Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
والزّيادة والنّقصان في دينهم وفي التوراة. بل يريدون التّصدي لدين الإسلام ومحاربة رسوله، ولذلك أكد بالجملة الاسمية (متم اسم فاعل.) واللام في كلمة ليطفئوا نور الله، ارجع إلى سورة التوبة الآية (٣٢) لمزيد من البيان.
سورة الصف [٦١: ٩]
﴿هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾:
﴿هُوَ الَّذِى﴾: ضمير منفصل يفيد الاختصاص والتّوكيد تعود على الله ، والذي: اسم موصول يفيد التّعظيم.
﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾: محمّداً ﷺ .
﴿بِالْهُدَى﴾: الباء للتوكيد والإلصاق، بالهدى: بالقرآن.
﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾: دين الإسلام.
﴿لِيُظْهِرَهُ﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد، وهاء الضّمير تعود على الرّسول ﷺ أو تعود على الدّين أو كلاهما.
﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾: على سائر الملل والشّرائع ولم يقل: على الأديان؛ لأنه ليس هناك إلا دين الإسلام، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ أيْ: ليظهر الإسلام، إظهار حُجَّة وبرهان، أيْ: يجعله مهيمناً هيمنة برهان وحُجَّة وثبات، ولا يعني: أنّه يلغي الدّيانات الأخرى، ولا يعني: ظهور أتباع بحيث يصبح كلّ واحد مسلم، وهناك من قال أنّه إظهار يشمل كلّ فرد، وهذا سيحدث بعد نزول عيسى ﵇ قبل قيام السّاعة، وإظهار الحُجَّة والبيان يتمثل في تطبيق المبادئ الإسلامية السّمحة في معاملاتهم وحل مشاكلهم الدّنيوية، ولا
стр. 5392
يعني أنّ النّاس كلّهم سيدخلون في الإسلام، وكما قال تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٨].
سورة الصف [٦١: ١٠]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين آمنوا بتكليف، أو موعظة، أو أمر جديد.
﴿أَدُلُّكُمْ﴾: بالبيان والتعريف والدلالة قد تكون في الخير أو الشر وبقصد وبغير قصد وهنا الدلالة تعني إلى الخير وتحمل معنى الإشفاق والحنان.
﴿هَلْ﴾: للاستفهام وتفيد العرض والتّرغيب والتّشويق.
﴿أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: ما نوع هذه التّجارة، فسرتها الآية التي بعدها (١١) وهي قوله تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ إذن هي تجارة إيمان وجهاد، وجاءت التجارة بصيغة النّكرة للتهويل والتّعظيم، من عذاب أليم: في الدّنيا والآخرة.
سورة الصف [٦١: ١١]
﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
في الآية السّابقة قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في هذه الآية قال: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ فكيف خاطبهم بالذين آمنوا، ثمّ قال: تؤمنون، وهم مؤمنون سابقاً.
تفسير تؤمنون: كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: استقيموا واستمروا على إيمانكم بالله ورسوله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، تؤمنون: بصيغة المضارع لتدل على التّجدُّد والتّكرار.
стр. 5393
﴿وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أيْ: في سبيل إعلاء كلمة الدّين والحق وابتغاء مرضاته.
﴿بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾: قدَّم الأموال على الأنفس؛ لأنّها الآكد والأعم والجهاد يبدأ بالإنفاق والاستعداد والباء بأموالكم للإلصاق، وتعني: ببعض أموالكم، وقدَّم في سبيل الله: للحصر والقصر.
﴿ذَلِكُمْ﴾: ولم يقل: ذلك؛ لأنّ هناك عدة أمور مطلوبة منها الإيمان والجهاد وغيره وللمبالغة والاهتمام والتّوكيد.
﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: أيْ: أفضل لكم.
﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال والنّدرة، كنتم تعلمون: إن كنتم أهل دراية ووعي وعلم، أو كنتم تعلمون ما هي مصلحتكم وخيركم.
سورة الصف [٦١: ١٢]
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾:
يُبيِّن في هذه الآية والآية التي تليها ثمرة الإيمان والجهاد والاستقامة في سبيل الله ومنها:
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾: أيْ: يغفر لكم كلّ ذنوبكم، ولم يقل: يغفر لكم من ذنوبكم، من تعني: بعض ذنوبكم، كما هي الحال حين يخاطب غير لمؤمنين كما في الآية (٣١) في سورة الاحقاف وهي قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِىَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾، والغفران يعني: السّتر والمحو والعفو والإثابة على الحسنات.
стр. 5394
﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: دخول هذه الجنات هو برحمته وفضله وليس بسبب أعمالكم، جنات: منها جنات الفردوس والنّعيم وعدن والخلد، تجري من تحتها الأنهار: أيْ: تنبع من تحتها الأنهار.
﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾: مريحة جميلة حسنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
﴿فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: أيْ: جنات إقامة دائمة.
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد.
﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: أعظم من الفوز المبين والفوز الكبير، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١١١) في سورة التوبة وهي قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: نجد في آية التوبة زيادة (الواو) وضمير الفصل (هو) لزيادة التوكيد؛ ارجع إلى سورة التوبة لمزيد من البيان، وارجع إلى سورة النساء آية (٧٣) لبيان معنى الفوز وأنواعه أو درجاته.
سورة الصف [٦١: ١٣]
﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
هذه الآية تتعلَّق بالثّواب الدّنيوي، أيْ: يؤتكم تجارة أخرى في الدّنيا تحبونها (لأنّها عاجلة .. ) هي نصر من الله وفتح قريب. وهناك فرق بين الفتح والنصر.
﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾: النّصر: الغلبة بالقوة والعتاد والحرب والقتال بينما الفتح يكون بالنّصر من دون قتال أو حرب.
﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾: قيل: فتح مكة، وقيل: فتح بلاد فارس والرّوم.
стр. 5395
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: برضوان من الله وجنات النعيم والبشارة تعني: الخبر السّار لأول مرة. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٩)، وسورة النحل آية (٨٩) لمزيد من البيان.
سورة الصف [٦١: ١٤]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَّائِفَةٌ مِنْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ وَكَفَرَتْ طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين آمنوا بتكليف جديد، أو موعظة، أو أمر، أو حكم.
﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾: أيْ: كونوا أنصار دينه ونبيه كونوا جند الله، أنصار: جمع نصير فيه مبالغة في النصرة نصرة الله ورسوله، وتدل على ثبات الصفة، بينما ناصرين: جمع ناصر ليس فيه مبالغة، وتأتي في سياق النصرة على الظالمين، والنّصرة تعني: المعونة والتّأييد والمد بالمال والأنفس، وكل الوسائل.
﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ﴾: الحواريون: هم أصفياؤه وهم أوّل من آمن به، وقيل: كانوا اثني عشر رجلاً، وحواري الرّجل صفيه وخالصته، الحواريون مشتقة من الحور: هو البياض الخالص، وقيل: كانوا يحورون الثّياب، أيْ: يبيضونها. ارجع إلى سورة آل عمران آية (٥٢) لمزيد من البيان.
﴿مَنْ أَنصَارِى إِلَى اللَّهِ﴾: من استفهامية، أنصاري إلى الله: جمع نصير أيْ: من يكون معي في نصرة دين الله تعالى؟
стр. 5396
﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾: الحواريون: جمع أنصار دينه ورسله؛ ارجع إلى سورة آل عمران آية (٥٢) لبيان معنى الحواريون.
