← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

وعدم وصول الدّم إلى أصابع اليدين والقدمين، وبالتّالي إلى موت الجلد والألم الشّديد، ثم إلى اضطراب القلب وتوقُّفه بسبب هبوط حرارة الجسم، صرصر: لها صوت الصّفير، الصّر: قد يعني البرد الشّديد أو شدة الصّوت. ﴿عَاتِيَةٍ﴾: متجاوزة كلّ حدود الطّاقة والسرعة على تحملها شديدة البرودة برودتها تجاوزت في حدتها وزمنها وسرعتها كلّ المعايير السّابقة. سورة الحاقة [٦٩: ٧] ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾: سلَّطها عليهم أو قدَّرها عليهم. ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾: حسوماً متتابعات أو تباعاً أو من الحسم: الاستئصال والقطع أيْ: تستأصل استئصالاً. وذكر سبع ليال وثمانية أيام ليؤكد لنا أن العقاب بالريح بدأ بالنهار وانتهى بالنهار؛ لكي يروه بأعينهم ولو جاء بالليل لكان أهون، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٩) في سورة القمر وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ يمكن الجمع بين الآيتين بالقول: إن العرب تعبر عن اليوم بالأيام كقولهم: (يوم بعاث)، و (في يوم نحس مستمر): يعني اليوم الذي بدأت به الريح تهب ثم استمرت ثمانية أيام حُسوماً. ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾: فترى القوم في تلك الأيام والليالي صرعى: موتى ساقطين على الأرض، جمع صريع. ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾: جذوع نخل خالية الأجواف أو ساقطة، شبههم

стр. 5532

بالنّخل السّاقطة بلا رؤوس وقيل: كانوا طويلي القامة يشبهون النّخل المنقعر: المنقلع والفارغ من داخله، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٠) في سورة القمر وهي قوله تعالى: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾: نجد أن كل منقعر خاوي، والخاوي: يشمل المنقعر وغير المنقعر. ارجع إلى سورة القمر آية (٢٠) لمزيد من البيان والفرق بين الآيتين. سورة الحاقة [٦٩: ٨] ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾: ﴿فَهَلْ﴾: الفاء للتوكيد، هل: للاستفهام يفيد النّفي. ﴿تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾: من: الابتدائية باقية من البقاء أو هل ترى لهم من أثر أيْ: هلكوا أو استأصلوا أجمعين.

стр. 5533

سورة الحاقة [٦٩: ٩] ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾: ثمّ جاء فرعون ومن قَبْله؛ أيْ: من الأمم الكافرة. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾: المنقلبات، مشتقة من ائتفك انقلب، والمراد بالمؤتفكات: هي قرى قوم لوط. قيل: كانت خمس قرى: هي سدوم، وعمورية، ودرما، ومنع، وصعر، اقتلعها جبريل ﵇، ثمّ قلبها فجعل عاليها سافلها، والإفك هو الكذب المتعمَّد والانحطاط في السلوك. ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾: بالأفعال الخاطئة ذات الخطأ وأسند الخطأ إلى القرى على سبيل المجاز، والمراد بها أصحابها مثل الشّرك والمعاصي والمنكر وإتيان الرجال شهوة. سورة الحاقة [٦٩: ١٠] ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾: عصت كلّ أمة رسولها أو كذبوا رسلهم ولم يقل: فعصوا رسل ربهم، وإنما قال: رسولَ ربهم؛ لأن الرسل رسالتهم واحدة فالرسل يمثلون الرسول والرسول يمثل الرسل. ﴿فَأَخَذَهُمْ﴾: الفاء فاء السّببية بصيغة المجهول وهو الله سبحانه، من الأخذ: وهو الانتقام أي: انتقم منهم فأهلكهم. ﴿أَخْذَةً رَابِيَةً﴾: أخذة شديدة زائدة في الشّدة من ربا الشّيء يربو زاد وتضاعف.

стр. 5534

سورة الحاقة [٦٩: ١١] ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِى الْجَارِيَةِ﴾: ﴿إِنَّا لَمَّا﴾: إنا: للتعظيم، لما: ظرفية زمانية بمعنى حين. ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾: حدث الطّوفان طوفان نوح طغا الماء: جاوز حده المعتاد في الارتفاع، كما قال تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١١ - ١٣]. ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِى الْجَارِيَةِ﴾ أيْ: حملنا أجدادكم أو آباءكم نوح وذريته، وكما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]، في: ظرف، الجارية: الفلك أو السّفينة، والخطاب إلى كفار مكة وغيرهم وقيل: حملناكم؛ لأنهم كانوا في أصلاب الذين نجوا من ذرية قوم نوح، كما أن كل البشرية كانت في صلب آدم وحواء. سورة الحاقة [٦٩: ١٢] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾: ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾: اللام للتوكيد، والضّمير يعود على الجارية (الفلك) أو عملية الإنقاذ أو إنجاء السّفينة وإغراق الكافرين أو تشمل كلّ ما حدث. ﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص لكم خاصة أيها المسلمون. ﴿تَذْكِرَةً﴾: عبرة وموعظة أيْ: ذكرى تذكرونها فتشكرون نعمة ربكم عليكم. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (١٥) لمزيد من البيان. ﴿وَتَعِيَهَا﴾: من الوعي: وهو الفهم والإدراك للحقيقة والغاية أو النتيجة والعبرة بعد سماع القصة أو الآيات فتذكرها وتقصها مراراً. ﴿أُذُنٌ﴾: جاءت بصيغة الإفراد والتّنكير للدلالة على قلة الأذان الواعية الحافظة لهذه الوقائع أو التي تعظ النّاس بقصة نوح. ﴿وَاعِيَةٌ﴾: أيْ: كلّ ما تحفظه في الذاكرة أو في نفسك وتذكره فقد وعيته والأذن الواحدة الواعية أهم بكثير من الآذان الكثيرة غير الواعية للحوادث

стр. 5535

والأذن الواعية التي تؤمن بالله وتشهد بصدق محمد ﷺ وبصدق القرآن، فكان العثور على هذه السفينة من أعظم الدلائل على قدرة الله تعالى وعظمته. سورة الحاقة [٦٩: ١٣] ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِى الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾: ﴿فَإِذَا﴾: الفاء استئنافية، إذا: ظرفية زمانية بمعنى حين. ﴿نُفِخَ فِى الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ النّفخة قيل: النفخة الأول، وجاءت بصيغة التّنكير للتهويل والتّعظيم، والنّافخ هو إسرافيل ﵇، واحدة: للتوكيد. سورة الحاقة [٦٩: ١٤] ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾: أيْ: يوم تقوم الساعة أيْ: يبدأ التهدم الكوني فتحمل الأرض بما فيها الجبال وتدك دكة واحدة أيْ: تدق وتتكسر وتتفتت بعد الزلزلة والرجفة والرج والجبال تدك أيْ: تتفتت بعد أن ترجف مع الأرض وتسير وتنسف وتصبح كثيباً مهيلاً بعد مرحلة (وبست الجبال بساً) أيْ: فتتت، ثم تكون كالعهن، ثم كالسراب وتزول، وأما الأرض فيقبضها بيمينه سبحانه كل ذلك يحدث قبل خلق الأرض الجديدة والسموات، والتي تحوي على بقايا الأرض القديمة بما فيها القبور والأشلاء والعظام. أيْ: سيخلق الله سبحانه أرضاً جديدة وسماء جديدة، والله سبحانه سيدك الأرض ليوسعها ويدك الجبال فيزيلها لكي تتسع هذه الأرض الجديدة للبلايين من البشر من زمن آدم إلى آخر من يخلق. سورة الحاقة [٦٩: ١٥] ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾: فيومئذٍ: قامت القيامة أو الساعة أي: حين تدك الأرض والجبال وتتفتت وقعت الواقعة: اسم للقيامة أو للساعة. سورة الحاقة [٦٩: ١٦] ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾: وأما ما يحدث للسماء حين تقوم الساعة، فهو المور ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ

