Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.
стр. 5251
ثمّ يذكر الله سبحانه الأدلة والبراهين على قدرته وعظمته ووحدانيَّته ونعمه عليهم.
سورة الواقعة [٥٦: ٥٧]
﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾:
﴿نَحْنُ﴾: ضمير للتعظيم يفيد الاختصاص.
﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾: من ذكر وأنثى الخلق الأول من بطون أمهاتكم.
﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾: الفاء للتوكيد، لولا أداة حضٍّ وحثٍّ، تصدقون: بالبعث والحساب أو النّشأة الأخرى، كما أقررتم بالخلق الأوّل، فلا تصدقون بما جاءكم من الحق من ربكم. أو أُنزل عليكم ..
سورة الواقعة [٥٦: ٥٨]
﴿أَفَرَءَيْتُم مَا تُمْنُونَ﴾:
﴿أَفَرَءَيْتُم﴾: الهمزة للاستفهام والإقرار والفاء للتوكيد، رأيتم: الرّؤية رؤية بصرية ورؤية قلبية بمعنى العلم، أيْ: أخبروني بعلم أو بتأكيد أو بعلم من له دراية.
﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الذي أو مصدرية.
﴿تُمْنُونَ﴾: من المني الذي يتدفَّق في كلّ مرة بمقدار (٢ - ٥ سم) وعدد الحيوانات المنوية يصل إلى (٢٠٠) مليون حيوانٍ منويٍّ، ولكل حيوانٍ منويٍّ رأس وعنق وجسم وحركة ويسبح في سائل خاص تفرزه الخصية، وواحد فقط من هذه الحيوانات المنوية يلقح البيضة لتبدأ بالانقسام وتشكل العلقة، ثمّ المضغة والجنين.
سورة الواقعة [٥٦: ٥٩]
﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾:
﴿ءَأَنتُمْ﴾: للاستفهام والتّقرير، الجواب المقدر: لا.
стр. 5252
﴿تَخْلُقُونَهُ﴾: أي: المني أو تخلقون من المني بشراً.
﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي، وتعني: بل نحن الخالقون.
﴿نَحْنُ﴾: للتعظيم.
﴿الْخَالِقُونَ﴾: المقدرون والخلق هو التّقدير والإيجاد، فقدرته وعظمته في هذه الآية هي في خلقه هذا الماء المهين بشراً، الخالقون تدل على الثّبوت والاستمرار في الخلق؛ ففي هذه الآية: ذكر سبحانه نعمة الخلق، وفي الآية (٦٣ - ٦٤): ذكر نعمة الحرث والزراعة؛ أي: الحب؛ أي: الطعام، وفي الآية (٦٨): ذكر نعمة الماء والشرب، وفي الآية (٧١): ذكر نعمة النار للدفء وطهي الطعام، وعلامة للضال، والتذكرة بالآخرة … وغيرها.
سورة الواقعة [٥٦: ٦٠]
﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾:
﴿نَحْنُ﴾: للتعظيم والاختصاص.
﴿قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾: أيْ: حكمنا أو قضينا أو كتبنا عليكم الموت وقدرنا من التّقدير، وهو الحساب كم تعيشون ومتى وكيف تموتون، وقدرنا لكم آجالاً مختلفة أيْ: جعلنا لكل فرد أجلاً معيناً لا يتعدَّاه.
﴿وَمَا نَحْنُ﴾: الواو عاطفة، ما النّافية، نحن للتعظيم والاختصاص.
﴿بِمَسْبُوقِينَ﴾: الباء للإلصاق والمصاحبة، مسبوقين: بعاجزين أو لا يسبقنا أحد فينجو من الموت.
سورة الواقعة [٥٦: ٦١]
﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾:
هذه الآية لها صلة بالآية السّابقة، وهي: وما نحن بمسبوقين أيضاً:
стр. 5253
﴿عَلَى أَنْ﴾: على تفيد العلو والمشقة، أن: حرف مصدري يفيد التّعليل.
﴿نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾: أيْ: نحلق خلقاً بدلاً منكم.
﴿وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: من النّشأة والتّربية، أو ننشئكم أنتم أنفسكم في خلق جديد غير الذي تعلمونه بأن نشوِّه خلقكم، وفي هذه الآية تهديد لهم بالمسخ والتّبديل، وتدل على عظمة الله سبحانه وقدرته على التّبديل والبعث والإماتة والإحياء.
سورة الواقعة [٥٦: ٦٢]
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
﴿عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾: علمتم: من العلم وهو الإدراك سواء كان خفياً أو جلياً (ظاهراً) النّشأة الأولى: في أرحام أمّهاتكم من نطفة، ثمّ علقة، ثمّ مضغة ثم نخرجكم طفلاً. ارجع إلى سورة الحج آية (٥) للبيان.
﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾: الفاء للتوكيد، لولا: أداة حثٍّ وحضٍّ، تذكرون: النّشأة الأولى، ولا تغافلون عنها أو تنسونها، وتذكرون الذي خلقكم أوّل مرة قادر على أن يبعثكم ويعيدكم مرة أخرى وهو أهون عليه؛ تذكرون الخلق، ولم يقل فلولا تتذكرون؛ لأن الكل يعلم هذه الحقيقة كيف خلقه الله فلا تحتاج إلى طول زمن للتذكر، وبالنسبة للحرث والزرع والماء والنار فلولا تشكرون.
سورة الواقعة [٥٦: ٦٣]
﴿أَفَرَءَيْتُم مَا تَحْرُثُونَ﴾:
بعد ذكر النّطفة المني (ما تمنون) وتحويلها إلى جنين بعد زرعها في أرحام الأمّهات يذكرنا بعملية أخرى مشابهة لها، وهي زراعة الأرض.
стр. 5254
﴿أَفَرَءَيْتُم﴾: ارجع إلى الآية (٥٨) للبيان.
﴿مَا﴾: بمعنى الذي تحرثونه أو مصدرية بمعنى حراثتكم، و (ما) أوسع شمولاً تشمل كل أنواع الحرث.
﴿تَحْرُثُونَ﴾: أيْ: تزرعون في الأرض والحراثة تسبق عملية بذر الحب، وهي جزء من مراحل الزراعة وعبَّر عن الكلّ بذكر الجزء.
وفي هذه الآية تذكير بقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. أيْ: تزرعون في أرحام أزواجكم. أو غيرها من الزراعات.
سورة الواقعة [٥٦: ٦٤]
﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾:
﴿ءَأَنتُمْ﴾: استفهام تقريري استنكاري، الجواب محذوف تقديره: لا تزرعونه.
﴿تَزْرَعُونَهُ﴾: الزّراعة تشمل الحرث والبذر والسّقي والنّمو، ثمّ الحصاد. أو تطور الجنين يمر بمراحل في رحم أمه.
﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾: أم للإضراب الانتقالي، نحن: للتعظيم والاختصاص، الزّارعون: المنبتون؛ لأن الله سبحانه هو المنبت الزّرع، والزارعون: تدل على الفعل؛ أي: الحدث نفسه مقارنة بقوله تعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩]؛ الزراع: تدل على الاسم؛ أي: من مهنته الزراعة.
سورة الواقعة [٥٦: ٦٥]
﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾:
﴿لَوْ﴾: حرف امتناع لامتناع.
﴿نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ﴾: اللام لام التّوكيد، لجعلناه: والضّمير يعود على الزّرع.
стр. 5255
﴿حُطَامًا﴾: لا نفع منه بالكلية؛ لا حب فيه فارغ من الحب، متحطماً: متكسراً عقوبة لكم على شرككم وتكذيبكم بآيات الله.
﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾: أصلها فظللتم: حذف اللام لقصر الزّمن: أيْ: لم يمضِ زمناً طويلاً حتّى صرتم تفكهون: تعجبون لما حل بزرعكم من هلاك ودمار، وقيل: تفكهون تندمون أو تتلاومون أو تتفجعون.
ارجع إلى سورة الطور آية (١٨)، وسورة ياسين آية (٥٥)، وسورة المطففين آية (٣١) للمقارنة ومزيد من البيان.