﴿فَآمَنَتْ طَّائِفَةٌ مِنْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ وَكَفَرَتْ طَّائِفَةٌ﴾: فآمنت: الفاء للترتيب والتّعقيب، آمنت طائفة بعيسى أنه عبد الله ورسوله، وكفرت طائفة: أيْ: ضلت طائفة وكفرت به، وبنبوَّته، واتهموا أمّه بالفاحشة، وطائفة أخرى تغالت ووصفوا عيسى ابن مريم بأنّه ابن الله، أو هو الله، أو ثالث ثلاثة.
﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾: أيدنا: من التّأييد مشتق من اليد، وتعني: القوة والنّصرة، فأيدنا الذين آمنوا بأنّ عيسى هو رسول الله وعبده على عدوِّهم الذين زعموا أن عيسى ابن الله، أو ثالث ثلاثة، أو هو الإله.
﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾: الفاء: للترتيب والتعقيب؛ أصبحوا ظاهرين: أي: غالبين عدوهم من الفرق النصرانية الأخرى بالحُجة والبينة.
стр. 5397
سورة الجمعة [٦٢: ١]
سورة الجمعة
ترتيبها في القرآن (٦٢) ترتيبها في النّزول (١١٠).
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾:
﴿يُسَبِّحُ﴾: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدّل على أن تسبيح الله سبحانه هو دائم ومستمر ولا ينقطع في الماضي والحاضر والمستقبل كقوله: (سبّح)، وكقوله: (يسبّح). والتّسبيح: تنزيه ذات الله من كل ولد وشريك وندٍّ ومثيل، ومن كل عيب أو نقص؛ ارجع إلى سورة الإسراء الآية (١)، وسورة الحديد آية (١)، وسورة الحشر آية (١) لبيان معنى التسبيح، ومقارنة آيات التسبيح.
﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: تكرار (ما في) مرتين؛ للتوكيد وفصل كل منهما عن الآخر، فهناك مخلوقات أو أشياء في السّماء لا توجد في الأرض وبالعكس، والسموات وما فيهن والأرض وما فيهن الكل يسبّح الخالق. ولمزيد من البيان ارجع إلى سورة الحشر آية (١).
﴿الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾: ارجع إلى سورة الحشر آيتين (٢٣ - ٢٤) لبيان معنى الملك القدوس العزيز الحكيم.
سورة الجمعة [٦٢: ٢]
﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الْأُمِّيِّنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾:
﴿هُوَ﴾ ضمير فصل تفيد التّوكيد والحصر.
стр. 5398
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يشير إلى الله الملك القدّوس العزيز الحكيم.
﴿بَعَثَ﴾: ولم يقل أرسل؛ البعث فيه إثارة وحض، وهو أعم من الإرسال وأقوى؛ هناك فرق بين البعث والإرسال. ارجع إلى سورة [البقرة: ١١٩] لمعرفة معنى بعث والفرق بين بعث وأرسل.
﴿فِى الْأُمِّيِّنَ﴾: في ولم يقل إلى؛ لأنّ رسول الله ﷺ كان موجوداً فيهم قبل بعثته (٤٠) عاماً.
﴿الْأُمِّيِّنَ﴾: جمع أمِّيٍّ: هو الّذي لا يكتب وباستطاعته القراءة، فالرّسول كان يقرأ على جبريل أو يتلو عن سماع، وأحسن من قرأ كتاب الله الأميّون، وقيل: الأمّيّون: تعني العرب، وأطلق عليهم (الأميين) لأنهم لم يكونوا أهل كتاب في ذلك الزّمن، وقيل: الأمّيّون مشتقة من كلمة (الأم) الّتي ولدته والّتي لا تعرف القراءة ولا الكتابة، وبقي على ذلك.
﴿رَسُولًا﴾: كل رسول هو نبي وليس كل نبي هو رسولاً. ارجع إلى سورة النّساء الآية (١٦٤) للبيان ومعرفة الفرق بين الرّسول والنّبي.
﴿مِّنْهُمْ﴾: ولم يقل من أنفسهم، منهم؛ أي: من العرب الأمّيين أو قريش، أما قوله: من أنفسهم: قد تعني من المؤمنين خاصة.
﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾: التلاوة هي القراءة من كتاب الله، وتعني: تلاوة الآية بعد الأخرى، والتلاوة تكون لأكثر من كلمة ولها أجر.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: التّزكية التّطهير من الشّرك والأوثان، والخبائث والرّجس وعبادة الأصنام.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾: القرآن، قراءته وأحكامه وتفسيره.
стр. 5399
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: قيل: هي السّنة النّبوية، وقيل: الأحكام الشّرعية. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٦٩) لمعرفة معنى الحكمة.
﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾: قبلُ: مجيء محمّد ﷺ ؛ أي: من قبل بعثته بزمن بعيد أو قريب.
﴿لَفِى﴾: اللام للتوكيد.
﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: في ضلالٍ وبُعدٍ عن الحق، والصواب مبين: يعني ظاهر واضح لكل فرد يعرف قريش أو العرب آنذاك وضلال لا يحتاج إلى تبيين واضح بنفسه أو مظهر لنفسه، وفي هذه الآية قدم التزكية على يعلمهم الكتاب والحكمة، بينما في الآية (١٢٩) في سورة البقرة وعلى لسان إبراهيم قدم يعلمهم الكتاب والحكمة على يزكيهم (أي: أخر التزكية)؛ أرجع إلى أية البقرة للمقارنة ومزيد من البيان.
سورة الجمعة [٦٢: ٣]
﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾: أي من العرب وغيرهم من التابعين وتابعوا التابعين إلى يوم القيامة.
﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾: لمَّا تفيد النّفي إلى زمن التّكلم؛ أي: لم يلحقوا بهم بعد؛ أي: سيلحقون بهم في المستقبل وهم الّذين سيأتون من بعدهم إلى يوم القيامة (أي الذين جاؤوا من بعدهم).
هناك فرق بين آخَرِين وآخِرِين بفتح الخاء أو كسر الخاء.
آخِرين بكسر الخاء تعني: من غيرهم؛ أي: هناك انقطاع في الأجيال.
стр. 5400
وكلمة آخَرِين: بفتح الخاء؛ أي: من الأميين الّذين كانوا على عهده وزمن بعثته (غير الأميين).
أو بعثه الله ليعلِّم الأميين الكتاب والحكمة ويعلِّم الّذين سيلحقون بهم، أو تعني كلٌّ يعلِّمُ الآخر.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ارجع إلى سورة الحشر آية (٢٤) للبيان.
سورة الجمعة [٦٢: ٤]
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد، ويشير إلى فضل الله على رسوله وعلى الأميين، وعلى الّذين لم يلحقوا بهم بعد بالإسلام والقرآن والوحي وبعثة محمّد، وبالتّزكية وتلاوة الآيات وتعليمهم الكتاب والحكمة.
﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾: الفضل هو الزّيادة على الأجر والثّواب، والفضل له أنواع منها: العظيم والمبين والكبير.
﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: الإيتاء أعمُّ من العطاء، ولمعرفة الفرق بين الإيتاء والعطاء: ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١).
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: ذو تعني: صاحب، وذو أفضل وأشرف من قول: صاحب، ذو الفضل العظيم: في الدّنيا والآخرة حيث يضاعف الجزاء والحسنات أضعافاً كثيرة.
﴿الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: هو الفضل الذي لا يعلوه فضل أو يساويه فضل، والفضل العظيم لا يكون إلا من الله تعالى يؤتيه بعض عباده تفضلاً منه دون شرط.
стр. 5401
وقد يكون مالاً أو عافية أو أهلاً، أو متاعاً وأكبر وأعظم فضل هو فضل الإيمان والإسلام والقرآن ومعرفة الله سبحانه ووحدانيته.
