Полный текст (5 934 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: شهدوا بأنه لا إله إلا هو بعد أن أخبرهم بشهادته.
﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾: سرعان ما شهدوا أنه لا إله إلا الله بعد أن أخبرهم، وبيَّن لهم آياته ودلائله.
وأولو العلم: هم الأنبياء، والمرسلون، والصديقون، والشهداء، والصالحون، وحملة العلم، والفقه في الدِّين، وعلماء الأمة الموحدون المخلصون؛ الذين علِموا التوحيد، وعلَّموهُ لغيرهم.
وعطف شهادة أولي العلم على الملائكة يدل على شرف ومنزلة أولي العلم.
﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: أي: الله ، وملائكته، وأولو العلم شهدوا أولاً أنه لا إله إلا هو، وشهدوا ثانياً أنه سبحانه قائمٌ بالقسط.
قائماً: بتدبير خلقه، وكونه وحده.
بالقسط: بالعدل، مع التنفيذ والتطبيق، والقسط يعني: الحصة والنصيب، وتعني: العدل في الميزان أيضاً.
فتصبح قائماً بالقسط: قائماً بتدبير خلقه بالقسط (بالعدل) من حيث الرزق، والعلم، والموت، والحياة، والصحة، والمرض.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: الشهادة الأولى جرت مجرى الشهادة وهذه تعتبر الشهادة الثانية بعد لا إله إلا هو الأولى التي جرت مجرى الشهادة، وأما الشهادة الثانية فهي تجري مجرى الحكم الدائم بوحدانية الله تعالى.
﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: العزيز الغني عن خلقه، وعن شهادتهم، القوي الذي
стр. 562
لا يُغلب، ولا يُقهر، والممتنع على خلقه؛ الذي تفرد بعزة الوحدانية، والقوة، والغلبة.
الحكيم: في تدبير خلقه، وكونه، وأفعالهم، الحكيم في شرعه وقضائه وعدله، واهب الحكم، أحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة.
سورة آل عمران [٣: ١٩]
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
شهد الله أنه لا إله إلا هو، وشهد الله أنه لا إله إلا هو قائماً بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وشهد أن الدِّين عند الله الإسلام، وكذلك شهد الملائكة، وأولوا العلم نفس الشهادة.
﴿إِنَّ الدِّينَ﴾: إن: للتوكيد؛ أي: لا دين عند الله إلا الإسلام، وهذا الدِّين هو الحق، وهو الدِّين القيم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٢)؛ لمعرفة معنى كلمة الدِّين والملة.
﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: جاءت للتوكيد؛ لتؤكد حصراً، وقصراً: أن الدِّين عند الله هو الإسلام: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
وأما اليهودية، والنصرانية: فهي ديانات، وليستا ديناً، أو أدياناً، بل رسالات سماوية؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، والإسلام يعتبر ديناً، ويمكن أن يطلق عليه ديانةً أحياناً.
الدِّين: من دان؛ أي: أطاع، ودان له؛ أي: أطاعه.
ودان: اعتقد، ودان به؛ أي: اعتقده.
والدِّين: هو الشرع الذي أنزل الله سبحانه من آدم ﵇ إلى محمد ﷺ ، فهو
стр. 563
دين الرسل جميعاً، وهو يشمل الملة، والشريعة، والأحكام، والكتاب، والسنة، فموسى ﵇ دينه الإسلام، وشريعته، أو ديانته اليهودية.
وعيسى ﵇ دينه الإسلام، وشريعته، أو ديانته النصرانية.
ومحمد ﷺ دينه الإسلام، وشريعته، أو ديانته الإسلام.
والإسلام بالنسبة للرسالات السابقة كان وصفاً، وأما بالنسبة لأمة محمد ﷺ فهو وصفٌ واسمٌ ودينٌ كاملٌ، والإسلام لغة يعني: الاستسلام، والخضوع لأوامر الله تعالى وطاعته، ويعني: السلام، والأمن، وجوهره التوحيد: توحيد الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات، وتهذيب وإصلاح الفرد، والمجتمع بالعمل الصالح.
﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾:
وما: الواو: عاطفة، ما نافية.
﴿اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: اليهود والنصارى.
اختلف: الخلاف عدم الاتفاق في الشرع، وهو مذموم، وهو من مظاهر الهوى.
١ - أوجه الاختلاف في مسألة التوحيد، والعقيدة في لا إله إلا الله، أو اختلفوا، قالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء.
أو اختلفوا في عيسى فقالوا: ابن الله، ثالث ثلاثة، أو هو الله.
أو اختلفوا في عزير، أو اختلفوا في نبوَّة محمد ﷺ ، وأن الدِّين هو الإسلام.
стр. 564
٢ - ومتى حدث الاختلاف: من بعد ما جاءهم العلم؛ أي: الحق؛ أي: القرآن بأن الله واحد، وعيسى عبده ورسوله، ومحمد عبده ورسوله.
٣ - سبب الخلاف: الحسد بغياً بينهم، وطلباً للسلطة، والقوة، والمال، والاستعلاء.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: ومن: شرطية، يكفر؛ أي: يستر آيات الله، (وسمي ذلك كفراً) بسبب الاختلاف، أو البغي.
بآيات الله: الباء: للإلصاق؛ أي: يسترها، أو يجحد بها، ولا يؤمن بالآيات الحاملة لشرائعه ودينه.
فإن: الفاء: رابطة لجواب الشرط، إن الله: للتوكيد. سريع الحساب: في الدنيا إذا شاء، وقد يؤجِّله سبحانه إلى الآخرة، وهو سريع الحساب في الآخرة أيضاً.
سورة آل عمران [٣: ٢٠]
﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّنَ ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾:
﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة، إن: شرطية.
﴿حَاجُّوكَ﴾: من المحاجة: وهو أن يدلي كل خصم من الخصمين بحجته، وعادة يكون لإظهار الحق، ودحر الباطل، أو لمعرفة الصدق من الكذب. ارجع إلى الآية (٢٥٨) من سورة البقرة؛ للبيان.
فإن حاجوك: أي: وفد نجران النصراني حاجوك في شأن وأمر عيسى ﵇.
﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ﴾: أي: داعياً إياهم إلى الإسلام، وإلى التوحيد، وإسلام الوجه لله، والإخلاص له.
стр. 565
أو حاجوك الكفار في الدِّين ولم يؤمنوا، فقل: الفاء: رابطة للجواب.
أسلمت وجهي لله: والوجه يراد به الذات (مجاز مرسل) إطلاق الجزء، وإرادة الكل؛ أي: أخلصت له وانقدت وخضعت لله. أسلمت ذاتي لله، وإسلام الوجه وهو أعلى درجات الإسلام، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٢) في سورة لقان وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ يسلم إلى الله تعني: يتوكل على الله، أو يفوض أمره إلى الله، أما يسلم لله؛ أي: يخلص لله وينقاد له ويستسلم له.
﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾: ومن: ابتدائية، اتبعن: من المسلمين، أو من البشر؛ أي: كذلك هؤلاء أسلموا وجوههم لله كما أسلمت أنا (أي: محمد ﷺ لله سبحانه، وأسلموا وجوههم لله، تعني: أخلصوا عبادتهم لله، والإخلاص لله هو أعلى درجات العبودية.
وبما أن المخلصين لله، والذين لا يراؤون في عبادتهم والاتباع هم قلة جداً، ولذلك جاء بكلمة ومن اتبعن بدون ياء مقارنة بكلمة اتبعني، فالياء تدل على الكثرة (زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى)، ولذلك قال: ومن اتبعن، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٠٨) من سورة يوسف رأينا كلمة اتبعني جاءت في سياق الدعوة، فهناك الكثير من الدعاة، ولذلك قال: من اتبعني، ومنهم من هو مخلص، أو غير مخلص، أما المخلصون لله (إسلام الوجه) فهم القلة، ولذلك استعمل اتبعن.
﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّنَ ءَأَسْلَمْتُمْ﴾: وقل يا محمد ﷺ ، للذين: اللام: لام الاختصاص. قل للذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى.
والأميين: جمع أُمي، وسموا أميين نسبة إلى الأم؛ لكونهم غير قادرين على
стр. 566
الكتابة والقراءة، وقيل: الأمي من لا يكتب. ارجع إلى الآية (١٥٧) من سورة الأعرف؛ للبيان، أو نسبة لقلة من يقرأ، أو يكتب منهم.
أأسلمتم: الهمزة للاستفهام، وتحمل معنى الأمر؛ أي: أسلموا خيرٌ لكم.
﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾: الفاء: استئنافية، إن أسلموا: إن: شرطية تفيد الشك؛ أي: استجابوا لك، ودخلوا في الإسلام.
