← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

﴿الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾: التّقوى هي امتثال أوامر الله وطاعته، وتجنب نواهيه؛ لكي نتقي سخطه وغضبه وناره. ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾: الواو عاطفة، واللام لام الأمر أو التّوكيد. ﴿نَفْسٌ﴾: ١ - جاءت بصيغة التّنكير تعني: أيَّ نفس مثقلة بالذّنوب أو زكية أو مطمئنة أو غيرها. ونفس تشير إلى القلة، أي: الأنفس النّواظر لغد قلة. ﴿مَا قَدَّمَتْ﴾: ما بمعنى الذي أو مصدرية، (وما) أوسع شمولاً من الذي. قدَّمت: أحضرت أو عملت من الأعمال الصّالحة ليوم حسابها. ﴿لِغَدٍ﴾: اللام لام التّوقيت وغد يعني: يوم القيامة وجاء بصيغة التّنكير للتهويل والتّعظيم، ولقرب يوم القيامة، وتحقق وقوعه اعتبره الغد، أي: اليوم الذي يلي اليوم الذي نحن فيه، أو أي: يوم في المستقبل قريباً أو بعيداً. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: تكرار ذلك يعني: التّوكيدَ والحضَّ على التّقوى والاستقامة عليها. ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: إن للتوكيد، خبير: ببواطن الأمور، ومخفيات الصّدور، وقدَّم خبير على ما تعملون؛ لأنّ السّياق في التّقوى والتّقوى عمل قلبي لا يعلمه إلا الله تعالى. ولم يقل: إن الله بما تعملون خبير. سورة الحشر [٥٩: ١٩] ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو حرف عطف، لا: النّاهية.

стр. 5357

﴿تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾: نسوا طاعة الله وذكر الله، ونسوا الصلاة أو عبادة الله أو نسوا امتثال أوامره وتجنب نواهيه، أو نسوا حق الله عليهم. ﴿فَأَنسَاهُمْ﴾: الفاء فاء السّببية، أيْ: أنساهم أن يقدِّموا خيراً لأنفسهم وتركهم في شهواتهم وغيهم وضلالهم يعمهون، كما نسوا الله أنساهم أنفسهم باللهو واللعب وإضاعة الزمن والانشغال بتوافه الأمور والجدال أحياناً مع الناس من دون علم والتمتع والأكل كما تأكل الأنعام. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يشير إلى الذين نسوا الله. ﴿هُمُ﴾: للتوكيد. ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: أيْ: إذا كان هناك فاسقون فهم في المقدِّمة، والفسق هو الخروج عن طاعة الله وطاعة رسوله. ارجع إلى الآية (٢٦) من سورة البقرة لمزيد من البيان. سورة الحشر [٥٩: ٢٠] ﴿لَا يَسْتَوِى أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿يَسْتَوِى﴾: في المنزلة والدّرجة والفضل كلٌّ من أصحاب النّار وأصحاب الجنة. والآية تعني: لا يستوي أصحاب النّار فهم في درجات مختلفة قيل: سبع دركات والدّرك الأسفل للمنافقين، وقيل: هي جحيم وجهنم ولظى وسعير وسقر والحطمة والهاوية.

стр. 5358

وأصحاب الجنة هم درجات، فقد قيل: إنّ الجنة (١٠٠) درجة وبين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض بُعداً. ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: إعادة كلمة أصحاب الجنة للتوكيد، وكلمة أصحاب مشتقة من الصّحبة: الملازمة وعدم الفرقة والصّداقة والمودة. وقدَّم أصحاب النّار على أصحاب الجنة؛ لأنّ سياق الآيات في الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أو قدَّمها للتنبيه والتّحذير، أو لكثرة عددهم. سورة الحشر [٥٩: ٢١] ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: ﴿لَوْ﴾: حرف امتناع لامتناع، امتنع نزول القرآن على جبل لامتناع رؤية الجبل خاشعاً متصدعاً. ﴿أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾: ولو أُنزل هذا القرآن على جبل وحصل ذلك لرأيته خاشعاً؛ الخشوع: الخضوع والذل والانكسار، وتظهر آثاره في القلب والسمع والبصر والصوت متصدعاً من خشية الله تعالى، أو من خشية القرآن، والخشية: هي الخوف المقرون بالتعظيم، والعلم فيمن تخشاه؛ لأنّ القرآن كلام الله تعالى أو يتصدع من كلام الله فإذا تصدع من كلام الله، فكيف إذا تجلى الرّب سبحانه للجبل، كما حصل حين طلب موسى ذلك، فقد جعله دكاً وخرَّ موسى صعقاً؟ وأنت أيها الإنسان أنزل إليك القرآن، فلا يخشع له قلبك، ولا يقشعر له جلدك، ولا تتأثر به حين يُتلى عليك أو تتلوه بنفسك.

стр. 5359

فلو أنزل هذا القرآن على الجبل الجامد الذي يزن ملايين الأطنان يلين ويتصدع وأنت هجرته وراء ظهرك وهذا توبيخ لهؤلاء الذين لا يقرؤون ولا يتأثرون به؛ مما يدل على أن قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة. ﴿وَتِلْكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد. ﴿الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾: مثل إنزال القرآن على جبل. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعل للتعليل. ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: ينظرون في الآيات والدّلائل، فإذا تفكروا وتدبروا فسوف يصلون إلى النتيجة أنّ الله هو الإله الحق واجب الوجود المستحق للعبادة وحده. وقيل: ضرب الأمثال لإزالة الغموض. سورة الحشر [٥٩: ٢٢] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر. ﴿اللَّهُ﴾: هو علم على الذات الواجب الوجود، الإله الحق لا إله إلا هو المستحق العبودية وحده، لا شريك له في الملك، والخلق، فهو مالك الملك وإليه يرجع الأمر كله في الأولى والآخرة، والله: الاسم الجامع لجميع صفات الكمال والجامع للأسماء الحسنى تفرَّد به سبحانه واختصه لنفسه، وقدَّمه على سائر الأسماء الحسنى، ليس كمثله شيء لا مثيل ولا نظير ولا صاحبة ولا ولد ولا شريك. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد الكمال والتّعظيم. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا إله: تفيد النّفي، إلا هو: تفيد الإثبات أو توكيد النّفي.

стр. 5360

ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥٥) لمزيد من البيان. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: عالم الغيب: أيْ: عالم ما غاب عن المدركات والحواس واستتر، عنده علم السّاعة ويعلم ما في السموات والأرض والبر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا يعلمها، وما يعزب عنه من مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، يعلم ما في الأرحام وما تخفي الصّدور ويعلم ما تكسب كل نفس وبأي أرض تموت والسّر والنّجوى. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: عالم ما يشاهد بالمدركات والحواس، وما يجري في كونه وما يعلمه خلقه وهو اللطيف الخبير. ﴿هُوَ﴾: تكرار هو للتوكيد والحصر. ﴿الرَّحْمَنُ﴾: هو من شملت رحمته جميع الكائنات في الدّنيا بما في ذلك المؤمن والكافر والمطيع والعاصي والحيوان والنّبات، صيغة مبالغة من الرّحمة على وزن فعلان تفيد التّجدُّد والتّكرار. ﴿الرَّحِيمُ﴾: رحيم بعباده المؤمنين في الدّنيا والآخرة، على وزن فعيل تفيد الثّبوت، فالله سبحانه جمع بين الصّفتين حتى يظن أحد أنّ رحمته قد تزول أو تنقطع، فهي رحمة ثابتة ومتجدِّدة ومتكرِّرة في الدّنيا. ارجع إلى سورة الفاتحة الآية (٢) لمزيد من البيان.

