Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
سورة المجادلة [٥٨: ٩]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد إلى الذين آمنوا بتكليف جديد يتعلق بالنّجوى.
﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث.
﴿تَنَاجَيْتُمْ﴾: من النّجوى، ارجع إلى الآية (٧) لتعريف النّجوى.
﴿فَلَا﴾: الفاء للتوكيد، لا النّاهية.
﴿تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾: ارجع إلى الآية (٨) للبيان.
﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾: البرّ: هو كلّ ما يتقرّب به إلى الله من إيمان وعمل صالح واعتقاد وأخلاق ومعاملات، التّقوى: طاعة الله ورسوله وامتثال أوامرهما وتجنب ما نهى الله عنه ورسوله.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: واتقوا الله: استقيموا على طاعة الله وامتثال أوامره وتجنّب نواهيه، اتقوا غضبه وسخطه وناره وذلك بطاعة أوامره وتجنّب نواهيه، الذي: اسم موصول يفيد المدح. إليه: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أي: إليه وحده تحشرون، تحشرون: الحشر هو السَّوق والجمع يوم البعث للحساب والجزاء.
سورة المجادلة [٥٨: ١٠]
﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾:
﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة تفيد التّوكيد والحصر.
стр. 5322
﴿النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾: أي: النّجوى بالإثم والعدوان ومعصية الرّسول من تزيين الشّيطان لهم ووساوسه.
﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: اللام لام التّعليل؛ أي: ليوقع الذين آمنوا في الحُزن وهو الألم النّفسي النّاتج عن ضيق في الصّدر وهو مؤقّت أو محدّد بزمن وينتهي مهما طال، بعكس الحزَن ـ بفتح الزّاي ـ الذي يدوم حتّى الموت، فقد كانوا يتناجون ويوهمون المؤمنين أنّ عدوهم هو أقوى منهم ويتربص بهم الدوائر؛ ليؤدي ذلك إلى حزن المؤمنين والغمّ.
﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾: ليس: للنفي، بضارهم شيئاً: الباء للإلصاق؛ أي: النّجوى أو التّناجي أو الشّيطان ليس بضار الذين آمنوا شيئاً. ضار: من الضّر وهو ضد النّفع، شيئاً: نكرة تعني: ليس بضارهم أيّ شيء مهما كان مقداره أو نوعه، والشّيء هو أقل القليل، سواء أكان حسياً (مادياً)، أم معنوياً.
﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: إلا: أداة حصر، أو استثناء، بإرادة الله أو مشيئته.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: وعلى الله: تقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة يدل على الحصر؛ أي: على الله وحده فليتوكل المؤمنون؛ أي: يقدّمون كلّ الأسباب ما بوسعهم، ويستعيذون بالله من الشّيطان الرجيم ولا يبالون، بنجوى غيرهم ويفوضون أمرهم إلى الله لمساعدتهم.
سورة المجادلة [٥٨: ١١]
: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِى الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾:
نداء جديد للذين آمنوا بتكليف جديد يتعلق بآداب المجالس.
﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِى الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾: إذا: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث، قيل: القائل مبني للمجهول، والمهم المقولة، لكم: اللام لام
стр. 5323
الاختصاص؛ أي: لكم خاصة، تفسحوا في المجالس: إذا طلب منكم التّوسع في المجالس، مجالس العلم أو المساجد وغيرها، فليوسع أحدكم للآخر، وتفسحوا فيها معنى الجهد والمشقة والتكلف، وليس مجرد الفسح؛ أي: لا يشغل أحدكم مكان اثنين أو أكثر مما يحتاجه ليوسع لأخيه حتى يصلي أو يجلس، فافسحوا: الفاء رابطة لجواب الشّرط.
﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾: في الرّزق أو صدوركم؛ أي: يوسع صبركم أو في العلم وأبواب الخير، فالمكان ليس ملكاً له وإنما لكم، ويجلس حيث انتهى به المجلس، ولا يترك بينه وبين جاره فسحة.
﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾: وإذا: شرطية ظرفية تفيد حتمية الحدوث.
انشزوا: أي طلب من أحد أو بعض الجالسين في المجلس بأن ينهضوا من أماكنهم ليجلس أهل الفضل والدين والعلم، فليقوموا.
انشزوا: أي انهضوا من أماكنكم أو تقدّموا قليلاً أو غيّروا أماكنكم أو قوموا من أماكنكم حتى يجلس غيركم بعد انتهاء الدّرس أو الجمعة للتوسعة على الآخرين.
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾: في الدّنيا بالنّصر والمنزلة والكرامة والعزة، وفي الآخرة يرفعهم درجات في الجنة، وفي الآية حث وترغيب في طلب العلم الشرعي.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: خبير؛ أي: عليم ببواطن الأمور وما تخفي الصّدور والنّوايا، وما تقولوا في السّر والنّجوى والعلن، وما تفعلوه في السّر والعلن من الإيمان والبرّ والإثم والعدوان.
стр. 5324
سورة المجادلة [٥٨: ١٢]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
سبب النّزول: عن ابن عباس قال: إنّ المسلمين أكثَروا الأسئلة على رسول الله ﷺ حتى شقُّوا عليه، فأراد الله تعالى أن يخفف عن نبيه فأنزل هذه الآية، فلما نزلت كفَّ بعض النّاس عن سؤاله. وقيل: نزلت هذه الآية في الأغنياء الذين كانوا يكثرون الأسئلة على رسول الله ويطيلون الجلوس بين يديه، وكان ﷺ يصاب بحرج من ذلك.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾: نداء جديد إلى الذين آمنوا بتكليف جديد هو: إذا أردتم الحديث مع رسول الله أو مسارَّته في أمر من الأمور الخاصة بكم.
﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾: إذا شرطية ظرفية.
ناجيتم: ارجع إلى الآية (٤) لمعرفة معنى النجوى.
﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾: فقدّموا قبل المناجاة صدقة للفقراء؛ لتعظيم رسول لله ﷺ وانتفاع الفقراء والنّهي عن الإفراط في الأسئلة، ولم يُبيّن مقدار هذه الصّدقة.
стр. 5325
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ﴾: ذلك: اسم إشارة، والمشار إليه أو المخاطب واحد، ولم يقل (ذلك)؛ لأنه للجمع، أو التوكيد في الحكم، كما في الظهار والطلاق في الآية (٣)؛ أي تقديم الصّدقة قبل النّجوى، خير لكم: لما فيه طاعة الله وامتثال أوامره في الدّين، وأطهر: لأنّ الصدقة طهرة، أو لعل الصّدقة تطهّر مسارّاتكم أو نجواكم إذا حدث خلل أو مضايقة، وأطهر لأنفسكم من البخل والشُّحّ وحبّ المال.
