← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

سورة التحريم [٦٦: ١] سورة التحريم ترتيبها في القرآن (٦٦) ترتيبها في النزول (١٠٧). ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أسباب النزول: أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يحب الحَلْواء والعسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، يمكث عند زينب بنت جحش، فيشرب عندها عسلاً، فتواطأتُ أنا؛ أي: عائشة وحفصة أنّ أيّتنا دخل النبي ﷺ عليها، فلتقل له: إني أجد منك ريح مَغَافير؛ أي: تزعم أنها تشم منه رائحة كريهة؛ فدخل على حفصة فقالت ذلك له فحرم رسول الله ﷺ فقال لها بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود إليه، وسألها أن لا تخبر بذلك أحداً). والمغافير: نبات كريه الرائحة، أي صمغ حلو له رائحة كريهة من شجر العُرْفُط في الحجاز. وأما ما ذكرته كتب التفسير في قصة مارية القبطية: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه، فلما كان يوم حفصة استأذنت رسول الله ﷺ في زيارة أبيها فأذن لها، فلما خرجت أرسل رسول الله ﷺ إلى مارية القبطية فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها، فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقاً فجلست عند الباب، فخرج رسول الله ﷺ ووجهه يقطر عرقاً، وبكت حفصة وسألها: ما يبكيك؟ فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي ثم وقعت عليها

стр. 5462

في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة حقاً! فطلب منها أن لا تخبر أحداً بهذا وقال: هي عليَّ حرام، فلما ذهب رسول الله من عند حفصة أخبرت حفصة عائشة بأن رسول الله ﷺ حرّم مارية القبطية. وهذه رواية عطية العوفي عن ابن عباس، وهي رواية ضعيفة السند. والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾: نداء تشريف إلى النبي ﷺ ، فيه أداة النداء الياء والهاء للتنبيه. ولمعرفة متى ينادى يأيها النبي، أو يأيها الرسول، والفرق بينهما ومتى يذكر اسمه الشريف محمد بدون يا أيها؛ ارجع إلى سورة المائدة آية (٤١)، وسورة الأحزاب آية (١) للبيان المفصل. لمَ: اللام حرف جر، ما: الاستفهامية حذفت ألفها؛ لدخول حرف الجر عليها. ﴿تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾: سواء كان العسل أو مارية القبطية، لمَ تحرّم ما أحلّ الله لك من الحلال أو الطيبات. ﴿تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾: الابتغاء هو الاجتهاد في الطلب؛ أي: تقصد أو تطلب بذلك التحريم مرضات أزواجك. وماذا قال النبي ﷺ في لفظ التحريم؟ الله سبحانه أعلم به، والفرق بين رضوان الله ومرضات الله تعالى أن رضوان الله؛ أي: أعظم الهنا، وأعظم من مرضات، والرضوان خاص به تعالى، وأكبر من الجنة، والمرضات عامة، قد تأتي في سياق الله سبحانه وسياق غيره كما في هذه الآية. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: غفور صيغة مبالغة من غفر، غفور لمن تاب وأصلح وأناب إلى الله، غفور لما حدث منك من تحريم الطيبات أو الحلال على نفسك. ﴿رَحِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من رحم، رحيم بعباده المؤمنين، يرشدهم إلى طريق الصواب.

стр. 5463

ورحيم صفة ثابتة له؛ أي: دائم الرحمة. سورة التحريم [٦٦: ٢] ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق وتوكيد. ﴿فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾: أي قد شرع الله لكم ما تتحللون به من إيمانكم، وذلك بالكفارة (كفارة اليمين)، ارجع إلى سورة المائدة آية (٨٩). ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾. ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾: والله متولي أموركم ومدبرها ومصرّفها كيف يشاء وناصركم. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التوكيد. ﴿الْعَلِيمُ﴾: بما تقولون وتفعلون وبما يصلحكم. صيغة مبالغة؛ أي: كثير العلم لا تخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض. ﴿الْحَكِيمُ﴾: في أحكامه وشرعه، فهو أحكم الحكماء وأحكم الحاكمين. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان. سورة التحريم [٦٦: ٣] ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾: ﴿وَإِذْ﴾: أي واذكر إذ أسرَّ النبي، أو: واذكر حين أسرَّ النبي إلى بعض؛ البعض في اللغة: قد تعني الواحدة، أو الواحد، وقد تعني الجماعة كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤]، أزواجه حديثاً (أي حفصة بنت عمر ﵂.

стр. 5464

﴿حَدِيثًا﴾: حديث تحريم العسل على نفسه، وطلب منها أن لا تخبر بذلك السر إلى أحد. ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾: (أي لم تستجب حفصة لطلب الرسول ﷺ بعدم إفشاء السر، وأخبرت عائشة ﵂ بذلك)، ولكن هذا الإفشاء أو إخبار حفصة لعائشة كان بعد تردد وتريث وزمن طويل، ولو قال فلما أنبات به لكان يعني بدون تردد وبسرعة. ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، لما: ظرف للزمان بمعنى حين نبّأت: حفصة عائشة؛ أي: أخبرتها الخبر. ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾: أي أخبر أو أطلع الله تعالى نبيه ﷺ أن حفصة أخبرت عائشة بما حدث، فغضب رسول الله ودعا حفصة للحضور. ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾: أي ذكر بعضه لحفصة وأعرض عن ذكر البعض الآخر لها. ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾: أخبرها أن الله أطلعه عما قالت لعائشة (وإفشائها السر)، وأعرض عن بعض: عن ذكر تحريم العسل. وهناك من المفسرين من قال في تفسير أعرض عن بعض: يعني خلافة أبي بكر أو خلافة أبي بكر وعمر من بعد رسول الله، وفيها ضعف والله أعلم. ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾: أي أخبر رسول الله ﷺ عائشة الخبر؛ أي: قال رسول الله ﷺ لحفصة: أنت أفشيتِ السر إلى عائشة، فقالت حفصة: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾: أي من أخبرك بهذا الخبر؟ أي: النبأ حيث ظنت حفصة أن عائشة أخبرت رسول الله ﷺ . قال ﷺ : ﴿نَبَّأَنِىَ﴾: بالتوكيد: العليم الخبير.

стр. 5465

الفرق بين نبّأني وأنبأني، أنبأني المنبئ هنا يعني بشراً، بينما: نبّأني المنبائ هنا هو الله العليم الخبير. قال: نبّأني (من فعل نبأ): أبلغ تنبيئاً وآكد من أنبأني. وأنبأك أو أنبأني من أنبأ، وأنبأ: فيها معنى في وقت قصير، ونبَّأ: فيها معنى وقت أطول مقارنة بـ (أنبأ). ﴿الْعَلِيمُ﴾: بكل الأقوال والأفعال والسر والعلن والنوايا وذات الصدور، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. ﴿الْخَبِيرُ﴾: ببواطن الأمور ومخفيّات الأمور والسر والنجوى. ثم خاطب حفصة وعائشة: سورة التحريم [٦٦: ٤] ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾: ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال أو القلة، والجواب محذوف تقديره: كان خيراً لكما. ﴿تَتُوبَا﴾: الخطاب إلى عائشة وحفصة: تتوبا من التعاون على إيذاء رسول الله ﷺ بالقول والفعل. والقائل: إن تتوبا؛ هو الله . وشروط قبول التوبة: التوبة تكون بالعودة إلى الله، والإنابة إليه، والإقلاع عن الذنب. ارجع إلى سورة النساء آية (١٨) لمزيد من البيان في معنى التوبة. ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: فقد: الفاء للتوكيد، قد للتحقيق، صغت قلوبكما: زاغت قلوبكما عن الإخلاص لله ولرسوله وانحرفت أو مالت (من الميل) عن الحق. ولم يقل قلباكما بالتثنية؛ لأن كل قلبين جماعة؛ لأن كل اثنين فما فوقهما جماعة كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وكما قال تعالى:

стр. 5466

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] (جمع يد) بدلاً من يديهما (مثنى)، ولا ننسى القاعدة النحوية إذا أضيف المثنى إلى متضمنه فالأفصح جمع المضاف. ﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والندرة. ﴿تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾: الخطاب لحفصة وعائشة؛ أي: تتعاونا على إيذاء النبي ﷺ أو فعل ما يسوء إليه، وحذفت إحدى التاءين؛ أي: تتظاهرا عليه؛ أي: ولو بأقل أو أخف التظاهر أو التعاون. ﴿فَإِنَّ﴾: الفاء رابطة لجواب الشرط، إن: للتوكيد. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل لزيادة التوكيد. ﴿اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾: مولاه: أي وليّه ومعينه ومساعده. ﴿وَجِبْرِيلُ﴾: ﵇. ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أمثال أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة، وقيل: تشمل كل من آمن وعمل صالحاً. حذف الواو ولم يقل وصالحوا المؤمنين، صالحوا المؤمنين: تعني فقط الجمع ولا تشمل الإفراد والتثنية. أما: صالح المؤمنين: تعني الواحد والاثنين والجمع وأكثر (عامة). أو يعني واحداً أريد به الجمع؛ لأن الصالح يمثل الجمع، والجمع يمثل الواحد، وهناك من قال أنها ترجع إلى رسم المصحف. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾: أي أعوان لرسول الله ﷺ ، وظهير بالإفراد والجمع: ظهراء؛ أي: كل واحد ليشمل الكل؛ لأن ما كان على وزن فعيل يستوي فيه الواحد والجمع.

стр. 5467

ودخل عمر بن الخطاب ﵁ على ابنته حفصة بعد أن سمع ما حدث وأن رسول الله ﷺ حرّم ما حرّم، فقال عمر: والله لتنتهي أو ليبدلنّه الله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت هذه الآية. كما أخرج البخاري عن أنس ﵁. سورة التحريم [٦٦: ٥] ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾: ﴿عَسَى رَبُّهُ﴾: عسى عادة من أفعال الرجاء المتوقّع حصولها في المستقبل إلا هذه الآية هي الواحدة التي لم تتحقق، واستعملت عسى للتهديد فقط وليس للرجاء. ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال أو الشك. ﴿طَلَّقَكُنَّ﴾: الخطاب إلى نساء النّبي. ﴿أَنْ﴾: أن للدلالة على الاستقبال. ﴿يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾: خيراً؛ أي: أفضل منكن. ارجع إلى سورة الأحزاب آية (٥٢) لمزيد من البيان. ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾: مقيمات للصلاة والزكاة والصيام والحج واليوم الآخر. ﴿مُّؤْمِنَاتٍ﴾: مصدّقات بالتوحيد والإيمان والإخلاص لله وحده. ﴿قَانِتَاتٍ﴾: طائعات خاضعات لله تعالى. ﴿تَائِبَاتٍ﴾: كثيرات التوبة. ﴿عَابِدَاتٍ﴾: كثيرات العبادة.

стр. 5468

﴿سَائِحَاتٍ﴾: مهاجرات، أو الصائمات، والسائح: الذي لا يصحب معه طعاماً. ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾: من ثاب؛ أي: رجع، وسميت الثّيِّب ثيِّباً؛ لأنها ترجع إلى بيت أبيها بعد طلاقها من زوجها وأصبحت بغير زوج. ﴿وَأَبْكَارًا﴾: عذارى. الواو: واو العطف، وعطف "أبكاراً" على "ثيّبات"؛ لأن المرأة إما أن تكون ثيّباً أو بكراً، أو لأن الواو واو الفصل لكون الثيبات تختلف عن الأبكار، أو واو الاهتمام؛ لأن الأبكار أحب من الثيبات. سورة التحريم [٦٦: ٦] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾: نداء جديد للذين آمنوا بتكليف جديد أو أمر جديد هو: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾: اجعلوا بينكم وبين النار وقاية وحاجزاً أو مانعاً، وذلك بامتثال أوامر الله تعالى وتجنُّب نواهيه وترك المعاصي. ﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾: أي وأمروا أهليكم بطاعة الله وتجنُّب نواهيه ومعاصيه أيضاً بالنصح والتأديب، وعلِّموهم دينهم الحق. ﴿نَارًا﴾: جاءت بصيغة النكرة؛ للتهويل والتعظيم. ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾: الوقود ما توقد به كي تشتعل، وقودها: الناس الكَفَرة الذين ماتوا وهم كفارٌ، والحجارة: الأصنام التي عبدوها واتخذوها آلهة كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾: غلاظ ليس عندهم رحمة أو رأفة أو شفقة يضربون بالمقامع من الحديد، شداد: أقوياء الأبدان يقال لهم: الزبانية. شداد

стр. 5469

جمع شديد من ناحية القوة المادية، ويعني: الناحية الجسمية، بينما أشداء تعني: جمع شديد من الناحية المعنوية العاطفية، كما قال تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾: لا: النافية؛ أي: يؤدّون أوامر الله ويلتزمون بها، ولا يعصون بصيغة المضارع؛ لتدل على التجدد والتكرار والدوام. ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾: يؤدون ما يؤمرون به (تعني التنفيذ). سورة التحريم [٦٦: ٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: نداء للذين كفروا، والهاء للتنبيه، ينادى عليهم يوم القيامة أو عند دخولهم النار. ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾: أي لا عذر لكم أو لا ينفعكم أيُّ اعتذار أو توبة اليوم، مما يبعث اليأس في نفوسهم. ﴿الْيَوْمَ﴾: يوم القيامة. ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ﴾: إنما كافة مكفوفة تفيد التوكيد، تجزون: من الجزاء، والجزاء من جنس العمل. ﴿مَا كُنتُمْ﴾: ما: الذي كنتم في الدنيا. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: العمل يضم القول والفعل؛ أي: ما كنتم تقولون وتفعلون.

стр. 5470

سورة التحريم [٦٦: ٨] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِى اللَّهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: نداء جديد للذين آمنوا بتكليف أو أمر جديد هو التوبة النَّصوح، التوبة الصادقة الخالصة لوجه الله لها شروط منها: الندم على الذنب أو المعصية، وعدم الرجوع إليه (الإقلاع عن الذنب)، والإكثار من الطاعة والنوافل، وردُّ المظالم إلى أهلها. ﴿نَصُوحًا﴾: صيغة مبالغة من: نصح. ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: عسى من أفعال الرجاء التي يتحقق حدوثها. ﴿أَنْ﴾ حرف مصدري يفيد التعليل والتوكيد. ﴿يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ التكفير يعني: السَّتر والمحو ورفع العقاب، و"السّيئات" قيل: الصّغائر. ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي تنبع من تحتها الأنهار.