﴿فَقَدِ اهْتَدَوا﴾: ظفروا بالهداية، فقد: الفاء: رابطة لجواب الشرط، قد: حرف تحقيق وتوكيد.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: وإن: شرطية، تولوا: أعرضوا رفضوا الإيمان أو الدخول في الإسلام، أو رفضوا التوحيد، وعدم الشرك بالله، فلا يضرك أمرهم المهم تبليغهم كلام الله تعالى.
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾: فإنما: الفاء: رابطة لجواب الشرط، إنما: كافة مكفوفة تفيد التوكيد، البلاغ: تبليغ الرسالة؛ أي: الإعلام؛ أي: الإيصال والإفهام.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾: ارجع إلى الآية (١٥) من سورة آل عمران.
سورة آل عمران [٣: ٢١]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾: يكفرون، ويقتلون جاءت بالفعل المضارع؛ ليدل على قباحة ما فعلوه (وهذا يسمى حكاية الحال). ارجع إلى الآية (٦١) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق، الآيات: وتشمل آيات الكتاب، أو
стр. 567
المعجزات، أو الآيات الكونية، أو البينات، والكفر بآيات الله يعني: إنكارها، وعدم التصديق بها.
﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ﴾: ولم يقل: الرسل؛ لأنه لم يقتل رسول أبداً، ولكنهم قتلوا بعض الأنبياء الذين أرسلوا إليهم. ويقتلون: جاءت بصيغة المضارع (الحال) لتدل على بشاعة القتل وكأنه يحدث الآن.
﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: بغير سبب، وقتل أي نبي من أكبر الذنوب؛ أي: ليس لهم أي حق في قتله، فهو لم يقتل لهم قريب، أو بعيد، أو يتعدى عليهم حتى يراد القصاص منه. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٦١)؛ لمقارنة هذه الآية مع الآيات الأخرى مثل: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢]، ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [النساء: ١٥٥].
﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾: ويقتلون بصيغة الحاضر؛ لاستحضار مشهد قتلهم؛ لبشاعته، والتذكير به (حكاية الحال) الذين يأمرون بالقسط: هم من يأمرون بالعدل، وبالمعروف، وينهون عن المنكر، ورفع الجور والظلم عن الناس، أو أهل الدعوة، ومن يدافعون عن الأنبياء والدِّين.
﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: استعمل البشارة بدلاً من وأنذرهم بعذاب؛ للتهكم عليهم، والفاء: رابطة لجواب الشرط؛ أي: فبشرهم الآن بعذاب أليم، شديد الإيلام.
سورة آل عمران [٣: ٢٢]
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد إشارة للذين كفروا بآيات الله، وقتلوا النبيين بغير حق.
стр. 568
وقتلوا الذين يأمرون بالقسط لم يبق لحسناتهم أثر، أو فائدة في الدنيا والآخرة (بطلت).
﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: من مرض الحبط الذي يصيب الماشية حين تتورم وتصاب بمرض الكبد، ويسمى الحبن، بسب احتباس الماء، فيظن الناس أنها غنية باللحم، والشحم، فإذا ذُبحت لتؤكل وجدوها مليئة بالأورام والأمراض، والسوائل، فلا يُستفاد منها.
وهكذا أعمال هؤلاء الكفرة من صدقة، أو صلاة، أو خير سوف تبطل، وليس لها أي ثواب في الآخرة.
﴿فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: وسيحل بهم الخزي والبلاء في الحياة الدنيا، وفي الآخرة لهم عذاب النار.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: جمع ناصر في الدنيا والآخرة يدفعون عنهم العذاب، أو ينقذونهم منه، فالآية تنفي النصرة عن الظالمين، ولم يقل: من أنصار جمع نصير: صيغة مبالغة وأقوى من ناصر (أقوى من ناصرين)؛ أنصار: تمثل الذين نصروا الرسل وجاهدوا معهم كما في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ الآية (٥٢) من نفس السورة، أو تعني النصر المؤكد في سياق الآية التي ذكرت.
من: استغراقية، لا أحد ينصرهم، ولا أحد يستطيع أن ينصرهم؛ حتى ولو استطاع نصرهم.
стр. 569
سورة آل عمران [٣: ٢٣]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: همزة استفهام، وفيها معنى التعجب والإنكار معاً. لم: حرف نفي.
﴿تَرَ﴾: تعلم؛ أي: ألم يصلك خبر، أو قصة، أو ترى هنا رؤية فكرية قلبية.
﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾: أوتوا: أعطوا، والإيتاء: أعم من العطاء، وليس فيه تملك، ويستعمل للأمور المهمة. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة؛ للبيان.
نصيباً: هو الحظ المنصوب (المعين)، ويكون في المحبوب والمكروه، أما الحظ يكون غالباً في الخير.
من الكتاب: من التوراة، من: ابتدائية، وتفيد البعضية.
أي: اليهود الذين لم يصلهم إلا جزءاً من التوراة (نصيباً) نكرة، والتنكير: للتقليل، نصيباً من التوراة بسبب الكتمان والتحريف، والتغيير، والنسيان، ولأن التوراة نسخت، أو كُتبت بعد موسى بأعوام كثيرة، وقيل: أن كتبة التوراة كانوا خمسة، وكانت عبارة عن مخطوطات في المعابد، وحدث لها تغيرات كثيرة على مر السنين.
واستعمال أوتوا نصيباً من الكتاب بدلاً من أهل الكتاب تدل على الذم، والتقريع، وأما استعمال أهل الكتاب يأتي في سياق المدح.
стр. 570
﴿يُدْعَوْنَ﴾: بصيغة المضارع بدلاً من دعوا في الماضي؛ لاستحضار حكاية الحال، ولتدل على استمرارهم في عدم الإذعان للحق وإعراضهم.
﴿إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾: قال ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية بعد أن دخل رسول الله ﷺ على يهود في بيت المدراس، فدعاهم إلى الإسلام، فقالوا له: على أي دين أنت؟ فقال: على ملة إبراهيم، فقالوا: إن إبراهيم كان يهودياً، فقال النبي ﷺ : هلمُّوا بالتوراة فهي بيننا وبينكم، فأبَوا فنزلت هذه الآية.
يدعون إلى كتاب الله: قيل: هو التوراة، وقيل: هو القرآن، والأرجح: هو التوراة.
ليحكم بينهم: اللام: للتعليل، يحكم بينهم في ادعائهم أن إبراهيم كان يهودياً، أو نصرانياً، أو في إقامة حد الزنى على الرجل والمرأة الذين كرهوا رجمهما؛ لشرفهما، فحكم النبي بالرجم، وهذا الحكم ورد في التوراة، فأبَوا حكم الرسول ﷺ ، أو في صحة نبوَّة محمد ﷺ ؛ حيث اختلفوا في صفاته وشأنه.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾: ثم لمجرد الترتيب، يتولى فريق منهم عن الإجابة إلى ما دعوا إليه مع علمهم بالحق، بينما فريق منهم آخر أمثال عبد الله بن سلام تمسكوا بالحق، ويتولى: من التولي؛ يعني: الابتعاد، والتولي أشد من الإعراض.
﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التوكيد.
﴿مُّعْرِضُونَ﴾: جمع معرض، والإعراض يعني: البعد والترك، ويأتي في سياق الشر؛ أي: معرضون عن قبول الحكم الصادر عن رسول الله ﷺ ، أو في التوراة في إقامة حد الزنى على أشرافهم، أو ما ورد في نعت رسول الله ﷺ ونبوته.
стр. 571
سورة آل عمران [٣: ٢٤]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد يشير إلى الإعراض والتولي عن الإجابة، والقبول بحكم رسول الله ﷺ .
﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء: للإلصاق، أو التعليل. أنهم: للتوكيد.
﴿قَالُوا لَنْ﴾: لن للنفي المستقبل القريب والبعيد.
﴿تَمَسَّنَا النَّارُ﴾: من المس (الإصابة الطفيفة الخفيفة)، والمس، يعني: إصابتهم بالنار ستكون خفيفة طفيفة مجرَّد أيام معدودات.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر؛ أي: حصراً.
﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾: معدودات جمع قلة وأياماً معدودة جمع كثرة؛ أي: أياماً قليلة (معدودات جمع قلة، أو قيل: سبعة أيام لكل (١٠٠٠) سنة يعيشونها في الدنيا يومٌ في النار، وقيل: (٤٠) يوماً مدة عبادتهم العجل، وقيل: كانوا فريقين: فريق يقول: سبعة أيام، وفريق ثان يقول: (٤٠) يوماً، وذلك لاعتقادهم بأنهم أبناء الله وأحباؤه. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٠) للمقارنة.
