Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.
стр. 5566
سورة نوح [٧١: ١]
سورة نوح
ترتيبها في القرآن (٧١) وترتيبها في النّزول (٧١). تشمل هذه السّورة طرفاً من دعوة نوح لقومه وأساليب دعوته وعدم استجابة قومه له ودعوة نوح على الكافرين.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾: إنا للتعظيم، أرسلنا: لمعرفة معنى الإرسال والفرق بين البعث والإرسال ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٩).
﴿نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾: نوح من سلالة إدريس وإدريس هو أب جد نوح وجاء في صحيح البخاري عن ابن عباس كان بين آدم ونوح ما يقارب عشرة قرون، أيْ: حوالي (١٠٠٠ سنة).
﴿أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ﴾: أن تفيد التّعليل، أنذر: من الإنذار وهو الإعلام المقترن بالتّحذير والتّخويف.
﴿مِنْ قَبْلِ﴾: من: لابتداء الغاية، قبلِ: بكسر اللام ليس فيها تحديد للزمن أيْ: لم يحدِّد متى سيأتيهم العذاب الأليم القادم، ولو قال من قبلُ: فيها تحديد: فيها تحديد للزمن بعد كذا زمن سيأتيهم سواء كان قصيراً أم طويلاً.
﴿أَنْ﴾: للتعليل.
﴿يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: هو الطّوفان في الدنيا أو عذاب الجحيم في الآخرة.
وعذاب الجحيم في الآخرة.
стр. 5567
سورة نوح [٧١: ٢]
﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾:
﴿يَاقَوْمِ﴾: نوح ﵇.
﴿يَاقَوْمِ﴾: ياء النداء نداء فيه حنان واستعطاف وبرفق ولين؛ ليجلب قلوب قومه إليه حتى يؤمنوا به.
﴿إِنِّى لَكُمْ﴾: إني للتوكيد، لكم خاصة.
﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: نذير (ارجع إلى الآية السّابقة نذير من الإنذار) وهو الإعلام مع التحذير والتخويف.
مبين: واضح الإنذار لكل واحد منكم لكل فرد، ومبين إنذار كامل تام من دون ترك أيِّ شيء، ولا يحتاج إلى من يُبينه واضح بنفسه، والإنذار هو اعبدوا الله واتقوه وأطيعون.
سورة نوح [٧١: ٣]
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾:
﴿أَنِ﴾: تعليلية.
﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: من العبادة وهي طاعة العابد للمعبود فيما أمر به ونهى عنه والخضوع، ولها منهج وجزاء ولا تكون إلا للخالق وحده. ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣) لمزيد من البيان.
﴿وَاتَّقُوهُ﴾: امتثلوا أوامر ربكم وتجنبوا نواهيه، اتقوا غضب الله وسخطه وناره.
﴿وَأَطِيعُونِ﴾: أيْ: أطيعوا الله وأطيعون كرسول لكم، ولم يقل: وأطيعوني. الفرق بينهما:
стр. 5568
أطيعون: لأنّ نوح ﵇ يعلم أن من يطيعه هم قلة ولو كانوا كثرة لربما قال: وأطيعوني.
وأطيعون: ولو بقليل من الطّاعة، أما أطيعوني فتعني: الكثير من الطّاعة.
سورة نوح [٧١: ٤]
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
من ثمرات عبادة الله وحده وتقواه وطاعتي كرسول لكم:
أولاً: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾: الغفر هو السّتر ومحو الذنب وترك العقاب، من: للتبعيض، من ذنوبكم: أيْ: يغفر لكم بعض ذنوبكم ولو قال: يغفر لكم ذنوبكم لكان يعني كلَّ أو جميع ذنوبكم، ولا تأتي آية ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] إلا في سياق المؤمنين دائماً، ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾: لا تأتي إلا في سياق غير المؤمنين.
ثانياً: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: لا يعجِّل لكم العذاب في دنياكم حتى تنقضي آجالكم.
والأجل الأول: هو الموت، وهو الوقت المضروب لانقضاء الشّيء وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره.
﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾: الأجل الثاني: هو أجلهم جميعاً حين يستأصلهم العذاب أو يحل بهم؛ إن: للتوكيد، أجل الله هو الموت أو البعث أو العذاب أو الكل.
إذا: ظرف للزمن المستقبل فيه معنى الشّرط وتفيد حتمية الحدوث.
﴿جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾: لا النّافية، لا يؤخر.
стр. 5569
﴿لَوْ﴾: شرطية جوابها محذوف تقديره: لآمنتم.
﴿كُنتُمْ﴾: في الدّنيا.
﴿تَعْلَمُونَ﴾: أنّ الأجل لا يؤخر.
سورة نوح [٧١: ٥]
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَارًا﴾:
هذه الآيات تبيِّن لنا أساليب دعوة نوح لقومه وعدم استجابتهم لدعوته.
﴿قَالَ رَبِّ﴾: حذف أداة النّداء ولم يقل: قال نوح: يا رب لكون نوح يعلم أنّ الله قريب منه.
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿دَعَوْتُ قَوْمِى﴾: للإيمان بك.
﴿لَيْلًا وَنَهَارًا﴾: يعني: في كل الأوقات من غير فتور.
سورة نوح [٧١: ٦]
﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَاءِى إِلَّا فِرَارًا﴾:
﴿فَلَمْ﴾: الفاء للتوكيد، لم للنفي.
﴿يَزِدْهُمْ دُعَاءِى﴾: إلى الإيمان ولم يقل: يزيدهم، حذف الياء في كلمة (يزدهم) لتناسب قلة عدد الذين استمعوا إليه.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿فِرَارًا﴾: الفرار هو الجري بسرعة والخوف والانكشاف (من دون خُفية) أيْ: كلما رأوني هربوا مني بعيداً وتعني: تباعدوا عن الإيمان.
стр. 5570
سورة نوح [٧١: ٧]
﴿وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِى آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾:
﴿وَإِنِّى﴾: تكرار إني للتوكيد.
﴿كُلَّمَا﴾: مركبة من كل الظّرفية، ما المصدرية فهي أداة شرطية تفيد التّكرار.
﴿دَعَوْتُهُمْ﴾: إلى الإيمان وعبادة الله وحده (التّوحيد).
﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾: اللام لام التّعليل، تغفر: تستر وتمحو أو تحط عنهم خطاياهم.
﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِى آذَانِهِمْ﴾: (مجاز مرسل) إطلاق الكل وإرادة الجزء عادة يجعل الإنسان طرف إصبعه أيْ: إصبع واحدة في أذنه لكي لا يسمع إلى ما يُقال فهم لم يستعملوا طرف إصبع واحدة وإنما أدخلوا أصابعهم العشرة كاملة في آذانهم لئلا يسمعوا ولو كلمة واحدة تتسرب إلى آذانهم.
وهذا دليلٌ على المبالغة في رفضهم للاستماع إليه أو كراهية الاستماع إليه، وهو يدعوهم إلى الإيمان والتّوحيد ولم يكتفوا بذلك، بل استغشوا ثيابهم.
﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾: أيْ: تغطوا بها كراهية النظر إلى من ينصحهم ويعظهم للإيمان بربهم، ولكي لا يستمعون إليه، ولكي لا يعرفهم ويكون شهيداً عليهم.
﴿وَأَصَرُّوا﴾: استمروا على كفرهم وشركهم.
﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾: استكبروا عن الإيمان، استكبروا: الألف والسّين والتّاء للطلب أيْ: تكبروا وهم ليس عندهم مؤهلات الكبر، استكباراً: مصدر استكبر للتأكيد. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لمزيد من البيان.
سورة نوح [٧١: ٨]
﴿ثُمَّ إِنِّى دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزمن أيْ: بعد زمن طويل من دعوتهم بالسّر دعوتهم بالجهر.
﴿إِنِّى﴾: للتأكيد.
