Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.
стр. 5286
﴿لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾: أي داخله أو باطنه فيه الرّحمة (أي جانب المؤمنين).
﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾: أو خارج السّور أو ظاهره العذاب؛ أي: حيث يوجد المنافقون.
سورة الحديد [٥٧: ١٤]
﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِىُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾:
﴿يُنَادُونَهُمْ﴾: ينادي المنافقون المؤمنين من وراء السّور، والنّداء لا يكون إلا برفع الصّوت، وأضاف النّون بدلاً من ينادوهم للتوكيد، وينادونهم تدل على تجدد وتكرار النّداء، فلم ينادوهم مرة أو اثنتين، ينادونهم لعلّهم يمدون إليهم يد العون بأيّ شيء ممكن أو يساعدونهم على ما حلّ بهم.
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتعجب والتقدير.
﴿نَكُنْ مَّعَكُمْ﴾: نكن معكم في الدنيا. أي: إخوانكم نمدّ لكم يد العون أو نساعدكم، معكم: ولم يقولوا منكم: هناك فرق كبير بين منكم أو معكم، منكم: أي من المؤمنين فهم يعلمون حقيقة إيمانهم في أنفسهم أنهم اتخذوا أيمانهم جُنّة فصدوا عن سبيل الله وكما قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُمْ مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦].
﴿قَالُوا بَلَى﴾: أي قال المؤمنون: بلى، ردّاً على استفهام النّفي. ارجع إلى سورة الأحقاف الآية (٣٤) لمزيد من البيان.
﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾: لكن حرف استدراك وتوكيد والكاف للمخاطب
стр. 5287
خاصة، فتنتم أنفسكم: الفتنة هي أشد التّكليف؛ أي: أثقلتموها وحمّلتموها بالنّفاق أو أضللتم أنفسكم في ظلمات المعاصي والشّهوات.
﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾: تربصتم بمحمّد ﷺ وأصحابه الدّوائر أو نوائب الدّهر، والتّربُّص: هو الانتظار والمراقبة مع السّؤال والتّفتيش عن الأنباء والأخبار، وأنّ محمداً سيُغلب ويقهر أو يفشل في رسالته، وأن الإسلام سيندحر، وقدم التربص (الانتظار) على الريبة؛ لأن طول الانتظار يؤدي إلى الريبة.
﴿وَارْتَبْتُمْ﴾: الرّيبة هي الشّك والتّهمة، ارتبتم في دين الله تعالى وفي القرآن وفي نبوة محمّد ﷺ ، والبعث والحساب والآخرة.
﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِىُّ﴾: أي خدعتكم الأماني الكاذبة أو الباطلة (جمع أمنية، والتّمنّي: هو أن يقول القائل: ليت الأمر كذا وكذا) والتّمنّي: معنى في النّفس يقع عند فوات فعل كان للتّمنّي في وقوعه نفع أو في زواله ضرر في الماضي أو المستقبل، وغرّتكم الأمانيّ أنّ النصر والغلبة ستكون لكم. أو أن الله لن ينصر رسوله ﷺ ، أو أن الله سيغفر لكم وغيرها …
﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: وهو إمّا الموت أو نصر الله لدينه ورسوله ودخول الناس في دين الله أفواجاً.
﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: أي الشّيطان الذي زيّن لكم الكفر والشّرك والنّفاق وسَعة رحمة الله لكم والنّجاة من عذاب الله، ولن يؤاخذكم الله على فسادكم وصدّكم عن سبيل الله تعالى. ارجع إلى سورة فاطر الآية (٥) لمزيد من البيان، والفرق بين الغُرور والغَرور.
стр. 5288
سورة الحديد [٥٧: ١٥]
﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِىَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾:
﴿فَالْيَوْمَ﴾: الفاء استئنافية، يوم القيامة يوم الحساب.
﴿لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾: الخطاب موجه إلى المنافقين؛ لا النّافية، يؤخذ منكم فدية: الفدية: هو ما يدفع من المال لحفظ النّفس من الهلاك أو النّجاة من النّار أو فكّ الأسر أو غيرها، والفدية ليست مختصة بالمال فقط فهناك فدية من صيام أو صدقة أو نسك، وبما أنّه قال: (لا يؤخذ منكم فدية)، فمعنى ذلك: المال، ولو قال تعالى لا تقبل منكم فدية، فقد يعني المال أو الصّيام أو الصّدقة أو النّسك، منكم: أيّها المنافقون، فدية: نكرة؛ أي: مهما كان نوعها لن تؤخذ منكم. حتى ولو كانت ملء الأرض ذهباً أو ما في الأرض جميعاً ومثله معه.
﴿وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: لا النّافية، وتكرارها يفيد توكيد النّفي: عدم الأخذ؛ أي: لا منكم أيّها المنافقون ولا من الذين كفروا ولا منكما معاً.
﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾: المأوى: دار الإقامة. ارجع إلى سورة الرّعد الآية (١٨) لمزيد من البيان، الخطاب للكفار والمنافقين.
﴿هِىَ مَوْلَاكُمْ﴾: أولى بكم أو تتولّى أموركم، مولاكم من: المولى، والمولى؛ أي: المعين والنّاصر؛ فالنار مأواهم ومولاهم معاً، وفي هذا إهانة شديدة لهم؛ أي: النار كل شيء بالنسبة لهم.
﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: بئس: من أفعال الذّم، المصير: النّهاية والمآل.
стр. 5289
سورة الحديد [٥٧: ١٦]
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام وفيها معنى الاستبطاء والتّقرير.
﴿يَأْنِ﴾: يحِن الوقت، من أنَى الوقت، والأين: الحين.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص، أن مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد، تخشع قلوبهم لذكر الله: ترقّ وتلين قلوبهم، الخشوع: هو أن تخضع قلوبهم وتذلّ، ويظهر ذلك الخشوع على الصوت والبصر.
﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾: آيات الله ووعده ووعيده وعموم الذّكر والموعظة.
﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾: وهو القرآن، ذكر الخاص بعد العام للتوكيد والاهتمام بالقرآن، نزل بشكل منجّم أو على دفعات من الآيات والذّكر الحكيم، الحق: هو القرآن الحكيم الذي لا يتبدل أو يتغير، والذي ليس هناك غيره.
﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: لا النّافية، الذين أوتوا الكتاب: ولم يقل لا يكونوا كالذين آتيناهم الكتاب، أو كأهل الكتاب. أوتوا الكتاب أو أوتوا نصيباً من الكتاب تستعمل في سياق الذّم حين يُبنى للمجهول، والذين أوتوا الكتاب؛ أي: اليهود والنصارى بشكل عام وأهل الكتاب؛ أي: (التوراة والإنجيل).
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل نزول القرآن، وضمّ اللام يدل على زمن محدد معلوم؛ أي: لا يكونوا كاليهود والنّصارى في الغفلة أو الإعراض عن ذكر الله، أو عدم الاستجابة له أو في قسوة القلوب وعدم الخشوع.
﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾: أي الزّمن البعيد؛ أي: بينهم وبين أنبيائهم.
стр. 5290
﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: الفاء السّببية، لم تعد تلين وتخشع قلوبهم لذكر الله من وعد ووعيد أو آيات الله؛ أي: تنفعل وتسمع لها وتؤخذ بها.
﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾: خارجون عن طاعة الله تعالى أو دينه، الفرق بين (كثير منهم فاسقون) وأكثرهم فاسقون: أكثرهم تعني العدد أو النّسبة أكثر من قوله: كثير منهم فاسقون.
سورة الحديد [٥٧: ١٧]
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْىِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾:
المناسبة: كما يحيي الله القلوب القاسية بذكر الله وبآياته، يحيي الله الأرض بعد موتها بماء المطر أو الغيث، وفي هذا دلالة وبرهان على البعث بعد الموت.
﴿اعْلَمُوا﴾: مشتقة من العلم.
﴿أَنَّ اللَّهَ يُحْىِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: ولم يقل من بعد موتها؛ أي: مباشرة من بعد موتها، وإنما ماتت منذ زمن طويل أو بعيد.
ولمعرفة كيف يحيي الأرض: ارجع إلى سورة الحج آيتين (٥، ٦٣) وسورة فصلت آية (٣٩)، وسورة الأنعام آية (٩٩).