﴿وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِمْ﴾: الغرر: الطمع فيما لا يصح، ولا يحصل إلا عن غفلة؛ أي: وغرهم الشيطان بأن وسوس لهم، وزين لهم ظنهم، والشيطان سمي بالغَرور.
وهكذا ذهب بعضهم إلى الطمع في الدِّين، فافتروا على الله (الكذب المتعمد والاختلاق)؛ كقولهم: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات.
وللفرق بين أيام معدودة: (جمع كثرة)، وأيام معدودات: (جملة قلة). ارجع إلى الآية (٨٠) من سورة البقرة؛ للبيان.
стр. 572
سورة آل عمران [٣: ٢٥]
﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾:
﴿فَكَيْفَ﴾: الفاء: استئنافية، كيف: استفهام فيه معنى الإبطال، إبطال ما غرهم، وتهويل، وتعظيم ما سيحيق بهم من الأهوال، وما سيحل بهم.
﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية.
﴿جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ﴾: اللام في ليوم: للاختصاص؛ أي: لأجل ذلك اليوم؛ للدلالة على تهويله وتعظيمه، ولام الميقات؛ أي: للجزاء والحساب في ذلك اليوم. وتنكير اليوم: للتهويل والتعظيم أيضاً.
﴿لَا رَيْبَ﴾: لا: النافية، الريب: الشك والتهمة.
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾: تعطى كل نفس حقها وأجرها تاماً. كسبت: اجتهدت في الخير أو الشر. ارجع إلى سورة البقرة الآية (٢٨٦) للبيان المفصل في الكسب، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١١١) من سورة النحل وهي قوله تعالى: ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ نجد القرآن يستعمل ما كسبت في سياق آيات الأموال والإنفاق والربح والخسارة ويستعمل ما عملت في سياق الأعمال الأخرى.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: هم ضمير فصل يفيد القصر، والتوكيد، لا: النافية، يظلمون: بنقص حسناتهم، ولا بحسنة واحدة، ولا بزيادة سيئاتهم ولو بسيئة.
سورة آل عمران [٣: ٢٦]
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
﴿قُلِ﴾: ادع.
﴿اللَّهُمَّ﴾: أصلها: يا الله، فحين تقول: اللهم؛ كأنك تقول: يا الله.
والفرق بين الله، واللهم: الله: اسم الجلالة، واللهم: نداء المراد به: يا الله.
كيف اشتقت اللهم: الكلمة أصلها: يا الله حذفت منها الياء، وعوض عنها
стр. 573
بالميم المشددة في آخر الكلمة، وهذا خاص لصاحب الخصوصية ، ولا يختص بها وحده إلا هو.
﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾: صاحب الملك، المُلك: بضم الميم، وهو الحكم؛ أي: صاحب الحكم، أما مِلك: بكسر الميم تعني: التملك.
وجمع كليهما بقوله: مالك الملك؛ أي: له ما في السموات وما في الأرض، والحاكم معاً، فهو الحاكم وبيده ملكوت كل شيء.
﴿تُؤْتِى الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: فما دام هو مالك الملك فإنه يهب أو يعطي شيئاً من ملكه لمن يشاء من عباده، أو ينزع الملك ممن يشاء من عباده، تؤتي من الإيتاء، وهو العطاء الذي ليس فيه تملك، ويمكن استرداد ذلك العطاء، والإيتاء يكون للأمور العظيمة الحسية، والمعنوية، والإيتاء أعم من العطاء. من: ابتدائية، استغراقية في كل الآية.
﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾: النزع هو الأخذ بشدة، (أو القلع)؛ أي: يحتاج إلى شدة؛ لأن صاحب الملك يكون متمسكاً بملكه، أو كرسيه، أو بالحكم، ولا يريد أن يُسلب منه، أو يؤخذ منه بأي شكل، أو وسيلة، ولكن الله سبحانه قادر أن ينزع الملك ممن أعطاه الملك؛ لأن الله صاحب الملك الحقيقي.
﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾: العزة: تعني القوة، والقهر، والغلبة، والمنعة. فلله العزة جميعاً، والله مع كرمه، وفضله يُعز من يشاء من عباده بالنصر، والغنى، والطاعة، والهداية؛ فهو يُعز رسله، ويعز المؤمنين به تعالى.
﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾: بالقهر، والفقر، والمرض، والغلبة، والهزيمة.
﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾: بقدرتك الخير، الخير مثل النصر، والعزة، والجاه، والمال، والملك، وغيرها من مظاهر الخير، وذكر الخير، ولم يذكر الشر رغم أن كلاً من عند الله، ولأن كل أفعال الله تعالى من نافع وضار صادر عن الحكمة، ومصلحة العباد فهي خير كلها، ولأن الشر، أو السوء يبدؤهما العبد نفسه، أو اكتفى بذكر الخير؛ لدلالته على الآخر.
стр. 574
﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: إنك صاحب القدرة المطلقة على كل شيء مادي، أو معنوي نافع، أو ضار، خير أو شر، وشيء: نكرة تشمل كل شيء مهما كان نوعه، وحجمه، وشكله في السموات، أو في الأرض.
ثم يبين الله سبحانه بعض مظاهر القدرة الإلهية في الآيتين الكونيتين الليل والنهار، الموت والحياة، فيقول:
سورة آل عمران [٣: ٢٧]
﴿تُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَىِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾:
﴿تُولِجُ﴾: من الولوج وهو الدخول.
﴿الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ﴾: من الناحية العلمية: الولوج: إشارة إلى كروية الأرض، وإلى دورانها حول محورها، وحول الشمس، وإلى تبادل الليل والنهار؛ الذي هو من ضروريات استقامة الحياة على الأرض، ومن الناحية اللغوية: الولوج: هو تداخل الليل في النهار بحيث إذا قصر أحدهما طال الآخر، كما نرى في فصل الصيف والشتاء.
﴿وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَىِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾:
لم يعد تفسير هذه الآية في ضوء الاكتشافات العلمية مطابقاً لما قيل قديماً؛ حيث اكتشف العلماء: أن لكل شيء في الوجود حياة مناسبة له، فكل الجمادات والنباتات لها حياتها، فمثلاً: البذرة، أو البيضة، أو الحبة: فيها أجنة في حالة همود، أو سكون، أو لا تتحرك ومجرد ما توفرت له الأسباب الحياتية، أو الظروف البيئية الخاصة من تروية، أو غذاء ينمو ويتحرك، فالبذرة لها نقير؛ أي: فتحة يحيط بها غلاف من المواد الغذائية، فإذا دخل الماء إليه يذيب المواد الغذائية، وتبدأ البذرة بالتغذي بهذه المواد، فتنمو، ويخرج لها جذور تربطها بالتربة فتتغذَّى من التربة، ويصبح لها ساق وأوراق تحمل مواد التربة إليها، وتصبح تتغذَّى بذلك، وتحول تلك المواد إلى ثمار.
إذن: هذه المواد الكيماوية المشكلة لعناصر التربة، أو المواد الغذائية
стр. 575
المحيطة بهذه البذرة التي تمثل الجنين تتحول إلى خلايا حية تنمو، وتثمر، ثم يموت هذا النبات، ويعود إلى تراب الأرض، فبذلك تحول من حي إلى ميت، وبعد ذلك يتحول تراب الأرض إلى غذاء مرة أخرى، فيخرج منه بذرة أخرى، أو جنين آخر، وهكذا وكذلك الإنسان يخلق من تراب ويعود إلى تراب. وإذا نظرنا إلى الآيتين (٢٦ - ٢٧) تؤتي الملك، تنزع الملك، تعز وتذل، تولج الليل في النهار، وتولج النهار في الليل، وتخرج الحي من الميت، والميت من الحي: كلها تشير إلى تغيرات لا يقدر عليها إلا الله سبحانه، وهي تدل على عظمة قدرته سبحانه، وتشير أنه الخالق الذي يجب أن يُعبد ويطاع.
سورة آل عمران [٣: ٢٨]
﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾:
المناسبة: بعد ذكر أن الله هو المعز والمذل نبَّه المؤمنين بعدم الْتماس العزة، والقوة عند الكافرين، فقال:
﴿لَا﴾: الناهية.
﴿يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾: نهي لطيف رقيق من الله للمؤمنين بموالاة الكافرين بمحبتهم، وتأييدهم، ونصرهم، والاستعانة بهم، واطلاعهم على أسرار المؤمنين، أو نقل الأخبار لهم.
وسبب هذه الموالاة؛ لكونهم أقرباء لهم، أو تربطهم صداقات، أو جوار، وغيرها من الأسباب.
أولياء: جمع ولي، الله ولي المؤمنين: أي: يرعاهم ويكلؤهم ويمدهم وينصرهم، والولي: هو من يليك؛ أي: القريب الذي يهتم بك، والمعين، والولاء: هو الحب والنصرة.