стр. 5536

مَوْرًا﴾ [الطور: ٩]، ثم الانشقاق والانفطار، كقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، وقوله: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩]، ثم تصبح واهية، ثم وردة كالدهان، وتطوى كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، ثم يخلق سبحانه سموات جديدة. ﴿وَاهِيَةٌ﴾: ضعيفة غير متماسكة بعد أن فقدت قواها الجاذبية والمغنطيسية والكهربائية بعد أن كانت محكمة كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]، ولذلك سبحانه ذكر كلمة انشقت في عدة آيات ليدل على شدة تماسك وبناء السموات بقوة التي وصفها سبحانه ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦]، ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت أو فطور، ويومئذ تفتح السماء فتكون أبواباً، كما قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩]، أيْ: طرقاً ومسالك لنزول الملائكة. سورة الحاقة [٦٩: ١٧] ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾: ﴿وَالْمَلَكُ﴾: المراد به اسم الجنس جنس الملائكة. ﴿عَلَى أَرْجَائِهَا﴾: أطرافها جمع رجا أيْ: جانب أيْ: جوانبها وحافاتها فبعد أن كانت السّماء مكانَهم ومستقرَّهم انشقت وانفطرت صاروا إلى أطرافها وجوانبها ينتظرون الأمر بالنّزول إلى أرض المحشر ليحيطوا بالمخلوقات أو ينتظرون أمر ربهم. ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾: حمل العرش مجاز، ولا يعلم به إلا الله، فوقهم: أيْ: يرى الناس عرش ربهم فوقهم يحمله ﴿ثَمَانِيَةٌ﴾: نكرة ثمانية من الملائكة أو ثمانية صفوف أو ثمانية آلاف أو ملايين من الملائكة، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠].

стр. 5537

سورة الحاقة [٦٩: ١٨] ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم ظرف أضيف إلى ظرف إذ. ﴿تُعْرَضُونَ﴾: من العرض وأصل العرض: إظهار الشّيء إلى من يريد التّأمل فيه مثل عرض السّلعة على المشتري حتّى يتأملها، عرض العباد على الله سبحانه للحساب: أي: المثول والحضور بين يدي الله سبحانه. صفاً صفاً كما قال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]. ﴿لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾: لا: النّافية، تخفى منكم خافية: من ذواتكم وأقوالكم وأفعالكم. سورة الحاقة [٦٩: ١٩] ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾: يكون ذلك بعد الحساب والمسائلة واطِّلاع العباد على ما قدَّموه من أعمال وإقامة الشهود والمعاتبة، ثم إيتاء العباد كتبهم. ﴿فَأَمَّا﴾: الفاء استئنافية، أما: حرف تفصيل. ﴿مَنْ﴾: لابتداء الغاية. ﴿أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾: أوتي: أعطي كتابه: كتاب أعماله أو سجلّه، بيمينه: بيده اليمنى. ﴿فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾: هاؤم: هاكم (بالعامية) وهاؤم تقولها للجمع أو للجماعة ها: هاء الممدودة خُذ، هاؤم فعل أمر بمعنى خذوا والفاعل ضمير تقديره: أنتم. اقرؤوا كتابيه: تفاخراً وسروراً، كتاب أعمالي بعد أن يطلع على ما فيه. سورة الحاقة [٦٩: ٢٠] ﴿إِنِّى ظَنَنْتُ أَنِّى مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾: ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.

стр. 5538

﴿ظَنَنْتُ﴾: علمت وأيقنت، الظّن هنا يصل إلى درجة اليقين أو العلم الثّابت. ﴿أَنِّى﴾: للتوكيد. ﴿مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾: أيْ: أيقنت أني سيحاسبني الله في الآخرة، أي: سأبعث وأحاسب في الآخرة، ملاق حسابيه: شبه الحساب بصديق سيجتمع به لا محالة يوم القيامة، ملاق: بدلاً من ملاقي: ملاقٍ تدل على أنّه ظن أنّ حسابه سيكون قصيراً ويسيراً ولن يطول وبعدها يذهب إلى الجنة. ولو قال: ملاقي، فهي تدل على حساب طويل. سورة الحاقة [٦٩: ٢١] ﴿فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾: ﴿فَهُوَ﴾: الفاء استئنافية، هو ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾: عيشة: مصدر للفعل الثّلاثي عاش، أي: عيشة صاحبها راض عنها أي: عيشة رفيعة لم تخطر على بال بشر مليئة بالنّعيم وخالية من الخوف والجوع والمرض والموت، وأيِّ مكروه، فهي خالية من شوائب الدنيا وكدرها. سورة الحاقة [٦٩: ٢٢] ﴿فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾: عالية الدرجات أو مرتفعة في السّماء أو رفيعة القصور والمباني والغرف. سورة الحاقة [٦٩: ٢٣] ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾: ﴿قُطُوفُهَا﴾: من القطف: ما يجنى من الثّمار. ﴿دَانِيَةٌ﴾: قريبة جداً يتناولها كيف يشاء حتّى وهو متكئ. سورة الحاقة [٦٩: ٢٤] ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾: يقال لهم في الجنة:

стр. 5539

﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾: من طعام الجنة وشرابها. ﴿هَنِيئًا﴾: أيْ: سائغاً مستلذاً طيباً عند أكله سهل الهضم أي: خال من أيِّ صعوبة في الهضم أو اختلاطات هضمية كما في أطعمة الدّنيا. ﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق والتّعليل أو سببه، ما: بمعنى الذي. ﴿أَسْلَفْتُمْ فِى الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾: قدَّمتم من الأعمال الصّالحة في أيّام الدّنيا الماضية. وقدّر البقاء في الأرض بالأيام رغم أننا نظنها سنيناً طويلة. سورة الحاقة [٦٩: ٢٥] ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾: ﴿وَأَمَّا﴾: الواو استئنافية، أمّا: للتفصيل. ﴿مَنْ﴾: لابتداء الغاية. ﴿أُوتِىَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ﴾: أُعطي كتابه (سجل أعماله) بشماله: الباء للإلصاق، بيده الشّمال أو اليسرى أو من وراء ظهره. ﴿فَيَقُولُ يَالَيْتَنِى﴾: يا ليت: تستعمل للتمني المستحيل حدوثه. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي. ﴿أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾: أُعطَى كتابيه لما فيه من السّيئات، أوت: حذفت الياء: لأنّه لا يريد أن يطلع على كتابه ولو نظرة واحدة. سورة الحاقة [٦٩: ٢٦] ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾: ﴿وَلَمْ﴾: للنفي، وتكرار لم تفيد التوكيد وفصل كلّاً من إيتاء الكتاب والدراية بنتيجة أعماله على حِدَةٍ، أو كلاهما معاً. ﴿أَدْرِ﴾: أُخبرت والإخبار هنا يكون بعد جهل. ﴿مَا﴾: استفهام. ﴿حِسَابِيَهْ﴾: ما محصلة أعمالي أو جزاء أعمالي.

стр. 5540

سورة الحاقة [٦٩: ٢٧] ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾: ﴿يَالَيْتَهَا﴾: يا: أداة نداء، ليت: من أدوات التّمني المستحيل حدوثها. ﴿كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾: الهاء تعود على الموتة التي ماتها في الدّنيا، كانت القاضية: أي: يتمنَّى دوام الموت ولم يبعث مرة أخرى ليحاسب على أعماله. سورة الحاقة [٦٩: ٢٨] ﴿مَا أَغْنَى عَنِّى مَالِيَهْ﴾: ﴿مَا﴾: النّافية، أيْ: لم ينفعني أو يدفع عني مالي عذاب الله. ﴿مَالِيَهْ﴾: الذي جمعته في الدّنيا، وكيف يأتيه ماله ليدفعه، أو أين هو ماله وهل هو كاف، فقد أخبر الله سبحانه لو أنّ لهم ما في الأرض ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تُقبل منهم. سورة الحاقة [٦٩: ٢٩] ﴿هَلَكَ عَنِّى سُلْطَانِيَهْ﴾: زال عني مُلكي وقوتي وسلطاني ومكانتي بين القوم وعزي وجاهي ومنصبي. سورة الحاقة [٦٩: ٣٠] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾: أيْ: يأمر الله سبحانه الملائكة: خذوه فغلوه: اجمعوا يده إلى عنقه بالأغلال. سورة الحاقة [٦٩: ٣١] ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾: ثمّ أدخلوه الجحيم ليحرق ويُصلى في نارها، ثمّ لتباين الدّرجة بين الغل والتّصلية بالنّار. سورة الحاقة [٦٩: ٣٢] ﴿ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للدلالة على التفاوت بين ربطه بالسلاسل والتصلية في الجحيم.