﴿قَدْ﴾: للتحقيق.
﴿بَيَّنَّا لَكُمُ﴾: أوضحنا لكم الآيات، جمع آية سواء كانت آيات القرآن، أو الآيات الكونية والبراهين والدّلائل.
﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعل تفيد التّعليل.
﴿تَعْقِلُونَ﴾: تصلون إلى الحقيقة، من عقل الشّيء: عرفه بدليله وفهمه
стр. 5291
بأسبابه ونتائجه. ولعلكم تفهمون معنى تلك الآيات. وإذا قارنا ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ بقوله في الآية (٦٠) من سورة القصص: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وقوله تعالى في الآية (١١٨) من سورة آل عمران: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: نجد أشدها توبيخاً (إن كنتم تعقلون)، ثم تليها (أفلا تعقلون)، و (لعلكم تعقلون) أخفها.
سورة الحديد [٥٧: ١٨]
﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾:
﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾: إنّ للتوكيد، المصّدّقين والمصّدّقات فيها مبالغة أكثر من المتصدقين والمتصدقات؛ أي: بالغوا في تقديم الصّدقات للفقراء والمساكين؛ أي: المكثرون في إعطاء الصّدقات؛ تضم الزّكاة وصدقة التّطوع والإنفاق في سبيل الله وغيرها، وعلى الفقراء والمساكين وإعلاء كلمة الله ودينه.
﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: لتعريف القرض الحسن: ارجع إلى الآية السّابقة (١١)، بالنّفقة في سبيله، وفيها ندب ومن باب التّرغيب وليس الإلزام.
﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾: ارجع إلى الآية (١١) للبيان.
стр. 5292
سورة الحديد [٥٧: ١٩]
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾: والذين آمنوا بالله ورسله: ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٨٥) للبيان. أولئك اسم إشارة واللام للبعد يفيد المدح والتّعظيم، هم: للتوكيد، الصّدّيقون: أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحمزة وطلحة والزّبير وسعد وزيد وغيرهم؛ أي: من سبقوا بالإيمان أو حازوا على درجة الصّدّيقين، والتي تلي درجة النّبوة كما قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾: الواو استئنافية، وللاهتمام: الشّهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، الشّهداء جمع شهيد: وهو من قُتل في سبيل الله.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: العنديّة الخاصة عنديّة الشّرف، لهم درجات منه ومغفرة ورحمة ولهم الحسنى وهم: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ارجع إلى سورة البقرة آية (٣٩) للبيان.
سورة الحديد [٥٧: ٢٠]
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾:
﴿اعْلَمُوا﴾: للوعظ والإرشاد، المخاطب كلّ إنسان.
﴿أَنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد الحصر أو القصر.
стр. 5293
﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: الدّنيا: صفة، والدّنيا مشتقة من الدّنو والقرب؛ أي: القريبة أو الحياة السّفلى، وقد تسمى العاجلة.
﴿لَعِبٌ﴾: اللعب: هو شغل لا يُلهي عن واجب فإذا صرف الإنسان عن واجب؛ أي: انشغل باللعب عن الصّلاة يسمى اللعب لهواً.
﴿وَلَهْوٌ﴾: هو شغل يُلهي عن واجب وهو أسوأ من اللعب، وهو أعم من اللعب. وقدم اللعب على اللهو في هذه الآية؛ ارجع إلى سورة العنكبوت آية (٦٤) للمقارنة حيث قدم اللهو على اللعب.
واللعب بالنسبة للأطفال أمر طبيعي وعادي، وأمّا بالنّسبة للكبار فهو مذموم إن شغل صاحبه عن فرض أو واجب، واللعب إذا كان يتمثل بالرّياضة والسّباحة أو غايته بناء الجسم أو نقص الوزن ومكافحة السّمنة فهو أمر جيد، شرط أن لا يشغل العبد عن صلاته أو واجبه.
﴿وَزِينَةٌ﴾: باللباس والجواهر والحليّ والذّهب والفضة والمتاع وغيره.
﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾: بالألقاب والأنساب، بالقوة والصّورة، واللباس والزّينة، والمساكن والقصور والمراكب كالسّيارات والخيول .. والجاه والسّلطان .. أطلق التّفاخر ولم يحدد؛ لتشمل كلّ أمر.
﴿وَتَكَاثُرٌ فِى الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾: وانتبه إلى قوله: (في الأموال والأولاد)، ولم يقل بالأموال وبالأولاد، في: ظرفية، استعمل في لكي لا يحدد المبلغ وإنما تركه مفتوحاً الآلاف أو الملايين أو أكثر، ولو استعمل الباء لحدّد كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ٢٧٤] فهو حدّد، والتّكاثر في الأموال والأولاد قد يكون للتفاخر بينكم، وقدّم الأموال على الأولاد؛ لأنّ الأموال أعمّ فكلّ فرد عنده المال وأمّا الأولاد فهناك الكثير ممن ليس له ولد.
﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾: الكاف للتشبيه، غيث: ولم يقل مطر؛ لأنّ الغيث فيه معنى
стр. 5294
النّفع والرّحمة، والمطر فيه معنى الضّرر والفيضانات وغيره (من خصائص لغة القرآن).
﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾: الكفار: الزُّرّاع أو الفلاحين، سموا كفاراً من الكفر: وهو السّتر لغةً؛ لسترهم البذر في التّراب بعد حرث الأرض وإلقاء البذر فيها؛ أي: أعجب الزُّراع بعد نموّه واستبشروا وفرحوا به.
﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾: ثمّ للترتيب والتّراخي؛ أي: آن حصاده، بلغ النّبات أشُدَّه.
﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾: ثمّ يتكسّر ويفتّت؛ ليخرج منه الحب ويبقى القش التّبن؛ لتدوسه الحيوانات وتأكل منه، وهكذا حال الدّنيا وسرعة زوالها بعد خضارتها ونضارتها التي تمثل مرحلة الشّباب تأتي مرحلة الكهولة ثمّ الشيخوخة والموت. وإذا قارنا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ مع قوله تعالى في الآية (٢١) من سورة الزمر: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾: نجد في الفعل يكون حطاماً يعد إلى النبات، وأما الفعل في يجعله حطاماً يعود إلى الله سبحانه.
﴿وَفِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: للذين كفروا وكذبوا بآيات الله، ولم يقل من الله؛ لأنه لا يجوز أن ينسب السوء إلى الله تعالى؛ لأنه بما قدت أو كسبت أيديهم.
﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾: مغفرة: إسقاط العقاب، وإيجاب الثواب، والرضوان: كثير الرضا؛ الرضا من الله تعالى للذين آمنوا بالله ورسله.
في هذه الآية قدّم العذاب على المغفرة والمغفرة على رضوان الله، المغفرة: يُحتاج إليها لدخول الجنة، والرّضوان: يكون بعد الدّخول إلى الجنة ولا يكون إلا من الله تعالى وحده.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾: ارجع إلى سورة آل عمران الآية (١٨٥) وسورة فاطر آية (٥).
стр. 5295
سورة الحديد [٥٧: ٢١]
﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾:
﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾: أي بدلاً وأفضل لكم من التّسابق إلى الدّنيا ولعبها ولهوها وزينتها وتفاخرها، وما فيها من أموال وأولاد: أن تتسابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنته، فهذا هو التّسابق الحقيقي والأفضل والدّائم، والتّسابق عادة يحتاج إلى أكثر من واحد أو فرد، فلابدّ من اثنين أو أكثر، وهناك فرق بين سابقوا وسارعوا، كما ورد في سورة آل عمران الآية (١٣٣)، ارجع إلى آية آل عمران للبيان.
﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: وفي آية آل عمران (١٣٣) قال تعالى: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ففي آية الحديد استعمل كاف التّشبيه (عرضها كعرض السّماء والأرض) وتعريف السّماء: هي كلّ ما عَلاك، فالسّماء تشمل السموات السّبع وغيرها.
وقوله: كعَرض وليس عرض السّماء والأرض؛ تعني الإطلاق؛ أي: بلا تحديد، فقوله: (كعرض السّماء والأرض)؛ أي: أكبر وأوسع وأشمل من عرضها السموات والأرض، هذا بالنّسبة للعرض فما بالك بالطّول! فلم يحدّده أبداً، إذن الجنة غير منتهية وغير محدودة.
﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾: بينما في آية آل عمران (أعدّت للمتقين)، للذين: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، للمتقين: اللام لام الاختصاص والاستحقاق أيضاً، ففي آية الحديد (للذين آمنوا بالله ورسله) وهم أكثر عدداً من المتقين؛ ولذلك ناسبهم (جنة عرضها كعرض السّماء والأرض)، وأمّا المتقين فهم أقل عدداً من الذين آمنوا بالله ورسله فناسبهم (جنة عرضها السماوات والأرض) أي: الأقل سَعة من جنة عرضها كعرض السّماء والأرض.
стр. 5296
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: ذلك اسم إشارة واللام للبعد، يشير إلى المغفرة ودخول الجنة، فضل الله: الفضل هو الزّيادة على ما يستحق العبد من الأجر وما يتفضل به الله سبحانه من غير سبب يوجبه أو يقدّمه العبد، يؤتيه: من الإيتاء: وهو العطاء، وهناك فرق بين الإيتاء والعطاء، ارجع إلى سورة البقرة الآية (٢٥١) للبيان. من يشاء: من ابتدائية، وهو ذو الفضل المطلق يعطيه من يشاء من عباده، وأعظم الفضل هو فضل النبوة والتقوى والعلم والخير بكل أشكاله.
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: والله واسع الفضل والإحسان، فالملك ملكه والخلق خلقه، وكما قال تعالى: ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤].
سورة الحديد [٥٧: ٢٢]
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ﴾: ما النّافية، أصاب من: استغراقية تستغرق كلّ مصيبة مهما كانت صغيرة أو كبيرة، ومهما كان نوعها.
﴿أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ﴾: المصيبة: في اللغة هي كلّ ما يصيب الإنسان من خير أو شر وتستعمل غالباً في الشّر، مصيبة في الأرض: من حرائق أو فيضانات أو قحط أو جدب، أو كوارث جوية وريح عاصفة وغيرها.
﴿وَلَا فِى أَنفُسِكُمْ﴾: بالمرض وفقد الولد أو المال أو الموت، تكرار (لا) يفيد توكيد النّفي وفصل كلّ منهما على حدةٍ أو كلاهما معاً، أنفسكم: ولم يقل نفوسكم، أنفسكم لا تعني كلّ نفس، ونفوسكم تعني كلّ نفس ذكر أو أنثى.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿فِى كِتَابٍ﴾: في ظرفية، مكتوبة في اللوح المحفوظ منذ الأزل من قبل أن نبرأها.
стр. 5297
﴿مِنْ قَبْلِ﴾: تعني زمناً غير معين.
﴿أَنْ نَّبْرَأَهَا﴾: أن حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد، نبرأها: تعود على الأنفس. برأ الخلق: أوجدهم على غير مثال سابق، أو نخلقها ونصوّرها على أشكالها المختلفة، وقوله نبرأها: بصيغة الجمع للتعظيم وعظم البرء.
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: إنّ للتوكيد، ذلك: اسم إشارة يشير إلى البرء، على الله: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، يسير: هيّنٌ سهلٌ، والله سبحانه ليس عنده صعب أو هيّن، وإنما يذكر ذلك للتقريب لعقول البشر.
انتبه إلى هذه الملاحظة: دائماً في القرآن كلمة (أصاب) تصاحب مصيبة، مصيبة أصلها من: الإصابة، والإصابة ضد الخطأ؛ أي: أصاب فلان الهدف؛ أي: لم يخطئ.
قدّم (في الأرض) على (في أنفسكم)؛ لأنّ ما يقع في الأرض بشكل عام من كوارث أكثر من المصائب التي تصيب الأنفس، أو لأنّ المصائب تصيب الأرض أوّلاً ثمّ تؤثّر في الأنفس ثانياً.
سورة الحديد [٥٧: ٢٣]
﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾:
﴿لِّكَيْلَا﴾: اللام لام التّعليل، وكي حرف مصدري وتشير إلى السبب الحقيقي، ولا النافية.
﴿تَأْسَوْا﴾: من الأسى: الحُزن الشديد، وفيه نوع من الجزع والندم، وقد تطول، والحزن أشد من الأسى.
﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾: على ما لم تحصلوا عليه من متاع أو خَلاق الدّنيا،
стр. 5298
ونعيمها؛ لأنه ليس مقدّراً لكم أو ليس من نصيبكم، أو لأنكم لم تقدّموا الأسباب الكافية للحصول عليه.
﴿وَلَا﴾: لا النّافية، تكرارها يفيد توكيد النّفي وفصل كل منهما على حدةٍ أو كلاهما معاً.
﴿تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾: فالفرح إذا بلغ حدّ الإعجاب بالنّفس يصبح مصيبة وقد يتحول إلى الاختيال والكبر، فالفرح بالأولاد والأموال من جبلة الإنسان والفرح غير مذموم، فهذا هبة من الله، ولكن المصيبة لماذا تتفاخر وتتكبر؟!
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾: تقديم الله: الفاعل على الفعل يفيد القصر وإزالة الوهم من ذهن المخاطب. كلّ: للتوكيد، مختال: مشتقة من خَال: تكبّر، والكلمة مأخوذة من حركة الحصان حين يتخايل في حركاته عندما يركبه فارسه للسباق أو العرض، والحصان سمي خيلاً؛ لأنّه يتخايل، فخور: الذي يفخر بالقول أو بالشّعر، أو الأجداد والأنساب، أو بماله وجاهه. ارجع إلى سورة لقمان آية (١٨) وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ لمزيد في معنى مختال فخور.
لنقارن هذه الآية مع الآية (١٥٣) من سورة آل عمران.
آية الحديد: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾
وآية آل عمران: ﴿لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣] الحزن أشد وأصعب وأبلغ من الأسى في آية الحديد؛ لأن آية آل عمران نزلت بعد غزوة أحد والحزن كان على أمرين:
стр. 5299
١ - ما فاتهم من الغنائم.
٢ - ما أصابهم من الهزيمة والجراح.
أمّا آيّة الحديد: الأسى عامة على ما فاتهم من متاع الدّنيا وخَلاقها أو نعيمها؛ أي: أمر واحد.
وإذا قارنّا هذه الآية مع الآية (٣٠) من سورة الشّورى وهي قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] فهي تبين سبب المصائب: هو بما كسبت أيدي النّاس.
وإذا قارنّا هذه الآية من سورة الحديد وهي قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ مع الآية (١٨) من سورة لقمان وهي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].
نجد أنّ الفرق بينهما يرجع إلى زيادة (إنّ) في آية لقمان، وإنّ تدل على التّوكيد، في لقمان يرجع ذلك إلى أنّه ذكر عدداً كثيراً من الصّفات التي تدعو إلى الفخر والاختيال مثل: رفع الصّوت والمشي في الأرض مرحاً والمشي بسرعة. فناسب ذلك زيادة أداة التوكيد (إنّ)، ولا ننسى قوله تعالى في سورة البقرة آية (٢٧٦): ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾: نزلت في سياق آكل الربا، والآية (٣٦) في سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾: في سياق العبادة والإحسان والطاعة، وأما الآية (١٠٧) في سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾: جاءت في سياق طعمة بن أبيرق.
سورة الحديد [٥٧: ٢٤]
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾:
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾: تعود على كلّ مختال فخور، فالمختال غالباً ما يكون بخيلاً؛ لأنّه لا يرى لغيره حقاً عليه، والفخور يشعر بعظم نفسه ويفرح بالنّعمة وينسى شكر المنعم، فهؤلاء يبخلون بأداء حق الله (الزّكاة)
стр. 5300
وبالصّدقة على الفقراء والمساكين، ولا يكتفون بذلك فهم يطلبون من النّاس الكفّ عن الإنفاق والصّدقة على الفقراء والمساكين، وفي الحقيقة هم يبخلون عن أنفسهم ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَّفْسِهِ﴾ [محمد: ٣٨].
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾: من شرطية، يتولّ: أي يبتعد ويعرض عن الإنفاق في سبيل الله.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، إنّ للتوكيد.