﴿فَإِنْ لَّمْ تَجِدُوا﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط؛ إن: تفيد الاحتمال أو القلة؛ لم: نافية؛ تجدوا صدقة.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لا حرج ولا جناح عليكم وبدون صدقة؛ لأنّ المأمور بتقديم الصّدقة هو الغني القادر، ثم رفع الحكم في الآية (١٣) من نفس السورة، فإن: للتوكيد، غفور: لمن تاب وآمن وعمل صالحاً مهما كانت ذنوبه عددها ونوعها، رحيم: بتأخير العذاب عنه وكثير المغفرة، رحيم بعباده المؤمنين.
سورة المجادلة [٥٨: ١٣]
﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾:
﴿ءَأَشْفَقْتُمْ﴾: الهمزة همزة استفهام تقريري وتعجب.
الإشفاق: الخوف مع الحذر والشّعور بالعطف والتعظيم.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل، وأن تفيد الاستقبال.
﴿تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾: أي أخِفتُم أو حذِرتُم أن تتصدّقوا قبل مناجاة الرّسول.
стр. 5326
﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾: إذ حرف زماني للماضي أو المستقبل وشرطية، لم: للنفي، تفعلوا: ما أمرتم به وشقَّ عليكم تقديم الصّدقات أو فعل ما أمركم الله تعالى به، وهذا يعتبر نوعاً من مخالفة الأمر ويحتاج إلى توبة.
﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: الفاء للتوكيد، أقيموا الصلاة: أي أدّوها في أوقاتها وأركانها وشروطها، وطهارتها وسننها وآدابها والمداومة عليها.
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: الواجبة في أموالكم.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: فيما أمرا به أو نهيا عنه، فذلك يكفي عوضاً عن الصّدقة؛ ارجع إلى سورة آل عمران آية (٣٢)، وسورة النساء آية (٥٩) لمعرفة الفرق بين أطيعوا الله ورسوله، وبين أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.
﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: أي يعلم بواطن الأمور ما تخفي الصّدور فيما يتعلق بالإشفاق في تقديم الصّدقات وغيرها، وخبير بما تقولون وتفعلون، وقدّم خبير على ما تعلمون؛ لأنّ السياق في تقديم الصّدقات، والإشفاق: هو عمل قلبي والله وحده يعلم به وبما تكنُّ الصّدور.
وقيل: كان بين نزول الآية (١٢) وهي قوله: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾، وبين نزول الآية (١٣) وهي: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ عشر ليال.
وقال مجاهد: لما نُهوا عن المناجاة، فلم يناجيه إلا علي بن أبي طالب ﵁ تصدّق بدينار وناجاه، ثم نزلت الرّخصة فكان عليٌّ يقول: آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي ولم يعمل بها أحد بعدي وهي آية المناجاة.
стр. 5327
سورة المجادلة [٥٨: ١٤]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَا هُمْ مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ارجع إلى الآية (٧) السّابقة.
﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: اسم موصول تفيد الذّم، وتعني المنافقين.
﴿تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾: قوماً: أي اليهود، تولَّوا: من الموالاة وتعني: المودة والمحبة والعون والنّصرة؛ أي: أحبوهم ومدّوا إليهم يد العون والنّصرة ونقل أسرار المؤمنين إليهم.
﴿مَا هُمْ مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾: ما النّافية، هم: (أي المنافقين)، منكم: (من المؤمنين) ولا: للنفي، منهم؛ أي: من اليهود، وتكرار أداة النّفي (لا) يفيد التّوكيد.
﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾: من خصوصيات القرآن هناك فرق بين: يحلفون بالله وأقسموا بالله، الحلف يأتي في سياق الكذب، والقسم يأتي في سياق الصّدق، أو يقسم على أمر يظنه صحيحاً وهو خطأ، ويصدق فيما يظنه، أو يحلفه أو يقوله لو كان على غير الحق. ارجع إلى سورة التوبة آية (٥٦) لمزيد من البيان.
أي يحلفون على الكذب: أنهم مسلمون أو مؤمنون، أو أنهم معكم ولم ينقلوا أسرار المؤمنين إلى اليهود.
يحلفون على الكذب: على تفيد الاستعلاء والمشقّة، فكأنهم جعلوا الكذب مطيَّة لهم فاستقروا واستووا عليها، أو الكذب أصبح من سماتهم التي تعلو على وجوههم واستمروا عليه.
стр. 5328
﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿يَعْلَمُونَ﴾: أنهم كاذبون في أيمانهم.
سورة المجادلة [٥٨: ١٥]
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿أَعَدَّ اللَّهُ﴾: هيّأ وجهّز.
﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، وتقديم (لهم) يفيد الحصر، لهم تعني: المنافقين.
﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾: في الدّرك الأسفل من النّار.
﴿إِنَّهُمْ سَاءَ﴾: إنهم للتوكيد، ساء: من أفعال الذّم والتّقبيح.
﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ما: اسم موصول بمعنى الذي أو مصدرية، ولكنها أكثر شمولاً، ساء ما كانوا في الدّنيا يعلمون: (تشمل الأقوال والأفعال).
سورة المجادلة [٥٨: ١٦]
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾:
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴾: جعلوا، صيَّروا، أيمانهم: (جمع يمين) هو الحلف أو القسم.
جنة: وقاية وسترة على أنفسهم من المؤاخذة، أو وقاية من القتل والنَّبذ ووقاية على أموالهم وأهليهم من العقاب؛ أي: يستترون وراء أيمانهم من العقاب وأذى المسلمين.
﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: الفاء للتوكيد، صدوا: النّاس عن الدخول في دين الله تعالى، أو الهداية إلى الصّراط المستقيم.
стр. 5329
﴿فَلَهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، لهم: خاصة، اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: توكيد آخر ووعيد ثان، في الآية (١٥): عذاب شديد، وفي هذه: عذاب مهين؛ أي: هو عذاب فيه ذلَّة وفضيحة على مرآى من الناس.
سورة المجادلة [٥٨: ١٧]
﴿لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
﴿لَنْ﴾: أداة نفي للمستقبل القريب أو البعيد في الدنيا والآخرة.
﴿تُغْنِىَ عَنْهُمْ﴾: أي لن تنفعهم أو تدفع عنهم العذاب.
﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم﴾: تكرار (لا) يفيد التّوكيد، توكيد النّفي ونفي كلٍّ على حدةٍ لا الأموال وحدها ولا الأولاد ولا كلاهما معاً.
﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: من استغراقية، شيئاً: ولو أقلّ القليل، وشيئاً: نكرة، أيّ شيء مهما كان قليلاً أو كثيراً أو مهما كان نوعه.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد ويفيد التّحقير والذّم.
﴿أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: أي ملازمون لها لا يفارقونها ولا تفارقهم. ارجع إلى الآية (٣٩) من سورة البقرة.
سورة المجادلة [٥٨: ١٨]
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾:
﴿يَوْمَ﴾: البعث أو القيامة، والتنكير يفيد التعظيم والتهويل.
стр. 5330
﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: من قبورهم؛ أي: المنافقين ويحشرهم يوم القيامة أوّلهم وآخرهم.
﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾: لله تعالى في الآخرة على أنّهم ما كانوا منافقين، أو ما ينسب إليهم من إثم وسيئات.
﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾: الكاف للتشبيه، لكم أيّها المؤمنون الآن في دار الدّنيا: أنّهم لمنكم وماهم منكم، أو ما قالوا كلمة الكفر، وما كفروا بعد إسلامهم … وغيرها.
﴿وَيَحْسَبُونَ﴾: من حسب: وهو الظّن الرّاجح؛ أي: يعتقدون.
﴿أَنَّهُمْ عَلَى شَىْءٍ﴾: على شيء من الإيمان أو شيء من الحق، أو يعتقدون أن أيمانهم لكم تنفعهم عند الله تعالى كما كانت تنفعهم في الدّنيا، شيء: نكرة، تعني: أيّ شيء مهما كان نوعه، والشيء: هو أقل القليل سواء أكان حسياً (مادياً)، أم معنوياً.
﴿أَلَا﴾: أداة للتنبيه والتّوبيخ.
﴿إِنَّهُمْ هُمُ﴾: للتوكيد، وهم: لزيادة التّوكيد.
﴿الْكَاذِبُونَ﴾: أي صفة الكذب أصبحت ثابتة عندهم لا تتغير.
سورة المجادلة [٥٨: ١٩]
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾:
﴿اسْتَحْوَذَ﴾: من الحَوْذ، حاذ البعير؛ أي: ساقه سَوقاً عنيفاً.
стр. 5331
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾: استولى عليهم الشيطان وأحاط بهم، وغلب على عقولهم فتركوا أوامر الله تعالى وأطاعوا الشّيطان.
﴿فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾: أنساهم أن يذكروا الله بجميع الطّرق وشتى الوسائل، بألسنتهم وبقلوبهم وبأعمالهم، وأنساهم الصّلاة والقرآن والخوف من الله.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد، ويفيد الذّم والتّحقير.
﴿حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾: الحزب يعني الجماعة من النّاس اجتمعوا على منهج أو مبدأ فيه مصلحتهم أو فائدة لهم.
﴿أَلَا﴾: ألا: للتنبيه والتّوبيخ.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿حِزْبَ الشَّيْطَانِ﴾: أتباعه وأولياءه وأنصاره.
﴿هُمُ﴾: للتوكيد.
﴿الْخَاسِرُونَ﴾: لأنفسهم ولأهليهم، الخاسرون في الدّنيا والآخرة. ارجع إلى سورة النساء آية (١١٩) لمزيد من البيان.
سورة المجادلة [٥٨: ٢٠]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِى الْأَذَلِّينَ﴾:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: ارجع إلى الآية (٥) من السّورة نفسها؛ للبيان.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد، ويفيد الذّم والتّحقير.
стр. 5332
﴿فِى الْأَذَلِّينَ﴾: في ظرفية، الأذلِّين: جمع الأذل: وهو الأكثر ذلاً من كل ذليل، والذّل: الصَّغار والمهانة؛ أي: هم أذلُّ خلق الله.
سورة المجادلة [٥٨: ٢١]
﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِى إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾:
﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾: قضى وحكم، أو كتب الله في اللوح المحفوظ أو أم الكتاب.
﴿لَأَغْلِبَنَّ﴾: بالحجة وبالقوة وكل أنواع الغلبة، واللام للتوكيد والنّون لزيادة التّوكيد؛ أي: لأغلبن الكفار (حذف ذكرهم استحقاراً لهم) أو لا يريد ذكرهم؛ لأنهم لا يستحقون الذكر.
﴿أَنَا وَرُسُلِى﴾: أنا: ضمير الشأن يفيد التفخيم، ورسلي: الأنبياء والرسل.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد.
﴿قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾: ارجع إلى سورة الحديد آية (٢٥).
стр. 5333
سورة المجادلة [٥٨: ٢٢]
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا﴾: (هذا هو المفروض).
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ﴾: ارجع إلى سورة البقرة آية (٨) لمزيد من البيان. (يحبّون ويوالون).
﴿مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: حاد؛ أي: من عادى الله ورسوله وشاقَّهما ولو كانوا أقرباءهم مثل آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، وهذا الزّجر والنّهي عن موالاة أعداء الله ورسوله ورد بلفظ الخبر.
﴿أُولَئِكَ﴾: تعود على الذين يؤمنون بالله ورسوله ولم يوادُّوا من حادَّ الله ورسوله، كتب في قلوبهم الإيمان: أي أثبته وأقرَّه في قلوبهم.
﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾: أي بالقرآن، وسمّاه روحاً وسمّى من نزل به الرُّوح الأمين (أي جبريل)، كما قال تعالى في سورة الشروى آية (٥٢): ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾.
﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي تنبع من تحتها الأنهار.
стр. 5334
﴿خَالِدِينَ فِيهَا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾: ورضوان الله عليهم أعلى درجة من دخولهم الجنات.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد، تفيد المدح والتّعظيم.
﴿حِزْبُ اللَّهِ﴾: حزب: ارجع إلى آية (١٩) من السّورة نفسها؛ أي: أولياء الله وأنصاره.
﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾: ألا: للتنبيه والتّوكيد.
﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد، المفلحون: النّاجون من النّار والفائزون بالجنة، الفلاح: هو النّفع الباقي ونَيل الخير الدّائم. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥) لمزيد من البيان في معنى (المفلحون).
стр. 5335
سورة الحشر [٥٩: ١]
سورة الحشر
ترتيبها في القرآن (٥٩) وترتيبها في النزول (١٠١).
أسباب النّزول: بعد أن انتصر المسلمون في غزوة بدر وعادوا إلى المدينة جاء بنو النّضير (من يهود المدينة) رسولَ الله وعاهدوه على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه ويبقوا على الحياد، وبعد غزوة أُحد أظهروا العداوة لرسول الله ﷺ ، ونقضوا عهدهم مع رسول الله ﷺ بعد أن ذهب وفداً من بني النّضير إلى قريش في مكة، وكان كعب بن الأشرف رئيس الوفد، واجتمع كعب بزعيم قريش أبي سفيان، وعاد كعب إلى المدينة فأخبر الله سبحانه نبيَّه بما حصل، وأمر النّبي بقتل كعب بن الأشرف، وأمر الرّسول ﷺ المؤمنين بالمسير إلى بني النّضير بعد أن قُتل كعب بن الأشرف، وأمرهم بالخروج والجلاء عن المدينة المنورة فرفضوا، وانحاز المنافقون إلى جانب بني النّضير وشجعوهم على ألَّا يخرجوا من ديارهم وعاهدوهم إن قاتلكم محمّد وأصحابُه لننصرنَّكم وإن خرجتم للقتال لنخرجنَّ معكم، وحاولوا الغدر برسول الله ﷺ برئاسة عبد الله بن أُبَيٍّ ابن سلول.
وحاصر الرّسول ﷺ وأصحابه بني النّضير (٢١) يوماً خلالها قذف الله سبحانه الرّعب في قلوب بني النّضير، ويَئِسُوا من مساعدة المنافقين لهم، وسألوا رسول الله ﷺ الصّلح، فقبل على شرط جلائهم عن المدينة بلا رجعة، فنزلت هذه الآيات تصف ما حدث.
