← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

لا ينبغي بعيداً عن الحق، ولا دليل له في الشرع، والهوى يغلب عليه صفة الذم، ويختص بالأداء والاعتقادات، والشهوة تختص بنيل الملذات. سورة النجم [٥٣: ٤] ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾: ﴿إِنْ﴾: حرف نفي؛ أي (ما) و (إن) أقوى نفياً من (ما). ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر وقصر. ﴿وَحْىٌ يُوحَى﴾: الوحي في اللغة: الإعلام بالخفاء؛ أي: الكلام الخفي. وفي الشّرع: هو ما يُلقي الله على أنبيائه ورسله من تكاليف وتعاليم دينية أو آيات ووعد ووعيد؛ أي: كلامه في الدين إن هو إلا وحي من الله تعالى يوحيه إليه عن طريق جبريل ﵇ فهو المعصوم. ارجع إلى سورة النساء آية (١٦٣) للمزيد في معنى الوحي. سورة النجم [٥٣: ٥] ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾: علّمه: أي: جبريل ﵇ علّم رسول الله ﷺ الوحي والقرآن والعبادات وما شرع الله؛ أي: (الدين)؛ علمه: تدل على المداومة والكثير، بينما أعلمه: تدل على القلة، شديد القوى: وهو جبريل ﵇، كامل القوى بكل أنواعها العقلية والجسمية؛ فهو الروح الأمين، أو روح القدس؛ فقد اقتلع قرى قوم لوط ورفعها إلى السماء ثم قلبها (لذلك سميت المؤتفكات)، وفي نزوله من السماء وعروجه إليها ﴿فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]، وله (٦٠٠ جناح) كما في حديث عبد الله بن مسعود، والذي أخرجه البخاري ومسلم.

стр. 5147

سورة النجم [٥٣: ٦] ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾: ﴿ذُو﴾: بمعنى صاحب (اسم من الأسماء الخمسة) وذو أشرف وأفضل وأبلغ من كلمة صاحب، ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٨٧) وغافر آية (٢) لمزيد من البيان. ﴿مِرَّةٍ﴾: القوة والشدة والسلامة في الخلق والعقل والرّأي. ﴿فَاسْتَوَى﴾: الفاء تعليلية، استوى: تعود لجبريل ﵇، استوى: استقام على صورته الحقيقة التي خلقه الله عليها؛ أي: ظهر على صورة الملائكة بأجنحته لرسول الله ﷺ ، فاستوى جبريل ﵇ بالأفق الأعلى. سورة النجم [٥٣: ٧] ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾: ﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل تفيد التّوكيد، وتعود على جبريل ﵇. ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾: أي: السموات العُلى حين العروج (ليلة الإسراء والمعراج)؛ أفق السّماء؛ أي: الجهة العليا من السّماء، أو كما قال تعالى في الآية (٢٣) من سورة التكوير: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، وقيل: لقد رأى رسول الله ﷺ جبريل ﵇ مرتين الأولى بعد حادثة غار حراء، والأخرى ليلة الإسراء والمعراج. سورة النجم [٥٣: ٨] ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب الذّكري أو العددي. ﴿دَنَا﴾: جبريل ﵇؛ أي: اقترب من الأرض، أو دنا من رسول الله ﷺ . ﴿فَتَدَلَّى﴾: تعلق في الأفق أو هبط من أعلى الأفق، أو نزل ليكون قاب

стр. 5148

قوسين أو أدنى من رسول الله ﷺ ، ويمكن القول: فتدلى فدَنا، يجوز تقديم أيّ الفعلين، الفاء للمباشرة والتّرتيب. سورة النجم [٥٣: ٩] ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾: ﴿فَكَانَ﴾: الفاء للمباشرة، كان جبريل ﵇. ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: القاب: القَدْر، قوسين: مُثنى قوس؛ أي: قدر قوسين، القوس: طوله يقارب طول الذّراع؛ أي: قدر ذراعين. ﴿أَوْ أَدْنَى﴾: أو أقرب من ذراعين. سورة النجم [٥٣: ١٠] ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾: ﴿فَأَوْحَى﴾: أبلغ جبريل ﵇ النّبي ﷺ . ﴿مَا أَوْحَى﴾: (ما أوحاه الله إلى رسوله). وما اسم موصول بمعنى الذي، وما أوسع شمولاً من الذي، فهي تشمل كل شيء مما أوحاه إليه ربه، أوحى: ولم يبين الحق ما أوحاه آنذاك لرسوله ﷺ بواسطة جبريل ﵇؛ للتعظيم والتّفخيم. سورة النجم [٥٣: ١١] ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾: ﴿مَا﴾: النّافية. ﴿كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾: القلب، وليس كل القلب، وإنما الخلايا القلبية المتميزة التي تمتاز ببعض صفات الخلايا العصبية التي تخص الذاكرة والعاطفة؛ أي: ما كذب قلب محمّد ﷺ ما رأى من صورة جبريل في المرة الأولى بعد حادثة غار حراء؛ أي: لم يكن هناك شك في رؤية رسول الله ﷺ جبريل في صورته الحقيقة؛

стр. 5149

رأى: من الرؤية التي هي أشد أو أعلى من النظر. ارجع إلى سورة القصص آية (١٠) لمزيد من البيان في معنى الفؤاد، وسورة الحج آية (٤٦). سورة النجم [٥٣: ١٢] ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾: الممارة: الجدال بالباطل بعد تبيُّن أو ظهور الحق؛ أي: أتجادلون رسول الله ﷺ بالباطل بعد أن تبيّن الحق على ما رأى لعلة الإسراء والمعراج، وصدق ما يقوله في الإسراء والمعراج! ﴿عَلَى مَا﴾: (ما) الذي يرى، وما: أوسع شمولاً من الذي، ولم يقل على ما رأى؛ لحكاية الحال: لاستحضار تلك الرّؤية؛ لعظمتها أمام عيني السّامع، أو لتجدّد وتكرار ما يرى وهو الحق. سورة النجم [٥٣: ١٣] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، اللام للتوكيد، لقد للتحقيق. ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾: نزلة: مصدر لفعل نزل، نزلة أخرى: مرّة أخرى؛ أي: رأى رسول الله ﷺ جبريل ﵇ مرة أخرى على صورته الحقيقية بأجنحة عند سدرة المنتهى، كما رأوه في المرة الأولى. ارجع إلى الآية (٨ - ١٠)، أو نزل جبريل على رسول الله ﷺ في صورته الحقيقة مرّة ثانية، وذلك ليلة المعراج عند سدرة المنتهى. سورة النجم [٥٣: ١٤] ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى﴾: ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكاني.

стр. 5150

﴿سِدْرَةِ﴾: قيل: شجرة نَبق في السّماء السّابعة يسير الرّاكب تحتها (٧٠) عاماً لا يقطعها. ﴿الْمُنتَهَى﴾: اسم مكان من الفعل الخماسي: انتهى، أو يعني المنتهى إليه. ﴿سِدْرَةِ الْمُنتَهَى﴾: أي المكان الذي ينتهي إليه كل ما يصعد به من الأرض؛ أي: يتوقف عندها كل الملائكة فلا يجاوزها أحد لا رسول ولا ملك، ولا يعلم ما وراءها إلا الله الواحد القهار. أو ينتهي عندها علم كل الخلائق (الملائكة وغيرهم) فلا يعلم ما بعدها أيُّ خلق. سورة النجم [٥٣: ١٥] ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾: إحدى الجنات، وهناك: جنات الفردوس، وجنات عدن، ودار السّلام، وجنات النّعيم، والمأوى. اسم مكان من أوى يأوي وهو المكان أو المنزل الذي يأوي إليه للراحة أو الإقامة. سورة النجم [٥٣: ١٦] ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾: ﴿إِذْ﴾: ظرفية. ﴿يَغْشَى﴾: يغطي ويستر سدرة المنتهى. ﴿السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾: الإبهام هنا للتعظيم والتّهويل؛ أي: لا يعلم ما يغطي السّترة أو ما ورآها أو ما يغشاها إلا الله . قيل: نور الله سبحانه، وقيل: لا يستطيع أحد أن يصفها من حسنها، كما روي عن أنس بن مالك وأخرجه مسلم في صحيحه.

