Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
تردُّد أمواجه وعودتها إلى الاصطدام بالشاطئ أو الصخر المرة بعد الأخرى بلا انقطاع، ويعني الاستمرار في فعل الأمر المنهي عنه والمواظبة عليه.
﴿فِى عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾: في: ظرفية في حالة عتو: في عناد واستكبار وقسوة، ونفور: تباعد عن الحق والإيمان والإذعان.
سورة الملك [٦٧: ٢٢]
﴿أَفَمَنْ يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾:
ثمّ يخبرنا بصورة الاستفهام التّقريري: أيهما أهدى المؤمن الموحِّد الذي يمشي سوياً على صراط مستقيم؛ أي: على دين الإسلام أم الكافر المشرك الذي يمشي مكباً على وجهه فيقول:
﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة استفهام تقريري، من: اسم موصول بمعنى الذي:
﴿يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾: المكب على وجهه أي: السّاقط على وجهه، من كبه: صرعه عل وجهه أيْ: لا يرى أمامه فهو يتعثر في ضلاله وجهله ومعاصيه.
﴿أَهْدَى﴾: أكثر هداية واستقامة على وزن أفعل أيْ: أفضل.
﴿أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: أمّن: للاستفهام التّقريري، أيْ: يمشي على هدي من ربه وعلى دين الإسلام، يمشي على صراط مستقيم: يوصله إلى غايته بأقصر زمن ومن دون حائل.
سورة الملك [٦٧: ٢٣]
﴿قُلْ هُوَ الَّذِى أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾:
ثمّ يخبرنا عن برهان آخر يدل على عظمته وقدرته سبحانه:
﴿قُلْ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ .
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد الحصر والتّوكيد، أي: الله سبحانه.
стр. 5497
﴿الَّذِى أَنشَأَكُمْ﴾: من الإنشاء وهو البداية في الخلق، والخلق يكون بعد الإنشاء أوجدكم من العدم.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ﴾: الجعل يتم بعد الخلق لكم: اللام لام الاختصاص لكم خاصة.
﴿السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾: قدَّم السّمع على البصر في حوالي (١٧) آية في القرآن، وقدَّم البصر على السّمع في سورة الكهف والسّجدة في آيتين فقط جاءا في سياق الآخرة، أمّا في سياق الحياة الدّنيا فيقدِّم السّمع على البصر لأسباب منها:
١ - السّمع يفوق البصر في الأهمية في التّبليغ والتّكليف.
٢ - يقدَّم السّمع؛ لأن السّمع لا ينقطع ليلاً أو نهاراً في النور أو الظلام.
٣ - السّمع ينشأ أو يخلق قبل البصر ومركز السمع يقع أمام مركز البصر.
وانتبه أيضاً أن الله سبحانه قدَّم كلمة العين عل الأذن في كلّ القرآن، وأفرد السّمع وجمع البصر فقال: والأبصار. ارجع إلى الآية (٧) من سورة البقرة للبيان.
﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾: ما: النّافية وللتعليل والتّوكيد، على قلة شكركم المنعم، قليلاً ما تشكرون: أيْ: مقدار شكركم قليل أو عدد الشّاكرين قليل، قليل: نكرة تفيد التّقليل، ما: لتوكيد القلة. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠) لمزيد من البيان في معنى الشكر.
سورة الملك [٦٧: ٢٤]
﴿قُلْ هُوَ الَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾:
﴿قُلْ هُوَ الَّذِى﴾: ارجع إلى الآية السّابقة.
стр. 5498
﴿ذَرَأَكُمْ فِى الْأَرْضِ﴾: ذرأكم: من ذرأ: والذرء هو النشر والتّكاثر والانتشار في الأرض وأصل الذرء: الإظهار أيْ: أظهركم بالتّوالد والتّكاثر، في الأرض: في: ظرفية مكانية.
﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: إليه، تقديمها يعني: الحصر أيْ: إليه خاصة لا لغيره، تحشرون: من الحشر وهو الإخراج من القبور، ثمّ السّوق والجمع في أرض المحشر للحساب والجزاء، وفي آيات أخرى يقول تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فذكر الحشر مع الذرء للدلالة على عظمة قدرته، فهو قادر على جمعكم أينما كنتم.
سورة الملك [٦٧: ٢٥]
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾:
﴿وَيَقُولُونَ﴾: أي: الكافرون يقولون: بصيغة المضارع للدلالة على تكرار وتجدُّد سؤالهم لرسول الله ﷺ ولم يقل وقالوا.
﴿مَتَى﴾: استفهام يحمل معنى الاستهزاء والاستبعاد، متى ظرفية زمانية.
﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة يشير إلى يوم القيامة أيْ: متى يوم القيامة أو متى هذا الحشر والحساب.
﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن: شرطية تفيد الشّك وقلة الحدوث، صادقين في وعدكم، أيْ: نشك في كونكم صادقين بما تخبرونا عن يوم الحساب والبعث والنّشر.
سورة الملك [٦٧: ٢٦]
﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾:
﴿قُلْ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ أيْ: للكافرين.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
стр. 5499
﴿الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أيْ: لا أعلم الغيب، والله وحده الذي يعلم متى سيقع.
﴿وَإِنَّمَا﴾: مثل السّابقة، تكرارها يفيد التّوكيد وتفيد الحصر.
﴿أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: نذير: من الإنذار وهو الإعلام والتّحذير والتّخويف، نذير: صيغة مبالغة من أنذر، نذير مبين: أنّ الساعة واقعة لا محالة. ومبين تعني نذير لكلّ فرد، وإنذاري واضح وبين بالرجوع إلى الله وبالتّوبة إليه والإيمان به واتباع رسوله ﷺ والذي أُنزل إليه أي: القرآن.
стр. 5500
سورة الملك [٦٧: ٢٧]
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِى كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: لما: ظرف بمعنى حين متضمن معنى الشّرط.
﴿رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾: الهاء في رأوه تعود على الوعد وهو يوم القيامة والعذاب الذي يستبعدون حدوثه كأنّه قد حدث وانتهى، رأوه فعل ماض مع كونه لم يحدث بعد؛ لأن الله سبحانه خالق الزمن، ويوم القيامة قريب جداً، يصف لنا الرّب سبحانه حالتهم عند رؤية العذاب يوم القيامة.
﴿زُلْفَةً﴾: اسم مصدر للفعل أزلف أيْ: قرب، وزلفى: قربى.
﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: سيئت وجوه الذي كفروا من رؤية العذاب بأن ظهر عليها الكآبة والذّلة وتغير لونها، ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣].
﴿وَقِيلَ﴾: القائل مبني للمجهول، ولا يهم.
﴿هَذَا الَّذِى﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يشير إلى العذاب أو يوم البعث.
﴿كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾: تدعون أنّكم لا تبعثون أو هذا هو العذاب الذي كنتم تطلبون أن يحل بكم في الدّنيا أو تنكرون حدوثه وتستهزؤون به، تدعون مشتقة من الدّعاء وهو الطّلب أو مشتقة من الدّعوى أنّكم لا تبعثون.
سورة الملك [٦٧: ٢٨]
﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ اللَّهُ وَمَنْ مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾:
﴿قُلْ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ .
стр. 5501
﴿أَرَءَيْتُمْ﴾: أيْ: أخبروني بعلم ودراية أيها الكفار، والهمزة: للاستفهام والتّقرير، أرأيتم من الرّؤية وهي رؤية قلبية ورؤية بصرية.
﴿إِنْ أَهْلَكَنِىَ اللَّهُ وَمَنْ مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا﴾: إن: شرطية، أهلكني الله ومن معي من المؤمنين بالموت أو بحرب أو بمصيبة أو كارثة أو أيِّ سبب، أو رحمنا: أو للتخيير، رحمنا: بتأخير الأجل أو الإهلاك أو العذاب.
﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾: من استفهامية بمعنى التّقرير أيْ: لا أحد.