стр. 5361

سورة الحشر [٥٩: ٢٣] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: ارجع إلى الآية السابقة. ﴿الْمَلِكُ﴾: الحاكم ومشتقة من التّملك، أي: المالك فهو يملك السموات والأرض، ومن فيهن، وهو ملك الملوك فهو الملك الحقيقي؛ لأنه مالك الملك له ما في السموات وما في الأرض، له وحده، وما يملكه البشر وغيرهم هو استخلاف ومُلك مؤقت زائل. ﴿الْقُدُّوسُ﴾: الطّاهر المنزه من العيوب وكل ما لا يليق به، المبالغ في التّنزيه والكمال، منزه عن كل ما تحيط به العقول أو يتصوره الخيال ومنزه عن كل وصف يدركه الحس، وتقدس في اللغة تطهَّر، والتّقديس هو التّطهير والقدس الطّهر، ويعني: التّطهير والبركة وأعظم تقديس قدس الله سبحانه ذاته عن اتخاذ الصّاحبة والولد والشّريك والنّد والتّقديس يتم بطريقتين: تنزيه الله عما لا يليق به، ومدح الله تعالى بما هو أهله، ولم ترد القدوس إلا مع الملك وذكرت في سورة الحشر وسورة الجمعة. ﴿السَّلَامُ﴾: من العيوب والنّقائص، السّلام: من السّلامة والأمن، السّلامة من الظّلم وهو مصدر السّلام والأمن في الدّنيا والآخرة والسّلامة في الوجود والوقاية من الآفات والمصائب والشّر والضّر وكل مكروه. ﴿الْمُؤْمِنُ﴾: واهب الأمن والطّمأنينة، أمَّن عبادَه الظّلمَ أو الجورَ، وأمَّن أولياءَه عذابَه وسخطه، والمصدِّق لنفسه ورسله.

стр. 5362

والشّاهد على أنّه لا إله إلا هو، شهد لنفسه بالوحدانية قبل شهادة خلقه وإليه يُعزى الأمن والأمان. ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾: القوي الخاضع لسلطانه كل شيء والمسيطر والمدبر لكل شيء الرّقيب والقائم والشّاهد على أعمال خلقه ورزقهم وآجالهم، والهيمنة تعني كذلك: الرّعاية، أيْ: راعي كل شيء في كونه وخلقه. ﴿الْعَزِيزُ﴾: العزيز القوي عظيم القدرة له العزة جميعاً، عزة القوة وعزة القهر والغلبة وعزة الامتناع، فهو الغني عن خلقه لا يحتاج إلى أحد من خلقه ولا يضره أحد من خلقه، وورد هذا الاسم (٨٨) مرة في القرآن الكريم. ﴿الْجَبَّارُ﴾: قهر خلقه وكونه ونفذت مشيئته وإرادته في عبيده إذا بطش إن بطش ربك لشديد، وإذا أخذ إن أخذه أليم شديد والجبار صفة تعظيم وتعني: القدرة مع كل شيء، صيغة مبالغة من جبر، ورغم أنه هو الجبار لكن لم يجبر عباده على عبادته وطاعته وترك لهم الخيار. ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾: ذو الكبرياء والعظمة، عن كل من سواه والمتعالي عن صفات الخلق والغني عن خلقه. وذكر هذا الاسم مرة واحدة في هذه الآية فقط. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: ارجع إلى سورة النحل آية (١) للبيان. سورة الحشر [٥٩: ٢٤] ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾: ارجع الآية (٢٢).

стр. 5363

﴿الْخَالِقُ﴾: أصل الخلق هو التّقدير وإيجاد الشّيء من العدم. ﴿الْبَارِئُ﴾: المظهر والقادر على إيجاد أو إظهار ما خلق إلى الوجود. ﴿الْمُصَوِّرُ﴾: أعطى لكل مخلوق أو شيء حقيبته الوراثية؛ صورته وشكله ولونه وأبعاده وهيئته ليتميَّز بها عن غيره رغم كثرتها وتعدُّدها وصور خلقه كيف يشاء وأحسن صورهم. ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: تقديم له تفيد الحصر، الأسماء الحسنى: ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٨٠) للبيان في الأسماء الحسنى. ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ارجع إلى الآية (١) من نفس السورة، وإلى سورة الجمعة آية (١). وانظر كيف بدأت سورة الحشر بقوله: سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم، وكيف انتهت بقوله: يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم؛ مما يدل على توافق بداية السورة مع نهايتها.

стр. 5364

سورة الممتحنة [٦٠: ١] سورة الممتحنة ترتيبها في القرآن (٦٠) وترتيبها في النّزول (٩١). الممتحِنة بكسر الحاء: أي: المرأة التي تعطي الامتحان مثل المديرة أو المعلمة. الممتحَنة بفتح الحاء: أي: المرأة التي تأخذ الامتحان (تُمتحَن) كما رجح الحافظ ابن حجر، وقال ابن عباس، والواحدي في أسباب النزول: نزلت في سُبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من كتابة صلح الحديبية. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِى سَبِيلِى وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِى تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: أسباب النّزول: نزلت هذه الآية بسبب كتاب حاطب بن أبي بَلتَعة إلى أهل مكة بعد صلح الحديبية بعد أن نكثت قريش العهد مع رسول الله ﷺ ، استشار رسول الله بعض الصّحابة بالخروج إلى قريش وطلب منهم ألا يخبروا أحداً بذلك، ولكن حاطب بن بلتعة ﵁ ممن شهد بدر وهاجر مع رسول الله- كتب رسالة يخبر بها قريشاً بما ينوي به رسول الله ﷺ ، وأعطى الرّسالة إلى امرأة هي سارة مولاة لبني عبد المطلب أتت المدينة في حاجة، فدفع إليها حاطب بالرّسالة، وأخبر الله سبحانه رسولَه بما فعل حاطب بن أبي بلتعة، فبعث رسول الله ﷺ عليّاً والزّبير والمقداد لملاقاة تلك المرأة وأخذ الرّسالة منها،

стр. 5365

وحصل ذلك ودعا رسول الله حاطب بن أبي بلتعة وسأله عما حدث، فاعترف بذنبه، وبيَّن سبب فعلته هذه أنّ له بين أظهرهم (قريش) ولد وأهل، وأراد عمر بن الخطاب ضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة، ولكن رسول الله ﷺ عفا عن حاطب بن أبي بلتعة، ونزلت هذه الآية. كما ذكر الواحدي في أسباب النزول. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين آمنوا بتكليف جديد، والهاء للتنبيه. ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾: لا النّاهية، تتخذوا: تجعلوا أو تصيروا، عدوي: (أيْ: عدو الله) وهو من لم يؤمن بالله وما أنزل وبرسوله، أي: الكفار والمشركين. وعدوكم: من قاتلكم وخانكم أو ظاهر عليكم، أولياء: جمع وليٍّ، أي: أعوان ونصراء. ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾: الإلقاء هنا بمعنى الإرسال: ترسلون إليهم لتخبروهم بأسرار المسلمين وأخبار النّبي ﷺ ، بالمودة: الباء للإلصاق والمودة: هي المحبة والإخلاص والوفاء، وكل مودة محبة، وليس كل محبة مودةً، فالمودة تبدأ بالمحبة، ثم تتحول إلى مودة، أيْ: تتخذونهم بطانة وأولياء وتسرون إليهم وتنصحونهم. ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾: وقد: الواو للتوكيد، قد للتحقيق، كفروا بما جاءكم من الحق: أيْ: كفروا بالقرآن الكريم وآياته وأحكامه وما جاءكم من ربكم، ولم يؤمنوا به أو يصدِّقوه، أيْ: جحدوا به وكذبوه، والباء للإلصاق والملازمة، ما اسم موصول بمعنى الذي جاءكم أو مصدرية. و (ما) أوسع شمولاً من (الذي). ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾: من مكة بالتّضييق عليكم ومحاربتكم وجاءت بصيغة المضارع للدلالة على حكاية الحال، أيْ: وكأن الإخراج يحدث الآن أمام الأعين.

