Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.
стр. 5181
﴿مَغْلُوبٌ﴾: غلبني قومي، أي: لم يصدقوني أو يؤمنوا لي، مغلوب: اسم مفعول من الفعل الثّلاثي، غلب ومغلوب يدل على صفة الغلب ثابتة لن تتغير.
دعا ربه بعد أن أوحي إليه ﴿وَأُوحِىَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، دعا ربه حين قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦].
﴿فَانتَصِرْ﴾ انتصر لدينك وانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، والفاء تدل على التّعقيب والمباشر انتصر الآن، ولا تؤخر عذابهم.
سورة القمر [٥٤: ١١]
﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾:
﴿فَفَتَحْنَا﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب والسرعة لإجابة دعاء نوح.
﴿أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾: المنهمر: الهمر الصب المنصب كالوابل استعارة تمثيلية شبه تدفق المطر (الوابل) من السماء بانصباب أنهار انفتحت بها أبواب السّماء، ولم يذكر منهمر من السحاب؛ أي: بدون رؤية؛ أي: سحاب، وقيل: استمر أياماً عديدة، حتى أصبح ﴿مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [هود: ٤٢].
سورة القمر [٥٤: ١٢]
﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾:
﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾: تدل على الكثرة والمبالغة ولم يقل وفجرنا عيون الأرض، بل الأرض كلها صارت عيوناً، جمع عين وعين تجمع على عيون، أي: عيون للماء أو أعين، أيْ: أعين نبصر بها، كما تأتي في سياق القرآن الكريم.
﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾: أي: اختلط ماء السّماء وماء الأرض التقيا على أمر قد قدره الله سبحانه لإهلاك قوم نوح بالطّوفان.
﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾: أي: على مقدار معيَّن أحدهما نازل من السماء، والأخر متفجر من الأرض، وإلا ما استطاع نوح ومن آمن معه أن يركبوا في الفلك وتعني
стр. 5182
أيضاً: من القضاء والقدر، أي: امرٌ قدره الله على قوم نوح وقضاه أزلاً في سابق علمه.
سورة القمر [٥٤: ١٣]
﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾:
﴿وَحَمَلْنَاهُ﴾: أي: نوح ومن أمن معه.
﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾: الفلك المصنوعة من ألوح خشبية عريضة، ودسر: جمع دسار وهو المسمار ودسره: دق المسمار ودفعه، وأصل الدّسر: الدّفع الشديد بقهر فالمسمار يدق ويدفع بقوة، ولم يقل: وحملناه على الفلك أو السّفينة وإنما استعمل الصّفات التي تقوم مقام المواصفات، أيْ: إطلاق الجزء وإرادة الكل؛ لأنّ الجو مخيف ومُرعب، وأنّ الله سبحانه هو المنجي، فالسّفينة مركبة من ألواح خشبية عديدة ومسامير.
وشبَّه الأمواج كالجبال فهي تجري بقدرة الله تعالى تجري بأعيننا بمرأى منا، وهذه هي المعجزة وهي صمود هذه السّفينة المكونة من ألواح ودسر وعدم تسرب الماء إليها وغرقها، والتي صنعت من قبل نوح الذي لم يصنع سفينة قط في حياته ولأول مرة، ولم يركب سفينة قط فسبحان من سيرها وحفظها من الغرق في هذه الأمواج التي كالجبال.
سورة القمر [٥٤: ١٤]
﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾:
﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾: بمرأى منا أو تجري برعايتنا وحفظنا وحراستنا، وهذه هي المعجزة الحقة، وليست المواد المصنوعة منها سواء كانت من خشب أو من حديد، وسواء كانت هناك آلات تحركها وتديرها أم لا.
﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾: ثواباً أو فعلنا ذلك جزاءً لنوح ﵇. لمن:
стр. 5183
اللام للتوكيد. من: اسم موصول بمعنى الذي، كفر: وهو نوح ﵇ وجاء بصيغة المبني للمجهول.
كُفِرَ: جُحِدَ به، وكأن نوحاً أرسل إليهم كنعمة فكفروا بها أو لنوح الذي كفره قومُه ولم يؤمنوا له.
سورة القمر [٥٤: ١٥]
﴿وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو عاطفة، اللام للتوكيد، قد: للتحقيق.
﴿تَّرَكْنَاهَا﴾: أي: السّفينة ذات الألواح والدّسر أبقيناها.
﴿آيَةً﴾: علامة ودليلاً أو عبرة وعظة للأجيال القادمة على كمال قدرة الله وعظمته وعنايته برسله وبالمؤمنين. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (١٥) لبيان معنى آية للعالمين.
﴿فَهَلْ﴾: الفاء للتوكيد، هل: استفهام يفيد الأمر، أي: احفظوه عن ظهر قلب.
﴿مِنْ﴾: استغراقية.
﴿مُّدَّكِرٍ﴾: متعظ أو معتبر أصلها مُذتكر: حدث فيها إبدلان الأول: إبدال التاء دالاً، والثاني: إبدال الذال دالاً، ثم أدغمت الدالان فأصبحت مدّكر، من الذّكر. ومدكر: اسم فاعل من الفعل الخماسي ادّكر. مدكر: متذكر بعد النّسيان للآيات. وجملة (من مدّكر) هي جواب شرط مقدر، أيْ: إذا كان القرآن ميسراً فهل من مدّكر.
стр. 5184
سورة القمر [٥٤: ١٦]
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾:
﴿فَكَيْفَ﴾: الفاء للتوكيد، كيف: للاستفهام الذي يحمل معنى التّهويل والتّعجب.
﴿كَانَ عَذَابِى﴾: بالطّوفان والغرق.
﴿وَنُذُرِ﴾: مصدر الفعل أنذر أو جمع نذير على لسان نوح المرات العديدة بمعنى أليس هذا ما يستحقونه.
سورة القمر [٥٤: ١٧]
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: ارجع إلى الآية (١٥).
﴿يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾: سهلنا القرآن للحفظ والقراءة، أو يسرنا تلاوتَه ومعناه وتدبرَه، للذكر اللام لام الاختصاص.
﴿فَهَلْ﴾: استفهام فيه معنى الحثِّ والحضِّ على حفظ القرآن وتلاوته وتدبر معانيه.
﴿مِنْ﴾: استغراقية.
﴿مُّدَّكِرٍ﴾: ذاكر يذكره أو قارئ يقرؤه أو يرتِّله. ارجع إلى الآية (١٥) لبيان كيف اشتقت مدكر.
سورة القمر [٥٤: ١٨]
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾:
﴿كَذَّبَتْ﴾: من قبلهم عاد، أيْ: قوم عاد كذبوا نبيَّهم هوداً ﵇، ولم يؤمنوا بالله ووحدانيَّته وبما دعاهم إليه هود.
стр. 5185
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾: فكيف الفاء للتوكيد، فكيف للاستفهام الذي يحمل معنى التّهويل والتّعجب والتّعظيم.
كان عذابي لهم: وصف هذا العذاب في الآية التّالية آية (١٩) هو الريح الصّرصر العاتية.
نذر: مصدر أنذر ونذر جمع على لسان هود أنذرهم المرات العديدة، وإذا نظرنا في الآية (٢١) في نفس السورة نجد مرة ثانية يقول تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ فالأولى: قد تعني قبل أن يجعلهم كأنهم أعجاز منقعر (قبل وقوع العذاب)، والآية (٢١) بعد وقوع العذاب، وقيل: الأولى لتحذيرهم وما أصابهم، والآية (٢١) لتحذير غيرهم والاتعاظ بما أصاب قوم عاد، وقد تكون للتهويل، والتوريع، والترهيب أيضاً، وكذلك زمن تقديم العذاب على النذر.
سورة القمر [٥٤: ١٩]
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم عظمة ما أرسل إليهم.
﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾: أي: الرّيح الصّرصر العاتية، أيْ: على قوم عاد.
﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾: ريح في القرآن تحمل معنى العذاب والشّر بشكل عام إلا مع سليمان ﵇؛ فقد سخرها الله تعالى له ليتصرف بها كيف يشاء في الخير أو الشر بعكس الرّياح تحمل معنى الخير والمنفعة، وهذه من خصوصيات القرآن.
ريحاً صرصراً: ريح شديدة البرودة المهلكة، ولها صوت الصّرير من الصّر وهو شدة البرد الذي يصر الجلد، أيْ: يُقبض أوعية الجلد الدّموية الدقيقة؛ مما يؤدِّي إلى نقص تروية الجلد والآلام الشّديدة، وبالتّالي موت الجلد وبتر الأصابع
стр. 5186
والأطراف أو هبوط درجة حرارة الجسم؛ مما يؤدِّي إلى الإضرار بالقلب، ثم توقُّفه.