سورة الجمعة [٦٢: ٥]
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾:
المناسبة: بعد أن أنكر اليهود بعثة ونبوّة محمّد ﷺ وأنكروا ما جاء فيها من البشارة بمحمّد، ولم يؤمنوا به أو ينتفعوا بتوراتهم، شبَّههم الله بالحمار الذي يحمل أسفاراً، فضربُ المثل غايته توضيحُ الغموض المجمل فحاملو التّوراة يماثلون أو يُشبهون الحمار في صفة واحدة هي الحمل.
﴿الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾: أي كُلِّفوا أو أُمروا بتعلُّم التّوراة والعمل بها، ولم يقل الذين آتيناهم الكتاب أو أهل الكتاب؛ لأن في ذلك مدح لهم، وإنما الذين حملوا التوراة فيها معنى الذم وخاصة حين شبهوا بالحمار الذي يحمل أسفاراً.
﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾: أي لم يتعلّموها ولم يعملوا بها، أو تعلّموا التّوراة ولكنّهم لم يعملوا بها؛ أي: يطبّقوها حيث كانت تصف لهم صفات هذا النّبي (محمّد) المبشّر به، والذي كانوا ينتظرونه، فلم يؤمنوا به ولم ينتفعوا بما في التوراة كمثل الحمار يحمل أسفاراً.
فالتوراة تشبه الأسفار: والأسفار جمع سِفر، والسِّفر: الكتاب الكبير أو الكتب الكبار الجامعة للعلوم النّافعة، والمعنى الثّاني: الأسفار تعني الكتب الواضحة المعاني من السّفر، والقول: أسفر الصُّبح؛ أي: انكشف بنوره؛ أي: يكشف لهم الطّريق المستقيم، وسَفرت المرأة: إذا كشفت عن وجهها، والمعنى الثّالث: سفرت البيت: كنسته وأزلت عنه التّراب حتى تنكشف أرضه، فهو يكشف لهم ما يحتاجونه من علوم الدّين والمنهج.
стр. 5402
والذين حملوا التوراة: أي اليهود حملوا التّوراة كمنهج ودرسوا التّوراة ولكنّهم لم يطبّقوها أو يستفيدوا منها، لم يعملوا بالأمانة ولم يوفوا بعهدهم، فشبّههم الله تعالى بالحمار الذي يحمل على ظهره الكتب، فهو لا يعلم ما فيها ولا يستفيد منها، أو لا يفهم ما يحمل على ظهره من صخر أو متاع أو كتب أو حاجات أخرى.
ولندرك أنّ الله سبحانه خلق الحمار للحمل وليس عليه واجب أن يدرك ما على ظهره من أحمال، فهم يشبهون الحمار في خاصيّة الحمل وليس بخاصيّة الغباء، والله سبحانه لا يطعن فيما خلق.
﴿بِئْسَ﴾: من أفعال الذّم.
﴿مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: أي كذبوا بآيات الله الدّالة على صدق نبوة محمّد ﷺ ، ولم يؤمنوا به أو يفعلوا ما أمرهم الله به، أو كذَّبوا بآيات الله؛ أي: آيات القرآن وآيات التّوراة، وتكذيب أحدهما يكفي، فالذي يكذّب القرآن يكذّب التّوراة ولا يؤمن بها.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أي المشركين الظّالمين أنفسهم بتكذيب الأنبياء والرّسل وقتلهم الأنبياء بغير حق؛ أي: لا يهدي الله هؤلاء الذين اختاروا بأنفسهم طريق الضّلال والغواية والشّرك، فالله لا يهدي الظّالم ولا الفاسق وإنما يهدي المؤمن المتَّقي ومن سلك طريق الهداية، ولمعرفة معنى الظّلم ارجع إلى سورة [البقرة: ٥٤].
سورة الجمعة [٦٢: ٦]
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾:
﴿قُلْ﴾: خطاب إلى النّبي ﷺ .
стр. 5403
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾: هم اليهود، ومعنى (هادوا)؛ أي: رجعوا بالتوبة إلى الله من عبادة العجل، واشتقَّت من قولهم: إنّا هُدنا إليك.
﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ﴾: إن شرطية تفيد الشكّ والنّدرة.
أي: إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم أولياء الله أبناء الله وأحباؤه دون غيركم من النّاس، وأنّ (الدّار الآخرة خاصة لكم).
﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾: الفاء: رابطة جواب الشرط؛ تمنوا: التمني: هو قول القائل ليت كان كذا، وليت لم يكن، ويقع على الماضي والمستقبل، والتمني في قوله: (فتمنوا الموت): هو تمني بالقول فقط أو بالقلب، فتمنوا الموت؛ لأن ولي الله حقاً يتمنى لقاءه والإسراع إلى ما أعدَّ له من النّعيم المقيم؛ أي: أن يميتكم وينقلكم إلى دار الآخرة.
﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن شرطية فيها معنى الاحتمال والنّدرة؛ أي: إنكم غير صادقين.
سورة الجمعة [٦٢: ٧]
﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾:
﴿وَلَا﴾: النافية.
﴿يَتَمَنَّوْنَهُ﴾: ارجع إلى الآية السابقة (٦) لبيان معنى التمني، وإضافة النون في يتمنونه للتأكيد.
﴿أَبَدًا﴾: لزيادة التوكيد.
﴿بِمَا﴾: الباء: السببية أو للتعليل؛ ما: أوسع شمولاً من الذي.
﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: أي: عملت أو كسبت أيديهم من المعاصي والآثام.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾: عليم: صيغة مبالغة من علم؛ أي: كثير العلم؛
стр. 5404
بالظالمين: الباء: للإطلاق؛ الظالمين: جمع ظالم وهو كل من خرج عن منهج الله تعالى، ولابد من مقارنة هذه الآية مع الآية (٩٥) في سورة البقرة وهي قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ لوجدنا الاختلافات التالية:
١ - (لا): النافية في آية الجمعة: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾، (لن) في آية البقرة.
لن: أقوى نفياً، من: (لا) تنفي المستقبل القريب البعيد.
(لا): جاءت في سياق الذين زعموا أنهم أولياء الله، بينما (لن) جاءت في سياق الذين زعموا أنَّ الدار الآخرة خاصة بهم وحدهم، هذا الزّعم أشد وأبلغ من الزّعم بأنّهم أولياء الله، لذلك استعمل (لن).
٢ - يتمنَّونه: تدل على كثرة الذين زعموا أنّهم أولياء الله مقارنة بآية البقرة (يتمَّنوه) تدل على قلة عدد الذين يزعمون أنَّ الدّار الآخرة (الجنة) خاصة بهم، بما قدّمت أيديهم: الباء سببية تعليلية، ما: اسم موصول أو مصدرية بسبب ما اقترفوا من الكفر والمعاصي، ومن ذلك كفرهم برسول الله ﷺ .
ولا يتمنّونه أبداً (بسبب ما قدّموا من الكفر). ولأنهم أحرص الناس على حياة، كما ال تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، فالنفي في آية البقرة أشد وأقوى وأكثر توكيداً من النفي في آية الجمعة؛ ارجع إلى آية البقرة لمزيد من البيان.
سورة الجمعة [٦٢: ٨]
﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد ﷺ .
стр. 5405
﴿إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾: الفرار هو الخوف والهروب بسرعة بدون محاولة التّستُّر والخفاء.
﴿مُلَاقِيكُمْ﴾: مدرككم وجهاً لوجهه، لاحقٌ بكم لا تفوتونه.
ثم: للتراخي في الزمن والترتيب.
﴿تُرَدُّونَ﴾: الرّد ولم يقل ترجعون، الرّد يكون بدون اختيار لكم.
ارجع إلى سورة القصص آية (٧) لمعرفة الفرق بين الرجع والرد.
﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: عالم الغيب: عالم ما غاب واستتر من الغيب بكل أنواعه، والشّهادة: عالم يشاهد بالمدركات (العيون والآذان) والحواس، فهو عالم كل مخلوقاته بغيبها وظاهرها لا يعزُب عنه شيء في الأرض ولا في السّماء. ارجع إلى سورة التوبة آية (١٠٥) لمزيد من البيان.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾: الفاء: للترتيب والتّعقيب، ينبّئكم: يخبركم.
﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: الباء للإلصاق، ما: اسم موصول أو مصدرية، كنتم: في الدّنيا، تعملون: العمل يشمل القول والفعل؛ أي: تقولون وتفعلون.
стр. 5406
سورة الجمعة [٦٢: ٩]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء للذين آمنوا بيا النّداء والهاء للتنبيه، نداء جديد بتكليف جديد بتكليف جديد للذين آمنوا.
﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية شرطية تفيد حتمية الحدوث وكثرته.
﴿نُودِىَ﴾: أي أُذِّن لصلاة الجمعة، والنداء هو الأذان وهو الإعلام برفع الصوت.
﴿لِلصَّلَاةِ﴾: اللام لام الاختصاص.
﴿مِنْ﴾: ظرفية، يوم الجمعة: هو اليوم المعروف من أيام الأسبوع، والجمعة بضمّ الميم: صفة لليوم؛ أي: يوم تجمُّع الناس.
﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: السّعي يعني المشي بجدٍّ وعزم وقصد، ويعني: المضيّ إليها أو الإسراع والاشتغال بها، أو التّحضير لها بالوضوء والخروج إلى المسجد بشكل مبكِّر والتّفرُّغ لها، إلى ذكر الله: أي الخطبة والصّلاة، فالخطبة تعدُّ ذكراً لله وكذلك الصّلاة.
стр. 5407
﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾: توقفوا عن البيع وسائر الأعمال الدنيوية من بيع وشراء، أو شغل يشغلكم عن الصلاة، وذروا البيع: مجاز مرسل، يعني: كل أنواع الأعمال والتّجارة وغيرها وتفرّغوا للصلاة.
﴿ذَلِكُمْ﴾: أي إشارة إلى السّعي إلى ذكر الله والصّلاة والخطبة خير لكم من البيع والتّجارة والرّبح، ذلكم: خير لكم وأبقى من أعمالكم الدّنيوية. ولم يقل ذلك؛ لأن (ذلكم) للتعظيم والتأكيد وتشمل عدة أمور.
﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال والنّدرة، كنتم تعلمون: ما هو الأفضل والأصلح لكم، أو ما ينفعكم وما يضركم، وما في صلاة الجمعة من ثواب وخير.
سورة الجمعة [٦٢: ١٠]
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِى الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾:
﴿فَإِذَا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، إذا: ظرف زماني.
﴿قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾: انتهت الصّلاة، أُدِّيت الصّلاة.
﴿فَانْتَشِرُوا فِى الْأَرْضِ﴾: أي تفرّقوا لقضاء حوائجكم.
﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾: اطلبوا الرّزق من الله، أو عودوا إلى بيعكم وشرائكم، والفضل لا يقتصر على طلب الرزق فقط، وإنما يشمل طلب العلم، أو زيارة مرضاكم وإخوانكم، وامشوا في الجنائز وساعدوا إخوانكم، وغيرها من
стр. 5408
الأعمال الصالحة التي تورث الزيادة في الأجر والفضل من الله الكريم واسع العطاء.
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾: بالتّهليل والتّكبير والحمد والشّكر، والصّلاة والتّسليم على النّبي ﷺ .
﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لعل: تفيد التّعليل، تفلحون: الفوز بالدّارين، ارجع إلى سورة البقرة آية (٥).
سورة الجمعة [٦٢: ١١]
﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾:
سبب نزول هذه الآية: كما أخرج البخاري ومسلم وغيرهما، عن جابر قال: كان النّبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إذا أقبلت عيرٌ؛ أي: إبل، محمّلة طعاماً ودقيقاً وغيره من المتاع، قدمت من الشّام، فخرجوا إليها حتى لم يبقَ معه ﷺ إلا (١٢) رجلاً، فأنزل الله سبحانه هذه الآيات.
وكان من عادة أهل المدينة إذا جاءت قافلة تجارية تحمل الميرة؛ أي: الطعام والحاجيات، يستقبلونها باللهو وضرب الطّبول والمزامير، فخرج النّاس يتسلّلون حتى لم يبقَ مع رسول الله ﷺ إلا (١٢) رجلاً، فنزلت هذه الآيات.
﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾: وإذا: ظرفية زمانية. رأوا تجارة قادمة إليهم.
﴿أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾: أي خرجوا إليها، من: الفضّ وهو: كسر الشّيء والتّفريق بين أجزائه؛ أي: خرجوا متفرقين لمجرد سماع الطّبل، منهم من خرج
стр. 5409
للانتفاع من التجارة ومنهم من خرج للهو. والضّمير في كلمة (إليها) يعود على التجارة أو اللهو، اللهو هنا هو استقبال العير بالطّبول والتصفيق والمزامير والغناء، أو تركهم الجمعة (الخطبة والصلاة) يعتبر عملاً يُلهي عن واجب، فهو يعتبر لهواً بحدِّ ذاته، ولم يقل إليهما؛ لأن خبر أحدهما يغني عن الآخر.
﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾: أي على المنبر تخطب.
﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾: تكرار (من) مرتين؛ لفصل أحدهما عن الآخر: فصل اللهو من التّجارة وكلاهما معاً.
﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: من الثّواب والجزاء كالجنة والنّعيم المقيم.
﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾: وما عند الله خير؛ أي: أفضل من اللهو، وتعريفه: هو ما يشغل الإنسان عن واجب أو ما يهمه، أو هو لعب يشغل عن واجب؛ أي: أفضل من سماع الطبول والمزامير والغناء، التي شغلتهم عن الصلاة إذا شغلتهم عن ذكر الله وعن الصلاة، وأفضل من التّجارة (البيع والشّراء).
﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: والله سبحانه هو الرّزاق الحقيقي وغيره ليسوا رازقين حقيقةً؛ لأنّهم عرضة للموت والأغيار، ولكنّه سبحانه من كرمه وفضله أطلق عليهم هذه الصّفة التي هي صفة حقيقية ثابتة من صفاته.
وإذا نظرنا إلى الآية (١١) نجده في مطلع الآية قدّم التّجارة على اللهو فقال: (وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا لها)؛ لأن التجارة كانت هي السبب الحقيقي للخرج من صلاة الجمعة لنزول الآية وليس اللهو.
стр. 5410
وفي نهاية الآية: (قل ما عند الله خير من اللهو ومن التّجارة) قدّم اللهو على التّجارة، فكيف نفسر ذلك؟ لأن اللهو أعم من التجارة؛ أي قدّم الأعمَّ على الأخصّ؛ لأنّ اللهو أعمُّ من التّجارة بالنّسبة للناس فليس كل إنسان تاجراً، والمهم العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، الإلهاء في ما لا خير فيه مذموم.
стр. 5411
سورة المنافقون [٦٣: ١]
سورة المنافقون
ترتيبها في القرآن (٦٣) ترتيبها في النّزول (١٠٤).
﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾:
﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث.
﴿جَاءَكَ﴾: من المجيء، والمجيء فيه الصعوبة والمشقة؛ لأنهم يأتون بغير رغبة؛ أي: وهم كارهون، أو يخافون أن يظهر نفاقهم أمام الناس بعكس الإتيان فيه معنى السّهولة؛ أي: الحضور بسهولة.