стр. 5366

﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾: أن مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد، أيْ: لأجل أو بسبب أنكم آمنتم بالله ربكم. ﴿إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِى سَبِيلِى وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِى﴾: إن: شرطية تفيد الاحتمال والشّك والنّدرة؛ كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي: لا تفعلوا ذلك؛ أي: تلقوا إليهم بالمودة؛ أي: تخبروهم بأسراكم؛ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء؛ أيْ: إن كنتم خرجتم من أوطانكم للجهاد في سبيلي وطلباً لمرضاتي لا تتخذوهم أولياء أو لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي. ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾: تسرون إليهم بالإخبار بسبب مودتكم إياهم. ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ﴾: من المودة للكفار، من إرسال الرّسائل أو النّوايا والأعمال والحيل والمكر، وما أعلنتم: بألسنتكم من الصّدق والكذب والحق والباطل، وما أخبرتم رسول الله ﷺ من الأسباب والباء للإلصاق، وما: اسم موصول أو مصدرية ومن شرطية. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ﴾: يعود على الاتخاذ، أيْ: يوادد أعداء الله ورسوله ويفشي إليهم بالإسرار أو يَسر إليهم بالمودة. ﴿مِنكُمْ﴾: خاصة، وليس من غيركم. ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: فقد: الفاء للتوكيد، قد: للتحقيق، أخطأ طريق الصّواب والحق، السّواء هو في الأصل الوسط والسّبيل هو الطّريق المستقيم. سورة الممتحنة [٦٠: ٢] ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾: ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الافتراض واحتمال الحدث أو النّدرة. ﴿يَثْقَفُوكُمْ﴾: أيْ: إذا ذهبتم إليهم وتمكنوا منكم أو ظفروا بكم. ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾: تقديم لكم تفيد الحصر أو لكم خاصة ليس لغيركم،

стр. 5367

قال: أعداء، ولم يقل: عدو: أعداء تعني في كثير من الأمور وليس أمراً واحداً، ولو كان في أمر واحد لقال: عدو. ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾: يبسطوا: من البسط: وهو المد، والبسط: قد يكون بالسوء، أو بالخير، والسياق هو الذي يحدد كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: ٢٨]، وكقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وتعني: بالخير والعطاء، وبالسوء يعني: بالقتل والأسر والأذى وقدَّم إليكم للحصر أو خاصة. ﴿بِالسُّوءِ﴾: الباء: للإلصاق والدوام، والسوء: اسم مصدر لا يجمع، والسوء: كل ما يسيء إلى النفس، وله معان كثيرة جداً؛ منها: القتل، والعذاب، والشرك، والمرض، والذنب، والإثم، والقبيح، والظلم، والأذى. ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾: تمنوا لو تكفرون، لو: حرف تمنٍّ وترجٍّ، أيْ: ودوا كفركم، أيْ: تمنوا لو ترتدون إلى الكفر عن الإيمان فتكونون سواءً. سورة الممتحنة [٦٠: ٣] ﴿لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: ﴿لَنْ﴾: حرف للنفي، تنفي المستقبل القريب والبعيد. ﴿تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾: أيْ: لن تفيدكم قراباتكم الذين عصيتم الله لأجلهم يوم القيامة أو في الآخرة، أيْ: لن ينفعوكم حتّى توالوا لأجلهم الكفار، بل ينفعكم اتِّباع أوامر الله ورسوله وعدم اتخاذهم أولياء أو ترك موالاتهم هذا الذي ينفعكم. ﴿وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾: الواو: عاطفة، لا: للنفي تفيد توكيد النفي، أيْ: لن تنفعكم أرحامكم وحدها لو ظننتم ذلك، ولن تنفعكم أولادكم وحدها إن ظننتم ذلك، ولن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم معاً. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف زماني.

стр. 5368

﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾: يفرق بينكم، أيْ: يحكم بينكم بأن تكونوا في الجنة لإيمانكم بالله ورسوله، بينما أرحامكم وأولادكم الذين ماتوا على الكفر في النّار، فما فائدة المعصية لأجلهم واتخاذهم أولياء. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: والله سبحانه يرى كلّ ما تعملونه في الظّاهر والباطن ومحيط بكلّ شيء من أقوالكم وأفعالكم لا تخفى عليه خافية، وقدَّم تعملون على بصير؛ لأنّ الآية في سياق الأعمال. سورة الممتحنة [٦٠: ٤] ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ﴾: قد: للتحقيق، كانت لكم: أيها المؤمنون (المسلمون). ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرَاهِيمَ﴾: أُسوة: قدوة صالحة في إبراهيم ﵇ قولاً وفعلاً، والقدوة: المثل الأعلى الذي يُقتدى به في البراءة من الكفار والمشركين. ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: والذين: تدل على الكثرة، والذين معه: من المؤمنين فتأسوا بهم؛ إذ أعلنوا براءتهم من الكفار ومن الشرك بالله تعالى. ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾: إذ: ظرف زماني بمعنى حين قالوا لقومهم: إنا بُرَآءُ منكم وأنتم عليكم أن تقولوا لأهليكم من الكفار والمشركين. ﴿إِنَّا بُرَآؤُا مِنكُمْ﴾: بُرَآءُ: جمع بريء: من يبرأ وبراءة، أي: لا صلة بيننا وبينكم ولا تقربونا ولا نقربكم كذلك. ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله، من الأصنام والآلهة. ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾: أي: لا نصدقكم ولا نقرُّ بأنكم أولياء لنا أو أقارب لنا. ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾: أي: وظهر جلياً بيننا وبينكم ولم يعد خافياً.

стр. 5369

﴿الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾: أي: الكراهية والبغض والعداوة. ﴿أَبَدًا﴾: دائماً. ﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية. ﴿تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾: عندها، أي: إذا آمنتم بالله وحده عندها تكونون لنا أولياء، فالإيمان بالله وحده هو الجامع المشترك بيننا وبينكم. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾: ارجع إلى سورة الأنعام آية (٧٤) للبيان؛ أي: عليكم التأسي بإبراهيم إلا قوله لأبيه (لعمه آزر): لأستغفرن لك، فليس لكم التّأسي بإبراهيم في ذلك (بأن تستغفروا للكفار)، ولو كانوا آباءَكم أو إخوانكم. ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾: قالها إبراهيم ﵇ لعمه قبل أن يتبيَّن له أنّه عدو لله تعالى ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. ﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما النّافية. ﴿أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ﴾: أي: لا أملك القدرة على الشفاعة لك أو النجاة، ولا أستطيع أن أدفع عنك من عذاب الله من شيء، وكان ذلك كما قال تعالى قبل: عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين أنّه عدو لله تبرأ منه. ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾: ربنا: ولم يقل: يا ربنا حذف ياء النّداء للدلالة على قربه من الله تعالى، ربنا عليك توكلنا: التّوكل يعني: الاعتماد على الله والتّفويض له بعد تقديم كلّ الأسباب للوصول إلى المرجوِّ، وتقديم عليك: للحصر لا نتوكل إلا عليك وحدك. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٩) لبيان معنى التوكل. ﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾: الإنابة: الرّجوع وسرعة التوبة والعودة إلى الله تعالى، تقديم إليك يفيد الحصر والقصر؛ أي: الإنابة لله وحده. ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾: إليك وحدك المصير: المنتهى والمآل.