﴿مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: يجير الكافرين أيْ: يمنعهم أو ينجيهم من عذاب أليم: شديد الإيلام لا يقوى على تحمله أحد.
سورة الملك [٦٧: ٢٩]
﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾:
﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ لهؤلاء الكفار وغيرهم.
﴿هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ﴾: هو: ضمير فصل يفيد الحصر: الرحمن اسم من أسماء الله الحسنى مشتق من الرّحمة التي هي صفة عامة تشمل باقي صفات الرّحمة، آمنا به: وحده ولا نشرك به شيئاً، انظر كيف أخر (به)، ولم يقدِّم (به) على (آمنا)؛ لأنّ الإيمان بالله لا يكفي وحده، بل لا بُدَّ من الإيمان بالملائكة والرّسل والكتب واليوم الآخر. وانظر إلى قوله تعالى: وعليه توكلنا كيف قدَّم عليه وأخر توكلنا ولم يقل توكلنا عليه ليفيد الحصر حصر التوكل على الله تعالى وحده، أما الأيمان فلا ينحصر بالله وإنما يشمل الإيمان بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٩) لمزيد من البيان عن التوكل.
﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾: الفاء للتوكيد، ستعلمون: السّين للاستقبال القريب أيْ: ستعلمون قريباً.
﴿مَنْ هُوَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: من: اسم موصول بمعنى الذي، هو: ضمير فصل
стр. 5502
يفيد التّوكيد، في: ظرفية، ضلال مبين: ضلال. ارجع إلى الآية (٩) من نفس السّورة، ومبين أي:
١ - ضلال بين لكلّ مخلوق.
٢ - وضلال بين بنفسه ظاهر للعيان لا يحتاج إلى برهان أو دليل.
سورة الملك [٦٧: ٣٠]
﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ﴾:
﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ﴾: ارجع إلى الآية (٢٨).
﴿أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾: ذاهباً في الأرض؛ أي: غائراً لا تصله الدّلاء أو نضب، أو قل ماء الآبار أو غار في الأرض، وكانوا يشربون من بئر زمزم أو غيرها.
﴿فَمَنْ يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ﴾: فمن: للاستفهام، يأتيكم بماء معين أيْ: ظاهر تراه العيون أو يمكنكم الوصول إليه واستخراجه، الجواب الله سبحانه وحده القادر على الإيتاء به.
стр. 5503
سورة القلم [٦٨: ١]
سورة القلم
وتسمَّى سورة (ن) ترتيبها في القرآن (٦٨) وترتيبها في النّزول من أوائل السّور، قيل: نزلت بعد سورة العلق (اقرأ) وسورة المزمل والمدثر أيْ: ترتيبها في النزول (٤).
ورُوِيَ عن ابن عبّاس أنها نزلت بعد سورة اقرأ (العلق) أيْ: ثاني سورة نزلت، ثمّ نزل بعدها المزمل والمدثر.
﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾:
﴿ن﴾: من الحروف المتقطعة التي وردت في أوائل السّور وهذه الحروف التي عددها (١٤) حرفاً من حروف الهجاء التسع والعشرون والتي جمعت في جملة (نص حكيم قاطع له سر) أو (نص حكيم له سر قاطع) استأثر الله سبحانه بعلمها ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة للبيان. وقيل: (ن) الدّواة (المحبرة) والدّواة في عالمنا الحاضر قد تشمل الآلة الكاتبة والكمبيوتر وكلّ أدوات الطّباعة. وقيل: (ن) الحوت الأزرق الذي التقم يونس وبقي في فمه. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤٢) للبيان.
ورُوِيَ عن ابن عبّاس: إنّ أول شيء خلقه الله القلم، ثمَّ قال: اكتب ما هو كائن من الأقدار والأعمال والآثار والأرزاق والآجال، وما سيجري في الكون والخلق، فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم القيامة أو إلى أن تقوم السّاعة.
стр. 5504
﴿وَالْقَلَمِ﴾: الواو واو القسم ولا يقسم الله سبحانه إلا بشيء عظيم وهو غني عن القسم والقسم يشير إلى أهمية المقسم به وأهمية جواب القسم، أقسم الله تعالى بالقلم والقلم اسم جنس، القلم الذي يُكتب به وهو أوّل شيء خلقه الله تعالى والقلم يشمل آلات الكتابة والطباعة والكمبيوتر، وما يُخط به وما يخرج لنا العلم في كلّ يوم من مخترعات حلت محل القلم.
﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: ما لغير العاقل، يسطرون: يخطون ويكتبون، ما تكتبه الملائكة الحفظة من أعمال بني آدم، أو كل ما يكتبه العباد؛ لأنهم مسؤولون عما يسطرون.
ما: اسم موصول بمعنى الذي يسطرونه أو مصدرية بمعنى مسطورهم.
وفي هذه الآية إشارة إلى عظم نعمة القلم وانتشار العلم والمعارف بين الأفراد والأمم ووسيلة من هم وسائل البيان، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤].
وجواب القسم قيل: ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وقيل: الثّلاث آيات (٢) ما أنت بنعمة ربك بمجنون، (٣) وإن لك أجراً غير ممنون، (٤) وإنّك لعلى خلق عظيم.
سورة القلم [٦٨: ٢]
﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾:
﴿مَا﴾: النّافية.
﴿أَنْتَ﴾: يا محمّد ﷺ .
﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾: بنبوة ربك الباء باء الإلصاق والمصاحبة وقيل: باء السّببية، أيْ: بسبب ما أوحي إليك بسبب النّبوة أصبحت مجنون كما يزعمون أو هو ردٌّ على افتراء كفار مكة أمثال الوليد بن المغيرة والنّضر بن الحارث وعتبة بن ربيعة
стр. 5505
وغيرهم؛ حين قالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]، أو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١].
﴿بِمَجْنُونٍ﴾: الباء للتوكيد أيْ: نفي الجنون عنه ﷺ .
سورة القلم [٦٨: ٣]
﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾:
﴿وَإِنَّ﴾: الواو عاطفة، إنّ للتوكيد.
﴿لَكَ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق والكاف للخطاب، لك يا محمّد.
﴿لَأَجْرًا﴾: اللام للتوكيد، أجراً: الأجر هو جزاء العمل، لأجرّ ما تحملت من أعباء النّبوة وإبلاغ الرّسالة.
﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾: غير: تفيد النّفي، غير ممنون: غير مقطوع، بل هو مستمر يقال: مَنَنْتُ الحبل إذا قطعته، وغير ممنون: من المن كقوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] أيْ: غير ممنون به عليك أيْ: هذا الأجر تستحقه ولا نمنُّه عليك.
سورة القلم [٦٨: ٤]
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾:
﴿وَإِنَّكَ﴾: الواو عاطفة، إنّك للتوكيد.
﴿لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: اللام للتوكيد، على: تفيد العلو أو الاستعلاء أي: التّمكن بدلاً من قوله: ذو خلق عظيم، كأن الخُلق مطية وهو مستعل عليها.
خلق عظيم: كما فسرته عائشة ﵂ حين سُئلت عن خلقه فقالت: كان خلقه القرآن، فقد أجملت الخلق العظيم لرسول الله ﷺ بقولها خلقه القرآن أيْ: أنّه يأتمر بأمره ربه وينتهي بنواهيه، فكان رسول الله ﷺ أحسن
стр. 5506
النّاس خُلقاً فكان أوسع النّاس صدراً وأوفاهم ذمة وأكرمهم عشرة لم يكن ﷺ فاحشاً ولا سباباً ولا لعاناً كان عظيم الحلم والعفو شديد الصّبر على المكاره ما أذى أو ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قط لا امرأة ولا خادماً، وكان رفيقاً بالنّاس متواضعاً وأجود النّاس، وكان شديد الحياء شجاعاً وأزهد النّاس وأعدلهم وأشد النّاس وقاراً ومهابة.
سورة القلم [٦٨: ٥]
﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾:
﴿فَسَتُبْصِرُ﴾: الفاء: للتوكيد، ستبصر: السّين للاستقبال القريب أيْ: ستعلم وسترى يا محمّد ﷺ عن قريب.