﴿وَمَنْ﴾: شرطية.
﴿يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: ذلك: اسم إشارة يفيد البعد، ويشير إلى موالاة الكافرين.
стр. 576
﴿فَلَيْسَ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، ليس نافية.
﴿مِنَ اللَّهِ فِى شَىْءٍ﴾: من: استغراقية، الله في شيء: أي: فليس من ولاية الله في شيء لا تقع عليه الولاية؛ أي: إن الله بريءٌ منه، أو منسلخ من ولاية الله له، وقد خرج عن منهج الله.
﴿إِلَّا أَنْ﴾: إلا: أداة استثناء، أن: حرف مصدري يفيد التوكيد.
﴿تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: أي: مباح لكم موالاتهم إذا ضاقت بكم السبل، ووجدتم أنفسكم ضعفاء، ولا تستطيعون أن تتقوا منهم ضرراً في النفس، أو المال، فيجوز في هذه الحالة التقية، وهي الموالاة باللسان دون القلب، والتقية تكون من عدو في الدِّين لا تقدرون عليه، أو عداوة في المال والمتاع.
وغاية التقية: المحافظة على النفس، أو العرض، أو المال من شر الأعداء، وهي تقية مؤقتة حتى يزول السبب والاضطرار.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: أي: ذاته ولم يقل غضبه أو جبروته ليدل على شدة الحذر من مخالفة أوامره، ويحذركم الله أن تتخذوا أعداءه أولياء، ويحذركم الله غضبه وعقابه إن عصيتم، وهذا التهديد من باب الرحمة بكم. ويحذركم من الحذر: وهو توقِّي الضرر بكل أشكاله، سواء حدث الضرر أم لم يحدث، والحذر يختلف عن الخوف، فالخوف هو توقع الضرر الذي يُظن أنه سيقع.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾: تذكير بأن إلى الله المنتهى، والمرجع، فإذا كانت هناك مبررات لاتخاذ الكافرين أولياء لأي سبب من الأسباب، فلا بد أن يتذكر هؤلاء الذين يستعملون التقية حُجة لهم في الدنيا أن الله يعلم سرهم ونجواهم، ومصيرهم إلى الله؛ ليحكم فيهم إما إلى الجنة، أو إلى النار.
سورة آل عمران [٣: ٢٩]
﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ .
стр. 577
﴿إِنْ﴾: شرطية.
﴿تُخْفُوا مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾: من الموالاة للكفار، أو مودتهم، قولاً، أو فعلاً، أو محبة.
ما: لغير العاقل، ولصفات العاقل، ومطلقة تشمل كل شيء، تخفوه في قلوبكم، أو تبدوه (تظهروه) بألسنتكم يعلمه الله سبحانه.
وبدأ بالإخفاء، ويشمل الأشياء الحسية والمعنوية، ولا يقتصر علمه على ما في صدوركم، بل هو: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب، ولا يابس إلا يعلمها، ويعلم ما يجري في السموات والأرض من طاعة ومعصية بسر وعلن.
وذكِر يعلم ما في السموات، وما في الأرض بعد ذكِر ما في صدوركم يمثل ذكر العام بعد الخاص.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ارجع إلى الآية (٢٦) من نفس السورة؛ للبيان. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٨٤) من سورة البقرة وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾: نجد أن آية البقرة جاءت في سياق الحساب يوم القيامة، وقدم الإبداء على الإخفاء، وآية آل عمران جاءت في سياق العلم، وقدم الإخفاء على الإبداء.
стр. 578
سورة آل عمران [٣: ٣٠]
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾:
المناسبة: ذكر في الآيات السابقة، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصير، يقول سبحانه يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً.
﴿يَوْمَ﴾: القيامة: نكرة للتهويل والتعظيم.
﴿تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾: ما: اسم موصول، أو مصدرية ما لغير العاقل، والعاقل.
﴿مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾: عملت في الدنيا، من: استغراقية، خير: نكرة تشمل كل خير مهما كان نوعه، ومهما صغر، أو كبر. محضراً: أي: تجد عملها ينتظرها مكتوباً في الصحف، محضراً مهيَّأً؛ ليقرأها بنفسه.
﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾: تكرار ما عملت؛ للتوكيد، ولفصل الخير عن السوء؛ أي: ما عملت من خير على حدَة، وما عملت من سوء على حدَة، أو كلاهما معاً.
من سوء: من شر، أو سيئات (صغائر أو كبائر).
﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ﴾: تود آنذاك: تتمنى، لو أن: حرف شرط (امتناع لامتناع). أن: للتوكيد.
﴿بَيْنَهَا﴾: تعود على النفس، ﴿وَبَيْنَهُ﴾: وبيَّن السوء.
стр. 579
﴿أَمَدًا بَعِيدًا﴾: الأمد: إما أن يكون ظرفاً للزمان أو ظرفاً للمكان، وهنا بمعنى: ظرف مكان؛ أي: تود أن يكون بينها وبين عملها بعدٌ طويلٌ، مسافة طويلة كبعد المشرقين.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: ويحذركم الله عقابه، وسخطه من ارتكاب المعاصي، والمخالفات، أو ما نهاكم عنه، وفي هذا تهديد عظيم، وتحذير صادر من ذات الله تعالى. ارجع إلى الآية السابقة (٢٩)؛ لمعرفة معنى الحذر.
﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾: جاء بأل التعريف بالعباد التي تدل على الاستغراق؛ أي: رؤوف بكل الناس مسلمهم وكافرهم ولو قال رؤوف بعباده كما في قوله تعالى ﴿يَهْدِى بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٨٨]؛ فالهداية تكون خاصة بهؤلاء فقط من العباد. رؤوف من الرأفة، والرأفة أبلغ وأشد من الرحمة، والرحمة أعم من الرأفة. ارجع إلى الآية (٢٠٧) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
وإذا نظرنا إلى الآية (٢٨)، والآية (٣٠) ليس هناك تكرار؛ لأن:
الآية (٢٨): ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾: جاءت في سياق التحذير من اتخاذ الكفار أولياء من دون الله.
والآية (٣٠): ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾: جاءت في سياق الحث على الأعمال الصالحة، والحذر من الأعمال السيئة.
وقد يسأل سائل، لماذا لم يقل سبحانه: والله رؤوف رحيم، بدلاً من: والله رؤوف بالعباد.
الجواب: لم يذكر الرحمة؛ لأن المقام مقام تحذير، ومع التحذير لا يناسب ذكر الرحمة؛ خشية التواكل.
стр. 580
سورة آل عمران [٣: ٣١]
﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ .
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال.
﴿كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾: المحبة: ميل النفس إلى الشيء؛ لكمال أدركته فيه عن قصد، وأعظم المحبة هي محبة الله لذاته العلية، ومحبة الله تتجلى برضاه، وعدم سخطه، ومحبة الله تتضمن محبة رسوله، ومحبة كل ما أمر به تعالى، ورسوله، أو تجنب كل ما نهى عنه سبحانه، ورسوله.
﴿فَاتَّبِعُونِى﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، ومن يطع الرسول؛ فقط أطاع الله، فطاعة الله وطاعة رسوله واحدة، وليست منفصلة.
اتبعوني: اتبعوا سنتي، امتثلوا أوامري، واجتنبوا ما نهيتكم عنه.
﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾: أي: يثيبكم على أعمالكم، ويرضى عنكم، ويثني عليكم في ملائكته، ومن ثم تحبكم الملائكة، وأهل الأرض.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾؛ أي: جميع ذنوبكم، ولم يقل: ويغفر لكم من ذنوبكم (أي: بعض ذنوبكم)، وحين يخاطب الله غير المؤمنين على لسان رسله يخاطبهم بالقول يغفر لكم من ذنوبكم: من: البعضية؛ أي: بعض ذنوبكم كما في قوله تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠].
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾: غفور: صيغة مبالغة كثير الغفران؛ لمن أطاعه، وأطاع رسوله، واتبع دينه، كثير الغفر، يغفر الذنوب مهما كثرت؛ أي: تعددت، ومهما عظمت؛ أي: كبرت (كمّاً وكيفاً).
﴿رَحِيمٌ﴾: في الدنيا والآخرة. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (١).
стр. 581
سورة آل عمران [٣: ٣٢]
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ ، قل لأهل مكة والأعراب، ومن اتبعك من الناس أجمعين.
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾: ولم يقل: أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، فذلك يعني: طاعة الله سبحانه، وطاعة رسوله ﷺ في أمر ما واحدة؛ كقوله و ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، فطاعة الرسول من طاعة الله، ولا يمكن فصلهما.