стр. 5370

ولا بُدَّ من مقارنة إنا بُرَآءُ منكم في هذه الآية مع قوله: بُرَآءُ ﴿إِنَّنِى بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦]. ارجع إلى سورة الزخرف للبيان. سورة الممتحنة [٦٠: ٥] ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ﴿رَبَّنَا﴾: ولم يقل: يا ربنا حذف ياء النّداء الدّالة على البعد لقرب الله تعالى من عبده، فهو أقرب إليه من حبل الوريد بعلمه وقدرته. ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: لا: النّاهية، تجعلنا فتنة: أي: لا تعذبنا بأيدي الذين كفروا أو تظهرهم علينا أو تسلطهم علينا يفتنوننا عن ديننا. ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾: ذنوبنا وتقصيرنا في طاعتنا. ﴿إِنَّكَ﴾: للتوكيد والحصر. ﴿أَنْتَ﴾: للتوكيد. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: العزيز: القوي القاهر الذي يقهر ولا يُقهر، والغالب الذي لا يُغلب، والممتنع لا يناله أحد بسوء، الحكيم: في تدبير شؤون خلقه وكونه وشرعه وأنت أحكم الحاكمين وأحكم الحكماء. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان.

стр. 5371

سورة الممتحنة [٦٠: ٦] ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾: هذه الآية ليست تكراراً للآية (٤)، فالآية الرّابعة جاءت في سياق اتخاذ إبراهيم أسوة حسنة، ومثال للقدوة في التبرؤ من الشّرك والمشركين والتبرؤ من أبيه (عمه آزر وقومه)، وأمّا الآية السّادسة هذه فجاءت في سياق اتخاذ إبراهيم أسوة حسنة وقدوة صالحة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، أي: أسوة حسنة في الإيمان والطّاعة والاستعداد لليوم الآخر وتجنب المعاصي، والآية (٦) أشد توكيداً على أهمية اتخاذ إبراهيم ﵇ والذين آمنوا معه، ولذلك قدم إبراهيم والذين آمنوا معه على الأسوة؛ لأنَّ إبراهيم ومن معه هم الأهم والأسوة تابعة لهم أو ملحقة بهم؛ بينما في الآية (٤) قدَّم الأسوة على إبراهيم والذين معه، واستخدم للتوكيد (لقد) بدلاً من (قد)، وكان بدلاً من كانت. ﴿لَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق. ﴿كَانَ لَكُمْ﴾: كان تشمل كل الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل، وكان (بالتّذكير) أقوى من القول كانت (بالتّأنيث) لكم: اللام لام الاختصاص، أي: لكم خاصة. ﴿فِيهِمْ﴾: أي: إبراهيم والذين معه.

стр. 5372

﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾: قدوة صالحة مثالية ومثل أعلى. ﴿لِمَنْ﴾: اللام للتوكيد. ﴿كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾: يؤمن بالله ويرجو لقاء ربه وحسابه وثوابه ومغفرته ويخاف ويخشى عذاب الآخرة وأهوال يوم القيامة. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾: من شرطية، يتول: أي: يذهب بعيداً ويصد عن الإيمان ويكفر بالله. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾: الفاء للتوكيد، إن: أيضاً لزيادة التوكيد، هو: للحصر والتوكيد، وأل التّعريف في الغني الحميد للتوكيد فجاءت الآية بأربع أدوات للتوكيد: الفاء وإن وهو وأل التّعريف، الغني: عن خلقه وعبادة خلقه لا يحتاج إلى غيره، بل هو المغني غيره، عنده خزائن السموات والأرض التي لا تنقص ولا تنفذ، غناه هو الغنى المطلق التّام ويرزق من غناه من يشاء بغير حساب، له ما في السموات وما في الأرض، وإذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، الحميد: أي: المحمود من خلقه، أهل الثناء والحمد له الحمد كله؛ لأنّه يستحق أن يحمد لنعمه وفضله وإحسانه وكرمه ورزقه لعباده وخلقه، تحمده مخلوقاته حمداً دائماً لا ينقطع. الحميد منذ الأزل على ذاته وصفاته وأفعاله وتدبيره ورحمته. سورة الممتحنة [٦٠: ٧] ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: المناسبة: بعد أن نزلت الآية (٤) قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه في التبرؤ من أقاربهم المشركين عندها تبرأ بعض المؤمنين من

стр. 5373

الصّحابة من أقاربهم المشركين في مكة وأظهروا لهم العداوة، وكان ذلك صعباً على المسلمين، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: نزلت في خزاعة وبني مدلج حين صالحوا رسول الله ﷺ على ألا يقاتلوه، كما رُوِيَ عن ابن عباس. ﴿عَسَى اللَّهُ﴾: من أفعال الرّجاء؛ أي: الترجي المتحقق حدوثها؛ ولعل: من أفعال الترجي أيضاً تفيد الإشفاق؛ أي: راجين الله تعالى أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم مودة. ﴿أَنْ﴾: هنا تفيد للدلالة على الاستقبال. ﴿يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم﴾: أي: من كفار مكة منهم (خاصة) أو غيرهم. ﴿مَّوَدَّةً﴾: أي: يسلموا ويصبحوا إخوانكم ومواليكم وتتحول العداوة إلى مودة والفرقة إلى ألفة. ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾: على كلّ شيء، صيغة مبالغة على القدرة، ولم يقل: قادر لا يعجزه شيء في الأرض ولا السّماء، وإذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: إعادة كلمة الله تدل على التّوكيد على أنّه قدير، وعلى أنّه غفور رحيم وأنّه قدير وغفور رحيم معاً، وغفور صيغة مبالغة من غفر، غفر لمن أخطأ، ثم تاب وأناب، ويغفر الذّنوب جميعاً إلا الشّرك، رحيم: لا يعجل لهم العقاب ولا يعذبهم بعد التّوبة والإنابة إليه، رحيم بعباده المؤمنين ورحمته دائمة ثابتة.

стр. 5374

سورة الممتحنة [٦٠: ٨] ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾: لا: النّاهية، لا ينهاكم الله: أي: لا يمنعكم الله عن مبرة، أي: المعاملة الحسنة أو الإحسان … إلخ. إلى الذين لم يقاتلوكم في الدِّين. ﴿عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ﴾: (من أجل الدِّين) ولم يخرجوكم من دياركم بالحرب أو القسر أو القوة. ﴿أَنْ﴾: للتعليل والتّوكيد. ﴿تَبَرُّوهُمْ﴾: تحسنوا إليهم كصلة الرّحم وحسن الجوار والضّيافة. وسعة الفضل واللين، وقيل: البر: هو الخير الواصل إلى الغير مع القصد، أي: النية. ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾: لا تظلموهم أو تجوروا عليهم، بل تعاملوهم بالعدل مع التنفيذ والوفاء لهم بالوعود والأمانة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد. ﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: جمع مقسِط، أي: الذي يرفع الظّلم عن العباد ولا يجورُ عليهم. سورة الممتحنة [٦٠: ٩] ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾: أي: يمنعكم الله أيها المؤمنون عن الموالاة والقرب من هؤلاء الذين قاتلوكم