стр. 5336
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
ارجع إلى سورة الحديد الآية (١) للبيان في معنى سبح لله ما في السموات … وهناك اختلاف بين الآيتين هو تكرار (ما في) مرتين، ففي سورة الصف والحشر قال تعالى: ﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ بينما في سورة الحديد قال تعالى: ﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فقد تبين من مقارنة هذه الآيات إفادة ذكر (ما في) اسم الموصول وفي الظرفية قد يكون للتوكيد، أو هذا التّكرار لوحظ أنه يصحبه عادة الكلام عن أهل الأرض كالجهاد أو القتال في سبيل الله مثلاً، أو يأتي في مقام التّفصيل في البيان والآيات والشمول والاستغراق مثل الفزع والصعق والسجود الذي يشمل أهل الأرض والسموات، وعدم إعادة (ما) اسم الموصول يكون في مواطن الإجمال، أو للتخصيص لأنَّ هناك أشياء ومخلوقات في السموات، ليست موجودة على الأرض أو بالعكس كالملائكة المقربين أو الحافين من حول العرش، حرف (ما) يشمل العاقل وغير العاقل، وهذا التحليل ينطبق للإعادة (ما في) أو إعادة (من في) في كل آيات القرآن.
سورة الحشر [٥٩: ٢]
﴿هُوَ الَّذِى أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِى الْأَبْصَارِ﴾
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يعود على الله سبحانه واجب الوجود.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم.
﴿أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: أيْ: بني النّضير (من اليهود).
﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: قرب المدينة على مسافة (٢) ميل من المدينة.
﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾: سُمِّيَ هذا الجلاء بأوّل حشر، أي: الحشر الأول، وأمّا
стр. 5337
الحشر الثّاني فقد قيل: كان بعد غزوة خيبر، أو ربما يكون يوم القيامة، واللام في كلمة لأول للتوقيت، كقوله تعالى: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
﴿مَا ظَنَنتُمْ﴾: أيها المسلمون أن بني النّضير يخرجون ويتركون ديارهم لعزتهم ومنعتهم، فقد كانوا أهل حصون ونخيل ومال.
﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾: أن للتعليل والتّوكيد.
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾: وظنوا، أي: بنو النّضير أن حصونهم تحميهم أو تقيهم من الله، أيْ: من بأس الله تعالى ونقمته؛ فتقدم الخبر (مانعتهم) على المبتدأ (حصونهم) يدل على شدة اعتمادهم حماية حصونهم لهم ونصرهم على المؤمنين.
﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾: أيْ: جاءهم بأسه أو عذابه من حيث لم يخطر على بالهم لقوتهم أن يأتيهم من جهة محمّد ﷺ وصحابته المؤمنين، وأنّهم قادرون على حصارهم لمدة (٢١) يوماً.
﴿وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾: القذف الإلقاء بقوة، أي: ملأ قلوبهم رُعباً، وخاصة بعد قتل سيدهم كعب بن الأشرف؛ والرعب: الاضطراب النفسي الناشئ عن أمر لم يكن متوقع أو منتظر، ويتمثل بمزيج من الخوف والشدة، ومحاولة الفرار، وإيجاد مخرج أو ملجأ.
﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ﴾: لما أيقنوا بالجلاء، فقد كانوا يقلعون العمد والأبواب فيأخذونها معهم لكونها ثمينة، ولكي لا يسكن ديارهم أحد من المسلمين أو المؤمنين، فحاولوا تخريب منازلهم من الدّاخل وخرب المؤمنون ما تبقى من ديار بني النّضير.
﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِى الْأَبْصَارِ﴾: اعتبروا مشتقة من العبرة، وهي الدّلالة الموصلة إلى الحق والعبرة، الحالة التي يُعبر منها من منزلة الجهل إلى منزلة العلم بمقارنة
стр. 5338
أو مساواة شيء مشاهد أو محسوس إلى الوصول إلى أمر لم يكن متوقع أو منتظر؛ يا أولي الأبصار، يا أصحاب العقول، أي: البصائر أو ذوي البصيرة، كيف أخرج الله سبحانه بني النضير من ديارهم وهزمهم على يد المؤمنين الذين لا زلت جراحهم تنزف دماً من الهزيمة في معركة أُحد. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٣) لمزيد من البيان في أولي الأبصار.
سورة الحشر [٥٩: ٣]
﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾:
﴿وَلَوْلَا﴾: الواو استئنافية، لولا شرطية.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد.
﴿كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾: كتب: قضى وحكم أو فرض، وكتب أبلغ من فرض عليهم الجلاء من المدينة، أي: الخروج الجماعي من المدينة مع الأهل والولد خوفاً، وهناك فرق بين الجلاء والإخراج؛ أما الإخراج: فهو الخروج الذي قد يكون لواحد أو جماعة مع بقاء الأهل والولد. والجلاء: يشمل الأهل والأولاد، والجلاء: مصدر لفعل جلا.
﴿لَعَذَّبَهُمْ﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد واقعة في جواب الشّرط.
﴿فِى الدُّنْيَا﴾: بالقتل والسّبي والفقر والمرض أو غيرها.
﴿وَلَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
﴿فِى الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾: أيْ: وإن نجوا من عذاب الدّنيا بأن أجلوا من ديارهم من دون قتل وتشريد، فلن ينجوا في الآخرة من عذاب النّار بسبب نقضهم ميثاقهم وعهودهم ومحاربتهم لرسول الله ﷺ .
стр. 5339
سورة الحشر [٥٩: ٤]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، يشير إلى الجلاء الذي كتب عليهم والعذاب بأنّهم شاقوا الله ورسوله.
﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء للإلصاق والتّعليل.
﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: شاقوا من المشاقة والمشتقة من الشّق، أيْ: بني النّضير في شقٍّ ورسول الله ﷺ والمؤمنين في شقٍّ آخر،، خالفوا الله وعادوا الله ورسوله.
﴿وَمَنْ﴾: شرطية استغراقية.
﴿يُشَاقِّ اللَّهَ﴾: يعادي ويخالف الله سبحانه، يشاق ولم يقل: ورسوله؛ لأن مشاقة الرسول هي مشاقة لله، ولم يفك إدغام يشاق ويقل: يشاقق؛ لأنه سبحانه لم يذكر الرسول مرة أخرى ولو ذكره لفكَّ الإدغام. ارجع إلى الأنفال آية (١٣) للبيان والمقارنة.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة إن للتوكيد، العقاب: هو الجزاء على العمل عقيب فعله.
стр. 5340
سورة الحشر [٥٩: ٥]
﴿مَا قَطَعْتُم مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِىَ الْفَاسِقِينَ﴾:
أسباب النّزول: كما أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر في أثناء حصار بني النّضير قام بعض الصّحابة بقطع بعض شجر النّخيل وإحراقه لإغاظة بني النضير، فقال بنو النّضير: كيف ينهى محمّد عن الفساد في الأرض، ثم يأمر قومه بحرق النّخيل وقطعه. فنزلت هذه الآية تُبيح عمل بعض الصّحابة، ولا إثم عليهم وكل شيء قطعوه أم لم يقطعوه كان بإذن الله.