стр. 5151

سورة النجم [٥٣: ١٧] ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾: ﴿مَا﴾: النّافية. ﴿زَاغَ﴾: هناك فرق بين الزّيع والميل، زاغ: من الزّيغ، والزّيغ المطلق يكون عن الحق، والزّيغ المقيد هو الميل المكروه. والميل عام يكون في المحبوب والمكروه. ارجع إلى سورة آل عمران آية (٧ - ٨) لمزيد من البيان في الزيغ. ﴿مَا﴾: النّافية؛ أي: ما مال بصره ﷺ إلى أبعد مما أذن الله له ووقعت عليه عيناه من الرّؤيا. ﴿وَمَا طَغَى﴾: تكرار (ما) يفيد توكيد النّفي (نفي الزّيغ والطّغيان كلّ على حدة أو كلاهما معاً)، طغى: من الطّغيان وهو تجاوز الحدّ؛ أي: لم يتجاوز بصره يمنة أو يسرة أبعد مما وقعت عليه عيناه أو أتيح له، أو راح ينظر إلى كل شيء أو جانب. سورة النجم [٥٣: ١٨] ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: ﴿لَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق. ﴿رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: رأى: من الرؤية؛ رؤية حقيقية يقينية؛ من: بعض (بعضه)؛ آيات ربه: مبهمة للتعظيم. قيل: أي السدرة والبيت المعمور، وقيل: بعض مشاهد من الجنة والنّار، وقيل: رأى جبريل في صورته الحقيقية، من آيات ربه الكبرى؛ أي: الآيات العظيمة التي لا يعلمها إلا الله، والتي تدل على عظمة الخالق وقدرته سبحانه.

стр. 5152

سورة النجم [٥٣: ١٩] ﴿أَفَرَءَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾: ﴿أَفَرَءَيْتُمُ﴾: الهمزة للاستفهام التّوبيخي، أرأيتم: الرّؤية قلبية وقد تكون بصرية؛ أي: أخبروني بعلم لمَ تعبدون هذه الأصنام اللات والعزى ومناة الثالثة وغيرها التي ليست أهلاً للعبادة؟! ﴿اللَّاتَ﴾: مشتقة من الإله، وكانت لثقيف بالطّائف. ﴿وَالْعُزَّى﴾: مشتقة من العزيز تأنيث الأعز، وكانت لغطفان. سورة النجم [٥٣: ٢٠] ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾: ﴿وَمَنَاةَ﴾: قيل: كانت صخرة لهذيل وخزاعة تُراق دماء النّسائك (الذبائح) عندها، وقيل: حجارة كانوا يعبدونها في جوف الكعبة. ﴿الثَّالِثَةَ﴾: مؤنث الثالث؛ أي: الصّنم الثّالث، فاللات الصنم الأولى، والعُزى الصنم الثانية، ومناة الصنم الثّالثة. ﴿الْأُخْرَى﴾: صفة توكيد مؤنث الآخر. سورة النجم [٥٣: ٢١] ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى﴾: ﴿أَلَكُمُ﴾: الهمزة همزة استفهام توبيخي وإنكاري، قدّم (لكم)؛ أي: خاصة، أو حصراً لكم الذّكر، وله الأنثى. ﴿الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى﴾: أي كيف تجعلون هذه الآلهة إناثاً وتعبدونها، وأنتم تكرهون الإناث وتجعلون الإناث لله ولكم الذّكور! ارجع إلى سورة الصافات آية (١٤٩ - ١٥٩) لمزيد من البيان.

стр. 5153

سورة النجم [٥٣: ٢٢] ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾: ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة إلى القسمة: الذّكر لهم ولله الأنثى. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب يفيد التّوكيد. ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾: قسمة غير عادلة؛ أي: هي قسمة جائرة، من: ضاز في حكمه؛ أي: جار، وضاز حقه؛ أي: نقصه وبخسه، مثل: منعه حقه. وقيل: ضاز: مضغ الشيء، وخلطه؛ أي: هي قسمة لا قيمة لها أو غريبة. ولابد من الوقوف على هذه الكلمة الغريبة الغير مستساغة النطق، فقد جاءت هذه الكلمة احتجاجاً على قسمتهم الجائرة والتّشنيع بتلك القسمة، فاختيرت هذه الكلمة التي تحمل في معناها الخسَّة والبشاعة؛ لتتناسب مع شركهم وتطابق عقولهم (الألفاظ المناسبة لمقتضى الحال). سورة النجم [٥٣: ٢٣] ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾: ﴿إِنْ﴾: للتوكيد وتفيد النّفي؛ أي: ما هي إلا أسماء سميتموها. ﴿هِىَ﴾: تعود على الأصنام اللات والعزى ومناة الثّالثة الأخرى. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾: أي حجارة سميتموها بهذه الأسماء أنتم وآباؤكم (وتعني الأجداد أيضاً). ﴿أَنتُمْ﴾: للتوكيد.

стр. 5154

﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾: ما النّافية، (أنزل) ولم يقل نزل؛ أنزل: أقل توكيداً وأهمية للمنزل من نزل، وتعني جملة واحدة، ونزل تعني منجماً وأكثر أهمية؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (٧١) لمزيد من البيان، وهي تسميات باطلة لا حقيقة لها ولا قيمة لها وما أخبركم الله تعالى بها على لسان رسله أو في كتبه أن تعبدوها أو أنزل أيّ حجة أو برهان أو وحي. من سلطان: من استغراقية تستغرق كلّ سلطان، والسّلطان هو إما سلطان حجة ودليل أو سلطان قهر وقوة، فالله سبحانه لم ينزل أيّ سلطان لا هذا ولا ذاك. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٧١) للمزيد في معنى سلطان. ﴿إِنْ﴾: تعني ما، وإن أقوى نفياً من ما. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: ما يتبعون في عبادتها إلا (أداة حصر)، الظّن: ضرب من الاعتقاد أو شكّ راجح؛ أي: ترجّح فيه طرف الإثبات على النّفي. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٨) من نفس السورة وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾: نجد أن الآية (٢٨) ليس تكراراً للآية (٢٣)، فالآية (٢٣): الظن فيها متعلق باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، والآية (٢٨): الظن فيها متعلق بعبادة الملائكة. ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾: أي ما تميل إليها الأنفُس بدون أيّ دليل شرعي. ارجع إلى الآية (٣) من نفس السورة، وسورة الأنعام آية (١١٩). ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾: ولقد: اللام لتوكيد، قد: لزيادة التوكيد، القرآن والوحي والدّين الحق والرّسول ﷺ ، وجاءهم الهدى: البرهان الواضح أنّ هذه ليست آلهة.

стр. 5155

سورة النجم [٥٣: ٢٤] ﴿أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى﴾: ﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتعجب، أم المنقطعة. ﴿لِلْإِنسَانِ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق. ﴿مَا﴾: بمعنى الذي أو مصدرية؛ أي: ليس له كل ما يتمنّاه. ما أوسع شمولاً من الذي، تشمل كل شيء. ﴿تَمَنَّى﴾: مثل أن تشفع لهم الآلهة أو أنّ لهم الحسنى، والتمني: معنى في النّفس يتعلّق بما يلذّ وما يكره، وقد يتعلق بالماضي أو المستقبل، والتّمني يختلف عن المحبة والشّهوة والإرادة، وإن كان معناها متقارباً. سورة النجم [٥٣: ٢٥] ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾: ﴿فَلِلَّهِ﴾: الفاء للتوكيد، لله: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، لله وحده، يفيد الحصر. ﴿الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾: الملك والحكم في الأولى (الدنيا) والآخرة لله وحده وليس لأحدٍ، وليس للأصنام أو الآلهة التي يعبدونها فهي لا تنفع ولا تضر ولا تشفع ولا تقرّب، ولا تسمع ولا ترى ولا تجيب. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٣) من سورة الليل وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾: نجد أن آية سورة الليل: جاءت في سياق المال والغنى والصدقة، وآية النجم: في سياق الحكم والملك.