стр. 5375

في الدّين، وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم: مثل زعماء قريش وكفارها أو غيرهم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾: أن: حرف مصدري للتعليل والتّوكيد، تولوهم: تتخذوهم أولياء تمدوا إليهم بالعون والنّصرة والمحبة والمسرة. ﴿وَمَنْ﴾: شرطية ومن تفيد الواحد والاثنين والجمع والذّكر والأنثى. ﴿يَتَوَلَّهُمْ﴾: منكم. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء للتوكيد، أولئك: اسم إشارة واللام للبعد يفيد التّحقير والذّم. ﴿هُمُ﴾: للتوكيد. ﴿الظَّالِمُونَ﴾: الظلم: هو الجور والتّعدي، والإنسان يظلم نفسه بالخروج عن منهج الله تعالى. ويعصي الله ورسوله، وبفعل المعاصي والذنوب، أو يظلم غيره بالتّعدي على حقوقه. سورة الممتحنة [٦٠: ١٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَسْئَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين آمنوا بتكليف جديد، والهاء للتنبيه. سبب النزول: كما أخرج الشيخان البخاري والمسلم أنّ رسول الله ﷺ لما

стр. 5376

عاهد كفار قريش يوم الحديبية جاءه نساء من المؤمنات يردن الهجرة، فأنزل الله فيهن هذه الآية. ﴿إِذَا﴾: شرطية ظرفية تدل على حتمية الحدوث، أي: سيأتيكم المؤمنات. ﴿جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾: الهجرة في اللغة: الخروج من أرض إلى أرض، وفي الشرع: الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، أو الهجرة من أرض السوء إلى أرض الصلاح. ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾: الامتحان: الاختبار لمعرفة سبب هجرتهن، امتحنوا إيمانهن: لتعلموا هل هن راغبات في الإسلام وحباً في الله تعالى ورسوله أم هنَّ هاربات من أزواجهنَّ طمعاً في دنيا أو غيره من النوايا. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾: جملة اعتراضية، أي: اعلموا أنه يكفي لكم العلم الظّاهر، أما العلم الحقيقي أو الباطن أو النوايا فليس مطلوباً منكم أن تعلموا أسرارهنَّ ونواياهنَّ. ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾: الكفار جمع كافر (الكفر المضاد للإيمان) وفيها مبالغة والكفار أكثر من الكافرين، وتعني: عموم الكافرين وتعني: الحدث أو الاسم (الكفر) والكافرين يغلب عليها فعل الكفر. وعلل عدم رجوعهنَّ إلى أزواجهنَّ الكفار لا هنَّ حلٌّ لهم ولا هم يحلُّون لهنَّ. والسّؤال: لماذا غيَّر صيغة من ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ (حين ذكر النساء)، وقال

стр. 5377

تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (حين ذكر الرجال)، ولم يقل: ولا هم حلٌّ لهنَّ أو لا هنَّ يحللن لهم ولا هم يحلُّون لهنَّ؟ الجواب: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ جملة اسمية تدل على الثّبوت، أي: من النّادر أن تتغير حالة إيمانهن وتصبح المؤمنة كافرة بينما جاء بالصّيغة الفعلية ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ التي تدل على التّجدُّد والتّكرار حين ذكر الرّجال؛ لأنّ الكافر قد يصبح مؤمن إذا أسلم وآمن. ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾: أعطوا أزواجهن الكفار مثل ما دفعوا إليهن من المهور هذا إذا تزوجها مسلم، فإن لم يتزوجها أحد فليس لزوجها الكافر شيء، وأمّا إذا كان زوجها من أهل العهد فعليه رد الصّداق أو المهر. ارجع إلى المصادر الفقهية لمزيد من البيان. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: أجورهنَّ، أيْ: مهورهنَّ، لا: النّافية، جناح: إثم أو حرج عليكم، إن: للتعليل، تنكحوهنَّ: تتزوجوهنَّ بعقد ومهر. ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾: لا: النّاهية، أي: من كانت له امرأة كافرة لم تهاجر مع زوجها، فقد زالت عصمة النّكاح؛ أي: حكم الزواج، وهو العصم أو الحبل الذي يربطهما، أي: تخلوا عن عقد النّكاح بينكم وبين الكوافر، الكوافر: جمع كافرة على وزن فواعل جمع تكسير جمع كثرة، والكوافر أكثر عدداً من الكافرات، فالكوافر جمع كثرة، أمّا الكافرات فجمع قلة، ولم يذكر الكافرات في القرآن، وذكرت الكوافر مرة واحدة في القرآن في هذه الآية.

стр. 5378

﴿وَسْئَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ﴾: أي: إن لحقت امرأة منكم بالكفار مرتدة فاسألوهم ما أنفقتم من المهر. ﴿وَلْيَسْئَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾: أي: ليسأل المشركون أو الكفار الذين لحقت أزواجهم بكم مؤمنات إذا تزوجن منكم فادفعوا إليهم ما أنفقوا. ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ﴾: ولم يقل: ذلك؛ لأن ذلكم: تدل على التّوكيد والأهمية، ولأنّه يشمل عدة أحكام مهمة، وليس حكماً واحداً. ﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾: يقضي بينكم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: عليم بأحوالكم وأقوالكم وأفعالكم ونواياكم وأسراركم. ﴿حَكِيمٌ﴾: مشتقة من الحكم فهو أحكم الحاكمين أو الحكمة فهو أحكم الحكماء حكيم في شرعه، وما يفرض عليكم من أحكام. ارجع إلى سورة البقرة الآية (١١٩) لمزيد من البيان. سورة الممتحنة [٦٠: ١١] ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَئَاتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾: أسباب النزول: قيل: نزلت هذه الآية في أمّ الحكم بنت أبي سفيان ارتدت وتركت زوجها ولم ترتد غيرها، ثمّ عادت إلى الإسلام. كما رُوِيَ عن ابن عباس. ﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والنّدرة. ﴿فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾: أي: إن ذهبت إحدى الزّوجات وارتدت

стр. 5379

عن الإسلام، أو ارتدت إحدى أزواجكم إلى الكفار ولم يدفعوا إليهم ما دفع من المهر. ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: أي: غزوتم هؤلاء الكفار وغنمتم بعض المغانم من جراء الحرب والقتال معهم. ﴿فَئَاتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾: أي: أعطوهم من الغنائم ما يعادل المهور التي دفعوها لأزواجهم اللائي ذهبن إلى الكفار. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: وأطيعوا أوامر الله وتجنبوا نواهيه بتنفيذ حكمه وشرعه. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم. ﴿أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾: جمع مؤمن، ويعني: إيمان العقيدة بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ هذا يدل على أنّ الإيمان يبعث على التّقوى، مؤمنون صفة ثابتة فيهم.

стр. 5380

سورة الممتحنة [٦٠: ١٢] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: المناسبة: حدثت هذه البيعة في فتح مكة ومكانها كان على الصّفا، وسُمِّيت بيعة النّساء على الصّفا، وقد أخرج البخاري عن عائشة ﵂ قالت: إنّ رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجرن إليه بهذه الآية، فمن قبلت بهذه الشّروط من المؤمنات، قال لها رسول الله ﷺ : قد بايعتك كلاماً، ولم يصافح في البيعة امرأة، وإنما بايعهنَّ بالكلام. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾: نداء جديد إلى النّبي ﷺ بحكم جديد، والهاء للتنبيه. ﴿إِذَا﴾: شرطية تفيد حتمية الحدوث. ﴿جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾: البيعة: العهد على الإسلام والطّاعة. ارجع إلى سورة الفتح آية (١٠) لمزيد من البيان في معنى البيعة. ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾: أن: حرف مصدري يفيد التّعليل. لا: النّاهية، يشركن بالله شيئاً: أي: مهما كان من صنم أو بشر أو غيره. بالله: الباء للإلصاق، أي: إشراك عقيدة أو عبادة أو أيِّ شيء مهما كان. ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ﴾: تكرار (لا) النّاهية تفيد التّوكيد، وفصل كلّاً من هذه الأمور المحرَّمة على حِدَةٍ.