стр. 5471

﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اللَّهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: يوم ظرف زماني، لا يخزي: لا يفضح الله المؤمنين أمام الكفار. يوم: نكرة؛ ليدل على التعظيم. ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾: يوم القيامة نورهم نور الإيمان والوضوء، يسعى: يسير أمامهم وعلى أيمانهم وهم على الصراط أو في أرض المحشر. ارجع إلى سورة الحديد آية (١٢) لمزيد من البيان. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾: أي أبقِه لنا، فلا ينطفئ حتى يتجاوزوا الصراط وينجوا من السقوط في جهنم، أو يقولون ذلك تقرُّباً إلى الله، أو يقولون: أتمم علينا نورنا تفضلاً منك؛ لأن النور على قدر الأعمال، أو أكثِر لنا من النور. ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾: ما قدمنا من الذنوب والكبائر. ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: دعاء توسُّل بقدرة: القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٠). سورة التحريم [٦٦: ٩] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: نداء تشريف إلى النبي، والهاء للتنبيه. ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾: جاهد بالقول والحجة والقوة والبرهان وأيِّ وسيلة أخرى. الكفار: جمع كافر، والكفار صيغة مبالغة ولم يقل الكافرين، الكفار جمع تكسير، فهي تدل على أن الكفار أكثر عدداً من الكافرين، وكلمة الكفار تشير إلى عقيدة الكفر (الحدث)، والكافرين تشير إلى فعل الكفر أو عمل الكفر.

стр. 5472

﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾: جمع منافق: وهو الذي يظهر الإيمان والإسلام ويبطِن الكفر. ارجع إلى سورة المنافقون آية (١) لمزيد من البيان. ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾: الغلظة الشدة بالإنذار وخشونة الجانب، وعدم المعاملة باللين والرأفة. ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: المأوى مكان الإقامة والاستقرار في الآخرة، والضمير يعود على الكفار والمنافقين، جهنم: اسم من أسماء النار، ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) لمزيد من البيان في معنى المأوى وجهنم، ولو قارنا هذه الآية بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ثم: تعني التراخي في الزمن، فهذه الآية جاءت في سياق الدنيا، بينما آية التحريم جاءت في سياق الحديث عن الآخرة، وليس هناك فاصل زمني. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: بئس من أفعال الذم والقبح، المصير: المنتهى، وقدّم الكفار على المنافقين من حيث الزّمن فالكفار جاؤوا قبل المنافقين، وهم أكثر عدداً، وإذا قارنّا هذه الآية (٩) من سورة التحريم وهي قوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ مع الآية (١٩٧) من سورة آل عمران وهي قوله تعالى: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ نجده استعمل ثم بدلاً من الواو؛ لأن ثم تدل على التراخي في الزمن؛ لأنهم لا زالوا في الدنيا، بينما آية التحريم في سياق الآخرة فاستعمل الواو. سورة التحريم [٦٦: ١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ

стр. 5473

مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾: المثل: هو قول موجز أو تشبيه حال بحال يراد به المقارنة والموازنة أو المفاضلة بين أمرين؛ لكي يتّضح الأمر ويزول الغموض. المناسبة: في مطلع السورة رأينا كيف حفصة وعائشة دفعتا رسول الله ﷺ إلى تحريم ما أحلّ الله له، وجاء التحذير لهما بتوقير رسول الله ﷺ وعدم مخالفته وبالتوبة فقال: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [الآية: ٤]. وضرب المثل بامرأة نوح أو لوط بعد ذكر عائشة وحفصة يبيّن لنا أن امرأة نوح ولوط كانت كل واحدة منهما تحت نبي رسول، فلم ينفعها قرابتها من كونها امرأة لنبي إذا لم تصدّقه وتطع أوامره. ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: اللام لام الاختصاص، مثل خاص لهم. ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾: وقوله: امرأة، ولم يقل زوجة؛ لأن امرأة في القرآن تطلق على كل من تخالف زوجها في الدين أو الأخلاق أو العقيدة، أو فيها خلل في الحياة الزوجية مثل كونها لا تنجب أو عاقراً أو بها عيب خلقي. أما إذا كانت توافق زوجها في الدين والعقيدة والأخلاق وليس بها عيب بدني، ومساوية لزوجها، عندها يطلق عليها زوجة، وكذلك انظر كيف كتبت ﴿وَامْرَأَتَ﴾ بالتاء المفتوحة (المبسوطة)، وليس بالتاء المربوطة. ارجع إلى سورة آل عمران آية (٣٠) للبيان.

стр. 5474

﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾: كانتا في عصمة نوح ولوط (عليهما الصلاة والسلام). ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾: بسبب النفاق أو إفشاء السر وعدم التصديق برسالتهما، وليست خيانة جنسية أو الإحصان. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قطُّ. وقيل: كانت امرأة نوح تتهم نوحاً ﵇ بأنه مجنون، ولم تصدق برسالته، وأما امرأة لوط كانت تشجّع على الفاحشة ولا تنكرها، وتفشي أخبار لوط إلى قومه. وهذان رسولان لم يستطيعا التأثير في امرأتيهما، فلكل إنسان سواء كان ذكراً أو أنثى حرية الإيمان والعقيدة: ولا تزر وازرة وزر أخرى. ﴿فَلَمْ﴾: الفاء للتوكيد، لم للنفي. ﴿يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: أي لم يفيداهما أو ينفعهما لا نوح ولا لوط من عذاب الله شيئاً، والشيء: وهو أقل القليل أو أيُّ نوع من الغنى. ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾: مع الداخلين: من أهل الكفر والمعاصي إلى النار. سورة التحريم [٦٦: ١١] ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِى عِنْدَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: كما قلنا: ضرب الله تعالى المثل الأول؛ ليحذّر به حفصة وعائشة أن تكونا مثل امرأة نوح أو امرأة لوط، ثم ضرب الله تعالى المثل الثاني؛ ليحضّ ويحثّ حفصة وعائشة أن تكونا مثل امرأة فرعون ومريم بنت عمران، ويحضّ كل مؤمنة

стр. 5475

على الصبر والثبات في الشدة والابتلاء، وتكون مثل مريم بنت عمران وامرأة فرعون. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: ارجع إلى الآية السابقة (١٠). ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾: قيل: هي آسية بنت مزاحم؛ ربّت موسى ﵇ وآمنت بموسى وتعرّضت لعذاب فرعون الشديد بسبب إيمانها، ولم يقل زوجة فرعون؛ لأنها تخالف زوجها في الدين. ﴿إِذْ﴾: واذكر إذ، أو اذكر حين قالت وهي تتلقى شتى أنواع العذاب. ﴿رَبِّ ابْنِ لِى عِنْدَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ﴾: دعَت بذلك الدعاء، وعندما اشتد عذاب فرعون لها ورأت قرب أجلها. ﴿وَنَجِّنِى مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾: من طغيانه وفساده وظلمه وكفره، ونجّني من هذا الطاغية وتعذيبه. ﴿وَنَجِّنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: تكرار "نجّني" للتوكيد، من القوم الظالمين: قوم فرعون وملئه الأقباط الوثنيين. سورة التحريم [٦٦: ١٢] ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾: أم عيسى ﵇. ﴿الَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾: حفظته وصانته، كناية عن عفّتها فلم تتزوج ولم يمسها بشر. ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾: "فيه" تعني الجنين عيسى ﵇، نفخنا: نا

стр. 5476

الضمير تعود على جبريل ﵇ بأمر من الله سبحانه، من: ابتدائية، روحنا: روحٌ من الأرواح، ولا تعني من روح الله، فجبريل الذي نفخ (فيه) في عيسى ﵇، بينما الله سبحانه الذي نفخ في آدم. وهناك من المفسرين من يقول: إن الضمير في كلمة "فيه" تعود على الفرج مكان النفخ، وقيل: "فيه" تعني جَيب درعها، والله أعلم. ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٩١) للمقارنة ولمزيد من البيان. ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾: حينما قال لها جبريل: "إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً"، و: "يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلّم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين". صدقت بما أوحي إلى عيسى ﵇. ﴿وَكُتُبِهِ﴾: التوراة والإنجيل، كلمات ربها التي في التوراة والإنجيل. ﴿وَكَانَتْ مِنَ﴾: من للتبعيض ولابتداء الغاية. ﴿الْقَانِتِينَ﴾: ولم يقل من القانتات المطيعات لله، القانتين: غلّب الذكورة على الإناث؛ لأن القانتين من الرجال أكثر من النساء، أو لأن مريم كانت تقوم بأعمال الطاعة والعبادة والقنوت تضاهي أعمال الرجال، أو لكونها من نسل القانتين.