стр. 5156

سورة النجم [٥٣: ٢٦] ﴿وَكَمْ مِنْ مَّلَكٍ فِى السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِى شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾: ﴿وَكَمْ﴾ الخبرية وتفيد التّكثير؛ أي: كثير من الملائكة الكرام في السموات رغم قربهم من الله ومنزلتهم عنده لا تشفع لأحد من البشر أو الجن، أو لا تغني؛ أي: لا تنفع شفاعتهم أو تجدي. ﴿شَيْئًا﴾: نكرة؛ أي: مهما كانت شفاعتهم قليلة أو كثيرة، أو مهما كان نوعها أو قيمتها. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: من ابتدائية. ﴿أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾: فالشّفاعة تحتاج إلى مؤهّلات: ١ - الإذن من الله تعالى للشافع أن يشفع. ٢ - ولابد لمن يشفع أن يكون أهلاً للشفاعة؛ أي: من أهل الإيمان والتّوحيد والعمل الصّالح. ٣ - المشفوع له من أهل التّوحيد أيضاً. لمن: اللام للتوكيد، من: اسم موصول للعاقل.

стр. 5157

سورة النّجم [الآيات ٢٧ - ٤٤] سورة النجم [٥٣: ٢٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: لا النّافية، لا يؤمنون: بالآخرة، بالبعث والحساب. ﴿لَيُسَمُّونَ﴾: اللام لام التّوكيد. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: الباء للإلصاق. ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى﴾: وذلك حين زعموا أنّ الملائكة بنات الله سبحانه؛ أي: سموا كلَّ مَلك بنتاً وهي تسمية الأنثى. ارجع إلى سورة الصافات آية (١٤٩ - ١٥٩)، وسورة الزخرف آية (١٩) لمزيد من البيان. سورة النجم [٥٣: ٢٨] ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾: ما: النافية. من علم: من استغراقية؛ تعني: ما لهم بذلك أيُّ علم مهما كان من كتاب أو وحي، أو أخبر بذلك من أحد أو شهدوا خلقهم، حتى يزعموا باطلاً أن الملائكة إناثٌ. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾: إن نافية؛ أي: ما يتّبعون. ﴿إِلَّا﴾: أداة للحصر والقصر. ﴿الظَّنَّ﴾: الشك: وهو الاحتمال الراجح في عقولهم، ارجع إلى الآية (٢٣) السّابقة.

стр. 5158

﴿وَإِنَّ الظَّنَّ﴾: إن للتوكيد. ﴿لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾: أي الظّن لا يمكن أن يقوم مقام الحق، ولا ينوب عنه، والظّن لا يجدي شيئاً ولا اعتبار له؛ لأن الحق هو الأمر الثابت الذي لا يتغير ولا يتبدل، والعلم الذي ليس هناك غيره. سورة النجم [٥٣: ٢٩] ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: ﴿فَأَعْرِضْ﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدر هو: إن استمروا على ظنهم الباطل وأصروا على ذلك، فأعرض عنهم. أعرض عنهم: أي لا تكلّمهم ولا تقابلهم. ﴿عَنْ﴾: تفيد المباعدة والمجانبة. ﴿مَنْ﴾: استغراقية؛ أي: أعرض وتولّى عن ذكرنا. ﴿تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾: أي ابتعد وأهمل، ذكرنا؛ أي: القرآن وذِكر ربه والصّلاة والإيمان والدين. ﴿وَلَمْ﴾: نافية للحال والمستقبل. ﴿يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: يرد: من الإرادة: وهي العزم على فعل أو ترك أمر ما، وهي ميل اختياري؛ أي: أصبح كل همه فقط الحياة الدّنيا وشهواتها. سورة النجم [٥٣: ٣٠] ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد، ويشير إلى قصر إرادتهم على الحياة الدّنيا وثوابها. ﴿مَبْلَغُهُم مِنَ الْعِلْمِ﴾: منتهى علمهم وأملهم وطمعهم الحياة الدنيا؛ أي: كل

стр. 5159

ما يعلمونه في دنياهم الأكل والشّرب واللهو واللعب والتّناسل. من: استغراقية؛ من كل العلم فلا يعلمون شيئاً عن الآخرة. وتعاموا قصداً وعمداً عنها فلا يريدون إلا العاجلة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: للتوكيد. ﴿هُوَ أَعْلَمُ﴾ هو: ضمير يفيد التّوكيد والحصر. ﴿بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: الباء للإلصاق، من: اسم موصول بمعنى الذي، ضل: تاه وضاع وانحرف، عن سبيله: عن دينه. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾: وهو للتوكيد والحصر، أعلم: على وزن أفعل للمبالغة، بمن: الباء للتوكيد، من: للعاقل المفرد والجمع. اهتدى: استجاب لربه واختار لنفسه طريق الهداية والسير عليه. سورة النجم [٥٣: ٣١] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَائُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾: ﴿وَلِلَّهِ﴾: تقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة؛ ليدل على الحصر والقصر. أي: لله ما في السموات والأرض وحده لا يشاركه فيهما أحد ﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: ملكاً وحكماً وتدبيراً وتصريفاً. ما: تشمل كل شيء العاقل وغير العاقل في السموات وحدها وفي الأرض وحدها أو في كلاهما معاً. ﴿لِيَجْزِىَ﴾: اللام لام التّعليل، يجزي: من الجزاء، والجزاء من جنس العمل، وهو أعم من الأجر والجزاء يستخدم من النّفع والضّر، أما الأجر يستخدم مع النّفع فقط.

стр. 5160

﴿الَّذِينَ أَسَائُوا بِمَا عَمِلُوا﴾: الباء السّببية أو البدلية، عملوا: (تشمل الأقوال والأفعال) بما عملوا من الكفر والشّرك والمعاصي في الدّنيا. ﴿وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾: الذين أحسنوا في إيمانهم وتقواهم وتوحيدهم إحسان الكمّ والكيف. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٢) لمزيد من البيان. ووصفهم بالآية التالية (٣٢) بالذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم. ﴿بِالْحُسْنَى﴾: مؤنث الأحسن، والحسنى: الجنة، وقدّم الذين أساؤوا على الذين أحسنوا؛ لأنّهم هم الأكثرية. سورة النجم [٥٣: ٣٢] ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يعود على الذين أحسنوا. ﴿يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾: الاجتناب هو الابتعاد كليّةً وعدم الاقتراب، والاجتناب أشد من التّحريم، كبائر الإثم: ومنها الشّرك وعقوق الوالدين وقتل النّفس وقذف المحصنات، وأكل الرّبا، والخمر والميسر والأنصاب والأزلام، والفرار من الزّحف، وأكل مال اليتيم. الكبيرة: كل ذنب يؤدي إلى النّار يعتبر كبيرة. والفواحش: ما اشتد قبحه من الأفعال والأقوال ومنها الزّنى، وقيل: الفواحش كلُّ ذنب يقام في الحد.