سورة الواقعة [٥٦: ٦٦]
﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتوكيد.
﴿لَمُغْرَمُونَ﴾: اللام: للتوكيد، مغرمون: جمع مغرم والمغرم: من الغرم، أو الغرامة: ما يلزم أداؤه، والغريم: الذي عليه الدين، والمغرم أيضاً: هو الذي ذهب ماله من دون عوض أو مقابل، أيْ: ما أنفقه على حرثه وبذره وزرعه كأنّه غُرم غرامة دفعها كعقوبة على ما ارتكبه من الآثام والمعاصي والغرامة: المبلغ المالي الذي يدفعه العبد على مخالفة القانون الوضعي.
أيْ: إنا لمعذبون؛ لأن الغرام عند العرب العذاب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] أيْ: إننا لمعذبون بنقص الحرث، أي: الرزق؛ ومغرمون: جملة اسمية تدل على الثبوت والاستمرار.
سورة الواقعة [٥٦: ٦٧]
﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾:
﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي.
стр. 5256
﴿نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾: من الرّزق، أيْ: حُرمنا ما كنا نطمع به من الزّرع والرّزق بشكل كامل أو الولد وغيرها.
سورة الواقعة [٥٦: ٦٨]
﴿أَفَرَءَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ﴾:
﴿أَفَرَءَيْتُمُ﴾: ارجع إلى الآية (٥٨).
﴿الْمَاءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ﴾: هذه الآية تذكير بنعمة الله على عباده، وهي الماء العذب الذي يشربونه.
سورة الواقعة [٥٦: ٦٩]
﴿ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾:
﴿ءَأَنتُمْ﴾: ارجع إلى الآية (٥٩).
﴿أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾: المزن السّحاب الأبيض الذي يحمل الماء.
﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾: أم: للإضراب الانتقالي، نحن: للتعظيم والاختصاص، المنزلون: الله هو وحده المنزل والمنزلون جملة اسمية تدل على الثّبوت. المنزلون من السحب الماء العذب.
سورة الواقعة [٥٦: ٧٠]
﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾:
﴿لَوْ﴾: شرطية.
﴿جَعَلْنَاهُ﴾: أي: الماء الذي تشربون (الماء العذب).
﴿جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾: مالحاً مرّاً (أي: جمع بين الملوحة والمرارة) لأصبح غير صالحاً للشرب وغير مستساغ، ولكن يمكن استعماله في أغراض أخرى مثل الغسل وري الأرض وغيرها، فإذا قارنا (حطاماً) بقوله (أجاجاً) لوجدنا (حطاماً)
стр. 5257
أشد عقوبة من (أجاجاً)، ولذلك أضاف اللام في (لجعلناه حطاماً) للتوكيد، وحذف اللام في (جعلناه أجاجاً).
﴿فَلَوْلَا﴾: الفاء للتوكيد، لولا: أداة حضٍّ وحثٍّ.
﴿تَشْكُرُونَ﴾: الله تعالى على نعمة الماء العذب باللسان والطّاعة والإيمان به، تشكرون: بصيغة المضارع تدل على التّجدُّد والتّكرار؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠) لمزيد في معنى تشكرون. ولو قارنا هذه الآية: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] مع الآية، وهي: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] لوجدنا أنّه أضاف لام التّوكيد للزرع، ولم يضف اللام للماء؛ لأنّ الزّرع إذا تحول إلى حطام لا يستفاد منه مطلقاً في أيِّ غرض أو مجال فالتّهديد والوعيد أشد، أمّا الماء العذب إذا تحول إلى ماء أجاجاً فيمكن أن يستفاد منه في بعض الأحيان، في غسل الأواني والأدوات أو في الري كما ذكرنا سابقاً.
سورة الواقعة [٥٦: ٧١]
﴿أَفَرَءَيْتُمُ النَّارَ الَّتِى تُورُونَ﴾:
﴿أَفَرَءَيْتُمُ﴾: ارجع إلى الآية (٥٥).
﴿النَّارَ الَّتِى تُورُونَ﴾: تشعلون أو توقدون.
سورة الواقعة [٥٦: ٧٢]
﴿ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ﴾:
﴿ءَأَنتُمْ﴾: ارجع إلى الآية (٥٩).
﴿أَنشَأْتُمْ﴾: الإنشاء يعني: الإيجاد والنّمو والتّطور.
﴿شَجَرَتَهَا﴾: التي تشكل الحطب والبترول أو الغازات الطّبيعة المستعملة في إيقاد النار والطاقة والمحركات والتدفئة، فهذه النباتات والشجر عندما تموت
стр. 5258
وتدفن في الأرض قد تتحول إلى الفحم الحجري، هذا الفحم إذا ازداد الضغط عليه يشكل غاز الفحم … وإذا نزلت هذه الأشجار أو الحيوانات البحرية المليئة بالزيوت بعد موتها إلى قيعان البحار وطمرت بالرسوبيات، فقد تتحلل وتشكل لنا البترول والغازات الطبيعية التي أصبحت من مصادر الطاقة الكبرى.
فكل مصادر الطاقة ما عدا النووية مصدرها الشجر الأخضر والنباتات والحيوانات التي خلقت من الأرض، ثم ماتت وعادت إلى الأرض، وهكذا مصير كل كائن حيٍّ … وجواب الاستفهام: لا.
﴿أَمْ نَحْنُ﴾: ارجع إلى الآية (٥٩).
﴿الْمُنشِئُونَ﴾: للشجر والنّار والبترول والغاز الطّبيعي والزّيت.
سورة الواقعة [٥٦: ٧٣]
﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾:
﴿نَحْنُ﴾: للتعظيم والاختصاص.
﴿جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾: أيْ: جعلنا نار الدنيا تذكرة بنار الآخرة، وتذكرة لكلّ عاص وكافر ومشرك، ولكلّ إنسان لكي يتقي منها.
﴿وَمَتَاعًا﴾: المتاع هو كلّ ما ينتفع منه في الحياة الدّنيا، متاعاً: ينتفع منها المقوين (جمع مقوٍ).
﴿لِّلْمُقْوِينَ﴾: اللام لام الاختصاص، المقوين لها عدة معانٍ:
١ - للمسافرين.
٢ - الجائعين: المقوي الجائع الذي خلت بطنه من الطّعام لكي يطبخ طعامه.
стр. 5259
٣ - أهل البادية والصّحراء أهل القفر الأرض الخالية من العمران. فكل هؤلاء بحاجة إلى النّار للطبخ وتحضير الطّعام والاهتداء والتّدفئة والإنارة ورؤية ما حولهم وتجنب الأذى.
سورة الواقعة [٥٦: ٧٤]
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾:
﴿فَسَبِّحْ﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدر هو بما أنّ الله سبحانه أنعم عليك كلّ هذه النّعم، فعليك أن تسبحه، والتّسبيح هو تنزيه الله سبحانه عن الولد والشّريك والنّد والمثل، وتنزيه الله عما لا يليق بذاته وصفاته وأسمائه الحسنى، ولمعرفة المزيد ارجع إلى الآية (١) من سورة الحديد. وسورة الإسراء آية (١).
﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: الباء للتوكيد، اسم ربك: هو الله تعالى الإله المعبود واجب الوجود.
﴿الْعَظِيمِ﴾: صيغة مشبهة من عظم: أي: الموصوف بصفات الكمال والكبرياء والجلال والعلو والمجد المستحق التّعظيم من عباده بالطّاعة والشّكر والذّكر والتّنزيه والتّقديس.
وقيل: لما نزلت هذه الآية: فسبح باسم ربك العظيم قال رسول الله ﷺ : اجعلوها في ركوعكم، كما أخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيره، أيْ: قولوا: سبحان ربي العظيم ثلاثاً.
سورة الواقعة [٥٦: ٧٥]
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾:
﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: الفاء استئنافية، لا أقسم؛ أي: أقسم قسماً مؤكداً، والقسم: يأتي في القرآن في سياق الصدق، وأما الحلف: فيأتي في سياق الكذب، أو
стр. 5260
إضمار الكذب، واليمين: يطلق على القسم المؤكد، أو الموثق باليمين؛ ارجع إلى سورة القيامة الآية (١) للبيان، ولا يقسم الله سبحانه إلا بشيء عظيم، وهو سبحانه غني عن القسم.
﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾: النّجوم: أجرام سماوية تقدر بأكثر من تريليون نجم في مجرتنا مجرة التّبانة وحدها، وهي أجرام مضيئة بذاتها متماسكة بقوى الجاذبية والقوى الكهرومغناطيسية، وتبدو لنا النّجوم، وكأنّها ثابتة في السّماء، ولكنها في الحقيقة تدور وتتحرك، ولكن بعدها عن الأرض تجعلنا نراها، وكأنّها ثابتة، وكذلك الكواكب الأخرى تتحرك حركة مستمرة من لحظة إلى أخرى والضوء المنطلق منها يخرج بشكل متعرج بسبب البيئة الفلكية، فلكل كوكب بيئة فلكية مختلفة، ويبدو لنا غير متعرج لبعدها عنا وتنزل مواقع أو منازل جديدة، وتختلف في أحجامها ودرجات حرارتها والشّمس تعد إحدى هذه النّجوم، وتبعد عنا (١٥٠) مليون كم، وضوءُها يصل إلينا بعد (٨، ٣) دقيقة (ثمان دقائق وثلاث أجزاء الدقيقة).
وكذلك هذه النّجوم البعيدة جداً عن الأرض فإننا حين نراها نظن أننا نراها بذاتها، والحقيقة العلمية أننا لا نرى النّجوم أبداً، وإنما نرى مواقعها التي شعت منها وكانت فيها أو مرت عليها وتركتها منذ أزمان قصيرة أو طويلة؛ لأنّها تتحرك بسرعات هائلة وتنتقل من موقع إلى موقع جديد، وبعض هذه النّجوم التي نرى أشعتها التي شعت منها منذ زمن طويل أو قصير ربما خبت أو اختفت وتفجرت عنا، ولم تعد تُرى أين هي فلكلّ نجم مواقع كثيرة، وبما أنّ عدد النّجوم الهائل فمواقعها أكثر من عددها، وكيف تتحرك ولا تصطدم ببعضها وتختفي، ثمّ تظهر
стр. 5261
بعد السّنين الطويلة كلّ ذلك يدل على عظمته وقدرته سبحانه وأنّه الإله الحق الذي لا إله إلا هو، ويجب عدم الخلط بين مواقع النّجوم ومنازل القمر.
سورة الواقعة [٥٦: ٧٦]
﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾:
﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾: الواو للتوكيد، إنّه كذلك للتوكيد، لقسم: اللام لزيادة التّوكيد والتّهويل وتعظيم هذا القسم، والهاء تعود على مواقع النّجوم وعددها وحركتها ونظامها.
﴿لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ لو شرطية، أيْ: لو كنتم من أهل العلم لعلمتم عظم هذا القسم، وجواب لو محذوف أريد به نفي العلم عن النّاس أجمعين عن إدراك حقيقة ما يقوله رب العالمين عن مواقع النّجوم، ولا يستثنى منه أحداً، تعلمون تدل على التّجدُّد والتّكرار.
стр. 5262
سورة الواقعة [٥٦: ٧٧]
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾:
جواب القسم.
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.
﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾: اللام للتوكيد أيضاً، كريم: بمصدره وكريم بذاته وكريم بعطائه، كريم على الله تعالى كرَّمه الله؛ أيْ: أعزه ورفع منزلته على سائر الكتب السّماوية كثير النّفع والفائدة لا ينفد نفعه من الهداية والرّحمة والشّفاء والأجر والشّفاعة والحكمة والموعظة، قراءة كلّ حرف يقابلها (١٠) حسنات مثل ألم يقابلها (٣٠) حسنة.
والسّؤال: ما علاقة القسم بالنّجوم والمقسم عليه، وهو القرآن الكريم أو لماذا اختار الله سبحانه القسم بالنّجوم للقول بأنَّ القرآن كريم، فلعل ذلك يرجع إلى كون النّجوم مصدر للهداية من ظلمات البر والبحر التي هي ظلمات حسية، والقرآن الكريم هو مصدر للهداية من ظلمات الجهل والضّلال (ظلمات معنوية) فالقسم جمع بين الهدايتين.
سورة الواقعة [٥٦: ٧٨]
﴿فِى كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾:
﴿فِى﴾: ظرفية.
стр. 5263
﴿كِتَابٍ﴾: هو اللوح المحفوظ.
﴿مَّكْنُونٍ﴾: مصون، أو مستور عن الخلق والشّياطين والجن لا يصلون إليه.
سورة الواقعة [٥٦: ٧٩]
﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾:
كقوله تعالى: ﴿فِى صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِى سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦].
﴿لَا﴾: النّافية.
﴿يَمَسُّهُ﴾: مشتقة من المس وهو أخف درجات اللمس: لا يصل إليه أو يقرؤه إلا المطهرون.
﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾: إلا أداة حصر، المطهرون: الملائكة، المطهرون: من الجنابة والبول والغائط، أي: من النّجاسة ومطهَّرون من الذّنوب والآثام خلقهم الله تعالى مطهرون، وأمّا قوله المتطهرون، فالمتطهر هو الذي يكتسب الطّهارة بالوضوء والغسل كالإنسان.
ارجع إلى سورة التوبة آية (١٠٨) وسورة البقرة آية (٢٢٢) للمقارنة والبيان.
سورة الواقعة [٥٦: ٨٠]
﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿تَنزِيلٌ﴾: أي: القرآن الكريم؛ تنزيلٌ؛ لأنه منزل من عند الله تعالى نزل به جبريل (الروح الأمين) ﵇.
стр. 5264
وصف الله سبحانه كتابه بأربع صفات:
الصّفة الأولى: قرآن كريم.
الثّانية: هي كتاب مكنون.
الثّالثة: لا يمسه إلا المطهرون.
الرّابعة: تنزيل من رب العالمين، أيْ: نزل تنزيلاً، أيْ: مقسطاً منجماً من رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤].
﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: الرّب هو الخالق والمالك والحاكم والقيم والمربي والرّزاق والمنعم، العالمين: البشر أو العقلاء أو المكلفين بما فيهم ذوو العلم، ورب الخلق كلّهم أجمعين، (رب عالم الملائكة، وعالم الإنس والجن، وعالم الحيوان والنّبات والجماد).
سورة الواقعة [٥٦: ٨١]
﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾:
﴿أَفَبِهَذَا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، والفاء للتوكيد، والباء للإلصاق والملازمة، هذا: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يشير إلى القرآن الكريم (الحديث).
﴿الْحَدِيثِ﴾: أي: القرآن الكريم، وسُمِّي الحديث: لأنه يُحدِّث بما كان، وما هو كائن، وما سيكون في المستقبل من أحداث مثل يوم القيامة والجنّة والنّار وما سيحدث للسموات والأرض والخلق.
стр. 5265
والحديث: يعني: الخبر أو الأخبار، ويستدعي أنّ هناك محدثاً ومشاركاً وسُمِّي بالحديث؛ لأنّ النّاس يتحدثون به دائماً وما يتجدَّد ويتكرَّر.
﴿أَنْتُمْ﴾: للتوكيد.
﴿مُّدْهِنُونَ﴾: من الإدهان وهو في الأصل دهن الجلد بالدّهن أو ما يشابه ذلك ليلين، ومنه اشتقت المداهنة: أي: التهاون في الأمر، أيْ: يلين جانبه مما يؤدِّي إلى التّنازل والتّلاين أو المدارة في أمر الدّين لأجل شيء من دنياه، وقد تشتد المداهنة، وتصل إلى درجة النّفاق فقيل: المدهن الذي ظاهره خلاف باطنه؛ أي: تلينون القول للمكذبين به أو متهاونون به (غير مبالين) بمن كذب به.