стр. 5381

﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾: من الزّنى (الفاحشة) الجماع من غير عقد شرعي. ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾: يعني: بالوأد، وأد البنات أو إسقاط الجنين. ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾: البهتان: الكذب المتعمَّد الذي يبهت سامعه أو يدهشه، يفترينه: الافتراء: الاختلاق، أي: اختلاق الكذب المتعمَّد الذي يبهت سامعه، بين أيديهنَّ وأرجلهنَّ: كناية عن الولد؛ لأنّ الولد إذا وضعته، أي: ولدته أمّه سقط بين يديها ورجليها، مثال: تزني وتقول لزوجها: هذا ولدي منك. ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾: أي: لا يعصينك في حكم من الأحكام أو في جميع ما أمرتهنَّ من شرائع الإسلام. ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، بايعهنَّ: أي: اقبل بيعتهنَّ على تلك الشّروط معاً. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾: اطلب لهنَّ المغفرة لكلّ ما فعلن من هذه الأمور المذكورة قبل هذه البيعة، أو ما سلف من ذنوبهنَّ. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: إنّ للتوكيد، غفور رحيم: ارجع إلى الآية (٧) من نفس السّورة. سورة الممتحنة [٦٠: ١٣] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد إلى الذين آمنوا بتكليف جديد، والهاء للتنبيه. ﴿لَا تَتَوَلَّوْا﴾: لا: النّاهية، تتولوا: من الولاية وهي المحبة والتّقرب والعون

стр. 5382

أو النصح لأعدائكم ونقل أخبار المسلمين إليهم ولا تتولوهم بالنّصرة أيضاً أو لكي يصيبكم منهم منفعة أو عرض دنيوي. ﴿قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: اليهود وغيرهم. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق وتوكيد. ﴿يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾: اليأس: هو انقطاع أو فقدان الرجاء من الشّيء أو الأمر، واليأس: محله القلب، والقنوط: أشد من اليأس، والقنوط حالة خاصة من اليأس، فحين يشتد اليأس وتظهر آثاره على الفرد يصبح قانطاً من رحمة الله وتنقطع به السبل، (ونقيض اليأس: الرّجاء)، إما لكونهم لا يؤمنون بالبعث والحساب أو يؤمنون بالحساب ولكن يئسوا من ثواب الآخرة؛ لكثرة معاصيهم وبعدهم عن الله سبحانه. ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾: كما: الكاف للتشبيه، أي: لا تتولوا هؤلاء اليهود الذين غضب الله عليهم الذين يئسوا من ثواب الآخرة، كما يئس الكفار من عودة أصحاب القبور إلى الدنيا مرة أخرى ليحدِّثوهم بما حلّ بهم. ومن الجدير بالانتباه إلى نهاية السّورة، وهي قوله: يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم، تشبه بداية السّورة يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء؛ مما يدل على توافق بداية السور مع نهايتها.

стр. 5383

سورة الصف [٦١: ١] سورة الصف ترتيبها في القرآن (٦١) وترتيبها في النّزول (١٠٩). ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ابتدأت هذه السورة بنفس الآية التي ابتدأت بها سورة الحشر آية (١) ارجع إلى سورة الحشر للبيان، ومن الملاحظ أيضاً ذكر القتال في سبيل الله في كلا الآيتين بعد ذكر التّسبيح. سورة الصف [٦١: ٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين آمنوا بتكليف جديد، وتحذير واستعمل يا النّداء والهاء الدّالة على التّنبيه. ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾: لم: ما الاستفهامية حذفت ألفها وتفيد الاستفهام الإنكاري والتّوبيخي والتّعجب، تقولون: جاء بصيغة المضارع بدلاً من صيغة الماضي (فهذا يُسَمَّى حكاية الحال) وهو أن يعبر عن الحدث الماضي بصيغة المضارع لاستحضار ما قالوه وكأنه يقال الآن ويجب النّظر فيه وعدم تكراره. أو لأنه يدل على التجدُّد والتكرار؛ أي: ما قالوه لا يزال يحدث الآن قول بلا فعل. تعال ننظر ما قالوا: هم قالوا قبل أن يفرض الجهاد: لو نعلم أحب الأعمال

стр. 5384

إلى الله تعالى لعملناه، فأخبر الله تعالى نبيه أنّ أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله وجهاد في سبيله، ولما فرض الجهاد تقاعس فريق من الذين قالوا ذلك عن الجهاد في سبيل الله أو الخروج، فنزلت هذه الآية: لم تقولون أنكم تريدون أن تجاهدوا في سبيل الله، ثمّ لا تفعلونه، أو تقولون: لو خرجتم إلى الجهاد لخرجنا معكم، ثم لا تخرجون أو لو أمرتنا لأطعناك، ثمّ يأمرهم، ثم يتولون وهم معرضون. سورة الصف [٦١: ٣] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾: عظم وقبح، مقتاً: المقت أشد البغض وأبلغه. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: عند ظرفية مكانية، أيْ: أنّ الله يمقت من يقول ما لا يفعل أو إذا وعد أخلف. ﴿أَنْ﴾: مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾: تكرار ما لا تفعلون مرتين للتهويل وتعظيم الأمر والتّعجب. سورة الصف [٦١: ٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ للتوكيد. ﴿يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ﴾: الحب لما فيه من الثّواب والأجر العظيم للذين يقاتلون في سبيل الله، أي: ابتغاء وجهه ومرضاته، وهذا يدل على أن الجهاد أمر محبوب عند الله تعالى، وتركه أمر ممقوت. ﴿صَفًّا﴾: أيْ: صافين صفاً واحداً.

стр. 5385

﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾: كأنّهم في اتحادهم وقتالهم في سبيل الله بنيان محكم لا فرج فيه ولا خلل، مرصوص من التّراص والتّلاصق والثّبات في الجهاد. يشد بعضه بعضاً. سورة الصف [٦١: ٥] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَدْ تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أنّه يحب الذين يقاتلون في سبيله كأنّهم بنيان مرصوص يذكر الله طرفاً من قصة موسى ﵇ مع قومه حين دعاهم إلى قتال القوم الجبارين ودخول الأرض المقدسة فخالفوه وعصوه، وقالوا له: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. ﴿وَإِذْ﴾: تعني: واذكر إذ قال موسى لقومه. ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ﴾: ياء النّداء نداء فيه التّودُّد والتّحبُّب والاستعطاف، واللام في كلمة لقومه للاختصاص. ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِى﴾: لم: استفهام تعجبي واستنكاري، تؤذونني: بأقوالكم وأفعالكم، كما ذكر ذلك في سورة الأحزاب الآية (٦٩): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾، أو تؤذونني بالعصيان ومخالفة أوامر الله سبحانه. وعبادة العجل والتكذيب بآيات الله وعدم دخول الأرض المقدسة أو اتهامه بعيوب غير حقيقية وقذفه بالباطل. ﴿وَقَدْ تَّعْلَمُونَ﴾: قد للتحقيق والتّوكيد. ﴿تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾: من خلال كلّ هذه الآيات