стр. 5161

﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: إلا أداة حصر، اللمم: صغائر الذّنوب تحتاج إلى ستر. ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾: يغفر الذّنوب جميعاً إلا الشّرك به والكفر إذا لم يتُب العبد، ولولا مغفرته ما ترك على ظهرها من دابة، وكما قال تعالى: ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾: أي هو سبحانه أعلم بأحوالكم وأعمالكم وبذوات صدوركم وما يخطر على عقولكم ونواياكم. إذ: ظرفية، أنشأكم من الأرض: أي ابتدأ خلقكم بخلق أبيكم؛ أي: خلقكم من آدم وآدم من طين، أو أنشأكم من الأرض حيث تأكلون من زرعها وحبّها وثمرها نخيلها وأعنابها. فالنّبات يمتصّ الماء والأملاح من الأرض والغذاء أصله من الأرض، والنّشأة وتطور الإنسان يحتاج إلى هذه التغذية، ولقد اكتشف أن جسم الإنسان فيه أكثر من (١٨) عنصراً من عناصر أو معادن الأرض. وقيل: الإنشاء قبل الخلق، فالإنشاء هو البداية (بداية الخلق). ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾: وإذ: ظرف بمعنى حين، أنتم أجنّة: جمع جنين والجنين: اسم للطفل في رحم أمه، وسمي جنيناً؛ لاستتاره في الرحم. يعلم ما حدث لكم من تطورات خَلقية، ويعلم مكونات كل مخلوق من الجينات والحموض النّووية المركبة لكل جسم والحقائب الوراثية لكل مخلوقاته والطّفرات وما توارث عن أبيه وأمه ومن سبقهم من الآباء والأمهات، وما سيصيبه من أمراض وراثية وغير وراثية في أيّ طور من أطوار حياته.

стр. 5162

﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾: أي ويعلم ما تكسب كل نفس من آثام وخطايا ولَمَمٍ وذنوب وكبائر، وما كسبت في إيمانها من خير وصلاح. فلا: الفاء رابطة لجواب مقدر؛ أي: إن كان هذا هو حالكم فلا تزكّوا أنفسكم، والتّزكية تعني تبرئة النّفس من الذنوب والآثام والعيوب، وادعاء الفضيلة والتّقوى، فلا تمدحوا أنفسكم أو تشهدوا لأنفسكم وتثنوا عليها فالله سبحانه هو وحده أعلم وأدرى بدرجة تقواكم وإيمانكم، وبدلاً من التّزكية اسألوا الله مغفرته ورحمته وأن يصلح شأنكم وأحوالكم، وتختلف هذه التزكية عن التزكية التي ورد ذكرها في الآية (٩) في سورة الشمس وهي قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، فالتزكية في هذه الآية مستحبة ومطلوبة، وتعني: تطهير النفس؛ أي: تجنب الآثام والمعاصي. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾: هو ضمير فصل يفيد التّوكيد؛ أي: هو سبحانه. أعلم: على وزن أفعل للمبالغة، بمن: الباء للإلصاق والملازمة ومن استغراقية؛ أي: يعلم بكل من اتقى منكم؛ أي: أطاع أوامره وتجنّب نواهيه. سورة النجم [٥٣: ٣٣] ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى تَوَلَّى﴾: قال مجاهد: نزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة الذي كاد قلبه يلين ويدخل في الإسلام بعد أن استمع إلى تلاوة رسول الله ﷺ ، فجاءه أحد المشركين فعيّرهُ بترك دين آبائه، فقال له الوليد: خفت من عذاب الله، فقال المشرك للوليد الذي كان غنياً: أعطني كذا من المال في كل مدة من الزّمن وأنا أتحمّل عنك العذاب الذي تخاف منه! فوافق الوليد على العرض وراح يعطيه

стр. 5163

كل مدة، وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، أو أبو جهل، أو العاص بن وائل السهمي. ثمّ أكدى: أي أعطى ثمّ توقّف عن العطاء ولم يتمّ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب. ﴿أَفَرَءَيْتَ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري وتعجب، أرأيت: رؤية قلبية فكرية. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد الذّم في هذه الآية. ﴿تَوَلَّى﴾: ابتعد وأعرض عن اتباع الحق والإيمان والدّخول في الإسلام. والتولّي المطلق غير المقيّد في القرآن يعني: عدم الإيمان. سورة النجم [٥٣: ٣٤] ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾: من ماله للذي وعده أن يتحمّل عنه العذاب يوم القيامة. ﴿وَأَكْدَى﴾: قطع العطاء أو أعطى ولم يتمّ العطاء، مشتق من الكدية: شيء صلب كالصخرة وغيره، وأصل هذه الكلمة جاء من قصة الذي حفر بئراً ثم توقف عن الحفر بعد أن أتى على أرض صلبة فيها صخر، توقّف عن إتمام الحفر ولم يبلغ غايته؛ أي: شبّه من يعطي قليلاً ثم يمسك عن العطاء بمن يكدي؛ أي: يمسك عن الحفر بعد أن وجد صخرة صلبة. سورة النجم [٥٣: ٣٥] ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾: ﴿أَعِنْدَهُ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري، والضّمير يعود على الذي تولّى عن الإسلام وأعطى قليلاً وأكدى.

стр. 5164

أعنده ﴿عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾: أي كيف علم أن غيره يُسمح له أو يحق له أن يتحمّل عنه العذاب في الآخرة، أو هل نُبِّئ بالغيب فهو يعلم ما ستكون عليه حاله في الآخرة؟! سورة النجم [٥٣: ٣٦] ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَى﴾: ﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والإنكار، ومعنى أم: بل؛ أي: بل لم يُنبّأ بما: الباء للإلصاق، ما: بمعنى الذي جاء في صحف موسى وإبراهيم، والنبأ: هو ألا تزر وازرة وزر أخرى. ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿صُحُفِ مُوسَى﴾: قيل هي عشر صحف التي أنزلت على موسى ﵇ قبل إنزال التّوراة. سورة النجم [٥٣: ٣٧] ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّى﴾: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾: أي وصحف إبراهيم، وقيل: إنّ الله أنزل على إبراهيم عشر صحف كما ورد في حديث أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، كم أنزل الله من كتاب؟ قال: (مائة صحيفة وأربعة كتب: أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التّوراة عشر صحائف). رواه ابن حبان في صحيحه. وهناك من علماء الحديث من ضعّف هذا الحديث. ﴿الَّذِى وَفَّى﴾: بكل ما عهد إليه ربه مثل ذبح ولده وبناء البيت، والهجرة وإتمام التّكاليف الشّرعية وغيرها.

стр. 5165

سورة النجم [٥٣: ٣٨] ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: ﴿أَلَّا﴾: أصلها أن: المخففة تفيد التّوكيد، لا: النّافية. ﴿تَزِرُ﴾: تحمل. ﴿وَازِرَةٌ﴾: نفس آثمة أو نفس وازرة مذنبة محمّلة بالآثام. ﴿وِزْرَ﴾: أي ذنب أو إثم نفس أخرى. والمعنى العام: لا تحمل نفسٌ ذنب نفسٍ أخرى؛ أي: لا تحمل نفسٌ إلا ذنبها، أما إذا كانت هذه النّفس الآثمة هي سبباً لإضلال غيرها ومنعها من الهداية، عندها سوف تحمل وزها ووزر التي أضلتها عن سبيل الله كما قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]. ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: [النحل: ٢٥]. سورة النجم [٥٣: ٣٩] ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾: ﴿وَأَنْ﴾: المخففة، أو حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿لَّيْسَ﴾: للنفي. ﴿لِلْإِنسَانِ﴾: اللام لام الاختصاص أو الاستحقاق. ﴿إِلَّا﴾: تفيد الحصر. ﴿مَا﴾: بمعنى الذي، أو حرف مصدري. و (ما) أوسع شمولاً من الذي، وتشمل كل شيء.

стр. 5166

﴿سَعَى﴾: عمل من خير أو شر، والسّعي: العمل؛ أي: ليس له إلا جزاء عمله فقط. سورة النجم [٥٣: ٤٠] ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾: ﴿وَأَنَّ﴾: للتوكيد، سعيه: عمله من خير وشر في الدّنيا. ﴿سَوْفَ﴾: أداة للاستقبال البعيد؛ أي: في الآخرة سوف .. ﴿يُرَى﴾: في الآخرة، سواء كان خيراً أو شراً. يُرى: يُرى بنفسه أو قد يُرى من غيره. كما قال تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]. سورة النجم [٥٣: ٤١] ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي؛ أي: في الآخرة. ﴿يُجْزَاهُ﴾: أي يجزى العبد على سعيه أو يجزيه الله على علمه. الجزاء: في اللغة هو الثّواب، ولكن الجزاء يكون في الخير، والشّر والثّواب يكون عادة في سياق الخير. ﴿الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾: التّام الكامل غير المنقوص ولو حسنة واحدة. سورة النجم [٥٣: ٤٢] ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾: ﴿وَأَنَّ﴾: للتوكيد. ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾: تقديم (إلى ربك) يفيد الحصر والقصر؛ أي: إلى ربك وحده المنتهى.