مثال: الله سبحانه أمر بالصلاة، والرسول أمر بالصلاة، والصلاة أمر واحد، أو مسألة واحدة، لا يختلف حكم الله فيها عن حكم رسوله، فيقول: أطيعوا الله ورسوله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: هنا تعني: أطيعوا الله في أمر الصلاة (بشكل مجمل) فيما بيَّنه لكم.
وأطيعوا الرسول فيما بيَّنه لكم من عدد ركعاتها، وأركانها، وسننها، وأوقاتها، وكيف تُصلى.
أي: أطيعوا الله تعالى فيما أمر، أو فرض، وأطيعوا الرسول ﷺ فيما فصَّل لكم ما فرض الله عليكم، وما أمر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وأما قوله في سورة النساء، آية (٥٩): ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾: هنا طاعة أولي الأمر غير منفصلة عن طاعة الرسول ﷺ ، فلم يقل سبحانه: وأطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وأطيعوا أولي الأمر منكم؛ أي: أطيعوا أولي الأمر منكم إذا أطاعوا الله وأطاعوا رسوله، فطاعة أولي الأمر ليست كياناً بحد ذاتها، وإنما تابعة لطاعة الرسول ﷺ ، وطاعة الله، فإذا أمرنا أولو الأمر
стр. 582
بأمر يخالف الله، أو يخالف الرسول نرفضه، وبالعكس نطيعهم إذا أطاعوا الله سبحانه ورسوله ﷺ .
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: الفاء: للتوكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال والشك، تولوا: أعرضوا عن طاعة الله، والرسول، ورفضوا، أو جحدوا ذلك، وابتعدوا عنها.
﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، إن: حرف مشبه بالفعل؛ للتوكيد.
﴿اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾: لا: النافية، ولا تفيد النفي المؤبد (المطلق)؛ لأن الكافر قد يتوب، ويرجع عن كفره، وطغيانه، ويؤمن بالله تعالى فيما بعد.
لا يحب الكافرين: الكافرين: جملة اسمية تفيد الثبوت؛ أي: الذين أصبحت سمة الكفر عندهم ثابتة لا تتغير، لا يحب الكافرين إذا استمروا في كفرهم وإعراضهم ولم يتوبوا.
أما إذا تابوا إلى الله واستغفروا لذنوبهم؛ فإن الله كان غفوراً رحيماً، أو كان عزيزاً حكيماً.
وانتبه إلى الانتقال من صيغة المخاطب إلى صيغة الغائب؛ فإن تولوا، ولم يقل: فإن توليتم؛ للتحذير، والتنبيه، أو لفت الانتباه.
والفرق بين الكافرين، والكفار: الكافرين: يستعملها للدلالة على العمل، الحدث (الكفر) بكثرة، والكفار: يستعمل هذه الكلمة للدلالة على الاسم، الكثرة والعدد، والكفار أعم من الكافرين.
سورة آل عمران [٣: ٣٣]
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾:
المناسبة: بعد أن ذكر الله سبحانه: أن محبته تتمثل في محبة الرسول ﷺ ، وطاعة الله تعالى: تتمثل في طاعة الرسول ﷺ ، ناسب أن يذكر من أحبهم الله تعالى، واصطفاهم من الرسل؛ كي نطيعهم ونصدقهم.
стр. 583
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل؛ للتوكيد.
﴿اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ اصطفى: اختارهما، والاصطفاء: هو أن تختار من بين الأشياء المتشابهة المتناظرة مثل الناس، أو الجن، أما الاختيار: هو أن تختار من غير المتشابهات مثلاً أن تختار من بين الناس والجن والملائكة.
والاصطفاء هنا: قد يعني: التميز؛ أي: ميَّزهم، أو اصطفاهم بالنبوَّة، أو اختارهم كصفوة خلقه.
اصطفى آدم حتى يكون أباً للبشر؛ حيث خلقه، ونفخ فيه من روحه، وعلمه الأسماء كلها، وأسجد له الملائكة.
وكيف قال سبحانه: اصطفاه، ولم يكن قبله أحد، أو معه أحد؟
الجواب: اصطفاه أن يكون أول الخلق، وأبا البشر.
واصطفى نوحاً ﵇ أباً للبشر بعد الطوفان، وآدم أباً للبشر قبل الطوفان.
ونوحاً هو: بن لامك بن متوشلخ بن إدريس، وإدريس من ذرية شيث بن آدم.
اصطفى آدم ونوحاً على المؤمنين، وهل اصطفاهم بعد أن رآهم طائعين، أم علم الحق أزلاً أنهم سيكونون طائعين فاصطفاهم؟ ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٤٤) لمزيد من البيان ومعرفة الفرق بين الاختيار والاصطفاء والاجتباء.
الجواب: علم الله سبحانه أزلاً أنهم سيكونون طائعين فاصطفاهم.
﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: الآل: هم الذرية، والأقارب، والأتباع.
وآل إبراهيم تشمل: إبراهيم، وذرية إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب،
стр. 584
والأسباط، ومن اتبع إبراهيم ﵇، ومحمد ﷺ من إسماعيل، وإسماعيل من إبراهيم.
وآل عمران: وعمران: هو والد مريم ﵇، ومنها عيسى ﵇، وآل عمران يشمل مريم، وعيسى، وزكريا، ويحيى.
وامرأة عمران: هي حنة من بني إسرائيل، وهناك عمران آخر هو أبو موسى ﵇ وهارون.
وقيل: الزمن بين عمران زوج حنة أم مريم، وعمران أبو موسى وهارون هو (١٨٠٠ سنة)، وبين إبراهيم وموسى (١٠٠٠ سنة)، وبين موسى وعيسى ﵇ (٢٠٠٠ سنة).
على العالمين: اختارهما على عالمي زمانهم، وخص هؤلاء بالذكر؛ لأن الأنبياء والرسل كلهم من نسلهم.
سورة آل عمران [٣: ٣٤]
﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾:
﴿ذُرِّيَّةً﴾: الذرية في الأصل: الأولاد، ولفظ الذرية يطلق على الواحد، وعلى الجميع، ويطلق على الولد، والوالد.
وذرية: مأخوذة من ذرأ، والذرء؛ يعني: التفريق.
﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾: لها عدة معان:
١ - بعضها من بعض: في توارثها الدِّين والقيم، آل عمران ذرية من آل إبراهيم، ولا يعني أنساب بالدم، والمسألة ليست مسألة وراثة بالدم، وإنما بالفضل، والقيم، والدِّين.
٢ - بعضها من بعض: أي: سلالة واحدة، جعل النبوَّة والرسالة فيهم مثلاً:
стр. 585
آل إبراهيم (هم: إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب)، هم من نسل إبراهيم ﵇، وإبراهيم من نسل نوح ﵇، ونوح من آدم ﵇.
٣ - وذرية بعضها من بعض: قد تعني: الأبناء ذرية الآباء، والآباء ذرية للأبناء، فالولد للوالد ذرية؛ لأنه ذُرِئ منه، وكذلك يجوز أن يقال للأب ذرية الابن؛ لأن ابنه ذُرِئ منه.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: سميع لمن يدعون حقاً، أو باطلاً، أنهم من ذرية هذا النبي، أو ذاك، أو من سلالة هذا، أو ذاك.
عليم: صيغة مبالغة من عالم كثير العلم يعلم من يصلح للاصطفاء، وعليم بالخلق، وعليم بمن هو ذرية من، عليم من هو من ذرية إبراهيم حقاً، وهل اليهود والنصارى من ذرية إبراهيم أم لا.
سورة آل عمران [٣: ٣٥]
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّى إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
﴿إِذْ قَالَتِ﴾: ظرف زمان، واذكر إذ قالت، أو حين قالت.
﴿امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾: هي أم مريم ﵇، زوجة عمران كانت عاقراً، لا تلد، ولماذا قال سبحانه امرأت عمران ولم يقل زوجه؟ ارجع إلى سورة القصص آية (٩) للبيان ومعرفة الفرق بين الزوجة والمرأة في القرآن، وهناك ملاحظة أخرى هي كيف تكتب كلمة امرأت أو امرأة بالتاء المفتوحة أو المبسوطة أو المربوطة نجد في هذه الآية كتبت بالتاء المفتوحة (المبسوطة) بينما في الآية (١٢) في سورة النساء كتبت بالتاء المربوطة فقد تبين أنها حين تكتب بالتاء المفتوحة أو المبسوطة تكون مرتبطة بزوج (أي: لها زوج) وحين تأتي مكتوبة بالتاء المربوطة لا يكون لها زوج أو تنسب إلى زوج. وامرأت عمران قد اشتاقت للولد، فنذرت إن رزقها الله ولداً أن تتصدق به لخدمة بيت المقدس.