﴿فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾: في يوم: وفي سورة الحاقة، قال تعالى: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]؛ لأن العرب تعبر باليوم عن الأيام؛ أي: في يوم شؤم مستمر دام شؤمه سبع ليال وثمانية أيام حسوماً يوم استمر عليهم ودام حتى أهلكهم وقضى عليهم. ارجع إلى سورة الحاقة آية (٧) للبيان.
سورة القمر [٥٤: ٢٠]
﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾:
﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾: أيْ: تقلع النّاس فيسقطون على الأرض، كما تنقلع النّخلة من جذورها من شدة الريح الصرصر، وقيل: تنزع النّاس من البيوت أو الخيام أو من أماكنهم.
يقال: قعر النّخلة: قلعها من أصولها، أيْ: جذورها فتسقط على الأرض.
﴿أَعْجَازُ﴾: جمع عجز اسم المؤخر كل شيء وعجز النّخل أصولها، أي: من الجذر.
﴿مُّنقَعِرٍ﴾: منقطع من جذوره أو مغارسه.
فقد كانت الرّيح الصّرصر الشّديدة الهبوب ترفعهم عن الأرض وتهوي به أمواتاً، وكانوا طوال القامة فكانوا حين يسقطون على الأرض كانت جثثهم بعد هلاكهم تشبه سقوط إعجاز النّخل المنقعر، أي: المقطوع بسبب الرّيح الصّرصر التي كانت تؤدِّي إلى سقوط إعجاز النّخل على الأرض بسبب برودتها وقطع التّغذية عنها كما كان النّاس الذين يسقطون على الأرض في نفس الزّمن فترى النّاس والنّخل كلاهما ساقط على الأرض.
стр. 5187
لنقارن هذه الآية (٢٠) من سورة القمر، وهي قوله تعالى: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ والآية (٧) من سورة الحاقة، وهي قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾: شبه قوم عاد في سورة القمر بالنّخل المنقعر، وفي سورة الحاقة بالنّخل الخاوية، أي: الفارغة من داخلها، ولنعلم أن كل منقعر خاوي، والخاوي: أعم يشمل المنقعر وغير المنقعر، وكلاهما يؤدي إلى موت وسقوط النخلة. ارجع إلى سورة الحاقة لمزيد من البيان.
سورة القمر [٥٤: ٢١]
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾:
﴿فَكَيْفَ﴾: استفهام فيه معنى التّهويل والتّعظيم.
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى﴾: بالرّيح الصّرصر العاتية.
﴿وَنُذُرِ﴾: مصدر، أو جمع نذير، أو جمع إنذار؛ أي: النذر العديدة على لسان هود حين قال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ [هود: ٥٠].
﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢].
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٦].
﴿إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥]. ارجع إلى الآية (١٨) في نفس السورة للبيان ومقارنة الآيتين.
سورة القمر [٥٤: ٢٢]
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾:
ارجع إلى الآية (١٧) في نفس السورة. وتكرار هذه الآية ٤ مرات للتوكيد، والحث، والحض على حفظ القرآن، وتدبره، والعمل به، والاتعاظ.
стр. 5188
سورة القمر [٥٤: ٢٣]
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾:
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾: قبيلة ثمود قوم صالح ﵇ بالنّذر وهم الذين سكنوا الحجر، وأرسل الله إليهم رسوله صالحاً ﵇ فدعاهم إلى التّوحيد فكذبوه، وقالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين.
﴿بِالنُّذُرِ﴾: أي: الرّسل جمع نذير أو جمع أنذار واحدهم منذر والباء للإلصاق والملازمة، كذبوا بالرّسل، أيْ: برسولهم صالح، وجاءت بصيغة الجمع؛ لأنّ من يكذب رسولاً إنما يكذب كل الرّسل أو النّذر؛ لأنّ الكل يحملون نفس الرّسالة: لا إله إلا لله، أو النذر هي واحدة.
سورة القمر [٥٤: ٢٤]
﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِى ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾:
﴿فَقَالُوا﴾: الفاء للتوكيد، قالوا: أيْ: قوم ثمود قال بعضهم لبعض:
﴿أَبَشَرًا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّعجب.
﴿مِنَّا﴾: من جنسنا من بيئتنا ليس بأشرفنا وأفضلنا هم يريدون من جنس الملائكة.
﴿وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾: أيْ: نحن جمع أو عدد كبير من النّاس وهو واحد، فليس من المعقول أن يتبعه الكل فإذا فعلنا ذلك إنا لفي ضلال وسعر.
﴿وَاحِدًا﴾: تفيد التوكيد.
﴿لَّفِى ضَلَالٍ﴾: اللام للتوكيد، أيْ: ظرفية. ضلال: أيْ: في خطأ وبُعد عن الصّواب أو أشقياء، أو نكون منغمسين في الضلال أو سيحيط الضلال بنا من كل جانب، أو ستقع في الضلال.
стр. 5189
﴿وَسُعُرٍ﴾: جنون، ومنه ناقة مسعورة أو مجنونة تسير بسرعة من دون أن تستجيب لصاحبها.
سورة القمر [٥٤: ٢٥]
﴿أَءُلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾:
﴿أَءُلْقِىَ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّعجب.
﴿الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾: الذّكر: الوحي أو الرّسالة، من استغراقية، بيننا: أيْ: وفينا من أحق منه للاختيار، أو كيف خُص بالذّكر بالوحي أو النّبوة وفينا من هو أفضل منه وأحق أن يُختار، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٨) في سورة ص، وهي قوله تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾؛ ارجع إلى سورة ص الآية (٨) لمعرفة الفروق بين الآيتين.
﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾: بل للإضراب الإنكاري.
﴿كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾: كذاب: صفة مبالغة من كاذب كثير الكذب كأن حرفته الكذب، أو دائماً يكذب، أشر: صفة أيْ: بطر متكبر والأشر: أشد من البطر فهو إنسان يسيء التصرف بالنعمة بالتبذير والكبر والعجب بنفسه والزهو، ويبالغ في ذلك.
سورة القمر [٥٤: ٢٦]
﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾:
﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾: السّين للاستقبال القريب، غداً: لا يعني غداً بالضّرورة إنما للتقريب، غداً: عند نزول العذاب بهم في الدّنيا، أو يمكن أن يكون يوم القيامة أو كلاهما.
﴿مَنِ﴾: استفهامية.
﴿الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾: أيْ: سيعلمون أنهم هم الكاذبون الأشرون.
стр. 5190
الأشر: ارجع إلى الآية السابقة (٢٥).
سورة القمر [٥٤: ٢٧]
﴿إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم من شأن النّاقة.
﴿مُرْسِلُوا النَّاقَةِ﴾: مخرجو النّاقة لهم كما طلبوا.
﴿فِتْنَةً لَّهُمْ﴾: ابتلاء وامتحاناً لهم على كفرهم أو إيمانهم، لهم: اللام لام الاختصاص لهم خاصة وليس لغيرهم، ولمعرفة معنى الفتنة ارجع إلى سورة العنكبوت آية (٢).
﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾: المخاطب النّبي صالح واتباعه، والفاء عاطفة لربط المسبب بالسّبب (فاء السببية)، ارتقبهم: التّرقب الانتظار والمراقبة عن كثب حتى لا يفوته شيء.
﴿وَاصْطَبِرْ﴾: ولم يقل: اصبر، اصطبر، أيْ: داوم واستمر على الصّبر وليس مجرَّد صبر عادي.
стр. 5191
سورة القمر [٥٤: ٢٨]
﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾:
﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾: الخطاب إلى صالح ﵇، نبئهم نبئ قومك بخبر مهمٍّ أو أمر مهمٍّ هو ﴿أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾: أن: للتعليل والتّوكيد، قسمة بينهم: أيْ: مقسوم بينهم وبين النّاقة، انتبه إلى قوله بينهم مع أن النّاقة غير عاقلة، ولكن الله سبحانه أدخلها في العقلاء، فقال: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]، لها شرب يوم ولهم شرب يوم لا يشاركونها في الشّرب في يومها ولا تشاركهم في الشّرب في يومهم.
﴿كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾: كل: التوكيد، شرب: يعني الكمية من الماء أو النّصيب من الماء، محتضر: يحضره من كان يومه أو دوره فكأن النّاقة من عظمة الله وقدرته موحى إليها أن لا تشاركهم في يومهم.