سورة الواقعة [٥٦: ٨٢]
﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾:
كلمة رزقكم تعني: شكركم؛ لأنّ شكر الرّزق سبباً لزيادته فأطلق السّبب، وأريد به المسبب وهو الشّكر، أيْ: وتجعلون شكركم لله بإنزال القرآن عليكم أنّكم تكذبون به وتعرضون عنه، فماذا أنتم فاعلون حين تبلغ أرواحكم الحلقوم، أو تجعلون شكر رزقكم المطر من السّماء أن تقولوا مطرنا بسبب كذا. أي: الشرك بالله. وتكذِّبون بصيغة المضارع لتدل على التّجدُّد والتّكرار.
سورة الواقعة [٥٦: ٨٣]
﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾:
﴿فَلَوْلَا﴾: الفاء للتوكيد، لولا: أداة حضٍّ وحثٍّ، كلّها تعني التّحدِّي.
﴿إِذَا﴾: شرطية تفيد الحتمية.
﴿بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾: أيْ: بلغت روح المريض أو المحتضر، وهي تنتزع من
стр. 5266
جسمه منطقة الحلقوم، وهي المنطقة بين البلعوم والحنجرة (على مستوى قاعدة اللسان).
سورة الواقعة [٥٦: ٨٤]
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾:
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ﴾: حين: ظرف أضيف إلى ظرف هو إذن للتمكين والتّوكيد بجوار المتحضر تنظرون إليه وهو غمرات الموت (سكرات الموت) وليس باستطاعتكم ردَّ روحه إليه.
﴿تَنْظُرُونَ﴾: تنظرون إليه وأنتم عاجزون عن فعل أيِّ شيء.
سورة الواقعة [٥٦: ٨٥]
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾:
﴿وَنَحْنُ﴾: للتعظيم، الله سبحانه بعلمه وملك الموت وملائكة الموت (الذين ينتزعون روحه والذين ينتظرون لحمل روحه إلى عليين أو سجين).
﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾: بالعلم والمكان والنّظر.
نحن أقرب إليه منكم رغم أنكم جالسون بقربه تنظرون إليه.
﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك وتوكيد.
﴿لَا تُبْصِرُونَ﴾: لا النّافية، تبصرون: أيْ: لا ترون الملائكة وملك الموت وما يفعلون به.
سورة الواقعة [٥٦: ٨٦]
﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾:
﴿فَلَوْلَا﴾: الفاء للتوكيد، لولا: أداة حضٍّ وحثٍّ يفيد التّحدِّي والإعجاز.
стр. 5267
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال أو الشّك.
﴿كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾: أيْ: إن كنتم غير محاسبين بعد الموت أو غير مبعوثين للحساب أو مجزيين على أعمالكم في الدّنيا.
سورة الواقعة [٥٦: ٨٧]
﴿تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾:
﴿تَرْجِعُونَهَا﴾: ترجعون أو تمنعون خروج تلك الرّوح التي انتزعت من صاحبها المحتضر، والتي بلغت الحلقوم تبقونها في جسمه، أيْ: تبقونه حياً.
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الشّك والندرة.
﴿كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: في زعمكم أنكم غير محاسبين أو مدينين، انتبه إلى أنّ التّحدِّي والرّوح ما زالت لم تفارق الجسم بعد، ولم يتحدَّهم بعد تمام خروجها وقبضها.
سورة الواقعة [٥٦: ٨٨]
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾:
﴿فَأَمَّا﴾: الفاء استئنافية، أما: حرف تفصيل.
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والنّدرة.
﴿كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾: كان المحتضر أو المتوفَّى من السّابقين السّابقين. ارجع إلى الآية (١١) من نفس السّورة.
سورة الواقعة [٥٦: ٨٩]
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾:
﴿فَرَوْحٌ﴾: الفاء: للتوكيد، روح: الفرح والراحة كما قال ابن عباس؛ أي: راحة وسرور من تعب الدّنيا واستراحة، وقيل: حياة دائمة بلا موت.
стр. 5268
﴿وَرَيْحَانٌ﴾: الطيب، والرّيحان: شجر لورقه رائحة طيبة، وقيل: الرزق.
﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾: نعيم: من النعيم، وهو ما ينعمُ الله به على عباده المؤمنين في الآخرة، والنعيم يدل على النعم الكثيرة التي أعدت للمتقين؛ ارجع إلى الآية (١٢) من نفس السورة.
سورة الواقعة [٥٦: ٩٠]
﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾:
﴿وَأَمَّا﴾: حرف شرط وتفصيل.
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال.
﴿كَانَ﴾: المتوفَّى.
﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾: ارجع إلى الآية (٢٧) من نفس السّورة.
سورة الواقعة [٥٦: ٩١]
﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾:
﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، سلام: نكرة يشمل سلام التّحية والسّلام من كل آفة ومرض ومكروه، وسلام: أمن وطمأنينة، سلام لك: من إخوانك أصحاب اليمين.
سورة الواقعة [٥٦: ٩٢]
﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾:
﴿وَأَمَّا﴾: حرف شرط وتفصيل.
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال أو الفرض.
﴿كَانَ﴾: المتوفَّى في الدّنيا.
стр. 5269
﴿مِنَ الْمُكَذِّبِينَ﴾: بالله وآياته ورسله وكتبه والبعث والآخرة.
﴿الضَّالِّينَ﴾: عن دين الحق أو الصّراط المستقيم (الإسلام).
سورة الواقعة [٥٦: ٩٣]
﴿فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾:
﴿فَنُزُلٌ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، نزل: ما يعد للضيف من القرى والكرم من المأكل والمشرب والمبيت والرّاحة، واستعملت هنا للتهكم والتّقريع. أيْ: نزله أو إكرامه سيكون من حميم ونار معدة لحرقه.
﴿مِّنْ حَمِيمٍ﴾: من ابتدائية، حميم: ماء حميم في منتهى الحرارة والغليان.
سورة الواقعة [٥٦: ٩٤]
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾:
﴿وَتَصْلِيَةُ﴾: التّصلية مصدر صلاه: إذا أحرقه وشواه.
﴿جَحِيمٍ﴾: النّار المؤجَّجة اسم من أسماء النّار. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) لمزيد من البيان.
سورة الواقعة [٥٦: ٩٥]
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾:
في هذه الآية أربع توكيدات: إن واللام في كلمة لهو وضمير الفصل هو وإضافة الشيء إلى مرادفه للتوكيد مثل إضافة الحق إلى اليقين.
﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب ويشير إلى الوعد والوعيد والبعث والحساب، وما ذكر عن أصحاب اليمين والشّمال والمقربين ويوم القيامة.
﴿لَهُوَ﴾: اللام للتوكيد، هو ضمير فصل يفيد التّوكيد.
стр. 5270
﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾: الحق هو الأمر الثّابت الذي لا يتغيَّر أو يتبدَّل واليقين هو العلم الذي ليس هناك غيره.
ودرجات اليقين في القرآن هي ثلاث:
١ - علم اليقين: وهو أعلى وأصدق درجات العلم على الإطلاق.
٢ - عين اليقين: وهي أعلى وأصدق درجات الرؤيا على الإطلاق.
٣ - حق اليقين: ويشمل العلم والعين، ولا يوجد هناك درجة أعلى من هذه الدرجة. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) لمزيد من البيان.
سورة الواقعة [٥٦: ٩٦]
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾:
ارجع إلى الآية (٧٤) للبيان.
стр. 5271
سورة الحديد [٥٧: ١]
سورة الحديد
ترتيبها في القرآن (٥٧) وترتيبها في النزول (٩٤) ومن المعجزات العددية أنّ رقم سورة الحديد في القرآن (٥٧) والوزن الذّري لمعدن الحديد هو (٥٧) أيضاً.
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾: التّسبيح هو تنزيه الله تعالى تنزيهاً كاملاً من كلّ نقص وعجز وعيب وولد وشريك وندّ ومثيل تنزيهاً لذاته فلا ذاتاً مثل ذاته، ولصفاته فلا صفة مثل صفاته، ولأفعاله فلا فعلاً مثل أفعاله، تنزيهاً مطلقاً ليس مرتبطاً بزمان ولا مكان.