стр. 5386

والمعجزات كانفلاق البحر والغمام والمن والسّلوى وانفجار الحجر ورفع الطّور ومن خلال التّوراة والألواح، أنّي: للتوكيد، رسول الله إليكم: خاصة (أيْ: لبني إسرائيل). ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، زاغوا: من الزّيغ وهو الميل عن اتِّباع الحق إلى اتِّباع الباطل، زاغوا عن الإيمان وانصرفوا عنه إلى ارتكاب المعاصي والآثام وقتل الكثير من الأنبياء. وزاغوا مأخوذة من زيغ الأسنان أيْ: ميل بعضها عن بعض والحاجة إلى تقويمها. ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾: أيْ: تركهم في ريبهم يتردَّدون ولم يهدهم. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: جمع فاسق وهو الخارج عن طاعة الله والدّين، واتباع طريق الفسق والضّلال والثّبات عليه بدلاً من طريق الطّاعة والهداية والتزام منهج الله والذهاب بعيداً في طريق الضلال، ولم يعد هناك أيُّ أمل في عودته، فالله سبحانه يتركه وشأنه، وما اختار لنفسه من الفسق، والزيغ ارجع إلى الآية (٢٦) من سورة البقرة لمزيد من البيان.

стр. 5387

سورة الصف [٦١: ٦] ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: المناسبة: كما أنّ بني إسرائيل عصوا موسى ﵇، وزاغوا كذلك عصوا عيسى ﵇، وقالوا للبينات، أي: المعجزات ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. ﴿وَإِذْ﴾: أيْ: واذكر إذ قال عيسى أو اذكر حين قال عيسى ابن مريم: ﴿يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: ولم يقل: يا قوم كما قال موسى ﵇: يا قوم؛ لأنه لا نسب له فيهم وهم ليسوا منه. أيْ: ليسوا قومه. ﴿إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم﴾: إنّي للتوكيد، رسول الله إليكم خاصة. ﴿مُّصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: مؤيداً ومقراً بالتّوراة التي أنزلت على موسى ﵇ من قبلي قولاً وعملاً. ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى﴾: مبشراً من البشارة: الخبر السّار لأوّل مرة والذي يولد السّرور على وجه المبُشر. ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾: أيْ: محمّد ﷺ واسم أحمد أو محمد كلاهما مشتق من صفة الحمد، وأحمد، أيْ: أحمد خلق الله لله تعالى، ومحمّد المحمود من

стр. 5388

الكلّ أو ذات يقع عليها الحمد من غيرها أو يحمده الكثير من الخلق، وله أسماء أخرى منها الماحي الذي يمحو الله به الكفر، والحاشر الذي يحشر النّاس بعده والعاقب (المقضي) أي: الآخر الذي يأتي آخر الأنبياء أو نبي الرّحمة. وخاتم النبيين. ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للتوكيد، لما: ظرفية بمعنى حين. ﴿جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أيْ: جاءهم عيسى ﵇ والضّمير في جاءهم تعود على بني إسرائيل، أيْ: جاء عيسى ﵇ بني إسرائيل بالبينات: بالمعجزات الدّالة على صدق نبوته وعلى عظمة الله وقدرته مثل إحياء الموتى وخلق الطّير من الطّين وإبراء الأكمه والأبرص وإخبارهم بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم. ﴿قَالُوا﴾: أيْ: بني إسرائيل قالوا معاندين مكذبين. ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة ويشير إلى ما جاء به عيسى، سحر: ارجع إلى سورة طه الآية (٥٨) للبيان، مبين: واضح لكل فرد ولا يحتاج إلى برهان أو دليل أنّه سحر وأطلقوا عليه سحر؛ لأنه كان خارقاً للعادة أو لأنه أثر في أنفسهم. سورة الصف [٦١: ٧] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: الواو استئنافية، مَنْ: استفهام يفيد النّفي والتّوبيخ والتّقرير، استفهام بصيغة السّؤال كي يشارك المخاطب في الإجابة بدلاً من القول: لا أظلم ممن افترى على الله الكذب (جملة إنشائية)، والمعنى: لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، وافترى: من الافتراء وهو الكذب

стр. 5389

المتعمَّد المختلق، والكذب جاء بصيغة المعرفة بينما في كثير من الآيات يأتي الكذب بصيغة النّكرة، فيقول: فمن أظلم ممن افترى الله كذباً أو كذب بآياته، والكذب هنا يقصد به ما تقدم من قول اليهود وجعل البينات سحراً، والتّكذيب بنبوة محمد ﷺ ، وما ورد في صفاته في التّوراة والإنجيل. ﴿وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾: وهو ضمير فصل يفيد التّوكيد، يدعى إلى الإسلام: أيْ: إلى التّوحيد والدّين الحق. من أهل الكتاب أو المشركين. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: ارجع إلى سورة الجمعة الآية (٥) للبيان، والظالمين: المشركين، وسورة البقرة آية (٥٤) للبيان. سورة الصف [٦١: ٨] ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾: ﴿يُرِيدُونَ﴾: اليهود وغيرهم من الذين أشركوا والكفار، ليطفؤوا نور الله ويريدون تدل على التجدُّد والتكرار. ﴿لِيُطْفِئُوا﴾: اللام لام التّوكيد والتّعليل؛ أي: لأجل ان يطفئوا. ﴿نُورَ اللَّهِ﴾: هو دين الإسلام والقرآن. ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: الباء للإلصاق وتدل على الملازمة، بأفواههم: أيْ: بتحريفهم للتوراة والإنجيل وأقوالهم وكتبهم وإذاعاتهم وإعلامهم ومحاضراتهم. أن يطفؤوا نور الله. ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾: أيْ: والله مظهر دينه وشرعه في الآفاق، وناصر رسله وأوليائه، ومُعلي كلمته لا محالة، مثلهم كمثل الذي يريد أن يطفئ أشعة الشّمس بفيه، وهيهات أن يتم ذلك.

стр. 5390

﴿وَلَوْ﴾: الواو للتوكيد، لو: شرطية. ﴿كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾: الكافرون: تدل على الفعل أو الحدث، ولم يقل: الكفار، الكفار تدل على الاسم وتشمل كلّ كافر، الكافرون أقل عدداً من الكفار. ولا بُدَّ من مقارنة هذه الآية (٨) من سورة الصف: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾، مع الآية (٣٢) من سورة التوبة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾: أولاً: والله متم نوره: جملة اسمية أقوى وأكد، وتدل على الثّبات من الجملة الفعلية، وهي قوله: أن يتم نوره، التي تدل على المستقبل والتّجدُّد والتّكرار، والله متم نوره: يعني: الأمر واقع لا محالة والأمر منتهٍ، لا تبديل لحكم الله بينما أن يتم نوره: أي: الأمر يقع الآن، ولا بُدَّ من إتمام في المستقبل. ثانياً: ليطفئوا: في آية الصّف أن يطفئوا، في آية التوبة: اللام في ليطفئوا تدل على التّوكيد والتّعليل بينما أن يطفئوا أن تفيد الاستقبال. وإذا رجعنا إلى السّياق نجد أن آية التّوبة جاءت في سياق اليهود والنّصارى الذين يقولون عزير ابن الله أو المسيح ابن الله والذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وهم الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، وبدلوا دين الله وأحلوا الحرام وحرموا الحلال، فهم يريدون بكلّ هذه الأفعال وغيرها أن يطفئوا دين الله بأفواههم، الآن وفي المستقبل بالزّيادة والنّقصان والتّحريف والتّزوير والتّبديل. وأمّا السّياق في آية الصّف فجاء في سياق كفرهم برسالة محمّد ﷺ ونبوته وحربهم على رسول الله ﷺ ، فهم لم يكتفوا بما فعلوه بالتّحريف والتّبديل