ومُحتضر: اسم مفعول من الفعل الخماسي احتضر، أيْ: مُحضَّر ومهيَّأ.
سورة القمر [٥٤: ٢٩]
﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾:
﴿فَنَادَوْا﴾: الفاء عاطفة للتوكيد، نادوا: صاحبهم، أيْ: نادى قوم ثمود صاحبهم، قيل: هو قدار بن سالف يحثونه على عقر النّاقة.
﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾: تعاطى قيل: تعاطى معهم بالكلام على قتل الناقة، وقيل: انقاد لما طلبوا منه. ارجع إلى سورة الشعراء آية (١٥٥) لمزيد من البيان.
стр. 5192
فتعاطى: من عطا يعطو، أيْ: تناول السيف، فكأنهم كانوا متردِّدين في عقر الناقة، فكل واحد يريد إعطاء غيره آلة العقر (السيف) حتى أخذه قدار بن سالف.
فعقر النّاقة: الفاء للمباشرة والتّعقيب، والعقر: هو الذّبح أو الجرح أو قطع عضو من أعضاء النّاقة؛ مما أدَّى إلى أن تنزف حتى الموت.
سورة القمر [٥٤: ٣٠]
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾:
﴿فَكَيْفَ﴾: للاستفهام والتّهويل والتّعظيم.
﴿كَانَ عَذَابِى﴾: بالصّيحة الواحدة كانوا كهشيم المحتظر.
﴿وَنُذُرِ﴾: مصدر إنذار أو جمع نذير أو جمع إنذار على لسان صالح حين قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِى دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥].
سورة القمر [٥٤: ٣١]
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم ولتعظيم ما أرسله سبحانه عليهم.
﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾: على ثمود قوم صالح.
﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾: الصّيحة عذاب من السماء، واحدة للتوكيد. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٧٨) لمزيد من البيان في معنى الصيحة.
﴿فَكَانُوا﴾: أيْ: ثمود، الفاء للسببية.
﴿كَهَشِيمِ﴾: الكاف للتشبيه، هشيم المحتظر: هو النبات وورق الشّجر اليابس والعشب والحشيش الذي جف ويبس وتحطم وتكسر، المتهشم: أي:
стр. 5193
المتكسر المستعمل لطعام الحيوانات أو تدوس عليه الحيوانات، المحتظر: بكسر الظّاء، أي: الذي أُحضر للحظيرة لتأكله الماشية.
أو تقرأ المحتظَر: بفتح الظّاء، أي: الذي في الحظيرة، وسواء أُحضر أو كان في أرض الحظيرة من السابق.
فكانوا كهشيم المحتظر: أيْ: شبه جثث قوم ثمود بعد أن أخذتهم الصّيحة بالحشيش اليابس المتكسر الذي جمعه صاحبه في الحظيرة لماشيته.
سورة القمر [٥٤: ٣٢]
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
﴿يَسَّرْنَا﴾: سهلنا وأعنّا وهيأنا.
﴿الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾: للحفظ والتّلاوة (القراءة) وللتذكر والاتعاظ والتّدبر والتّعلم.
﴿فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾: فهل استفهام فيه معنى الحثِّ والحضِّ على حفظ القرآن وتلاوته وتدبره، من: استغراقية، مدكر: ذاكر يذكره أو حافظ يحفظه أو قارئ يقرؤه.
ارجع إلى الآية (١٧) من نفس السورة لمزيد من البيان.
سورة القمر [٥٤: ٣٣]
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾:
كذبت قوم لوط بالنذر حين دعاهم لوط ﵇ إلى عبادة الله وحده والكف عن الفاحشة، وهي إتيان الذّكران من العالمين، والكف عن الفساد وإتيان
стр. 5194
المنكر في ناديهم، كذبوا بكل إنذار كذبت، ولم يقل: كذب قوم لوط: كذبت: تدل على كثرة التكذيب. ارجع إلى الآية (٢٣) من نفس السورة لمزيد من البيان.
سورة القمر [٥٤: ٣٤]
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم.
﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾: عليهم حجارة من سجيل منضود هذا كان جزءاً من العذاب. ارجع إلى سورة الحجر آية (٧٤) لمزيد من البيان.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿آلَ لُوطٍ﴾: أيْ: ذريته، ابنتاه.
﴿نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾: قيل: الجزء الأخير من الليل قبيل طلوع الفجر. (بقطع من الليل)، بسحر: الباء ظرفية زمانية، أيْ: وقت السّحر.
﴿نَّجَّيْنَاهُم﴾: ولم يقل: أنجيناهم: نجيناهم يدل على نجاتهم استغرق زمن طويل وببطء؛ أي: من قوموط، أما أنجيناهم فيدل على السّرعة.
سورة القمر [٥٤: ٣٥]
﴿نِّعْمَةً مِّنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ شَكَرَ﴾:
﴿نِّعْمَةً﴾: أيْ: نجاتهم كان نعمة من الله تعالى.
﴿مِّنْ عِنْدِنَا﴾: أيْ: نعمة خاصة به (بلوط)، من عندنا: ولم يقل: منا التي تدل على نعمة عامة للكافر والمؤمن، من عندنا: تخص المؤمنين (لوط وابنتيه).
﴿كَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ شَكَرَ﴾: أيْ: مثل ذلك الجزاء بالنّجاة، كما أنجينا لوط وذريته ننجي كل مؤمن شاكر لله مطيع لأوامره ومتجنب لنواهيه، ومن شكر نعمة
стр. 5195
الأزواج كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢]، شكر نعمة السكن إلى الأزواج، والمودة، والرحمة.
من: استغراقية، شكر: نعمة ربه والشّكر يكون بالإيمان به باللسان والعمل الصّالح وطاعته وعدم جحد نِعمه التي لا تعد ولا تحصى، ومنها نعمة (ما خلق لنا ربنا من أزواجنا)، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٤) في نفس السورة، نجد الآية (١٤) جاءت في سياق نوح الذي كفر به قومه فأنجاه الله على ذات ألواح ودسر، والآية (٣٥) جاءت في سياق لوط الذي أنجاه الله وأهله من الحاصب؛ أي: المطر من سجيل منضود.
سورة القمر [٥٤: ٣٦]
﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
﴿أَنْذَرَهُمْ﴾: انظر كيف قدم ذكر نجاة لوط أولاً ثم عاد ليذكر كيف أنذرهم، وما فعلوه بعد الإنذار، وكيف أخذهم أخذ عزيز مقتدر كما أخذ آل فرعون؛ أيْ: نبيهم لوط، أنذر قومه والإنذار هو الإبلاغ مع التّحذير والتّخويف بطشتنا إضافة نون الجمع، نون العظمة للدلالة على شدتها وهولها. بطشتنا، أيْ: أنذرهم بأخذهم بالعذاب والهلاك بقوة وشدة.
﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾: الفاء على التّرتيب والتّعقيب، تماروا: جادلوا بالباطل بعد أن بيَّن لهم لوط الحق والصّواب، وكذبوا بالنّذر وشكوا بوقوعها. فتماروا: من المراء وهو الجدال بعد تبيُّن الحق وظهوره.
стр. 5196
سورة القمر [٥٤: ٣٧]
﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِى وَنُذُرِ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: كما في الآية السّابقة وتفيد التوكيد.
﴿رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾: المراودة المطالبة بالرّفق واللين، وأن لا يفضحهم، والمراودة تفضي إلى رفض الطّلب أو الاستجابة له، أيْ: طلبوا من لوط أن لا يمنعهم عن ضيفه، وضيفه: الضيف قد تأتي في سياق المفرد، والمثنى، والجمع، وهنا تعني: الجمع؛ أيْ: يمكنهم من ضيفه ليفعلوا الفاحشة بهم. ورفض لوط ﵇، وقال لهم: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨].
﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾: أذهبنا نور أبصارهم فلم يروا الرّسل، أيْ: أعميناهم عمًى مؤقتاً مع بقاء العين في مكانها، وأما الطّمس على الأعين كما ورد في سورة ياسين آية (٦٦) فيختلف عن الطّمس في آية القمر، فالطمس في سورة ياسين يعني: العمى مع المسح على العين، فلا يُرى لها مكان أو أثر مع الذّهاب بالعين كاملاً والجفن والحاجب، فلا أثر لوجود العين.
﴿فَذُوقُوا عَذَابِى وَنُذُرِ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، ذوقوا عذابي ونذري الواقع وقت الشّروق وما أنذرتكم به.