стр. 5541

﴿فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا﴾: طولها (٧٠) ذراعاً، وقد يكون الطول للمبالغة في ضخامة السلسلة. ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾: قيِّدوه كي يسحب بها في الجحيم ويسجر في النّار. سورة الحاقة [٦٩: ٣٣] ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾: ثمّ بيَّن أسباب العذاب الشّديد والجحيم والاصطلاء في نارها. ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا﴾: كان في الدّنيا، لا: النّافية. ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: كان لا يؤمن بالله ووحدانيَّته، كان كافراً جاحداً لا يصدق بوجود الله سبحانه. سورة الحاقة [٦٩: ٣٤] ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو عاطفة عطف حرمان المسكين على عدم الإيمان بالله حد من شدة أهميته (ولم يقل: الفقير)، والمسكين من يملك ما لا يكفيه. ﴿يَحُضُّ﴾: يحث على طعام المسكين والفقير، وذكر الحضَّ دون الفعل أي: هو لا يطعم المسكين أو الفقير، ولا حتى يحثُّ الآخرين على فعل ذلك، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧].

стр. 5542

سورة الحاقة [٦٩: ٣٥] ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾: ﴿فَلَيْسَ﴾: الفاء للتوكيد، ليس: حرف نفي. ﴿لَهُ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، له خاصة. ﴿الْيَوْمَ﴾: يوم القيامة. ﴿هَاهُنَا﴾: أيْ: في جهنم. ﴿حَمِيمٌ﴾: صديق مشفق ينفعه أو يشفع له، أو يدفع عنه العذاب، صديق مخلص حميم من احتم، ويقال: احتم فلان لفلان: أي: احتد أو تعصب له كما يحتد القريب لحماية ذويه. سورة الحاقة [٦٩: ٣٦] ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾: ﴿وَلَا﴾: لزيادة توكيد النّفي. ﴿طَعَامٌ إِلَّا﴾: حصراً. ﴿مِنْ﴾: لابتداء الغاية. ﴿غِسْلِينٍ﴾: قيل: قيح أهل النّار أو دم القيح أو شجر تسمَّى غسلين خاص لإطعام أهل النّار أو طعام سيِّئ للغاية لا يعلمه إلا الله والغسلين قيل: هو الغساق وطعام أهل النار أيضاً الضريع والزقوم وشرابهم قيل: الحميم والغسلين والغساق.

стр. 5543

سورة الحاقة [٦٩: ٣٧] ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾: ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿يَأْكُلُهُ إِلَّا﴾: حصراً. ﴿الْخَاطِئُونَ﴾: الآثمون أصحاب الخطايا، الخاطئون: من تعمد الخطأ وأقدم على المعصية أو الذّنب بتعمُّد، ويعلم أنّه ذنب أو معصية ومات ولم يتب بينما المخطئون: من يرتكب الخطأ من دون تعمُّد. ارجع إلى سورة البقرة الآية (٢٨٦) لمزيد من البيان في أخطأنا. سورة الحاقة [٦٩: ٣٨] ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: الفاء استئنافية، لا أقسم: ارجع إلى الآية (١) من سورة القيامة للبيان، والقسم لا يكون إلا بشيء عظيم لينبه الناس إلى عظمته وعظمة جواب القسم. ﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق، ما: بمعنى الذي، وما: أوسع شمولاً من الذي). ﴿تُبْصِرُونَ﴾: أي: المشاهدات، وقيل: ما تبصرون تشكل (١% واحد في المئة). سورة الحاقة [٦٩: ٣٩] ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾: وقيل: تشكل ٩٩% تسع وتسعون في المئة. ﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة. ما: الذي وما أوسع شمولاً من الذي تشمل كل شيء وتكرار ما للتوكيد وفصل ما نبصر عما لا نبصر. ﴿لَا تُبْصِرُونَ﴾: لا: النّافية، تبصرون: من مَلَكوت السّموات والأرض (المغيبات) فكل ما نراه في صفحة السماء هو (١%) من مليارات المجرات ومئات المليارات من النجوم والكواكب والأقمار، فقد قيل، أو قُدِّر أن مجرة درب التبانة تحوي ما يقارب من (٤٠٠ مليار نجم) وحدها.

стр. 5544

سورة الحاقة [٦٩: ٤٠] ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: ﴿إِنَّهُ﴾: إن: للتوكيد. ﴿لَقَوْلُ﴾: اللام: للتوكيد، ثلاث توكيدات: القسم، وإن، واللام، إنه لقول رسول كريم هو جواب القسم. ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: قيل: رسول كريم هو جبريل ﵇ وقيل: محمّد ﷺ ، وقد يكون المقصود كلاهما جبريل ﵇ ورسول الله ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤]. سورة الحاقة [٦٩: ٤١] ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾: ﴿وَمَا هُوَ﴾: الواو عاطفة، ما النّافية، هو ضمير فصل يفيد التّوكيد ويعود على القرآن الكريم. ﴿بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾: أي: القرآن ليس بقول شاعر، كما تزعمون؛ لأن نظم الشعر معروفة عند الشعراء، وعلماء النحو والبلاغة، والقرآن مخالف لنظم الشعر فمن قال أنه شعر، أو أن محمداً شاعر قد كفر وليس بمؤمنٍ. ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾: (ما) هنا للتوكيد، أصلها قليلاً تؤمنون. وقليلاً ما تؤمنون لها عدة معانٍ: ١ - العدد قليل أو كمية الإيمان قليلة أي: عدد المؤمنين قليل جداً وكمية إيمانهم قليلة كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]. ٢ - أي: القرآن ليس بقول شاعر قليلاً ما تصدقون ذلك. ٣ - قليلاً ما تؤمنون أنّ القرآن منزل من عند الله العزيز الحكيم.

стр. 5545

ونفي الشّعر عن القرآن أيْ: إذا قرأه بعض الشّعراء الذين يعلمون الشّعر ونظمه وأوزانه يعلمون أنه ليس بشعر. سورة الحاقة [٦٩: ٤٢] ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو عاطفة، لا: النافية. ﴿بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾: الكاهن هو الذي يزعم معرفة الغيب أو يتحدث بالغيب من دون دليل أو سلطان، وبما أن كلام القرآن يخالف أقوال الكهنة وهذا لا يحتاج إلى كثير من التذكير بل قليل، ولذلك قال تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾: ما: للتوكيد، أي: قليلاً تذكرون وأصلها تتذكرون أي: لو تذكرتم لعلمتم أنّ القرآن ليس بكلام الكُهان أيضاً. سورة الحاقة [٦٩: ٤٣] ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿تَنزِيلٌ﴾: أي: من عند الله تعالى، نزل به جبريل ﵇، حتى يبلغه إلى النبي ﷺ . ارجع إلى سورة الواقعة الآية (٨٠) للبيان، وسورة الشعراء آية (١٩٢). سورة الحاقة [٦٩: ٤٤] ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾: أي: لو افترى محمد شيئاً ولو آية من القرآن وجاء بها من عند نفسه. وقيل: هذه الآية ردٌّ على الآية (٣٣) من سورة الطّور ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور: ٣٣]: أي: تَقَوَّل القرآن أي: افتعله أو اختلقه من تلقاء نفسه والتّقوُّل يعني: التّكلُّف والكذب، فجاء الرّد على ذلك بهذه الآية. ﴿وَلَوْ﴾: لو شرطية. ﴿تَقَوَّلَ﴾: افترى وتكلَّف وافتعل أو نقل بعض الأقاويل والتقوُّل هو نسبه القول إلى من لم يقله.