﴿مَا قَطَعْتُم مِنْ لِينَةٍ﴾: ما: النّافية، قطعتم: قطع كامل أو بعض الأغصان.
من: ابتدائية بعضية، لينة: نخلة شجرة نخل وجمعها أليان، واختيار لينة بدلاً من نخلة؛ لأن لينة تعني: كرام النّخل أو نوع من النّخل غنية بثمرها ولثمرها ألوان مختلفة واحدها لون أو لينة.
﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾: أيْ: لم تقطعوها وتركتموها قائمة على سوقها وجذورها.
﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾: فبأمر الله تعالى.
﴿وَلِيُخْزِىَ الْفَاسِقِينَ﴾: أي: الإذن بالقطع، ليخزي: اللام للتعليل، الفاسقين على فسقهم، والخزي هو ذل لهم وفضيحة، أخبر جبريل ﵇ رسولَ الله ﷺ بذلك الحكم، أيْ: لا إثم عليه ولا على المؤمنين. والفاسقين: جمع فاسق، وهو الخارج عن الدين، أو متعدي لحدود الله ورسوله. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٦) لمزيد من البيان.
стр. 5341
سورة الحشر [٥٩: ٦]
﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾: وما: الواو: عاطفة على ما قطعتم من لينة؛ ما: شرطية، أفاء: أيْ: ما أعطى الله رسوله ﷺ من فيء بني النّضير (غنائم بني النّضير) هو خاص به، ولا شيء لكم منه، فالأمر لله تعالى يعطي أو يقسم الفيء، كما يشاء الله، فهذه أموال لم تأخذونها بالقتال أو الحرب.
أما الفرق بين الفيء والأنفال: فالفيء هي الغنائم التي تؤخذ من العدو من دون قتال؛ كأن يفر العدو من أرض المعركة تاركاً وراءه غنائم أو أسلحة أو أموال أو كان نتيجة عقد صلح وسلام، أما الأنفال: فهي الغنائم التي تؤخذ من العدو بقتال وحرب. ارجع إلى سورة الأنفال آية (١) للبيان.
﴿فَمَا﴾: الفاء للتوكيد.
﴿أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾: الإيجاف الإسراع في السّير، أيْ: ما أسرعتم بالمسير إليه بالركوب، الركاب: ما يُركب من الإبل أو السّيارات أو وسائل النّقل الحديثة. أيْ: لم تقاتلوا عدواً من أجله أو تبذلوا جهداً للحصول عليه.
﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد.
﴿اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾: رسلَهُ محمّد ﷺ على من يشاء من أعدائه، ورسله قد تعني أيضاً ملائكته فيقذفون الرّعب في قلوب أعداء الله تعالى.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: أيْ: يمنح هذه الغنائم لمن يشاء تارة بحرب،
стр. 5342
وتارة من دون حرب، فهو على كل شيء قدير. ارجع إلى الآية (١) من سورة التّغابن للبيان.
أيْ: هذه الغنائم من بني النّضير أخذت منهم قهراً وعنوة، ومن دون قتال فلم يعطِ الأنصار نصيباً منها حيث طلبوا قسمة تلك الغنائم، ولكن رسول الله ﷺ أعطى هذه الأموال للمهاجرين، وقسمها حسب ما أوحى إليه ربه، ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة نفر منهم.
سورة الحشر [٥٩: ٧]
﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:
﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾: ما: اسم شرط جازم، ولم يسبقها واواً كما في الآية السابقة (٦)؛ لأن الكلام استئناف، أو هذه الآية ليس لها علاقة بما سبق؛ فهي حكم جديد في أمر الفيء؛ فقد كان البيان الأول: ما أفاء الله على رسوله منهم (هذا أمر خاص ببني النّضير).
أما البيان الثّاني: فهو بيان عام يشمل كل الكفار والأعداء وهو ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى كافة التي تفتح من دون قتال أو حرب (قرى الكفار عامة).
فهي توزع كما يلي (١/ ٥) خُمس هذه الغنائم هي لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل.
стр. 5343
أما الأربعة أخماس الأخرى (٤/ ٥) فللفقراء الذين أخرجوا من ديارهم وأبنائهم؛ تعني: المهاجرين وبعض الفقراء خاصة.
﴿فَلِلَّهِ﴾: تعني: رسول الله ﷺ ، وقيل: سهم الله للتعظيم أو يعني للرسول، ويصرف سهم الرّسول بعد موته ﷺ على الإمام أو الجيش أو مصالح المسلمين، وسهم ذي القربى: يوزع على بني هاشم وبني عبد المطلب.
وسهم اليتامى: أطفال المسلمين الذين فقدوا آباءهم وهم فقراء.
وسهم المساكين: ذوي الحاجة من المسلمين.
وابن السّبيل: المنقطع في سفره من المسلمين، وليس معه مال يرده إلى بلده.
﴿كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾: دُولة: بضم الدّال وليس دَولة، دَولة: هي الحكومة أو الوطن، أما دُولة فلكيلا يتداولها الأغنياء بينهم، أي: تقع في أيديهم.
﴿كَىْ﴾: للتعليل الحقيقي.
﴿لَا﴾: النّافية.
كي لا يكون: الفيء أو الغنيمة، غنيمة للأغنياء منكم وهم ليسوا بحاجة إليه.
﴿مِنكُمْ﴾: خاصة.
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾: من مال أو غنيمة أو فيء، وما أمركم به الرسول فافعلوه.
стр. 5344
﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾: وما أمركم بتركه والابتعاد عنه فاجتنبوه؛ لأنه ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].
وطاعته ﷺ هي طاعة لله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
يتبيَّن أنّ رسول الله ﷺ أُعطي حق التّشريع.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: امتثلوا أوامر الله وتجنبوا نواهيه، فبذلك تتقوا سخطه وغضبه وناره.
﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: إن للتوكيد، شديد العقاب: لمن عصاه وتعدَّى حدوده.
سورة الحشر [٥٩: ٨]
﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾:
﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾: اللام لام الاستحقاق والملكية، للفقراء المهاجرين: الأربعة أخماس الباقية من الغنائم.
وتبدو هذه الآية إجابة على سؤال حين سُئل بما أنّ الخُمس (١/ ٥) يصرف لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل، فلمن تصرف الأربعة أخماس الباقية من الغنائم، فجاء الرّد الإلهي للفقراء والمهاجرين.
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾: أي: أخرجوهم كفار مكة وأخذوا أموالهم وتركوا ديارهم ومتاعهم حين خرجوا من مكة إلى المدينة مهاجرين.
﴿أُخْرِجُوا﴾: رغماً عن إرادتهم وقسراً وقهراً، ولم يقل: خرجوا: أي: بإرادتهم ورغبتهم.