стр. 5167

﴿الْمُنتَهَى﴾: المصير والمرجع للحكم وللحساب والجزاء، إليه الانتهاء للعرض عليه كقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٨]. سورة النجم [٥٣: ٤٣] ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾: ﴿وَأَنَّهُ﴾: الواو عاطفة، أن: للتوكيد، وهاء الضّمير تعود على (ربك). ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد ويفيد الحصر، فلا يقدر على ذلك إلا ربك سبحانه. ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾: أضحك من شاء في الدّنيا وأبكى من شاء، وقد يقول قائل: الضّحك والبكاء ناتجان عن إرادة العبد، فالضحك أو البكاء ناتجان عن مؤثرات خارجية تؤثر في أعصاب الفرد مما يؤدي إلى تراخي أو تقلص عضلات الوجه. هذا صحيح هذه آلية الضحك والبكاء، والسؤال هنا: من خلق هذه العضلات والأعصاب وجعلها تتأثر بالعواطف الداخلية؛ كي تظهر إما على شكل ضحك أو على مظهر البكاء؟ هو الله سبحانه وحده. سورة النجم [٥٣: ٤٤] ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾: ﴿وَأَنَّهُ﴾: الواو عاطفة، أن: للتوكيد، وهاء الضّمير تعود على (ربك). ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد ويفيد الحصر. ﴿أَمَاتَ﴾: من انتهى أجله في الدّنيا من الإنس والجن والنّبات والحيوان. ﴿وَأَحْيَا﴾: من الأجنّة، وأحيا الأرض بعد موتها، وأحيا النّبات والحيوان.

стр. 5168

سورة النجم [٥٣: ٤٥] ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾: ﴿وَأَنَّهُ﴾: كما في الآية (٤٣). ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾: الصّنفين الذّكر والأنثى في كل شيء في الإنسان والحيوان والنّبات، والموجب والسّالب في المعادن والذّرات، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]. خلق كل شيء في الوجود من زوجين؛ ليبقى سبحانه متفرداً بالوحدانية لا يشاركه فيها أحد مما خلق. سورة النجم [٥٣: ٤٦] ﴿مِنْ نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾: ﴿مِنْ﴾: ابتدائية. ﴿نُّطْفَةٍ﴾: الذّكر والأنثى من الإنس والجن والحيوان. ﴿إِذَا﴾: شرطية تفيد الحتمية. ﴿تُمْنَى﴾: تشكّلت وقُدّر لها أن تحيا بعد تشكّلها فهي تحوي على (٥٠ - ٢٤٠) مليون حيوان منوي، وأن تلتقي ويتمّ التّزاوج واللقاح، فكلّ ذلك يحتاج إلى قدرة الإله الخالق سبحانه. سورة النجم [٥٣: ٤٧] ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾: ﴿وَأَنَّ﴾: للتعليل والتّوكيد عليه سبحانه. ﴿النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾: إعادة الإحياء والخلق؛ أي: البعث بعد الإماتة الأولى، ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].

стр. 5169

سورة النجم [٥٣: ٤٨] ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾: ﴿وَأَنَّهُ﴾: ارجع إلى الآية (٤٣) السّابقة. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر. ﴿أَغْنَى﴾: من شاء من عباده بالمال وغيره، وقيل: أغنى بالقناعة. ﴿وَأَقْنَى﴾: أفقر من شاء حسب ما تقتضيه حكمته ومصلحة خلائقه. وقيل: أقنى: أرضى، وأقناه؛ أي: أرضاه. والقنى: الرضى. وتقول العرب (كما ورد في مختار الصحاح): من أعطي مائة من المعز فقد أعطيَ القنى، ومن أعطي مائة من الضأن فقد أعطي الغنى، ومن أعطي مائة من الإبل فقد أعطي المنى. فهو سبحانه يعطي القليل والكثير ما يكفي وما يزيد على الكفاية. سورة النجم [٥٣: ٤٩] ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾: ﴿وَأَنَّهُ﴾: ارجع إلى الآية (٤٣) السّابقة للبيان. ﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾: أي خالق الكواكب جميعها أو الكوكب الذي عبدته خزاعة، وقيل: حمير أيضاً، وتسمى: الشِّعرى العبور أو اليمانية، وخصّها بالذّكر من بين الكواكب؛ لأنّها كانت تعبد وكان المنجّمون يستعملونها في سحرهم ينسبون إليها أشياء خاصة باطلاً، وقيل: هو الكوكب الذي يظهر بعد ظهور كوكب الجوزاء. سورة النجم [٥٣: ٥٠] ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾: ﴿وَأَنَّهُ﴾: الواو عاطفة، أنّه: للتوكيد وتعود على (ربك). ﴿أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾: أي قوم هود سكنوا الأحقاف، والذين قالوا: من أشدُّ منا قوة؟ أهلكهم الله ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٦ ـ ٧]. سورة النجم [٥٣: ٥١] ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾: وأهلك ثمود قوم صالح الذين سكنوا الحجر وعقروا النّاقة، وقالوا: يا

стр. 5170

صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصّادقين فأخذتهم الصّيحة مصبحين، ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ [الذاريات: ٤٥]. سورة النجم [٥٣: ٥٢] ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾: وأهلك قوم نوح بالطّوفان. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل عاد وثمود. ﴿إِنَّهُمْ﴾: للتوكيد. ﴿كَانُوا هُمْ﴾: لزيادة التّوكيد. ﴿أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾: من غيرهم من الأقوام دام ظلمهم وطغيانهم (٩٥٠) سنة. سورة النجم [٥٣: ٥٣] ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾: قرى قوم لوط التي ائتفكت؛ أي: انقلبت بعد أن رفعها جبريل ﵇ إلى عنان السّماء ثم قلبها. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾: المنقلبة. ﴿أَهْوَى﴾: من الإهواء؛ وهو الإسقاط، أهوى بها إلى الأرض؛ أي: أسقطها على الأرض. سورة النجم [٥٣: ٥٤] : ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾: ﴿فَغَشَّاهَا﴾: غطّاها بالحجارة، أو غشيها من العذاب ما غشّى بعد أن انقلبت عاليها سافلها. ﴿مَا غَشَّى﴾: للتهويل والتّعظيم لما صبّ عليها من العذاب أو المطر المكوّن من حجارة من سجّيل منضود. سورة النجم [٥٣: ٥٥] ﴿فَبِأَىِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾: ﴿فَبِأَىِّ﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدر تقديره: إن كانت قدرة الله على إهلاك قوم لوط بهذا الشّكل، فبأيّ آلاء ربك تتمارى؟ بأيّ: الباء للإلصاق، أيّ: استفهام.