سورة القمر [٥٤: ٣٨]
﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: ارجع إلى الآية (٣٦).
﴿صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً﴾: جاءهم العذاب في الصّباح وتحديداً ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣]، بكرة: هنا للتوكيد والبكرة أو النّهار.
﴿عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ﴾: أيْ: عذاب دائم لم يفارقهم أو ينفك عنهم حتى قضى
стр. 5197
عليهم جميعاً، وقيل: عذاب يستمر ويدوم من ذلك الصّباح إلى أن يقذف بهم في جهنم، وبعدها خالدين فيه أبداً.
سورة القمر [٥٤: ٣٩]
﴿فَذُوقُوا عَذَابِى وَنُذُرِ﴾:
توكيد لشدة ما حل بقوم لوط، أيْ: لا حسرة ولا أسف عليهم، وفي هذا إنذار لكفار مكة.
سورة القمر [٥٤: ٤٠]
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾:
ارجع إلى الآية (٣٢) السّابقة للبيان.
سورة القمر [٥٤: ٤١]
﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: ارجع إلى الآية (٣٦) للبيان.
﴿النُّذُرُ﴾: موسى وهارون والآيات التّسع ومنها العصا واليد والطّوفان والجراد والقمل والسّنين. ارجع إلى الآية (٢٣) للبيان.
سورة القمر [٥٤: ٤٢]
﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾:
﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: التّسع.
﴿كُلِّهَا﴾: توكيد بالتّكذيب.
﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾: الفاء: تدخل على التعقيب والمباشرة، أخذناهم: الأخذ يدل على الانتقام بشدة وقوة؛ أيْ: عقبناهم أو انتقمنا منهم بإغراقهم في اليم عن بكرة أبيهم بما فيهم فرعون الطّاغية وجنوده.
﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾: أخذ العزيز، أي: الذي لا يُقهر لا يُغلب، مقتدر: لا
стр. 5198
يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء وهو على كل شيء قدير، مقتدر صيغة مبالغة من القدرة والسيطرة كثير القدرة والقدرة صفة ثابتة له.
سورة القمر [٥٤: ٤٣]
﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِى الزُّبُرِ﴾:
﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري يقصد به النّفي.
﴿خَيْرٌ مِّنْ أُولَئِكُمْ﴾: أيْ: ما كفاركم يا أهل مكة خير أو أفضل من كفار من تقدَّمكم من الأمم السّابقة مثل قوم نوح أو عاد أو ثمود، وغيرهم الذين أهلكوا بسبب تكذيبهم برسلهم، فأنتم ليس أقل منهم كفراً وعناداً حتى يكون ذلك سبباً لشعوركم بالأمن من نزول العذاب بكم كما نزل بمن سبقكم من الأمم.
﴿أَمْ لَكُمْ﴾: أم للإضراب الانتقالي والهمزة همزة استفهام إنكاري.
﴿بَرَاءَةٌ فِى الزُّبُرِ﴾: في الكتب السّماوية المتقدِّمة أنه من كفر وكذب بالرّسل من أهل قريش كان آمناً من عذاب الله.
ارجع إلى سورة النساء آية (١٦٣) لمزيد من البيان في معنى الزبر.
سورة القمر [٥٤: ٤٤]
﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾:
﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري وأم للإضراب الانتقالي.
﴿يَقُولُونَ﴾: أيْ: كفار مكة وجاء بصيغة المضارع لتدل على التّجدُّد والتّكرار.
﴿نَحْنُ﴾: للتوكيد.
﴿جَمِيعٌ﴾: للتوكيد.
стр. 5199
﴿مُّنتَصِرٌ﴾: نحن جمع منتصر على محمّد وأصحابه، أيْ: لا نُغلب ولا نُقهر.
منتصر: اسم فاعل من فعل انتصر الخماسي على وزن مفتعل.
سورة القمر [٥٤: ٤٥]
فرد الله عليهم بقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾:
﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾: السّين للاستقبال القريب، وكان ذلك بعد عدة سنوات (٣ - ٤) بعد نزول هذه الآية في غزوة بدر الكبرى، فهذه الآية نزلت في مكة قبل الهجرة، وقبل فرض الجهاد تخبر بما سيحدث في بدر، وهي دليل على صدق القرآن، وأنه منزل من رب العالمين وصدق رسالة محمّد ﷺ ، فقد قتل أكثر من (٧٠) من صناديد كفار قريش وأسر (٧٠).
﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: وولى هارباً من بقي حياً من هؤلاء الكفار.
ويولون الدبر: ولم يقل: ويولون الأدبار؛ كما جاء في سورة الأنفال آية (١٥) ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾: يولون الدّبر بدلاً من الأدبار، أيْ: وحَّد الأدبار؛ لأنّ الله جعل هزيمتهم كهزيمة رجل واحد لتهويل هزيمتهم والاستخفاف بهم. ويولون الدبر أسوأ وأبشع من تولوهم الأدبار؛ لأنّ لكل واحد منهم مقاومة واعتبار وشأن.
سورة القمر [٥٤: ٤٦]
﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾:
﴿بَلِ﴾: للإضراب الانتقالي.
﴿السَّاعَةُ﴾: أيْ: يوم تهدم النظام الكوني ويختلف عن يوم القيامة: يوم
стр. 5200
القيامة: يوم البعث وقيام الناس من قبورهم للحساب والجزاء. ارجع إلى الآية (١) من نفس السورة.
﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾: والساعة: الواو الحالية للتوكيد. أدهى: من الدّاهية من الفعل دهى، وأدهى اسم تفضيل على وزن أفعل. وهي الأمر الفظيع الذي لا يصدقه عقل، وأَمَر: أشد مرارة وألماً من عذاب الدّنيا، وأصعب على النّفس من القتل والأسر في الدّنيا، تكرار لفظ السّاعة للتوكيد والإنذار والتّخويف. وأمر: اسم تفصيل من مرَّ.
سورة القمر [٥٤: ٤٧]
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾:
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾: إن للتوكيد، المجرمين: المشركين الكافرين وأصحاب الكبائر. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) لمزيد من البيان في معنى المجرمين.
﴿فِى ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾: في ضلال: في ضياع وبعد عن الحق في الدنيا، ويوم القيامة في هلاك، وسعر: نيران متأجِّجة مستعرة بهم.
سورة القمر [٥٤: ٤٨]
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾:
﴿يَوْمَ﴾: القيامة، والتنكير للتهويل والتعظيم.
﴿يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾: أيْ: يُجَرُّون في النّار على وجوههم.
﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾: سقر قيل: اسم علم من أسماء النّار أو دركة من دركاتها السبع، المس: أخف اللمس أو مجرد المس الخفيف، ذوقوا حرها وعذابها،
стр. 5201
وسُمِّيت بسقر؛ لأنّها تذيب الأجسام، مشتقة من سقرته الشمس: أيْ: أذابته. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) لمزيد من البيان.
سورة القمر [٥٤: ٤٩]
﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتفخيم والتّعظيم.
﴿كُلَّ﴾: بالنّصب، لم يقل: (كلُّ) بالرّفع، بالنصب تعني: كل شيء خلقه الله سبحانه بقدر مهما كان نوعه وشكله ولونه وحجمه ووزنه، أو أيُّ شيء، ولو قال: كلُّ شيء خلقناه بقدر؛ لدل ذلك على أنّ الله خلق الأشياء على قسمين قسم خلقه الله بقدر، وقسم خلقه بلا قدر.
انظر الآية (٥٢، ٥٣) القادمة للمقارنة، وهي قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ خلقناه بقدر: بقياس وحجم ووزن ومساحة وطول وعرض، ومحدد بحدود، وبقدر: أيْ: بقضاء وقدر من الله سبحانه، أي: مقدَّر محكم، وكما قال ابن عباس: كل شيء بقدر حتى وضع يدك على خدك.
стр. 5202
سورة القمر [٥٤: ٥٠]
﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما: النّافية.
﴿أَمْرُنَا﴾: إذا أردنا أيَّ أمر خلقه، مهما كان خلقه أو إحضاره أو تغييره أو تبديله أو فناؤه أو إحياؤه أو المجيء بالسّاعة وقيام القيامة. إلا كلمح البصر كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧].
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾: واحدة، أيْ: مرة واحد كلمح بالبصر، أيْ: إذا أراد الله سبحانه شيئاً أو قضى أمراً في الخلق قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾: كلمح البصر، أو مجيء الساعة وانهيار الكون.