стр. 5477

سورة الملك [٦٧: ١] سورة الملك ترتيبها في القرآن (٦٧)، وترتيبها في النزول (٧٧). وتسمَّى الواقية المنجية من عذاب القبر، كما أخرج التّرمذي عن ابن عباس، قال رسول الله ﷺ : هي المانعة هي المنجية من عذاب القبر. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (إنّ سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتّى غفر له)، قال التّرمذي: حديث حسن، وما أخرجه الطّبراني والحافظ المقدسي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (سورة في القرآن خاصمت عن صاحبها حتّى أدخلته الجنة). تتحدث سورة تبارك عن عظمة الله سبحانه وقدرته ووحدانيَّته، ونعمه وعلمه وإنذاره، والسّمة التّعبيرية فيها الرّحمة مثل قوله: العزيز الغفور، لهم مغفرة وأجر كبير، جعل لكم الأرض ذلولاً وغيرها، وتشير إلى البعث والتوكل على الله. وذكر اسم الرّحمن فيها (٣) مرات.

стр. 5478

﴿تَبَارَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ﴿تَبَارَكَ﴾: اختلف العلماء في معنى تبارك، قيل: تبارك: تعالى وتعاظم قدره وتنزَّه وتقدَّس عن شبه ما سواه. تبارك: من البركة والبركة تعن: الكثرة والزّيادة تكاثرت بركته وعمت الخلائق وعظم خيره وإحسانه، فكل البركة من الله تعالى الذي أبدع هذا الكون وأودع بركته فيه. وقيل: تبارك: اشتقت من برك الجمل: دام وثبت بمعنى الثّبوت، أيْ: دام خيره وإحسانه لخلقه. وردت كلمة تبارك في تسع آيات في القرآن منها: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]. ﴿تَبَارَكَ الَّذِى إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠]. ﴿تَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١]. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤]. ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزخرف: ٨٥]. ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِى الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]. ﴿تَبَارَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١].

стр. 5479

وكلمة تبارك أو سبحانك لا تستعمل إلا لله تعالى وحده، وردت تبارك في سبع آيات بالألف الممدودة، وتبارك الخنجرية في سورة الرّحمن والملك؛ مما يدل على أنّ كتابة القرآن أمر توقيفي. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يدل على التّعظيم. ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾: بضم الميم، أي: الحُكم فهو الحاكم، حاكم السموات والأرض وما فيهنَّ ولا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، بيده: أيْ: هو المتصرف بملكه كيف يشاء يُعز من يشاء ويُذل من يشاء يؤتي المُلك من يشاء وينزع المُلك ممن يشاء. وهناك كلمة مِلك بكسر الميم: تعني: الملكية؛ أي: ما يُمْلَك، وكل ما يُمْلَك فهو مِلْك؛ فهو سبحانه يملك السموات وما فيهنَّ والأرض وما فيها، فكل شيء هو ملكه وحده وما نحن إلا مستخلفين في بعض هذا الملك كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]، فهو مالك المُلك: المالك الحقيقي والحاكم الدائم لا شريك له، له الخلق وله الأمر الحي القيوم. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد، شيء: نكرة تشمل كلّ شيء مهما كان نوعه وشكله وحجمه ووزنه ولونه وجنسه، قدير: التّام القدرة لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء، فإذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن، فيكون، قدير: صيغة مبالغة لقادر، قادر على أن يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء، قدير؛ لأنه هو الحاكم ومالك الملك والعليم والحكيم.

стр. 5480

سورة الملك [٦٧: ٢] ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾: ﴿الَّذِى﴾: تفيد التّعظيم. ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾: خلق: أصل الخلق التّقدير، والخلق يعني: الإيجاد، أيْ: أوجد الموت وهو نقص البنية لجسم الإنسان بخروج الروح الباعثة للحياة من جسد الإنسان، أي: انفصال الروح عن الجسد وإذا انفصلت الروح توفيت النفس أيضاً وتحول الجسد إلى بدن، فالبدن جسد بلا روح ولا نفس، كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢]، والحياة تبدأ بنفخ الروح في البدن. ارجع إلى سورة الزمر آية (٤٢) لمزيد من البيان، وقدَّم الموت على الحياة؛ لأن الموت مقدَّر في المحفظة الوراثية المكونة من الجينات، والتي يسبق خلقها نفخ الروح في البدن، أو التقديم قد يكون للاهتمام؛ لأن أكثر الناس يغفلون عن الموت، وأما الحياة فهي شغلهم الشاغل، فالتقديم قد يكون للاهتمام والاستعداد للموت، وقيل: تقديم الموت على الحياة؛ لأن الموت يسبق الحياة في مرحلة الأصلاب كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾: اللام للتعليل، يبلوكم: من الابتلاء والابتلاء يكون في الخير والشر، والابتلاء هو استخراج ما عند المبتلى من طاعة أو معصية، ولا يكون إلا بتحمُّل المشاق والمكاره. ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: ولم يقل: أيكم أكثر عملاً، وإنما قال: أحسن عملاً، أيْ: أخلص عملاً لوجه الله تعالى وأصوب، أيْ: على هدي القرآن والسّنة. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.

стр. 5481

﴿الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾: العزيز: مشتق من عزة القوة والامتناع والغلبة والقهر وذكر العزيز (٩٢) مرة في القرآن، ويعني: القوي الذي لا يعجزه شيء، الغالب الذي لا يُغلب والقاهر الذي لا يُقهر، والممتنع لا يحتاج إلى أحد من عباده، ولا ينفعه أحد ولا يضره أحد، الغفور: كثير المغفرة لمن تاب وأناب، والمغفرة: تعني بستر عليه ذنبه ولا يفضحه، أيْ: لا يعاقبه عليه ويعطيه ثواب حسناته كاملة أيْ: لا يطرح سيئاته من حسناته، الغفور: صيغة مبالغة لغافر، أيْ: كثير المغفرة كماً ونوعاً، وقيل: الغفار: يغفر الذّنوب الكثيرة. والغفور يغفر الذنوب الكبيرة أو الكبائر مهما تنوعت وكبرت إذا تاب العبد وأناب إلى ربه. سورة الملك [٦٧: ٣] ﴿الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾: ومن مظاهر عظمته وقدرته: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾: طباقاً: بعضها فوق بعض، أيْ: سبع سموات حول مركز واحد هو الأرض يغلف الخارج منها الداخل أو سبع كرات عظيمة سمكها متساوٍ، والمسافات بينها متساوية ومركزها واحد هو الأرض، وقيل: بنية السموات السبع تشبه بنية الأرض المشكلة من سبع أرضين. ﴿مَا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾: التّفاوت: من الفوت وهو الفرجة أو التباعد يعني: التّباين والتّناقض أو عدم التّناسب فلا ترى أي عيب ولا نقص في خلقها. من: استغراقية، أيْ: تفاوت، أيْ: هي مبنية بناء محكم متماسك من دون فراغ كما كان يظن سابقاً، مملوءة بغازات التي يغلب عليها غاز الإيدروجين