﴿هُوَ﴾: تفيد التّوكيد.
﴿الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾: الغني عن خلقه وعن إنفاقهم.
فهو الكامل الغني، والغني عن العالمين، وقد ذكر هذا الاسم (الغني) ثمان عشرة مرة. وهو الغني المغني عباده وكلّ الغنى من غناه، الحميد المحمود في الأرض والسّماء؛ لما أنعم على خلقه، الحميد: له الحمد كلّه؛ لأنّه يستحق الحمد كلّه في السّراء والضّراء، وله الحمد في الأولى والآخرة، له الحمد لذاته وأفعاله وصفاته، ولفضله وإحسانه وخلقه، وشرعه وأحكامه ورحمته، وقد ذكر هذا الاسم الحميد في القرآن سبع عشرة مرة.
وقد اقترن اسم الغني بالحميد في عشر مرات؛ لأنه سبحانه هو الغني عن عباده وعن عبادتهم، والغني في ملكه يعطي عباده فيُحمد، ويحمد للأسباب التي ذكرناها.
стр. 5301
سورة الحديد [٥٧: ٢٥]
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾:
﴿لَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق؛ أي: تحقق وتمّ ذلك. وجاءت لقد بدون واو كقوله: ولقد؛ لأن الآية بدء لخبر جديد؛ انظر إلى الآية القادمة (آية: ٢٦)، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ فقد تقدم لقد الواو الدالة على العطف.
﴿أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾: أرسلنا رسلنا، لمعرفة معنى (أرسلنا) والفرق بين أرسلنا وبعثنا: ارجع إلى سورة البقرة الآية (١١٩)، رسلنا: الأنبياء والرّسل، وإضافة الرّسل له سبحانه للتشريف.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: الباء للإلصاق والملازمة، البينات: جمع بينة: وهي الدّليل والبرهان والمعجزة الدّالة على أنّه الإله الحق المعبود، وأنّه الواحد الأحد خالق كلّ شيء ومليكه، والدّالة على صدق نبوّتهم ودعوتهم إلى الله تعالى.
﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾: أي الكتب السّماوية والأحكام والشّرائع والصّحائف.
الكتاب: اسم جنس يشمل كلّ الكتب والشرائع.
﴿وَالْمِيزَانَ﴾: يعني العدل، أو أمر بالعدل، وقد يعني: الميزان الحقيقي العادي (آلة الوزن). والعدل موجود في الكتاب وفي الميزان وما يتضمن الكتاب
стр. 5302
(القرآن) من أحكام وشرائع هي العدل؛ أي: لنقيم العدل يجب تطبيق الكتاب والميزان.
﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾: اللام لام التّعليل؛ أي: أنزلنا الكتاب والميزان؛ لكي يقوم النّاس بالقسط، ولم يقل بالعدل؛ لأنّ القسط هو تطبيق العدل وتنفيذ الحكم مثل: رفع الظّلم والجَور، وانتبه إلى الفرق بين قَسَط: جار وظلم، وقِسط: رفع الجَور والظّلم؛ أي: ليتعاملوا بينهم بالقِسط.
﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾: شبّه إنزال الحديد على الأرض بإنزال الكتب السماوية أو الرسالات السماوية، فهو إنزال حقيقي لا ريب فيه، فقد أثبتت الدّراسات العلمية أنّ عدداً من النّجوم تتحوّل في مرحلة احتضارها (قبل انفجارها) إلى كتلة حرارية هائلة تقدر بمليارات الدرجات المئوية، ويتحوّل النجم إلى ما يسمى العملاق الأحمر، عندها يتحول لبّ النجم بالكامل إلى حديد ثم ينفجر النجم فتتناثر أجزاؤه في صفحة الكون، ويدخل الحديد عندها في مجال جاذبية أجرام سماوية تحتاج إليه كما حدث للأرض عندما كانت في مرحلة الخلق والتّمايز، حيث كانت مكوّنة من رماد، فنزلت ذرات الحديد من تفجُّر تلك النّيازك واخترقت طبقات الأرض؛ لتستقرّ في مركزها على شكل حديد صلب، وتسمى الطبقة المركزية؛ أي: اللب، وطبقة أخرى محيطة بالطّبقة السّابقة من الحديد المذاب وتسمى الطبقة الخارجية. انظر في الصّورة الملحقة.
وأصبح من الحقائق العلمية أن حديد الأرض قد أُنزل من السّماء، وتصل نسبة الحديد في تكوين الأرض ما يقارب (٤٠%) من كتلة الأرض المقدرة بحوالي (٦٠٠٠) مليون مليون مليون طن، وعلى هذا تكون كمية الحديد هي حوالي (٢٠٠٠) مليون مليون مليون طن. ويستقر في مركز الأرض بشكل حديد صلب وبشكل حديد منصهر في الطّبقة المحيطة بالمركز، وله دور هائل في توليد المجال المغناطيسي للأرض الذي يمسك للأرض بغلافها المائي والغازي
стр. 5303
والحيوي، والغلاف الكهرومغناطيسي يمثل سقفاً محفوظاً للأرض من الأشعة الكونية والأشعة الشمسية القاتلة للحياة، مما يجعل الأرض كوكباً صالحاً للحياة.
ومن المذهل أن يكون رقم سورة الحديد في ترتيب القرآن (٥٧) وهو الوزن الذّري نفسه لمعدن الحديد.
﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾: فقد وجد أن تلاحم ذرات الحديد داخل النواة الحديد يفوق تلاحم ذرات كل العناصر أو المعادن التي يفوق وزنها الذري الوزن الذري للحديد، فهو أشد تلاحماً من الذهب والفضة والنحاس وغيرها من المعادن، وتحتاج نواة ذرة الحديد إلى كمية هائلة من الطاقة للانصهار والذوبان.
﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾: أي تصنع منه الآلات الحربية والآلات الزّراعية والسّيارات وأدوات النّقل والعمارة والبناء والأدوات مثل: أدوات الحفر، فلا تكاد تقوم أيُّ صناعة مدنيّة على غير الحديد.
﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾: وليعلم: الواو عطف، ليعلم: اللام لام التّعليل، ليعلم الله: العلم هنا لا يعني لإعلام الله ما لا يعلم، وإنما لإقامة الحُجة على النّاس أو لإظهار إخلاصهم؛ ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب: أي ليعلم أنّ من يجاهد في سبيله كي ينصره؛ أي: ينصر دين الله أو يُعلي كلمة الله في الأرض، ورسله: من ينصر ويؤيّد رسله في الدّعوة والإبلاغ بالغيب بالخفاء أو بالجهر، ومعناه: أفعلوا ذلك لوجه الله تعالى وحده وليس لحظٍّ دنيوي.
﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾: إنّ للتوكيد، قوي: لا يحتاج إلى نصرة أحد؛ لأنّه هو النّاصر ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء، ووردت كلمة (قوي) في تسع آيات في القرآن الكريم، عزيز: القوي الذي لا يُغلب ولا يُقهر ولا يناله أحد بسوء، وترددت كلمة (العزيز) في القرآن ثماني وثمانين مرة.
стр. 5304
سورة الحديد [٥٧: ٢٦]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٢٥).
﴿نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾: نوحٌ يعتبر أبا البشر، وإبراهيم هو أبو الأنبياء والرسّل.
﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾: فكلّ الأنبياء والرّسل الذين جاؤوا هم من ذريتهما، وكل الكتب المنزلة الزّبور والتّوراة والإنجيل والقرآن منزلة على ذريتهما، وقدّم النّبوة على الكتاب فلابدّ من بعث وإرسال الرّسل والأنبياء أوّلاً ثمّ ينزل الكتب ثانياً.
﴿فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ﴾: أي من الذّرية، الفاء للتوكيد، من بعضية، مهتد: ولم يقل مهتدي، وإنما قال: مهتد تعني: هدايته لا تحتاج إلى زمن طويل، أمّا المهتدي يحتاج إلى زمن طويل.
﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾: خارجون عن طاعة الله ورسله ودينه؛ أي: عاصون، ولم يقل وأكثرهم فاسقون: أكثر على وزن أفعل، وأكثر تعني: أكثر عدداً من كثير، ولكي يوصف بالفسق لابدّ من تبليغه أوّلاً والعلم؛ لأنّ هناك من الفسق الذي يكون عن قصد وعلم والفسق الذي لا يكون عن قصد وعلم.