﴿الْمُنَافِقُونَ﴾: جمع منافق، والمنافق هو من يظهر الإسلام والإيمان ويبطن الكفر، فقلبه لا يوافق لسانه، وكلمة منافق مشتقة من نفق اليربوع وهو حيوان يشبه الفأر ويسكن في الصحراء ويحفر لنفسه نفقاً في الأرض له بابان أو أكثر إن ترصّده عند أحدهما يخرج من الثاني، كالمنافق له وجهان.
﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾: قالوا: بألسنتهم فقط وتأبى قلوبهم تصديق ذلك، واللام في كلمة (لرسول الله) تفيد التّوكيد.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾: ولم يقل والله يشهد إنك لرسوله، فما هو الفرق بين يعلم ويشهد؟ الذي يشهد يعلم فهو لا يشهد إذا لم يعلم (فهو حاضر ويعلم ما
стр. 5412
يحدث)، والذي يعلم ليس بالضروري أن يكون شهيداً (حاضراً) فهو يعلم بدون حضور بأن يخبره غيره.
﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾: إنّ للتوكيد، واللام في (لكاذبون) لزيادة التوكيد، وفي هذه الآية تساؤلان:
السؤال الأول: ما غاية إدخال جملة (والله يعلم إنك لرسوله)؟ الجواب: لو حذف هذا الجزء من الآية وقال تعالى: إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون: لكان ظاهر القول أن المنافقين يشهدون إنك لرسول الله، والله سبحانه لا يشهد بذلك، وحاشا لله ذلك.
السؤال الثاني: متى يستعمل كلمة يشهد ومتى يستعمل كلمة يعلم؟ إذا كان الأمر المطروح يعلمه المؤمنون والله يعلمه، عندئذ يستعمل يشهد فالله يشهد على الكلّ، وأما إذا كان الأمر المطروح عملاً قلبيّاً كالنفاق والإسرار عندئذ يعلمه الله وحده فقط ولا يعلمه المؤمنون، فيستعمل يعلم.
مثال: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ سورة التوبة الآية [التوبة: ٤٢] هذا عمل قلبي لا يعلمه إلا الله فقال: يعلم، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ سورة التوبة الآية [التوبة: ١٠٧] هذا الحلف (ليحلفن) حدث أمامهم ويعلمونه والله يعلم ذلك ولذلك استعمل: يشهد.
سورة المنافقون [٦٣: ٢]
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿اتَّخَذُوا﴾: من الاتخاذ وهو التّصيير والجعل، والضمير يعود على المنافقين.
стр. 5413
﴿أَيْمَانَهُمْ﴾ جمع يمين، وهو القسم أو الحلف.
﴿جُنَّةً﴾: سترة ووقاية لهم من القتل والأذى؛ أي: استتروا وراء أيمانهم الكاذبة حتى لا تكشف حقيقتهم فكلما ظهر شيء يوجب معاقبتهم حلفوا الأيمان الكاذبة.
﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: الفاء للتوكيد، صدّوا الناس عن دين الله وعن إطاعة أوامره مثل الخروج في سبيل الله أو الجهاد أو غيرهما.
﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: إنهم: للتوكيد، ساء: من أفعال الذم والقبح؛ أي: بئس، ما: اسم موصول بمعنى الذي أو مصدرية، وما: أوسع شمولاً من الذي؛ كانوا: في الدنيا، يعملون: تشمل الأقوال والأفعال، وتعني: ما كانوا يعملون من النفاق وصد الناس عن سبيل الله واتّخاذ أيمانهم جُنّة وغيرها.
سورة المنافقون [٦٣: ٣]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: ذا: اسم إشارة واللام للبعد ويشير إلى الكذب والنفاق والصدّ عن سبيل الله واتّخاذ أيمانهم جُنّة.
﴿بِأَنَّهُمْ آمَنُوا﴾: الباء للإلصاق باء السببية، آمنوا: في الظّاهر آمنوا بألسنتهم.
﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾: ثم للترتيب الإخباري، كفروا: ولم يصدّقوا بما أنزل الله تعالى.
﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: بسبب ما كانوا يعملون، فلا يدخلها إيمان ولا يخرج منها كفر، والطبع أشد من الختم؛ الختم قد يفكّ، وأما الطبع لا يفكّ أبداً.
﴿فَهُمْ﴾: للتوكيد.
﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾: لا النافية، يفقهون: لا يفهمون أو لا يعرفون معنى الإيمان.
стр. 5414
والفقه لغةً: هو الفهم، واصطلاحاً: هو معرفة الأحكام الشرعية. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٨) لمزيد من البيان.
سورة المنافقون [٦٣: ٤]
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: شرطية تفيد حتمية الحدوث وبكثرة.
﴿رَأَيْتَهُمْ﴾: رؤية بصرية عينية.
﴿تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾: الجسم: يشمل البدن+ الروح+ النفس، ويمتاز بالحياة، وأما الجسد: يشمل البدن+ الروح بدون النفس لضخامتها وهيئتها وحسن صورها.
﴿وَإِنْ يَقُولُوا﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال والنّدرة، يقولوا: يتحدثوا بأمر ما.
﴿تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾: لفصاحتهم وحلاوة كلامهم وتحسب ما يقولوه صدقاً وحقاً لحسن منطقهم.
﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾: شبّه جلوسهم في مجالس رسول الله ﷺ كأنّهم خُشُب مسنّدة إلى الجدار أو الحائط؛ أي: منصوبة مستندة بشكل مائل إلى الحائط، وخُشُب: جمع خشباء، والخشباء هي الّتي فسد جوفها ونخرها السّوس فأصبحت فارغة، خُشُب مسندة لا تتحرك ولا تسمع ولا تعقل، ولا تبصر ولا تحسّ، ولو كانت خشباً مفيدة لاستعملت في السُّقُف والحيطان، أو شبّهوا لضخامة أجسامهم وحسن صورها بالأصنام المنحوتة من الخشب المسندة؛ أي: المعلّقة على الجدران.
﴿يَحْسَبُونَ﴾: من خوفهم ورعبهم يحسبون: من الحسب وهو الاعتقاد أو الظّن الرّاجح.
стр. 5415
﴿كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾: كلّ نازلة، كلّ واقعة أو حديث أو قول يخصّهم أو موجّهاً إليهم؛ وذلك لما في قلوبهم من الخوف والرّعب والذُّعر أن يكشف الله أسرارهم ويبيح دماءهم، صيحة: نكرة، مهما كانت شدتها ونوعها وتشمل كلّ أنواع الصّيحات.
﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾: هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد؛ أي: أعدى الأعداء أو الكاملوا العداوة.
﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، احذرهم: أي لا تأمنهم ولا تطلعهم على أسرارك، واحذرهم أن يتمكّنوا منك، أو احذر مؤامراتهم ولا تغترّ بظاهرهم وأقوالهم.
﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾: دعاء عليهم بالطّرد من رحمة الله، أو عاداهم الله.
﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: أنى للاستفهام الإنكاري وتعني: كيف يصرفون عن الحق ويميلون إلى الكفر والباطل؟ أو: من أين أو بأيّ سبب يصرفون عن الحق؟! للتعجب من جهلهم وضلالهم، والإفك: هو الكذب المتعمد، والصّرف عن الحق وقلب الحقائق.
стр. 5416
سورة المنافقون [٦٣: ٥]
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُّسْتَكْبِرُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾ ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث.
﴿قِيلَ لَهُمْ﴾: مبني للمجهول المهم هنا المقولة أو قيمة القول وليس القائل.
﴿تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾: قيل: نزلت هذه الآية في المنافقين ومنهم عبد الله بن أُبي حين افتضح أمرهم بالنّفاق وقال: ليخرجنّ الأعز منها الأذل، وقال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضُّوا، قيل لهم: اذهبوا إلى رسول الله ﷺ فاسألوه أن يستغفر لكم، فأبوا ذلك. ارجع إلى الآية (٧) من السورة نفسها؛ لمزيد من البيان.