﴿دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾: أيْ: مجاهراً بالدّعوة والجهر هو رفع الصّوت مع الإعلان جهاراً أيْ: بأعلى صوتي أو مبالغة في الإظهار أيْ: دعوتهم بالعلن بعد أن دعوتهم بالسّر والخفاء.
سورة نوح [٧١: ٩]
﴿ثُمَّ إِنِّى أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للدلالة على البعد والتباين بين صفة الدّعوة في السّر والعلن.
﴿إِنِّى﴾: لتكرار التّوكيد وأنّه استعمل أسلوبي الدّعوة الإسرار والإعلان (الجهر) معاً.
﴿لَهُمْ﴾: وتكرار لهم تفيد التّوكيد.
﴿وَأَسْرَرْتُ﴾: تفيد التّوكيد.
سورة نوح [٧١: ١٠]
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾:
﴿فَقُلْتُ﴾: الفاء للتوكيد.
قلت: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾: اطلبوا منه المغفرة والاستغفار، من الغفر هو ستر الذّنب، وبالتالي محوه وترك العقاب، والاستغفار يعني: التّوبة من الكفر والشّرك وترك المعاصي وعدم العودة إليها.
﴿إِنَّهُ﴾: للتأكيد، تعود على الله سبحانه في واجب الوجود.
стр. 5571
﴿كَانَ غَفَّارًا﴾: كان: تشمل كل الأزمنة وليس الزمن الماضي فقط، بل الحاضر والمستقبل أيْ: كل زمان، غفاراً: صيغة مبالغة من الغفر أيْ: كثير الغفران لمن تاب وأقلع عن ذنبه، وتفيد تكرار مغفرته وتجددها، والغفور تعني: داوم مغفرته وكثرتها.
﴿غَفَّارًا﴾: يغفر الذّنوب الكبار. ارجع إلى سورة طه آية (٨٢) للمزيد ومعرفة الفرق بين غفور وغفَّار.
стр. 5572
سورة نوح [٧١: ١١]
﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾:
﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾: أي: السّحاب؛ لأنّ تعريف السّماء هي كل ما علاك والسّحاب يعلونا والسّحاب يشكل السحب الركامية التي تنزل المطر.
﴿عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾: مدراراً صيغة مبالغة وأصلها الدّر سيلان اللبن وكثرته، ثم استعير للمطر الغزير المتتابع.
سورة نوح [٧١: ١٢]
﴿وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾:
﴿وَيُمْدِدْكُم﴾: من الإمداد والإمداد في القرآن يأتي في سياق الخير (بالقوة والعون).
أما المد: فيأتي في سياق الشّر، كقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥].
أو كقوله: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٩].
﴿بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾: الباء للإلصاق، وقدَّم المال على الولد؛ لأنّ الكل بحاجة إلى المال وليس الكل بحاجة إلى الولد، أو قدَّم الأكثر على الأقل.
﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص، لكم خاصة.
﴿جَنَّاتٍ﴾: بساتين وحدائق.
﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾: تكرار لكم تفيد التّوكيد وفصل كلاً على حِدَةٍ، الجنات
стр. 5573
والأنهار أو كلاهما معاً، ولمعرفة كيف تتشكل هذه الأنهار، ارجع إلى سورة إبراهيم آية (٣٢) والرعد آية (٣).
سورة نوح [٧١: ١٣]
﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾:
﴿مَا لَكُمْ﴾: ما الاستفهامية تفيد الحثَّ وإنكار ما هم عليه من العناد والاستكبار، لكم: اللام لام الاختصاص.
﴿لَا تَرْجُونَ﴾: الرجاء: هو توقع الخير، والأمل، ويقوم على الظن الراجح؛ لا النّافية، ترجون: أو لا تبدون لله وقاراً، لا تقدرون الله حق قدره في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].
﴿وَقَارًا﴾: تعظيماً ويوقِّرونه، يعظمونه.
سورة نوح [٧١: ١٤]
﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾:
﴿وَقَدْ﴾: الواو عاطفة، قد للتحقيق.
﴿خَلَقَكُمْ﴾: من الخلق وهو التّقدير والإيجاد.