стр. 5171

﴿آلَاءِ رَبِّكَ﴾: أنعم ربك، أو نِعَم ربك الدّالة على قدرته وعظمته ووحدانيته. ﴿تَتَمَارَى﴾: من المراء: تشكّ وتجادل بالباطل، تتمارى: تشكّ وتجادل بالمراء، والمراء: وهو الجدال بالباطل، والكذب بعد ظهور الحق. سورة النجم [٥٣: ٥٦] ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾: ﴿هَذَا﴾: الهاء للتبيه، ذا: اسم إشارة للقرب ويشير إلى القرآن أو رسول الله ﷺ . ﴿نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾: أي هذا القرآن نذير من النّذر الأولى؛ أي: من الكتب السّماوية السّابقة أو هذا النّبي محمّد ﷺ من النّذر الأولى؛ أي: رسول مثل الرّسل الأولى؛ أي: ليس هو ببِدْع من الرّسل. سورة النجم [٥٣: ٥٧] ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾: ﴿أَزِفَتِ﴾: دنت وقربت. ﴿الْآزِفَةُ﴾: السّاعة؛ أي: قربت السّاعة ودنت، وسميت بهذا الاسم؛ لاقترابها، وكما قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨]. يوم الأزفة: يوم القيامة، وله أسماء كثيرة جداً منها: الحاقة، والطامة، والصاخة، والقارعة، والواقعة … وغيرها. سورة النجم [٥٣: ٥٨] ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾: ﴿لَيْسَ لَهَا﴾: ليس: نافية للحال ويمكن أن تكون للماضي والمستقبل والاستمرار في النفي. (لها) تعود على الآزفة: السّاعة. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾: أي ليس هناك من هو قادر على كشفها أو مظهر لوقتها، أو يعلم متى ستحدث حتّى يخبر بها، أو يمنعها من الحدوث. سورة النجم [٥٣: ٥٩] : ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾: ﴿أَفَمِنْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، والفاء للتوكيد.

стр. 5172

﴿هَذَا الْحَدِيثِ﴾: هذا: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقرب، ويشير إلى القرآن الكريم. ارجع إلى سورة الزمر آية (٢٣) لبيان معنى هذا الحديث. ﴿تَعْجَبُونَ﴾: فلا تصدّقون بآياته وتنكرونه؛ لأنه مخالف لما أنتم عليه من الشّرك أو عبادة الأصنام، ولأنّه يدعو إلى التّوحيد والبعث والحساب، والحق أن تعجبوا من سفاهة عقولكم التي أعرضت عنه ولم تؤمن به. سورة النجم [٥٣: ٦٠] ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾: ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾: أي استهزاءً منه ومن آياته. ﴿وَلَا تَبْكُونَ﴾: خشوعاً وخوفاً من وعيده، ولا تبكون على ما فرّطتم في حقه وفي جنب الله، وعلى سيئاتكم وذنوبكم، أو لا تبكون على خسارتكم لأنفسكم وأهليكم. سورة النجم [٥٣: ٦١] ﴿وَأَنتُمْ سَامِدُونَ﴾: ﴿سَامِدُونَ﴾: جمع سامِد: متكبرون، أو رافعون رؤوسكم تكبّراً. وقيل: كلّ رافع رأسه: سامِد؛ أي: متكبر، وقيل: سامدون: لاهون عن تدبُّر هذا القرآن، والسّمود بلغة أهل اليمن: الغناء، سامدون تدلّ على أنّ هذه الصّفة ثابتة عندهم، فالسّمود قد يعني: الاستكبار واللهو والإعراض والخمول معاً. سورة النجم [٥٣: ٦٢] ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾: الفاء رابطة لجواب مقدّر: إن أردتم التّوبة والإنابة والرّجوع إلى الله فاسجدوا له سجود الشّكر وسجود العبادة؛ أي: الصّلاة، واعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، وأطيعوا أوامره وتجنّبوا نواهيه؛ أي: أطيعوا المعبود في كلّ ما أمر أو نهى عنه.

стр. 5173

سورة القمر [٥٤: ١] سورة القمر ترتيبها في القرآن (٥٤) وترتيبها في النزول (٣٧). ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾: سبب النّزول: أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس أنّ أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية تدل على صدق نبوته فأراهم القمر شقتين حتى رأوا جبل حراء بينهما. وفي رواية ابن عباس قال: اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فرقتين، فقال لهم رسول الله ﷺ : إن فعلت تؤمنون؟ قالوا: نعم، فسأل رسول الله ﷺ ربه أن يُعطيه ما قالوا فانشق القمر شقين أو نصفين، ورسول الله ﷺ ينادي: يا فلان ويا فلان اشهدوا. وذلك بمكة قبل الهجرة. رواه البخاري، وذكره السيوطي في الدر. ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾: الساعة تعني: ساعة: هي لحظة تهدم ودمار النظام الكوني الحالي وزوال السموات والأرض، والذي يعقبه البعث، والحشر للحساب، والجزاء، وقد عدها الإمام الغزالي والقرطبي فبلغت حوالي خمسين اسماً، كما قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري منها: الحاقة، الطامة، الصاخة، الواقعة، الحسرة، الغاشية، الأزفة .... وغيرها.

стр. 5174

﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾: ارجع إلى سورة إبراهيم آية (٣٣) وسورة يونس آية (٥) للتعريف بالقمر. وبما أنّ القمر انشق على زمن الرّسول ﷺ فقد اكتشفت الدّراسات الجيولوجية الحديثة أنّ هناك شقوق على سطح القمر يبلغ طولها أحياناً (١٢٥) كم، وعمقها (٤٠٠) متر على شكل قنوات لا زالت الأبحاث تدرس هذه الآيات الكونية التي تدل على عظمة الله وقدرته وصدق نبوة محمّد ﷺ ، فانشقاق القمر من أهم معجزات الرسول ﷺ ، وكذلك من أشراط الساعة أو (الأمارات أو العلامات) والدالة على قرب وقوعها رغم مضي أكثر من ألف وأربعمئة عام، والجواب على ذلك لأن الباقي من أمر الدنيا قليل بالنسبة لما مضى فيها واقتراب الساعة بتقدير علم الله سبحانه وليس بتقدير البشر. سورة القمر [٥٤: ٢] ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الشك والاحتمال. ﴿يَرَوْا آيَةً﴾: أيْ: معجزة دالة على صدق نبوة الرّسول ﷺ مثل انشقاق القمر. ﴿يُعْرِضُوا﴾: هذا هو جواب الشّرط، يعرضوا عن الإيمان والتّصديق بالآيات. ﴿وَيَقُولُوا﴾: معطوفة على يعرضوا ويقولوا عن الآيات أو المعجزات سحر مستمر. ﴿سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾: سحر دائم، سحرنا به محمد وسحرنا غيره من قبل لما رأوا تتابع الآيات، أي: المعجزات، أو سحر زائل ذاهب أو سحر شديد قوي. مستمر: من مر الشيء: أيْ: ذهب.

стр. 5175

ويقولوا سحر مستمر؛ ويقولوا: بصيغة المضارع لتدل على تجدُّد أقوالهم وتكرارها. أو حكاية الحال التي تدل على شناعة كذبهم، ولتعريف السحر ارجع إلى سورة طه الآية (٥٨) للبيان. سورة القمر [٥٤: ٣] ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾: ﴿وَكَذَّبُوا﴾: رسول الله ﷺ أو كذبوا بالآيات. ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾: أهواءَهم جمع هوى. ارجع إلى سورة النجم آية (٣)، وسورة النساء الآية (١٣٥) لبيان معنى الهوى. ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾: أيْ: إلى الآن هذا الأمر لم يبلغ غايته (أيْ: أمر الدّين والإسلام) لا زال في بدايته، ولا بُدَّ لكل أمر يريده الله أن يبلغ غايته ومنتهاه ويتحقق. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]. ولكل أمر حقيقة وبداية ونهاية، وبما أنّ (كلُّ) جاءت بالضم وليس بالفتح، ولم يقل: وكلَّ، فتدل على أنّ هناك أموراً لها مستقر وأموراً ليس لها مستقر، أيْ: مستمرة، ولو قال: كلَّ أمر بالفتح لدل ذلك على كل أمر له مستقر. سورة القمر [٥٤: ٤] ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية واللام للتوكيد، قد للتحقيق. ﴿جَاءَهُمْ﴾: أيْ: قريش أو أهل مكة والمجيء فيه معنى المشقة. ﴿مِنَ﴾: بعضية.