стр. 5546

﴿عَلَيْنَا﴾: أيْ: لو قال محمّد قولاً من عنده ونسبه إلينا، أي: إلى الله سبحانه وجاء بصيغة التّعظيم. ﴿بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾: الأقاويل: جمع أقوال والأقوال جمع قول فهو جمع الجمع ولم يقل: بعض الأقوال؛ لأنّ الأقوال جمع قول حق، والأقاويل جمع قول مفترى وكذب، والأقاويل فيها معنى التّحقير والتّصغير. والأقاويل ذكرت مرة واحدة في القرآن في هذه الآية. سورة الحاقة [٦٩: ٤٥] ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ﴾: اللام لام التّوكيد، أخذنا منه: أي: انتقمنا منه بشدة وقوة. ﴿بِالْيَمِينِ﴾: اليمين تعني: القوة وقوة الإنسان عادة تكون في يده اليمنى واليمين: يعني: بالحق أي: لأخذناه بشدة وعنف، الباء للإلصاق؛ أي: بشكل تام وكامل. سورة الحاقة [٦٩: ٤٦] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: تدل على تفاوت الصّفات بين الأخذ باليمين وقطع الوتين ولا تدل (ثم) على التّراخي في الزّمن، ومنه: تعود على الرسول محمّد ﷺ فقطع الوتين وهو الشّريان الأبهر الخارج من القلب قطعه يؤدِّي إلى الموت حالاً. سورة الحاقة [٦٩: ٤٧] ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾: ﴿فَمَا مِنْكُمْ﴾: الفاء عاطفة تفيد التوكيد، ما: النّافية، منكم: خاصة أنتم يا قريش. ﴿مِّنْ أَحَدٍ﴾: استغراقية تشمل الواحد والاثنين أو الجماعة. ﴿عَنْهُ﴾: تعود إلى رسول الله ﷺ أو تعود على قطع الوتين.

стр. 5547

﴿حَاجِزِينَ﴾: دافعين عنه أو مانعين عنه القطع، جاءت بصيغة الجمع أي: مهما كان عددكم لن تقدروا على ذلك. سورة الحاقة [٦٩: ٤٨] ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾: ﴿وَإِنَّهُ﴾: الواو: عاطفة وإنه للتوكيد، والضّمير يعود على القرآن الكريم. ﴿لَتَذْكِرَةٌ﴾: اللام لام التّوكيد، تذكرة: شيء يذكركم بخالقكم وربكم وبالآخرة. ﴿لِّلْمُتَّقِينَ﴾: اللام لام الاختصاص، المتقين: أي: الذين أطاعوا أوامر الله تعالى وتجنَّبوا نواهيه وأصبحت صفة التّقوى عندهم ثابتة أي: تذكرة تنفع المتقين خاصة. سورة الحاقة [٦٩: ٤٩] ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ﴾: وإنا: للتعظيم، لنعلم: اللام للتوكيد. ﴿أَنَّ﴾: تفيد الاستقبال أي: لنعلم أنّ منكم مكذبين بالقرآن الآن، وفي المستقبل. ﴿مِنْكُمْ﴾: من للتبعيض والكاف للخطاب، مكذبين: بالقرآن ومنكم مصدقين. ﴿مُكَذِّبِينَ﴾: جملة اسمية تدل على الثّبوت أي: صفة التّكذيب عندهم ثابتة. سورة الحاقة [٦٩: ٥٠] ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: ﴿وَإِنَّهُ﴾: للتوكيد، والضّمير يعود على القرآن يكون سبباً لحسرتهم يوم القيامة والنّدم؛ لأنهم كذبوا به.

стр. 5548

﴿لَحَسْرَةٌ﴾: اللام للتوكيد، الحسرة: أشد النّدم. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: على تفيد المشقة والصّعوبة أي: إذا رأى الكفار ثواب المصدقين بالقرآن يوم القيامة سيشعرون بحسرة وندم شديد على ما فرطوا بحق القرآن. سورة الحاقة [٦٩: ٥١] ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾: ﴿وَإِنَّهُ﴾: للتوكيد والضّمير يعود على القرآن. ﴿لَحَقُّ﴾: اللام للتوكيد. ﴿الْيَقِينِ﴾: هو العلم بالحق العلم الذي ليس هناك غيره حق اليقين: أعلى درجات اليقين، فاليقين ثلاث درجات هي: علم اليقين، ثم عين اليقين وأعلاها حق اليقين، والحق هو الشّيء الثابت الذي لا يتغيَّر أو يزول، وإضافة الحق إلى اليقين للتوكيد، وفي هذا نفي للقرآن عن كلّ باطل أو هو من عند غير الله سبحانه. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) لمزيد من البيان. سورة الحاقة [٦٩: ٥٢] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾: ﴿فَسَبِّحْ﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدر أي: إن كان تنزيل من رب العالمين. فسبح: نزِّه وبرِّئ: الله تعالى والقرآن عما يقولونه أو يدعونه باطلاً، وسبحه لذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه تسبيحاً مطلقاً وشكراً على نعمه. ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: الباء للإلصاق، اسم ربك: وهو الله تعالى الإله المعبود واجب الوجود. ﴿الْعَظِيمِ﴾: ارجع إلى سورة الواقعة الآية (٧٤) للبيان.

стр. 5549

سورة المعارج [٧٠: ١] سورة المعارج ترتيبها في القرآن (٧٠) وترتيبها في النّزول (٧٩). ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾: سبب النّزول: كما ذكر الجمهور وابن عباس ومجاهد: نزلت هذه الآية رداً على النضر بن الحارث حين دعا استهزاءً وتعنتاً قائلاً: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾: دعا داع مثل النضر بن الحارث. ﴿بِعَذَابٍ﴾: الباء للإلصاق، دعا داع بالعذاب لنفسه، أو أن يحل به العذاب، ولو قال: سأل سائل عن عذاب واقع، لكان سؤال استفهام ولا يدعو بالعذاب لنفسه مثلاً يسأل على نوعه أو زمنه وغير ذلك. ﴿وَاقِعٍ﴾: لا محالة حتماً حادث؛ أي: نازل بشدة لا محالة. سورة المعارج [٧٠: ٢] ﴿لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾: ﴿لِّلْكَافِرِينَ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، نازل بالكافرين لا محالة. ﴿لَيْسَ لَهُ﴾: ليس للنفي، له: أي: العذاب. ﴿دَافِعٌ﴾: أيْ: لا أحد يستطيع منعه أو ردَّه إذا وقع أو حلَّ.

стр. 5550

سورة المعارج [٧٠: ٣] ﴿مِنَ اللَّهِ ذِى الْمَعَارِجِ﴾: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: لابتداء الغاية، أيْ: مُنزل من الله تعالى. ﴿ذِى الْمَعَارِجِ﴾: ذي: صاحب وذي أسمى وأشرف من صاحب المعارج، المعارج: من العروج، والعروج لغة: هو سير الجسم في خط منعطف منحنٍ، أي: الصّعود مع الميلان، أيْ: لا يتحرك أو يصعد في خط مستقيم، والعروج علمياً: هو كلّ جرم متحرك أو يتحرك في السّماء يخضع لقوتين متعارضتين، الأولى: قوة الجاذبية أيْ: قوة التّجاذب التي تربط الأجرام السّماوية ببعضها ومنها الأرض، والثّانية: القوة الدّافعة أو الطّاردة. ويخضع كلّ جرم سماوي متحرك لقانون العروج أو التّحرك الزّاوي، أي: بشكل خط منحن يمثل محصلة كلّ من القوتين الجذب والطّرد المؤثرة فيه، فالعروج سببه اختلاف جاذبية الأجرام السماوية المختلفة من النجوم والكواكب والأقمار والمذنبات. ذي المعارج: أيْ: سبحانه هو المتحكم أو المتصرف أو المدبِّر لهذه الأجرام السّماوية المتحركة في السّماء من دون أن تصطدم ببعضها البعض، أو تعني الصعود إليه لا يكون إلا بالعروج لوجود هذه الأجرام السماوية المختلفة القوى والطاقة. سورة المعارج [٧٠: ٤] ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾: تعرج الملائكة والروح أيْ: جبريل ﵇، تعرج: العروج كما بينا سابقاً هو الصّعود مع الميلان أيْ: بخط منحنٍ غير مستقيم، وهذا ما اكتشف حديثاً من أبحاث غزو الفضاء، تعرج الملائكة والرّوح.