والتّسبيح لا يكون إلا لله وحده فلا يوجد غيره تعالى ليُسبَّح، والتّسبيح أمر ثابت لله تعالى في الماضي والحاضر والمستقبل، والتّسبيح هو نوع من أنواع الذّكر، فكل تسبيح هو ذكر وليس كلّ ذكر تسبيحاً.
وجاء التّسبيح بكلّ الصّيغ الماضي والحاضر والأمر؛ ليدل على أنّ تسبيحه مستمر منذ الأزل إلى أن تقوم السّاعة لا ينقطع أبداً ودائم بدوام ذاته وصفاته؛ تسبّح له السموات السّبع والأرض ومن فيهن، وسواء شارك الإنسان أم لم يشارك، فجاء بصيغة الماضي في سورة الحديد والحشر والصف قال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ
стр. 5272
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١]، ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ١] و [الصف: ١]، وبصيغة المضارع في سورتي الجمعة والتغابن: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١] و [التغابن: ١] ليدل على أنّ التّسبيح يتجدد ويتكرر ومستمر، وبصيغة الأمر في سورة الأعلى والواقعة والحاقة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤ - ٩٦] وسورة الحاقة (٥٢)، وجاء بصيغة المصدر ﴿سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]. ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾: تقديم الجار والمجرور (لله) يفيد الحصر.
﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ﴾: ما لغير العاقل والعاقل الكل سبّح ويسبّح وسيبقى يسبّح لله تعالى من ملائكة ومن شمس وقمر ونجوم وكواكب ورياح ورعد وبرق ومجرّات وغيرها، وبما أن هناك مخلوقات موجودة في السماء، وليست موجودة على الأرض مثل الملائكة الصّافّين من حول العرش والمقرّبين وغيرهم، ومخلوقات موجودة في الأرض غير موجودة في السموات ولذلك كرر (ما في) لذكر كلّ منهما على حدةٍ أو كلاهما معاً، لا يشاركه فيهما أحد، وقيل: تكرار (ما في) يصاحب الكلام عن أهل الأرض، أو يصاحب التفصيل في الآيات.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي والقاهر الذي يَقهر ولا يُقهر والغالب الذي يَغلب ولا يُغلب، الممتنع لا يناله أحد بسوء.
﴿الْحَكِيمُ﴾: الحكيم في تدبير شؤون خلقه وكونه وشرعه، فهو أحكم الحاكمين وهو أحكم الحكماء.
ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان. فالله
стр. 5273
يستحق أن يعبد ويُسبَّح لعظمته وقدرته ونعمه وخلقه، ولأنه العزيز الحكيم، ولأنّه مالك السماوات والأرض وله المُلك؛ أي: الحكم.
سورة الحديد [٥٧: ٢]
﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْىِ وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
﴿لَهُ﴾: تقديم (له) يفيد الحصر؛ أي: له وحده لا يشاركه أحد في الملك.
﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: له الحكم التّام المطلق يحكم ما يشاء، ولا معقِّب لحكمه، وسبحانه هو المالك والحاكم يتصرف كيف يشاء في ملكه.
﴿يُحْىِ وَيُمِيتُ﴾: يُحيي من يشاء ويميت من يشاء من إنس وجن وحيوان ونبات وجماد.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: تام القدرة لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء.
ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٠) لمزيد من البيان.
سورة الحديد [٥٧: ٣]
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾:
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر.
﴿الْأَوَّلُ﴾: على الإطلاق والقصر، واجب الوجود ليس كمثله شيء ولا يشاركه في هذه الصّفات أحد؛ وله سبحانه أن يصف ذاته بما يشاء، ولا يجوز وصفه بالقول: هو السابق أو بالشيء، بل نصفه كما وصف ذاته سبحانه بدون تحريف أو تبديل؛ لأنّ ذلك يوهم أنّ معه أشياء موجودة قد سبقها، ولا يجوز القول: هو الأوّل قبل كلّ شيء؛ لأنّ الله سبحانه ليس شيئاً، ولا يجوز القول: هو قبل الأشياء أو بعدها، ولا يجوز القول: قبل أو بعد؛ لأنّه سبحانه غير محدد
стр. 5274
بزمن قبل أو بعد فالله سبحانه تفرّد بالكمال المطلق والإحاطة المطلقة الزّمانية والمكانية؛ لأنه خالق الزمان والمكان.
﴿وَالْآخِرُ﴾: على الإطلاق والقصر.
﴿وَالظَّاهِرُ﴾: للوجود بكثرة آياته والأدلة والبراهين.
﴿وَالْبَاطِنُ﴾: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ولا تحيط به العقول، يعلم ما ظهر وما بطن، يعلم السّر وأخفى، والنّجوى وذوات الصّدور، والواو: هنا جاءت للاهتمام ولتقريب أو جمع الصّفات المتباعدة: الأوّل والآخر والظّاهر والباطن.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: (وهو) ضمير فصل يفيد التّوكيد، بكلّ: الباء للإلصاق وكلّ للتوكيد، شيء عليم: عليم صيغة مبالغة، أحاط علمه المطلق بكلّ شيء في السموات والأرض، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ﴾ [يونس: ٦١].
стр. 5275
سورة الحديد [٥٧: ٤]
﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾:
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: ارجع إلى سورة فصلت الآيات (٩ - ١٢) وسورة الفرقان الآية (٥٩) وسورة الأنبياء آية (٣٠)، وسورة الأعراف آية (٥٤).
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الْأَرْضِ﴾: يلج من الولوج: هو الدّخول بصعوبة وشدة فالدّخول أوسع من الولوج، يلج في الأرض من كنوز ومعادن وبذور وماء وأموات. ارجع إلى سورة سبأ آية (٢) للبيان.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: من نباتات ومعادن وبترول وغازات وأبخرة.
﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾: من مطر وعذاب وثلج وصواعق، وملائكة ومواد منفجرة من كواكب أخرى. ارجع إلى سورة سبأ آية (٢) لمزيد من البيان.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾: من أبخرة وأعمال وملائكة، وغيرها من مركبات فضائية وأقمار صناعية. والعروج: هو الصّعود بشكل مائل. ارجع إلى سورة الحجر الآية (١٤) للبيان، ارجع إلى سورة سبأ الآية (٢) لمزيد من البيان.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير يعود على الله سبحانه الذي خلق السموات والأرض.
стр. 5276
﴿مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾: في الأرض أو البحار أو تحت البحار أو في السّماء؛ أي: الله سبحانه معكم بعلمه وببصره وهو أقرب إليكم من حبل الوريد فلا تخفى عليه خافية، وهذه المعية عامة لجميع الخلق معهم بالعلم والقدرة والرّؤية وهناك المعية الخاصة للمتقين والمحسنين كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] ولا تعني المعية بنوعيها المعية بالذّات أبداً.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: بما: الباء للإلصاق والدّوام، ما: تعني الذي، وما أوسع شمولاً من الذي أو مصدرية، بصير؛ أي: يرى أعمالكم (الأقوال والأفعال) الظّاهرة والباطنة فلا يخفى عليه شيء.
سورة الحديد [٥٧: ٥]
﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾:
﴿لَهُ﴾: تقديم الجار والمجرور (له) يفيد التّوكيد والحصر؛ أي: له وحده ملك السموات والأرض.
﴿مُلْكُ﴾: أي الحكم والملك فهو الحاكم ومالك السموات والأرض.
﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: قد تكون هذه الآية تكراراً للآية (٢)، والتّكرار يفيد التّوكيد من جهة، وقد لا يكون ذلك وإنما يعني:
له ملك السموات والأرض؛ أي: الحكم في الدّنيا؛ لقوله: ﴿يُحْىِ وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وله ملك السموات والأرض؛ أي: الحكم في الآخرة؛ لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: تقديم الجار والمجرور (إلى الله) بدلاً من القول ترجع الأمور إلى الله، يفيد الحصر: إليه وحده ترجع الأمور كلّها؛ للنظر فيها وإصدار الحكم.
стр. 5277
سورة الحديد [٥٧: ٦]
﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾:
ارجع إلى سورة آل عمران الآية (٢٧) للبيان.
﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: وردت (عليم بذات الصّدور) (١٢) مرة في القرآن، ارجع إلى سورة آل عمران الآية (١١٩) للبيان.
سورة الحديد [٥٧: ٧]
﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾:
﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: صدقوا بألوهيته وربوبيته، بوحدانيته وصفاته وأفعاله وبما أنزل عليكم وبرسوله؛ أي: بما أتاكم به أو نهاكم عنه واتَّبعوه.
﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾: أنفقوا في سبيل الله، مما: مركبة (من ما): من البعضية، ما: بمعنى الذي، وما أكثر شمولاً وعموماً أو مصدرية؛ أي: أنفقوا من بعض (وليس كل) ما جعلكم مستخلفين فيه من الرزق (المال والمتاع وغيره).
﴿مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾: جمع مستخلف: تدل على أنّ الملك الحقيقي هو لله تعالى وحده.
﴿فَالَّذِينَ﴾: الفاء للتوكيد، الذين: اسم موصول يفيد المدح.
﴿آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنْفَقُوا﴾: خاصة.
﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
﴿أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: الأجر على طاعتهم وعبادتهم بالقول والفعل والأجر الكبير. قيل: هو الجنة.
стр. 5278
سورة الحديد [٥٧: ٨]
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾:
﴿وَمَا لَكُمْ﴾: ما استفهام، فيها معنى التّوبيخ على عدم إيمانهم رغم كلّ هذه الآيات الدّالة على عظمة الخالق، وأنّه الإله الحق الذي يستحق أن يُعبد.
﴿لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾: لا النّافية، تؤمنون بالله: إيمان العقيدة، والباء للإلصاق، تصدّقون بوحدانيته وألوهيته وربوبيته.
﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾: أي جاءكم بالحجج والبراهين (الآيات) التي تبعث على الإيمان، فبادروا إلى الإيمان واتركوا الكفر.
﴿لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾: اللام لام التّعليل، بربكم: خالقكم ومربّيكم ورازقكم.
﴿وَقَدْ﴾: قد للتحقيق والتّوكيد.
﴿أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾: الميثاق: هو العهد الموثّق؛ أي: المؤكد بأدلة أو شهود أو أيمان (باليمين).
قد يكون ذلك ميثاق الذّرّ كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢].
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الشّك أو الاحتمال والنّدرة.
﴿كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: أي إن كنتم صادقين في إيمانكم فقد جاءتكم كلّ الدّواعي والأسباب للإيمان بإرسال رسوله إليكم وإنزال أعظم كتبه عليكم، وأبان لكم طريق الخير من الشّر.
سورة الحديد [٥٧: ٩]
﴿هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر، ويعود على: الله ربكم.
стр. 5279
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد المدح والتّعظيم.
﴿يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ﴾: ينزّل بصيغة المضارع؛ لتدل على التّجدد والتّكرار، ينزّل على دفعات، عبده: محمّد ﷺ ، وإضافة الهاء تدل على التّشريف والتّكريم.
﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: أي آيات قرآنية أو معجزات أو بيّنات أو دلائل وبراهين كافية وواضحة.
﴿لِّيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: اللام لام التّعليل، يخرجكم من ظلمات الجهل والضّلال والشّرك، والكفر والمعاصي والهوى.
﴿إِلَى النُّورِ﴾: نور الإيمان والهدى، وهو القرآن والسّنة والإسلام، وبين أنّ النّور واحد أما الظّلمات فهي متعددة.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ للتوكيد.
﴿بِكُمْ﴾: الباء للإلصاق، بكم خاصة أيها المؤمنون، ولم يقل بالنّاس.
﴿لَرَءُوفٌ﴾: اللام للتوكيد، الرّأفة أشد من الرّحمة، والرّأفة أخص من الرّحمة، والرحمة عامة تعم المؤمن وغير المؤمن، أما الرأفة: خاصة بعباده المؤمنين، فهو لا يحمّل عباده ما لا يطيقون، وما جعل عليهم في الدين من حرج، وشرع لهم الرخص في السفر والمرض وغيرها.
﴿رَحِيمٌ﴾: من الرّحمة على وزن فعيل: كثير الرّحمة، وخاصة بعباده المؤمنين، دائم الرّحمة، والرّحمة هي الوقاية من السّيئات والضّر وجلب ما يسُر. وإذا قارنا هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ مع الآية (٧) في سورة النحل وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: نجد أن الآية في الحديد خاصة بالمؤمنين، والآية في سورة النحل عامة بالكل وفي سياق تعداد النعم على العباد عامة، والآية في سورة الحديد جاءت في سياق العبادة والإيمان
стр. 5280
والإنفاق ولذلك ذكر الله تعالى المعبود، وآية النحل جاءت في سياق تعداد النعم التي هي من الرب جلى وعلا.
سورة الحديد [٥٧: ١٠]
﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِى مِنْكُمْ مَّنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾:
﴿وَمَا لَكُمْ﴾: ما: الاستفهامية، وفيها معنى التّعجب والتّوبيخ؛ أي: ما لكم من حجة أو عذر من عدم الإنفاق.
﴿أَلَّا تُنْفِقُوا﴾: ألا: أصلها أن المصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.
﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي لوجه الله أو ابتغاء مرضات الله.
وإذا قارنّا هذه الآية ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ نجده شدّد على التّوبيخ على عدم الإيمان بالله أكثر من التّوبيخ على عدم الإنفاق بإضافة نون التّوكيد؛ لأنّ الإنفاق لا جدوى منه ويحبط ثوابه إذا كان المنفق غير مؤمن، والإيمان يحب أن يؤخذ به مباشرة بدون تأخير، بينما الإنفاق يمكن أن يؤخّر.
﴿وَلِلَّهِ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر.
﴿مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: بعد فناء خلقه إليه يرجع كلّ الملك في السموات والأرض.
﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُمْ﴾: لا: النّافية، يستوي منكم: مَنْ أنفق من قبل الفتح وقاتل؛ أي: الاستواء في الأجر أو الثّواب، منكم: (من) تحمل معنى الإفراد والتّثنية والجمع، وسواء كان ذكراً أو أنثى، منكم خاصة.
﴿مَّنْ أَنْفَقَ﴾: من الابتدائية، من للعاقل تحمل معنى العدد القليل أو القلة، بينما استعمال (الذين) يدل على الكثرة، أنفق من المال بشكل عام.
стр. 5281
﴿مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾: أي فتح مكة.
﴿وَقَاتَلَ﴾: في سبيل الله الكفارَ وأعداء الإسلام، ولم يذكر من بعد الفتح وقاتل؛ لوضوح المعنى، ولم يقل من قبلُ وقاتل: ضمّ اللام يدل على زمن محدد أو مكان محدد، أمّا كسرها يدل على زمن غير محدد قريب أو بعيد من قبل الفتح.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد؛ يفيد المدح والعلو.
﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾: أي من بعد فتح مكة؛ لأنّ حاجة النّاس قبل فتح مكة للمال والإنفاق كانت أشد، وكذلك العدد عدد المسلمين كان أقل وأضعف، أمّا بعد فتح مكة فقد دخل في الإسلام العدد الكبير من النّاس وغنموا من غنائم خيبر وغيرها .. فكانت حالتهم المادية أفضل.
﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: أي وكلا الفريقين مَنْ أنفق وقاتل من قبلِ الفتح ومَن أنفق وقاتل من بعد الفتح كلاهما وعد الله الحسنى: وهي الجنة، مع تفاوت درجاتهم.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: خبير: أي يعلم بواطن الأمور ومن يعلم بواطن الأمور فهو بالأحرى يعلم ظواهرها؛ أي: يعلم كلاهما، وقدّم تعملون على خبير؛ لأنّ السّياق في الأعمال والإيمان والإنفاق.
سورة الحديد [٥٧: ١١]
﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾:
﴿مَنْ﴾: اسم استفهام يحمل معنى التّشويق والتّرغيب، والخطاب موجَّهٌ إلى كلّ فرد.
