حلم وهو العقل؛ لأن الحِلم يعني: ضبط النفس، والصبر، وعدم الغضب، ويكون بالعقل فكنى به.
﴿بِهَذَا﴾: التّكذيب بالتوحيد والقول كاهن ومجنون وشاعر لرسول الله ﷺ ، فبئس تلك العقول التي جعلت أكمل الخلق وهو رسول الله ﷺ مجنوناً.
﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ، وأم للإضراب الانتقالي.
﴿هُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿قَوْمٌ طَاغُونَ﴾: أيْ: تجاوزوا الحد في العصيان والعناد الذي أصبح صفة ثابتة لهم، وجواب أم: هو لم تأمرهم عقولهم لكي يقولوا شاعر، أو ساحر، أو مجنون، أو كاهن، وإنما هم قوم طاغون؛ أي: طغيانهم هو الذي يأمرهم، والركون إلى العقل أحياناً قد يؤدي إلى اتباع الباطل والهلاك؛ ارجع إلى سورة القلم الآية (٣١) وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ للمقارنة لمعرفة الفرق.
سورة الطور [٥٢: ٣٣]
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ، أم للإضراب الانتقالي.
стр. 5136
﴿يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾: هاء الضّمير تعود إلى القرآن، أيْ: تقوَّل القرآن، أي: افتعله اختلقه من تلقاء نفسه، والتّقول يعني: التّكلفة ويعني: الكذب.
﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: بالقرآن بسبب استكبارهم وعنادهم، بل للإضراب الانتقالي، لا النّافية لكل الأزمنة.
سورة الطور [٥٢: ٣٤]
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾:
﴿فَلْيَأْتُوا﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدَّر تقديره: إن كانوا صادقين بقولهم أنه تَقَوَّله (اختلقه) فليأتوا بمثله، ليأتوا: اللام لام التّعليل والتّوكيد، يأتوا بحديث مثله، أيْ: بمثل هذا القرآن وسُمِّي حديثاً. ارجع إلى سورة الزمر الآية (٢٣) للبيان.
﴿بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾: بقرآن مثله، فهذا التّحدي من أكبر التّحديات.
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الشّك والاحتمال.
﴿كَانُوا صَادِقِينَ﴾: أنّ محمّداً تَقَوَّله، والجواب محذوف وواضح أنّهم لن يأتوا فهم من الكاذبين؛ لأنّ محمّداً لم يتقوَّله.
سورة الطور [٥٢: ٣٥]
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: كالسّابقة في الآية (٣٢).
﴿خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ﴾: أم خلقوا من غير خالق أو رب.
أو هل خلِقوا من غير آباء ولا أمهات، وهذا عين المحال.
﴿أَمْ﴾: كالسّابقة في الآية (٣٢).
﴿هُمُ﴾: للتوكيد.
стр. 5137
﴿هُمُ الْخَالِقُونَ﴾: لأنفسهم وهذا مستحيل أيضاً أو لغيرهم.
سورة الطور [٥٢: ٣٦]
﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والنّفي؛ أيْ: وما خلقوا السّموات والأرض التي هي أعظم من خلقهم، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧].
﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: أيْ: لم يخلقوا السّموات والأرض ولم يخلقوا أنفسهم ولم يخلقوا أيَّ شيء.
﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾: بأنّ الله هو الإله الحق الذي يستحق أن يعبد، ولذلك عبدوا غيره، وكذبوا برسوله. ارجع إلى سورة البقرة الآية (٤) لبيان معنى اليقين.
سورة الطور [٥٢: ٣٧]
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصِيْطِرُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والنّفي.
﴿عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾: خزائن كلّ شيء من الأرزاق وما تحتاجه الحياة على الأرض. ارجع إلى سورة الحجر الآية (٢١) للبيان.
﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي.
﴿هُمُ﴾: للتوكيد.
﴿الْمُصِيْطِرُونَ﴾: أيْ: أهم أرباب تلك الخزائن خزائن السماء والقادرون على أن يفعلوا ما يشاؤون من دون إذن من الله ﴿أَمْ هُمُ الْمُصِيْطِرُونَ﴾: (بالسين) على خزائن الأرض.
أم هم المسيطرون على الماء والغذاء والهواء أو الشمس أو القمر أو أيِّ كوكب أو نجم أو أيِّ شيء.