стр. 5551

﴿إِلَيْهِ﴾: إلى الله تعالى لتتلقى الأوامر الإلهية منه تعالى مباشرة، ومن دون رؤيته . ﴿فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: أفضل ما قيل في تفسير خمسين ألف سنة هو مقدار يوم القيامة لما فيه من الأحوال، والأحداث الجسام، وأما قوله تعالى في: الآية (٥) في سورة السجدة ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ يعني: العروج من الأرض إلى سدرة المنتهى يحتاج إلى ألف سنة مما نُعد، وأما قوله تعالى في الآية (٤٧) في سورة الحج ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ يعني: العذاب في جهنم يوماً واحداً يعادل ألف سنة، وهناك من قال الزّمن المحتاج للعروج في أقطار السّموات والوصول إلى سدرة المنتهى لتلقي الأوامر الإلهية هو (٥٠ ألف سنة) من سني الدّنيا، وقيل: ألف سنة للوصول إلى السّماء الدّنيا، و (٤٩ ألف سنة) للوصول إلى سدرة المنتهى بعد الوصول إلى السماء الدنيا، ويعرج إليه سبحانه الروح والملائكة بسرعة قدرت بـ (١٥ مليون كم/ بالثانية)، والله أعلم. وكما قال ابن عبّاس وبعض المفسرين: المراد باليوم هنا هو يوم القيامة تهويلاً وتخويفاً وطوله (٥٠ ألف سنة) من سني الدّنيا هذا بالنّسبة للكافر، أمّا بالنّسبة للمؤمن فيختلف حسب عمله. سورة المعارج [٧٠: ٥] ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾: المخاطب في هذه الآية رسول الله ﷺ ، وبالتّالي أمته. ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدَّر أيْ: إن سأل سائل بعذاب واقع، فاصبر.

стр. 5552

صبراً جميلاً: الصّبر الجميل هو الصّبر الذي لا يصاحبه جزع ولا شكوى إلى غير الله تعالى وهو صبر غير دائم. وهناك فرق بين (صبرٌ جميلٌ) و (صبراً جميلاً)، صبر جميل: أي: اصبر صبراً دائماً مهما طال (جملة اسمية) أما صبراً جميلاً: أيْ: صبر غير دائم فهو (جملة فعلية). سورة المعارج [٧٠: ٦] ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾: ﴿إِنَّهُمْ﴾: تعود على الكفار. ﴿يَرَوْنَهُ﴾: يوم القيامة (العذاب). ﴿بَعِيدًا﴾: مستحيل الوقوع أو لا يؤمنون بيوم الحساب أصلاً، أو بعيداً عن الوقوع؛ أي: يحتاج إلى زمن طويل، أو يرون مقدار القيامة (٥٠ ألف سنة) أمر بعيد عن التّصديق. سورة المعارج [٧٠: ٧] ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾: ونراه: للتعظيم؛ أي: سبحانه يراه وأي يوم القيامة أو العذاب، قريب الوقوع كقوله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، أو ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]. سورة المعارج [٧٠: ٨] ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾: ﴿يَوْمَ﴾: القيامة. ﴿تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾: المهل: كخليط المعادن المختلفة المذابة أو المنصهرة (النّحاس والرّصاص والذّهب) بعد أن كانت زرقاء صافية يصبح لونها

стр. 5553

كعكر الزّيت المتشكل من إذابة معادن مختلفة، وفي مرحلة أخرى تكون وردة كالدّهان. ارجع إلى سورة الرحمن آية (٣٧). سورة المعارج [٧٠: ٩] ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾: ويوم القيامة تكون الجبال كالعهن: الصّوف المصبوغ ألواناً مختلفة، وذلك لكون الجبال ذات ألوان مختلفة، ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧]. فالجبال تمر بمراحل متعددة منها السّير والدّك والنّسف، ثم تصبح كثيباً مهيلاً، ثمّ عهناً منفوشاً، ثمّ هباءً منبثاً، وفي آية أخرى ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] الصّوف المندوف. سورة المعارج [٧٠: ١٠] ﴿وَلَا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: ﴿وَلَا﴾: النّافية. ﴿يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: بفتح الياء، أيْ: لا يسئل قريب قريبه، أو صديق صديقه، أو خليل خليله من شدة الأهوال والخوف والرّعب. ارجع إلى سورة الحاقة آية (٣٥) للبيان. الكل يقول: اللهم نفسي نفسي، ورب قائل يقول: لا يَسألُ حميم حميماً؛ لأنّهم لا يرونهم أو يبصرونهم، فجاء الرّد على هذا التّساؤل بقوله: يبصرونهم، أيْ: يشاهدونهم بأعينهم ومع ذلك لا يسألونهم.

стр. 5554

سورة المعارج [٧٠: ١١] ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: ولم يقل: يبصرونهم بتشديد الصاد من بصرته بالشّيء أيْ: أوضحته له حتّى يبصره، أو يحضر الله سبحانه القريب أو الحميم أمام حميمه عمداً، فلا يسأله عن شيء، يُبصَّرونهم: تعني بقصد وتعمُّد، بينما يبصرونهم من دون تشديد الصاد أيْ: بغير قصد أو نية وتعمد أيْ: يشاهدونهم ويتعرفون عليهم أنّهم أقرباؤهم، ولكنهم كأنّهم لا يعرفونهم. ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ﴾: يتمنى المجرم: أي: الكافر أو المشرك والذي أذنب ذنباً يستحق به النّار. ﴿لَوْ﴾: حرف مصدري. ﴿يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾: لو يفتدي يوم القيامة بأقرب شيء إليه يفدي نفسه أيْ: يدفع فدية ليخلص نفسه من عذاب ذلك اليوم، أو يتمنى لو قُبل منه الفداء يومئذ حتّى ولو كان المرء يصل إلى أن يفدي نفسه ببنيه. ﴿بِبَنِيهِ﴾: أيْ: أولاده. سورة المعارج [٧٠: ١٢] ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾: زوجته وأخيه، وسماها صاحبة بدلاً من زوجته؛ لأنّ صاحبته تعني تصحبه إلى مدة حتّى يكون منها ولد. سورة المعارج [٧٠: ١٣] ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِى تُئْوِيهِ﴾: أيْ: عشيرته أو قبيلته التي تضمه إليها وتحميه.

стр. 5555

سورة المعارج [٧٠: ١٤] ﴿وَمَنْ فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: ومن: لابتداء الغاية واستغراقية تستغرق كلّ من في الأرض بشكل مفرد أو جمع. لم يذكر أنّه يفتدي بأمّه ولا بأبيه، فكيف يفدي نفسه بأمّه وأبيه، والله سبحانه قال: وبالوالدين إحساناً، فهذا لا يجوز أو يصح، ولكن المجرم لو استطاع أن يقدِّم أباه وأمّه إلى النار بدلاً منه لفعل ذلك، ولكنه في سورة عبس الآية (٣٤ - ٣٥) ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الفرار من الأم والأب قد يحصل، أو يجوز بينما الفداء لا يجوز. ولو قارنّا هاتين الآيتين من سورة المعارج، وهي قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِى تُئْوِيهِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ [٣٤ - ٣٥] من سورة عبس، وهي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾: في حالة الفداء: يقدِّم أقرب النّاس إليه وهم أولاده أولاً. وفي حالة الفرار: أخَّر من يفرُّ منهم وهم أولاده. هذا التّرتيب الإلهي له دلالاته، ففي مقام الفرار يفرُّ الإنسان من الأباعد أوّلاً، ثمّ ينتهي بأقرب النّاس إليه فيكونون آخر من يفرُّ منهم وهم الأبناء بعكس الفداء؛ حيث يفتدي بأقرب النّاس؛ لأنّ شدة العذاب دعته للاهتمام بنفسه ونسي أقرب النّاس إليه. سورة المعارج [٧٠: ١٥] ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى﴾: ﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وإبطال لما سبق من الكلام أيْ: كلا لا قرابة يومئذ تنفع ولا فداء يقبل.