﴿ذَا﴾: اسم إشارة، وحذف الهاء التي تفيد التنبيه.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد المدح. وإذا قارنا قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى﴾ مع قوله تعالى: ﴿هَذَا الَّذِى﴾ تستعمل الهاء (هاء التنبيه) للأمور التي تحتاج تنبيهاً أشد.
стр. 5282
﴿يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: القرض من باب التّطوع وليس الإلزام، والقرض الحسن لابدّ أن تتوفر فيه الشّروط التالية:
١ - بنيّة حسنة وابتغاء وجه الله.
٢ - بحبٍّ لا بكراهية.
٣ - لا يُتبَع بالمنّ والأذى.
٤ - ومن مال حلال طيب.
٥ - عن طيب نفس.
٦ - وأن يتحرّى الجهات فيعطي القرض لأشد النّاس حاجة.
ويجب الانتباه إلى أنّ القرآن وصف القرض بالحسن في جميع الآيات في القرآن في سورة البقرة الآية (٢٤٥) وسورة المائدة الآية (١٢) وسورة الحديد الآية (١١) وسورة التّغابن الآية (١٧) وسورة المزمل الآية (٢٠).
﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾: وعد الله بمضاعفة الأجر أضعافاً كثيرة؛ أي: الحسنة بعشر أمثالها إلى (٧٠٠) ضعف أو أكثر من ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال والأوقات، ومضاعفة الأجر تعني مضاعفة الكمّ.
﴿وَلَهُ﴾: له: اللام لام الاستحقاق (الاختصاص).
﴿أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾: كريم: يعني: الكيف، والأجر الكريم نوع من أنواع الأجر؛ فهناك الأجر العظيم، والحسن، والممنون، والكبير، والمبين؛ يعني: الجنة، فبيّن في هذه الآية الكمّ والكيف ومضاعفة الجر كما قلنا مضاعفة الكم؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٤٥) لمزيد من البيان في القرض الحسن.
стр. 5283
سورة الحديد [٥٧: ١٢]
﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾:
﴿يَوْمَ﴾: نكرة: للتهويل والتعظيم؛ ويعني يوم القيامة.
﴿تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: رؤية العين؛ أي: الرؤية رؤية عينية، والمخاطب أيُّ إنسان، والمخبر بذلك هو الله سبحانه وما يخبرنا به الله سبحانه أصدق وأفضل مما تراه عيوننا.
المؤمنين والمؤمنات: المؤمنين (تشمل الرجال والنساء) والمؤمنات: قسم من المؤمنين، جاء بذكر الخاص بعد العام؛ للتوكيد.
﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾: يسعى: من السّعي هو أسرع من المشي ولا يصل إلى درجة الرّكض؛ أي نورهم يسعى: يُسرع بين أيديهم، نورهم: الذي يخرج من وجوههم وأيديهم من آثار الوضوء، فينوّر أمامهم ولا يعني أمامهم قادم نحوهم، وإنما هو نور صادر منهم ويضيء أمامهم فقد يكون أمامهم وبعيداً عنهم ولا يضيء لهم أو يُنتفع منه. وقوله: يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، ويدل ذلك على الإسراع بهم إلى الجنة؛ أي: نور يشعّ منهم ومحدّد بين أيديهم وبأيمانهم؛ أي: يتقدّمهم لا ينفصل عنهم بحيث إذا سعوا (سعى) معهم وإذا وقفوا توقّف فأسند السعي إلى النور، ولم يقل يسعون ليدل ذلك على الجهد أو التعب يلاقوه أو يعانوه. وبأيمانهم: ذكر الأيمان؛ للتشريف: والباء للإلصاق والملازمة. والمراد به في جميع الجهات.
стр. 5284
﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ﴾: تبشّرهم الملائكة، والبشرى إذا أطلقت عادة لا تكون إلا بخبر يسرّ صاحبه إلا إذا استعملت على سبيل التّهكم أو بشكل مقيد؛ وانظر كيف تحول الكلام من صيغة الغائب: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بُشْرَاكُمُ﴾ بصيغة المخاطب مباشرة، وكان المشهد مشهد البشرى أمامك، وهذا يبعث الفرح والسرور أكثر مما لو قيل بشراهم، وقوله تعالى: ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ﴾: اليوم بصيغة المعرفة للدلالة على التوكيد والكمال في ذلك اليوم.
﴿جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: جناتٌ مثل: جنات الفردوس أو عدن أو جنات النّعيم أو الخلد، تجري من تحتها الأنهار: أي تنبع من تحتها الأنهار.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: الخلود: الاستمرار والبقاء إلى ما لا نهاية ولكن له نقطة بداية هي زمن دخولهم تلك الجنات.
﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: أعظم أنواع الفوز، أعظم من الفوز الكبير أو المبين. وإذا قارنا هذه الآية: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ مع قوله تعالى في الآية (١١١) من سورة التوبة وهي قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ بزيادة الواو التي تدل على الفوز العظيم في آية التوبة أقوى وآكد من الفوز العظيم في آية الحديد.
سورة الحديد [٥٧: ١٣]
﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾:
﴿يَوْمَ﴾: تعود على: يوم القيامة، أو على: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات.
﴿يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: المنافقون هم الذين قالوا آمنا
стр. 5285
بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم (أظهروا الإسلام أخفوا الكفر) يقولون للذين آمنوا: (الذين نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم).
﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُّورِكُمْ﴾: وهذا يدل على أنهم في ظلمة؛ أي: أمهِلونا أو اصبروا قليلاً حتى نلحق بكم ونقتبس من نوركم (انظرونا: اصبروا قليلاً) أو انظرونا قليلاً ولم يقولوا انتظرونا؛ لأن الانتظار فيه تمهُّل وإبطاء، فهم يطلبون من المؤمنين والمؤمنات أقل وقت أو زمن حتّى يتمكّنوا من استخدام نور المؤمنين في رؤية طريقهم أو ما حولهم؛ لأنّهم لا نور لهم. وهناك احتمال قليل أن يكون معنى انظرونا: أي انظروا إلينا قليلاً بوجوهكم أو نوّروا علينا بنوركم، نقتبس من نوركم: جمع نور؛ نور كل مؤمن ومؤمنة، ونوركم: يدل على عظم هذا النور (نقتبس) صيغة مبالغة من القبس على وزن نفتعل، القبس: أي نأخذ من نوركم أو نستفيد منه، والقبس يعني شيئاً قليلاً: واقتبس منه ناراً أو علماً؛ أي: استفاد منه.
﴿قِيلَ﴾: مبني للمجهول؛ لأنه ليس مهماً معرفة القائل والمهم المقولة، وقيل: القائل هم الملائكة.
﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾: أي استديروا وارجعوا إلى ورائكم باحثين عن نور آخر، وهذا نوع من التّوبيخ والتّهكّم، فليس هناك نور آخر. أو: ارجعوا وراءكم إلى الدنيا فالتمسوا نوراً: الفاء للمباشرة والتّعقيب، الالتماس: هو الطّلب، والتماس هذا النّور، وطلبه كان يجب أن يكون بالإيمان والعمل الصّالح في الدنيا وليس الآن.
فيرجعون باحثين عن ذلك النّور، فيضرب بينهم وبين المؤمنين بسور؛ أي: حاجز أو حائط. ومنهم من قال: هو السّور الذي ذكر في سورة الأعراف: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦].
стр. 5286
﴿لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾: أي داخله أو باطنه فيه الرّحمة (أي جانب المؤمنين).
﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾: أو خارج السّور أو ظاهره العذاب؛ أي: حيث يوجد المنافقون.
سورة الحديد [٥٧: ١٤]
﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِىُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾:
﴿يُنَادُونَهُمْ﴾: ينادي المنافقون المؤمنين من وراء السّور، والنّداء لا يكون إلا برفع الصّوت، وأضاف النّون بدلاً من ينادوهم للتوكيد، وينادونهم تدل على تجدد وتكرار النّداء، فلم ينادوهم مرة أو اثنتين، ينادونهم لعلّهم يمدون إليهم يد العون بأيّ شيء ممكن أو يساعدونهم على ما حلّ بهم.