стр. 5482

وذرات الكالسيوم والصّوديوم والبوتاسيوم وبخار الماء وغيرها، وتربط بينها قوانين الجاذبية المختلفة المغنطيسية والكهربائية التي لا تتغيَّر ولا تتبدل أو تضعف أو تزيد. ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾: أيْ: كرِّر النّظر أو أعد البصر المرة تلو الأخرى إن كنت في شك، أو تعني: التّوكيد، هل: استفهام فيه معنى التّقرير والجواب: لا تجد فيها أي فطور: شقوق وصدوع، فطور: مشتقة من فطر: شق. سورة الملك [٦٧: ٤] ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي. ارجع البصر: انظر، ثم أعد النظر المرة تلو المرة في السماء. ﴿ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾: كرتين: لا تعني: مرتين، وإنما المرة بعد الأخرى، أي: المرات العديدة. ﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ﴾: من الانقلاب: هو الرّجوع ولكن إلى حالة مخالفة للحالة التي بدأ منها، بينما الرجوع يكون للحالة نفسها التي بدأ منها. ﴿خَاسِئًا﴾: صاغراً ذليلاً عاجزاً عن رؤية، أيْ: خلل أو عيب في التّركيب أو فاشلاً مهزوماً. ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾: هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد، حسير كما فسَّره القدامى كليل متعب، أما التفسير العلمي فالحسير هو: أن الضوء المنبعث من الجسم المرئي مفروض أن يشكل بؤرة تصل إلى شبكة العين، ثم تنتقل بواسطة العصب العيني إلى المخ، ومن ثم يُرى الجسم المرئي، ففي حالة كون البصر حسيراً

стр. 5483

يعني: لا تصل بؤرة الجسم المرئي إلى شبكية العين، بل تتوقف بمسافة قريبة أو بعيدة عن الشبكية، ولذلك لا يُرى الجسم المرئي بشكل صحيح حقيقي واضح بسبب حسر البصر أو العجز البصري. سورة الملك [٦٧: ٥] ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد للتحقيق. ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾: أيْ: بالنّجوم، التي تشبه المصابيح، والنجوم هي أفران نووية مشتعلة عملاقة تضيء بنفسها والشمس هي إحدى هذه النجوم، فمن وظائف النجوم تزيين السماء، ومن وظائفها أيضاً: رجوماً للشياطين. ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾: رجوماً للشياطين: بما يصدر عنها من شهب تنطلق لترجم الشّياطين هذا في الدّنيا. ارجع إلى سورة الصافات آية (١٠)، واللام في كلمة للشياطين تدل على الاختصاص والاستحقاق والشّياطين هم كفرة الجن، والشّياطين جمع شيطان، وكلمة شيطان مشتقة من شطن: أي: ابتعد عن الحق وتمادى في الشّر والضّلال أو تمرد على الحق، أو شاط: أي: احترق أو الشّاطن: أي: الخبيث. وقد أثبتت الدراسات العلمية أن النجم يمر بمراحل مختلفة في دورة حياته مرحلة الولادة، ثم الطفولة والكهولة والشيخوخة، ثم الاحتضار وعندها تتكرَّر الطاقة بداخله باتحاد الإلكترونات والبروتونات، وتشكل نجم نتروني ذو كثافة عالية قد تبلغ مليون طن بالسم ٣، وقد ينفجر ويتحول إلى كتلة جامدة تشكل الشهب أو النيازك التي ترجم أو تقذف بها الشياطين.

стр. 5484

﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾: أيْ: هيأنا لهم: أيْ: للشياطين، عذاب السّعير في الآخرة، السّعير: النّار الملتهبة أو المستعمرة. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) لمزيد من البيان. سورة الملك [٦٧: ٦] ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: ﴿وَلِلَّذِينَ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق. ﴿كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾: أيْ: كفر العقيدة: وجحدوا بألوهيته وربوبيته، والباء للإلصاق سواء كانوا من شياطين الجن أو الإنس. ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾: في الآخرة، جهنم: تعني بعيدة القعر. ارجع إلى سورة الزمر آية (٣٢) لمزيد من البيان. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: بئس: فعل من أفعال الذّم، أيْ: بئس المآل والنّهاية. سورة الملك [٦٧: ٧] ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ﴾: ﴿إِذَا﴾: شرطية تفيد حتمية الحدوث. ﴿أُلْقُوا فِيهَا﴾: أيْ: ألقي الكافرون في جهنم، وتعني: الدّفع بقوة للدخول فيها كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]. ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ﴾: وهي: للتوكيد، تفور: تغلي غلي الحميم، أيْ: يخرج من النّار التي تغلي أصوات تشبه أصوات الشّهيق عند الإنسان أو الحيوان، والشّهيق ابتلاع الهواء ليدخل الرّئتين. وفي سورة الفرقان الآية (١٢) قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا

стр. 5485

تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ والزّفير هو إخراج الهواء من الرّئتين، والغيظ: الغضب الشّديد الكامن في نفس العاجز عن التّشفي، والغيظ: يعبر عن شدة درجة اشتعال النّار. سورة الملك [٦٧: ٨] ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾: ﴿تَكَادُ﴾: من أفعال المقاربة. ﴿تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾: تتقطع عليهم إرباً إرباً من الغيظ والذي هو أشد من الغضب، والغيظ يمثل شدة الغليان، ففي هذه الآية شبهت جهنم في شدة غليانها ولهيبها بإنسان شديد الغضب على عدوه يكاد يتمزق وينفجر وتخرج أحشاؤه. ارجع إلى سورة التوبة آية (١٥) لمزيد من البيان ومعرفة مراحل الغضب. ﴿كُلَّمَا﴾: مركبة من كلّ وما المصدرية الظّرفية، فهي أداة شرط تفيد التّكرار. ﴿أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ﴾: جماعة من الكفار أو زمرة. ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾: مالك وأعوانه من الملائكة. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾: ألم: استفهام توبيخي وإنكاري، نذير: من الإنذار وهو الإعلام والتّحذير، أيْ: ألم يأتكم رسل منكم ينذرونكم لقاء يومكم هذا. سورة الملك [٦٧: ٩] ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾: ﴿قَالُوا بَلَى﴾: أي: الكافرون قالوا للملائكة: ﴿قَدْ﴾: للتحقيق والتّوكيد. ﴿جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾: أيْ: رسول. ﴿فَكَذَّبْنَا﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، فكذبنا: أيْ: لم نصدق بالرّسل.