﴿أَطْوَارًا﴾: أي: مراحل جمع طَور: نطفة علقة مضغة جنين وليد وطفل، غلام شاب كهل شيخ.
سورة نوح [٧١: ١٥]
﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتّقرير والتّعجب.
﴿تَرَوْا﴾: رؤية بصرية عينية ورؤية فكرية، أيْ: ألم تعلموا.
﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام والتّعظيم.
﴿خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾: أيْ: ليس معناها طبقات مسطحة، وإنما سبع
стр. 5574
كرات متطابقة حول مركز واحد يغلف الخارج منها الداخل سبع كرات متساوية والمسافات بينها متساوية هذه الكرات السبع مركزها الأرض والأرض بدورها تتكون من سبع كرات صغيرة مقارنة بكرات السماء، فالكون يتكون من (١٤) كرة، سبع تمثل السموات السبع وسبع تمثل الأرض، والعلماء لا يعلمون إلا جزءاً ضئيلاً عن السماء الدنيا وعن الأرض.
سورة نوح [٧١: ١٦]
﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾:
﴿وَجَعَلَ﴾: الواو عاطفة، جعل: الجعل يكون بعد الخلق أيْ: مرحلة بعد مرحلة الخلق.
﴿الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾: القمر كما نعلم من الأبحاث العلمية، نوره هو ناتج من انعكاس نور الشّمس عليه، فهو بحد ذاته كتلة غير مشتعلة كما هو الحال في الشّمس فأشعة الشّمس التي تسقط على القمر تنعكس عنه فيظهر لنا كأنّه مضيء وله نور. ارجع إلى سورة يونس آية (٥) لمزيد من البيان.
﴿فِيهِنَّ﴾: في السموات السبع.
﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾: ضياء أو سراجاً أيْ: هي جسم مشتعل بحد ذاته يرسل الضّوء والحرارة، بينما القمر كوكب بارد يستمد حرارته من الشّمس وتبلغ حرارة سطح الشمس (٦٠٠٠ درجة مئوية) بينما مركز الشّمس حرارته تبلغ حوالي (٢٠ مليون درجة مئوية).
واللهب المرتفع من الشّمس قد يصل إلى نصف مليون كيلومتر، ولا يصل إلى الأرض إلا أقل من جزء من مليون من حرارة الشّمس وشمسنا واحدة من بلايين الشّموس التي خلقها الله سبحانه، فكل نجم هو كالشّمس جسم مشتعل بحد ذاته. ارجع إلى سورة يونس آية (٥) لمزيد من البيان.
стр. 5575
سورة نوح [٧١: ١٧]
﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾:
﴿وَاللَّهُ﴾: تقديم الفاعل على الفعل يفيد التّعظيم والاهتمام.
﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾: قد يعني ذلك مبدأ الخلق حيث خلق آدم من تراب (من الأرض) والنّاس من ذرية آدم.
﴿أَنْبَتَكُمْ﴾: أنشأكم وفيه معنى التّطور والنّمو، فالله سبحانه يغذِّيكم من حبوب الأرض وثمارها وخيراتها، وكذلك ما تأكلون من اللحوم والألبان من الأنعام كلها تستمد غذائها من النبات الذي يستمد غذاءَه من تربة الأرض عن طريق جذوره وساقه، فيمتص عناصر الأرض فيخرج منها الخضار والثمار، فهي عملية إنبات من تراب الأرض، ثم في النهاية عودة إلى التراب سواء كان إنساناً أو حيواناً أو نباتاً. وفعل أنبت مصدره إنبات بينما فعل نبت مصدره نبات.
﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾: للتوكيد، بالتّدرج في النمو طفل ولد غلام شاب كهل.
سورة نوح [٧١: ١٨]
﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزّمن.
﴿يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾: بعد الموت إلى القبور والتّحول إلى التّراب والعظام والرّفات، فيها تعني: الأرض الحالية.
﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾: ويخرجكم يوم البعث (بالنّشور) من القبور (الأجداث).