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتعجب والتقدير.
﴿نَكُنْ مَّعَكُمْ﴾: نكن معكم في الدنيا. أي: إخوانكم نمدّ لكم يد العون أو نساعدكم، معكم: ولم يقولوا منكم: هناك فرق كبير بين منكم أو معكم، منكم: أي من المؤمنين فهم يعلمون حقيقة إيمانهم في أنفسهم أنهم اتخذوا أيمانهم جُنّة فصدوا عن سبيل الله وكما قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُمْ مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦].
﴿قَالُوا بَلَى﴾: أي قال المؤمنون: بلى، ردّاً على استفهام النّفي. ارجع إلى سورة الأحقاف الآية (٣٤) لمزيد من البيان.
﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾: لكن حرف استدراك وتوكيد والكاف للمخاطب
стр. 5287
خاصة، فتنتم أنفسكم: الفتنة هي أشد التّكليف؛ أي: أثقلتموها وحمّلتموها بالنّفاق أو أضللتم أنفسكم في ظلمات المعاصي والشّهوات.
﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾: تربصتم بمحمّد ﷺ وأصحابه الدّوائر أو نوائب الدّهر، والتّربُّص: هو الانتظار والمراقبة مع السّؤال والتّفتيش عن الأنباء والأخبار، وأنّ محمداً سيُغلب ويقهر أو يفشل في رسالته، وأن الإسلام سيندحر، وقدم التربص (الانتظار) على الريبة؛ لأن طول الانتظار يؤدي إلى الريبة.
﴿وَارْتَبْتُمْ﴾: الرّيبة هي الشّك والتّهمة، ارتبتم في دين الله تعالى وفي القرآن وفي نبوة محمّد ﷺ ، والبعث والحساب والآخرة.
﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِىُّ﴾: أي خدعتكم الأماني الكاذبة أو الباطلة (جمع أمنية، والتّمنّي: هو أن يقول القائل: ليت الأمر كذا وكذا) والتّمنّي: معنى في النّفس يقع عند فوات فعل كان للتّمنّي في وقوعه نفع أو في زواله ضرر في الماضي أو المستقبل، وغرّتكم الأمانيّ أنّ النصر والغلبة ستكون لكم. أو أن الله لن ينصر رسوله ﷺ ، أو أن الله سيغفر لكم وغيرها …
﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: وهو إمّا الموت أو نصر الله لدينه ورسوله ودخول الناس في دين الله أفواجاً.
﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: أي الشّيطان الذي زيّن لكم الكفر والشّرك والنّفاق وسَعة رحمة الله لكم والنّجاة من عذاب الله، ولن يؤاخذكم الله على فسادكم وصدّكم عن سبيل الله تعالى. ارجع إلى سورة فاطر الآية (٥) لمزيد من البيان، والفرق بين الغُرور والغَرور.
стр. 5288
سورة الحديد [٥٧: ١٥]
﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِىَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾:
﴿فَالْيَوْمَ﴾: الفاء استئنافية، يوم القيامة يوم الحساب.
﴿لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾: الخطاب موجه إلى المنافقين؛ لا النّافية، يؤخذ منكم فدية: الفدية: هو ما يدفع من المال لحفظ النّفس من الهلاك أو النّجاة من النّار أو فكّ الأسر أو غيرها، والفدية ليست مختصة بالمال فقط فهناك فدية من صيام أو صدقة أو نسك، وبما أنّه قال: (لا يؤخذ منكم فدية)، فمعنى ذلك: المال، ولو قال تعالى لا تقبل منكم فدية، فقد يعني المال أو الصّيام أو الصّدقة أو النّسك، منكم: أيّها المنافقون، فدية: نكرة؛ أي: مهما كان نوعها لن تؤخذ منكم. حتى ولو كانت ملء الأرض ذهباً أو ما في الأرض جميعاً ومثله معه.
﴿وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: لا النّافية، وتكرارها يفيد توكيد النّفي: عدم الأخذ؛ أي: لا منكم أيّها المنافقون ولا من الذين كفروا ولا منكما معاً.
﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾: المأوى: دار الإقامة. ارجع إلى سورة الرّعد الآية (١٨) لمزيد من البيان، الخطاب للكفار والمنافقين.
﴿هِىَ مَوْلَاكُمْ﴾: أولى بكم أو تتولّى أموركم، مولاكم من: المولى، والمولى؛ أي: المعين والنّاصر؛ فالنار مأواهم ومولاهم معاً، وفي هذا إهانة شديدة لهم؛ أي: النار كل شيء بالنسبة لهم.
﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: بئس: من أفعال الذّم، المصير: النّهاية والمآل.
стр. 5289
سورة الحديد [٥٧: ١٦]
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام وفيها معنى الاستبطاء والتّقرير.
﴿يَأْنِ﴾: يحِن الوقت، من أنَى الوقت، والأين: الحين.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص، أن مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد، تخشع قلوبهم لذكر الله: ترقّ وتلين قلوبهم، الخشوع: هو أن تخضع قلوبهم وتذلّ، ويظهر ذلك الخشوع على الصوت والبصر.
﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾: آيات الله ووعده ووعيده وعموم الذّكر والموعظة.
﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾: وهو القرآن، ذكر الخاص بعد العام للتوكيد والاهتمام بالقرآن، نزل بشكل منجّم أو على دفعات من الآيات والذّكر الحكيم، الحق: هو القرآن الحكيم الذي لا يتبدل أو يتغير، والذي ليس هناك غيره.
﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: لا النّافية، الذين أوتوا الكتاب: ولم يقل لا يكونوا كالذين آتيناهم الكتاب، أو كأهل الكتاب. أوتوا الكتاب أو أوتوا نصيباً من الكتاب تستعمل في سياق الذّم حين يُبنى للمجهول، والذين أوتوا الكتاب؛ أي: اليهود والنصارى بشكل عام وأهل الكتاب؛ أي: (التوراة والإنجيل).
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل نزول القرآن، وضمّ اللام يدل على زمن محدد معلوم؛ أي: لا يكونوا كاليهود والنّصارى في الغفلة أو الإعراض عن ذكر الله، أو عدم الاستجابة له أو في قسوة القلوب وعدم الخشوع.
﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾: أي الزّمن البعيد؛ أي: بينهم وبين أنبيائهم.
стр. 5290
﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: الفاء السّببية، لم تعد تلين وتخشع قلوبهم لذكر الله من وعد ووعيد أو آيات الله؛ أي: تنفعل وتسمع لها وتؤخذ بها.
﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾: خارجون عن طاعة الله تعالى أو دينه، الفرق بين (كثير منهم فاسقون) وأكثرهم فاسقون: أكثرهم تعني العدد أو النّسبة أكثر من قوله: كثير منهم فاسقون.
سورة الحديد [٥٧: ١٧]
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْىِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾:
المناسبة: كما يحيي الله القلوب القاسية بذكر الله وبآياته، يحيي الله الأرض بعد موتها بماء المطر أو الغيث، وفي هذا دلالة وبرهان على البعث بعد الموت.
﴿اعْلَمُوا﴾: مشتقة من العلم.
﴿أَنَّ اللَّهَ يُحْىِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: ولم يقل من بعد موتها؛ أي: مباشرة من بعد موتها، وإنما ماتت منذ زمن طويل أو بعيد.
ولمعرفة كيف يحيي الأرض: ارجع إلى سورة الحج آيتين (٥، ٦٣) وسورة فصلت آية (٣٩)، وسورة الأنعام آية (٩٩).
﴿قَدْ﴾: للتحقيق.
﴿بَيَّنَّا لَكُمُ﴾: أوضحنا لكم الآيات، جمع آية سواء كانت آيات القرآن، أو الآيات الكونية والبراهين والدّلائل.
﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعل تفيد التّعليل.
﴿تَعْقِلُونَ﴾: تصلون إلى الحقيقة، من عقل الشّيء: عرفه بدليله وفهمه
следующие страницы →