стр. 5345
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾: يطلبون أو يلتمسون فضلاً من الله: الفضل هو الزيادة عما يستحق العبد من الأجر والثواب على ما يقدِّمه من أعمال صالحة، والفضل ليس بواجب لأحد، ولكن الله يتفضل على من يشاء من دون سبب وأعظم الفضل التوفيق ورؤية وجهه الكريم في الجنة.
﴿وَرِضْوَانًا﴾: رضوان الله هو أكبر من الجنة والمساكن الطيبة والنعيم كما قال تعالى في سورة التوبة آية (٧٢): ﴿فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. والرضا هو اطمئنان القلب إلى أمر فيه نفع. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٥) لمزيد من البيان في الرضوان.
﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: من النصرة، وهي تقديم المعونة الخاصة للأنبياء والرسل للنصرة على أعدائهم ولنصرة هذا الدِّين وإعلاء كلمة الله تعالى.
أما الفرق بين المعونة والنصرة، فالمعونة عامة والنصرة خاصة تكون بالجهاد والمال، وغيرها من الوسائل.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾: أولئك اسم إشارة واللام للبعد تفيد المدح. هم: ضمير فصل يفيد التوكيد.
الصادقون: في أقوالهم وأفعالهم وإيمانهم ونصرتهم لله ورسوله قرنوا الإيمان بالعمل الصالح، والصّادقون صفة ثابتة لا تتغيَّر فيهم.
وإذا قارنا هذه الآية (٨) من سورة الحشر ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾: والآية (٢٧٣) من سورة البقرة ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ﴾.
стр. 5346
نجد أن آية الحشر جاءت في سياق الفيء وتقسيم الغنيمة، وأما آية البقرة فجاءت في سياق الصدقة.
سورة الحشر [٥٩: ٩]
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: الذين: أي: الأنصار الذين سكنوا المدينة من قبل المهاجرين، تبوَّءُوا الدار: سكنوا المدينة، والإيمان: الإيمان ليس بمكان يتبوَّأ فكيف عطف الإيمان على الدّار؛ لأنّ الإيمان هو اعتقاد أو عقيدة فكأنه شبه الإيمان بمنزل أو مسكن آخر لهم فأصبح لهم منزلين وفي هذا مدح للأنصار فهم سكنوا المدينة والإيمان سكن في قلوبهم بعد إسلامهم. ارجع إلى سورة يونس آية (٨٧) لمزيد من البيان في معنى تبوأ.
﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾: من مكة أو غيرها من سائر المدن، ومن هاجر إليهم من المؤمنين.
﴿وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾: ولا يجدون في صدروهم في أنفسهم حاجة، أي: حسداً ولا غيظاً مما أُعطي المهاجرون من الفيء أو الغنيمة.
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾: من الإيثار وهو تقديم مصلحة الغير على النّفس بأموالهم ومنازلهم، أي: يقدِّمون المهاجرين على أنفسهم أو يؤثرون المهاجرين على أنفسهم في المال والمتاع.
﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾: الخصاصة الفقر والحاجة وسوء الحال.
стр. 5347
﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾: من شرطية، يوق شح نفسه: يحمي نفسه من الشّح، والشّح: هو أشد البخل مع الحرص الشّديد على المال ومنع الخير وكأنه جُبل عليه.
فمن كفاه الله البخل والإفراط في الحرص على المال، فأدَّى ما أوجبه الشّرع عليه من زكاة وصدقة.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط.
﴿هُمُ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: أي: هؤلاء في طليعة المفلحين يوم القيامة، المفلحون: المدركون أمانيهم، أي: الفائزون بالجنة والنّاجون من النّار والمدركون لأمانيهم. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥) لمزيد من البيان في معنى الفلاح.
стр. 5348
سورة الحشر [٥٩: ١٠]
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: أي: من بعد المهاجرين والأنصار في الزمان وهم التابعون، أو قد تعني: ليس فقط التّابعون لهم في حقبة معينة من الزّمن، بل الإيمان أي: من أمن بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة.
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا﴾: اغفر لنا ذنوبنا ويقولون تدل على التّجدُّد والتّكرار.
﴿وَلِإِخْوَانِنَا﴾: واغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان (من المهاجرين والأنصار).
﴿وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا﴾: حقداً أو حسداً لما أتاهم الله سبحانه في المنزلة والحظ في الآخرة.
﴿رَبَّنَا﴾: تكرار ربنا يفيد التّوكيد والتقرُّب من الله تعالى.
﴿إِنَّكَ﴾: للتوكيد.
﴿رَءُوفٌ﴾: الرّأفة أخص من الرّحمة وأشد، وتكون للمؤمنين خاصة.
стр. 5349
﴿رَحِيمٌ﴾: بعباده المؤمنين ـ دائم الرّحمة ـ ويقيهم السّيئات والضّر ويجلب لهم ما يُسر.
سورة الحشر [٥٩: ١١]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتّعجب.
﴿تَرَ﴾ رؤية قلبية فكرية.
﴿إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾: من قريش، أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم وأخفوا كفرهم في قلوبهم أمثال عبد الله بن أُبَيٍّ ابن سلول وأصحابه.
ارجع إلى سورة المنافقون آية (١) لمزيد من البيان.
﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: (اليهود من بني النّضير وقريظة).
﴿لَئِنْ﴾: اللام للتوكيد، إن أخرجتم: من المدينة، إن شرطية تفيد الاحتمال أو الشّك.
﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾: اللام والنّون في يخرجنَّ للتوكيد، أيْ: لئن أخرجتم من المدينة لنخرجنَّ معكم.
﴿وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾: ولا نطيع في قتالكم أحداً أبداً مثل رسول الله ﷺ
стр. 5350
والمسلمين، أو لا نطيع في خذلانكم أحداً أو مخالفة ما وعدناكم من الولاء والنّصرة.
﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ﴾: إن شرطية، تفيد ندرة الحدوث، أو الاحتمال، أو الشّك، قوتلتم: قاتلكم أحد لننصرنكم، واللام والنّون في لننصرنكم للتوكيد.
﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: إنّ واللام في لكاذبون للتوكيد، إنهم لكاذبون في وعودهم لبني النّضير بالخروج معهم أو القتال معهم ونصرتهم.
سورة الحشر [٥٩: ١٢]
﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾:
﴿لَئِنْ﴾: اللام للتوكيد، إن شرطية تفيد الشّك أو الاحتمال.
﴿أُخْرِجُوا﴾: من ديارهم أو أُجلُوا عن المدينة أو غيرها من المدن، أو القرى.
﴿لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾: لا النّافية يخرجون معهم كما وعدوهم.
﴿وَلَئِنْ﴾: مثل السّابقة.
﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا﴾: من قبل المسلمين أو غيرهم لا ينصرونهم كما وعدوهم.
﴿وَلَئِنْ نَّصَرُوهُمْ﴾: يعني: ولئن نصروا بني النّضير.
﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ ليفرُّون هاربين مهزومين معهم، وتكرار لئن للتوكيد ولفصل كل واحد من هذه الاحتمالات على حِدَةٍ.