ويخرجكم منها بالنّشور، يخرجكم من الأرض الجديدة كما قال تعالى في سورة إبراهيم آية (٤٨): ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾؛ يخرجكم
стр. 5576
منها دفعة واحدة بعد النفخ في الصور، كما قال تعالى: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥].
﴿إِخْرَاجًا﴾: مصدر للتأكيد. ارجع إلى سورة الروم آية (١٩) للبيان.
سورة نوح [٧١: ١٩]
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾:
﴿وَاللَّهُ﴾: تقديم الفاعل على الفعل للتعظيم والاحترام.
﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾: اللام لام الاختصاص، لكم خاصة.
﴿بِسَاطًا﴾: كالفراش المبسوط للاستقرار عليها وبسطها: ومدها وثبتها بالرّواسي لتستقروا عليها رغم حركتها ودورانها السّريع يقارب (٣٠ كيلومتراً/ بالثانية) وفي آية (٥٣) من سورة طه ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ أي: كمهد الطّفل المريح اللين ذي الحرارة المعتدلة.
سورة نوح [٧١: ٢٠]
﴿لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾:
﴿لِّتَسْلُكُوا﴾: اللام لام التّعليل، لتسلكوا: من سلك أيْ: أدخل وسلك الطّريق أيْ: سار فيه وذهب فيه، السّلك: الذّهاب والسير فيها أيْ: لتسيروا وتمشوا فيها أيْ: على طرقها السّهلة الواسعة وتسافروا بين مدنها وقراها.
﴿سُبُلًا﴾: طرق واسعة ممهدة. سبلاً: جمع سبيل؛ أي: طريق.
﴿فِجَاجًا﴾: الفج هو الطّريق في الجبل أو بين جبلين، وقدَّم سبلاً على (فجاجاً) في هذه الآية، بينما في سورة الأنبياء قدَّم فجاجاً على (سُبلاً) ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٣١) للمقارنة والبيان.
стр. 5577
سورة نوح [٧١: ٢١]
﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى وَاتَّبَعُوا مَنْ لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾:
﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى﴾: أيْ: إن قومه عصوه، ولم يقل: وقال نوح بالواو؛ لأن قال تعني: كلام مستأنف جديد.
﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَّمْ﴾: من ابتدائية بمعنى الذي، لم للنفي.
﴿يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا﴾: إلا: أداة حصر، خساراً: في الدّنيا والآخرة أي: ضلالاً وخسراناً، أي: قومه عصوه واتبعوا أصحاب الأموال والأولاد المكذبين بآيات الله أولي النّعمة (المال والبنين) أي: الجاحدين بآيات الله تعالى.
سورة نوح [٧١: ٢٢]
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾:
﴿وَمَكَرُوا﴾: أي: قوم نوح.
﴿مَكْرًا﴾: المكر هو التّدبير الخفي لإلحاق الضّرر بالغير، ولا يعلم ذلك الممكور به؛ فهم قد مكروا بنوح، وسخروا منه، وسعوا في الأرض فساداً بالشرك والتكذيب.
﴿كُبَّارًا﴾: صيغة مبالغة من الفعل الثّلاثي كبر، فهناك كبير وأكبر وكبار والكبار: أكبر من الكبير.
كباراً: على وزن فعّال أي: مكروا مكراً ليس هناك أكبر منه، وهو قتل نوح ﵇ وأتباعه ونشر الفساد في الأرض.
سورة نوح [٧١: ٢٣]
﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾:
﴿وَقَالُوا﴾: أي: الملأ الذين كفروا من قومه قالوا للأتباع أو لقومهم.
﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾: لا النّاهية، لا تدعُن أو تتركن عبادة آلهتكم وأصنامكم من أجل نوح والنّون في تذرن للتوكيد.
стр. 5578
﴿وَلَا تَذَرُنَّ﴾: تكرار لا تذرن: تفيد التوكيد وعدم ترك عبادة الآلهة أو هؤلاء الأصنام.
﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾: هذه الأسماء هي أسماء رجال صالحين من قوم نوح، كما روى البخاري عن ابن عباس، ولما هلكوا اتخذوا لهم أصناماً بعد موتهم فعبدوها، رغم تحذير نوح لهم، كانت هذه أعظم أصنام قوم نوح، ثم انتقلت هذه الأصنام إلى العرب، فكان لقبيلة كلب الصنم ودٌّ بدومة الجندل، وأما الصنم سواع فكان لقبيلة هذيل.
وأما يغوث فكان لغطفان عند سبأ.
ويعوق لهمذان.
ونسر: لحمير، لآل ذي القلاع.
وقيل: كان الصنم ودٌّ على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر، وقوله: لا تذرن آلهتكم تشمل كل الآلهة، ثم جاء بعدها وأكد على خمسة من هذه الآلهة، ففيه عطف الخاص على العام للاهتمام والتّوكيد.
سورة نوح [٧١: ٢٤]
﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾:
هذا تتمة لقول نوح: رب إنهم عصوني.
﴿وَقَدْ﴾: الواو عاطفة، قد للتحقيق والتّوكيد.
﴿أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾: تعود على قادة ورؤساء الكفر من قوم نوح أضلوا بأقوالهم وأفعالهم بالأصنام كثيراً من النّاس وصدوهم عن اتِّباع نوح ﵇.
стр. 5579
﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾: دعا نوح على الظّالمين من قومه بعد أن أوحى إليه ربُّه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦].
﴿وَلَا﴾: الواو عاطفة، لا: النّاهية.
﴿تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾: المشركين الكافرين.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿ضَلَالًا﴾: بُعداً عن طريق الهدى والحق أو خسراناً، وتناسب ما سبقها من القول وقد أضلوا.
سورة نوح [٧١: ٢٥]
﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا﴾:
﴿مِمَّا﴾: أصلها من الابتدائية أو تعليلية أو سببية، ما: تفيد التّوكيد.
﴿خَطِيئَاتِهِمْ﴾: أي: بسبب خطيئاتهم في العقيدة وخطيئاتهم جمع قلة تعني: الكبائر كبائر الذّنوب، ومنها الشرك بالله بينما خطاياهم تعني: الذّنوب الصّغيرة والكبيرة.
﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾: أُغرقوا بالطّوفان.
﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب بعد غرقهم أدخلوا ناراً نار البرزخ، ثم نار جهنم.
﴿فَلَمْ﴾: الفاء للتوكيد.
﴿يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله تعالى.
﴿أَنصَارًا﴾: جمع نصير، أعوان يشفعون لهم أو يدفعون عنهم العذاب.
стр. 5580
سورة نوح [٧١: ٢٦]
﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾:
دعا نوح بهذا الدعاء بعد أن أوحى إليه ربه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: ٣٦].
﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾: لا النّاهية لا تترك على وجه الأرض.
﴿مِنَ﴾: استغراقية تشمل كل كافر.
﴿الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾: أي: لا تبق من الكافرين على وجه الأرض حياً يسكن الدّيار، أو يمشي في الأرض، دياراً: مشتقة من الدّار أي: نازل داراً أو مشتقة من الدّوران هو التّحرك أي: يمشي.
سورة نوح [٧١: ٢٧]
﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾:
هذا تعليل أو تفسير لدعائه وطلبه من الله تعالى أن يهلك الكافرين.
﴿إِنَّكَ إِنْ﴾: تعليلية وتفيد الاستقبال.
﴿تَذَرْهُمْ﴾: تبقيهم أحياء ولا تهلكم بعذاب.
﴿يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾: يزيدوا عبادك ضلالاً وحيرة وبعداً عن طريق الحق والصواب والهدى.
﴿وَلَا﴾: الواو عاطفة، لا: النافية.
﴿يَلِدُوا إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿فَاجِرًا﴾: اسم فاعل من الثّلاثي فجر، والفجور: يعني: التمادي في المعاصي والفواحش والفسوق، وقيل: هو فساد القول والفعل والكفر هو فساد العقيدة أي: الاعتقاد أو الفساد والميل عن الحق إلى الباطل.