سورة الحديد [٥٧: ٢٧]
﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَئَاتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: تفيد التّراخي في الزمن.
﴿قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾: قفّينا: مشتقة من القفا: وهو الظّهر، من قفى على
стр. 5305
أثره؛ أي: اتّبعه بدون فاصل زمني طويل، فالأثر لا يزال يُرى؛ أي: أرسلنا الواحد تلو الآخر بدون فاصل زمني طويل، على آثارهم: على آثار نوح وإبراهيم بزمن قصير.
﴿بِرُسُلِنَا﴾: إسماعيل إسحاق يعقوب يوسف .. وموسى.
﴿وَقَفَّيْنَا﴾: للتوكيد.
﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾: ولم يقل على آثارهم حين ذكر عيسى؛ لأن بين عيسى وآخر نبي أكثر من (٨٠٠) عام، ولذلك حذف كلمة (آثارهم).
﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ﴾: آتينا عيسى ابن مريم الإنجيل.
﴿وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾: من الحواريين وأتباعهم وغيرهم.
﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾: رأفة: شفقة وليناً، والرّأفة أخصّ من الرّحمة؛ أي: أشد من الرّحمة، ورحمة للناس؛ أي: متوادّين بينهم، والرّحمة قد تعني تجنُّب الوقوع في الذّنوب، وتعني جلب ما يسرُّ ودفع ما يضرُّ.
﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾: الرّهبانية: هي الانقطاع للعبادة بعيداً عن النّاس في الصّوامع والجبال، والزّهد في لذيذ الطّعام والشّراب والزّواج، رهبانية: نسبة إلى الرّاهب: الخائف من الله، والأصل في الكلمة: الرّاهبية.
﴿ابْتَدَعُوهَا﴾: لم نأمرهم أو نفرضها أو نكتبها عليهم، لم يشرعها الله لهم، ابتدعوها: من الإبداع: وهو الخلق أو الإيجاد؛ على الخلق: على غير مثال سابق، ومنها: البدعة، اختلقوها بأنفسهم لإرضاء الله أو نَيل رضوان الله.
﴿فَمَا﴾: الفاء للتوكيد، ما النّافية.
﴿رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾: لم يُوفوا بما ألزموا به أنفسهم، أو لم يوفوا بما عاهدوا عليه الله .
стр. 5306
﴿فَئَاتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾: آتينا الذين صدّقوا بعيسى وآمنوا بالله تعالى أجرهم على عملهم الصالح.
﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٢٦) للبيان.
سورة الحديد [٥٧: ٢٨]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
أسباب النّزول: هناك من المفسرين من يقول: إنّ هذه الآية نزلت تحضّ الذين آمنوا من أهل الكتاب، وتحضّ الذين آمنوا من المسلمين على التّقوى والإيمان بالرّسول ﷺ .
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين آمنوا بتكليف جديد أو أمر جديد.
﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: من التقوى: وهي امتثال أوامر الله وطاعته، وتجنّب نواهيه؛ لكي نتجنّب غضبه وسخطه وناره، أو استقيموا على تقوى الله والإيمان بوحدانيته.
﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾: محمّد ﷺ ؛ أي: صدّقوا رسوله. وقيل: الخطاب إلى مؤمني أهل الكتاب (اليهود والنّصارى) للإيمان بمحمّد ﷺ .
﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ﴾: الكفل: هو المثل أو النّصيب وقد يكون في الخير أو الشر، كفلين: نصيبين.
﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: (في الآخرة) ولم يقل تمشون به في النّاس؛ لأنّ ذلك يعني في الدّنيا كما في قوله تعالى في الآية (١٢٢) في سورة الأنعام: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِى النَّاسِ﴾.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾: ذنوبكم كاملة، ولم يقل من ذنوبكم؛ أي: بعض ذنوبكم أو ما أسلفتم من الذّنوب، والغفر؛ أي: الستر (ترك العقاب).
стр. 5307
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: غفور: صيغة مبالغة (كثير المغفرة) ورحيم صيغة مبالغة؛ أي: كثير الرحمة لعباده المؤمنين. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٦٨) لبيان معنى الغفور، وارجع إلى سورة الحمد آية (٣) لبيان معنى الرحيم.
سورة الحديد [٥٧: ٢٩]
﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾:
﴿لِئَلَّا﴾: مبنية من (أن) و (لا)، أن المخففة، لا النّافية، أو لا للتوكيد، فيكون معناها: أي أن يعلم، أو لأن يعلم، وزيدت لا للتوكيد.
أي: ليعلم أهل الكتاب (اليهود والنّصارى) الذين لم يؤمنوا بمحمّد ﷺ .
﴿أَلَّا﴾: أداة استفتاح.
﴿يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾: أي: لكي يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على حصر فضل الله يعني: النّبوة في بني إسرائيل ومنع غيرهم، ولذلك جحدوا بالإيمان برسالة محمد ﷺ .
﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾: وأنّ للتوكيد، الفضل كله بيد الله: في ملكه وتصرفه. ولتعريف الفضل: ارجع إلى سورة الجمعة آية (٤).
﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: من يستحقه من عباده كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة للبيان.
стр. 5308
سورة المجادلة [٥٨: ١]
سورة المجادلة
ترتيبها في القرآن (٥٨) وترتيبها في النّزول (١٠٥).
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِى إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾:
أسباب النّزول: قيل: نزلت هذه الآية في خولة بنت ثعلبة الأنصارية، وزوجها أوس بن الصّامت، جاءت إلى رسول الله ﷺ تشكو إليه ما فعله زوجها فقد قال لها: أنت عليَّ كظهر أمّي، وكان الظّهار يومئذ طلاقاً، فراحت تشكو وتقول: يا رسول الله، أكل شبابي ونثرتُ له بطني حتّى كبر سني وانقطع ولدي ظاهَرَ مني! وكانت أم المؤمنين عائشة في الحجرة نفسها، فلما نزل الحكم قالت عائشة ﵂ فيما معناه: تبارك الذي وسع كلّ شيء، لقد كنت بجوار رسول الله ﷺ فلم أسمع ما تقول وسمعها الله من فوق سبع سموات طباقاً! كما أخرج الحاكم والإمام أحمد والبخاري.
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق؛ أي: للتوكيد إذا دخلت على الماضي تفيد تحقيق وقوعه.
﴿سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾: أي خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس ابن
стр. 5309
الصّامت تشكو إلى الله تعالى حيث قالت: إنّ لي صبية صغاراً إن ضممتُهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليَّ جاعوا، تجادلك في زوجها: حيث قال لها رسول الله: قد حرمتِ عليه، وتقول له: ما ذكر طلاقاً، وفي رواية أخرى قالت: والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقاً، أو قال لها ﷺ : ما أراكِ إلا حَرُمتِ عليه، وتقول: إنما هو أبو ولدي وأحبُّ النّاس إليّ.
الجدال: هو حوار بين طرفين أو أكثر؛ لإثبات حق أو إظهار حُجة أو دفع شبهة، وهو أشد من الحوار حدّةً ومخاصمةً.
﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾: تحاوركما: أي: خولة بنت ثعلبة ورسول الله ﷺ ؛ تحاوركما: من التحاور: وهو الحوار بين طرفين، ويتميز بالهدوء، والحوار غير الجدال؛ الجدال ـ كما قلنا ـ يتميز بالشدة، والمخاصمة، ورفع الأصوات؛ يؤكد سبحانه أنّه يسمع تحاورهما، ثمّ نزل جبريل ﵇ بالحكم كما ورد في الآيات القادمة.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ للتوكيد.
﴿سَمِيعٌ﴾: لأقوال الرّسول ﷺ وأقوال خولة وما قاله أوس ابن الصّامت، وسميع لكلّ ما يقوله عباده في أيّ زمان أو مكان.
﴿بَصِيرٌ﴾: يرى كلّ المبصرات أو الأمور المشاهدة؛ أي: عالم بظواهر الأمور، وخبير عالم ببواطن الأمور.