стр. 5138
سورة الطور [٥٢: ٣٨]
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾:
﴿أَمْ﴾: للاستفهام الإنكاري والتّعجب.
﴿لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾: أيْ: لهم سُلمٌ يصعدون به إلى السّماء كي يستمعوا إلى الملائكة، وما يوحي الله إليهم من الغيب، أو أمر السّماء أو الأرض، فيطلعوا على الغيب، إذا كان هذا صحيحاً وحقّاً إذن فليأت مستمعهم بما استمع من الغيب.
﴿فَلْيَأْتِ﴾: الفاء السّببية واللام لام التّعليل والتّوكيد.
﴿مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: بحُجَّة واضحة أو دليل على صدق استماعهم، سلطان مبين: أيْ: واضح لكلّ فرد ولا يحتاج إلى دليل.
سورة الطور [٥٢: ٣٩]
﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾:
هذا إنكار ونفي لزعمهم أنّ الملائكة بنات الله وإنكار لزعمهم أنّ لهم البنين، فالله سبحانه هو الذي يهب لهم البنين أو البنات. ارجع إلى سورة النحل (٥٧) لمزيد من البيان.
إذا كان هذا ما تأمركم به أحلامكم فلكم الويل مما تصفون.
سورة الطور [٥٢: ٤٠]
﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والنّفي، أم للإضراب الانتقالي.
﴿تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا﴾: على تبليغهم الرّسالة أو هدايتهم.
﴿فَهُمْ مِنْ مَّغْرَمٍ﴾: من استغراقية، مغرم: ما يلزم دفعه من المال أو الدَّين على التّبليغ أو الهداية. والغريم الذي عليه الدَّين.
﴿مُّثْقَلُونَ﴾: أيْ: أأثقلهم ذلك المغرم الذي تطلبه منهم فمنعهم ذلك من
стр. 5139
الدّخول في الإسلام أو الاستجابة لك أو لا يستطيعون دفع ما تسألهم من مال أو أجر فهم معرضون عن الإيمان. وفي هذا توبيخ وتقريع لهم.
سورة الطور [٥٢: ٤١]
﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والنّفي والتّعجب، أم للإضراب الانتقالي.
﴿عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾: إمّا رداً على قولهم: نتربص به ريب المنون، أيْ: أعندهم الغيب حتّى يقولوا ذلك، أم عند الله علم الغيب، وهذا من دلائل عظمته وقدرته، وأنّه الإله الحق الذي يستحق أن يعبد، وأن عنده علم الغيب المطلق أو هل هم يعلمون ما في اللوح المحفوظ.
﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾: الفاء لربط المسبب بالسّبب فهم يكتبون: قيل: الكتاب، الحكم فيكون معناها: أم هم قادرون على الحكم؛ لأنهم يعلمون الغيب، أو ما في اللوح المحفوظ، ثم يقومون بتنفيذه وقضائه.
سورة الطور [٥٢: ٤٢]
﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، وأم للإضراب الانتقالي.
﴿يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾: أيريدون الكيد بك وإيقاع الأذى بك، كما فعلوا في دار النّدوة؛ لكي يصدُّوا النّاس عن اتِّباعك والدّخول في الإسلام، ويحدوا من انتشاره.
﴿فَالَّذِينَ﴾: الفاء استئنافية (للتوكيد).
﴿كَفَرُوا هُمُ﴾: للتوكيد.
﴿الْمَكِيدُونَ﴾: جمع مكيد اسم مفعول من الفعل: كاد يكيد والكيد: هو
стр. 5140
إيقاع المكروه بالغير قهراً، سواء علم أو لا يعلم، والكيد أقوى من المكر، أيْ: كيدهم في نحرهم وعائد عليهم، وسينصرك الله نصراً عزيزاً كما حدث لك في غزوة بدر.
سورة الطور [٥٢: ٤٣]
﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ أم للإضراب الانتقالي.
﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص لهم خاصة.
﴿إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾: أيْ: معبود يعبدونه غير الله أو يستحق العبادة، ويرجى نفعه ويخاف ضره، والجواب: لا.
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: سبحان: التّسبيح نوع من أنواع الذّكر، وقيل: من معانيه الصّلاة، وسبحان مصدر لفعل سبح يسبح، والتّسبيح هو تنزيه الله تعالى عن الشّرك والعجز والنقص، وعما لا يليق بجلاله وعظمته.