سورة القمر [٥٤: ٥١]
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
﴿أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾: الأشياع: أعم من الأتباع، والأتباع: هم أنصار الرجل أو الرسول، والأتباع من كانوا معه فقط، ولا تضم المتأخرين الذين جاءوا بعده. الأشياع: كل من جاء بعد رسول الله ﷺ من غير الصحابة هم أشياعه: وهي عامة، واتباعه من كانوا معه مثل الصحابة، وقد تعني أشياعكم؛ أيْ: أمثالكم في الكفر من الأمم السّابقة أو من يشابهكم في التّكذيب والشّرك والمعاصي، وأشياع تضم المتقدِّمين والمتأخِّرين.
﴿فَهَلْ﴾: الفاء للتوكيد، هل: استفهام بمعنى الأمر أو الحضِّ والحثِّ، أي: اذكروا واتعظوا وآمنوا خيراً لكم.
стр. 5203
﴿مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾: من ابتدائية، مدكر: متذكر متعظ. ارجع إلى الآية (١٧) من نفس السورة.
انتبه: إلى الفرق بين أتباع الرّجل وأشياع الرّجل.
الأتباع: من كان معه في زمنه من أنصاره. الأشياع: هم الأتباع الذين جاؤوا بعد فترة من الزّمن، والأشياع أعم من الأتباع.
سورة القمر [٥٤: ٥٢]
﴿وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى الزُّبُرِ﴾:
﴿وَكُلُّ﴾: بالرفع مما يدل على أن كل أعمالهم مدونة في كتب الحفظة (أعمال العبد) يعلمها الكرام الكاتبين، وهناك أعمال أخرى لا يعلمها الحفظة (الملائكة) لكي يكتبوها، والله سبحانه يعلمها كأعمال القلوب وذوات الصدور.
بخلاف قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِى إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢].
كلَّ جاءت في سياق اللوح المحفوظ فكل شيء مدون في اللوح المحفوظ. أو قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾: فالنّصب هنا دال على عموم الخلق فليس هناك ثمة شيء لم يخلقه الله بقدر.
﴿الزُّبُرِ﴾: جمع زبور وهو كل كتاب ذي حكمة يزبر، أيْ: يزجر عن الباطل، ويدعو إلى الحق، والزّبر قد تعني: الكتب السّماوية. ارجع إلى سورة النساء آية (١٦٣) لمزيد من البيان ..
سورة القمر [٥٤: ٥٣]
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾:
﴿وَكُلُّ﴾: ارجع إلى الآية السابقة (٥٢)، وجاءت بالضم؛ لأن هناك أعمال أو نوايا لا تعلمها الملائكة الكرام الكاتبين، ولكن الله يعلمها ويحصيها لهم ليوم القيامة.
﴿صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾: من الأعمال (الأقوال والأفعال).
﴿مُّسْتَطَرٌ﴾: مكتوب مستطر: اسم مفعول من استطر؛ أيْ: تكتبه الملائكة الموكلين بالعبد؛ أيْ: الكرام الكاتبين، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧].
стр. 5204
سورة القمر [٥٤: ٥٤]
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾: إن للتوكيد.
﴿فِى جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾: جمع الجنات وحدّ النّهر، بينما في الآيات الأخرى في جنات تجري من تحتها الأنهار. فلماذا جمع الجنات وأفرد النهر؛ لأن:
﴿وَنَهَرٍ﴾: اسم جنس يعني: النّهر الواحد أو الاثنين أو الثّلاثة أو أكثر. وفسر ابن عباس ونهر: قد تكون مشتقة من النهار: أي: الضياء، أي: هم في جنات ونور، وقد تعني السعة: سعة المنازل، والرزق، والعيش، وقد تعني: كل ذلك؛ فهذه الكلمة نهر: قد جمعت كل تلك المعاني.
سورة القمر [٥٤: ٥٥]
﴿فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾:
﴿فِى﴾: ظرفية مكانية.
﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: في مكان مرضيٍّ حقٍّ ثابت لا يزول ولا يتغيَّر، ويعني الخير: وهو الجنة؛ فهي المقام الوحيد الصدق الذي لا يزول.
﴿عِنْدَ﴾: العندية هنا لا مثيل لها، عندية القربى والزّلفى والدّرجة الرّفيعة.
﴿مَلِيكٍ﴾: أيْ: الملك العظيم الحاكم؛ بل هو: أعظم الملوك ذو الملك الواسع الذي له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وليس ملك، مليك أبلغ من ملك على وزن فعيل، وتدل على الثّبوت عند مليك عظيم القدرة .
﴿مُّقْتَدِرٍ﴾: القدرة: البالغة التي لا يحدها والتي لا نهاية لها، تفيد المبالغة في القدرة لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء عظيم القدرة والعطاء والجزاء والكرم شديد القدرة، ومقتدر أبلغ من قدير.
стр. 5205
سورة الرحمن [٥٥: ١]
سورة الرحمن
ترتيبها في القرآن (٥٥) وترتيبها في النزول (٩٧).
﴿الرَّحْمَنُ﴾:
انتهت سورة القمر بقوله: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ هو الرّحمن أو مليك مقتدر، الرّحمن، وابتدأت هذه السورة باسم من أسماء الله الحسنى (الرحمن)، وختمت باسم آخر من أسمائه الحسنى (ذي الجلال والإكرام).
من أسماء الله الحسنى المشتقة من الرّحمة صيغة مبالغة على وزن فعلان كثير الرّحمة لا أرحم منه لخلقه، ويدل على التّجدد والتّكرار أي رحمته تعالى في تجدد وتكرار واستمرار وقد قيل أنّه رحمان الدّنيا رحمته تشمل المؤمن والكافر.
وأمّا الرّحيم فهو خاص بالمؤمنين. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (١) لمزيد من البيان.
سورة الرحمن [٥٥: ٢]
﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾:
يستهل الله سبحانه سورة الرحمن بذكر أعظم النعم الإلهية على عبده وأجلها على الإطلاق نعمة تعلم القرآن.
﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾: أيْ: علم تلاوته ومعانيه وحفظه وتدبره، وتم ذلك عن طريق جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ ، ثم بالتواتر عن رسول الله ﷺ إلى الصحابة، ثم الصحابة إلى التابعين، وهكذا حتى وصل إلينا.
فبدأ باسم الرّحمن المشتق من الرّحمة، ومن أجلّ وأعظم مظاهر رحمته
стр. 5206
تعالى أنّه علَّم عباده القرآن، ويسره عليهم، فقد قال في أربع آيات في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]؛ ليؤكد على هذا الأمر العظيم.
سورة الرحمن [٥٥: ٣]
﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾:
لطاعته ولعبادته، فقد قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وعبادته سبحانه لا تتم إلا بتعلم القرآن، فكيف نصلي من دون القرآن، وقدَّم علم القرآن على خلق الإنسان؛ لأنّ القرآن العظيم أسبق في الوجود من خلق الإنسان، وكأنّ إحدى العلل لخلق الإنسان هي تعلم القرآن.
وكلمة الإنسان مشتقة من الإنس خلاف النّفور، أيْ: يأنس بغيره أو مشتقة من الإيناس؛ أي: كونه يُرى وظاهر، وليس كالجن مختفياً عن الأبصار.
الإنسان: اسم جنس.
سورة الرحمن [٥٥: ٤]
﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾:
﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾: هاء الضمير تعود على الرحمن، فالرحمن علم آدم الأسماء كلها، فهو أول الأنبياء وعلم الرسل والأنبياء عن طريق الوحي، ثم تعلم جيل عن جيل.
﴿الْبَيَانَ﴾: يعني: القدرة على التعبير عما يجول في النفس؛ أي: النّطق والكتابة والفهم والقول، والقدرة على التعلم والتعبير، والبيان في الحقيقة: إظهار المعنى للنفس كائناً ما كان؛ فهو في الحقيقة من قبيل القول. (معجم الفروق اللغوية).
سورة الرحمن [٥٥: ٥]
﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾:
﴿بِحُسْبَانٍ﴾: الباء للإلصاق؛ بحسبان: (للاستعانة بها على حساب الزّمن)، حسبان: على وزن فعلان صيغة مبالغة في الحساب والدّقة للزمن، فهو ليس مجرد
стр. 5207
حساب، ولكنه حسبان لا يحتمل أدنى خطأ أو زلل نحسب اليوم والشّهر والسّنة والسّاعة والدّقيقة والثّانية، وأقل من ذلك.