стр. 5310
سورة المجادلة [٥٨: ٢]
﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا الَّائِى وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾:
تعريف الظّهار: أصله: مقابلة الظّهر بالظّهر؛ ويعني: تحريم وطء الزّوجة بجعلها محرمةً كظهر أمّه أو أخته.
اصطلاحاً: أن يشبّه الزّوج زوجته في الحرمة بإحدى محارمه مثل: أمه أو أخته، وكانت العرب تعتبر ذلك من أساليب الطّلاق والظّهار له كفارته، كما سنرى في الآيات القادمة.
﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: أي يقولون لنسائهم: أنت عليَّ كظهر أمي، يعني تحريم وطء الزّوجة بجعلها محرمةً عليه كحرمة أمّه وما يشبهها من العبارات؛ منكم: أي: من الصحابة خاصة، والسؤال هنا: ما هو الفرق بين نسائهم وأزواجهم؟ الزوج: يطلق على الرجل والمرأة كقوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، والزوج: يعني المثيل، أو المماثلة، وفي القرآن لا يطلق على المرأة زوجة إلا إذا كانت مماثلة لزوجها في الدين، والعادات والصحة والعافية والأخلاق، وإذا كانت مخالفة لزوجها يطلق عليها امرأة كقوله تعالى: ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠].
﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾: (ما) أقوى نفياً من ليس، ما هنّ أمّهاتهم؛ أي: مخطؤون يحلفون أو يزعمون هنّ أمّهاتهم.
﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا الَّائِى وَلَدْنَهُمْ﴾: إن: للتوكيد، إلا: أداة حصر، اللائي ولدنهم: ولم يقل اللاتي، وهذا من خصوصيات القرآن يستعمل اللائي في سياق الطّلاق والظّهار،
стр. 5311
وبما أنّ الطّلاق والظّهار حالتان نادرتان استعمل في سياق ذكرهما الهمزة بدلاً من التّاء (اللاتي) لأنّ الهمزة من الحروف الثّقيلة النّادرة الاستعمال، فاستعملها لتناسب حالتي الظّهار والطّلاق النّادرتين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: اللائي من اللأى: وهو الحبس، والمُطلّق والمُظاهِر تحبس عنه امرأته شرعاً حتّى يقوم بالكفارة أو ما هو مطلوب منه شرعاً.
﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾: إنّ للتوكيد، واللام في ليقولون: تعود على العرب في الجاهلية؛ لزيادة التّوكيد، منكراً من القول وزوراً: منكراً قولاً وزوراً، منكراً من القول؛ أي: قولاً ينكره الشّرع والعرف والعقل، وزوراً: كذباً وباطلاً (أي منحرفاً عن الحق).
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾: إنّ للتوكيد، واللام في (لعفوّ) لزيادة التّوكيد، عفوّ: حيث شرع الكفارة ولم يجعله طلاقاً كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، غفور: صيغة مبالغة كثير الغفران مهما ثقلت ذنوبه إذا تاب وأناب إلى الله تعالى.
سورة المجادلة [٥٨: ٣]
﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾:
﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ﴾: الخطاب في هذه الآية للمسلمين عامة يبين لهم أحكام الظهار، بينما الخطاب في الآية (٢) للصحابة خاصة؛ ارجع إلى الآية السّابقة لبيان معنى الظهار.
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾: لما قالوا: يرجعون عما قالوا ويريدون وطء أزواجهم بعد أن
стр. 5312
حرموهن على أنفسهم، أو يعودون إلى تحليل ما حرّموه على أنفسهم من وطء الزّوجة، فعليهم كفارة قبل الوطء هي تحرير رقبة.
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾: الفاء للتوكيد؛ أي: بإعتاق رقبة مملوكة. وجاءت (رقبة) بصيغة النّكرة؛ أي: سواء كانت مؤمنة أو كافرة، أو ذكراً أو أنثى، وبعض العلماء اشترطوا أن تكون رقبة مؤمنة فقط ولا يصلح عتق رقبة غير مؤمنة؛ وتحرير رقبة: تقال في الرق الذي لم يعد موجوداً الآن، وأما في قضية الأسرى، أو تبادل الأسرى فذلك يعد فك رقبة من الأسر، ولا يزال موجوداً، وبما أن تحرير رقبة ليست موجودة نطبق حكم صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً؛ من قبل أن يتماسّا: المراد بالتّماسّ: هو الجماع؛ أي: لا يجوز وطء الزّوجة حتّى تتمّ الكفارة التي ذكرت؛ وهي تحرير رقبة، وهناك فرق بين تحرير رقبة، وفك رقبة؛ تحرير رقبة: يعني: عتق رقبة بالفداء، أما فك رقبة: قد يعني: تخليصها من الأسر، أو السجن، أو من دين، أو عُسر، أو مغرمة.
﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾: ذلكم الحكم المذكور، وذلكم ولم يقل وذلك؛ للتوكيد وعظم الكفارة وعظةً لكم حتى تتركوا الظّهار؛ بينما في الآية (١٢) من نفس السورة قال ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: أي خبير ببواطن الأمور والنّوايا وما تخفون في أنفسكم، وقدّم تعلمون على خبير؛ لأنّ السّياق في العمل.
стр. 5313
سورة المجادلة [٥٨: ٤]
﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
﴿فَمَنْ لَّمْ﴾: الفاء استئنافية، من شرطية، لم للنفي.
﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾: فمن لم يجد الرّقبة لتحريرها، أو لم يجد ثمنها: فصيام شهرين متتابعين.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾: تكرار (ذلك) للتوكيد، فلا يجوز أو يحلُّ لمن ظاهر زوجته وطؤها حتّى يؤدّي الكفارة، فمن لم يستطيع الصّيام لمرض أو عجز فإطعام (٦٠) مسكيناً، واختلف العلماء في مقدار الطّعام.
﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: ذلك: اسم إشارة واللام للبعد يشير إلى التّخفيف في الكفارة أو حكمنا، لتؤمنوا: اللام لام التّعليل، أي: لتصدّقوا بالله ورسوله.
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: أي أحكام الله في الظّهار، فلا تعتدوها أو محارمه، حدود: جمع حدّ، والحد: عقوبة مقررة لأجل حقّ الله وليس لوليّ الأمر أو للوالي التدخل أو العفو، ولا يجوز تعدّي هذه الحدود.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: الواو عاطفة، وللكافرين: اللام لام الاستحقاق، الذين يتعدّون حدود الله عذاب أليم في الدنيا أو الآخرة. وفي الآية (٥) التالية قال تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾؛ أي: للكافرين عذاب أليم مهين معاً، وعذاب أليم: جاء في سياق الكفر بالإيمان بالله ورسوله، وعذاب مهين: جاء في سياق
стр. 5314
الذين يحادُّون الله ورسوله؛ فهؤلاء كبتوا، والكبت يعني: الذل والإهانة فناسبهم العذاب المهين، فهذا وعيد للكافرين عذاب أليم ومهين.
سورة المجادلة [٥٨: ٥]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾:
المناسبة: بعد ذكر الظّهار وأحكامه يُبيّن وعيده للذين يحادُّون الله سبحانه ورسوله ﷺ .
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: للتوكيد، الذين: اسم موصول يفيد الذّم والتّحقير.
﴿يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: يكون في حدٍّ والله ورسوله في حدٍّ يخالف الحدّ الآخر؛ أي: يعادون دين الله وشرعه، وسنّة رسوله، ويخالفون أوامر الله ورسوله، وكذلك يحادّون المؤمنين وأولياء الله تعالى، ويحادّون: فيها نون التّوكيد وبصيغة المضارع: لتدلّ على التّجدد والتّكرار.
﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي الكبت هو الإذلال والإهانة؛ أي: خُذِلوا، ولها معانٍ أخرى مثل: الخزي والذّل والهزيمة، وأن يُصرعوا على وجوههم وهم ما زالوا في الدّنيا، وأصلها: أن يصابوا في أكبادهم بالحزن والغيظ، كما كبت الذين كفروا من قبلهم من الأمم السّابقة، وجاء بصيغة الماضي (كبتوا): لتحقق وقوع الكبت، وكأنه حدث وانتهى.