تنزيهاً كاملاً لذاته، فلا ذات مثل ذات الله، ولا صفةَ مثل صفاته ولا فعلَ مثل أفعاله، تنزيهاً عن الولد والنّد والمثل، وتنزيهاً مطلقاً لا مرتبطاً بزمان أو مكان أو بفاعل معين، تسبيحاً بالقلوب والألسنة والجوارح. ارجع إلى سورة الإسراء الآية (١) لمزيد من البيان.
سورة الطور [٥٢: ٤٤]
﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: الواو استئنافية، إن شرطية تفيد الاحتمال أو الافتراض والنّدرة.
﴿يَرَوْا كِسْفًا﴾: انتبه إلى سكون السّين؛ قيل: كِسفاً جمع كِسْفة، وتظهر بمظهر قطعة واحدة من السحاب، وهي في الحقيقة سحاب متراكم بينما في سورة الشّعراء الآية (١٨٧) قال تعالى: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ بفتح
стр. 5141
السّين، كِسَفاً قطعاً عديدة كِسْفاً بسكون السّين قطعة واحدة مهما كان حجمها صغيرة أو كبيرة (وهي مركبة من سحاب متراكم).
﴿سَاقِطًا﴾: قطعة من عذاب السّماء من النيازك المتفجرة، أو بقايا أو شظايا النجوم والكواكب المتفجرة التي تدور حول الأرض بأحجام مختلفة، أو ما يسقط من الصواعق والبرق تنزل بهم لا يقولون: هذا من عذاب ربنا وسخطه علينا، وإنما: هذا سحاب مركوم.
﴿سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾: مجرد سحاب متراكب بعضه فوق بعض؛ أي: ما نسميه السّحب الرّكامية، فهم لا يبالون به ولا يعتبرون بها، أو يقولون بلغتهم: ما هي إلا ظواهر طبيعية تحدث بين الحين والآخر.
سورة الطور [٥٢: ٤٥]
﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾:
﴿فَذَرْهُمْ﴾: أيْ: دعهم واتركهم لحالهم يجحدون ويكفرون ويفعلون ما يشاؤون.
﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية.
﴿يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾: يوم موتهم، وفي الآية إنذار ووعيد.
سورة الطور [٥٢: ٤٦]
﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾:
﴿يَوْمَ﴾: نكرة للتهويل والتّعظيم يوم يعود لليوم الذي فيه يصعقون.
﴿لَا يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾: لا النّافية، يغني: ينفعهم فيه، كيدهم الذي كادوا به رسول الله ﷺ ولا يمنع عنهم العذاب مانع.
﴿شَيْئًا﴾: لا قليلاً ولا كثيراً.
стр. 5142
﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: هم للتوكيد، لا ينصرون: أيْ: لا ينصرهم أيُّ ناصر، وتكرار (لا) يفيد توكيد النّفي، لا نافية لكل الأزمنة في الدّنيا ولا في الآخرة.
سورة الطور [٥٢: ٤٧]
﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ﴾: إنَّ للتوكيد، للذين: اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
الذين: اسم موصول يفيد التّحقير.
﴿ظَلَمُوا﴾: أنفسهم بالكفر والشّرك والتّكذيب وكيد النّبي.
﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾: أيْ: عذاباً قبل عذاب الآخرة أو يوم القيامة أيْ: عذاباً في الدّنيا قيل: كان عذاب القحط والجوع سبع سنين، وقيل: يوم بدر، وقد يكون عذاب القبر أو غيره من الابتلاءات.
﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد.
﴿أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أن عذاب الدّنيا نازل بهم قبل عذاب يوم القيامة. لا يعلمون ما ينتظرهم من العذاب.
سورة الطور [٥٢: ٤٨]
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾:
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾: واصبر على أذاهم واصبر حتّى يحكم الله فيهم بحكمه القدري، أيْ: ينزل العذاب بهم، والمخاطب هو رسول الله ﷺ ، وأيضاً كل مؤمن ومؤمنة بالصبر على قضاء الله تعالى وحكمه.
