Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.
стр. 5426
﴿يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾: نفساً: نكرة تعني: أيَّ نفس مهما كانت زكية أو مسيئة.
﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية بمعنى: حين يجيء أجلها، وشرطية، وإذا تدل على حتمية الحدوث.
﴿جَاءَ﴾: المجيء فيه معنى المشقة والصّعوبة.
﴿أَجَلُهَا﴾: الأجل: الوقت المضروب لانقضاء أو انتهاء الشّيء، وأجل الإنسان: هو الوقت لانقضاء عمره.
﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: الله خبير؛ أي: عليم ببواطن الأمور، بما: الباء للإلصاق، (ما) بمعنى الّذي أو مصدرية، ما أوسع شمولاً من الذي، تشمل كل شيء: ما عملتم.
تعملون: العمل يضم القول والفعل، عليم بما تقولون وتفعلون في الدّنيا، وقدّم كلمة (خبير) على (تعملون)؛ لأنّ سياق الآيات في الموت والغيب وهذا من اختصاص وصفات الله ، فلذلك قدّم (خبير).
стр. 5427
سورة التغابن [٦٤: ١]
سورة التغابن
ترتيبها في القرآن (٦٤) ترتيبها في النزول (١٠٨).
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ ارجع إلى سورة الحديد آية (١)، والحشر آية (١)، والصف آية (١) لبيان معنى سبح، وارجع إلى سورة الجمعة (١) لبيان معنى يسبح، وبدأت سورة التغابن آية (١) كذلك بقوله تعالى: (يسبح)، وبدأت سورة الإسراء آية (١) بقوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده)، وبدأت سورة الأعلى آية (١) بقوله تعالى: (سبح أسم ربك الأعلى).
﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾: له: اللام لام الاختصاص والملكية، له وحده سبحانه الملك، وتقديم (له) للدلالة على الحصر.
﴿الْمُلْكُ﴾: الحكم المطلق على ما في السموات وما في الأرض.
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾: له: يفيد الاختصاص والحصر؛ أي: له وحده الحمد المطلق حصراً.
له الحمد: على الخلق والتدبير والتّصريف. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (١) لمزيد من البيان.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: وهو: الواو عطف، هو: ضمير فصل يفيد التوكيد ويعود على واجب الوجود: وهو الله، على كل شيء قدير: قدير صيغة مبالغة
стр. 5428
لقادر، قادر إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، قدير تعني كذلك: القوي العظيم الشّأن القادر على خلق كل شيء وتصويره وإبداعه وذرئه ونشره وملكه، والعلم به والقدرة عليه، لا يعجزه شيء في سماواته وأرضه، وإذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون.
فكونه جمع الملك والقدرة على كل شيء، فهذا يدل على كماله وعظمته.
سورة التغابن [٦٤: ٢]
﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾:
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر ويعود على واجب الوجود الّذي له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وهو الخالق أيضاً، فهذه من كمال صفات الألوهية والربوبية.
﴿خَلَقَكُمْ﴾: الخلق هو التّقدير والإيجاد، والخلق من العدم خلقكم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلّقة وغير مخلّقة.
﴿فَمِنكُمْ﴾: الفاء: للتفصيل أو التفريغ منكم: خاصة من جنسكم (من الإنس).
﴿كَافِرٌ﴾: من اختار لنفسه طريق الكفر، فالكفر من فعل الإنسان وكسبه.
﴿وَمِنْكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾: وتكرار منكم يفيد التّوكيد، ومن جنسكم الإنس من هو مؤمن؛ أي: اختار لنفسه طريق الإيمان، فالإيمان من فعله وكسبه، وقدّم (كافر) على (مؤمن)؛ لأن الكفر هو الأعم والأكثر.
كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: والله بما تعملون من الكفر أو الإيمان بصير؛ أي:
стр. 5429
يرى أعمالكم، والعالم بها والمدرك والمحيط بكل ما يُبصر، وقدم تعملون على بصير؛ لأن سياق الآيات في عمل الإنسان.
سورة التغابن [٦٤: ٣]
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾:
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: ارجع إلى سورة فصلت آيات (٩ - ١٢) للبيان وسورة الأنبياء آية (٣٠).
﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق وتعني: بالشّيء الثابت الّذي لا يتغير، فالسماوات والأرض وما فيها من كواكب وأقمار وشموس وأفلاك ومجرّات تسير على نظام ثابت وقوانين ثابتة، وأبعاد وأحجام وقوى جاذبة وكهرومغناطيسية لا تتبدّل، و (بالحق) تعني: لم يخلقها عبثاً بغير حكمة وفائدة.
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾: صوّركم: صوّر كل إنسان بصورته وهيئته بحسب الشفرة الوراثية، وميّز كلاً عن الآخر فلا يشبه إنسان إنساناً آخر. ارجع إلى سورة آل عمران آية (٦) والأعراف آية (١١) للبيان المفصّل.
﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾: إليه المنتهى؛ أي: الوقوف بين يديه للمحاسبة والجزاء. وتقديم (إليه) يفيد الحصر؛ أي: إليه وحده المصير.
سورة التغابن [٦٤: ٤]
﴿يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾:
﴿يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: (ما) تشمل العاقل وغير العاقل، ما في السموات والأرض من خلق أو مخلوقات وأشياء، وأحياء وأموات ومن نبات وحيوان وجماد، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس، ولا تخفى عليه خافية أو غائبة أو حركة.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾: ما: أوسع شمولاً من الذي؛ تسرون: السر هو ما يخفي الإنسان في نفسه ولا يطلعه على أحد، وما تعلنون من الأقوال والأفعال
стр. 5430
وما تسرّون من دعاء ونداء ونجوى وشكوى، والنّوايا والأفكار والخير والشر، وتكرار (ما) للتوكيد، وفصل ما تسرون عن ما تعلنون أو كلاهما معاً.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: عليم صفة مبالغة من: عالم، الصّدور؛ أي: القلوب، عليم بكل المعتقدات والخواطر والنّوايا الّتي تعيش في قلب الإنسان وتصاحبه ولا تفارقه، وتجول وتعيش فيه ولم تخرج إلى النّاس. ارجع إلى سورة الحج آية (٤٦) لمزيد من البيان.
سورة التغابن [٦٤: ٥]
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾: الهمزة استفهام تقريري.
﴿نَبَأُ﴾: الخبر العظيم.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾: مثل قوم نوح وعاد وثمود وفرعون وقوم لوط وأصحاب الأيكة وغيرهم.
﴿فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾: ذاقوا عاقبة كفرهم في الدّنيا بالقتل والتّدمير، وبال: تعني الشّدة في الوخامة في سوء العاقبة. ارجع إلى سورة الحشر آية (١٥) لمزيد من البيان.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: اللام للاختصاص والملكية، عذاب أليم في الدنيا أو الآخرة، أو في الدنيا والآخرة معاً.
سورة التغابن [٦٤: ٦]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد، ويشير إلى العذاب (ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم).
стр. 5431
﴿بِأَنَّهُ كَانَتْ تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بأنَّه: الباء باء السببية؛ أي: ذلك العذاب الأليم سببه: بأنّه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات (بالحجج والبراهين والمعجزات والآيات) الدالة على وجوب الإيمان وتوحيد الله، ولم يقل بأنهم؛ كما في الآية (٢٢) في سورة غافر وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ بأنه: تفيد تعظيم الأمر: وهو الكفر والشمول سواء صدر منهم أو من غيرهم. ولو قال بأنهم، لكان خاصاً بهم؛ أي: (أنه) تعني العموم، (أنهم) تفيد الخصوص.
﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾: أبشرٌ: الهمزة همزة استفهام إنكاري وتعجب (أبشر يهدوننا): أنكروا أن يكون الرسل بشراً.
﴿فَكَفَرُوا﴾: الفاء للترتيب والتعقيب بالرّسل، لم يصدّقوا رسلهم وأنكروا عليهم رسائلهم.
﴿وَتَوَلَّوْا﴾: ابتعدوا عن الرّسل وأعرضوا عن الإيمان والتدبّر في البينات.
﴿وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾: عنهم وعن إيمانهم وطاعتهم، ولم يجبرهم على الإيمان قسراً، بل أهلكهم وقطع دابرهم.
﴿وَاللَّهُ غَنِىٌّ﴾: غني عن عباده وغني عن عبادتهم وعمَّا في السموات وما في الأرض، ومن غناه يرزق من يشاء بغير حساب، وغني يرزق المطيع والعاصي والبارَّ والفاجر.
﴿حَمِيدٌ﴾: محمود في الأرض والسّماء بما أنعم على خلقه، حميد لنعمه وفضله وإحسانه وكرمه، حمداً دائماً لا ينقطع؛ وهو الحميد منذ الأزل له الحمد على ذاته وأفعاله وتدبيره ورحمته، ارجع إلى سورة الحديد آية (٢٤) للبيان.
стр. 5432
سورة التغابن [٦٤: ٧]
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾:
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الزّعم هو القول غير المستند إلى دليل أو ادعاء العلم، وأكثر ما يستعمل في الباطل؛ أي: ادّعى الّذين كفروا باطلاً بدون دليل أو علم، أو قد يطلق على الظن والكذب، والزعم في القرآن كلّه فيه ذمٌّ.
﴿أَنْ لَنْ﴾: أن: للتوكيد، لن: لنفي المستقبل القريب والبعيد؛ أي: لن يبعثوا قريباً أو بعد زمن بعيد من قبورهم.
﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّى﴾: قل: لهم يا رسول الله ﷺ : بلى وربي. الواو واو القسم.
﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾: اللام لام التّوكيد، تبعثن: والنّون لزيادة التّوكيد؛ أي: لتخرجن من قبوركم أحياء للحساب والجزاء.
﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾: ثم للترتيب العددي أو الإخباري، لتنبئنّ: اللام لام التّوكيد والنّون لزيادة التّوكيد.
﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق، ما بمعنى: الّذي عملتم في الحياة الدّنيا، وعملتم: تشمل الأقوال والأفعال.
﴿وَذَلِكَ﴾: اسم إشارة يشير إلى البعث.
﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: سهل، ولنعلم: ليس عند الله ما هو يسير وما هو صعب، وإنما ذكر ذلك لتقريب المعنى إلى أذهان السّامعين.
وهذه الآية هي ثالث آية أمر الله سبحانه رسول الله ﷺ أن يقسم بالله ربه .
أما الآيتان الأخريان: فهما في سورة يونس آية (٥٣) وهي قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبِّى إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
стр. 5433
وفي سورة سبأ آية (٣): ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾.
وإذا نظرنا إلى هذه الآيات الثّلاث نجد: أنّ آية التّغابن جاءت في سياق البعث، وآية يونس جاءت في سياق عذاب الآخرة، وآية سبأ جاءت في سياق السّاعة.
سورة التغابن [٦٤: ٨]
﴿فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِى أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾:
﴿فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: الفاء للتوكيد، آمنوا بالله ورسوله: صدّقوا بعظمته وقدرته ووحدانيته، وبنبوة رسوله محمد ﷺ إيمان عقيدة وإخلاص.
﴿وَالنُّورِ الَّذِى أَنزَلْنَا﴾: أي القرآن الكريم، أنزلنا: دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، أنزلناه على عبدنا محمّد ﷺ ، و (أنزلنا) للتعظيم، وشبّه القرآن بالنّور الّذي يحتاجه النّاس في الدنيا؛ ليخرجهم من الظّلمات والشّبهات إلى النّور كما يحتاجون النّور الحسي في ظلمات الليل.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: خبير ببواطن الأمور، خبير بما تعملون؛ أي: بأقوالكم وأفعالكم وإيمانكم وما تُكنُّ صدوركم.
وقدّم (بما تعملون) على (خبير) ولم يقل خبير بما تعملون؛ لأن سياق الآيات في الأعمال.
سورة التغابن [٦٤: ٩]
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾:
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾: أي اذكروا يوم يجمعكم: يوم القيامة والبعث والحشر والجمع.
стр. 5434
﴿لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾: اللام لام التّوقيت، يوم الجمع: اسم من أسماء يوم القيامة، يجمع الله فيه الأولين والآخرين في أرض المحشر، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣].
﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد.
﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾: اسم آخر من أسماء يوم القيامة، سمي يوم التّغابن: والتّغابن في الأصل مأخوذ من: الغبن وهو فوت الحظ أو أخذ الشّيء من صاحبه بأقل من قيمته، أو يبيع البائع بأقل من القيمة، أو يشتري المشتري بأكثر من الثّمن؛ أي: هو ضرر يلحق الفرد لخداع في عقد البيع والشراء. وفي هذه الآية يعني هو الّيوم الذي يظهر فيه غبن الكافر (بعدم الإيمان) وغبن المؤمن (بتقصيره في العمل الصالح والإحسان). وسمي كذلك؛ لأن أهل الجنة يغبنون أهل النار؛ لأن أهل الجنة يأخذون مقاعدهم في الجنة ويرثون مقاعد الكفار في الجنة.
﴿وَمَنْ﴾: شرطية.
﴿يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾: الإيمان هو الاعتقاد الجازم بأنّ الله واجب الوجود، وأنّه رب كل شيء وخالقه ومليكه، وأنّه الإله الحق الذي يستحق العبودية والمنزَّه عن كل نقص وتوحيده.
﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾: والتّكفير يعني: يسترها عليه في الدّنيا ولا يعاقبه عليها في الآخرة. والسّيئات قيل: صغائر الذّنوب.
﴿وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: تنبع من تحتها الأنهار.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: الخلود استمرار البقاء إلى ما لا نهاية، يبدأ من وقت دخولهم الجنة.
стр. 5435
ولم يقل يدخله بلفظ المفرد وإنما قال: (خالدين فيها) بلفظ الجمع؛ لأن في الصحبة استئناساً بعكس الوحدة.
﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: ذلك اسم إشارة يشير إلى تكفير السّيئات ودخول الجنات والخلود الأبدي، هو الفوز العظيم الّذي لا يعلوه فوزٌ، ولمقارنة هذه الآية مع الآية (١١) في سورة الطلاق وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾؛ ارجع إلى سورة الطلاق للبيان، ومعرفة الاختلاف بين الآيتين. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٣) لبيان معنى الفوز وأنواعه أو درجاته.
стр. 5436
سورة التغابن [٦٤: ١٠]
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: يبدأ خلودهم في النار من وقت دخولهم إياها ويستمر إلى ما لا نهاية، ولم يقل أبداً؛ لأن كلمة أصحاب تدل على أنهم ملازمون لها أبداً لا تفارقهم ولا يفارقونها. ارجع إلى الآية (٣٩) من سورة البقرة؛ للبيان المفصل.
﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: بئس من أفعال الذّم والتّقبيح، المصير: المنتهى والمآل.
سورة التغابن [٦٤: ١١]
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾:
هذه الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ والآية (٢٢) من سورة الحديد: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَّبْرَأَهَا﴾، والآية (٣٠) من سورة الشورى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، أو: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [القصص: ٤٧].