стр. 5556

﴿إِنَّهَا لَظَى﴾: اسم دركة من دركات النّار، فهي سبع دركات هي الجحيم، جهنم، لظى وسقر والسعير والهاوية والحطمة، واللظى: اللهب الخالص. سورة المعارج [٧٠: ١٦] ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾: ﴿نَزَّاعَةً﴾: قلاعة تقلع بشدة. ﴿لِلشَّوَى﴾: اللام لام الاختصاص، الشّوى: هي جلدة الرّأس وقيل أيضاً: جلدة أطراف البدن كاليد والرّجل. سورة المعارج [٧٠: ١٧] ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾: ﴿تَدْعُوا﴾: أيْ: لظى تنادي: إليَّ إليَّ يا مَنْ: ﴿أَدْبَرَ﴾: أدبر عن طاعة الله ورسوله أو عن الإيمان أيْ: أدار ظهره ولم يلتفت أو أعرض. ﴿وَتَوَلَّى﴾: ابتعد عن الحق. سورة المعارج [٧٠: ١٨] ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾: ﴿وَجَمَعَ﴾: المال، جمع المال. ﴿فَأَوْعَى﴾: جعله في أوعية من كثرته أو أودعه في البنوك، ولم يؤدِّ زكاته أو ينفقه أو كنزه. سورة المعارج [٧٠: ١٩] ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ﴾: إنّ للتوكيد. ﴿خُلِقَ هَلُوعًا﴾: خُلِقَ لا يعني: أن الله خلقه هلوعاً؛ لأن الهلع يحدث بعد الخلق، وبعد أن يبلغ مرحلة البلوغ أو الشباب، فقد قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]؛ أي: الإنسان انتحل هذه الصّفة ومارسها فأصبحت صفة مكتسبة راسخة ملتصقة به كأنّها خُلقت معه،

стр. 5557

أو كأنّه مجبول عليها، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] وهلوعاً: من الهلع، وهلوعاً: صفة مشبهة من الفعل؛ هلع: بمعنى شدة الجزع، وعدم الصبر على المصائب الذي فسرته الآيتان التّاليتان: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ وناقة هلواع: سريعة السّير. سورة المعارج [٧٠: ٢٠] ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾: ﴿إِذَا﴾: شرطية ظرفية تدل على حتمية الحدوث وكثرته. ﴿مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: أصابه الشّر مثل المرض أو الفقر أو فقد مال أو ولد أو أهل أو حادثة طارئة، ولو كانت إصابة خفيفة غير شديدة، تراه عديم الصبّر كثير الضّجر قليل الرّضا بما قضى الله، مَّسه: تعني: أقل المس أو اللمس. سورة المعارج [٧٠: ٢١] ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾: ﴿وَإِذَا﴾: شرطية ظرفية تدل على حتمية الحدوث. ﴿مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾: منوعاً: من الفعل الثلاثي منع إذا أصابه الخير كالغنى والعافية والخيرات تراه مبالغاً في الإمساك والبخل والشّح لا ينفق مما أتاه الله، ولا يشكر الله على نعمه. سورة المعارج [٧٠: ٢٢] ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، استثناء من الهلع والجزع أو المنع. ﴿الْمُصَلِّينَ﴾: جمع المصلي الذين وصفهم الله سبحانه في الآيات التّالية في ثماني صفات ثابتة دائمة جاء بصيغة الجملة الاسمية، مثل على صلاتهم دائمين حافظين مشفقين، فهؤلاء إيمانهم وصلاتهم من المفروض أن تمنعهم من الهلع أو الجزع أو المنع والبخل والشّح.

стр. 5558

سورة المعارج [٧٠: ٢٣] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾: ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾: الذين: اسم موصول يفيد المدح، هم: تفيد التّوكيد وتكرار الذين هم في عدة آيات لزيادة التّوكيد، وفصل كلّ صفة عن الأخرى. ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾: الدّوام يعني: الاستمرار بلا انقطاع على المواظبة على صلاتهم خمس مرات باليوم حتّى يجيء الأجل، ودائمون على الصلاة في الصّحة والمرض والسّفر والإقامة، وتقديم الصلاة أولاً والتذكير بها آخراً في الآية (٣٤) للدلالة على فضلها العظيم، وتقديمها على سائر العبادات، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة في حديث أبي هريرة الذي رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. سورة المعارج [٧٠: ٢٤] ﴿وَالَّذِينَ فِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: كالسّابقة. ﴿فِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾: هو الزّكاة (نصيب معين معلوم) وكذلك الصّدقة، معلوم له ولغيره من كافة المسلمين المؤمنين. سورة المعارج [٧٠: ٢٥] ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾: ﴿لِلسَّائِلِ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، والسّائل هو الفقير الذي يسأل النّاس الصّدقة، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٩) في سورة الذاريات وهي قوله تعالى: ﴿وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾: نجد في هذه الآية (آية الذاريات) لم يذكر كلمة معلوم، وقالوا: إن آية الذاريات جاءت في سياق الصدقات، وآية المعارج (حق معلوم) في سياق الزكاة؛ لأن الزكاة معلومة المقدار. ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾: الفقير المتعفف الذي لا يسأل، فيظن أنّه غني فيُحرم الصّدقة أو العطاء.

стр. 5559

سورة المعارج [٧٠: ٢٦] ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٢٣). ﴿يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾: يؤمنون بالبعث والحساب والجزاء والآخرة، ويوم القيامة تصديقاً بالقلب والعمل أيْ: يستعدون له بالعبادة والطّاعة والعمل الصّالح. سورة المعارج [٧٠: ٢٧] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِّنْ﴾: ارجع إلى الآية (٢٣). ﴿مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾: من لابتداء الغاية عذاب ربهم مشفقون: خائفون وحذرون وحريصون، يشعرون أن أعمالهم الصّالحة ربما لن تقبل منهم، وما عملوا من الخيرات؛ لأنّها لا تليق بحق الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]. سورة المعارج [٧٠: ٢٨] ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: لأنّهم لا يعلمون هل ستقبل أعمالهم الصّالحة أم لا، فهم في حالة بين الخوف والرّجاء، كقول إبراهيم ﵇ ﴿وَالَّذِى أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]. سورة المعارج [٧٠: ٢٩] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ﴾: ارجع إلى الآية (٢٣). ﴿لِفُرُوجِهِمْ﴾: اللام لام الاختصاص والفرج: هو سوءَة الرّجل أو المرأة. ﴿حَافِظُونَ﴾: من الزّنى والفواحش وما حرَّم الله تعالى. سورة المعارج [٧٠: ٣٠] ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.

стр. 5560

﴿عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾: لأنّ الله سبحانه أحل لهم ذلك بعقد الزّواج. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾: هذا لم يعد موجوداً، فلم يعد هناك إماء، ويعتبر هذا الحكم الآن حكماً معطلاً، وغير مُلغى؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يُلغي حكم الله تعالى. سورة المعارج [٧٠: ٣١] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾: ﴿فَمَنِ﴾: الفاء للتوكيد، من شرطية. ﴿ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾: ابتغى: طلب أو التمس وراء ذلك أيْ: غير ذلك الزّواج أو ما ملكت أيمانهم أيْ: علاقة جنسية. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، أولئك: اسم إشارة واللام للبعد تفيد التّحقير والذّم. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿الْعَادُونَ﴾: المتجاوزون لما شرع الله تعالى سواء ما أحلَّ أو ما حرَّم، وهو تحذير لمن يحاول أن يتعدَّى حدود الله تعالى أو يقربها. سورة المعارج [٧٠: ٣٢] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ﴾: ارجع إلى الآية (٢٣). ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾: اللام لام التّوكيد والاختصاص، لأماناتهم: من الأمانة ما ائتمنوا عليه من التّكاليف الشّرعية والأموال والأمانات المودعة عندهم، وعهدهم: العهد يضم العقود والوعود والمعاهدات والميثاق العادي والغليظ، وهو ما يلتزم به الإنسان سواء مع الله تعالى أو إنسان آخر، وسواء كان تكليفاً أو وصية أو أمراً، راعون: من الرّعي: وهو الحفظ: أيْ: حافظون لأماناتهم وموفون لعهودهم لا ينقضونها ولا يغدرون ولا يخونون.