стр. 5351
﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾: ثم للتراخي من الزّمن، أي: لا ينصرون الآن، ولا في المستقبل مهما طال، وفي هذا وعد للمؤمنين بالنّصر على الكافرين والمنافقين.
سورة الحشر [٥٩: ١٣]
﴿لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾:
﴿لَأَنتُمْ﴾: اللام لام الاختصاص للتوكيد، أنتم أيها المؤمنون.
﴿أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾: أشد رهبة في صدورهم (أي: في قلوب المنافقين) من الله، والرّهبة: هي الخوف والحذر، أي: يخافونكم ويخشونكم ويحذرونكم أكثر مما يخافون الله ويحذرونه ويخشونه.
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة يشير إلى الرّهبة.
﴿بِأَنَّهُمْ﴾ الباء للإلصاق والملازمة.
﴿قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾: الفقه: الفهم لا يفهمون. والفقه اصطلاحاً: معرفة الأحكام الشرعية، وإدراك المعاني والأسرار الخفية في كلام الله تعالى؛ فهم لا يفقهون؛ لأنهم خافوا منكم لشعورهم بالضعف، ولم يخافوا الله سبحانه القهار والجبار؛ أي: خافوا الظاهر، ولم يخافوا ما وراءه وهو الله سبحانه؛ ارجع إلى سورة النساء آية (٧٨) لمزيد من البيان في يفقهون.
ووصفهم في الآية (١١) ﴿لَكَاذِبُونَ﴾.
ووصفهم في الآية (١٤) ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾.
فهم لا يفقهون ولا يعقلون إضافة إلى كونهم يكذبون.
стр. 5352
سورة الحشر [٥٩: ١٤]
﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِى قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾:
﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾: لا: النّافية، يقاتلونكم: أضاف النّون للتوكيد أصلها لا يقاتلوكم، أي: اليهود والمنافقون.
﴿جَمِيعًا﴾: أيْ: لا يقاتلونكم حين تكونون مجتمعين موحَّدين تحت راية واحدة، ولكن يقاتلونكم حين تكونون متفرقين.
﴿إِلَّا فِى قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾: إلا: أداة حصر، في قرى محصنة: أي: حين يكونوا قد تحصنوا في حصونهم وقلاعهم وخنادقهم، أو قرى محصنة بنوع جديد من التّحصن، وهو زرع البطاريات المضادة للصواريخ أو القبة الحديدية.
﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾: ببناء الجدر العازلة بين المدن أو على الحدود.
﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾: البأس الحرب بينهم، شديد: أي: إذا قاتلوا بعضم بعضاً يقاتلون بشدة.
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾: تحسبهم من الحسب، وهو الظّن الرّاجح، تظنون ظناً راجحاً أنهم موحَّدون متفقون في الظاهر.
﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾: قلوبهم متفرقة لاختلاف عقائدهم ونواياهم ومقاصدهم، أي: في الباطن متفرقون ومختلفون، وفي الظّاهر أو العلن موحدون.
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة إلى تفرقهم وبأسهم بينهم شديد.
стр. 5353
﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾: الباء: للإلصاق والملازمة، لا يعقلون: لا يفكرون فيما فيه صلاحهم وعاقبة أمرهم ولا يدركون الحق؛ لا يعقلون: لأن قلوبهم متفرقة (شتى)، ولو عقلوا وأدركوا الحق لما قاتلوكم، وأصابهم ما أصابهم.
سورة الحشر [٥٩: ١٥]
﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: الكاف للتشبيه، الذين: اسم موصول، من قبلهم: من تدل على الزّمن القريب (أي: من زمن قريب).
أي: مثل بني النّضير والمنافقين كمثل الذين من قبلهم قد يكونون بني قريظة أو بني قينقاع أو كفار قريش يوم بدر في خيانة العهود ومحاربة الرّسول ﷺ والغدر وعدم الإيمان.
﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾: ذاقوا سوء عاقبة كفرهم وتخاذلهم وعدم الوفاء بعهودهم، والوبال: في الأصل: من البول، ويعني: الشّدة والثّقل والوخامة، ثم استعير ليمثل سوء عاقبتهم ووَبل المرتع وبالاً: كثر فيه البول ووَخْم فيه الرّائحة الوسخة. وذكرت كلمة وَبَال في القرآن في (٤) سور: المائدة آية (٩٥) والحشر آية (١٥) والتغابن آية (٥) والطلاق آية (٩).
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في الآخرة.
стр. 5354
سورة الحشر [٥٩: ١٦]
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِاءٌ مِنْكَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾: الكاف للتشبيه، كمثل الشيطان: أي: مثل المنافقين فيما صنعوا، مع بني النّضير في إغرائهم على القتال معهم ونصرتهم والخروج معهم.
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ﴾: أي: أغراه ووسوس إليه وزين له الكفر.
﴿فَلَمَّا كَفَرَ﴾: أي: استجاب للشيطان.
﴿قَالَ إِنِّى بَرِاءٌ مِنْكَ﴾: تبرؤ الشّيطان فيه مخافة أن يشاركه في العذاب.
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾: جمع خوفين خوف من الألوهية، وخوف من الرّبوبية. ارجع إلى سورة الأنفال آية (٤٨) لمزيد من البيان.
стр. 5355
سورة الحشر [٥٩: ١٧]
﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِى النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاؤُا الظَّالِمِينَ﴾:
﴿فَكَانَ﴾ الفاء استئنافية، كان: تشمل كل الأزمنة ومنها المستقبل.
﴿عَاقِبَتَهُمَا﴾: الشّيطان والإنسان.
﴿أَنَّهُمَا﴾: للتوكيد.
﴿فِى﴾: ظرفية.
﴿خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾: خلود يبدأ من زمن دخولهم إليها وبلا نهاية.
﴿وَذَلِكَ﴾: الواو للتوكيد، ذلك: اسم إشارة يشير إلى العذاب والخلود في النّار.
﴿جَزَاؤُا الظَّالِمِينَ﴾: الجزاء على العمل والجزاء يكون في الخير والشّر وأما الأجر يكون عادة في الخير، الظالمين: الكافرين والمشركين.
سورة الحشر [٥٩: ١٨]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾:
نداء جديد للذين آمنوا بتكليف وأمر جديد بتقوى الله.
﴿يَاأَيُّهَا﴾: الياء النداء وللبعد والهاء للتنبيه.
стр. 5356
﴿الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾: التّقوى هي امتثال أوامر الله وطاعته، وتجنب نواهيه؛ لكي نتقي سخطه وغضبه وناره.
﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾: الواو عاطفة، واللام لام الأمر أو التّوكيد.
﴿نَفْسٌ﴾: ١ - جاءت بصيغة التّنكير تعني: أيَّ نفس مثقلة بالذّنوب أو زكية أو مطمئنة أو غيرها.
ونفس تشير إلى القلة، أي: الأنفس النّواظر لغد قلة.
﴿مَا قَدَّمَتْ﴾: ما بمعنى الذي أو مصدرية، (وما) أوسع شمولاً من الذي. قدَّمت: أحضرت أو عملت من الأعمال الصّالحة ليوم حسابها.