стр. 5581
﴿كَفَّارًا﴾: صيغة مبالغة أي: كثير الكفر، وتفيد التكرار، والتجدد، والاستمرار على الكفر، وبارع في ممارسة الكفر ومدمن عليه، وكفاراً تضم كل الكافرين. ارجع إلى سورة الممتحنة آية (١٠) للبيان.
السّؤال هنا: كيف علم نوح أنّهم لن يلدوا إلا فاجراً كفاراً، الجواب: لأنّ الله سبحانه أخبره أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن وأنّهم لن يلدوا إلا فاجراً كفاراً.
سورة نوح [٧١: ٢٨]
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَىَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾:
هذه دعوة نوح الثّانية والأولى كانت رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً أو هي تتمة دعاء نوح الذي دعا فيه رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً، ثم قال: رب اغفر لي ولوالدي.
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِى﴾: الغفر هو السّتر أي: استر ذنوبي وسيئاتي وامحوها ولا تعاقبني عليها؛ أي: بدأ بنفسه.
﴿وَلِوَالِدَىَّ﴾: قيل: كانا مؤمنين بدأ بنفسه، ثم بالدّعاء لوالديه، ثم لولده وعائلته، ثم استغفر لوالديه.
﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًا﴾: أي: داره أي: ولده وعائلته. وقيل: بيتي: مسجدي، ثم استغفر لمن دخل بيته مؤمناً؛ أي: من أسلم أو آمن من أهل بيته؛ لأن امرأته لم تكن مؤمنة.
ولا تعني كل من دخله من البشر؛ لأنّه قال بعد ذلك وللمؤمنين والمؤمنات أي: لكل مؤمن ومؤمنة.
﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: والمؤمنين تضم الذّكور والإناث كلا الجنسين،
стр. 5582
ثم عاد وذكر المؤمنات أي: عطف الخاص على العام للاهتمام والتّوكيد، فهو بدأ بالاستغفار من الأقرب إلى الأبعد.
﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾: الواو عاطفة، لا النّاهية.
﴿تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾: المشركين.
﴿إِلَّا تَبَارًا﴾: إلا أداة حصر، تباراً: هلاكاً من تَبَره إذا أهلكه فاستجاب له ربه فأهلكهم بالطّوفان فلم يبقِ من الكافرين أحداً؛ تباراً: تناسب مع سبقها من القول وهو: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [الآية: ٢٦].
стр. 5583
سورة الجن [٧٢: ١]
سورة الجن
ترتيبها في القرآن (٧٢)، وترتيبها في النّزول (٤٠).
﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾:
﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ﴾: يا رسول الله ﷺ للذين آمنوا معك أنه أوحي إلي: الوحي لغة: الإعلام بالخفاء، ولمعرفة معنى الوحي ارجع إلى سورة النساء آية (١٦٣).
﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾: أي: أُخبرت عن طريق جبريل أن نفراً من الجن ذكور ما بين (٧ - ٩) كانوا يستمعون إلى تلاوتي للقرآن. وقيل: كان ذلك في صلاة الفجر في بطن نخلة بعد رجوعه من الطائف وقيل: في طريقه إلى سوق عكاظ، والقول: (استمع نفر من الجن) مقارنة بالقول: (استمع إلي)، أو (يستمع إليك): هو أن السياق في القرآن، وليس في رسول الله ﷺ .
﴿فَقَالُوا﴾: الفاء للمباشرة والتعقيب. قال بعضهم لبعض، أو قالوا ذلك إلى قومهم من الجن بعد رجوعهم إليهم.
﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾: قرآناً عجباً: عجباً مصدر يفيد المبالغة في العجب أكثر من عجيب لآياته ولبلاغته وحكمته. ارجع إلى سورة ق الآية (٢) لمقارنة عجيب عجاب وعجباً.