﴿تَعَالَوْا﴾: أي أقبِلوا إلى رسول الله ﷺ ، أقدموا إليه واطلبوا منه أن يستغفر لكم؛ لكي يعفو الله عنكم.
﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾: عطفوها إلى الأعلى؛ بمعنى (لا) كناية عن الإعراض، ولو عطفوها إلى الأسفل أو ناحية الصّدر لكانت تعني (نعم) ولكان أفضل لهم.
﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾: الصّد: الإعراض المصحوب بشيء من الغضب.
﴿وَهُمْ مُّسْتَكْبِرُونَ﴾: هم تفيد التّوكيد، مستكبرون: في أكمل مظاهر الاستكبار، ومستكبرون: جمع مستكبر: وهو الذي لا يملك مقومات التكبر
стр. 5417
أو ليس أهلاً للتكبُّر، مستكبرون: أن يتوبوا إلى الله وينيبوا إليه، ويأتوا إلى رسوله ﷺ ليستغفر لهم.
ومستكبرون: جملة اسمية تدل على أنّ صفة الكبر ثابتة عندهم ولن تتغير، وليست مجرد عرض زائل. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لمزيد من البيان في مستكبرون.
سورة المنافقون [٦٣: ٦]
﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾:
﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾: المساواة: المعادلة، واستوى الشّيئان تساوياً؛ أي: ساوى أحدهما الآخر، وسواء: مأخوذة من التّساوي.
﴿أَسْتَغْفَرْتَ﴾: الهمزة همزة تسوية؛ لكونها واقعة بعد كلمة سواء؛ أي: الأمران متساويان عند الله تعالى سواء أستغفرت أم لم تستغفر لهم النّتيجة واحدة: لن يغفر الله لهم.
والمغفرة: تعني ستر الذّنوب ومحوها، وبالتّالي العفو.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ للتوكيد.
﴿لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: ارجع إلى سورة الصف الآية (٥) للبيان. والبقرة الآية (٢٦) وللربط بين هذه الآية (٦) من سورة المنافقون وهي قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ مع الآية (٨٠) من سورة التوبة وهي قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾.
стр. 5418
قيل: نزلت آية التوبة: قبل نزول آية المنافقون، وعندما نزلت آية سورة التوبة:
﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قال النّبي ﷺ : (لأزيدنَّ على السّبعين) فأنزل الله: بعد ذلك الآية (٦) من سورة المنافقون: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وروي عن ابن عبّاس قال: لما نزلت آية براءة قال النّبي ﷺ : (وأنا أسمع، إنّي قد رخّص لي فيهم، فو الله لأستغفرنّ أكثر من سبعين مرة، لعل الله أن يغفر لهم) فنزلت الآية: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾.
سورة المنافقون [٦٣: ٧]
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾:
أسباب نزول هذه الآية (٧) والآية (٨) كما روى البخاري ومسلم وغيرهما:
في غزوة بني المصطلق ازدحم رجل من المهاجرين مع رجل من الأنصار على ماء المُرَيْسيع وضرب أحدهما الآخر، مما أثار الفتنة بين المهاجرين والأنصار وعلى رأسهم عبد الله بن أُبيّ الّذي قال: أوَقد فعلوها! والله ما مَثَلُنا ومثَلُهم إلا كما قيل: سمِّن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل؛ يعني محمّداً ﷺ ! وقال لقومه الأنصار: كفّوا طعامكم عن محمّد وأصحابه ولا تنفقوا على من عنده؛ حتّى ينفضُّوا ويتركوه، وأنكر عبد الله بن أُبي أنّه قال ذلك، وقيل له: اذهب إلى رسول الله واستغفره، فأبى ولوى رأسه، ونزلت هذه الآيات.
стр. 5419
﴿هُمُ الَّذِينَ﴾: هم: ضمير فصل للتوكيد، تعود على عبد الله بن أُبيّ بن سلول وأصحابه من المنافقين، الّذين: ضمير متصل يفيد الذَّم ويفيد الكثرة.
﴿يَقُولُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ لتدل على التّجدد والتّكرار، وحكاية الحال: يقولون للأنصار.
﴿لَا تُنْفِقُوا﴾: لا النّاهية، تنفقوا: المال وغيره من الطّعام والشّراب؛ حتّى يجوعوا ثمّ ينفضّوا عنه.
﴿عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾: أي على المهاجرين.
﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية.
﴿يَنفَضُّوا﴾: يتفرقوا عن رسول الله ولا يبقوا حوله، من الفضّ: وهو التَّفريق بين الشّيء المُجمع، أو كسر الشيء والتفريق بين أجزائه.
﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الواو للتوكيد، لله: تقديم الجار والمجرور يدل على الحصر؛ أي: لله وحده، خزائن: جمع خزينة، خزائن الأرزاق والمال والخيرات والطعام والشراب، والمعادن والذهب والفضة والحديد وكل ما يتصوره الإنسان ويحتاجه في حياته على الأرض، هذه الخزائن هي النجوم التي لا تحصى ولا تعد ويقدّر عددها بالمليارات، وهي أفران نووية تصنع فيها كل المواد والمعادن والذهب والفضة والحديد وغيرها. ارجع إلى سورة الحجر آية (٢١) وسورة الأنعام آية (٥٠) لمزيد من البيان.
﴿وَلَكِنَّ﴾: لكن حرف استدراك وتوكيد.
﴿الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾: الفقه: وهو الفهم للحقائق أن الله سبحانه وحده
стр. 5420
هو الرّزاق، ومنعهم الإنفاق على رسول الله، أو صحابته لا يضر، وذلك لجهلهم بعظمته وقدرته، وإن الله قادر على أن يرزق من يشاء بغير حساب.
والفقه اصطلاحاً: معرفة الأحكام الشرعية. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٨) لمزيد من البيان.
سورة المنافقون [٦٣: ٨]
﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
﴿يَقُولُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ لتدل على حكاية الحال والتجدد والتّكرار؛ أي: عبد الله بن أُبيّ والمنافقون يقولون.
﴿لَئِنْ رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾: من غزوة بني المصطلق، لئن: اللام لام التّوكيد، إن شرطية تفيد الاحتمال والشّك.
﴿لَيُخْرِجَنَّ﴾: اللام لام التّوكيد، وكذلك النّون في (يخرجن) لزيادة التّوكيد على أنّهم سيُخرِجون المهاجرين ومحمّداً ﷺ من المدينة.
﴿الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾: الأعز حسب زعمهم: هو أمثال عبد الله بن أُبيّ بن سلول، والأذل: يعني رسول الله ﷺ وأصحابه المهاجرين.
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾: الواو عاطفة تفيد التّوكيد، لله: جار ومجرور والتّقديم يفيد الحصر؛ أي: لله وحده العزة فهو مالك العزة وصاحبها.
﴿وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾: والعزة هي عزة الغلبة والقهر والقوة والامتناع، وعزة الرّسول والمؤمنين نابعة من عزة الله تعالى وفضله وإحسانه على رسوله وعلى المؤمنين.
стр. 5421
﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد.
﴿الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لا يعلمون أن العزة لله وحده، وهو معز لرسوله ولأوليائه، وانتبه إلى التّدرّج كيف يكون: أوّلاً التّفكر (بالعقل بالمعطيات) ثم التدبّر (النظر في عواقب الأمور، والتّدبر يكون بالعقل والقلب) ثم الفقه ثالثاً، ورابعاً يكون العلم، فالّذي قال: ليخرجنّ الأعز منها الأذل هو عبد الله بن أُبيّ بن سلول جاهل لا يعلم حقائق الأمور أنّ العزة لله جميعاً.