﴿وَيُبْصِرُونَ﴾: ولم يقل: سيبصرون إنما يبصرون أيْ: يعلمون اليوم وغداً ويوم القيامة من المجنون، وفي الآية تهديد ووعيد، وتدل على التجدُّد والتكرار.
سورة القلم [٦٨: ٦]
﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾:
﴿الْمَفْتُونُ﴾: المجنون، والمفتون الذي أصيب بفتنة أدت إلى ذهاب عقله وأصبح مختل العقل وقيل: المفتون الضّال.
﴿بِأَيِّكُمُ﴾: الباء: للتوكيد، أيكم: أيّ استفهامية، أيكم: أي الفريقين المفتون (المجنون) أنت أو هم، أيْ: هؤلاء الذين يتهمونك بالجنون.
سورة القلم [٦٨: ٧]
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾:
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ﴾: إنّ للتوكيد، ربك: خالقك المتولي أمورك ومربيك، هو تفيد التّوكيد.
﴿أَعْلَمُ﴾: على وزن أفعل صيغة مبالغة من علم يعلم عالم.
стр. 5507
﴿بِمَنْ﴾: الباء للإلصاق والتّوكيد، من: اسم موصول بمعنى الذي أو استفهامية.
﴿ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: ضل: انحرف وعدل عن الصّراط المستقيم أو الحق والصّواب، عن سبيله: عن دينه، أيْ: إنّ ربك يعلم من هو الضّال المفتون منكم.
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾: وهو للتوكيد، أعلم بالمهتدين: جمع مهتدٍ أي: السّائر على دينه والمتبع هديه، وفي هذه الآية إنذار لكلّ من يضل عن دين الله وبشرى لمن يسير على الصراط المستقيم.
سورة القلم [٦٨: ٨]
﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾:
بعد أن وصف الله سبحانه رسوله بالخلق العظيم ينتقل سبحانه ليصف هؤلاء المشركين الذين اتهموه بالجنون بعشر صفات.
﴿فَلَا﴾: الفاء للتوكيد، لا النّاهية.
﴿تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾: رؤساء قريش من المشركين أمثال الوليد بن المغيرة والنّضر بن الحارث وعتبة بن ربيعة والأخنس بن شريق والأسود بن عبد يغوث وغيرهم، المكذبين: بآيات الله والقرآن والوحي، أي: الضّالين والمكذبين بنبوتك.
سورة القلم [٦٨: ٩]
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾:
﴿وَدُّوا﴾: من الود: تمنوا.
﴿لَوْ تُدْهِنُ﴾: لو: للتمني، لو تلين وتستجيب لمطالبهم بأن لا تعيب على آلهتهم أو تذكرها بسوء، والمدهن: هو الذي يتنازل عن شيء من دينه ليحفظ شيئاً
стр. 5508
من دنياه، والمداري من المداراة: هو من يتنازل عن شيء من دنياه ليحفظ شيئاً من دينه، فالمداهنة محرمة والمداراة جائزة.
﴿فَيُدْهِنُونَ﴾: أيْ: لو تلين فيلينون لك؛ أي: لو تعبد آلهتهم فيعبدوا الله، وجاء الرّد بعدم الاستجابة لهم والإعراض عنهم.
سورة القلم [٦٨: ١٠]
﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾:
بعد النّهي عن إطاعة المكذبين بشكل عام يعود الحق سبحانه وينهى رسوله عن إطاعة بعض الأفراد وصفهم بصفات معينة من أمثال الوليد بن المغيرة فقال:
﴿وَلَا تُطِعْ﴾: ارجع إلى الآية (٨).
﴿كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾: حلاف: كثير الحلف بالباطل، حلاف: صيغة مبالغة من اسم الفاعل على وزن فعال، مهين: تحمل معاني كثيرة، كذاب، حقير، رديء، دنيء، ذليل، ضعيف الرّأي، مهين مشتقة من المهانة: الحقارة والذلة.
سورة القلم [٦٨: ١١]
﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾:
﴿هَمَّازٍ﴾: عياب طعان مغتاب يعيب على النّاس ويطعن فيهم وبحضورهم، اللماز: هو الذي يعيب ويطعن في النّاس في غيابهم.
﴿مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾: من النّميمة أيْ: يمشي بين النّاس بالنّميمة وهي نقل الكلام للإفساد بين النّاس وإثارة الفتن.
سورة القلم [٦٨: ١٢]
﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾:
﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ﴾: بخيل، والخير: المال أو الإسلام والخير هو الشّيء الحسن النّافع ومناع للخير: يمنع النّاس من الإنفاق والدّخول في الإسلام والعمل الصّالح.
стр. 5509
﴿مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾: معتد على النّاس بالظّلم والطغيان متجاوز حدوده في ظلم النّاس في أموالهم وأعراضهم ودمائهم، أثيم: كثير الإثم وارتكاب الفواحش والذّنوب.
سورة القلم [٦٨: ١٣]
﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾:
﴿عُتُلٍّ﴾: غليظ جاف، عتل: مشتقة من عَتَلَهُ يعتلُهُ: إذا جره بعنف وغلظة.
﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: وبعد كلّ هذه الصّفات الرّذيلة الرّديئة.
﴿زَنِيمٍ﴾: ليس له أهل أيْ: لا يُعرف أباه أو ليس من القوم يعرف بالشّر والسّوء كما تعرف الشّاة بزنمتها، وهي قبضة الشّعر المتدلية من عنق المَعز: أو لحيتها.
سورة القلم [٦٨: ١٤]
﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾:
﴿أَنْ﴾: مصدرية للتعليل والتّوكيد.
﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾: أيْ: دفعه كثرة ماله وكثرة ولده للإعراض عن آيات الله والتّكذيب بها، قيل: كان للوليد بن المغيرة (١٠) أولاد.
سورة القلم [٦٨: ١٥]
﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾:
﴿إِذَا﴾: شرطية تفيد حتمية الحدوث وزمانية بمعنى حين.
﴿تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾: تقرأ عليه آيات القرآن أو يسمع بها يقول:
﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: جمع أسطورة: أيْ: أكذوبة من أكاذيب الأولين أو أباطيلهم.
стр. 5510
سورة القلم [٦٨: ١٦]
﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾:
الخرطوم يعني: الأنف، سنسمه: السين للاستقبال القريب، سنسمه: مشتقة من السمة وهي العلامة الفارقة كل من رآه عرفه.
والوجه أكرم موضع في الجسد والأنف أكرم موضع في الوجه والعرب تجعل الأنف مكان الحمية والعز واشتقوا منه الأنفة، ويقال للذليل: جدع أنفه أو رغم أنفه، والسّمة العلامة التي لا يمحى أثرها، والوسم يكون عادة بالنّار.
﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾: أيْ: بالسّيف على أنفه، مما يؤدي إلى جرح يترك تليف في الأنسجة وتبقى آثاره إلى الممات، وقيل: وقع ذلك في معركة بدر وبقي مخطوماً على أنفه حتّى مات.
سورة القلم [٦٨: ١٧]
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم.
﴿بَلَوْنَاهُمْ﴾: بلوناهم من الابتلاء والابتلاء قد يكون في الخير أو الشر وغايته لاستخراج ما عند المبتلَى من طاعة أو معصية، بلوناهم أيْ: أهل مكة، بلوناهم بالقحط والجوع حتّى أكلوا الجيف والفقر لعلهم يتوبون ويرجعون إلى طاعة الله ورسوله.
﴿كَمَا﴾: الكاف للتشبيه.
﴿بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾: الجنة (بستان) قيل: كانت بأرض اليمن وكانت لرجل مؤمن يؤدي حق الله تعالى فيه بالصدقة والزكاة، فلما مات ورثها أولاده فعزموا على أن يمنعوا حق الله منها.
стр. 5511
﴿إِذْ﴾: ظرف للزمان الماضي بمعنى حين.