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾: الفاء للتوكيد، أيْ: تحت رعايتنا وحفظنا وعصمتنا فلن يضرك كيدهم شيئاً، بينما قال عن موسى ﵇: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى﴾ [طه: ٣٩]، ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾ [طه: ٤١]؛ لأن موسى كان يحتاج إلى رعاية خاصة في طفولته،
стр. 5143
ويحتاج إلى مكان لينشئ كما قدر الله تعالى له في قصر فرعون، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾: أبلغ وأشد قُرباً ورعاية من ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى﴾.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: سبح من التّسبيح: هو تنزيه الله سبحانه عن كل شريك أو عيب أو نقص أو ما لا يليق به. ارجع إلى الآية (٤٣) من نفس السّورة، تسبيحاً مصحوباً بالحمد، والتّسبيح يعني: الصّلاة والذّكر، أي: استعن بالصّبر وبالذّكر والعبادة.
﴿حِينَ تَقُومُ﴾: من الليل أو من منامك لصلاة الفجر، أو أيِّ صلاة أو مكان قمت، قل: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم أو سبحان الله.
سورة الطور [٥٢: ٤٩]
﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾:
﴿فَسَبِّحْهُ﴾: الفاء للتوكيد، سبحه: بالذّكر أو الصّلاة.
﴿وَمِنَ الَّيْلِ﴾: من ظرفية، الليل: أيْ: صلاة المغرب والعشاء أو داوم على ذكره.
﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾: إدبار: مصدر لفعل أدبر، إدبار النّجوم: من أدبرت، أيْ: غرُبت؛ أي: غابت بضوء الصباح، وقيل: إدبار النجوم تعني: آخر الليل؛ أي: صلاة التّهجد أو صلاة الفجر، وعكس الإدبار الإقبال.
وفي سورة ق الآية (٤٠) ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾، أدبار السّجود؛ أي: عقب الصّلوات.
стр. 5144
سورة النجم [٥٣: ١]
سورة النجم
سورة النّجم [الآيات ١ - ٢٦]
ترتيبها في القرآن (٥٣) ترتيبها في النزول (٢٣).
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾:
والواو: واو القسم، والله سبحانه لا يقسم إلا بشيء عظيم، وهو سبحانه غني عن القسم، والقسم يشير إلى أهمية المقسم به وجواب القسم.
النجم: اسم جنس شامل لكل النجوم، والنجوم تقدر بالمليارات المليارات من النجوم التي تخص كل مجرة وهناك مليارات المجرات، والنجوم عبارة عن أفران نووية مشتعلة عملاقة يخلق لنا ربنا فيها ما تحتاجه الحياة على الأرض من عناصر ومركبات كالحديد وغيره من المعادن، ولهذه النجوم مواقع أقسم الله بها كذلك فقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ارجع إلى تلك الآية للبيان.
إذا: ظرفية للزمن المستقبل وتدل على حتمية الحدوث.
﴿هَوَى﴾: سقط أو انتشر كما نرى من النيازك التي تنفجر وتسقط على الأرض. ارجع إلى سورة الحجر آية (٢١) للبيان.
стр. 5145
وهوى قد تعني أيضاً: إذا خرج منه ألسنة اللهب؛ لتمنع الشياطين من استراق السمع كالشهاب الثاقب، وقد تعني: غاب واختفى.
سورة النجم [٥٣: ٢]
﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾:
هذا جواب القسم، والخطاب لقريش وغيرهم.
﴿مَا ضَلَّ﴾: ما النّافية، ضل: تاه، أو ابتعد عن طريق الهدى والحق والصّواب في أقواله وأفعاله.
﴿وَمَا﴾: تكرار (ما) النّافية للتوكيد، وما تنفي الحال والمستقبل وتنفي كلًّا من الضّلال والغواية على حده، أو كلاهما معاً.
﴿وَمَا غَوَى﴾: ما فسد وما خاب في مطلبه، والغيّ: هو الفساد والجهل في الرّأي والاعتقاد والدّين، وما فجر أو أثم، والغواية: أشد من الضلال.
أي: هو متّبع الوحي ولم يعدل عنه أبداً.
والفرق بين الضلالة والغي: الضلال يكون في الدّين وفي غير الدّين، أما الغي فيكون في الدّين فقط، فالضّلال أعم من الغي والغي أخص، ارجع إلى الحجر آية (٤٢) لمزيد من البيان في معنى الغواية.
سورة النجم [٥٣: ٣]
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما: النّافية.