هذه الآيات تشير إلى أن كل مصيبة مكتوبة في كتاب (اللوح المحفوظ) وتحدث بما كسبت أيديكم ولا تحدث إلا بإذن الله؛ أي: بعلمه وتقديره، وهذه
стр. 5437
المصائب تصيب الأرض أو تصيب الأنفس مما تسمى الكوارث الطبيعية أو الأوبئة والأمراض وقلة الغذاء والحروب والويلات.
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾: ما النّافية، أصاب: حدث ووقع، من: استغراقية تستغرق كل ما يصيب الإنسان من خير أو شر، في النّفس أو الولد أو المال أو الأهل، أو الكون أو البيت أو المركب (السيارة والطائرة أو الفلك).
﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: إلا أداة حصر، بإذن الله: بإرادته ومشيئته وبعلمه وتقديره، وكلمة بإذن الله: تأتي في القرآن في سياق الأعمال التي لا دخل لنا فيها؛ أي هي بتدبير من الله تعالى مقارنة بقوله تعالى إلا ما شاء الله التي تأتي في سياق الأعمال التي لنا دخل فيها، أو نقوم بها بأنفسنا.
﴿وَمَنْ يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾: من: شرطية، يؤمن بالله: ارجع إلى الآية (٩) من السورة نفسها، يؤمن بالله ويصبر عند المصيبة ولا يجزع أو لا يسخط، ويرضى بقضاء الله وقدره.
﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: يطمئن قلبه ويثبّته؛ ليزداد صبراً ويعلم أنّ هذا ابتلاء من الله تعالى، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: بأحوال العبد وما يصيبه من ألم وحزن ومرض وحمى وهمّ وغمّ، وما يقع في كونه من عواصف ودمار وتخريب وكوارث جوية أو بيئية، فلا تخفى عليه خافية.
وإذا قارنّا الآية (١١) من هذه السورة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
стр. 5438
مع الآية (٢٢) من سورة الحديد: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى أَنفُسِكُمْ﴾ نرى: أنه فصل، وبيّن في آية الحديد أين تقع المصيبة، وفي آية التغابن أجمل.
سورة التغابن [٦٤: ١٢]
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾: فيما أمركم ونهاكم عنه، أو ما شرع لكم فيما أجمل من الأحكام.
﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: الطاعة: هي الانقياد لمطلوب الشارع (وهو الله سبحانه) بما أمر به واجباً ومستحباً فيما أمركم ونهاكم عنه وما فصّل لكم من الأحكام والشرائع. ارجع إلى سورة آل عمران آية (٣٢) لمزيد من البيان، وسورة النساء آية (٥٩)، ومعرفة الفرق بين أطيعوا الله ورسوله، وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول.
﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: الفاء للتوكيد، إن شرطية تفيد الاحتمال أو الشك أو النّدرة، توليتم: التولي: هو أشد من الإعراض؛ ابتعدتم؛ أي: أعرضتم ورفضتم طاعة الله وطاعة رسوله، فإنما بغيكم وإثمكم على أنفسكم.
﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء جواب الشّرط، إنما: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
﴿عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: إنما مهمة رسولنا فقط التّبليغ وإيصال الرّسالة إليكم، وقوله تعالى رسولنا بدلاً على الرسول: فيه تشريف وتعظيم لرسول الله ﷺ ، والمبين تعني: أن تصل إلى كل فرد، تصل كاملة بدون نقصان وواضحة لا تحتاج إلى دليل أو بينة.
стр. 5439
لنقارن بين هذه الآية (١٢) من سورة التغابن وهي قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، مع الآية (٩٢) من سورة المائدة وهي قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
ففي آية المائدة زاد كلمتين (واحذروا) (فاعلموا)؛ لأنّ آية المائدة مسبوقة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ فناسب ذلك ذكر التحذير والعلم، بينما آية التّغابن لم يسبقها نهي عن محرمات (كما في المائدة).
سورة التغابن [٦٤: ١٣]
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾:
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: الله: هو الاسم الأعظم الّذي تفرد به الحق سبحانه واختصَّه لنفسه الدّال على واجب الوجود، وقدّمه على سائر الأسماء، وهو الاسم الجامع لكل صفات الكمال الإلهية، فهو المعبود ولا معبود إلا هو.
﴿لَا إِلَهَ﴾: لا النّافية للجنس، إله: معبود في الوجود إلا هو.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
لا إله إلا هو: تفيد النّفي وتفيد الإثبات، فقوله: (لا إله) تفيد النّفي.
(إلا هو): تفيد الإثبات أو تؤكد النّفي. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥٥) للبيان.
стр. 5440
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: (وعلى الله) تقديم الجار والمجرور يدل على الحصر؛ أي: حصر التّوكل على الله وحده لا غيره.
فليتوكل: الفاء للتوكيد، يتوكل: التّوكل هو الاعتماد على الله تعالى في تدبير الأمور الدّينية والدّنيوية، وهو عمل قلبي، ويعني: تفويض الأمر لصاحب الأمر وهو الله تعالى، والاستعانة به للقيام وإتمام أيّ عمل بعد تقديم الأسباب كافة؛ لأنّ قدرة العبد محدودة لا تكفي مهما كانت وتحتاج إلى الاستعانة بقدرة العليم القدير، ومن يعلم الغيب. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٩) لمزيد من البيان.
سورة التغابن [٦٤: ١٤]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد بتحذير جديد إلى الذين آمنوا، والهاء للتنبيه.
﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾: إن للتوكيد، من ابتدائية بعضية؛ أي: بعض أزواجكم، ولا تعني الشّمول أو العموم.
﴿وَأَوْلَادِكُمْ﴾: وبعض أولادكم وليس الكل، والأولاد تشمل الذّكور والإناث.
﴿عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾: إذا كانوا سبباً للانشغال عن طاعة الله وذكره أو الدّخول في الإسلام، أو التّقصير في المجيء لصلاة الجماعة أو في الهجرة
стр. 5441
من مكة إلى المدينة، أو الخروج للجهاد في سبيل الله، أو عقوق الوالدين، أو الإنفاق في سبيل الله، أو في قطع الأرحام بسبب التفريق بين الزّوج وأهله.
﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾: الفاء السّببية (ربط السّبب بالمسبب) أي: لا تطيعوهم واحذروا أن يكون سبباً لكم في المعاصي أو عدم طاعة الله.
﴿وَإِنْ﴾: شرطية.
﴿تَعْفُوا﴾: العفو ترك العقوبة (التّجاوز عن الذّنب).
﴿وَتَصْفَحُوا﴾: الصّفح هو العفو وترك اللوم.
﴿وَتَغْفِرُوا﴾: من الغفر وهو السّتر وعدم الفضيحة.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد، والفاء جواب الشّرط.
﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: غفور كثير المغفرة؛ أي: يستر الذّنوب ويعفو عنها، الذّنوب العظام والذّنوب الكثيرة ولو تكررت وتعددت، ولو كانت مثل زبد البحر.
رحيم: بعباده لا يؤاخذهم إذا نسوا أو أخطؤوا، رحيم بعباده المؤمنين؛ لأنه لا يعجّل لهم العقوبة لعلّهم يتوبون إليه، ورحمته وسعت كل شيء، ورحمته ثابتة دائمة دوام ذاته.
سورة التغابن [٦٤: ١٥]
﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾:
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد، وليس الحصر.