стр. 586
﴿رَبِّ﴾: لأن الرب هو المتولي التربية والولادة، والأمور الحاجية، ولم تقل: يا الله؛ لأن هذا النداء نداء من العابد إلى المعبود، فيما يخص التكاليف والأوامر التعبدية.
﴿إِنِّى نَذَرْتُ﴾: إني: للتوكيد، نذرت: النذر هو أمر أريد به الطاعة فوق التكليف؛ أي: يُلزمُ العبد نفسه بشيء زائد عن التكاليف المفروضة.
﴿لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا﴾: لك: اللام لام الاختصاص، لك وحدك. ما في بطني: أي: ما أحمله في رحمي من ولد، والمحرر هو العتيق، وأعتقت الغلام حررته؛ ليصبح متفرغاً لعبادتك وحدك، وخدمة بيتك المقدس، غير مملوك لأحد خالصاً لوجهك، ولداً ليقوم على خدمة بيتك وسدنته.
﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّى﴾: ودعت الله أن يتقبل هذا النذر، والتقبل أخذ الشيء برضا؛ لأنك قد تأخذ الشيء بكره، أو تأخذه على مضض.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: تؤكد أنه يسمع نذرها، وما قالته.
والسميع: صيغة مبالغة تعني: يسمع كل ما يقال في السر والعلن.
العليم: يعلم نواياها، وما تكن؛ أي: إخلاصها وعزمها على فعل ذلك.
العليم: صيغة مبالغة من العلم، عليم بظواهر وبواطن الأمور.
سورة آل عمران [٣: ٣٦]
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للتعقيب، ويدل على النذر كان قريباً من زمن الوضع، ولم يكن في بداية الحمل.
﴿وَضَعَتْهَا﴾: أي: ولدتها، فلماذا لم يقل: ولدت، أو وضعت، وقال:
стр. 587
وضعتها؟ لأنه سبحانه كان يعلم أنها أنثى قبل ولادتها، وكذلك قيل: وضعتها الهاء: تعود إلى امرأة عمران، لا إلى ما ولدت.
﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾: وكأنها تتعجب، أو تعتذر إلى الله، وتقول ذلك قسراً؛ لأنها كانت ترجو أن ترزق مولوداً ذكراً؛ للقيام على خدمة بيت المقدس، والأنثى في العُرف لا تصلح لخدمة البيت.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾: والله أعلم بما وضعت: أمر بديهي، والسؤال لماذا قال ذلك؟ قيل: تعظيماً لمريم ﵍، وأنها ستكون أماً لعيسى ﵇، أو لعل هذه الأنثى خير من الذكر الذي تريديه.
﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾: في هذه الآية: إشارة من رب العالمين إلى أن بنية الأنثى ليست كبنية الذكر، سواء هناك اختلافات تشريحية، وفيزيولوجية، وهرمونية تناسب مهمتها كأم وزوجة، وتغلب الجانب العاطفي فيها غالباً على الجانب العقلي، وكذلك لا تصلح الأنثى لما يصلح له الذكر من ناحية دخول بيت المقدس، والإقامة فيه؛ لما يلحق بالأنثى من الحيض، والنفاس، والولادة، والاختلاط بالناس وغيرها من أمور الفطرة، ولا يعني ذلك بأي حال تقليل من قيمة الأنثى، ودورها الاجتماعي.
وليس: للنفي (غير مقيدة بزمن).
﴿وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾: أي: العابدة، وقيل: قد اختارت هذا الاسم؛ للتقرب من الله.
﴿وَإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾: وإني: للتوكيد، أعيذها بك: أصل التعوذ والاستعاذة بالله الالتجاء إليه، والاستجارة به من وساوس الشيطان ونزغاته، فهي تدعو الله أن يحفظ مريم، ويمنع الشيطان منها، وكذلك ذريتها، والذرية هنا النسل؛ أي: نسلها، والذي سيكون عيسى ﵇.
стр. 588
ولنتذكر حديث أبو هريرة ﵁ الذي رواه البخاري ومسلم: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها»، وفي رواية ثانية: «ما من مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد».
فمن هذه الآية ندرك أهمية الإسراع بهذا الدعاء عند ولادة المرأة، والاستعاذة من الشيطان، كما فعلت امرأة عمران خوفاً من الشيطان، ولقد أدركت امرأة عمران: أن الشيطان هو الذي بوساوسه ونزغاته وتزيينه قد يقف حائلاً، أو عائقاً أحياناً لبعض الناس من القيام بالطاعة والعبودية.
أعيذها: فعل مضارع؛ للدلالة على الاستمرار، والتجدد في الاستعاذة، واللجوء إلى الله تعالى.
﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾: كلمة الشيطان اشتقت من شطن؛ أي: بعد عن الحق، وتمادى في الشر، ومن شاط: احترق، ومن شاطن؛ أي: خبيث.
الرجيم: المرجوم بالشهب، والمرجوم الملعون، والمرجوم المطرود المبعد من رحمة الله تعالى.
سورة آل عمران [٣: ٣٧]
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾:
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾: رضي بمريم (كأنثى) في النذر بدلاً من الذكر (الولد)؛ أي: قَبِلَ الله مريم برضاً بدلاً من المحرر.
وقَبِلَ تسلمها من أمها، وذلك أن أمها جاءت بها بيت المقدس، ووضعتها عند الأحبار، وقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها، فقال زكريا: أنا أحق بها عندي خالتها، فقالوا: لا لكنا نقترع عليها، فتكون عند من خرج سهمه، فألقوا أقلامهم فخرج قلم زكريا فوق الماء، ورست أقلامهم، فتكفلها زكريا حينذاك.
стр. 589
القبول: هو أخذ الشيء برضاً؛ أي: بعث لها من يتكفل بتربيتها التربية الحسنة، وهو زكريا.
﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾: برضاً حسن؛ أي: رضاً زائد.
﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾: رباها ربها تربية حسنة، ونشأت نشوءاً حسناً، وذلك على يدي زكريا. وقال تعالى: (نباتاً) ولم يقل (إنباتاً): لكي يظهر لنا أنها كانت أهلاً لهذا الإنبات لطهارتها وطاعتها لربها، ولو قال إنباتاً: لما كان لها فضل أو مشاركة في الإنبات.
﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾: بوحي من الله؛ للقيام بذلك، وكان زكريا متزوجاً من أخت مريم، فهو زوج خالتها، وكفلها؛ أي: تولى أمر تربيتها، ورعاية شؤونها، وقيل: ضم زكريا مريم إلى خالتها، واسترضع لها حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها محراباً في المسجد لا يرقى إليها إلا بالسلم؛ أي: لا يصعد إليها غيره.
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾: كلما: تدل على كثرة الدخول؛ أي: المرات المتعددة؛ حتى يأتيها بالطعام، والشراب، وقيل: كان يغلق عليها الأبواب.
كلما: مركبة من (كل): ظرف شرطي، و (ما): مصدرية ظرفية؛ أي: هي أداة شرط تفيد التكرار.
المحراب: هو مقدم كل مصلى؛ حيث يقف الإمام، وقيل: المحراب غرفة، أو مقصورة في مقدم المعبد، يُصعد إليها بسلم، واشتقت كلمة المحراب من الحرابة، وتعني: محاربة الشيطان، ومحاربة وساوسه التي تكون على أشدها في هذا المكان، مكان الإمام.
﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾: في كل مرة يدخل يجد عندها رزقاً، ورزقاً: نكرة لم
стр. 590
يحدد ما هو الرزق؛ لكثرته، فهو أجناس متعددة، قيل: من ثمار الجنة فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف.
﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾: أنى؛ أي: من أين لك هذا الرزق؛ أي: مصدره، لا يشبه أرزاق الدنيا؛ لكونه في غير حينه (زمنه)، والأبواب مغلقة عليك، ولا يدخل عليك أحد.
انتبه:
(أنى) هذه تحمل معنى كيف، ومعنى أين، وللاستفهام (فالاستفهام بها أقوى من كيف)، وتحمل معنى التعجب.
﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أجابت بهذه الإجابة، وهي طفلة صغيرة.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: إن: للتوكيد، يرزق من: من استغراقية، من يشاء بغير حساب؛ أي:
١ - بغير عد (أي: بغير إحصاء لكثرته).
٢ - بغير حساب أن تنفذ خزائنه سبحانه.
٣ - بغير استحقاق للمرزوق (مقابل الإيمان، أو عمل صالح).
٤ - من حيث لا يحتسب المرزوق.
٥ - يرزقه ولا يُسأل لماذا ترزقه الكثير، أو أكثر من غيره.
٦ - وبغير تقتير وتضييق.
стр. 591
سورة آل عمران [٣: ٣٨]
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾:
﴿هُنَالِكَ﴾: هنا ظرف للزمان، والمكان، اللام: للتأكيد، والكاف: للخطاب؛ أي: في ذلك المكان (المحراب)، والزمان.
﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾: بعد أن رأى رزق الله تعالى لمريم أن يرزقه الذرية الطيبة. دعا ربه: طلب من ربه، والدعاء يكون برفع الصوت وخفضه.
حيث بلغه الكبر وامرأته عاقر، وهو بحاجة ماسة إلى ولد صالح يرثه، ويرث من آل يعقوب فلعل الله يستجيب دعاءه.
﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِى﴾: الهبة تكون عند السؤال، وتعطى لمن يستحق، أو لا يستحق، والواهب هو الله، ولا ينتظر الرد من الموهوب إليه بشيء، فالهبة عطاء بلا مقابل، وليس حقاً على الواهب؛ أي: يهب لمن سأله. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٨٤) لمزيد من البيان في معنى: الهبة.
﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: وليس منك، من لدنك: خاصة بالمؤمنين والمقربين، أما منك: عامة لكل الناس (المؤمن والكافر).
﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾: والذرية: قد تكون ولداً واحداً، أو أكثر، وليس معناها الكثيرة دائماً، كما يظنون. الطيبة: المباركة الصالحة، ولداً صالحاً مباركاً.
стр. 592
﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾: قيل: مجيب الدعاء، وقابله، فهو كان يطلب ولداً يرث منه النبوَّة، كما بيَّنت ذلك سورة مريم، كما سنرى.
سورة آل عمران [٣: ٣٩]
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾:
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾: الفاء: تدل على التعقيب والمباشرة بعد الدعاء ردت عليه الملائكة.
ـ هل كل الملائكة نادته، أم عدد منهم، أم جبريل وحده؟ قيل: المراد هنا جبريل ﵇، والعرب أحياناً تخبر عن الواحد (أو المفرد) بلفظ الجمع؛ للتفخيم، أو نادته جماعة من الملائكة، ونلاحظ في هذه الآية نادته الملائكة جاء بصيغة التأنيث، وفي أغلب الآيات يأتي بصيغة التذكير حين يذكر الملائكة، ويجوز التذكير والتأنيث من ناحية اللغة، والملائكة لا يعلمهم إلا الله سبحانه الذي خلقهم، ولكن لوحظ من سياق الآيات في القرآن: أن صيغة التذكير تأتي في سياق الأمر، وما يقع منهم من أفعال، أو حين وصفهم وعبادتهم والعذاب، والتأنيث في سياق الموت والبشرى والنزول.
ـ زكريا ﵇ دعا ربه أولاً، ثم قام إلى الصلاة فنادته الملائكة وهو قائم يصلي، ولم تنتظر إلى أن ينتهي من صلاته.
﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى الْمِحْرَابِ﴾: أشرف الأماكن، وأشرف ما في المسجد مقام الإمام المحراب. ارجع إلى الآية (٣٧)؛ للبيان.
﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد.
﴿يُبَشِّرُكَ﴾: من البشارة، وهي الإخبار بأمر سار، أو خير قادم زمنه لم يأت بعد، ولأول مرة.
стр. 593
﴿بِيَحْيَى﴾: بشارة بيحيى، يحيى: اسم أعجمي أو مشتق من الفعل المضارع يحيا؛ أي: بغلام، فالله سبحانه حدد البشارة.
﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: كلمة من الله هو عيسى ﵇ مصدقاً مؤمناً بعيسى ابن مريم، وقيل: هو أول من آمن بعيسى ﵇، وسمي عيسى (كلمة من الله)؛ لأنه خُلق بكلمة الله تعالى (كن)؛ فيكون.
﴿وَسَيِّدًا﴾: من ساد يسود سيد قومه: أشرفهم، وأصلحهم في الدِّين، والخلق، والعلم، والعبادة؛ أي: يفوق قومه في جميع خصال الخير.
﴿وَحَصُورًا﴾: الحصر: هو الحبس مع التضييق، وقالوا: الإحصار في اللغة: هو المنع بغير الحبس، والحصر المنع بالحبس وأُحصر؛ أي: بسبب مرض أو نفقة أو غيره من الأسباب، وأما الحصر: هو منع و تضييق؛ أي: يحبس نفسه عن شهواتها، أو معصوم من الفواحش، ولا رغبة له في النساء، مع كونه سليماً وصالحاً أن يتزوج إذا أراد.
﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: من الصالحين؛ لأنه كان من أصلاب الأنبياء، من: ابتدائية، أو من جملة الأنبياء الصالحين.
سورة آل عمران [٣: ٤٠]
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾:
قال زكريا: ﴿أَنَّى﴾: تعني: كيف يكون لي غلام، وقد بلغني الكبر، وامرأتي عاقر.
أو من أين؛ أي: هل ستلد زوجتي، أم هل سأتزوج امرأة أخرى يأتيني منها الولد، وفيها تعجب، واستفهام، والاستفهام لا يعني أن زكريا يشك في قدرة الله تعالى أبداً، ولكن هو يسأل عن الكيفية.
стр. 594
﴿وَقَدْ﴾: الواو: عاطفة، قد: حرف تحقيق وتوكيد.
﴿بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ﴾: أدركني، وأضعفني الكبر، وفي سورة مريم، آية (٨) صرح قائلاً: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾، ويشبه الكبر بأنه إنسان يلاحقه، ويطارده.
﴿وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾: عاقر: من العقر؛ أي: القطع (قطع الرحم لعدم القدرة على الحمل)، والعاقر من الرجال والنساء: الذي لا يأتيه ولد.
وامرأتي عاقر؛ أي: غير قادرة على الإنجاب (سواء أكان السبب الكبر، أو بسبب طبي)، وقد تكون ولدت من قبل، وأصبحت عاقراً، والعاقر يمكن علاجها أحياناً، وتصبح قادرة على الإنجاب.
أما المرأة العقيم، وهذا ما حدث لامرأة إبراهيم ﵇ حين وصفت نفسها بالعجوز العقيم؛ أي: هي لم تلد أبداً، أو عندها عيب خلقي لا يمكن علاجه.
وانتبه إلى قوله: وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر: ولم يقل: وامرأتي عاقر فقط، ولم ينسب إلى نفسه القدرة والصلاح؛ لأن في هذا إساءة إلى شعور المرأة، والأمر هو من قضاء الله وقدره.
وإذا جمعنا هذه الآية مع الآية رقم (٨) من سورة مريم؛ حيث يقول تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾: فهذا يدلنا على أن امرأته كانت عاقراً (في شبابها)، وقوله: وامرأتي عاقر (في آية آل عمران): تعني الآن؛ أي: كانت ولا زالت عاقراً؛ فيدل ذلك على أنها هي السبب في العقم، وفي آية آل عمران قدم نفسه أولاً، ثم امرأته ثانياً: ﴿بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾، وأما في آية سورة مريم قدَّم امرأته أولاً ونفسه ثانياً: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾: هذا التقديم
стр. 595
والتأخير المتعاكس في هاتين الآيتين إن دلَّ فإنما يدل على أدب معاملة الزوجة، وإن كانت عاقراً، فهذا قدر وقضاء رباني يجب عدم اتخاذه وسيلة لإيذاء شعور الزوجة العاقر.
﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾: أجابه الله تعالى على لسان الملائكة. كذلك: مثل ذلك (جعلها قادرة على الإنجاب) يفعل الله الكثير من الأفعال؛ أي: سبحانه قادر على أن يصلح له زوجه، كما ورد في الآية (٩٠) من سورة الأنبياء: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾، ويفعل ما يشاء، ولا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء.
فلم التعجب، والاستفهام على فعل ذلك.
ولا بد من مقارنة هذ الآية: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾؛ التي جاءت في خلق يحيى مع قوله سبحانه: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾؛ التي جاءت في سياق خلق عيسى ﵇، ففي شأن يحيى قال تعالى: يفعل الله ما يشاء، وفي شأن عيسى ﵇ قال تعالى: يخلق الله ما يشاء، فما الفرق؟
الجواب: خلق يحيى ﵇ يختلف عن خلق عيسى ﵇، فالفعل (يفعل ما يشاء) أيسر من الخلق (يخلق ما يشاء)، وجاء ذلك في سياق يحيى ﵇ (من زكريا وزوجته)، واستعمل الخلق مع عيسى ﵇؛ لأن مريم لم يمسسها بشر، وجاء عيسى من مريم بدون زوج.
سورة آل عمران [٣: ٤١]
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّى آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُر رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِىِّ وَالْإِبْكَارِ﴾:
﴿قَالَ﴾: زكريا ﴿رَبِّ اجْعَل لِّى آيَةً﴾: أي: علامة ستدلني على أن امرأتي
стр. 596
أصبحت حاملاً يستعجل زكريا من شدة فرحته بالبشارة، فيريد أن يعلم الزمن، ويؤكد على أن الوعد بالبشارة بيحيى قد أصبح فعلاً.
﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾: قال: لم يطلعنا من هو القائل، قد يكون جبريل، أو أحداً من الملائكة.
ألا: مركبة من (أن ولا)، أن: التعليلية، لا: النافية.
ألا تكلم الناس: أي: تُمنع من كلامهم إلا رمزاً؛ أي: بالإشارة بيد، أو رأس، أو غيرها، وهذا يسمى فن الإشارة؛ فهو يدل على ما في النفس من معان؛ أي: يحبس لسانك عن الكلام، رغم كونك صحيحاً سويَّ الجسم ومعافى.
ثلاثة أيام: أي: يدوم ذلك الحبس من الكلام ثلاثة أيام، واليوم في القرآن لا يعني (٢٤) ساعة، وإنما اليوم يعني من طلوع الشمس إلى غروبها؛ أي: حوالي (١٢) ساعة.
وماذا يحدث من الليل قد بيَّنه سبحانه في سورة مريم، آية (١٠) بقوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾، فإذا جمعنا الآيتين؛ فالحبس من الكلام سيكون ثلاثة أيام بلياليها.
﴿وَاذْكُر رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِىِّ وَالْإِبْكَارِ﴾: ورغم كونك غير قادر على الكلام، فلا يمنعك ذلك من الاستمرار في الذكر، والتسبيح الكثير، فذاك عبادة قلبية.
واذكر ربك كثيراً: يعني: الصلاة، والذكر المطلق هو ذكر الله بآلائه، وعظمته، والذكر يتضمن الشكر.
والتسبيح: هو التنزيه لله تعالى عما لا يليق بذاته، وأسمائه وصفاته من كل عيب، أو شرك، أو نقص أو عجز.
стр. 597
بالعشي والإبكار: العشي من زوال الشمس إلى المغيب، والإبكار من طلوع الفجر إلى شروق الشمس.
والتعريف بـ (ال) التعريف في كلمتي العشي والإبكار؛ تفيد في الدلالة على الدوام على الذكر، والشكر، والتسبيح؛ ليتناسب عظم الذكر والشكر والتسبيح مع عظم البشارة بالغلام (يحيى ﵇)، وكأنه يقول: لا تشغلك النعمة (نعمة الولد) عن ذكر المنعم ، ولا بد من مقارنة هذه الآيات التي وردت في سورة آل عمران مع الآيات التي وردت في سورة مريم؛ ارجع إلى سورة مريم للبيان.
سورة آل عمران [٣: ٤٢]
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾:
هذه الآية تتحدث عن اصطفاءين: اصطفاء أول، واصطفاء ثانٍ، ونرى في الاصطفاء الثاني أتبعه بـ (على) أما الاصطفاء الأول لم يرد فيه (على)، فهو اصطفاء مبهم، على ماذا؟ لم يذكر، فتعال لنرى مفهوم هذه الآية.
﴿وَإِذْ﴾: تعني: واذكر إذ قالت الملائكة، أو حين قالت الملائكة.
﴿قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾: المراد بالملائكة هو جبريل ﵇. ارجع إلى الآية (٢٩) من نفس السورة؛ للبيان، وقد يكون ذلك على سبيل المجاز (إطلاق الكل؛ «أي: الملائكة»، وإرادة البعض؛ أي: «جبريل»).
﴿يَامَرْيَمُ﴾: يا: أداة نداء للبعد.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد، الله: اسم الله الجامع لصفاته وأسمائه. ارجع إلى الآية (٢٥٥) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
стр. 598
﴿اصْطَفَاكِ﴾: اختارك، أو اجتباك على ماذا؟ لم يذكر سبحانه، ومعنى اصطفاك. ارجع إلى الآية (٣٣) من نفس السورة.
﴿وَطَهَّرَكِ﴾: من الكفر، والفاحشة، والإثم، وطهرك من مس الرجال.
﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾: بكونك المرأة الوحيدة التي ستلد بدون زوج، وستحمل بدون أن يمسها بشر، وبكلمة كن فيكون.
إذن: الاصطفاء الأول يختلف عن الاصطفاء الثاني.
فالاصطفاء الأول: قال تعالى عنه: ﴿اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾: ولم يقل: على، فقال المفسرون: اصطفاها على إيمانها، وصلاحها من بين النساء.
بينما الاصطفاء الثاني: قال تعالى عنه: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾: جاء بعلى؛ أي: حدد فقال على نساء العالمين.
فالاصطفاء الأول يبدو أنه اصطفاء مطلق، ومبهم، وليس خاصاً بها، فقد يشاركها في هذا الاصطفاء غيرها من النساء، أو الرجال في الخلق، والصلاح، والإيمان، وجاء هذا الاصطفاء قبل الحمل بعيسى ﵇.
إذن: تكرار اصطفاك مرتين؛ لأن كل اصطفاء له ميزاته وهناك من قال أنه كرر ذلك؛ للتأكيد، والله سبحانه أعلم.
سورة آل عمران [٣: ٤٣]
﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِى لِرَبِّكِ وَاسْجُدِى وَارْكَعِى مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾:
﴿يَامَرْيَمُ﴾: يا: النداء للبعد، نداء من جبريل ﵇ إلى مريم ﵍.
﴿اقْنُتِى لِرَبِّكِ﴾: من القنوت، وهو لزوم الطاعة مع الخضوع، وأديمي له الطاعة والخضوع.
стр. 599
لربك: ابتغاء ربك: أخلصي له وحده العبادة، واللام: لام الاختصاص، وتدل على أنها على طريق القنوت، وعليها الاستقامة في السير عليه.
الرب: هو الخلاق، والمربي، والمطعم، والرزاق، والمدبر لشؤون خلقه وكونه.
﴿وَاسْجُدِى﴾: من السجود في الصلاة؛ أي: صلى (من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل)، ويضم سجود الشكر والتلاوة.
﴿وَارْكَعِى مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾: صلي مع المصلين، ورغم أن الصلاة للمرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، ولكن مريم لم يكن لها بيت، أو منزل سوى بيت المقدس، والأصل أن يقول: واركعي مع الراكعات.
أولاً: جاء بصيغة الذكورة؛ لأن الراكعين تشمل الذكور والإناث، وفيه تغلب للذكور على الإناث، ورفع لمنزلة مريم على النساء بأن جعلها في درجة الرجال في قنوتها وصلاتها.
فالقنوت يشمل كل العبادات، فهو أكثر من السجود (الذي هو مرتين في الركعة الواحدة)، والسجود أكثر من الركوع (الركوع مرة واحدة في الركعة الواحدة)، فالتدرج هنا من الكثرة إلى القلة: القنوت- السجود- الركوع.
ثانياً: قدَّم السجود على الركوع رغم أن الركوع يسبق السجود؛ لأن السجود أفضل أركان الصلاة؛ لأن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، والسجود له منزلة عظيمة عند الله تعالى.
وإذا قارنا هذه الآية: ﴿اقْنُتِى لِرَبِّكِ وَاسْجُدِى وَارْكَعِى مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، مع الآية (٧٧) من سورة الحج: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: نجد التدرج في هذه الآية بعكس
стр. 600
ما هو عليه في آية آل عمران فهو تدرج من القلة إلى الكثرة. الركوع-السجود- العبادة - فعل الخيرات.
سورة آل عمران [٣: ٤٤]
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة للبعد وهو إشارة إلى حديث زكريا وامرأة عمران، وما حدث لمريم حين ولادتها.
ذلك يا محمد: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ من: ابتدائية، أنباء: جمع نبأ؛ أي: أخبار الغيب العظيمة (النبأ هو الخبر العظيم).
﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ الوحي: هو إعلام بخفاء؛ أي: لا أحد يسمع الله سبحانه حين يوحي إلى المرسل إليه، أو إلى بشر، أو إلى الأرض، أو النحل، أو الملائكة. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ لمزيد من البيان.
ووسيلة العلم بالنبأ تكون بثلاثة وسائل هي: المشاهدة، أو السماع، أو القراءة.
فالنبأ الذي أخبر الله سبحانه رسوله عن حديث زكريا ومريم وامرأة عمران كان قبل بعثة الرسول ﷺ بعدة قرون طويلة إذن الحدث لم تشاهده.
وأما بوسيلة القراءة فالرسول لم تكن لديه كتب يقرؤها، إذن: رسول الله سمع هذه الأنباء من جبريل ﵇.
﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما: النافية.
﴿كُنْتَ﴾: يا محمد ﷺ .
﴿لَدَيْهِمْ﴾: ظرف مكاني؛ أي: حاضراً عندهم. (ارجع إلى الآية (٣٧)
следующие страницы →