﴿أَقْسَمُوا﴾: أقسموا بالله، ولم يقل: حلفوا بالله، الحلف: في القرآن يأتي في سياق الكذب وعدم الوفاء بما حلف، فهؤلاء كانت نيتهم صادقة على قطف ثمار الجنة مصبحين، ومن دون أن يعلم بها الفقراء. ارجع إلى سور التوبة آية (٥٦) لمزيد من البيان في الفرق بين القسم والحلف.
﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾: اللام لام التّوكيد، والنّون في يصرمنها لزيادة التّوكيد، أيْ: يقطفن ثمارها من الصّرم: وهو القطع.
﴿مُصْبِحِينَ﴾: حين دخول وقت الصّباح، أيْ: يقطعن ثمارها بدخول الصّباح قبل أن يستيقظ المساكين الفقراء ويأتوا لطلب المساعدة أو الصّدقة.
سورة القلم [٦٨: ١٨]
﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾:
حصة المساكين كما كان يفعل أبوهم أيْ: يخرجون الزّكاة حق الله في أموالهم، وهناك من فسر (ولا يستثنون) أيْ: لم يقولوا: إن شاء الله (وهو الراجح).
سورة القلم [٦٨: ١٩]
﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾:
﴿فَطَافَ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب.
﴿عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾: عليها وحدها حصراً بها، لم يحدد سبحانه ما هو الطّائف أو البلاء والطّائف لا يكون إلا ليلاً ويكون شراً. قيل: كانت نار فاحترقت مثل إعصار فيه نار أو صاعقة من السماء.
﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: يدل على شدة عقابه وسخطه.
﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾: أي: ليلاً وأصحاب الجنة والمساكين، كلّ أهل القرية الكلّ كان نائماً لم يشعروا بما حدث.
стр. 5512
سورة القلم [٦٨: ٢٠]
﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾:
﴿فَأَصْبَحَتْ﴾: الفاء للتعقيب، أصبحت: تحولت الجنة.
﴿كَالصَّرِيمِ﴾: أصبحت كالرّماد الأسود أو الليل الأسود، أو أصبحت قد صرم (قطع) ثمارها أيْ: قطفت ثمارها، أيْ: لم يبقَ من ثمارها شيء يقطع أو يُحصد أيْ: أتلفت ثمارها عن بكرة أبيها.
سورة القلم [٦٨: ٢١]
﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾:
﴿فَتَنَادَوْا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، تنادوا: أيْ: نادى أصحاب الجنة (أي: الإخوة) بعضهم بعضاً أو أيقظ بعضهم بعضاً.
﴿مُصْبِحِينَ﴾: حين دخل وقت الصبح تنادوا قائلين وهم لا يعلمون أن جنتهم قد احترقت أو دُمرت.
سورة القلم [٦٨: ٢٢]
﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾:
﴿أَنِ اغْدُوا﴾: أن للتوكيد، اغدوا؛ أي: اخرجوا (امضوا) مبكرين إلى جنتكم.
﴿عَلَى حَرْثِكُمْ﴾: ثماركم وزرعكم.
﴿إِنْ كُنتُمْ﴾: إن شرطية تفيد الشّك أو النّدرة.
﴿صَارِمِينَ﴾: جادين في قطف ثمارها وحصدها.
سورة القلم [٦٨: ٢٣]
﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾:
﴿فَانْطَلَقُوا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، انطلقوا إلى جنتهم لقطف ثمارها أيْ: ساروا إلى جنتهم.
﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾: هم للتوكيد، يحدث بعضهم بعضاً بشكل الهمس حتّى لا يسمعهم أحد، ولا يشعر بهم، وهم في طريقهم لجني ثمار جنتهم.
стр. 5513
سورة القلم [٦٨: ٢٤]
﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ﴾:
﴿أَنْ لَا﴾: للتعليل والتّوكيد، لا النّافية.
﴿يَدْخُلَنَّهَا﴾: النّون في يدخلنها للتوكيد والهاء يعود إلى الجنة.
﴿الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ﴾: أيْ: لا يدخلها اليوم عليكم ولا مسكين واحد كما كانوا يدخلونها على أبيكم عندما كان حياً أيْ: يحضرون لأخذ الصدقة أو الزكاة. والمسكين: هو من يملك ما لا يكفيه.
سورة القلم [٦٨: ٢٥]
﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾:
﴿وَغَدَوْا﴾: خرجوا مبكِّرين.
﴿عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾: الحَرْد: القصد أيْ: ساروا مبكِّرين وهم قاصدون حرمان أيِّ مسكين، والحرد: يعني المشي بسرعة ونشاط، والحرد: من حَرَدَ إذا تنحَّى عن قومه وانفرد عنهم ورجل حريد: وحيد والحرد: الزعل والانتقام.
فكلمة الحرج جمعت المعاني الثّلاث، أيْ: خرجوا منفردين لا يعلم بهم أحد، وخرجوا مسرعين بجد ونشاط ومصمِّمين أو عازمين أو ناقمين على حرمان أيِّ مسكين من ثمرها.
قادرين: أيْ: لن يحول بينهم وبين جنتهم أحد يمنعهم ظنوا أنهم قادرون تنفيذ ما عزموا عليه.
سورة القلم [٦٨: ٢٦]
﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، لما: ظرفية زمانية بمعنى حين رأوها.
﴿رَأَوْهَا﴾: كالصّريم الليل الأسود أيْ: محترقة كالرماد الأسود.
﴿قَالُوا﴾: ما هذه جنتنا.
﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾: اللام في لضالون للتوكيد، أيْ: إنا ضللنا الطّريق أو أخطأنا
стр. 5514
الطّريق، ضالون: جملة اسمية تفيد الثّبوت حقاً إنا قد أخطأنا الطّريق من شدة الصدمة.
سورة القلم [٦٨: ٢٧]
﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾:
﴿بَلْ﴾: بل للإضراب الانتقالي.
أيْ: لما أدركوا وتبيَّنوا أنّها جنتهم قد تحولت إلى رماد أسود واستيقنتها أنفسهم.
قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾: محرومون منها أيْ: من خيرها وثمرها؛ لأننا حرمنا (منعنا) المساكين والفقراء من نصيبهم. عندما قالوا ذلك، عندها قال أو تكلَّم أوسطهم فقال:
سورة القلم [٦٨: ٢٨]
﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾:
﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾: أيْ: أفضلهم وأرجحهم عقلاً أو أقربهم للتقوى (أعدلهم).
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام التّقريري.
﴿أَقُلْ لَّكُمْ﴾: لكم خاصة أيْ: عندما عزموا ليصرمنها مصبحين، هلا تستثنون أيْ: تقولون: إن شاء الله.
﴿لَوْلَا﴾: للحثِّ والحضِّ.
﴿تُسَبِّحُونَ﴾: تخافون الله أو أطلق لفظ التّسبيح على الاستثناء؛ أي: القول (إن شاء الله) والاستثناء جزء من التّسبيح، أو تسبحون: تنزيه لله عن الشّرك والعيب والنّقض، أو أنه سبحانه بحاجة على زمانكم أو أموالكم، وبما أنّهم لم يقولوا: إن شاء الله فهم ظنوا أن قدرتهم تكفي، لولا تسبحون، تستغفرونه على ما عزمتم عليه.
стр. 5515
سورة القلم [٦٨: ٢٩]
﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾:
﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾: أيْ: ننزه ربنا أن نشرك به أو سبحان ربنا فيما صنع بجنتنا.
﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: أي: اعترفوا عندها بذنبهم إنا كنا ظالمين حين منعنا أو حرمنا المساكين حقهم الذي فرض الله لهم.
سورة القلم [٦٨: ٣٠]
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾:
بدأ بعضهم يلوم بعضاً على خطئهم ونيتهم السّيئة في حرمان المساكين حقهم وعدم الاستثناء (عدم قولهم: إن شاء الله)، واللوم: يعني عدم الرضا عما فعلوا، واللوم: هو تنبيه الفاعل على ما وقع في فعله من ضرر أو أمر غير مستحسن.