стр. 5442
﴿أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾: أي: ابتلاء واختبار، والفتنة: أشد الاختبار وأبلغه وتكون في الخير والشّر؛ أي: لنرى هل تشغلكم عن العبادة والطاعة وعن الآخرة أم لا؟ وأموالكم كيف تجمعونها وتنفقونها؟ وقدم الأموال على الأولاد؛ لأنها هي الأعم، فكل الناس عندهم أموال، وليس كل الناس عندهم أولاد.
﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: لمن آثر طاعة الله ورسوله وعلى ماله وولده، والأجر العظيم: أعظم الأجور، فهناك الأجر الكبير، والأجر المبين، والأجر العظيم هو الجنة.
سورة التغابن [٦٤: ١٦]
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾: أي اتقوا الله حقّ تُقاته، ما استطعتم؛ أي: ما في وسعكم وجهدكم وطاقتكم.
والذي يحدّد الاستطاعة هو الله؛ أي: المشرِّع، فلا يصح للعبد أن يحدد الاستطاعة بنفسه، وهناك من المفسرين من يظن أنّ: (اتقوا الله ما استطعتم) نسخت قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.
﴿وَاسْمَعُوا﴾: ما توعظون به أو يدعوكم الله ورسوله إليه.
﴿وَأَطِيعُوا﴾: الله ورسوله في كل ما أمروا به ونهوا عنه.
﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ﴾: أنفقوا في سبيل الله وإعلاء كلمته ودينه؛ أي: المال وغيره.
стр. 5443
﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾: الشّحُّ هو البخل مع الحرص، وهو أسوأ من البخل، الحرص الشّديد على المال والحفاظ عليه وعدم إنفاقه، والوقاية تكون بالإنفاق أكثر فأكثر أو قليلاً حتى يحصل الشّفاء من هذا المرض.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أي من شُفي أو وُقي من مرض الشّح فأولئك: من المفلحين.
الفاء رابطة لجواب الشّرط؛ أي: أصبح في عداد المفلحين الفائزين بالجنة والناجين من النار، هم: تفيد التوكيد؛ أي: المفلحون حقاً أو في مقدمة المفلحين. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥) لمزيد من البيان.
سورة التغابن [٦٤: ١٧]
﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾:
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال أو النّدرة.
﴿تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: ارجع إلى سورة الحديد آية (١١) للبيان. (معنى القرض الحسن).
﴿يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾: تعني الكمّ، لكم خاصة، اللام لام الاختصاص؛ أي: يضاعفه لكم أضعافاً كثيرة. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٤٥) لمزيد من البيان.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾: تعني الكيف، لكم خاصة، وتكرار (لكم) يفيد التوكيد؛ أي: يستر لكم ذنوبكم، وبالتالي يعفو عنها.
﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ﴾: لأنه يثيب على الطاعة ويضاعف الحسنات، ويجازي بالثواب الجزيل على العمل القليل.
стр. 5444
﴿حَلِيمٌ﴾: لا يعجّل بالعقوبة لعباده على ذنوبهم، وينعم على خلقه رغم كثرة معاصيهم، يصفح ويعفو ويغفر، ويُمهل العاصي؛ ليتوب، وذكر (الحليم) إحدى عشرة مرة في القرآن.
سورة التغابن [٦٤: ١٨]
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: أي عالم ما غاب واستتر عن العيون، عالم الغيب المطلق والغيب النسبي والساعة، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وما في الأرحام، ويعلم ما تكسب كل نفس، والسر والنجوى وذات الصدور.
﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: يعلم كل ما يشاهد ويدرَك بالحواس والمدركات.
وما يلج في الأرض وما يخرج منها.
﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ارجع إلى سورة الحشر آية (٢٤) للبيان.
стр. 5445
سورة الطلاق [٦٥: ١]
سورة الطلاق
ترتيبها في القرآن (٦٥) ترتيبها في النزول (٩٩).
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾:
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾: نداء تشريف وتعظيم لرسول الله ﷺ استعمل فيها (يا) أداة النداء والهاء للتنبيه، والنداء إلى النبي ﷺ ، والمراد به أمته لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ولم يقل: إذا طلقت النساء؛ لأن الحكم ليس خاص برسول الله ﷺ وحده، وكذلك حين يخاطب الله سبحانه رسوله ﷺ ، أو يا أيها النبي يجب على الكل أن ينتبه ويستمع للنداء.
﴿إِذَا﴾: شرطية تفيد حتمية الحدوث وكثرته.
﴿طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: إذا أردتم الطلاق، الخطاب للأزواج فقد كان الرجل يطلق امرأته، ثم يرجعها قبل انقضاء عدتها، ثم يطلقها ويفعل ذلك تكراراً ليضارها، فنزلت هذه الآية.
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾: الفاء جواب الشرط، أيْ: طلقوهنَّ وقت الطهر،
стр. 5446
لا يجوز تطليق المرأة زمن الحيض؛ أيْ: يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، فإذا جامعها، أيْ: مسها لا يجوز له أن يطلقها حينذاك، ويجب أن ينتظر إلى أن تأتي الحيضة القادمة، وتنتهي وتعود طاهراً لم يمسها في زمن طهرها ويطلقها حينذاك. فقد روى البخاري أن عبد الله بن عمر طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله ﷺ فتغيظ رسول الله ﷺ ثم قال: «ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها فتلك العدة التي أمر الله »، والحكمة من وراء ذلك والله أعلم لعل النفوس تهدأ وتعود الأمور إلى ما كانت عليه، ويبقى البيت قائماً.
﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾: الخطاب للأزواج والعدة هي ثلاثة قروء كاملة، أيْ: أكملوا ثلاثة قروء واحفظوا مدتها، احفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق حتى يتبيَّن متى تنتهي العدة. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٢٨) للبيان.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾: أيْ: أطيعوا أوامر الله ربكم وتجنبوا نواهيه فلا تعصوه والتزموا حدوده. وانظر كيف جمع في هذه الآية بين الإلوهية والربوبية، اتقوا غضب الله وسخطه فهو الذي يرعاكم ويحفظكم ويُربيكم التربية الإسلامية بتعاليمه وآياته.
﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾: وحذفت الواو من قوله تعالى: (ولا تخرجوهن)؛ لأن هذا حكم أو كلام جديد؛ لا الناهية، أي: اتركوهنَّ في بيوتهنَّ التي كنَّ فيها قبل الطلاق ما دُمْنَ في العدة حتى تنقضي العدة، وأضاف البيوت إليهنَّ لبيان استحقاقهنَّ للسكن في مدة العدة. مع أن البيت للرجل.
﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾: التكرار للتوكيد وتحذير للأزواج والزوجات، لا الناهية، أو النافية، والنون في يخرجن لزيادة التوكيد، أيْ: لا تخرج المرأة المطلقة
стр. 5447
في زمن عدتها إلا لضرورة ظاهرة، ولعل في البقاء في البيت يثير أهمية المعاشرة والاهتمام والتفكير بعواقب الأمور؛ ارجع إلى المصادر الفقهية لبيان الشروط.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾: أن المخففة للتوكيد وتدل على المستقبل، أيْ: لا تخرجوهنَّ من بيوتهنَّ إلا إذا فعلن فاحشة الزّنى عندها يخرجن لإقامة الحد عليهنَّ، وقيل: الفاحشة قد تعني بذاءة اللسان والتكبر على الزوج أو على من تسكن عندهم والنّشوز على الزوج.
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: الواو عاطفة، تلك: اسم إشارة واللام للبعد والإشارة إلى حدود الله مثل الطلاق في حالة الطهر وإحصاء العدة وعدم إخراج المطلقة من بيتها تلك أحكام الله تعالى لا يحل لكم أن تتجاوزها أو تتعدوها.
﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾: أيْ: ومن لم يلتزم بما أمر الله سبحانه ونهى عنه، فقد: الفاء للتوكيد، قد للتحقيق، ظلم نفسه: بأن عرضها للعقاب عاجلاً أو آجلاً؛ لأنّه ارتكب إثماً في حق نفسه بالخروج عن حدود الله.
﴿لَا تَدْرِى﴾: لا النافية، للحال والاستقبال تدري: من درى بمعنى علم وهناك فرق بين علم ودرى، فالدّراية تكون بعد جهل والدّراية أخص من العلم والعلم أعم، لا تدري: لا تعلم.
﴿لَعَلَّ﴾: أداة رجاء لشيء محبوب يطمع أو يرجى حدوثه.
﴿اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾: لعل الله إذا بقيت في بيتها أن يؤلف بين قلوبهما فيتراجعا أو يحنَّ كلٌّ للآخر، ويندم بعد الطّلقة أو الطلقتين وتجنب الطلاق للمرة الثالثة.
سورة الطلاق [٦٥: ٢]
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلٍ
стр. 5448
مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا﴾:
﴿فَإِذَا﴾: الفاء استئنافية، إذا: ظرفية شرطية تفيد الحتمية.
﴿بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: أيْ: قاربن على انقضاء العدة وهي ثلاثة قروء.
(القرء في اللغة: يطلق على الحيض وعلى الطهر) فمنهم من قال: ثلاثة أطهار أو ثلاثة حيضات.
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾: فأنتم بالخيار إن شئتم الرجعة فأمسكوهنَّ بمعروف، أيْ: من دون أيِّ قصد أو نية للإضرار بهنَّ، والفاء في فأمسكوهنَّ جواب الشرط.
﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾: اتركوهنَّ حتى تنقضي عدتهنَّ، ثم فارقوهنَّ بمعروف، الباء للإلصاق والملازمة. أيْ: من دون الإساءة لهنَّ أو القذف والسب أو الإيذاء بكل أشكاله.
﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾: وأشهدوا على الطلاق أو المراجعة بُعداً عن الريبة وتجنباً للخصومة والأمر للندب، أي: افعلوا ذلك، أيْ: أشهدوا ذوي عدل: أي: شاهدين اثنين من ذوي العدل والأمانة، منكم: من المسلمين ولا يجوز شهادة الكفار.
﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾: أيْ: أتموا الشهادة لوجه الله تعالى وليس لمنفعة دنيوية أو غرض ما أو مصلحة، أيْ: أدوا الشهادة بالصدق والعدل ولو كان ذا قربى.
﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾: ذلكم ولم يقل ذلك: استعمل ذلكم؛ لأن الأمر يشمل عدة أحكام وكونها أحكاماً مهمة وللحثِّ على إقامة الشهادة.
стр. 5449
﴿مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: من استغراقية، يؤمن بالله واليوم الآخر: أيْ: يؤمن: يصدق ويعتقد اعتقاداً جازماً بأن الله خالق كل شيء ومليكه، وإنه المستحق للعبادة وحده ولا شريك له، وكذلك يصدق باليوم الآخر بلا ريبة أو تردُّد.
ولم يذكر كلمة منكم؛ لأن الخطاب إلى النبي وأمته، فلا حاجة إلى ذكر كلمة منكم، كما هي الحال في سورة البقرة الآية (٢٣٢) ارجع إليها للبيان.
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا﴾: من: شرطية، يتق الله: يطع أوامر الله في الطلاق والعدة والرجعة ولا يخالف أحكامه وسنة رسوله، يجعل له: له اللام لام الاختصاص، مخرجاً: أي فرجاً من الضيق والكرب الذي وقع فيه. ومخرجاً من الحرام إلى الحلال ومن الفقر إلى الغنى ومن الذل إلى العزة ومن المرض إلى العافية، ومن اليأس إلى الأمل وغيرها.
وسر ذكر التقوى في سياق آيات الطلاق أن التقوى تحث على الصبر، ولو اتقى الإنسان وصبر في هذه الظروف العصيبة، ولم يستعجل لعل الله تعالى يهديه إلى مخرج من هذه الأزمة، والناس في هذه الأيام أنهم يريدون المخرج أولاً، ثم التقوى أو الصبر ثانياً بعكس ما أمر الله.
سورة الطلاق [٦٥: ٣]
﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾:
هذه الآية تتمة للآية السابقة، أيْ: ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب، فالتقوى والصبر: أيْ: إطاعة أوامر الله تعالى ورسوله ﷺ وتطبيق أحكامه وعدم مخالفة شرعه في الطلاق والعدة
стр. 5450
والرجعة وغيرها، والصبر يهدي إلى الفرج والخروج من الضيق، ويؤدِّي إلى الرزق، أي: يهيئ إلى أسباب الرزق.
﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾: لا يحتسب من الحساب، أيْ: لا يدخل ذلك في تقديره وحسابه ذلك المصدر للرزق أو يهيئ له من أسباب الرزق؛ مما لا يخطر على باله، وهناك رزق منظور ورزق خفي كأن يدفع عنه ضراً كان سيقع، ويؤدي إلى خسارة المال الكثير.
أيْ: من يطع الله ويؤدِّي ما عليه من حقوق الطلاق أو المهر أو العقد الجديد، ويدفع المهر المتأخر ويؤدِّي الحقوق والنفعات، فالله سبحانه سيرزقه ويعوض كل ما خسره.
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: ومن: شرطية، يتوكل على الله: أيْ: يقدِّم الأسباب المطلوبة منه، ثم يفوِّض أمره إلى الله ويطلب منه العون فهو سبحانه كافيه؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٩) لمزيد من البيان في معنى التوكل.
﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾: الفاء رابطة لجواب الشرط، هو للتوكيد، حسبه: كافية ولا يحتاج إلى أحد غير الله تعالى.
﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾: إن للتوكيد، بالغ أمره: لا يعجزه ولا يفوته أيُّ شيء أو أمر، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن، فيكون.
﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾: قد للتحقيق، قدراً: زمناً أو توقيتاً أو ميقاتاً وحجماً ووزناً، جعل لكل شيء قدراً: أجلاً ومنتهى بما فيها الشدة والكرب والرخاء والشقاء والمرض والألم والحزن والفقر والغنى والصحة، وتقديم الجار والمجرور (لكل) يفيد الاختصاص، أيْ: لكل شيء، سواء أكان حسياً أم معنوياً.
стр. 5451
سورة الطلاق [٦٥: ٤]
﴿وَالَّائِى يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّائِى لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾:
سبب النزول: بعد نزول آيات سورة البقرة في الطلاق سأل بعض الناس رسول الله ﷺ ما عدة التي لم تحض وعدة التي كبر سنها، وانقطع حيضها وعدة الحامل، فنزلت هذه الآية.
﴿وَالَّائِى﴾: ارجع إلى سورة المجادلة الآية (٢) لبيان معنى اللائي ولم يقل اللاتي.
﴿يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِّسَائِكُمْ﴾: لكبر السّن أو انقطع رجاؤهنَّ من الحمل، والميئوس منه في هذه الآية هو الحيض، من نسائكم: أيْ: أزواجكم.
﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾: أهو دم الحيض أو دم لا علاقة له بالحيض، إن: شرطية، ارتبتم: من الرّيب وهو الشّك والتّهمة معاً. أو ارتبتم في مدة العدة ثلاثة أشهر.
﴿وَالَّائِى لَمْ يَحِضْنَ﴾: لصغرهنَّ، أي: اللاتي لم يبلغن سن الحيض عدتهنَّ ثلاثة أشهر.
﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾: أشهر: جمع قلة (أقل من ١٠ يعتبر جمع قلة)، وأما شهور جمع كثرة (أكثر من ١٠)، وكان يكفي شهراً واحداً، ولكنه سبحانه لنفي الريب والشك جعلهن ثلاثة أشهر.
﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: أي: النّساء الحوامل سواء كنَّ مطلقات أو متوفَّى عنهنَّ أزواجهنَّ أجلهنَّ، أن: للتعليل، يضعن حملهنَّ، أي: متى ولدت ما في بطنها فقط انقضت عدتها، ولو وضعته قبل تسعة أشهر، أو إذا أسقطت الحمل ولو كانت مضغة تعني: وضعن حملهنَّ، ويحق لها الزّواج بعدها.
стр. 5452
﴿وَمَنْ﴾: شرطية.
﴿يَتَّقِ اللَّهَ﴾: ومن يطع أوامر الله، ويتجنَّب نواهيه في هذه الأحكام المتعلِّقة بالحمل.
﴿يَجْعَل لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾: يسهل عليه ويُيسر عليه أمره في الدّنيا والآخرة إذا حافظ على ما وصَّى به الله من السّكن والنّفقة وعدم التّعدي على الزّوجة وحقوقها.
ما هو الفرق بين أولات الأحمال في هذه الآية (٤)، وقوله: وإن كنَّ أولات حمل في الآية (٦).
١ - أولات الأحمال في الآية (٤) جمع كثرة بينما أولات حمل في الآية (٦) جمع قلة أو أولات الأحمال في الآية (٤) أكثر عدداً بالنسبة للأولات حمل آية (٦).
٢ - أولات الأحمال عامة وأشمل، وتشمل أولات حمل.
٣ - أولات الأحمال لا تختلف واحدة عن أخرى الكل يسري عليهنَّ حكم واحد.
بينما أولات حمل الحكم يختلف فيهنَّ بالنسبة للإنفاق حسب سعة الزوج.
ومن حيث الإرضاع ففيها أكثر من حكم؛ بينما آية (٤) حكم واحد يسري على الجميع.
سورة الطلاق [٦٥: ٥]
﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾:
﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾: المذكور من جميع الأحكام المتقدِّمة في
стр. 5453
الطّلاق والعدة والرّجعة وأحكام الإنفاق والسّكن وغيرها، هو أمر الله الذي أمر به عباده، أيْ: أمركم الله به في القرآن.
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾: أيْ: ومن يطع أوامر الله تعالى ويتجنَّب نواهيه.
﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾: يستر عليه سيئاته ولا يعاقبه أو يؤاخذه عليها.
﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾: يضاعف له حسناته في الآخرة، أيْ: ثوابه. ويدخله فسيح جناته، وإذا قارنا آيات ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في هذه السورة: نجدها ثلاثة آيات وعد الله سبحانه عباده في كل آية نوعاً من العون أو التيسير ويختلف عن الآخر؛ ففي الأولى: وعد الله تعالى من يتق الله يجعل مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب (في الدنيا)، وفي الثانية: وعد الله تعالى من يتق الله يجعل من أمره يُسرا (في الدنيا)، وفي الثالثة: وعد الله تعالى من يتق الله بأن يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً وهذا هو أفضل الجزاء في الأخرة.
стр. 5454
سورة الطلاق [٦٥: ٦]
﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾:
﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾: أسكنوا المطلقات من نسائكم المعتدات، من حيث: من للتبعيض، أيْ: بعض سكنكم.
﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾: الوُجْد السعة والقدرة، أيْ: أسكنوهنَّ مكاناً من مسكنكم مما تجدونه في وسعكم مما تطيقونه، أيْ: حسب القدرة وحسب وسعكم وطاقتكم.
﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾: الواو استئنافية، لا النّاهية، تضاروهنَّ: من الضّرر، أيْ: في النّفقة والسّكن.
﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾: حتى تضطروهنَّ إلى الخروج من مساكنهنَّ، واللام لام التّعليل.
﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى﴾: حتّى: حرف نهاية الغاية. ارجع إلى الآية (٤) السابقة لمعرفة معنى أولات حمل والمقارنة.
﴿يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: فيخرجن من عدتهنَّ. ارجع إلى الآية (٤) السّابقة للمقارنة.
﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: بعد الطّلاق أو انتهاء رابطة الزّواج فآتوهنَّ أجورهنَّ على الإرضاع.
﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾: الخطاب للزوجين المطلقين بأن لا يبخل بإعطائها ما تستحق من الأجر على الإرضاع، وهي لا تطلب مبلغاً لا يستطيع تحمله
стр. 5455
فعليهما أن يتشاورا على أجرة الإرضاع بمعروف، وأْتمروا: من الأمر، أيْ: ليأمر بعضكم بعضاً والخطاب للآباء والأمهات، بمعروف: بالمسامحة والإشفاق على الولد والاهتمام به وعدم جعله سلعة كلٌّ يطمع في الآخر.
﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال، وإن لم يتفقا على الأجرة أو يصلا إلى نتيجة ترضي الطّرفان.
﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾: فليسترضع الوالد غير والدة المولود، أي: امرأة أخرى، الفاء جواب الشّرط، ولا تكره الأم على الإرضاع.
سورة الطلاق [٦٥: ٧]
﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾:
﴿لِيُنفِقْ﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد.
﴿ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾: ذو: صاحب أو أهل السّعة، أي: الغني والموسر من سعته. من ماله وغناه.
﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾: أيْ: ضيَّق عليه رزقه، أيْ: كان فقيراً فلينفق على قدر استطاعته، ومما آتاه الله تعالى.
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا﴾: إلا أداة حصر.
﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الّذي.
﴿آتَاهَا﴾: أعطاها من رزق، أي: على قدر استطاعتها.
﴿سَيَجْعَلُ﴾: السّين للاستقبال القريب، أيْ: عن قريب.
﴿اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾: بعد الضيق والشّدة فرجاً وسعة في الرّزق، أو يفتح لهم أبواب الرّزق، للزوج والزوجة. وإذا قارنا قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ مع قوله تعالى في الآية (٢٨٦) في سورة البقرة وهي قوله تعالى: ﴿لَا
стр. 5456
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: نجد أن آية ما أتاها تعني: من المال أو الرزق، وأما وسعها في آية البقرة تعني: من التكاليف الشرعية.
سورة الطلاق [٦٥: ٨]
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا﴾:
﴿وَكَأَيِّنْ﴾: مركبة من كاف التّشبيه وأيِّ الاستفهامية المنونة، فصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية المفيدة للتكثير، أيْ: كثيراً من القرى عتت عن أمر ربها.
﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾: من ابتدائية، القرية: المراد بها أهل القرية والقرية إذا اتسعت تصبح مدينة.
﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾: عصت وطغت وفسدت، وقيل: كفرت وأعرضت عن أمر ربها، أو كفرت به، والعتو يعني: التّجبر والفساد والتّكبر أيْ: لم تذعن وتطع أوامر ربها ورسله.
﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾: الفاء السّببية، حاسبناها: جاء بصيغة الماضي بدلاً من المستقبل للدلالة كأنّ الأمر تحقق وانتهى، أي: الحساب ولا ننسى أنّ الزّمن متساو وواحد عند الله تعالى، سواء كان في الماضي أو الحاضر أو المستقبل؛ لأنه سبحانه خالق الزمان والمكان.
حاسبناها: جازيناها جزاء شديداً.
﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا﴾: نُكراً: ينكره المرء من هوله وشدته ولا يصدقه العقل في الدّنيا بالجوع والفقر والمرض والقحط والخوف والرّعب والهزيمة أو في الآخرة بعذاب السّعير.