стр. 5176

﴿الْأَنبَاءِ﴾: جمع نبأ، النّبأ هو الخبر العظيم أو المهم. أيْ: أنباء الأمم السّابقة المكذبة رسلها وما أصابها من الهلاك والدمار. ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾: ما فيه: الكفاية والموعظة والنّهي لكي يزجرهم، أيْ: ينهاهم أو يكفهم ويمنعهم عن غيِّهم وضلالهم وكفرهم وشركهم. ﴿مُزْدَجَرٌ﴾: مصدر للفعل ازدجر أو زجر، أيْ: نَهره (من الانتهار) أو محاولة المنع. سورة القمر [٥٤: ٥] ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾: أيْ: هذا القرآن حكمة تامة بما فيه من الأنباء والمواعظ والهداية. ﴿بَالِغَةٌ﴾: كاملة تامة بلغت منتهى البيان ليس فيها نقص أو خلل بلغت الغاية التّامة في الزّجر والرّدع، وما فيه الكفاية لتزجر الكافر والضّال، حكمة بالغة: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. ﴿فَمَا﴾: الفاء للتوكيد، ما: نافية أو استفهامية. ﴿تُغْنِ النُّذُرُ﴾: أيْ: من لم ينزجر ويرتدع ويكفَّ عن غيِّه وضلاله بما في هذا القرآن من إنذار، وبما جاء به الرسول ﷺ ، فلن ينفعه أيُّ إنذار بعده أو غيره. ﴿النُّذُرُ﴾: جمع نذير أو منذر أو الإنذارات. سورة القمر [٥٤: ٦] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ نُكُرٍ﴾: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: ابتعد عنهم، عن هؤلاء الكفار والمشركين والمكذبين؛ لأنّ الإنذار لا ينفع معهم، واستمر في دعوتك إلى الله تعالى، وانتظر يوم يدعُ

стр. 5177

الداعي وهو إسرافيل ﵇ يوم ينفخ في الصّور نفخة البعث يسمعها كل حي، يسمعها من في القبور بعد النشر (الإحياء). ﴿إِلَى شَىْءٍ نُكُرٍ﴾: شيء: عظيم مروع لا تصدقه؛ أيْ: العقول وتكرهه النّفوس لم يروا مثله في حياتهم قط، وهو يوم القيامة والبعث والحساب، وهناك فرق بين نُكُر ونُكْر كقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤]. نُكُر: بضم الكاف أبلغ وأشد في الإنكار نُكْراً بتسكين الكاف، وهناك فرق بين المنادي والدّاعي. المنادي: ينادي برفع الصّوت فقط والمنادي ليس بالضّرورة يطلب شيئاً. الدَّاعي: إما أن يرفع صوته أو يخفضه، والدَّاعي يطلب شيئاً. وهناك فرق بين الدّعاء والنّداء والرّجاء. الدّعاء: يكون من الأدنى إلى الأعلى، أي: الأعلى شأناً أو عظمة وقدرة. النّداء: يكون من أعلى إلى أسفل. الرّجاء: يكون مساوٍ للمرجو منه.

стр. 5178

سورة القمر [٥٤: ٧] ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾: جمع خاشع اسم فاعل من فعل خشع، والخشوع هو الانكسار والذّلة، ويظهر ذلك في عينيه، وصوته أو وجهه، وقلبه. ﴿خُشَّعًا﴾: على وزن فُعل يفيد التكثير والمبالغة والعدد الكبير، فحين يخرجون من الأحداث يخرجون خُشعاً أبصارهم، ثم من طول الموقف يوم الحساب تخف شدة الخشوع، وتصبح أبصارهم خاشعة، كما في قوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣]. ليس فيها مبالغة ولا تكثير كما كان سابقاً، فهناك فرق بين خُشعاً أبصارهم وخاشعة أبصارهم، والخضوع: يظهر أثره في البدن. ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾: الأجداث جمع جدث وهو القبر، والقبر يسمَّى جدثاً، أو يتحول إلى جدث بعد أن يُبعث الميت من جديد، ويتحرك ليخرج من القبر، فهذه الحركة والانتفاض يحول القبر من قبر هادئ لا حركة فيه إلى قبر فيه حياة ونشاط للخروج منه، وحينئذ يسمَّى القبر جدثاً؛ أي: في مرحلة أو زمن الخروج. ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾: يخرج الأموات، أيْ: يبعث الأموات من أجداثهم للذهاب إلى أرض المحشر. كأنّهم جراد منتشر: أيْ: جماعات جماعات في الكثرة والانتشار، ويبلغ عدد سرب الجراد عشرات الملايين، وهكذا سيكون الناس يوم خروجهم من

стр. 5179

الأجداث جماعات جماعات عشرات الملايين والجراد يطير عاريًا إلا من غطاء على قرنه، وهكذا يكون الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرلاً لا تغطيهم إلا جلودهم. وبعد الوصول إلى أرض المحشر تحدث فوضى واختلاط وحيرة وتنقلب حالهم فيصبحون كالفراش المبثوث، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]. سورة القمر [٥٤: ٨] ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾: ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾: مسرعين بخوف إلى الداعي مع مدِّ أعناقهم إلى الأمام. الإهطاع، أهطع: أسرع في مشيه مع مدِّ العنق إلى الأمام لكي يحاول أن يرى ما الخطب أو الأمر. ﴿إِلَى الدَّاعِ﴾: وهو إسرافيل: يحاولون تلبية دعوته ويسرعون إلى إجابته. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (٤٣) لمزيد من البيان في مهطعين، وكلمة الإهطاع كما وردت في القرآن في ثلاث سور، هذه الآية، وإبراهيم آية (٤٣): والمعارج آية (٣٦). ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾: حين يرون أهوال يوم البعث والحشر ويتوقعون سوء العاقبة. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب يشير إلى يوم القيامة. ﴿يَوْمٌ عَسِرٌ﴾: صعب شديد. والسّؤال: لماذا قالوا يوم عسر وليس يوم عسير، الجواب: يوم عسر: لأنه

стр. 5180

عسر على طائفة معينة وهم الكفار، أما يوم عسير: فيوم شديد صعب على المؤمن والكافر والكبير والصّغير على (الكل) وليس على فئة معينة. كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِى النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٨ ـ ٩]. أيْ: عسير على الكل، ولذلك أتبع ذلك بقوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠] أما على المؤمنين فهو يسير. سورة القمر [٥٤: ٩] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾: أيْ: قبل كفار مكة، كذبت قوم نوح. ﴿فَكَذَّبُوا﴾: الفاء تدل على المباشرة، أيْ: كذبوه مباشرة بعد أن أبلغهم أنّه رسول من رب العالمين، وتكرار كذبوا للتوكيد، كذبوه لما دعاهم إلى التّوحيد وعبادة الله وحده كذبوا تكذيباً بعد تكذيب؛ أي: مستمراً دام (٩٥٠ سنة). ﴿عَبْدَنَا﴾: نوح وإضافة (نا) الجمع للتشريف. ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ﴾: فاقد العقل، لا يعلم ما يقول؛ أي: هو مجنون. ﴿وَازْدُجِرَ﴾: أيْ: قومه زجروه ومنعوه عن تبليغ رسالة ربه أو زجره قومه بالشتم والوعيد، وبالقول البذيء، وأنذروه بالرجم، حين قالوا له ﴿لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]. سورة القمر [٥٤: ١٠] ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ﴾: دعا نوح ربه. ﴿أَنِّى﴾: للتوكيد بدلاً من أنا.