﴿وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: الواو الحالية تفيد التّوكيد، قد للتحقيق، أنزلنا آيات بينات: أي آيات القرآن الدّالة على صدق الرّسول ﷺ وما جاء به؛ أنزلنا:
стр. 5315
تدل على نزول الآيات دفعة واحدة، أو في زمن واحد؛ آيات بينات: أي: واضحات لا تحتاج إلى توضيح وتبيان؛ آيات: أي: أحكام الظهار وغيرها.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، وللكافرين بآيات الله عذاب مهين، العذاب المهين: المُذلّ الذي يكون على مرأى النّاس؛ عذاب مهين مقابل مخالفة حدود الله ومعادة الرسول ﷺ والمؤمنين.
سورة المجادلة [٥٨: ٦]
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾:
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾: يوم يبعثهم الله (أي: الكفار) من قبورهم يوم البعث، لا يفوته أحدٌ من الأولين والآخرين، وفي الآية (١٨) القادمة في نفس السورة يقول تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: هذه الآية تختلف عن الآية (٦)؛ الآية (١٨): جاءت في سياق المنافقين، والآية (٦): جاءت في سياق الكفار.
﴿جَمِيعًا﴾: للتوكيد، وجميعاً تعني: كلّهم، وتعني: مجتمعين في مكان واحد.
﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾: الفاء للتوكيد، ينبّئهم بما عملوا: ينبّئهم: يخبرهم بأعمالهم؛ أي: أقوالهم وأفعالهم (التي عملوها في الدنيا)، ويُطلعهم عليها ويطلب منهم أن يقرؤوا كتبهم بأنفسهم؛ لإقامة الحجة عليهم.
﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾: أي حفظ الله أعمالهم وعدّها لهم ولم يغب عليه شيء، وهم قد نسوا تلك الأعمال.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾: شهيد صيغة مبالغة؛ أي: مطّلع على ظواهر
стр. 5316
أعمالهم وبواطنها، وعلى أقوالهم ونواياهم. والشّهادة تعني: العلم مع الحضور، فهو سبحانه شهيدٌ على أقوالهم وأفعالهم؛ لأنّ علمه أحاط بكلّ ما يجري في السّموات والأرض وما تخفي الصّدور، وكفى بالله شهيداً، ولا يُحتاج إلى شهادة غيره، وتكرر اسم الشهيد في القرآن في (١٩) آية.
стр. 5317
سورة المجادلة [٥٨: ٧]
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتّقرير.
﴿تَرَ﴾: الرّؤية هنا رؤية فكرية عقلية، وهذا أسلوب من أساليب البيان، فالله سبحانه يخبرك أو يُعلمك بذلك، ولكنه سبحانه يريد أن تكون الإجابة من العبد؛ أي: إقراراً من العبد لإقامة الحجة عليه، ولا يريد أن تكون بصيغة الخبر والإنشاء، ولكن بصيغة الاستفهام؛ لأنّها آكد وأقوى في النّفس، وإذا قال سبحانه لنا: ألم تر، أو: أولم تروا ذلك الشّيء، وكان ذلك الشيء معنوياً غير حسياً؛ يعني: ألم تفكر أو تفكروا، والرؤية هنا فكرية قلبية، وأما إذا كان الشيء حسياً فتكون الرؤية حسية بصرية، وتكون رؤية الله سبحانه أفضل من رؤية أعيننا، وهي تعتبر رؤية بعين اليقين، فلا نحتاج نحن أنفسنا إلى رؤية ذلك؛ لأننا نؤمن بالله وما يخبرنا حق وصدق ورؤيته سبحانه تكفينا، وإذا رأينا ذلك نراها كما أخبر الله سبحانه بها.
﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: أن: للتوكيد.
﴿يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ﴾: السبع. (ما): تشمل من العاقل وغير العاقل، وما في السموات ذاتها وما فيها؛ أي: وما تحتويه.
﴿وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: وما في الأرض ذاتها وما تحتويه، وتكرار (ما) في
стр. 5318
للتوكيد وفصل كل منهما عن الآخر أو كلاهما معاً، ومن الأشياء التي يعلمها سبحانه السّر والنّجوى.
﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى﴾: ما النّافية، يكون من نجوى: من استغراقية، نجوى: تعريفها: هي حديث السّر أو الخفي بين اثنين أو أكثر بحيث لا يسمعهم البقية ممن هم حاضرو مجلسهم، مثال: هناك ثلاثة أفراد يتناجى اثنان دون الثّالث؛ أي: ألغوه من المشاركة فكأنّك ترفع من تناجي عن غيره، لأنّ النّجوى أصلها الرّفعة ومشتقة من النّجوة من الأرض (أي الأرض المرتفعة) أو أصلها البعد؛ لأنّ القريب يصعب عليه سماع الكلام فكأنّه صار بعيداً. ولنعلم أن السر أعم من النجوى، وأشد خفاء من النجوى؛ لأن النجوى قد يطلع عليها عدة أفراد، أما السر لا يعلم به إلا صاحبه، والله يعلم بكل شيء النجوى والسر وما هو أخفى من السر.
﴿ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾: والنّجوى لكي تحصل لابدّ من ثلاثة على الأقل، اثنان يتناجيان والثّالث محروم من النّجوى، (المشاركة في الحديث) أو سماعه، إلا: أداة حصر، هو: تعود على الله سبحانه واجب الوجود، وهو رابعهم، يسمع ويرى كل ما يحدث.
﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾.
﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾: أدنى من ثلاثة اثنين ولا أدنى من خمسة؛ أي: ثلاثة أو أربعة.
﴿وَلَا أَكْثَرَ﴾: من ثلاثة؛ أي: أربعة أو خمسة أو أكثر.
﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾: سبحانه معهم بعلمه وقدرته، ولا تعني بذاته، أينما كانوا.
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي.
стр. 5319
﴿يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: بما عملوا في الدّنيا من النّجوى وغيرها من الأقوال والأفعال.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: إنّ للتوكيد، بكلّ: الباء للإلصاق، شيء عليم: عليم: صيغة مبالغة؛ أي: كثير العلم؛ أي: سبحانه مطّلع على بواطن الأمور وظواهرها لا تخفى عليه خافية في السّموات ولا في الأرض، أحاط علمه بخلقه وكونه فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السّموات ولا في الأرض.
وأمّا الفرق بين النّجوى والسّر: فالسّر هو تكتّمه في نفسك ولا تُطلع عليه أحداً.
سورة المجادلة [٥٨: ٨]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة للبيان.
﴿إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾: قيل: هم اليهود والمنافقون فقد كانوا يتناجون بينهم سراً للتآمر على المسلمين؛ لإيقاع الرّيبة في قلوبهم، فنهاهم رسول الله ﷺ عن النّجوى.
﴿ثُمَّ﴾: ثمّ لتباين الدّرجة لمن نُهي عن النّجوى لأوّل مرة وبين من نُهي عنها، ثمّ عاد إلى التّناجي ولم يطع الله ورسوله ﷺ فالإثم أكبر.
﴿يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾: يعودون عمداً إلى التناجي وعدم السّماع لأمر رسول الله ﷺ بعدم التّناجي، ويعودون: تدل على التّكرار والتّجدد.
﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ﴾: الإثم في اللغة: التقصير، والإثم: هو الذنب الذي
стр. 5320
يستحق العقوبة؛ أي: يتناجون بما هو إثم، والإثم: هو ما يكون بتعمّد مثل التّناجي بالكذب والظن والغيبة والكيد والمكر، أو الاستهزاء والسخرية.
﴿وَالْعُدْوَانِ﴾: التجاوز في الحدود والظلم والمعاداة وعداوة الرّسول والمؤمنين.
﴿وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾: يتناجون بمعصية الرّسول، عدم طاعة الرّسول ﷺ أو مخالفته.
﴿وَإِذَا﴾: شرطية ظرفية تفيد حتمية الحدوث.
﴿جَاءُوكَ﴾: اليهود أو المنافقون.
﴿حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾: حيَّوك: من التّحية وقالوا: السام عليك؛ أي: الموت عليك بدلاً من: السّلام عليك أو راعنا.
﴿وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ﴾: يحدّثون أنفسهم أو فيما بينهم.
﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾: لولا: أداة حضّ وحثّ، يعذّبنا الله بما نقول؛ أي: لو كان نبياً حقاً لعذَّبنا الله بنا نقول.
﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾: أي يكفيهم جهنم، جهنم: اسم من أسماء النّار، ارجع إلى سورة الرّعد الآية (١٨)، حسبهم عذابها.
﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: يحرقون بها أو يقاسون حرّها.
﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: الفاء للتوكيد، بئس: من أفعال الذّم، المصير: المنتهى والمآل.
стр. 5321
سورة المجادلة [٥٨: ٩]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد إلى الذين آمنوا بتكليف جديد يتعلق بالنّجوى.
﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث.
﴿تَنَاجَيْتُمْ﴾: من النّجوى، ارجع إلى الآية (٧) لتعريف النّجوى.
﴿فَلَا﴾: الفاء للتوكيد، لا النّاهية.
﴿تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾: ارجع إلى الآية (٨) للبيان.
﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾: البرّ: هو كلّ ما يتقرّب به إلى الله من إيمان وعمل صالح واعتقاد وأخلاق ومعاملات، التّقوى: طاعة الله ورسوله وامتثال أوامرهما وتجنب ما نهى الله عنه ورسوله.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: واتقوا الله: استقيموا على طاعة الله وامتثال أوامره وتجنّب نواهيه، اتقوا غضبه وسخطه وناره وذلك بطاعة أوامره وتجنّب نواهيه، الذي: اسم موصول يفيد المدح. إليه: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أي: إليه وحده تحشرون، تحشرون: الحشر هو السَّوق والجمع يوم البعث للحساب والجزاء.
سورة المجادلة [٥٨: ١٠]
﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾:
﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة تفيد التّوكيد والحصر.
стр. 5322
﴿النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾: أي: النّجوى بالإثم والعدوان ومعصية الرّسول من تزيين الشّيطان لهم ووساوسه.
﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: اللام لام التّعليل؛ أي: ليوقع الذين آمنوا في الحُزن وهو الألم النّفسي النّاتج عن ضيق في الصّدر وهو مؤقّت أو محدّد بزمن وينتهي مهما طال، بعكس الحزَن ـ بفتح الزّاي ـ الذي يدوم حتّى الموت، فقد كانوا يتناجون ويوهمون المؤمنين أنّ عدوهم هو أقوى منهم ويتربص بهم الدوائر؛ ليؤدي ذلك إلى حزن المؤمنين والغمّ.
﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾: ليس: للنفي، بضارهم شيئاً: الباء للإلصاق؛ أي: النّجوى أو التّناجي أو الشّيطان ليس بضار الذين آمنوا شيئاً. ضار: من الضّر وهو ضد النّفع، شيئاً: نكرة تعني: ليس بضارهم أيّ شيء مهما كان مقداره أو نوعه، والشّيء هو أقل القليل، سواء أكان حسياً (مادياً)، أم معنوياً.
﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: إلا: أداة حصر، أو استثناء، بإرادة الله أو مشيئته.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: وعلى الله: تقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة يدل على الحصر؛ أي: على الله وحده فليتوكل المؤمنون؛ أي: يقدّمون كلّ الأسباب ما بوسعهم، ويستعيذون بالله من الشّيطان الرجيم ولا يبالون، بنجوى غيرهم ويفوضون أمرهم إلى الله لمساعدتهم.
سورة المجادلة [٥٨: ١١]
: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِى الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾:
نداء جديد للذين آمنوا بتكليف جديد يتعلق بآداب المجالس.
﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِى الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾: إذا: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث، قيل: القائل مبني للمجهول، والمهم المقولة، لكم: اللام لام
стр. 5323
الاختصاص؛ أي: لكم خاصة، تفسحوا في المجالس: إذا طلب منكم التّوسع في المجالس، مجالس العلم أو المساجد وغيرها، فليوسع أحدكم للآخر، وتفسحوا فيها معنى الجهد والمشقة والتكلف، وليس مجرد الفسح؛ أي: لا يشغل أحدكم مكان اثنين أو أكثر مما يحتاجه ليوسع لأخيه حتى يصلي أو يجلس، فافسحوا: الفاء رابطة لجواب الشّرط.
﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾: في الرّزق أو صدوركم؛ أي: يوسع صبركم أو في العلم وأبواب الخير، فالمكان ليس ملكاً له وإنما لكم، ويجلس حيث انتهى به المجلس، ولا يترك بينه وبين جاره فسحة.
﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾: وإذا: شرطية ظرفية تفيد حتمية الحدوث.
انشزوا: أي طلب من أحد أو بعض الجالسين في المجلس بأن ينهضوا من أماكنهم ليجلس أهل الفضل والدين والعلم، فليقوموا.
انشزوا: أي انهضوا من أماكنكم أو تقدّموا قليلاً أو غيّروا أماكنكم أو قوموا من أماكنكم حتى يجلس غيركم بعد انتهاء الدّرس أو الجمعة للتوسعة على الآخرين.
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾: في الدّنيا بالنّصر والمنزلة والكرامة والعزة، وفي الآخرة يرفعهم درجات في الجنة، وفي الآية حث وترغيب في طلب العلم الشرعي.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: خبير؛ أي: عليم ببواطن الأمور وما تخفي الصّدور والنّوايا، وما تقولوا في السّر والنّجوى والعلن، وما تفعلوه في السّر والعلن من الإيمان والبرّ والإثم والعدوان.
стр. 5324
سورة المجادلة [٥٨: ١٢]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
سبب النّزول: عن ابن عباس قال: إنّ المسلمين أكثَروا الأسئلة على رسول الله ﷺ حتى شقُّوا عليه، فأراد الله تعالى أن يخفف عن نبيه فأنزل هذه الآية، فلما نزلت كفَّ بعض النّاس عن سؤاله. وقيل: نزلت هذه الآية في الأغنياء الذين كانوا يكثرون الأسئلة على رسول الله ويطيلون الجلوس بين يديه، وكان ﷺ يصاب بحرج من ذلك.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾: نداء جديد إلى الذين آمنوا بتكليف جديد هو: إذا أردتم الحديث مع رسول الله أو مسارَّته في أمر من الأمور الخاصة بكم.
﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾: إذا شرطية ظرفية.
ناجيتم: ارجع إلى الآية (٤) لمعرفة معنى النجوى.
﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾: فقدّموا قبل المناجاة صدقة للفقراء؛ لتعظيم رسول لله ﷺ وانتفاع الفقراء والنّهي عن الإفراط في الأسئلة، ولم يُبيّن مقدار هذه الصّدقة.
стр. 5325
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ﴾: ذلك: اسم إشارة، والمشار إليه أو المخاطب واحد، ولم يقل (ذلك)؛ لأنه للجمع، أو التوكيد في الحكم، كما في الظهار والطلاق في الآية (٣)؛ أي تقديم الصّدقة قبل النّجوى، خير لكم: لما فيه طاعة الله وامتثال أوامره في الدّين، وأطهر: لأنّ الصدقة طهرة، أو لعل الصّدقة تطهّر مسارّاتكم أو نجواكم إذا حدث خلل أو مضايقة، وأطهر لأنفسكم من البخل والشُّحّ وحبّ المال.
﴿فَإِنْ لَّمْ تَجِدُوا﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط؛ إن: تفيد الاحتمال أو القلة؛ لم: نافية؛ تجدوا صدقة.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لا حرج ولا جناح عليكم وبدون صدقة؛ لأنّ المأمور بتقديم الصّدقة هو الغني القادر، ثم رفع الحكم في الآية (١٣) من نفس السورة، فإن: للتوكيد، غفور: لمن تاب وآمن وعمل صالحاً مهما كانت ذنوبه عددها ونوعها، رحيم: بتأخير العذاب عنه وكثير المغفرة، رحيم بعباده المؤمنين.
سورة المجادلة [٥٨: ١٣]
﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾:
﴿ءَأَشْفَقْتُمْ﴾: الهمزة همزة استفهام تقريري وتعجب.
الإشفاق: الخوف مع الحذر والشّعور بالعطف والتعظيم.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل، وأن تفيد الاستقبال.
﴿تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾: أي أخِفتُم أو حذِرتُم أن تتصدّقوا قبل مناجاة الرّسول.
следующие страницы →