стр. 5561

سورة المعارج [٧٠: ٣٣] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ﴾: ارجع إلى الآية (٢٣). ﴿بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾: الباء للإلصاق والمداومة، الشّهادة: اسم جنس، شهادتهم: جمع شهادة والشّهادة مختلفة الأنواع، قائمون: مؤدون: يؤدون شهاداتهم ولا يكتمونها ولا يغيرونها ويتمُّوا الشّهادة الله، ولو على أنفسهم، أو الوالدين والأقربين، وإقامة الشهادة جاء بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ ليُذكرنا أن إقامة الشهادة نوع من الأمانة يجب أن يؤديها إذا احتيج لها. سورة المعارج [٧٠: ٣٤] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ﴾: ارجع إلى الآية (٢٣). ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾: يؤدُّون صلاتهم في أوقاتها محافظين على شروطها وأركانها وسننها ووضوئها لا يشغلهم شاغل، وتكرار ذكر الصّلاة للدلالة على توكيد أهميتها وفضلها، يحافظون: جاءت بصيغة الجملة الفعلية؛ لأنّ الصّلاة تتجدَّد وتتكرَّر. سورة المعارج [٧٠: ٣٥] ﴿أُولَئِكَ فِى جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد والمدح، ويشير إلى المصلين الذين اتصفوا بتلك الصّفات الثّمانية. ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾: جنات جمع جنة منها جنات الفردوس والنعيم وعدن من التكريم والنعيم بألوان الملاذ والطيبات وما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، مكرمون تدل على الثّبوت، مكرمون دائماً. سورة المعارج [٧٠: ٣٦] ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾: ﴿فَمَالِ﴾: الفاء استئنافية، ما: استفهام إنكاري.

стр. 5562

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ﴾: حواليك أو أمامك أو عن يمينك أو شمالك. ﴿مُهْطِعِينَ﴾: جمع مهطع: اسم فاعل من أهطع يهطع فهو مهطع، أي: المسرع في المشي والرافع رأسه. ارجع إلى سورة إبراهيم الآية (٤٣) لمزيد من البيان، وسورة القمر الآية (٨). سورة المعارج [٧٠: ٣٧] ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾: عن يمينك وعن شمالك عزين: جماعات متفرقة، عزين: جمع عزة أيْ: في حالة تفرقة أي: جماعة هنا وجماعة هناك عن يمين الرّسول ﷺ وعن شماله. سورة المعارج [٧٠: ٣٨] ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾: ﴿أَيَطْمَعُ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ. ﴿كُلُّ امْرِئٍ﴾: كلّ واحد من هؤلاء الذين كفروا. ﴿مِّنْهُمْ﴾: خاصة. ﴿أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل، يدخل جنة نعيم. سورة المعارج [٧٠: ٣٩] ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع لهم بعدم الطمع في الجنة أيْ: ليس الأمر كما يأملون أو يتمنون بأن يدخل كلّ منهم جنة نعيم. ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾: إنّا للتعظيم، خلقناهم: من ماء مهين أو من تراب أو نطفة إذا تُمنى، فهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فكيف يكفرون ويجحدون، ثمّ يطمعون أن يدخلوا جنة نعيم.

стр. 5563

سورة المعارج [٧٠: ٤٠] ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: ارجع إلى سورة القيامة الآية (١) للبيان، والله غني عن القسم ولا يقسم إلا بشيء عظيم. ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾: فقد تبيَّن أنّ الشّمس تشرق كلّ يوم أو تطلع بزاوية تختلف عن زاوية اليوم الآخر، وتبيَّن أنّ للشمس ملايين المشارق والمغارب ولكلّ كوكب وقمر مشرق ومغرب، فالله سبحانه يقسم بمشارق ومغارب الشمس، وللشمس مشرق حقيقي أساسي واحد، ولها مغرب أساسي واحد (رب المشرق والمغرب) ولها مشرقان ولها مغربان. ارجع إلى سورة الرحمن آية (١٧) للبيان. ﴿إِنَّا﴾: للتعظيم. ﴿لَقَادِرُونَ﴾: اللام للتعظيم، قادرون: على أن نبدل خيراً منهم بأن نهلكهم، ونأتي بخير منهم وما نحن بمسبوقين. سورة المعارج [٧٠: ٤١] ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾: أيْ: نخلق خيراً منهم: أيْ: أمثل وأفضل طاعة وعبادة. ﴿وَمَا نَحْنُ﴾: ما النّافية، نحن: للتعظيم. ﴿بِمَسْبُوقِينَ﴾: بعاجزين أو مغلوبين، جمع مسبوق والذي يُسبق: يُغلب.

стр. 5564

سورة المعارج [٧٠: ٤٢] ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ﴾: ﴿فَذَرْهُمْ﴾: أيْ: دعهم أو اتركهم. ﴿يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ﴾: ارجع إلى سورة الزخرف الآية (٨٣) للبيان. سورة المعارج [٧٠: ٤٣] ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾: ﴿يَوْمَ﴾: نكرة للتهويل والتّعظيم أيْ: يوم البعث. ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾: الأجداث: جمع جدث، والجدث هو القبر، فالقبر يتحول إلى جدث حين خروج الميت منه، حيث يكون القبر ساكناً هامداً ليس فيه حركة ولا صوت إلى قبر يخرج منه صوت خافت يشبه صوت الحافر أو الخف عندما يسرع الإنسان في السير أو يركض، فيسمَّى القبر في تلك المرحلة جدث. ﴿سِرَاعًا﴾: مسرعين إلى إجابة الداع مسرعين إلى أرض المحشر أو موقف الحساب. ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾: كأنّهم إلى نصب: إلى راية أو علم أو صنم منصوب (كوثن يعبدونه) يوفضون: يسرعون ويتسابقون. سورة المعارج [٧٠: ٤٤] ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَانُوا يُوعَدُونَ﴾: الخشوع: يكون في الصّوت والبصر وأما الخضوع يكون في الجسم. ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾: الخشوع: هو الخضوع + الخوف + النّظر إلى الأرض، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٧) في سورة القمر، وهي قوله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾: نجد أن خشعاً تفيد المبالغة والتأكيد، وكثرة العدد؛ مبالغة في خشوع

стр. 5565

أبصارهم، والخشوع يصيب الأبصار والقلوب والسمع؛ فآية القمر زمنها بعد الخروج من الأحداث، وآية المعارج حالة متأخرة. ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: تغشاهم ذلة من الذّل وهو الانقياد كرهاً ضد العزة والشّعور بالهون والاستخفاف؛ أي: الشعور بأن ليس لهم قيمة، والذّل يعني: اللين والانقياد. ذلك: اسم إشارة والكاف للبعد. اليوم: يوم البعث. الذي كانوا يُوعدون: كانوا يوعدون: من الوعد، يوعدون في الدنيا أنه قادم.

стр. 5566

سورة نوح [٧١: ١] سورة نوح ترتيبها في القرآن (٧١) وترتيبها في النّزول (٧١). تشمل هذه السّورة طرفاً من دعوة نوح لقومه وأساليب دعوته وعدم استجابة قومه له ودعوة نوح على الكافرين. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾: إنا للتعظيم، أرسلنا: لمعرفة معنى الإرسال والفرق بين البعث والإرسال ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٩). ﴿نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾: نوح من سلالة إدريس وإدريس هو أب جد نوح وجاء في صحيح البخاري عن ابن عباس كان بين آدم ونوح ما يقارب عشرة قرون، أيْ: حوالي (١٠٠٠ سنة). ﴿أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ﴾: أن تفيد التّعليل، أنذر: من الإنذار وهو الإعلام المقترن بالتّحذير والتّخويف. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾: من: لابتداء الغاية، قبلِ: بكسر اللام ليس فيها تحديد للزمن أيْ: لم يحدِّد متى سيأتيهم العذاب الأليم القادم، ولو قال من قبلُ: فيها تحديد: فيها تحديد للزمن بعد كذا زمن سيأتيهم سواء كان قصيراً أم طويلاً. ﴿أَنْ﴾: للتعليل. ﴿يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: هو الطّوفان في الدنيا أو عذاب الجحيم في الآخرة. وعذاب الجحيم في الآخرة.