﴿يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾: الهوى: هو ميل النفس إلى شيء تحبه وتهواه بغض النظر عما أمر الله تعالى أو نهى عنه، وما يتكلم برأي شخصي أو بدون دليل أو حُجة. الهوى: ما يدور في العقل وما تريده النفس أو تميل إليه باطلاً، أو بما
стр. 5146
لا ينبغي بعيداً عن الحق، ولا دليل له في الشرع، والهوى يغلب عليه صفة الذم، ويختص بالأداء والاعتقادات، والشهوة تختص بنيل الملذات.
سورة النجم [٥٣: ٤]
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾:
﴿إِنْ﴾: حرف نفي؛ أي (ما) و (إن) أقوى نفياً من (ما).
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر وقصر.
﴿وَحْىٌ يُوحَى﴾: الوحي في اللغة: الإعلام بالخفاء؛ أي: الكلام الخفي. وفي الشّرع: هو ما يُلقي الله على أنبيائه ورسله من تكاليف وتعاليم دينية أو آيات ووعد ووعيد؛ أي: كلامه في الدين إن هو إلا وحي من الله تعالى يوحيه إليه عن طريق جبريل ﵇ فهو المعصوم. ارجع إلى سورة النساء آية (١٦٣) للمزيد في معنى الوحي.
سورة النجم [٥٣: ٥]
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾:
علّمه: أي: جبريل ﵇ علّم رسول الله ﷺ الوحي والقرآن والعبادات وما شرع الله؛ أي: (الدين)؛ علمه: تدل على المداومة والكثير، بينما أعلمه: تدل على القلة، شديد القوى: وهو جبريل ﵇، كامل القوى بكل أنواعها العقلية والجسمية؛ فهو الروح الأمين، أو روح القدس؛ فقد اقتلع قرى قوم لوط ورفعها إلى السماء ثم قلبها (لذلك سميت المؤتفكات)، وفي نزوله من السماء وعروجه إليها ﴿فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]، وله (٦٠٠ جناح) كما في حديث عبد الله بن مسعود، والذي أخرجه البخاري ومسلم.
стр. 5147
سورة النجم [٥٣: ٦]
﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾:
﴿ذُو﴾: بمعنى صاحب (اسم من الأسماء الخمسة) وذو أشرف وأفضل وأبلغ من كلمة صاحب، ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٨٧) وغافر آية (٢) لمزيد من البيان.
﴿مِرَّةٍ﴾: القوة والشدة والسلامة في الخلق والعقل والرّأي.
﴿فَاسْتَوَى﴾: الفاء تعليلية، استوى: تعود لجبريل ﵇، استوى: استقام على صورته الحقيقة التي خلقه الله عليها؛ أي: ظهر على صورة الملائكة بأجنحته لرسول الله ﷺ ، فاستوى جبريل ﵇ بالأفق الأعلى.
سورة النجم [٥٣: ٧]
﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾:
﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل تفيد التّوكيد، وتعود على جبريل ﵇.
﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾: أي: السموات العُلى حين العروج (ليلة الإسراء والمعراج)؛ أفق السّماء؛ أي: الجهة العليا من السّماء، أو كما قال تعالى في الآية (٢٣) من سورة التكوير: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، وقيل: لقد رأى رسول الله ﷺ جبريل ﵇ مرتين الأولى بعد حادثة غار حراء، والأخرى ليلة الإسراء والمعراج.
سورة النجم [٥٣: ٨]
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب الذّكري أو العددي.
﴿دَنَا﴾: جبريل ﵇؛ أي: اقترب من الأرض، أو دنا من رسول الله ﷺ .
﴿فَتَدَلَّى﴾: تعلق في الأفق أو هبط من أعلى الأفق، أو نزل ليكون قاب
стр. 5148
قوسين أو أدنى من رسول الله ﷺ ، ويمكن القول: فتدلى فدَنا، يجوز تقديم أيّ الفعلين، الفاء للمباشرة والتّرتيب.
سورة النجم [٥٣: ٩]
﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾:
﴿فَكَانَ﴾: الفاء للمباشرة، كان جبريل ﵇.
﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: القاب: القَدْر، قوسين: مُثنى قوس؛ أي: قدر قوسين، القوس: طوله يقارب طول الذّراع؛ أي: قدر ذراعين.
﴿أَوْ أَدْنَى﴾: أو أقرب من ذراعين.