وهناك تفسير ثان لنهاية هذه الآية (٨) وهي قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مع نهاية الآية (٧) وهي قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾: فقوله تعالى: لا يعلمون (أن العزة لله جميعاً، والعزة أمر معنوي)، ولا تنفقوا: الإنفاق أمر ظاهر حسي، فقال: لا يفقهون.
أنّ العزة لله جميعاً: وهذا أمر يجهله الكثير ويجهله المنافقون ولا يعلمونه فقال: لا يعلمون. وبما أنّ الكثير يعلمون أنّ الرزق من عند الله تعالى فلا يحتاج هذا الأمر إلا القليل من الفهم والفقه، ولذلك قال: لا يفقهون، ووصفهم بأنهم (لا يفقهون) أسوأ وأقبح من وصفهم (لا يعلمون).
سورة المنافقون [٦٣: ٩]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد بتكليف جديد أو موعظة أو بيان، والهاء للتنبيه.
﴿لَا﴾: النّاهية.
стр. 5422
﴿تُلْهِكُمْ﴾: من اللهو، وتعريف اللهو: هو شغل يُلهي عن واجب أو العبث بشيء بقصد تضييع الوقت أو بشيء لا جدوى منه ولا فائدة، واللعب إذا شغل الإنسان عن واجب أو فريضة يعتبر لهواً، والإلهاء: يكون عادة في ما لا خير فيه، وهو مذموم.
﴿أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾: تكرار (لا) النّاهية يفيد التّوكيد؛ لأن كلاً من الأموال والأولاد سبب من أسباب اللهو؛ أي: تلهكم أموالكم بمفردها، ولا تلهكم أولادكم بمفردها، أو لا تلهكم أموالكم وأولادكم معاً، وقدّم الأموال على الأولاد؛ لأنَّ الأموال هي الأعم فالكلّ يملك المال وليس الكلّ عندهم أولاد، وكأن الخطاب في هذه الآية للأموال، وخاطبها كأنها تعقل؛ أي: لها عقل، ونهاها، ونهى الأولاد عن إلهاء المؤمن، ووجه الخطاب للأموال والأولاد للمبالغة، والأصل لا تلتهوا بأموالكم وأولادكم.
﴿عَنْ﴾: تفيد المجاوزة والمباعدة.
﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾: أي الصّلاة وكل أنواع الذّكر مثل: التّسبيح والتّكبير والتّهليل، وتلاوة القرآن وحضور مجالس العلم والدّين، وأداء العبادات والفرائض في المساجد.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: ومن: شرطية، يفعل: بصيغة المضارع؛ للدلالة على الاستمرار والتجدد في النّهي عن اللهو بالأموال والأولاد.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء للتوكيد، أولئك: اسم إشارة للتصغير والتّحقير.
﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: هم للتوكيد، الخاسرون؛ أي: إذا كان هناك خاسرون
стр. 5423
فهم في مقدمة هؤلاء؛ أي: هم الخاسرون حقاً لأنفسهم ولأهليهم. ارجع إلى سورة النساء آية (١١٩) لمزيد من البيان.
سورة المنافقون [٦٣: ١٠]
﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِى إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾:
﴿وَأَنْفِقُوا﴾: الإنفاق: هو إخراج المال من الملك فلا يعد ملكه.
﴿مِنْ مَا رَزَقْنَاكُم﴾: من ابتدائية تدل على التّبعيض؛ أي: من بعض (ما) بمعنى: الّذي رزقناكم؛ أي: المال وغيره، و (ما) أوسع شمولاً من (الذي) ولو قال تعالى أنفقوا ما رزقناكم، لكان يعني: كلّ ما رزقناكم، وهذا مستحيل ولن تقدروا عليه، أنفقوا من ما رزقناكم؛ أي: من مال الله الذي رزقكم وفي هذا حثٌّ على الإنفاق والصّدقة.
﴿مِنْ قَبْلِ﴾: ولم يقل من قبلُ: من قبل بكسر اللام: الزّمن غير محدد قد يطول أو يقصر؛ أي: في أيّ زمن. ولو قال من قبلُ: تدل على تعيين زمن محدد، ومن قبل تشير أيضاً إلى قرب الموت من أحدكُم؛ أي: لا فاصل زمني بين الإنسان وأجله، كأنّ الموت ملتصق به.
﴿أَنْ يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾: أنّ حرف مصدري للتعليل والتّوكيد.
يأتي أحدكم الموت: ولم يقل من قبل أن يأتي الموت أحدكم، تقديم المفعول به (أحدكم) على الفاعل وهو الموت؛ للمبالغة والاهتمام بالنفس (أحدكُم) للاستعداد والتّحضير للموت، أو أخّر ذكر الموت؛ لأنّ الموت شيء مكروه للنفوس ولا تحب سماعه.
стр. 5424
وفائدة أخرى في التّأخير: لتجنّب المفاجأة؛ أي: مجيء الموت؛ لأنّ الإنسان يخاف من الموت ولذلك أخّره وحتّى لا يفاجأ به، واختار كلمة (يأتي) ولم يقل من قبل أن يجيء أحدكم الموت؛ لأنّ المجيء فيه صعوبة ومشقة على النّفس، والموت لم تبدأ سكراته بعد فلو بدأت سكراته لاستعمل جاء، وبما أنّه سيحدث في المستقبل ولم يجيء بعد اختار (يأتي).
﴿فَيَقُولَ﴾: الفاء تدل على التّرتيب والتّعقيب، والنّصب لكلمة (يقول) ليدل على أنَّ القول سيكون في المستقبل أو الحال، ولو حدث في الماضي لاستعمل: فيقولُ.
﴿رَبِّ﴾: ولم يقل يا رب. رب؛ لأنّ الرّب قريب من العبد فلا يحتاج إلى ياء النّداء التي تدل على البعد، أو لأنّ الوقت قصير وليس هناك متسع في الزّمن حين يحضر الموت، لذلك حذف الياء.
﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِى﴾: أخرتني: أشد في الطّلب والحث من لو أخرتني وجواب الطّلب: (فأصَّدّق).
﴿أَخَّرْتَنِى﴾: استعمل ياء المتكلم ولم يقل لولا أخرتن بدون ياء؛ لأنّه طلب لمصلحة العبد وهو طلب تام وصريح ليس فيه شك مقارنة بقول إبليس في سورة الإسراء آية (٦٢): ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فطلب إبليس التأخير ليس فيه النفع لنفسه، وإنما ليضل ذرية آدم. ارجع إلى سورة الإسراء آية (٦٢) لمزيد من البيان.
﴿إِلَى﴾: حرف يمكن استعماله لكلّ الغايات.
стр. 5425
﴿أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾: طلب تأخير الموت فقط إلى أجل قريب، أيّ زمن أو وقت قريب قصير.
﴿فَأَصَّدَّقَ﴾: الفاء فاء السّببية، وهي جواب الطّلب (أصَّدّق) ولم يقل أتصدق، (أصَّدّق) أقلّ حروفاً من أتصدق، اختار الكلمة المناسبة لقصر الوقت الذي يرجوه طمعاً في تأخير الموت عنه.
وكلمة فأصَّدّق: فيها تضعيفان: الأول في الصّاد والآخر في الدّال؛ للمبالغة والتّكثير في الصّدقة؛ أي: ينوي أن يكثر من الصّدقة، أي الإنفاق؛ لأنّ الأجل قريب وليس هناك زمن طويل وحتّى يكون من الصّالحين.
ونصب (أصَّدّقَ) بأنّ المضمرة؛ أي: أن أصَّدّقَ.
﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: الواو هنا واو المعية؛ أي: أقوم بكلا الفعلين أصَّدّق وأكن من الصّالحين معاً، وأكن: أصلها: وأكون من الصّالحين حذف الواو؛ ليناسب عدم وجود متسع من الزّمن، وقدّم الصّدقة على الصّلاح: مع أنّ الصّلاح أهم من الصّدقة؛ لأنّ التّقديم هنا والتّأخير ليس مبنياً على الأفضل وإنما التّقديم والتّأخير مبني على السّياق، والسّياق في الآيات على الإنفاق والأموال فقدّم الصّدقة.
سورة المنافقون [٦٣: ١١]
﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَلَنْ﴾: الواو استئنافية، لن حرف نفي ينفي المستقبل القريب والبعيد، وهي أقوى حروف النّفي.
стр. 5426
﴿يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾: نفساً: نكرة تعني: أيَّ نفس مهما كانت زكية أو مسيئة.
﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية بمعنى: حين يجيء أجلها، وشرطية، وإذا تدل على حتمية الحدوث.
﴿جَاءَ﴾: المجيء فيه معنى المشقة والصّعوبة.
﴿أَجَلُهَا﴾: الأجل: الوقت المضروب لانقضاء أو انتهاء الشّيء، وأجل الإنسان: هو الوقت لانقضاء عمره.
﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: الله خبير؛ أي: عليم ببواطن الأمور، بما: الباء للإلصاق، (ما) بمعنى الّذي أو مصدرية، ما أوسع شمولاً من الذي، تشمل كل شيء: ما عملتم.
تعملون: العمل يضم القول والفعل، عليم بما تقولون وتفعلون في الدّنيا، وقدّم كلمة (خبير) على (تعملون)؛ لأنّ سياق الآيات في الموت والغيب وهذا من اختصاص وصفات الله ، فلذلك قدّم (خبير).
стр. 5427
سورة التغابن [٦٤: ١]
سورة التغابن
ترتيبها في القرآن (٦٤) ترتيبها في النزول (١٠٨).
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ ارجع إلى سورة الحديد آية (١)، والحشر آية (١)، والصف آية (١) لبيان معنى سبح، وارجع إلى سورة الجمعة (١) لبيان معنى يسبح، وبدأت سورة التغابن آية (١) كذلك بقوله تعالى: (يسبح)، وبدأت سورة الإسراء آية (١) بقوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده)، وبدأت سورة الأعلى آية (١) بقوله تعالى: (سبح أسم ربك الأعلى).
﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾: له: اللام لام الاختصاص والملكية، له وحده سبحانه الملك، وتقديم (له) للدلالة على الحصر.
﴿الْمُلْكُ﴾: الحكم المطلق على ما في السموات وما في الأرض.
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾: له: يفيد الاختصاص والحصر؛ أي: له وحده الحمد المطلق حصراً.
له الحمد: على الخلق والتدبير والتّصريف. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (١) لمزيد من البيان.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: وهو: الواو عطف، هو: ضمير فصل يفيد التوكيد ويعود على واجب الوجود: وهو الله، على كل شيء قدير: قدير صيغة مبالغة
стр. 5428
لقادر، قادر إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، قدير تعني كذلك: القوي العظيم الشّأن القادر على خلق كل شيء وتصويره وإبداعه وذرئه ونشره وملكه، والعلم به والقدرة عليه، لا يعجزه شيء في سماواته وأرضه، وإذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون.
فكونه جمع الملك والقدرة على كل شيء، فهذا يدل على كماله وعظمته.
سورة التغابن [٦٤: ٢]
﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾:
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر ويعود على واجب الوجود الّذي له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وهو الخالق أيضاً، فهذه من كمال صفات الألوهية والربوبية.
﴿خَلَقَكُمْ﴾: الخلق هو التّقدير والإيجاد، والخلق من العدم خلقكم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلّقة وغير مخلّقة.
﴿فَمِنكُمْ﴾: الفاء: للتفصيل أو التفريغ منكم: خاصة من جنسكم (من الإنس).
﴿كَافِرٌ﴾: من اختار لنفسه طريق الكفر، فالكفر من فعل الإنسان وكسبه.
﴿وَمِنْكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾: وتكرار منكم يفيد التّوكيد، ومن جنسكم الإنس من هو مؤمن؛ أي: اختار لنفسه طريق الإيمان، فالإيمان من فعله وكسبه، وقدّم (كافر) على (مؤمن)؛ لأن الكفر هو الأعم والأكثر.
كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: والله بما تعملون من الكفر أو الإيمان بصير؛ أي:
стр. 5429
يرى أعمالكم، والعالم بها والمدرك والمحيط بكل ما يُبصر، وقدم تعملون على بصير؛ لأن سياق الآيات في عمل الإنسان.
سورة التغابن [٦٤: ٣]
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾:
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: ارجع إلى سورة فصلت آيات (٩ - ١٢) للبيان وسورة الأنبياء آية (٣٠).
﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق وتعني: بالشّيء الثابت الّذي لا يتغير، فالسماوات والأرض وما فيها من كواكب وأقمار وشموس وأفلاك ومجرّات تسير على نظام ثابت وقوانين ثابتة، وأبعاد وأحجام وقوى جاذبة وكهرومغناطيسية لا تتبدّل، و (بالحق) تعني: لم يخلقها عبثاً بغير حكمة وفائدة.
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾: صوّركم: صوّر كل إنسان بصورته وهيئته بحسب الشفرة الوراثية، وميّز كلاً عن الآخر فلا يشبه إنسان إنساناً آخر. ارجع إلى سورة آل عمران آية (٦) والأعراف آية (١١) للبيان المفصّل.
﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾: إليه المنتهى؛ أي: الوقوف بين يديه للمحاسبة والجزاء. وتقديم (إليه) يفيد الحصر؛ أي: إليه وحده المصير.
سورة التغابن [٦٤: ٤]
﴿يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾:
﴿يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: (ما) تشمل العاقل وغير العاقل، ما في السموات والأرض من خلق أو مخلوقات وأشياء، وأحياء وأموات ومن نبات وحيوان وجماد، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس، ولا تخفى عليه خافية أو غائبة أو حركة.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾: ما: أوسع شمولاً من الذي؛ تسرون: السر هو ما يخفي الإنسان في نفسه ولا يطلعه على أحد، وما تعلنون من الأقوال والأفعال
стр. 5430
وما تسرّون من دعاء ونداء ونجوى وشكوى، والنّوايا والأفكار والخير والشر، وتكرار (ما) للتوكيد، وفصل ما تسرون عن ما تعلنون أو كلاهما معاً.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: عليم صفة مبالغة من: عالم، الصّدور؛ أي: القلوب، عليم بكل المعتقدات والخواطر والنّوايا الّتي تعيش في قلب الإنسان وتصاحبه ولا تفارقه، وتجول وتعيش فيه ولم تخرج إلى النّاس. ارجع إلى سورة الحج آية (٤٦) لمزيد من البيان.
سورة التغابن [٦٤: ٥]
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾: الهمزة استفهام تقريري.
﴿نَبَأُ﴾: الخبر العظيم.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾: مثل قوم نوح وعاد وثمود وفرعون وقوم لوط وأصحاب الأيكة وغيرهم.
﴿فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾: ذاقوا عاقبة كفرهم في الدّنيا بالقتل والتّدمير، وبال: تعني الشّدة في الوخامة في سوء العاقبة. ارجع إلى سورة الحشر آية (١٥) لمزيد من البيان.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: اللام للاختصاص والملكية، عذاب أليم في الدنيا أو الآخرة، أو في الدنيا والآخرة معاً.
سورة التغابن [٦٤: ٦]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد، ويشير إلى العذاب (ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم).
следующие страницы →