стр. 5181

﴿مَغْلُوبٌ﴾: غلبني قومي، أي: لم يصدقوني أو يؤمنوا لي، مغلوب: اسم مفعول من الفعل الثّلاثي، غلب ومغلوب يدل على صفة الغلب ثابتة لن تتغير. دعا ربه بعد أن أوحي إليه ﴿وَأُوحِىَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، دعا ربه حين قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. ﴿فَانتَصِرْ﴾ انتصر لدينك وانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، والفاء تدل على التّعقيب والمباشر انتصر الآن، ولا تؤخر عذابهم. سورة القمر [٥٤: ١١] ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾: ﴿فَفَتَحْنَا﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب والسرعة لإجابة دعاء نوح. ﴿أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾: المنهمر: الهمر الصب المنصب كالوابل استعارة تمثيلية شبه تدفق المطر (الوابل) من السماء بانصباب أنهار انفتحت بها أبواب السّماء، ولم يذكر منهمر من السحاب؛ أي: بدون رؤية؛ أي: سحاب، وقيل: استمر أياماً عديدة، حتى أصبح ﴿مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: ٤٢]. سورة القمر [٥٤: ١٢] ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾: تدل على الكثرة والمبالغة ولم يقل وفجرنا عيون الأرض، بل الأرض كلها صارت عيوناً، جمع عين وعين تجمع على عيون، أي: عيون للماء أو أعين، أيْ: أعين نبصر بها، كما تأتي في سياق القرآن الكريم. ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾: أي: اختلط ماء السّماء وماء الأرض التقيا على أمر قد قدره الله سبحانه لإهلاك قوم نوح بالطّوفان. ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾: أي: على مقدار معيَّن أحدهما نازل من السماء، والأخر متفجر من الأرض، وإلا ما استطاع نوح ومن آمن معه أن يركبوا في الفلك وتعني

стр. 5182

أيضاً: من القضاء والقدر، أي: امرٌ قدره الله على قوم نوح وقضاه أزلاً في سابق علمه. سورة القمر [٥٤: ١٣] ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾: ﴿وَحَمَلْنَاهُ﴾: أي: نوح ومن أمن معه. ﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾: الفلك المصنوعة من ألوح خشبية عريضة، ودسر: جمع دسار وهو المسمار ودسره: دق المسمار ودفعه، وأصل الدّسر: الدّفع الشديد بقهر فالمسمار يدق ويدفع بقوة، ولم يقل: وحملناه على الفلك أو السّفينة وإنما استعمل الصّفات التي تقوم مقام المواصفات، أيْ: إطلاق الجزء وإرادة الكل؛ لأنّ الجو مخيف ومُرعب، وأنّ الله سبحانه هو المنجي، فالسّفينة مركبة من ألواح خشبية عديدة ومسامير. وشبَّه الأمواج كالجبال فهي تجري بقدرة الله تعالى تجري بأعيننا بمرأى منا، وهذه هي المعجزة وهي صمود هذه السّفينة المكونة من ألواح ودسر وعدم تسرب الماء إليها وغرقها، والتي صنعت من قبل نوح الذي لم يصنع سفينة قط في حياته ولأول مرة، ولم يركب سفينة قط فسبحان من سيرها وحفظها من الغرق في هذه الأمواج التي كالجبال. سورة القمر [٥٤: ١٤] ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾: ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾: بمرأى منا أو تجري برعايتنا وحفظنا وحراستنا، وهذه هي المعجزة الحقة، وليست المواد المصنوعة منها سواء كانت من خشب أو من حديد، وسواء كانت هناك آلات تحركها وتديرها أم لا. ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾: ثواباً أو فعلنا ذلك جزاءً لنوح ﵇. لمن:

стр. 5183

اللام للتوكيد. من: اسم موصول بمعنى الذي، كفر: وهو نوح ﵇ وجاء بصيغة المبني للمجهول. كُفِرَ: جُحِدَ به، وكأن نوحاً أرسل إليهم كنعمة فكفروا بها أو لنوح الذي كفره قومُه ولم يؤمنوا له. سورة القمر [٥٤: ١٥] ﴿وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو عاطفة، اللام للتوكيد، قد: للتحقيق. ﴿تَّرَكْنَاهَا﴾: أي: السّفينة ذات الألواح والدّسر أبقيناها. ﴿آيَةً﴾: علامة ودليلاً أو عبرة وعظة للأجيال القادمة على كمال قدرة الله وعظمته وعنايته برسله وبالمؤمنين. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (١٥) لبيان معنى آية للعالمين. ﴿فَهَلْ﴾: الفاء للتوكيد، هل: استفهام يفيد الأمر، أي: احفظوه عن ظهر قلب. ﴿مِنْ﴾: استغراقية. ﴿مُّدَّكِرٍ﴾: متعظ أو معتبر أصلها مُذتكر: حدث فيها إبدلان الأول: إبدال التاء دالاً، والثاني: إبدال الذال دالاً، ثم أدغمت الدالان فأصبحت مدّكر، من الذّكر. ومدكر: اسم فاعل من الفعل الخماسي ادّكر. مدكر: متذكر بعد النّسيان للآيات. وجملة (من مدّكر) هي جواب شرط مقدر، أيْ: إذا كان القرآن ميسراً فهل من مدّكر.

стр. 5184

سورة القمر [٥٤: ١٦] ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾: ﴿فَكَيْفَ﴾: الفاء للتوكيد، كيف: للاستفهام الذي يحمل معنى التّهويل والتّعجب. ﴿كَانَ عَذَابِى﴾: بالطّوفان والغرق. ﴿وَنُذُرِ﴾: مصدر الفعل أنذر أو جمع نذير على لسان نوح المرات العديدة بمعنى أليس هذا ما يستحقونه. سورة القمر [٥٤: ١٧] ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: ارجع إلى الآية (١٥). ﴿يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾: سهلنا القرآن للحفظ والقراءة، أو يسرنا تلاوتَه ومعناه وتدبرَه، للذكر اللام لام الاختصاص. ﴿فَهَلْ﴾: استفهام فيه معنى الحثِّ والحضِّ على حفظ القرآن وتلاوته وتدبر معانيه. ﴿مِنْ﴾: استغراقية. ﴿مُّدَّكِرٍ﴾: ذاكر يذكره أو قارئ يقرؤه أو يرتِّله. ارجع إلى الآية (١٥) لبيان كيف اشتقت مدكر. سورة القمر [٥٤: ١٨] ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾: ﴿كَذَّبَتْ﴾: من قبلهم عاد، أيْ: قوم عاد كذبوا نبيَّهم هوداً ﵇، ولم يؤمنوا بالله ووحدانيَّته وبما دعاهم إليه هود.

стр. 5185

﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾: فكيف الفاء للتوكيد، فكيف للاستفهام الذي يحمل معنى التّهويل والتّعجب والتّعظيم. كان عذابي لهم: وصف هذا العذاب في الآية التّالية آية (١٩) هو الريح الصّرصر العاتية. نذر: مصدر أنذر ونذر جمع على لسان هود أنذرهم المرات العديدة، وإذا نظرنا في الآية (٢١) في نفس السورة نجد مرة ثانية يقول تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ فالأولى: قد تعني قبل أن يجعلهم كأنهم أعجاز منقعر (قبل وقوع العذاب)، والآية (٢١) بعد وقوع العذاب، وقيل: الأولى لتحذيرهم وما أصابهم، والآية (٢١) لتحذير غيرهم والاتعاظ بما أصاب قوم عاد، وقد تكون للتهويل، والتوريع، والترهيب أيضاً، وكذلك زمن تقديم العذاب على النذر. سورة القمر [٥٤: ١٩] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾: ﴿إِنَّا﴾: للتعظيم عظمة ما أرسل إليهم. ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾: أي: الرّيح الصّرصر العاتية، أيْ: على قوم عاد. ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾: ريح في القرآن تحمل معنى العذاب والشّر بشكل عام إلا مع سليمان ﵇؛ فقد سخرها الله تعالى له ليتصرف بها كيف يشاء في الخير أو الشر بعكس الرّياح تحمل معنى الخير والمنفعة، وهذه من خصوصيات القرآن. ريحاً صرصراً: ريح شديدة البرودة المهلكة، ولها صوت الصّرير من الصّر وهو شدة البرد الذي يصر الجلد، أيْ: يُقبض أوعية الجلد الدّموية الدقيقة؛ مما يؤدِّي إلى نقص تروية الجلد والآلام الشّديدة، وبالتّالي موت الجلد وبتر الأصابع
следующие страницы →