стр. 5391

والزّيادة والنّقصان في دينهم وفي التوراة. بل يريدون التّصدي لدين الإسلام ومحاربة رسوله، ولذلك أكد بالجملة الاسمية (متم اسم فاعل.) واللام في كلمة ليطفئوا نور الله، ارجع إلى سورة التوبة الآية (٣٢) لمزيد من البيان. سورة الصف [٦١: ٩] ﴿هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾: ﴿هُوَ الَّذِى﴾: ضمير منفصل يفيد الاختصاص والتّوكيد تعود على الله ، والذي: اسم موصول يفيد التّعظيم. ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾: محمّداً ﷺ . ﴿بِالْهُدَى﴾: الباء للتوكيد والإلصاق، بالهدى: بالقرآن. ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾: دين الإسلام. ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد، وهاء الضّمير تعود على الرّسول ﷺ أو تعود على الدّين أو كلاهما. ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾: على سائر الملل والشّرائع ولم يقل: على الأديان؛ لأنه ليس هناك إلا دين الإسلام، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ أيْ: ليظهر الإسلام، إظهار حُجَّة وبرهان، أيْ: يجعله مهيمناً هيمنة برهان وحُجَّة وثبات، ولا يعني: أنّه يلغي الدّيانات الأخرى، ولا يعني: ظهور أتباع بحيث يصبح كلّ واحد مسلم، وهناك من قال أنّه إظهار يشمل كلّ فرد، وهذا سيحدث بعد نزول عيسى ﵇ قبل قيام السّاعة، وإظهار الحُجَّة والبيان يتمثل في تطبيق المبادئ الإسلامية السّمحة في معاملاتهم وحل مشاكلهم الدّنيوية، ولا

стр. 5392

يعني أنّ النّاس كلّهم سيدخلون في الإسلام، وكما قال تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٨]. سورة الصف [٦١: ١٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين آمنوا بتكليف، أو موعظة، أو أمر جديد. ﴿أَدُلُّكُمْ﴾: بالبيان والتعريف والدلالة قد تكون في الخير أو الشر وبقصد وبغير قصد وهنا الدلالة تعني إلى الخير وتحمل معنى الإشفاق والحنان. ﴿هَلْ﴾: للاستفهام وتفيد العرض والتّرغيب والتّشويق. ﴿أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: ما نوع هذه التّجارة، فسرتها الآية التي بعدها (١١) وهي قوله تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ إذن هي تجارة إيمان وجهاد، وجاءت التجارة بصيغة النّكرة للتهويل والتّعظيم، من عذاب أليم: في الدّنيا والآخرة. سورة الصف [٦١: ١١] ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: في الآية السّابقة قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في هذه الآية قال: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ فكيف خاطبهم بالذين آمنوا، ثمّ قال: تؤمنون، وهم مؤمنون سابقاً. تفسير تؤمنون: كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: استقيموا واستمروا على إيمانكم بالله ورسوله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، تؤمنون: بصيغة المضارع لتدل على التّجدُّد والتّكرار.

стр. 5393

﴿وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أيْ: في سبيل إعلاء كلمة الدّين والحق وابتغاء مرضاته. ﴿بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾: قدَّم الأموال على الأنفس؛ لأنّها الآكد والأعم والجهاد يبدأ بالإنفاق والاستعداد والباء بأموالكم للإلصاق، وتعني: ببعض أموالكم، وقدَّم في سبيل الله: للحصر والقصر. ﴿ذَلِكُمْ﴾: ولم يقل: ذلك؛ لأنّ هناك عدة أمور مطلوبة منها الإيمان والجهاد وغيره وللمبالغة والاهتمام والتّوكيد. ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: أيْ: أفضل لكم. ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال والنّدرة، كنتم تعلمون: إن كنتم أهل دراية ووعي وعلم، أو كنتم تعلمون ما هي مصلحتكم وخيركم. سورة الصف [٦١: ١٢] ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: يُبيِّن في هذه الآية والآية التي تليها ثمرة الإيمان والجهاد والاستقامة في سبيل الله ومنها: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾: أيْ: يغفر لكم كلّ ذنوبكم، ولم يقل: يغفر لكم من ذنوبكم، من تعني: بعض ذنوبكم، كما هي الحال حين يخاطب غير لمؤمنين كما في الآية (٣١) في سورة الاحقاف وهي قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِىَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾، والغفران يعني: السّتر والمحو والعفو والإثابة على الحسنات.

стр. 5394

﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: دخول هذه الجنات هو برحمته وفضله وليس بسبب أعمالكم، جنات: منها جنات الفردوس والنّعيم وعدن والخلد، تجري من تحتها الأنهار: أيْ: تنبع من تحتها الأنهار. ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾: مريحة جميلة حسنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ﴿فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: أيْ: جنات إقامة دائمة. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد. ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: أعظم من الفوز المبين والفوز الكبير، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١١١) في سورة التوبة وهي قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: نجد في آية التوبة زيادة (الواو) وضمير الفصل (هو) لزيادة التوكيد؛ ارجع إلى سورة التوبة لمزيد من البيان، وارجع إلى سورة النساء آية (٧٣) لبيان معنى الفوز وأنواعه أو درجاته. سورة الصف [٦١: ١٣] ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: هذه الآية تتعلَّق بالثّواب الدّنيوي، أيْ: يؤتكم تجارة أخرى في الدّنيا تحبونها (لأنّها عاجلة .. ) هي نصر من الله وفتح قريب. وهناك فرق بين الفتح والنصر. ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾: النّصر: الغلبة بالقوة والعتاد والحرب والقتال بينما الفتح يكون بالنّصر من دون قتال أو حرب. ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾: قيل: فتح مكة، وقيل: فتح بلاد فارس والرّوم.

стр. 5395

﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: برضوان من الله وجنات النعيم والبشارة تعني: الخبر السّار لأول مرة. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٩)، وسورة النحل آية (٨٩) لمزيد من البيان. سورة الصف [٦١: ١٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَّائِفَةٌ مِنْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ وَكَفَرَتْ طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين آمنوا بتكليف جديد، أو موعظة، أو أمر، أو حكم. ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾: أيْ: كونوا أنصار دينه ونبيه كونوا جند الله، أنصار: جمع نصير فيه مبالغة في النصرة نصرة الله ورسوله، وتدل على ثبات الصفة، بينما ناصرين: جمع ناصر ليس فيه مبالغة، وتأتي في سياق النصرة على الظالمين، والنّصرة تعني: المعونة والتّأييد والمد بالمال والأنفس، وكل الوسائل. ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ﴾: الحواريون: هم أصفياؤه وهم أوّل من آمن به، وقيل: كانوا اثني عشر رجلاً، وحواري الرّجل صفيه وخالصته، الحواريون مشتقة من الحور: هو البياض الخالص، وقيل: كانوا يحورون الثّياب، أيْ: يبيضونها. ارجع إلى سورة آل عمران آية (٥٢) لمزيد من البيان. ﴿مَنْ أَنصَارِى إِلَى اللَّهِ﴾: من استفهامية، أنصاري إلى الله: جمع نصير أيْ: من يكون معي في نصرة دين الله تعالى؟
следующие страницы →