سورة القلم [٦٨: ٣١]
﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾:
﴿يَاوَيْلَنَا﴾: الويل الهلاك والعذاب، والعرب تستعمل كلمة الويل لكلّ من وقع في هلكة أو فضيحة أو حسرة، والويل مصدر لا فعل له لا يثنى ولا يجمع، والقول: يا ويلنا تستعمل للتحسر على غفلة وقيل: واد في جهنم.
﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾: طاغين من طغى: جاوز الحد وأسرف في الظّلم أو المعاصي أو الكفر، كما في قوله: إنّها لما طغى الماء حملناكم في الجارية: ارتفع الماء وتجاوز الحد المعين وسبب الفيضان.
فهناك منهج رباني هو الغني يعطي الفقير حقه زكاته أو صدقة ماله والقوي يساعد الضّعيف والعالم يعلم الجاهل وهكذا.
وهناك المنهج الطّغياني: أن تأتي إلى الفقير وتأكل أو تأخذ من أجرته أو لا تعطيه حقه؛ لكي تزداد غنى، وهو يزداد فقراً، والمصيبة أحياناً أنّك لم تتركه بحاله لا بل تحاول أن تأخذ من الضّعيف أو الفقير حقَّه ويا ليت تركته على حاله وضعفه فهنا أصبح الظّلم ظلمين أوّلاً لم تعطه أجرته أو حقه، كما هو المفروض،
стр. 5516
أو طلبت منه أن يعمل لك زمناً من دون أجر لتغنى أنت، وهذا ظلم آخر أيْ: ظلمٌ مركب.
إنا كنا طاغين: أيْ: حين منعنا المساكين من حقهم وحاولنا أخذه ولم نشكر نعمة الله علينا فقد كنا طاغين.
سورة القلم [٦٨: ٣٢]
﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾:
﴿عَسَى رَبُّنَا﴾: عسى: فعل رجاء والأمر المرجو بعدها مطموع في حصوله عن قريب أو بعد مدة قد تطول وعسى أداة ترجي سواء كان الأمر محبوباً أو مكروهاً.
﴿أَنْ﴾: تدل على الاستقبال أو مؤذنة بمجيء الفعل.
﴿يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا﴾: بعد الاعتراف بذنبهم رجعوا إلى ربهم ويبدو أنّهم تابوا وأخلصوا نيتهم ودعوا الله أن يبدلهم خيراً منها أيْ: من جنتهم.
يبدلنا: الإبدال: هو رفع الشّيء ووضع شيئاً آخر مكانه.
﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾: جمع راغب: طالب العفو والخير يقال: رغب إلى فلان في كذا، أيْ: سأله إياه، أيْ: سائلون إياه العفو وأن يبدلنا خيراً منها.
وقيل: إنّ الله سبحانه أبدلهم بها خيراً منها، كما رُوِيَ عن مجاهد وابن مسعود.
سورة القلم [٦٨: ٣٣]
﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾:
﴿كَذَلِكَ﴾: تعني مثل ذلك أو أيضاً أو هي كتلك، كذلك: الكاف كاف التّشبيه، ذلك: اسم إشارة يشير إلى العذاب الذي أصاب أصحاب الجنة، وأهل مكة، مثل ذلك العذاب سيصيب كلّ من طغى وعصى أمر الله تعالى.
﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾: اللام للتوكيد، عذاب الآخرة أكبر من عذاب الدّنيا على
стр. 5517
وزن أفعل، أكبر أيْ: أشد وأدوم (لأنّ عذاب الدّنيا محدود بالأجل) وعذاب الآخرة أبدي لا يحول ولا يُبدل ولا يخفَّف.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: لو: شرطية، كان يعلمون: أي: الكفار أو المشركين أو الظّالمين والطّاغين أو تعني لو كانوا يعلمون ذلك لعادوا إلى رشدهم وتابوا.
سورة القلم [٦٨: ٣٤]
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾:
ثمّ ذكر الله سبحانه ما للمتقين عند ربهم فقال:
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾: إنّ للتوكيد، للمتقين: اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: في الآخرة.
﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: نوع من الجنات، مثل جنات الفردوس، جنات عدن، أو تعني وصفاً عاماً لكلّ الجنات.
سورة القلم [٦٨: ٣٥]
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾:
المناسبة: كان زعماء قريش حين يسمعون الآيات التي تتحدث عن الآخرة وما وعد الله سبحانه المسلمين والمؤمنين يقولون: لنُعطَى في الآخرة أفضل مما يُعطينا ربنا في الدنيا أو على الأقل مثل ما نُعطَى في الدنيا.
﴿أَفَنَجْعَلُ﴾: الهمزة همزة استفهام وتوبيخ وتقرير، أيْ: إنكار التّسوية بين المسلمين والمجرمين، أيْ: كيف نساوي بين المسلمين والمجرمين في الأجر والثّواب.
﴿الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾: كيف نساوي بين المطيع والعاصي، ثمّ يذكر الله سبحانه سبع استفهامات إنكارية توبيخية تنفي أيَّ دليل أو برهان على التّسوية بين المجرمين والمسلمين وقدَّم المسلمين على المجرمين. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، والجاثية آية (٣١) لبيان معنى المجرمين.
стр. 5518
وأصل الكلام: أفنجعل المجرمين كالمسلمين، تشبيه مقلوب وحين يقلب التشبيه فهو للفت الانتباه ويكون أبلغ.
سورة القلم [٦٨: ٣٦]
﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾:
﴿مَا لَكُمْ﴾: ما: للاستفهام الإنكاري، لكم: اللام لام الاختصاص.
﴿كَيْفَ﴾: استفهام للتعجب، والسؤال عن الحال.
﴿تَحْكُمُونَ﴾: هذا الحكم غير العادل أو الدليل العقلي لا يقبل بذلك الحكم أيضاً.
سورة القلم [٦٨: ٣٧]
﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ، وأم المنقطعة: أيْ: للإضراب الانتقالي.
﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص.
﴿كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾: كتاب منزل من السّماء، تدرسون: أيْ: تقرؤون وفيه حكم مؤكد بالتّسوية بين المطيع المسلم والعاصي المشرك الكافر.
سورة القلم [٦٨: ٣٨]
﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿لَكُمْ فِيهِ﴾: أيْ: وذكر لكم فيه أن لكم في الآخرة ما تشتهون وما تختارون.
﴿لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾: من تخير الشّيء: أيْ: أخذ خيره.
سورة القلم [٦٨: ٣٩]
﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري أم: للإضراب الانتقالي
﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص لكم خاصة وليس لغيركم.
стр. 5519
﴿أَيْمَانٌ عَلَيْنَا﴾: أيْ: أقسمنا لكم أو لكم عهود مؤكدة عند الله موثقة أو حلف لكم الله تعالى أو أقسم لكم: إنّ لكم لما تحكمون أيْ: تقضون لأنفسكم أو تختارون لأنفسكم الحكم الذي تريدونه.
﴿بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: أيْ: سارية المفعول أو ثابتة إلى يوم القيامة.
﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾: إنّ تفسيرية تفيد التّوكيد أيْ: سننفذ الحكم الذي تصدرونه لأنفسكم من الخير والكرامة، فيها توبيخ وتهكم لما يزعمونه.
سورة القلم [٦٨: ٤٠]
﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾:
﴿سَلْهُمْ﴾: يا محمّد، أيْ: سَلِ الكفار.
﴿أَيُّهُمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ.
﴿بِذَلِكَ﴾: الباء للإلصاق، ذلك: اسم إشارة يعود إلى الحكم أو أنّ لهم ما يحكمون.
﴿زَعِيمٌ﴾: أي: المتكفل بأمورهم الضّامن أو المتكلم نيابة عن القوم بأنّ لهم ما للمسلمين من ثواب وأجر.
سورة القلم [٦٨: ٤١]
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾:
﴿أَمْ لَهُمْ﴾: للإضراب الانتقالي والهمزة للاستفهام والإنكار والتوبيخ، لهم: لام الاختصاص لهم خاصة.