سورة الطلاق [٦٥: ٩]
﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾:
﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾: الفاء للتوكيد، ذاقت وبال أمرها: بسبب العتو عن
стр. 5457
أمر ربها، وبال أمرها: ذاقت سوء عاقبة كفرها وعتوها، وشبه ذلك بذوق الوبال: مشتق من البول. ارجع إلى سورة الحشر الآية (١٥) للبيان.
﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾: قاعدة في القرآن إذا ذكر العاقبة كما في هذه الآية فإنّ العاقبة تعني: العذاب والهلاك، وإذا أنث العاقبة فقال: فكانت عاقبة أمرها تعني: الجنة والحسنى، أيْ: كان عاقبة أمرها في الدّنيا والآخرة الخسر، أي: الهلاك والدّمار والخسر والخسارة تدل على لا ربح أصلاً وخسارة رأس المال أيضاً.
سورة الطلاق [٦٥: ١٠]
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِى الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾:
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾: تعود على أهل القرية الّذين عتوا عن أمر ربهم ورسله، بالكفر والشّرك والفساد والظّلم وتكرار الوعيد يفيد التّوكيد، أعدّ الله: هيأ لهم: خاصة، عذاباً شديداً: عذاب يوم القيامة أو عذاب النار.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِى الْأَلْبَابِ﴾: الفاء للتوكيد أو جواب شرط مقدَّر إن أعد الله العذاب لهؤلاء، أما أنتم فاتقوا الله: أطيعوا أوامره وتجنبوا نواهيه ولا تكونوا أمثالهم، يا أولي الألباب: يا أصحاب العقول النّيرة وفيها حثٌّ على الإيمان والتّقوى والتّحذير من الوقوع في المعاصي.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بدل من أولي الألباب أو عطف بيان على أولي الألباب.
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق وتوكيد.
﴿أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾: أنزل جملة واحدة أو دفعة واحدة إليكم، ولم يقل: عليكم. ارجع إلى سورة البقرة الآية (٤) للبيان، إليكم: خاصة، ذكراً: أي: القرآن الحكيم.
سورة الطلاق [٦٥: ١١]
﴿رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ
стр. 5458
إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾:
﴿رَسُولًا﴾: منصوب، وتقديره: قد أنزل الله إليكم ذكراً، وأرسل رسولاً يتلو عليكم آيات الله مبينات.
﴿يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: أيْ: آيات القرآن. والتلاوة تعني: آية تلو آية ولا تكون إلا من كتاب الله.
﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾: موضحات للأحكام والشّرائع أو مبينات للناس ما نُزل إليهم من ربهم.
ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات: اللام لام التعليل.
من الظلمات إلى النور: أيْ: من ظلمات الكفر والشرك والجهل والفساد إلى النور نور الإسلام والقرآن والتوحيد والعمل الصالح. (الظلمات متعددة بصيغة الجمع والنور واحد بصيغة المفرد).
﴿وَمَنْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: من شرطية.
﴿يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾: ارجع إلى الآية (٩) من سورة التغابن للبيان، وهناك اختلاف بين الآيتين ففي آية الطلاق آية (١١) لم يذكر يكفر عن سيئاته، أما في آية التغابن آية (٩) ذكر تعالى يكفر عنه سيئاته، وقد يعود ذلك إلى أنه في سورة الطلاق قد ذكر الله يكفر عنه سيئاته في الآية (٥) فيكفي ذلك ولا داعي إلى التكرار، أو قد يرجع إلى أنه في سورة التغابن تقدم ذكر الذين كفروا والكافر إذا أمن هو بحاجة إلى أن يكفر عن سيئاته، وأما في آية الطلاق فلم يرد ذكر الذين كفروا في السياق.
﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي: تنبع من تحتها الأنهار.
﴿خَالِدِينَ﴾: الخلود يبدأ من زمن الدخول ولا نهاية له، وخالدين بصيغة
стр. 5459
الجمع وليس الإفراد؛ لأن الإفراد نوع من أنواع العزلة، والعزلة تعد من أنواع العذاب، ولذلك تأتي دائماً خالدين فيها (بالجمع).
﴿أَبَدًا﴾: للتوكيد.
﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾: قد حرف تحقيق وتوكيد.
﴿أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾: أحسن: أبلغ من أعدَّ أو هيَّأ الإحسان لا يكون إلا بعد الإعداد، وفي سورة التغابن قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿لَهُ﴾: اللام لام الاستحقاق.
﴿رِزْقًا﴾: وهو رزق الجنة: الذي لا ينفد ولا ينقطع ولا ينقص، وهذا وعد الله سبحانه للمؤمن إن الله لا يخلفُ الميعاد، وفي سورة التغابن وصف هذا الرزق الحسن بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
سورة الطلاق [٦٥: ١٢]
﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾:
﴿اللَّهُ﴾: ارجع إلى سورة التغابن آية (١٣) للبيان، وتقديم الله تفيد الحصر والقصر.
﴿الَّذِى خَلَقَ﴾: اسم موصول يفيد التعظيم ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٣٠) وسورة الأعراف آية (٥٤) وفصلت آية (١٠ - ١١) للبيان.
﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾: أيْ: وخلق سبع أرضين، وقيل: سبع أرضين، أيْ: سبع طبقات.
١ - الطبقة المركزية: (اللب) مكون من الحديد الجامد ومعدن النيكل الجامد.
٢ - الطبقة خارج المركزية: مكونة من الحديد السائل والنيكل السائل.
стр. 5460
٣ - ثلاثة أوشحة السفلي والمتوسط والعلوي.
٤ - الصفيحة القارية تحت البحار.
٥ - القشرة الأرضية.
وهذا هو أرجح التفاسير العلمية، وهناك من قال: سبع أرضين، أيْ: سبع بيئات مختلفة على سطح الأرض تختلف كل بيئة عن غيرها بالرطوبة والنباتات والمعادن، وغيرها، وهناك من قال مثلهن ليس المقصود به العدد، وإنما أمور أخرى في مراحل الخلق والتسخير والإعداد.
﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾: أيْ: ينفذ قضاؤه وحكمه سبحانه فيهنَّ، أو يتنزل الوحي أو الأمر بين السّموات والأرض، والأمر هو أمر الله تعالى من وحي أو أمر أو نهي أو ما يدبِّره الله من شأن وموت وحياة وعطاء ومنع.
﴿لِتَعْلَمُوا﴾: اللام لام التعليل والتّوكيد.
﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: أنّ: لزيادة التّوكيد، على كلّ شيء قدير: ارجع إلى سورة البقرة الآية (٢٠) للبيان.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾: وأنّ الله: للتوكيد، قد: لزيادة التّوكيد، أحاط بكلّ شيء علماً: أيْ: وسع كلّ شيء علماً، بكلّ: الباء للتوكيد، كلّ لزيادة التّوكيد، علماً: يتناول الموجود والمعدوم.
وختمت هذه السورة بقوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ لأنّ كثيراً من آيات هذه السّورة مرتبطة بعلم الله تعالى وقدرته فجاءت الخاتمة لتؤكد على ذلك.
стр. 5461
سورة التحريم [٦٦: ١]
سورة التحريم
ترتيبها في القرآن (٦٦) ترتيبها في النزول (١٠٧).