стр. 5486

﴿وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَىْءٍ﴾: من استغراقية، شيء: نكرة، أيْ: ما جئتم بأيِّ شيء من شرائع أو وحي أو آيات ولم ينزل الله من شيء، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٥) في سورة يس، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَىْءٍ﴾؛ لأن السياق في سورة الملك في تهديد وتحذير الكافرين وما أعده الله تعالى لعذابهم، ولم يقل الرحمن في هذه الآية رغم أن اسم الرحمن تكرر (٤ مرات) في هذه السورة. ﴿إِنْ أَنتُمْ﴾: إن: نافية أشد نفياً من ما، أو للتوكيد: هذا هو قول الملائكة للكفار حين اعترفوا بتكذيبهم للرسل وهو الراجح، أو قول الكفار لرسلهم المنذرين، أو قول الرّسل لقومهم حين أنذروهم. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿فِى ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾: بُعد كبير عن الحق والصّواب. سورة الملك [٦٧: ١٠] ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: ﴿وَقَالُوا﴾: أي: الكفار. ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾: لو: شرطية، كنا نسمع في الدّنيا سماع فهم وتدبُّر، نسمع ما جاءت به رسلنا أو نُذرنا من آيات ووعد ووعيد. ﴿مَا كُنَّا فِى أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: ما: النّافية، كنا: أي: الآن، في: ظرفي مكانية. ولو قالوا: ما كنا من أصحاب السعير، وليس في أصحاب السّعير فقد يعني: أنّهم ليسوا الآن في داخل جهنم، ويمكن أن يلحقوا بأصحاب السّعير بعد زمن، فهناك اختلاف كبير بين حرف من وفي، مثال: فلان في المدينة: أيْ: هو الآن في المدينة، فلان من المدينة: أيْ: هو من أهل المدينة وهو الآن خارج المدينة، أو

стр. 5487

نعقل: أو هنا بمعنى واو (العطف) أيْ: لو كنا نسمع ونعقل ولا تعني التّخيير؛ لأنّ السّمع من دون العقل لا فائدة منه، والعقل يحتاج إلى السّمع، نعقل: نفهم أو نتدبَّر أو نفكِّر، فهم نفوا عن أنفسهم وسائل الهداية؛ السّمع والعقل معاً. في أصحاب السّعير: أصحاب السّعير: سُمُّوا أصحاب السّعير (النّار الملتهبة، أي: المسعرة) لصحبتهم الدّائمة لها كأنّهم أصبحوا أصحابها ملازمين لها، أيْ: مالكوها كما نقول: أين صاحب الدّار، وقدَّم السّمع على العقل: لأنّ المدعو إلى الشّيء يسمع كلام الدّاعية أوّلاً، ثمّ يفكِّر فيه. سورة الملك [٦٧: ١١] ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، اعترفوا: أقروا وشهدوا على أنفسهم، بذنبهم: الباء للإلصاق، ولم يقل: بذنوبهم؛ لأنّ ذنبهم هو تكذيب الرّسل، وما أنزل الله، أمّا ذنوبهم: فتعني: الصّغائر والكبائر التي ارتكبوها فهم لا يتحدثون عنها الآن. ﴿فَسُحْقًا﴾: الفاء للتوكيد، سحقاً: أيْ: بُعداً، والسّحيق: البعيد ويقال: أسحقهم الله: أبعدهم الله عن رحمته، أيْ: بُعداً لهم ودماراً. ﴿لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: اللام: لام الاستحقاق والاختصاص، أصحاب السّعير: ارجع إلى الآية (١٠) السابقة. سورة الملك [٦٧: ١٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: للتوكيد، الذين: اسم موصول يفيد المدح. ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾: الخشية تعني: الخوف من ربهم، والتّعظيم

стр. 5488

والمهابة له، والعلم، (أيْ: تعلم الذي تخشاه ما هو صفاته)، يخشون عقابه وغضبه وسخطه، بالغيب: قيد الخشية بالغيب ولم يطلق الخشية، ويقول ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ كما في سورة الرعد الآية (٢١)، الغيب: كلّ ما غاب عن البصر، أيْ: يخشونه ولم يروه، يخشونه في السّر والعلن، أيْ: يخشونه أمام النّاس، ويخشونه في خلواتهم وغيابهم عن أعين النّاس، أيْ: إذا خلوا بأنفسهم، والباء (بالغيب): باء الظّرفية والمصاحبة. ﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، لهم: تعني: عامة المؤمنين. ﴿مَّغْفِرَةٌ﴾: المغفرة تعني: السّتر والمحو وترك العقاب والإثابة على الأعمال الصّالحة. ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: الأجر يكون بعد العمل، والأجر الكبير هو الجنّة ونعيمها.

стр. 5489

سورة الملك [٦٧: ١٣] ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: ﴿أَوِ﴾: تعني: للخيار أو السّواء، أيْ: يستوي عند الله إسراركم أو جهركم بالقول أو الفعل. سبب النّزول: كما قال ابن عباس أن المشركين كانوا يتكلمون على رسول الله ﷺ وينالون منه، فيخبره جبريل بما قالوا ونالوا منه فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد فيخبره. بل هو يعلم السّر وأخفى: أيْ: ما هو أخفى من السّر، أيْ: حديث النّفس وخواطرها، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: إنّه للتوكيد، عليم: صيغة مبالغة من علم، أيْ: كثير العلم أيْ: مطلع ورقيب ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، والصّدور: تعني القلوب التي مركز المشاعر والأحاسيس المعنوية مثل الإيمان والكفر والخيانة والاستقامة والتوحيد أو النفاق بما فيه من الخلايا العصبية، فهو سيد الأعضاء ويتصل بالدماغ بالدم والأعصاب. ارجع إلى سورة الحج آية (٤٦) لمزيد من البيان. ﴿بِذَاتِ﴾: كلّ شيء ذات، وكلّ ذات شيء، وذات: تعني كلّ المعتقدات والخواطر والسّرائر والأحاسيس من حسد ومكر وكراهية وحب، ولأنّها تعيش

стр. 5490

وتصاحب الإنسان وتلازمه وتجول وتعيش في صدره؛ أي: قلبه سمِّيت ذات أو ذوات الصّدور. وقدَّم السّر على الجهر؛ لأنّ العلم به أصعب من العلم بالجهر، ولأنّ كلّ عمل يبدأ سراً، ثمّ يجهر به وفي الآية تحذير من الغيبة والنّميمة. سورة الملك [٦٧: ١٤] ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾: ثمّ بيَّن الحُجَّة والدّليل على علمه بكلّ شيء؛ لأنّه سبحانه هو الذي خلق كلّ شيء. ﴿أَلَا يَعْلَمُ﴾: ألا: الهمزة همزة استفهام إنكاري وتقرير. ﴿مَنْ خَلَقَ﴾: من: اسم موصول بمعنى الذي، وتعني: ألا يعلم الخالق وهو اللطيف الخبير، أيْ: ألا يعلم الخالق مخلوقاته أو ما خلق. ﴿وَهُوَ﴾: الواو تفيد التّوكيد، هو: ضمير فصل يفيد الحصر والتّوكيد. ﴿اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾: اسمان من أسماء الله الحسنى، اللطيف: لغة أي: الشيء الدّقيق جداً الذي لا تراه أو يصعب رؤيته بالعين، أيْ: لا تدركه الأبصار واصطلاحاً: اللطيف الذي يعلم دقائق الأمور وخفاياها ومواقعها. الخبير: العليم ببواطن الأمور وأحاط علمه بالأسرار والبواطن والخفايا وذوات الصّدور، أيْ: يصل علمه إلى كلّ خفي، ومن يعلم بواطن الأمور فهو يعلم ظواهرها أيضاً. سورة الملك [٦٧: ١٥] ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾: ذلولاً: مسخرة لكم أيْ: ذللها