﴿شُرَكَاءُ﴾: شركاء لله بزعمهم مثل الأصنام والأنداد والآلهة أعطوهم الوعد أو العهد أن يحققوا ذلك لهم ويعطوهم ما سيُعطى للمسلمين أو تعني: هل هناك أناس يشاركونهم في هذه الدّعوى ويشهدون لهم بذلك.
﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾: الفاء للمباشرة والتّرتيب.
﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾: إن: شرطية تستعمل للأمر الذي فيه شك.
стр. 5520
كانوا صادقين: في زعمهم وشهادتهم وإضافة الشّركاء لهم فقال: بشركائهم لادعائهم بأنّهم شركاء (وهم ليسوا بشركاء)؛ أيْ: هم كاذبون.
سورة القلم [٦٨: ٤٢]
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾:
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النّبي ﷺ يقول: (يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كلّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدّنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقاً واحداً) أيْ: غير قادر على السجود.
هذا تأويل أوّل، أمّا التّفسير الثّاني: يوم يكشف عن ساق: فتعني يوم يشتد الأمر والخطب أيْ: يوم القيامة (أي: البعث).
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ هذه استعارة تمثيلية كشف السّاق والتّشمير عنها يحدث إمّا لخوض لجة ماء أو نهر أو للجري بسرعة، فحين يشتد الخطب يوم القيامة ويعظم الأمر يسجد كلّ مؤمن ومؤمنة لله تعالى، وكما قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨]، عندها يحاول المشركون والمنافقون السّجود أيضاً مع المؤمنين فلا يستطيعون حيث تصبح ظهورهم متصلبة كأنّها عظم واحد فلا يقدرون على السّجود، وإن قيل: لماذا يدعون إلى السّجود في الآخرة، الجواب: يدعون توبيخاً وتعنيفاً وتذكيراً لهم على تركهم السّجود في الدّنيا وعندها يتمنون الاستطاعة على السّجود فلا يستطيعون، والله أعلم بهذا الأمر.
стр. 5521
سورة القلم [٦٨: ٤٣]
﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾:
وتراهم حينذاك: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾: الخشوع يكون في الأبصار والأصوات، والخشوع يعني: الخوف والتعظيم، وأما الخضوع يكون في الجسم أو البدن، والخشوع يمكن أن يبدأ في القلب، وقيل: الخشوع هو خوف الخاشع للمخشوع له وليس تكلفاً، وقيل: هو النظر إلى الأرض وخفض الصوت.
﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: تغشاهم ذلة، ذل النّدامة والحسرة.
﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾: في دار الدّنيا يدعون إلى الصّلاة بالآذان وغيره إلى الصّلوات المفروضة.
﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾: هم: للتوكيد، سالمون: من الأمراض معافون أصحاء لا مانع يمنعهم.
ولا بُدَّ من مقارنة هذه الآية ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ مع الآية (٧) من سورة القمر: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾:
خشعاً تفيد المبالغة والتّكثير في الخشوع الذي يصيب جوارحهم ويعني: الذل والانكسار، وشدة التنكير؛ ينكرون ما يرون؛ أي: لا يصدقون ما ترى أعيُنُهُم من شدة الهول والمقام.
стр. 5522
هناك فرق بين الموقفين في الزّمن والنّاس: الموقف الأوّل: خشعاً أبصارهم يحدث بعد الخروج من الأجداث وكأنّهم جرد منتشر، الموقف الثّاني: خاشعة أبصارهم يحدث في أرض المحشر، وقيل: خشعاً أبصارهم تعني كلّ الناس، أما خاشعة أبصارهم تعني: المنافقين.
سورة القلم [٦٨: ٤٤]
﴿فَذَرْنِى وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
﴿فَذَرْنِى﴾: الفاء للتوكيد، ذرني: دعني خلي بيني وبينهم أو اترك أمر هؤلاء المكذبين بهذا الحديث أي: القرآن، إليَّ ولا تشغل بالك بهم.
﴿وَمَنْ﴾: من: ابتدائية اسم موصول للعاقل؛ من: تشمل المفرد والمثنى والجمع، والذكر والأنثى.
﴿يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾: أي: القرآن الكريم وسمِّي بالحديث كقوله ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١]، ولمعرفة لماذا سمِّي القرآن بالحديث ارجع إلى سورة الزمر آية (٢٣).
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾: الاستدراج من الدّرج وهو السّلم للصعود أو النّزول، والاستدراج: أيْ: نملي عليهم بالنّعم الواحدة تلو الأخرى مثل الغنى والصّحة وغيرها، ويظنون أنّ الله راض عنهم فيزدادون كفراً وطغياناً وبعداً عن الله، فالاستدراج هو نوع من الكيد ويقربهم للهلاك، وهم لا يشعرون، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
стр. 5523
﴿مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لا يعلمون بما يُدبر لهم من انتقام.
سورة القلم [٦٨: ٤٥]
﴿وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾:
﴿وَأُمْلِى﴾: من الإملاء وهو الإمهال والتّأخير في العقوبة أو العذاب.
﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص، لهم خاصة.
﴿إِنَّ كَيْدِى﴾: إنّ للتوكيد، كيدي: من الكيد: التّدبير الخفي لإيقاع المكروه والمشقة بالغير قهراً سواء علم به أو لم يعلم والكيد أقوى من المكر، إن كيدي: أيْ: تدبيري وأخذي.
﴿مَتِينٌ﴾: قوي شديد لا يطاق كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].
سورة القلم [٦٨: ٤٦]
﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: الهمزة استفهام إنكاري أم للإضراب الانتقالي.
﴿تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا﴾ على تبليغ الرّسالة، أيْ: أطلبت منهم أجراً لكي تبلغهم رسالة ربك، أو أجراً على هدايتك لهم فأعرضوا ولم يستجيبوا لك، أو سألتهم أجراً عظيماً أثقلهم ومنعهم من الدّخول في الإسلام والإيمان أو ثقل عليهم الحمل أو ذلك الأجر مما منعهم من الإيمان.
﴿فَهُمْ مِنْ مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾: فهم خاصة، من: ابتدائية، مغرم: من الغرامة والغرم
стр. 5524
ما يلزم أداؤه أو ما يدفع من المال كغرامة لمخالفة القانون أو عقوبة، أو شرع الله سبحانه.
سورة القلم [٦٨: ٤٧]
﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة.
﴿عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾: اللوح المحفوظ أو ما كتب فيه من الغيب فهم مطلعون عليه ويقرؤون ما فيه.
﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾: لا يحتاجون إليك لتبلغهم ما في القرآن؛ لأنّهم يعلمون الغيب أو يعلمون ما في اللوح المحفوظ ويكتبون منه ما يعلمونه.
سورة القلم [٦٨: ٤٨]
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾:
﴿فَاصْبِرْ﴾: الفاء للتوكيد.
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾: اصبر: على أذى قومك وعنادهم وإعراضهم، واصبر على تبليغهم ودعوتهم إلى الإيمان، واصبر حتى يأتي أمر الله أو عذابه.
﴿وَلَا تَكُنْ﴾: الواو عاطفة، لا النّاهية، تكن: مثل صاحب الحوت في عدم الصّبر والضّجر والغضب إذ ذهب مغاضباً.
﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾: يونس ﵇، الحوت: يطلق على السّمك الكبير مثل الحيتان الزرقاء ذات الوزن العظيم والحجم الهائل، وليس لها أسنان حادة وتتنفس الأوكسجين، وفي سورة الأنبياء وصفه بذي النّون. ارجع إلى سورة الأنبياء الآية (٨٧) للبيان، وسورة الصافات آية (١٤٦) للبيان.
стр. 5525
﴿إِذْ﴾: ظرف زماني بمعنى حين.
﴿نَادَى﴾: دعا ربه وهو في فم الحوت.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿مَكْظُومٌ﴾: اسم مفعول من كظم مملوء غماً وغيظاً على قومه؛ لأنّهم لم يؤمنوا، مأخوذة من الكظم. ارجع إلى الآية (١٣٤) من سورة آل عمران للبيان.