стр. 5567

سورة نوح [٧١: ٢] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ﴿يَاقَوْمِ﴾: نوح ﵇. ﴿يَاقَوْمِ﴾: ياء النداء نداء فيه حنان واستعطاف وبرفق ولين؛ ليجلب قلوب قومه إليه حتى يؤمنوا به. ﴿إِنِّى لَكُمْ﴾: إني للتوكيد، لكم خاصة. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: نذير (ارجع إلى الآية السّابقة نذير من الإنذار) وهو الإعلام مع التحذير والتخويف. مبين: واضح الإنذار لكل واحد منكم لكل فرد، ومبين إنذار كامل تام من دون ترك أيِّ شيء، ولا يحتاج إلى من يُبينه واضح بنفسه، والإنذار هو اعبدوا الله واتقوه وأطيعون. سورة نوح [٧١: ٣] ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾: ﴿أَنِ﴾: تعليلية. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: من العبادة وهي طاعة العابد للمعبود فيما أمر به ونهى عنه والخضوع، ولها منهج وجزاء ولا تكون إلا للخالق وحده. ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣) لمزيد من البيان. ﴿وَاتَّقُوهُ﴾: امتثلوا أوامر ربكم وتجنبوا نواهيه، اتقوا غضب الله وسخطه وناره. ﴿وَأَطِيعُونِ﴾: أيْ: أطيعوا الله وأطيعون كرسول لكم، ولم يقل: وأطيعوني. الفرق بينهما:

стр. 5568

أطيعون: لأنّ نوح ﵇ يعلم أن من يطيعه هم قلة ولو كانوا كثرة لربما قال: وأطيعوني. وأطيعون: ولو بقليل من الطّاعة، أما أطيعوني فتعني: الكثير من الطّاعة. سورة نوح [٧١: ٤] ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: من ثمرات عبادة الله وحده وتقواه وطاعتي كرسول لكم: أولاً: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾: الغفر هو السّتر ومحو الذنب وترك العقاب، من: للتبعيض، من ذنوبكم: أيْ: يغفر لكم بعض ذنوبكم ولو قال: يغفر لكم ذنوبكم لكان يعني كلَّ أو جميع ذنوبكم، ولا تأتي آية ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] إلا في سياق المؤمنين دائماً، ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾: لا تأتي إلا في سياق غير المؤمنين. ثانياً: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: لا يعجِّل لكم العذاب في دنياكم حتى تنقضي آجالكم. والأجل الأول: هو الموت، وهو الوقت المضروب لانقضاء الشّيء وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره. ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾: الأجل الثاني: هو أجلهم جميعاً حين يستأصلهم العذاب أو يحل بهم؛ إن: للتوكيد، أجل الله هو الموت أو البعث أو العذاب أو الكل. إذا: ظرف للزمن المستقبل فيه معنى الشّرط وتفيد حتمية الحدوث. ﴿جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾: لا النّافية، لا يؤخر.

стр. 5569

﴿لَوْ﴾: شرطية جوابها محذوف تقديره: لآمنتم. ﴿كُنتُمْ﴾: في الدّنيا. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: أنّ الأجل لا يؤخر. سورة نوح [٧١: ٥] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَارًا﴾: هذه الآيات تبيِّن لنا أساليب دعوة نوح لقومه وعدم استجابتهم لدعوته. ﴿قَالَ رَبِّ﴾: حذف أداة النّداء ولم يقل: قال نوح: يا رب لكون نوح يعلم أنّ الله قريب منه. ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد. ﴿دَعَوْتُ قَوْمِى﴾: للإيمان بك. ﴿لَيْلًا وَنَهَارًا﴾: يعني: في كل الأوقات من غير فتور. سورة نوح [٧١: ٦] ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَاءِى إِلَّا فِرَارًا﴾: ﴿فَلَمْ﴾: الفاء للتوكيد، لم للنفي. ﴿يَزِدْهُمْ دُعَاءِى﴾: إلى الإيمان ولم يقل: يزيدهم، حذف الياء في كلمة (يزدهم) لتناسب قلة عدد الذين استمعوا إليه. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿فِرَارًا﴾: الفرار هو الجري بسرعة والخوف والانكشاف (من دون خُفية) أيْ: كلما رأوني هربوا مني بعيداً وتعني: تباعدوا عن الإيمان.

стр. 5570

سورة نوح [٧١: ٧] ﴿وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِى آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾: ﴿وَإِنِّى﴾: تكرار إني للتوكيد. ﴿كُلَّمَا﴾: مركبة من كل الظّرفية، ما المصدرية فهي أداة شرطية تفيد التّكرار. ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾: إلى الإيمان وعبادة الله وحده (التّوحيد). ﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾: اللام لام التّعليل، تغفر: تستر وتمحو أو تحط عنهم خطاياهم. ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِى آذَانِهِمْ﴾: (مجاز مرسل) إطلاق الكل وإرادة الجزء عادة يجعل الإنسان طرف إصبعه أيْ: إصبع واحدة في أذنه لكي لا يسمع إلى ما يُقال فهم لم يستعملوا طرف إصبع واحدة وإنما أدخلوا أصابعهم العشرة كاملة في آذانهم لئلا يسمعوا ولو كلمة واحدة تتسرب إلى آذانهم. وهذا دليلٌ على المبالغة في رفضهم للاستماع إليه أو كراهية الاستماع إليه، وهو يدعوهم إلى الإيمان والتّوحيد ولم يكتفوا بذلك، بل استغشوا ثيابهم. ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾: أيْ: تغطوا بها كراهية النظر إلى من ينصحهم ويعظهم للإيمان بربهم، ولكي لا يستمعون إليه، ولكي لا يعرفهم ويكون شهيداً عليهم. ﴿وَأَصَرُّوا﴾: استمروا على كفرهم وشركهم. ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾: استكبروا عن الإيمان، استكبروا: الألف والسّين والتّاء للطلب أيْ: تكبروا وهم ليس عندهم مؤهلات الكبر، استكباراً: مصدر استكبر للتأكيد. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لمزيد من البيان. سورة نوح [٧١: ٨] ﴿ثُمَّ إِنِّى دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزمن أيْ: بعد زمن طويل من دعوتهم بالسّر دعوتهم بالجهر. ﴿إِنِّى﴾: للتأكيد. ﴿دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾: أيْ: مجاهراً بالدّعوة والجهر هو رفع الصّوت مع الإعلان جهاراً أيْ: بأعلى صوتي أو مبالغة في الإظهار أيْ: دعوتهم بالعلن بعد أن دعوتهم بالسّر والخفاء. سورة نوح [٧١: ٩] ﴿ثُمَّ إِنِّى أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للدلالة على البعد والتباين بين صفة الدّعوة في السّر والعلن. ﴿إِنِّى﴾: لتكرار التّوكيد وأنّه استعمل أسلوبي الدّعوة الإسرار والإعلان (الجهر) معاً. ﴿لَهُمْ﴾: وتكرار لهم تفيد التّوكيد. ﴿وَأَسْرَرْتُ﴾: تفيد التّوكيد. سورة نوح [٧١: ١٠] ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾: ﴿فَقُلْتُ﴾: الفاء للتوكيد. قلت: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾: اطلبوا منه المغفرة والاستغفار، من الغفر هو ستر الذّنب، وبالتالي محوه وترك العقاب، والاستغفار يعني: التّوبة من الكفر والشّرك وترك المعاصي وعدم العودة إليها. ﴿إِنَّهُ﴾: للتأكيد، تعود على الله سبحانه في واجب الوجود.
следующие страницы →