стр. 5491

وسخرها لكم وجعلها قراراً لا تميد ولا تضطرب مسخرة لكم للحرث والزّرع والبناء والعمارة. وهيأها لكم للعيش عليها وخلق الجبال وجعل عوامل التعرية واختلاف درجات الحرارة وشق لكم الفجاج والسبل. ﴿فَامْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا﴾: المناكب: الجوانب والمنكب في الإنسان ما بين الكتف والعضد، وتطلق على الطّرقات، أيْ: طرقاتها، فامشوا في طرقاتها لطلب الرّزق والعلم والإصلاح. ﴿وَكُلُوا مِنْ رِّزْقِهِ﴾: الرّزق: هو كلّ ما يُنتفع به وليس حراماً، أيْ: لا يكون إلا حلالاً، وتعني مما رزقكم وخلق لكم ما في الأرض من الزّرع والثّمار وكلّ ما خلقه الله تعالى في الأرض هو رزق للعباد، ثم وزعه بعلمه وحكمته على خلقه. ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾: النّشور: هو إحياء الموتى، ويلي النّشور الحشر وهو إخراج الموتى من قبورهم وسوقهم إلى أرض المحشر وجمعهم للحساب، وتقديم إليه: لتدل على الحصر أيْ: إلى الله وحده النّشور. سورة الملك [٦٧: ١٦] ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِى السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ﴾: ﴿أَأَمِنْتُمْ﴾: الهمزة للاستفهام التّحذيري، أمنتم: من الأمن وهو الطّمأنينة الكاملة مع زوال أسباب الخوف بينما الأمنة: فهي الطمأنينة الغير كاملة مع بقاء سبب أو بعض أسباب الخوف. ﴿مَنْ فِى﴾: من: اسم موصول تعني الذي وتفيد التّعظيم، في: السّماء هو الله تعالى. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾: الخسف: يعين الانهيار والتّشقق الذي يحدث من

стр. 5492

اصطدام الألواح تحت القارات الأرضية، وقدم الخسف على حاصباً؛ لأنه سبق ذكر الأرض حين قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ فناسب تقديم الخسف. ﴿فَإِذَا هِىَ تَمُورُ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، إذا: ظرفية زمانية تفيد الفجأة، هي تمور: أيْ: تتحرك وتضطرب والمور في الأصل الحركة المضطربة غير المستقرة من الأعلى إلى الأسفل. سورة الملك [٦٧: ١٧] ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِى السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾: ﴿أَمْ﴾: المنقطعة للإضراب الانتقالي والهمزة للاستفهام الإنكاري والتّحذير. ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِى السَّمَاءِ أَنْ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة. ﴿يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾: الحاصب: الرّيح العقيم التي إذا أتت على شيء جعلته كالرّميم، وسمِّيت حاصباً؛ لأنّها تحمل الحصباء والحجارة وتدمر كلّ شيء بأمر ربها. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب والسين للاستقبال القريب والتّوكيد مثل حينذاك. ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾: كيف: للاستفهام وللإنذار والتّهويل، نذير، أيْ: كيف كان خطر الإنذار وأهميته أو عاقبته. سورة الملك [٦٧: ١٨] ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق، والواو استئنافية.

стр. 5493

﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: من قبلهم: الضّمير يعود على كفار مكة الذين من قبلهم أمثال قوم نوح وعاد وثمود ولوط وفرعون ومدين، من: تفيد القرب أيْ: من زمن قريب. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: كيف: للاستفهام والتّهويل والتّحذير والتّعجب، أيْ: كيف كان عاقبة (قوم نوح وعاد وثمود وفرعون) لإنكارهم وتكذيبهم لرسلهم، فقد أهلكهم الله بذنوبهم في الدّنيا ولهم في الآخرة عذاب أليم. سورة الملك [٦٧: ١٩] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرٌ﴾: ﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتّقريع، والواو في أولم: لمطلق الجمع وتدل على المبالغة في إنكارهم. ﴿إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ﴾: جنس الطّير، فوقهم: في جو السّماء. ﴿صَافَّاتٍ﴾: من الصّف أيْ: صف الأجنحة وهو الأصل في الطّيران أيْ: تبسط أجنحتها للطيران أيْ: تمدها فتحملها الرّيح وجاء بالصّيغة الاسمية (صافات) التي تدل على الثّبوت، وتستطيع اختراق كتلة الهواء إلى الأمام وإلى الأعلى بصف الأجنحة. ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾: من قبض الأجنحة للاحتفاظ بالتّوازن، والقبض عرض طارئ عبَّر عنه بالفعل المضارع الذي يدل على التّكرار والتّجدُّد حتّى يتمكن الطّير من التّوازن والصعود والارتفاع إلى أماكن أعلى. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾: ما: النّافية، يمسكهن: في كلا الحالتين الصف والقبض والوقوع على الأرض، إلا الرّحمن: إلا: أداة حصر، الرّحمن: الذي

стр. 5494

سخر لهنَّ ما يحتجن للطيران ويمسكهنَّ من الوقوع على الأرض، فهذا من مظاهر رحمة الرّحمن، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٧٩) في سورة النحل وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِى جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾: نجد أن آية النحل جاءت في سياق التسخير (لقوله تعالى مسخرات)، والتسخير: يعني التذليل والقهر، فذكر اسم الله تعالى الجامع لجميع صفاته، وفي آية المُلك ذكر فعل الطيران، وعدم سقوطها فهذا من الرحمة فذكر اسم الرحمن مع ذلك. ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرٌ﴾: إنّه: للتوكيد، بكلّ: الباء للإلصاق والمصاحبة. كل شيء بصير: شيء نكرة تعني: أيَّ شيء مهما كان وأينما كان أحاط بصره بكلّ شيء في السموات والأرض وما بينهما. فهذه البراهين الدّالة على قدرة الله تعالى من أنّه عليم بذات الصّدور، وجعل الأرض لكم ذلولاً، وسخر للطير ما يحتاجه للطيران، ويمسكها أن تقع على الأرض، وأنّه بكلّ شيء بصير تكفي وتؤكد أنّ الله قادر على خسف الأرض أو إرسال حاصباً أو إرسال عذاباً عليكم من فوقكم أو من تحت أرجلكم. سورة الملك [٦٧: ٢٠] ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِى غُرُورٍ﴾: بعد ذكر البراهين على قدرته تعالى يوبخ المشركين الذين يظنون أنّ هناك من ينصرهم من غير الله أو الرّحمن، فيقول: ﴿أَمَّنْ﴾: أصلها أم + من، أم: المنقطعة للإضراب الانتقالي، ومن: للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ أن يكون لهم ناصر سوى الله إذا أراد أن يخسف بهم الأرض أو يعذبهم، فليس هناك من يمنع عذابه. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقرب ويفيد الذّم والتّحقير.

стр. 5495

﴿الَّذِى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ﴾: ولم يقل: جنود لكم، الذي: اسم موصول هو يفيد التّوكيد، جند لكم: جند اسم جنس أوسع شمولاً من جنود ويتضمن أو يشمل الواحد والاثنين أو أكثر، جنود: تعني فقط (٣) أو أكثر وتنفي الواحد والاثنين، لكم: اللام لام الاختصاص ولكم خاصة. ﴿يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾: أيْ: يدفع عنكم أو يمنعكم من عذاب الله إذا حل بكم، وذكر الرّحمن هنا: لأنّ السّياق في ذكر نعم الله تعالى، ولتذكرهم أن لا تغتروا برحمته فالرّحمن يعاقب. ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِى غُرُورٍ﴾: إن: للتعليل والتّوكيد، إلا: أداة حصر، في: ظرفية في حالة غرور دائم، غرور: الوقوع في الشر بسبب غفلة المغرور وقلة وعيه، والغرور: إيهام يحمل الإنسان على فعل ما يضره أو يعني الغفلة ويعني الخداع، حين يظنوا أنهم ليسوا بحاجة على الاعتماد على الرّحمن. سورة الملك [٦٧: ٢١] ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِى عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى﴾: ارجع إلى الآية السّابقة، والاستفهام هنا جوابه محذوف أيْ: لا رازق لكم غيره. ﴿يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾: أو من هذا الذي سيرزقكم غير الله تعالى إن أمسك الله رزقه عنكم مثل عدم إنزال المطر. أو جعل رزقكم حطاماً بإرسال الأعاصير أو الريح العقيم أو الفيضانات وغيرها من الكوارث الطبيعية. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿لَجُّوا﴾: من اللجاج وهو التّمادي والاستمرار. مشتقة من لُجَّة البحر أيْ:

стр. 5496

تردُّد أمواجه وعودتها إلى الاصطدام بالشاطئ أو الصخر المرة بعد الأخرى بلا انقطاع، ويعني الاستمرار في فعل الأمر المنهي عنه والمواظبة عليه. ﴿فِى عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾: في: ظرفية في حالة عتو: في عناد واستكبار وقسوة، ونفور: تباعد عن الحق والإيمان والإذعان. سورة الملك [٦٧: ٢٢] ﴿أَفَمَنْ يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: ثمّ يخبرنا بصورة الاستفهام التّقريري: أيهما أهدى المؤمن الموحِّد الذي يمشي سوياً على صراط مستقيم؛ أي: على دين الإسلام أم الكافر المشرك الذي يمشي مكباً على وجهه فيقول: ﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة استفهام تقريري، من: اسم موصول بمعنى الذي: ﴿يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾: المكب على وجهه أي: السّاقط على وجهه، من كبه: صرعه عل وجهه أيْ: لا يرى أمامه فهو يتعثر في ضلاله وجهله ومعاصيه. ﴿أَهْدَى﴾: أكثر هداية واستقامة على وزن أفعل أيْ: أفضل. ﴿أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: أمّن: للاستفهام التّقريري، أيْ: يمشي على هدي من ربه وعلى دين الإسلام، يمشي على صراط مستقيم: يوصله إلى غايته بأقصر زمن ومن دون حائل. سورة الملك [٦٧: ٢٣] ﴿قُلْ هُوَ الَّذِى أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾: ثمّ يخبرنا عن برهان آخر يدل على عظمته وقدرته سبحانه: ﴿قُلْ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ . ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد الحصر والتّوكيد، أي: الله سبحانه.

стр. 5497

﴿الَّذِى أَنشَأَكُمْ﴾: من الإنشاء وهو البداية في الخلق، والخلق يكون بعد الإنشاء أوجدكم من العدم. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ﴾: الجعل يتم بعد الخلق لكم: اللام لام الاختصاص لكم خاصة. ﴿السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾: قدَّم السّمع على البصر في حوالي (١٧) آية في القرآن، وقدَّم البصر على السّمع في سورة الكهف والسّجدة في آيتين فقط جاءا في سياق الآخرة، أمّا في سياق الحياة الدّنيا فيقدِّم السّمع على البصر لأسباب منها: ١ - السّمع يفوق البصر في الأهمية في التّبليغ والتّكليف. ٢ - يقدَّم السّمع؛ لأن السّمع لا ينقطع ليلاً أو نهاراً في النور أو الظلام. ٣ - السّمع ينشأ أو يخلق قبل البصر ومركز السمع يقع أمام مركز البصر. وانتبه أيضاً أن الله سبحانه قدَّم كلمة العين عل الأذن في كلّ القرآن، وأفرد السّمع وجمع البصر فقال: والأبصار. ارجع إلى الآية (٧) من سورة البقرة للبيان. ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾: ما: النّافية وللتعليل والتّوكيد، على قلة شكركم المنعم، قليلاً ما تشكرون: أيْ: مقدار شكركم قليل أو عدد الشّاكرين قليل، قليل: نكرة تفيد التّقليل، ما: لتوكيد القلة. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠) لمزيد من البيان في معنى الشكر. سورة الملك [٦٧: ٢٤] ﴿قُلْ هُوَ الَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِى﴾: ارجع إلى الآية السّابقة.

стр. 5498

﴿ذَرَأَكُمْ فِى الْأَرْضِ﴾: ذرأكم: من ذرأ: والذرء هو النشر والتّكاثر والانتشار في الأرض وأصل الذرء: الإظهار أيْ: أظهركم بالتّوالد والتّكاثر، في الأرض: في: ظرفية مكانية. ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: إليه، تقديمها يعني: الحصر أيْ: إليه خاصة لا لغيره، تحشرون: من الحشر وهو الإخراج من القبور، ثمّ السّوق والجمع في أرض المحشر للحساب والجزاء، وفي آيات أخرى يقول تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فذكر الحشر مع الذرء للدلالة على عظمة قدرته، فهو قادر على جمعكم أينما كنتم. سورة الملك [٦٧: ٢٥] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿وَيَقُولُونَ﴾: أي: الكافرون يقولون: بصيغة المضارع للدلالة على تكرار وتجدُّد سؤالهم لرسول الله ﷺ ولم يقل وقالوا. ﴿مَتَى﴾: استفهام يحمل معنى الاستهزاء والاستبعاد، متى ظرفية زمانية. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة يشير إلى يوم القيامة أيْ: متى يوم القيامة أو متى هذا الحشر والحساب. ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن: شرطية تفيد الشّك وقلة الحدوث، صادقين في وعدكم، أيْ: نشك في كونكم صادقين بما تخبرونا عن يوم الحساب والبعث والنّشر. سورة الملك [٦٧: ٢٦] ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ﴿قُلْ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ أيْ: للكافرين. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.

стр. 5499

﴿الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أيْ: لا أعلم الغيب، والله وحده الذي يعلم متى سيقع. ﴿وَإِنَّمَا﴾: مثل السّابقة، تكرارها يفيد التّوكيد وتفيد الحصر. ﴿أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: نذير: من الإنذار وهو الإعلام والتّحذير والتّخويف، نذير: صيغة مبالغة من أنذر، نذير مبين: أنّ الساعة واقعة لا محالة. ومبين تعني نذير لكلّ فرد، وإنذاري واضح وبين بالرجوع إلى الله وبالتّوبة إليه والإيمان به واتباع رسوله ﷺ والذي أُنزل إليه أي: القرآن.

стр. 5500

سورة الملك [٦٧: ٢٧] ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِى كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: لما: ظرف بمعنى حين متضمن معنى الشّرط. ﴿رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾: الهاء في رأوه تعود على الوعد وهو يوم القيامة والعذاب الذي يستبعدون حدوثه كأنّه قد حدث وانتهى، رأوه فعل ماض مع كونه لم يحدث بعد؛ لأن الله سبحانه خالق الزمن، ويوم القيامة قريب جداً، يصف لنا الرّب سبحانه حالتهم عند رؤية العذاب يوم القيامة. ﴿زُلْفَةً﴾: اسم مصدر للفعل أزلف أيْ: قرب، وزلفى: قربى. ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: سيئت وجوه الذي كفروا من رؤية العذاب بأن ظهر عليها الكآبة والذّلة وتغير لونها، ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣]. ﴿وَقِيلَ﴾: القائل مبني للمجهول، ولا يهم. ﴿هَذَا الَّذِى﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يشير إلى العذاب أو يوم البعث. ﴿كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾: تدعون أنّكم لا تبعثون أو هذا هو العذاب الذي كنتم تطلبون أن يحل بكم في الدّنيا أو تنكرون حدوثه وتستهزؤون به، تدعون مشتقة من الدّعاء وهو الطّلب أو مشتقة من الدّعوى أنّكم لا تبعثون. سورة الملك [٦٧: ٢٨] ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ اللَّهُ وَمَنْ مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: ﴿قُلْ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ .
следующие страницы →