الشّمس بحسبان قد تعني: بحساب دقيق معلوم كم تبعد بُعداً ثابتاً لا يتغيَّر عن الأرض، وعن غيرها من الكواكب وعن القمر، وكم سرعة دورانها وجاذبيتها ودورانها حول مركز المجرة، والقمر كذلك بحساب دقيق كم يبعد عن الأرض وعن الشّمس وغيره من الكواكب وسرعة دورانه حول نفسه وحول الأرض وحول الشّمس، فلو اقترب القمر قليلاً من الأرض لجذبته الأرض وارتطم بها، ولو ابتعد قليلاً عن الأرض لانعدم المد والجزر في البحار، ولجذبته كواكب أخرى.
الشمس بحسبان: أيْ: نحسب بها السّاعات، ونعرف بها وقت الفجر والظّهر والعصر والمغرب والعشاء، ونحسب بها اليوم والسّنة الشّمسية.
والقمر: نحسب به الشّهر والسّنة القمرية.
إذن لحساب الزمن، أي: الأيام والسّاعات والشّهور والسّنين نعتمد على نظامين.
النّظام الشّمسي والنّظام القمري. فدورة الأرض حول محورها تحدِّد اليوم ووقوع الشمس في أحد الأبراج الاثني عشر يحدِّد لنا الشهر الشمسي.
ودورة الأرض في مدارها حول الشمس تحدد السنة.
ودورة القمر حول الأرض يحدد الشهر القمري. ارجع إلى سورة الإسراء آية (١٢) للبيان المفصل في السنة الشمسية والسنة القمرية.
وثبات بعض الأجرام عن بعضها البعض بما فيها الشمس والقمر والأرض والنجوم وغيرها من أعظم دلالات قدرة الله وعظمته.
стр. 5208
سورة الرحمن [٥٥: ٦]
﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾:
﴿وَالنَّجْمُ﴾: النّبات الذي لا ساق له، وسُمِّي النّبات بالنّجم؛ لأنّه يظهر ويطلع من الأرض، أو ينجم من الأرض.
﴿وَالشَّجَرُ﴾: الذي له ساق.
﴿يَسْجُدَانِ﴾: لله تعالى ـ سجود لا يعلم كهنه إلا الله ـ كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ [النحل: ٤٩].
وقيل: السّجود هو الخضوع والسجود لا يكون إلا لله وحده.
والشمس والقمر آيتان في السماء والنجم والشجر آيتان في الأرض والكل يسجد ويسبح لخالقه ويخضع له.
يسجدان: بصيغة المضارع تدل على التّجدُّد والتّكرار.
سورة الرحمن [٥٥: ٧]
﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾:
﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾: بعمدٍ لا نراها وبناها بأيد (بقوة وتماسك) بالقوى الكهرومغناطيسية وقوى الجاذبية والنووية؛ مما يدل على عظمته وقدرته.
ارجع إلى سورة الرعد آية (٢) لمزيد من البيان ..
﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾: خلق الميزان، أيْ: أوجد الآلة التي نزن بها الأشياء ليتحقق العدل والقسط، وهذا من أكبر النعم حتى يقام القسط.
سورة الرحمن [٥٥: ٨]
﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِى الْمِيزَانِ﴾:
﴿أَلَّا﴾: أصلها (أن): التّعليلية و (لا): الناهية.
لكي لا تجوروا في الميزان بالتّطفيف في الكيل والوزن، كما قال تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٢ - ٣].
стр. 5209
﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِى الْمِيزَانِ﴾: أيْ: تأخذوا ما ليس لكم به حقٍّ. ارجع إلى سورة المطففين آية (١ - ٣).
سورة الرحمن [٥٥: ٩]
﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾:
﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾: القسط في اللغة: النّصيب والحصة، واصطلاحاً: العدل مع التّنفيذ، أيْ: زنوا بالقسطاس المستقيم والقسط، يعني: عدم الجور والظّلم حين البيع أو الشّراء، فإذا ابتعتم أو اشتريتم فلا تأخذوا أكثر من حقكم ونصيبكم، وإذا بعتم لا تخسروا الميزان؛ أيْ: تنقصوا الميزان، وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِى الْمِيزَانِ﴾، ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ للتأكيد على إيفاء الحقوق لأصحابها، وكذلك الحكم بالعدل كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، ثم بعد الحكم عليكم بتطبيق الحكم وليس مجرد الحكم.
والباء للإلصاق والإلزام، فقد يكون الإنسان عادلاً، وليس بالضرورة مقسطاً، وفي القرآن الكريم نجد أن الوزن يأتي مقروناً بالقسط، والقسطاس هو الميزان، كما قال تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٥].
سورة الرحمن [٥٥: ١٠]
﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾:
﴿وَالْأَرْضَ﴾: هذه الأرض التي تكونت منذ (٤، ٥٤ بليون سنة).
﴿وَضَعَهَا﴾: أعدها وهيأها؛ أي: ﴿دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠ - ٣٢]، وتم إعدادها الذي استغرق ملايين السنين لنراها اليوم كما هي، ونتمتع وننتفع بها فهي من أكبر النعم.
﴿لِلْأَنَامِ﴾: اللام: لام الاختصاص للخلق الجن والإنس، فالأنام يشمل الإنس والجن، وأما البشر تعني: الإنس (الإنسان).
стр. 5210
سورة الرحمن [٥٥: ١١]
﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾:
﴿فِيهَا﴾: أيْ: في الأرض ظرفية.
﴿فَاكِهَةٌ﴾: اسم جنس، وتشمل الفواكه والثمار فهو أعم من فواكه؛ أي: يشمل المفرد والمثنى والجمع، وأما فواكه فهي للجمع.
﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾: الأكمام جمع كم، أي: النّخل ذات الأوعية التي يكون فيها الثّمر، كم: أو الطّلع قبل أن يتفتق.
سورة الرحمن [٥٥: ١٢]
﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾:
﴿وَالْحَبُّ﴾: كل ما يقتات به من الحبوب مثل البر والشّعير والقمح والأرز والذّرة وسائر ما يتغذى به من الحب.
﴿ذُو الْعَصْفِ﴾: ذو التّبن والقشر سُمِّيَ عصفاً؛ لأن الرّياح تعصفه فيطير لخفته.
﴿وَالرَّيْحَانُ﴾: كل مشموم طيب الرّائحة من النّباتات والزّهور للتلذذ بطيب رائحته.
سورة الرحمن [٥٥: ١٣]
﴿فَبِأَىِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾:
﴿فَبِأَىِّ﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدَّر، أيْ: إذا كانت هذه كلها من نعم الله تعالى، فبأيِّ النّعم تكذِّبون، أيِّ: استفهام تقريري وجوابه هو: ويل يومئذ للمكذبين.
﴿آلَاءِ﴾: النّعم مفردها إلي.
﴿رَبِّكُمَا﴾: الخطاب موجَّه إلى الثّقلين الإنس والجن.
﴿تُكَذِّبَانِ﴾: تجحدان أو تكفران: الكفر لغة هو السّتر.
وقد كرَّر سبحانه هذه الآية (٣١) مرة في السّورة للتذكير بنعم الله والتوكيد
стр. 5211
عليها والتي لا تعد ولا تحصى، فكلما ذكر سبحانه نعمة أنعم بها على الثّقلين سألهم أن يشكروا الله تعالى عليها وأن لا يكذبوها ولا ينكرونها.
سورة الرحمن [٥٥: ١٤]
﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾:
لفهم هذه المرحلة من خلق آدم لا بُدَّ من ذكر المراحل التي مرَّ فيها خلق آدم ﵇.
فالمرحلة الأولى: من تراب.
والمرحلة الثانية: من طين: تراب+ ماء، ووصفه بأنّه طين لازب، أي يلتصق باليد.
المرحلة الثّالثة: مرحلة الحمأ المسنون، أيْ: ترك الطّين اللازب ليجفَّ ويصيبَه العفن نتيجة تفاعل البكتريا في التّراب، ثم يصبح الطّين مسوداً نتناً وتتغيَّر رائحته، المسنون: المتغيِّر بسبب مكثه فترة طويلة.
المرحلة الرابعة: الصلصال فالطين الذي جف وتعفن (نتن) واسودَّ بعد تركه زمناً طويلاً يصبح له صوت إذا نقر عليه يشبه صوت الصّلصال، أي: الفخار أو الخزف.
المرحلة الخامسة: مرحلة نفخ الروح. ارجع إلى سورة الحجر آية (٢٦) لمزيد من البيان.