﴿لِغَدٍ﴾: اللام لام التّوقيت وغد يعني: يوم القيامة وجاء بصيغة التّنكير للتهويل والتّعظيم، ولقرب يوم القيامة، وتحقق وقوعه اعتبره الغد، أي: اليوم الذي يلي اليوم الذي نحن فيه، أو أي: يوم في المستقبل قريباً أو بعيداً.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: تكرار ذلك يعني: التّوكيدَ والحضَّ على التّقوى والاستقامة عليها.
﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: إن للتوكيد، خبير: ببواطن الأمور، ومخفيات الصّدور، وقدَّم خبير على ما تعملون؛ لأنّ السّياق في التّقوى والتّقوى عمل قلبي لا يعلمه إلا الله تعالى. ولم يقل: إن الله بما تعملون خبير.
سورة الحشر [٥٩: ١٩]
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو حرف عطف، لا: النّاهية.
стр. 5357
﴿تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾: نسوا طاعة الله وذكر الله، ونسوا الصلاة أو عبادة الله أو نسوا امتثال أوامره وتجنب نواهيه، أو نسوا حق الله عليهم.
﴿فَأَنسَاهُمْ﴾: الفاء فاء السّببية، أيْ: أنساهم أن يقدِّموا خيراً لأنفسهم وتركهم في شهواتهم وغيهم وضلالهم يعمهون، كما نسوا الله أنساهم أنفسهم باللهو واللعب وإضاعة الزمن والانشغال بتوافه الأمور والجدال أحياناً مع الناس من دون علم والتمتع والأكل كما تأكل الأنعام.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يشير إلى الذين نسوا الله.
﴿هُمُ﴾: للتوكيد.
﴿الْفَاسِقُونَ﴾: أيْ: إذا كان هناك فاسقون فهم في المقدِّمة، والفسق هو الخروج عن طاعة الله وطاعة رسوله.
ارجع إلى الآية (٢٦) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
سورة الحشر [٥٩: ٢٠]
﴿لَا يَسْتَوِى أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾:
﴿لَا﴾: النّافية.
﴿يَسْتَوِى﴾: في المنزلة والدّرجة والفضل كلٌّ من أصحاب النّار وأصحاب الجنة.
والآية تعني: لا يستوي أصحاب النّار فهم في درجات مختلفة قيل: سبع دركات والدّرك الأسفل للمنافقين، وقيل: هي جحيم وجهنم ولظى وسعير وسقر والحطمة والهاوية.
стр. 5358
وأصحاب الجنة هم درجات، فقد قيل: إنّ الجنة (١٠٠) درجة وبين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض بُعداً.
﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: إعادة كلمة أصحاب الجنة للتوكيد، وكلمة أصحاب مشتقة من الصّحبة: الملازمة وعدم الفرقة والصّداقة والمودة.
وقدَّم أصحاب النّار على أصحاب الجنة؛ لأنّ سياق الآيات في الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أو قدَّمها للتنبيه والتّحذير، أو لكثرة عددهم.
سورة الحشر [٥٩: ٢١]
﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾:
﴿لَوْ﴾: حرف امتناع لامتناع، امتنع نزول القرآن على جبل لامتناع رؤية الجبل خاشعاً متصدعاً.
﴿أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾: ولو أُنزل هذا القرآن على جبل وحصل ذلك لرأيته خاشعاً؛ الخشوع: الخضوع والذل والانكسار، وتظهر آثاره في القلب والسمع والبصر والصوت متصدعاً من خشية الله تعالى، أو من خشية القرآن، والخشية: هي الخوف المقرون بالتعظيم، والعلم فيمن تخشاه؛ لأنّ القرآن كلام الله تعالى أو يتصدع من كلام الله فإذا تصدع من كلام الله، فكيف إذا تجلى الرّب سبحانه للجبل، كما حصل حين طلب موسى ذلك، فقد جعله دكاً وخرَّ موسى صعقاً؟
وأنت أيها الإنسان أنزل إليك القرآن، فلا يخشع له قلبك، ولا يقشعر له جلدك، ولا تتأثر به حين يُتلى عليك أو تتلوه بنفسك.
стр. 5359
فلو أنزل هذا القرآن على الجبل الجامد الذي يزن ملايين الأطنان يلين ويتصدع وأنت هجرته وراء ظهرك وهذا توبيخ لهؤلاء الذين لا يقرؤون ولا يتأثرون به؛ مما يدل على أن قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة.
﴿وَتِلْكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد.
﴿الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾: مثل إنزال القرآن على جبل.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعل للتعليل.
﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: ينظرون في الآيات والدّلائل، فإذا تفكروا وتدبروا فسوف يصلون إلى النتيجة أنّ الله هو الإله الحق واجب الوجود المستحق للعبادة وحده. وقيل: ضرب الأمثال لإزالة الغموض.
سورة الحشر [٥٩: ٢٢]
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾:
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر.
﴿اللَّهُ﴾: هو علم على الذات الواجب الوجود، الإله الحق لا إله إلا هو المستحق العبودية وحده، لا شريك له في الملك، والخلق، فهو مالك الملك وإليه يرجع الأمر كله في الأولى والآخرة، والله: الاسم الجامع لجميع صفات الكمال والجامع للأسماء الحسنى تفرَّد به سبحانه واختصه لنفسه، وقدَّمه على سائر الأسماء الحسنى، ليس كمثله شيء لا مثيل ولا نظير ولا صاحبة ولا ولد ولا شريك.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد الكمال والتّعظيم.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا إله: تفيد النّفي، إلا هو: تفيد الإثبات أو توكيد النّفي.
стр. 5360
ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥٥) لمزيد من البيان.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: عالم الغيب: أيْ: عالم ما غاب عن المدركات والحواس واستتر، عنده علم السّاعة ويعلم ما في السموات والأرض والبر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا يعلمها، وما يعزب عنه من مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، يعلم ما في الأرحام وما تخفي الصّدور ويعلم ما تكسب كل نفس وبأي أرض تموت والسّر والنّجوى.
﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: عالم ما يشاهد بالمدركات والحواس، وما يجري في كونه وما يعلمه خلقه وهو اللطيف الخبير.
﴿هُوَ﴾: تكرار هو للتوكيد والحصر.
﴿الرَّحْمَنُ﴾: هو من شملت رحمته جميع الكائنات في الدّنيا بما في ذلك المؤمن والكافر والمطيع والعاصي والحيوان والنّبات، صيغة مبالغة من الرّحمة على وزن فعلان تفيد التّجدُّد والتّكرار.
﴿الرَّحِيمُ﴾: رحيم بعباده المؤمنين في الدّنيا والآخرة، على وزن فعيل تفيد الثّبوت، فالله سبحانه جمع بين الصّفتين حتى يظن أحد أنّ رحمته قد تزول أو تنقطع، فهي رحمة ثابتة ومتجدِّدة ومتكرِّرة في الدّنيا.
ارجع إلى سورة الفاتحة الآية (٢) لمزيد من البيان.
следующие страницы →