سورة النجم [٥٣: ١٠]
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾:
﴿فَأَوْحَى﴾: أبلغ جبريل ﵇ النّبي ﷺ .
﴿مَا أَوْحَى﴾: (ما أوحاه الله إلى رسوله). وما اسم موصول بمعنى الذي، وما أوسع شمولاً من الذي، فهي تشمل كل شيء مما أوحاه إليه ربه، أوحى: ولم يبين الحق ما أوحاه آنذاك لرسوله ﷺ بواسطة جبريل ﵇؛ للتعظيم والتّفخيم.
سورة النجم [٥٣: ١١]
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾:
﴿مَا﴾: النّافية.
﴿كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾: القلب، وليس كل القلب، وإنما الخلايا القلبية المتميزة التي تمتاز ببعض صفات الخلايا العصبية التي تخص الذاكرة والعاطفة؛ أي: ما كذب قلب محمّد ﷺ ما رأى من صورة جبريل في المرة الأولى بعد حادثة غار حراء؛ أي: لم يكن هناك شك في رؤية رسول الله ﷺ جبريل في صورته الحقيقة؛
стр. 5149
رأى: من الرؤية التي هي أشد أو أعلى من النظر. ارجع إلى سورة القصص آية (١٠) لمزيد من البيان في معنى الفؤاد، وسورة الحج آية (٤٦).
سورة النجم [٥٣: ١٢]
﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾:
﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾: الممارة: الجدال بالباطل بعد تبيُّن أو ظهور الحق؛ أي: أتجادلون رسول الله ﷺ بالباطل بعد أن تبيّن الحق على ما رأى لعلة الإسراء والمعراج، وصدق ما يقوله في الإسراء والمعراج!
﴿عَلَى مَا﴾: (ما) الذي يرى، وما: أوسع شمولاً من الذي، ولم يقل على ما رأى؛ لحكاية الحال: لاستحضار تلك الرّؤية؛ لعظمتها أمام عيني السّامع، أو لتجدّد وتكرار ما يرى وهو الحق.
سورة النجم [٥٣: ١٣]
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، اللام للتوكيد، لقد للتحقيق.
﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾: نزلة: مصدر لفعل نزل، نزلة أخرى: مرّة أخرى؛ أي: رأى رسول الله ﷺ جبريل ﵇ مرة أخرى على صورته الحقيقية بأجنحة عند سدرة المنتهى، كما رأوه في المرة الأولى. ارجع إلى الآية (٨ - ١٠)، أو نزل جبريل على رسول الله ﷺ في صورته الحقيقة مرّة ثانية، وذلك ليلة المعراج عند سدرة المنتهى.
سورة النجم [٥٣: ١٤]
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى﴾:
﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكاني.
стр. 5150
﴿سِدْرَةِ﴾: قيل: شجرة نَبق في السّماء السّابعة يسير الرّاكب تحتها (٧٠) عاماً لا يقطعها.
﴿الْمُنتَهَى﴾: اسم مكان من الفعل الخماسي: انتهى، أو يعني المنتهى إليه.
﴿سِدْرَةِ الْمُنتَهَى﴾: أي المكان الذي ينتهي إليه كل ما يصعد به من الأرض؛ أي: يتوقف عندها كل الملائكة فلا يجاوزها أحد لا رسول ولا ملك، ولا يعلم ما وراءها إلا الله الواحد القهار. أو ينتهي عندها علم كل الخلائق (الملائكة وغيرهم) فلا يعلم ما بعدها أيُّ خلق.
سورة النجم [٥٣: ١٥]
﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾:
إحدى الجنات، وهناك: جنات الفردوس، وجنات عدن، ودار السّلام، وجنات النّعيم، والمأوى. اسم مكان من أوى يأوي وهو المكان أو المنزل الذي يأوي إليه للراحة أو الإقامة.
سورة النجم [٥٣: ١٦]
﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾:
﴿إِذْ﴾: ظرفية.
﴿يَغْشَى﴾: يغطي ويستر سدرة المنتهى.
﴿السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾: الإبهام هنا للتعظيم والتّهويل؛ أي: لا يعلم ما يغطي السّترة أو ما ورآها أو ما يغشاها إلا الله . قيل: نور الله سبحانه، وقيل: لا يستطيع أحد أن يصفها من حسنها، كما روي عن أنس بن مالك وأخرجه مسلم في صحيحه.
следующие страницы →