سورة الرحمن [٥٥: ١٥]
﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَّارِجٍ مِنْ نَّارٍ﴾:
﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾: أيْ: إبليس أبا الجن من مارج.
﴿مَّارِجٍ﴾: لهب النّار الصّافي، أي: الخالي من الدخان، من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر، وقيل: المختلط بسواد النّار من مرج إذا اختلط واضطرب.
سورة الرحمن [٥٥: ١٦]
﴿فَبِأَىِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾:
ارجع إلى الآية (١٣) للبيان.
стр. 5212
سورة الرحمن [٥٥: ١٧]
﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾:
أولاً: إذا نظرنا في هذه الآية نجد أنّها تختلف عن الآيات الأخرى وهي قوله:
﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء: ٢٧].
﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠].
فقد تكرَّر ذكر (ربِّ) مرتين في هذه الآية، وصيغة المشرق والمغرب بالتثنية، وتكرار كلمة (ربِّ) تدل على أنّ هناك مشرقين ومغربين مختلفين في الزّمان والمكان.
عند خط الاستواء يصبح للأرض نهايتين أقصى اليمين وهو الشرق.
وأقصى اليسار وهو الغرب، فعندما تدور الأرض حول محورها يتبدلان ويصبح هناك مشرقان للأرض ومغربان.
وأما قوله تعالى: رب المشارق والمغارب، فيعني: لو تحركنا مع خطوط الطول والعرض لوجدنا ملايين المشارق والمغارب للشمس على الأرض.
وأما قوله تعالى: رب المشرق والمغرب، فالأرض لها شمال حقيقي واحد ودائم يحدِّده لنا ربنا بالقطب الشمالي، ورغم حركة الأرض أو الكون يبقى القطب الشمالي يشير إلى الشمال ومقابل الشمال الجنوب، وبمعرفة الشمال والجنوب نحدِّد الشرق والغرب الحقيقي.
стр. 5213
سورة الرحمن [٥٥: ١٨]
﴿فَبِأَىِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾:
ارجع إلى الآية (١٣) للبيان.
سورة الرحمن [٥٥: ١٩]
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾:
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾: من المروج وهو الاختلاط مرج خلط، ولم يحدد في هذه الآية: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ كما جاء في الفرقان آية (٥٣) يعني: أيَّ بحرين في العالم، لم يحدَّد مثل البحر الأحمر، والبحر المتوسط، أو البحر العذب مع البحر المالح الأجاج؛ أي: يوجد برزخ بين أي بحرين.
سورة الرحمن [٥٥: ٢٠]
﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾:
البرزخ: حاجز فاصل.
﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾: أيْ: كل منهما لا يطغى على الآخر، فرغم وجود المرج (الاختلاط) الذي يظهر للعيان (العين) فإنّ مائهما لا يختلطان حقيقة، فلكل منهما تركيبة من حيث الشّوارد المعدنية، ومن حيث الملوحة والكثافة وحيواناته الخاصة به وحرارته، فهناك برزخ، أيْ: حاجز فاصل مكاني حقيقي بينهما يمنعهما من الاختلاط، أو أن يطغى أحدهما على الآخر.
وتفسير ذلك أن الأملاح تتأين تتفكك إلى ذراتها الحاملة لشحنات موجبة وسالبة، وتقف هذه الشحنات على حواف كل ماء لتتنافر مع الشحنات المتشابهة في الماء المجاور، وتجعل هذا الحاجز مانعاً حقيقيّاً يحول دون اختلاط الماءين اختلاطاً كاملاً وتجعل البيئة بيئة حقيقية مغلقة على ما فيها من أنماط الحياة ووجد العلماء أن مياه البحار كما تتمايز أفقيّاً وتتمايز رأسيّاً، أيْ: إذا أخذنا عموداً من الماء نجد فيه ماء من بيئات مختلفة (استوائية، ومعتدلة، وباردة … ).
ووجد العلماء أن الماء في البحر الواحد له ألوان متعددة مختلفة متجاورة
стр. 5214
تمتد لمساحات كبيرة، فكل بحر له ألوان خاصة به. ويتجلى ذلك لكل من يركب الطائرة، وينظر إلى ملتقى البحرين من الأعلى ..
وقد دلت الأبحاث والتّجارب العلمية على هذه الحقيقة العلمية التي ذكرت في القرآن منذ أكثر من ١٤٠٠ عام؛ مما يدل على أنّ القرآن تنزيل من العزيز الحكيم.
سورة الرحمن [٥٥: ٢١]
﴿فَبِأَىِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾:
ارجع إلى الآية (١٣) للبيان.
سورة الرحمن [٥٥: ٢٢]
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾:
يخرج بالغوص والعثور على اللؤلؤ والمرجان.
وهي أحجار تسمَّى أحجار كريمة تستخدم للحُلي والزينة، ونصنع منها العقود والأساور والخواتم، فاللؤلؤ يتكون داخل حيوان المحار والمرجان يتكون من حيوان المرجان. وكلاهما من الحيوانات لافقارية، وكلاهما له ألوان مختلفة وكلاهما يشكل مصدراً للرزق.
﴿اللُّؤْلُؤُ﴾: الدّر يخرج من المياه العذبة. والمياه المالحة.
﴿وَالْمَرْجَانُ﴾: الخرز الأحمر. لا يخرج، أو لا يحيا إلا في الماء المالح فقط.
سورة الرحمن [٥٥: ٢٣]
﴿فَبِأَىِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾:
ارجع إلى الآية (١٣) للبيان.
سورة الرحمن [٥٥: ٢٤]
﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَئَاتُ فِى الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾:
﴿وَلَهُ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، له وحده.
стр. 5215
﴿الْجَوَارِ الْمُنشَئَاتُ﴾: الجوار: السّفن (الفلك)، المنشآت: الإنشاء هو الإحداث، أي: المصنوعات، ويطلق على الجوار الجريات أحياناً من حيث وصفها.
﴿فِى الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾: جمع علم وهو الجبل الطّويل، أيْ: شبّهَ السّفن التي تمخر البحار بالجبال الشّاهقة الطّويلة التي تحمل على ظهرها ما لا يتصوره عقل من البشر والمتاع والحاجات، وأحياناً الطّائرات والمدرعات والصّواريخ.
سورة الرحمن [٥٥: ٢٥]
﴿فَبِأَىِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾:
ارجع إلى الآية (١٣) للبيان.
سورة الرحمن [٥٥: ٢٦]
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾:
﴿كُلُّ﴾: للتوكيد.
﴿مَنْ﴾: استغراقية، وتشمل المذكر والمؤنث والمفرد والجمع، من إنس وجن وحيوان وسائر المخلوقات، ومن للعاقل وغلب العقلاء، والمراد الثّقلان الإنس والجن.
﴿عَلَيْهَا﴾: على الأرض.
﴿فَانٍ﴾: ميت أو هالك.
سورة الرحمن [٥٥: ٢٧]
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾:
﴿وَجْهُ﴾: يقصد به الذّات ذات الله سبحانه، ويطلق على هذا في بديع اللغة: المجاز المرسل، وهو إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أيْ: ذاته، ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢] أيْ: ذاته.
стр. 5216
(ذو) نعت للوجه مرفوع وعلامة رفعه الواو، فذو تعود على الوجه وبالتّالي على الذّات.
﴿الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾: الجلال: ذو العظمة من جل الشّيء، أيْ: عَظُمَ إشارة إلى صفات الكمال، ذو المجد والكبرياء، والإكرام: ذو الفضل التّام والإحسان والإنعام والجود والكرم على عباده، وقيل: الجلال صفة ذاته والإكرام صفة فعله.
سورة الرحمن [٥٥: ٢٨]
﴿فَبِأَىِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾:
ارجع إلى الآية (١٣) للبيان.
سورة الرحمن [٥٥: ٢٩]
﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾:
﴿يَسْئَلُهُ﴾: يدعوه ويطلب منه جميع خلقه ما يحتاجون إليه في كلّ شأن من شؤون حياتهم، وحال من أحوالهم.
﴿مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ﴾: من للعاقل واستغراقية، تعني: للجميع، في السّموات: أي: الملائكة يسألونه أن يغفر للذين آمنوا، ولمن في الأرض كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر: ٧ - ٩] ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِى الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥].
﴿الْأَرْضِ﴾ أي: الإنس والجن، يسألونه الرّزق والصّحة والعافية والأمن والمتاع والأولاد والأهل وكلّ شيء.
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾.