سورة القلم [٦٨: ٤٩]
﴿لَّوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾:
﴿لَّوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود لولا وجود نعمة ربك لنبذ بالعراء.
﴿أَنْ﴾: مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.
﴿تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: تداركه جاءت بصيغة التّذكير ولم يقل: تداركته نعمة من ربه، وقيل: هذه النّعمة هي توفيقه للتسبيح وللتوبة وقبول توبته أيْ: تاب الله عليه.
﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾: النّبذ هو الطرح والإلقاء واللام للتوكيد، طرح من فم الحوت بالعراء: بالأرض الخالية من الشّجر والزّرع أو الخالية من النّبات، ولكن الله أنبت عليه شجرة من يقطين، كما بين ذلك في سورة الصافات آية (١٤٢) ارجع إلى تلك الآية للبيان.
﴿وَهُوَ﴾: الواو للتوكيد، هو ضمير فصل يفيد التّوكيد.
стр. 5526
﴿مَذْمُومٌ﴾: من الذّم، من ذم الشخص؛ أي: عابه ولامه وانتقصه، والذم يستحق العقاب على فعله.
سورة القلم [٦٨: ٥٠]
﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾:
﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، اجتباه: اختاره واصطفاه ربه ورد إليه الوحي والنّبوة.
﴿فَجَعَلَهُ﴾: الفاء: للتوكيد، والمباشرة؛ جعله: الجعل: التصيير.
﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: من: ابتدائية؛ ارجع إلى الآية (١٣٠) من سورة البقرة.
سورة القلم [٦٨: ٥١]
﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: الواو استئنافية، إن: للتوكيد.
﴿يَكَادُ﴾: من أفعال المقاربة من كاد أيْ: قرب أو أوشك.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ﴾: اللام والنّون للتوكيد، ليزلقونك: من الزّلق زلة القدم أيْ: يكادون ليزلون قدمَك (يُزلونك بأبصارهم) من شدة الغيظ والعداوة حتى تزلَ قدمُك أيْ: تسقط على الأرض أيْ: تصرع أو يصيبوا رسول الله ﷺ بأعينهم (عيون الحسد).
﴿لَمَّا﴾: ظرفية زمانية أيْ: حين.
﴿سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾: سمعوا القرآن أو سمعوك تتلو آيات القرآن.
﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾: يقولون: بصيغة المضارع لاستمرار قولهم ذلك
стр. 5527
وتجدُّده وتكرُّره، إنه لمجنون: للتوكيد، اللام للتوكيد، مجنون: مصاب بالجنون والخبل بسبب الوحي أو القرآن.
سورة القلم [٦٨: ٥٢]
﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾:
﴿وَمَا هُوَ إِلَّا﴾: الواو حالية تفيد التّوكيد، هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد، إلا: حصراً.
﴿ذِكْرٌ﴾: أي: القرآن ذي الذكر؛ أي: فيه تذكير للعالمين.
﴿لِّلْعَالَمِينَ﴾: اللام لام الاختصاص، العالمين: الجن والإنس والملائكة، ولم يقل: ذكرى للعالمين. ارجع إلى الآية (٩٠) من سورة الأنعام لمعرفة الفرق بين الآيتين.
стр. 5528
سورة الحاقة [٦٩: ١]
سورة الحاقة
ترتيبها في القرآن (٦٩) وترتيبها في النّزول (٧٨).
﴿الْحَاقَّةُ﴾:
القيامة أو اسم من أسماء يوم القيامة أيْ: يوم تعرف الأمور على حقيقتها، أو تظهر فيه الحقائق من حساب وثواب، وينال كل إنسان حقَّه من خير وشرٍّ، ويتحقَّق فيه كل وعد ووعيد، ومن أسماء يوم القيامة الطامة، القارعة، الصاخة، الواقعة، الأزفة.
سورة الحاقة [٦٩: ٢]
﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾:
ما استفهام فيها معنى التّفخيم والتّهويل أيْ: ما هي الحاقة؟ أو هل تدرون ما حقيقة القيامة؟
سورة الحاقة [٦٩: ٣]
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾:
تكرار ما للتوكيد والاستفهام والتهويل والتعظيم.
﴿أَدْرَاكَ﴾: أعلمك أو أخبرك ما الحاقة، أيْ: أنت لأعلم لك بكنهها
стр. 5529
ومدى عظمها وكيفما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك، والخطاب موجَّه إلى الرسول ﷺ ، وأيضاً إلى أمته.
الفرق بين ما أدراك وما يدريك: كل آية وكلّ شيء أو أمر أو خبر ذكر معه ما أدراك: فقد أدراه إياه، أيْ: أخبر الله به رسوله ﷺ وأعلمه ما هو، وبيَّنه له، وكلّ آية شيء أو أمر أو خبر ذكر معه يدريك لم يدره، أو يخبره الله به بعد مثل السّاعة.
سورة الحاقة [٦٩: ٤]
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾:
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾: قبيلة ثمود أو قوم صالح ﵇ ومنازلهم بالحجر بين الشّام والحجاز (مدائن صالح) وثمود هم عاد الثانية، وهم أتباع، أو من ذرية عاد الأولى.
﴿وَعَادٌ﴾: قبيلة عاد أو قوم هود ﵇، ومنازلهم بالأحقاف ما بين عُمان وحضرموت باليمن، وهم عاد الأولى وهم بقية من ذرية نوح.
﴿بِالْقَارِعَةِ﴾: بيوم القيامة، القارعة اسم من أسماء يوم القيامة، وسمِّيت بالقارعة: من القرع وهو الضّرب بشدة، تقرع القلوب بالفزع والأهوال، والباء للإلصاق. ارجع إلى سورة القارعة آية (١ - ٥) لمزيد من البيان.
وبالقارعة: تعني: كذبت ثمود وعاد بالقارعة بأهوال القيامة والبعث والحساب.
بالقارعة التي حلَّت بهم في الدنيا، وبالقارعة التي ستحل بهم في الآخرة.
وتقديم قوم ثمود على عاد مخالفة للتّرتيب الزمني، فقد جاء قوم عاد قبل
стр. 5530
قوم ثمود، وقد يكون التقديم للأقرب زمناً بالنسبة لزمن المتكلم أو لأنّ تكذيب ثمود بالنّاقة كمعجزة أشد من تكذيب قوم عاد، أو تكذيب ثمود بالقارعة أشد من تكذيب عاد بها.
سورة الحاقة [٦٩: ٥]
﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾:
﴿فَأَمَّا﴾: الفاء تفريعية، أمّا: حرف شرط وتفصيل.
﴿ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب.
﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾: الباء للإلصاق، الطّاغية: العقاب بالصيحة التي تعقبها الرجفة أو الزلزلة الشديدة فالأذن تتحمل شدة معينة من الصوت أعلاها (٧٠ ديسيبل) عندها يبدأ بالانزعاج، وعندما تصل شدة الصوت إلى (١٠٠ ديسيبل) أو أكثر واستمرت لفترة طويلة تؤدِّي شدة الصوت لإتلاف الخلايا العصبية في الأذن الداخلية ويصاب الإنسان بالصمم العصبي.
والانفجارات الشديدة أعلى من (١٤٠ ديسبيل) قد تؤدِّي إلى سكتة قلبية أو اضطرابات في نظم القلب، وبالتالي إلى توقفه، وخاصة أن قوم ثمود كانوا يعيشون في بيوت منحوتة من الصخر فكان صدى الصوت شديداً ورهيباً.
سورة الحاقة [٦٩: ٦]
﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾:
﴿بِرِيحٍ﴾: الرّيح في القرآن تحمل معنى العذاب والرّياح تحمل معنى الرّحمة.
﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾: ريح شديدة البرودة تؤدِّي إلى انقباض الأوعية الدموية
стр. 5531
وعدم وصول الدّم إلى أصابع اليدين والقدمين، وبالتّالي إلى موت الجلد والألم الشّديد، ثم إلى اضطراب القلب وتوقُّفه بسبب هبوط حرارة الجسم، صرصر: لها صوت الصّفير، الصّر: قد يعني البرد الشّديد أو شدة الصّوت.