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
أسباب النزول: أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يحب الحَلْواء والعسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، يمكث عند زينب بنت جحش، فيشرب عندها عسلاً، فتواطأتُ أنا؛ أي: عائشة وحفصة أنّ أيّتنا دخل النبي ﷺ عليها، فلتقل له: إني أجد منك ريح مَغَافير؛ أي: تزعم أنها تشم منه رائحة كريهة؛ فدخل على حفصة فقالت ذلك له فحرم رسول الله ﷺ فقال لها بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود إليه، وسألها أن لا تخبر بذلك أحداً).
والمغافير: نبات كريه الرائحة، أي صمغ حلو له رائحة كريهة من شجر العُرْفُط في الحجاز.
وأما ما ذكرته كتب التفسير في قصة مارية القبطية: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه، فلما كان يوم حفصة استأذنت رسول الله ﷺ في زيارة أبيها فأذن لها، فلما خرجت أرسل رسول الله ﷺ إلى مارية القبطية فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها، فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقاً فجلست عند الباب، فخرج رسول الله ﷺ ووجهه يقطر عرقاً، وبكت حفصة وسألها: ما يبكيك؟ فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي ثم وقعت عليها
стр. 5462
في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة حقاً! فطلب منها أن لا تخبر أحداً بهذا وقال: هي عليَّ حرام، فلما ذهب رسول الله من عند حفصة أخبرت حفصة عائشة بأن رسول الله ﷺ حرّم مارية القبطية. وهذه رواية عطية العوفي عن ابن عباس، وهي رواية ضعيفة السند. والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾: نداء تشريف إلى النبي ﷺ ، فيه أداة النداء الياء والهاء للتنبيه. ولمعرفة متى ينادى يأيها النبي، أو يأيها الرسول، والفرق بينهما ومتى يذكر اسمه الشريف محمد بدون يا أيها؛ ارجع إلى سورة المائدة آية (٤١)، وسورة الأحزاب آية (١) للبيان المفصل.
لمَ: اللام حرف جر، ما: الاستفهامية حذفت ألفها؛ لدخول حرف الجر عليها.
﴿تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾: سواء كان العسل أو مارية القبطية، لمَ تحرّم ما أحلّ الله لك من الحلال أو الطيبات.
﴿تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾: الابتغاء هو الاجتهاد في الطلب؛ أي: تقصد أو تطلب بذلك التحريم مرضات أزواجك. وماذا قال النبي ﷺ في لفظ التحريم؟ الله سبحانه أعلم به، والفرق بين رضوان الله ومرضات الله تعالى أن رضوان الله؛ أي: أعظم الهنا، وأعظم من مرضات، والرضوان خاص به تعالى، وأكبر من الجنة، والمرضات عامة، قد تأتي في سياق الله سبحانه وسياق غيره كما في هذه الآية.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: غفور صيغة مبالغة من غفر، غفور لمن تاب وأصلح وأناب إلى الله، غفور لما حدث منك من تحريم الطيبات أو الحلال على نفسك.
﴿رَحِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من رحم، رحيم بعباده المؤمنين، يرشدهم إلى طريق الصواب.
стр. 5463
ورحيم صفة ثابتة له؛ أي: دائم الرحمة.
سورة التحريم [٦٦: ٢]
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق وتوكيد.
﴿فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾: أي قد شرع الله لكم ما تتحللون به من إيمانكم، وذلك بالكفارة (كفارة اليمين)، ارجع إلى سورة المائدة آية (٨٩). ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾.
﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾: والله متولي أموركم ومدبرها ومصرّفها كيف يشاء وناصركم.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التوكيد.
﴿الْعَلِيمُ﴾: بما تقولون وتفعلون وبما يصلحكم. صيغة مبالغة؛ أي: كثير العلم لا تخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض.
﴿الْحَكِيمُ﴾: في أحكامه وشرعه، فهو أحكم الحكماء وأحكم الحاكمين. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان.
سورة التحريم [٦٦: ٣]
﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: أي واذكر إذ أسرَّ النبي، أو: واذكر حين أسرَّ النبي إلى بعض؛ البعض في اللغة: قد تعني الواحدة، أو الواحد، وقد تعني الجماعة كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤]، أزواجه حديثاً (أي حفصة بنت عمر ﵂.
стр. 5464
﴿حَدِيثًا﴾: حديث تحريم العسل على نفسه، وطلب منها أن لا تخبر بذلك السر إلى أحد.
﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾: (أي لم تستجب حفصة لطلب الرسول ﷺ بعدم إفشاء السر، وأخبرت عائشة ﵂ بذلك)، ولكن هذا الإفشاء أو إخبار حفصة لعائشة كان بعد تردد وتريث وزمن طويل، ولو قال فلما أنبات به لكان يعني بدون تردد وبسرعة.
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، لما: ظرف للزمان بمعنى حين نبّأت: حفصة عائشة؛ أي: أخبرتها الخبر.
﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾: أي أخبر أو أطلع الله تعالى نبيه ﷺ أن حفصة أخبرت عائشة بما حدث، فغضب رسول الله ودعا حفصة للحضور.
﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾: أي ذكر بعضه لحفصة وأعرض عن ذكر البعض الآخر لها.
﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾: أخبرها أن الله أطلعه عما قالت لعائشة (وإفشائها السر)، وأعرض عن بعض: عن ذكر تحريم العسل.
وهناك من المفسرين من قال في تفسير أعرض عن بعض: يعني خلافة أبي بكر أو خلافة أبي بكر وعمر من بعد رسول الله، وفيها ضعف والله أعلم.
﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾: أي أخبر رسول الله ﷺ عائشة الخبر؛ أي: قال رسول الله ﷺ لحفصة: أنت أفشيتِ السر إلى عائشة، فقالت حفصة:
﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾: أي من أخبرك بهذا الخبر؟ أي: النبأ حيث ظنت حفصة أن عائشة أخبرت رسول الله ﷺ .
قال ﷺ : ﴿نَبَّأَنِىَ﴾: بالتوكيد: العليم الخبير.
стр. 5465
الفرق بين نبّأني وأنبأني، أنبأني المنبئ هنا يعني بشراً، بينما: نبّأني المنبائ هنا هو الله العليم الخبير. قال: نبّأني (من فعل نبأ): أبلغ تنبيئاً وآكد من أنبأني. وأنبأك أو أنبأني من أنبأ، وأنبأ: فيها معنى في وقت قصير، ونبَّأ: فيها معنى وقت أطول مقارنة بـ (أنبأ).
﴿الْعَلِيمُ﴾: بكل الأقوال والأفعال والسر والعلن والنوايا وذات الصدور، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
﴿الْخَبِيرُ﴾: ببواطن الأمور ومخفيّات الأمور والسر والنجوى.
ثم خاطب حفصة وعائشة:
سورة التحريم [٦٦: ٤]
﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾:
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال أو القلة، والجواب محذوف تقديره: كان خيراً لكما.
﴿تَتُوبَا﴾: الخطاب إلى عائشة وحفصة: تتوبا من التعاون على إيذاء رسول الله ﷺ بالقول والفعل. والقائل: إن تتوبا؛ هو الله .
وشروط قبول التوبة: التوبة تكون بالعودة إلى الله، والإنابة إليه، والإقلاع عن الذنب. ارجع إلى سورة النساء آية (١٨) لمزيد من البيان في معنى التوبة.
﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: فقد: الفاء للتوكيد، قد للتحقيق، صغت قلوبكما: زاغت قلوبكما عن الإخلاص لله ولرسوله وانحرفت أو مالت (من الميل) عن الحق.
ولم يقل قلباكما بالتثنية؛ لأن كل قلبين جماعة؛ لأن كل اثنين فما فوقهما جماعة كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وكما قال تعالى:
следующие страницы →