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾: كلّ: تفيد التّوكيد. واليوم: قد يعني يومنا (٢٤ ساعة)،
стр. 5217
أو اليوم في القرآن يعني: مقابل النهار، مع شأنه لا ينتهي ليلاً ولا نهاراً؛ فهو في شأن دائماً، وكل لحظة يبدأ فيها يوم تسمى آن؛ أي: كل آن في شأن.
الشّأن: لا يقال إلا فيما يعظم من الأحوال والأمور، فكلّ حال شأن وليس كلّ شأن حال، الشّأن أعم والحال أو الأمر الأخص.
أيْ: كلّ وقت ولحظة يحدث أموراً ويجدِّد أحوالاً حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكمة البالغة، فيغفر ذنوباً ويُفرج كروباً ويرفع أقواماً ويضع آخرين، يحيي ويميت، يعز ويذل يُغني ويفقر ويجيب داعياً، ويعطي سائلاً ويخلق ويرزق ويشفي ويُمرض ويعافي ويبتلي.
سورة الرحمن [٥٥: ٣٠]
﴿فَبِأَىِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾:
ارجع إلى الآية (١٣) للبيان.
سورة الرحمن [٥٥: ٣١]
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾:
﴿سَنَفْرُغُ﴾: السّين للاستقبال القريب، سنفرغ: الفراغ هنا هو القصد إلى الشّيء والإقبال عليه كمن تفرَّغ وتهيّأ واستعد للحساب والجزاء، ولم يشغله شاغل، أيْ: سنفرغ لحسابكم ومجازاتكم على أعمالكم عن القريب، أي: يوم القيامة، وفي هذا تهديد ووعيد للثقلين الجن والإنس.
سورة الرحمن [٥٥: ٣٢]
﴿فَبِأَىِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾:
ارجع إلى الآية (١٣) للبيان.
سورة الرحمن [٥٥: ٣٣]
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾:
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾: ياء النّداء للبعد، معشر الجن والإنس: أي: الثّقلين.
стр. 5218
﴿إِنِ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والشّك.
﴿اسْتَطَعْتُمْ أَنْ﴾: أن: حرف مصدري يفيد التّعليل.
﴿تَنْفُذُوا﴾: تخرقوا يقال: نفذ المسمار في الخشب، أي: خرق إلى الجهة الأخرى، أيْ: خرق الخشب وظهر من الجهة المقابلة.
﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: القطر هو الخط الواصل من أحد الأطراف إلى الطّرف المقابل مروراً بالمركز، أقطار السّموات: لنفرض فقط أننا نتحدث عن مجرَّتنا التي يطلق عليها مجرة التّبانة، فقطرها الأكبر يقدَّر بحوالي مئة ألف سنة ضوئية على أقل تقدير، ويقدَّر قطرها الأصغر بـ (١٠) آلاف سنة ضوئية على أقل تقدير، فإذا فرضنا أنّ الإنسان عنده مركبة فضائية بسرعة الضّوء ويركب فيها ليقطع أقصر قطر لمجرة التّبانة التي هي واحدة من مليارات المجرات. فهو يحتاج إلى مدة تصل (١٠) آلاف سنة من سنيننا، وهي تجري بسرعة الضوء.
وهذا مستحيل؛ لأنّ عمر الإنسان مهما طال (٨٠ - ١٠٠ سنة)، مثال: صعوده إلى القمر لم يتجاوز ثانية ضوئية واحدة، فلكي يخرج الإنسان من أقرب الأقطار إلى الأرض، فإنّه يحتاج على الأقل إلى (٢٠) ألف سنة، وهو يتحرك بسرعة الضّوء كي يخرج من أقطار مجرتنا، وهل يمكن للإنسان أن يحيا (٢٠) ألف سنة، حتى ولو كانت سنة غير ضوئية، حتى عالم الجن الذي هو أقوى من عالم الإنس يستحيل عليه التّفكير بذلك لوجود الأشعة القاتلة للخلايا الحية، وهي بمثابة النّار التي لا دخان لها.
أمّا بالنّسبة لأقطار الأرض وبما أنّ الأرض بيضاوية الشّكل متوسط قطرها الاستوائي (١٢٧١٣ كم)، ورغم التّطور في أجهزة الحفر بحثاً عن النّفط والغاز، فإنّ الإنسان حتّى اليوم لم يتجاوز عمق (١٣ كم) من قطرها (١٢٧١٣ كم)، وهذا
стр. 5219
يمثل (١%) من قطرها، وكلما ازداد الحفر يقابله ازدياد في الضّغط وارتفاع درجات الحرارة إلى درجات عالية قد تؤدِّي إلى صهر تلك الأدوات وإثارة البراكين وخروج الحديد ومعادن الأرض السّائلة في طبقاتها القريبة من المركز.
إذن هذه الاكتشافات العلمية تدل على استحالة النّفاذ من أقطار السّموات والأرض، وتؤيِّد ما جاء في هذه الآية الكريمة التي تتحدَّى كلّاً من الجن والإنس بالنّفاذ من أقطار السّموات والأرض.
﴿فَانفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾.
﴿فَانفُذُوا﴾: فيها تحدٍّ للإنسان ودعوة من الله سبحانه للإنس والجن أن ينفذوا إن استطاعوا ليتعرفوا إلى قدرة الله سبحانه، وذلك بغزو الفضاء والوصول إلى القمر أو إلى المريخ أو الدّوران حول الأرض والوصول إلى الكواكب الأخرى.
وهذا النفاذ البسيط الجزئي الذي لا قيمة له عند الله، ولن يتحقق إلا بسلطان.
﴿بِسُلْطَانٍ﴾: الباء للإلصاق، أي: الإلزام والسلطان: هو الله سبحانه؛ لأنه العليم القدير مصدر السلطان وحده، لا تنفذون إلا بسلطان، وليس السلطان هو سلطان العلم فقط، وإنما الله وحده الذي يوفِّق ويعلِّمُ عباده ما يشاء، وهذا النفاذ هو نفاذ من جزء ضئيل جدّاً جدّاً ومحدود لا يتعدَّى ولا يقترب حتى من السماء الأولى، فما بالك بأقطار السموات والأرض، فنصف قطر الأرض كما قلنا يقدَّر بحوالي (١٣٠٠٠ كم) لم يخترق الإنسان منه إلا (١٣ كم) فقط، أيْ: ما يساوي أقل من (١%)، ويحتاج إلى (٢٤) ألف مليون سنة ضوئية ليصل إلى أبعد نقطة في السماء الدنيا فقط، فما بالك بالسموات السبع؟!
стр. 5220
سورة الرحمن [٥٥: ٣٤]
﴿فَبِأَىِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾:
ارجع إلى الآية (١٣) للبيان.
سورة الرحمن [٥٥: ٣٥]
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾:
علمنا من الآية (٣٣) أنّ النّفوذ المطلق من أقطار السّموات والأرض أمر مستحيل، والنّفوذ المحدود يمكن أن يحدث بإذن من الله وبسلطان منه، وتقدُّم الاكتشافات الفضائية، وهذه الآية تتحدث عن الأخطار التي ستحل بكلّ من يحاول اختراق طبقات السّموات والأرض؛ لأن الفضاء الكوني مليء بالأشعة الحمراء أو فوق البنفسجية أو الأشعة القاتلة لخلايا الإنسان، والتي شبهها القرآن بمثابة شواظ من نار أو إذا حاول الإنسان اختراق قشرة الأرض اليابسة التي يبلغ سمكها (٦٠) كم قد يؤدِّي إلى انفجار وبراكين وتصاعد المواد المنصهرة أو السّائلة في طبقات الباطنة للأرض والمشكلة من الحديد والنّحاس.
وتشكيل براكين ثائرة بشواظ النّار المتولدة عن الغاز والبترول والمواد المذابة مثل الحديد والنّحاس هذه البراكين التي لن يستطيع الإنس والجن على التّغلب عليها وإيقافها من التّدفق والتّطاير وإهلاك الحرث والنّسل.
سورة الرحمن [٥٥: ٣٦]
﴿فَبِأَىِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾:
ارجع إلى الآية (١٣) للبيان.
والسؤال هنا: هل إرسال الشّواظ والنّحاس من النّعم؟
الجواب: نعم لأن التّذكير بها والتّحذير منها والإنذار من النّعم حتى لا يغفل عنها العبد، ويهمل الاستعداد لها حتّى ينجو من النّار والبراكين وتلوث البيئة الذي قد يجلب الويلات للبشر.
следующие страницы →