﴿عَاتِيَةٍ﴾: متجاوزة كلّ حدود الطّاقة والسرعة على تحملها شديدة البرودة برودتها تجاوزت في حدتها وزمنها وسرعتها كلّ المعايير السّابقة.
سورة الحاقة [٦٩: ٧]
﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾:
﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾: سلَّطها عليهم أو قدَّرها عليهم.
﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾: حسوماً متتابعات أو تباعاً أو من الحسم: الاستئصال والقطع أيْ: تستأصل استئصالاً. وذكر سبع ليال وثمانية أيام ليؤكد لنا أن العقاب بالريح بدأ بالنهار وانتهى بالنهار؛ لكي يروه بأعينهم ولو جاء بالليل لكان أهون، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٩) في سورة القمر وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ يمكن الجمع بين الآيتين بالقول: إن العرب تعبر عن اليوم بالأيام كقولهم: (يوم بعاث)، و (في يوم نحس مستمر): يعني اليوم الذي بدأت به الريح تهب ثم استمرت ثمانية أيام حُسوماً.
﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾: فترى القوم في تلك الأيام والليالي صرعى: موتى ساقطين على الأرض، جمع صريع.
﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾: جذوع نخل خالية الأجواف أو ساقطة، شبههم
стр. 5532
بالنّخل السّاقطة بلا رؤوس وقيل: كانوا طويلي القامة يشبهون النّخل المنقعر: المنقلع والفارغ من داخله، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٠) في سورة القمر وهي قوله تعالى: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾: نجد أن كل منقعر خاوي، والخاوي: يشمل المنقعر وغير المنقعر. ارجع إلى سورة القمر آية (٢٠) لمزيد من البيان والفرق بين الآيتين.
سورة الحاقة [٦٩: ٨]
﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾:
﴿فَهَلْ﴾: الفاء للتوكيد، هل: للاستفهام يفيد النّفي.
﴿تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾: من: الابتدائية باقية من البقاء أو هل ترى لهم من أثر أيْ: هلكوا أو استأصلوا أجمعين.
стр. 5533
سورة الحاقة [٦٩: ٩]
﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾:
﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾: ثمّ جاء فرعون ومن قَبْله؛ أيْ: من الأمم الكافرة.
﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾: المنقلبات، مشتقة من ائتفك انقلب، والمراد بالمؤتفكات: هي قرى قوم لوط. قيل: كانت خمس قرى: هي سدوم، وعمورية، ودرما، ومنع، وصعر، اقتلعها جبريل ﵇، ثمّ قلبها فجعل عاليها سافلها، والإفك هو الكذب المتعمَّد والانحطاط في السلوك.
﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾: بالأفعال الخاطئة ذات الخطأ وأسند الخطأ إلى القرى على سبيل المجاز، والمراد بها أصحابها مثل الشّرك والمعاصي والمنكر وإتيان الرجال شهوة.
سورة الحاقة [٦٩: ١٠]
﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾:
﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾: عصت كلّ أمة رسولها أو كذبوا رسلهم ولم يقل: فعصوا رسل ربهم، وإنما قال: رسولَ ربهم؛ لأن الرسل رسالتهم واحدة فالرسل يمثلون الرسول والرسول يمثل الرسل.
﴿فَأَخَذَهُمْ﴾: الفاء فاء السّببية بصيغة المجهول وهو الله سبحانه، من الأخذ: وهو الانتقام أي: انتقم منهم فأهلكهم.
﴿أَخْذَةً رَابِيَةً﴾: أخذة شديدة زائدة في الشّدة من ربا الشّيء يربو زاد وتضاعف.
стр. 5534
سورة الحاقة [٦٩: ١١]
﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِى الْجَارِيَةِ﴾:
﴿إِنَّا لَمَّا﴾: إنا: للتعظيم، لما: ظرفية زمانية بمعنى حين.
﴿طَغَى الْمَاءُ﴾: حدث الطّوفان طوفان نوح طغا الماء: جاوز حده المعتاد في الارتفاع، كما قال تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١١ - ١٣].
﴿حَمَلْنَاكُمْ فِى الْجَارِيَةِ﴾ أيْ: حملنا أجدادكم أو آباءكم نوح وذريته، وكما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]، في: ظرف، الجارية: الفلك أو السّفينة، والخطاب إلى كفار مكة وغيرهم وقيل: حملناكم؛ لأنهم كانوا في أصلاب الذين نجوا من ذرية قوم نوح، كما أن كل البشرية كانت في صلب آدم وحواء.
سورة الحاقة [٦٩: ١٢]
﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾:
﴿لِنَجْعَلَهَا﴾: اللام للتوكيد، والضّمير يعود على الجارية (الفلك) أو عملية الإنقاذ أو إنجاء السّفينة وإغراق الكافرين أو تشمل كلّ ما حدث.
﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص لكم خاصة أيها المسلمون.
﴿تَذْكِرَةً﴾: عبرة وموعظة أيْ: ذكرى تذكرونها فتشكرون نعمة ربكم عليكم. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (١٥) لمزيد من البيان.
﴿وَتَعِيَهَا﴾: من الوعي: وهو الفهم والإدراك للحقيقة والغاية أو النتيجة والعبرة بعد سماع القصة أو الآيات فتذكرها وتقصها مراراً.
﴿أُذُنٌ﴾: جاءت بصيغة الإفراد والتّنكير للدلالة على قلة الأذان الواعية الحافظة لهذه الوقائع أو التي تعظ النّاس بقصة نوح.
﴿وَاعِيَةٌ﴾: أيْ: كلّ ما تحفظه في الذاكرة أو في نفسك وتذكره فقد وعيته والأذن الواحدة الواعية أهم بكثير من الآذان الكثيرة غير الواعية للحوادث
стр. 5535
والأذن الواعية التي تؤمن بالله وتشهد بصدق محمد ﷺ وبصدق القرآن، فكان العثور على هذه السفينة من أعظم الدلائل على قدرة الله تعالى وعظمته.
سورة الحاقة [٦٩: ١٣]
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِى الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾:
﴿فَإِذَا﴾: الفاء استئنافية، إذا: ظرفية زمانية بمعنى حين.
﴿نُفِخَ فِى الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ النّفخة قيل: النفخة الأول، وجاءت بصيغة التّنكير للتهويل والتّعظيم، والنّافخ هو إسرافيل ﵇، واحدة: للتوكيد.
سورة الحاقة [٦٩: ١٤]
﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾:
﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾: أيْ: يوم تقوم الساعة أيْ: يبدأ التهدم الكوني فتحمل الأرض بما فيها الجبال وتدك دكة واحدة أيْ: تدق وتتكسر وتتفتت بعد الزلزلة والرجفة والرج والجبال تدك أيْ: تتفتت بعد أن ترجف مع الأرض وتسير وتنسف وتصبح كثيباً مهيلاً بعد مرحلة (وبست الجبال بساً) أيْ: فتتت، ثم تكون كالعهن، ثم كالسراب وتزول، وأما الأرض فيقبضها بيمينه سبحانه كل ذلك يحدث قبل خلق الأرض الجديدة والسموات، والتي تحوي على بقايا الأرض القديمة بما فيها القبور والأشلاء والعظام.
أيْ: سيخلق الله سبحانه أرضاً جديدة وسماء جديدة، والله سبحانه سيدك الأرض ليوسعها ويدك الجبال فيزيلها لكي تتسع هذه الأرض الجديدة للبلايين من البشر من زمن آدم إلى آخر من يخلق.
سورة الحاقة [٦٩: ١٥]
﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾:
فيومئذٍ: قامت القيامة أو الساعة أي: حين تدك الأرض والجبال وتتفتت وقعت الواقعة: اسم للقيامة أو للساعة.
سورة الحاقة [٦٩: ١٦]
﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾:
وأما ما يحدث للسماء حين تقوم الساعة، فهو المور ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ
следующие страницы →