стр. 5584
سورة الجن [٧٢: ٢]
﴿يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾:
﴿يَهْدِى﴾: أي: القرآن إلى الرُّشد بضم الرّاء: أي: الصّلاح والاستقامة في أمور الدنيا والدّين والصّواب والتّوحيد والإيمان الصّحيح والرُّشد يقابله الغي. ارجع إلى سورة النساء آية (٦) لمقارنة الرُّشد مع الرَّشد.
﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، آمنا به: صدقنا به مجرَّد استماعنا له.
﴿وَلَنْ﴾: لنفي المستقبل القريب والبعيد.
﴿نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾: الباء للإلصاق، بربنا أحداً: من الشّركاء أو الأصنام أو البشر.
سورة الجن [٧٢: ٣]
﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾:
﴿وَأَنَّهُ﴾: الواو عاطفة، أنه للتوكيد.
﴿جَدُّ﴾: الجدُّ: العظمة.
﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾: تعالت عظمته خالقنا عن أن يتخذ صاحبة ولا ولداً.
﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾: ما النّافية، اتخذ: صير أو جعل له صاحبة، الصاحبة: الزّوجة المصاحبة لزوجها حتى يكون لها ولد كقوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
وتكرار لا النّافية تفيد التّوكيد توكيد النّفي نفي كلٍّ على حِدَةٍ، نفي الصّاحبة
стр. 5585
ونفي الولد ونفي كليهما معاً، وقدَّم الصّاحبة على الولد؛ لأنّ الولد يأتي من الصّاحبة فالصّاحبة هي الأصل.
ما اتخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يقل: لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، ما اتخذ هذه الصّيغة تستعمل في الغالب، أو الأصل للرد على قول أو سؤال، أما صيغة لم يتخذ صاحبة ولا ولداً فهذه الصّيغة تستعمل في سياق الأخبار أو التّعليل، وليس ردّاً على قول أو سؤال.
سورة الجن [٧٢: ٤]
﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾:
﴿وَأَنَّهُ﴾: الواو عاطفة، أنه: للتوكيد.
﴿كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾: أي: إبليس، السفيه: هو الجاهل، والسفه: الخفة في العقل والسّفه نقيض الحكمة؛ أي: غير الحكيم.
﴿عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾: الشّطط: الجور والكذب من شط يشط: أي: بَعُدَ عن الحق والصّواب، أي: كأن يقول على الله سبحانه قولاً بعيداً عن الحق والصّواب، وشط عليه في الحكم؛ أي: جار وتجاوز الحد.
سورة الجن [٧٢: ٥]
﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾:
﴿وَأَنَّا﴾: الضمير يعود على نفر من الجن.
﴿ظَنَنَّا﴾: من الظّن الاحتمال الراجح وهو رجحان كفة الإثبات على كفة النّفي، والظّن ضرب من الاعتقاد أو الحسبان أي: حسبنا.
﴿أَنْ﴾: للتوكيد.
стр. 5586
﴿لَنْ﴾: لنفي المستقبل القريب والبعيد.
﴿تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: بنسبة الزّوجة والولد إليه أو الشّريك والند والمثيل وقدَّم الإنس على الجن؛ لأنّ الإنس أبعد عن الكذب على الله من الجن، والأنس أقرب إلى الرشد فقدم الأفضل.
كذباً: جاء بصيغة النكرة ليشمل كل أنواع الكذب المطلق، أو غير المحدد أي: لم يخطر على بالنا أنّ أحداً يجترئ على الله أيَّ نوع من الكذب؛ أي: سمعنا هذا القرآن فعلمنا بطلان ما كنا نظنه من اتخاذ الصاحبة والولد.
سورة الجن [٧٢: ٦]
﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾:
﴿وَأَنَّهُ﴾: للتوكيد.
﴿كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾: أي: رجال من الإنس يعوذون: يلجؤون ويطلبون الحماية والعون والشّفاء وغيرها برجال من الجن يلجؤون إليهم مما يحاذرونه ويظنون أنّ الجن يستطيعون أن يقدِّموا لهم العون أو الحماية أو الشفاء، وقيل: يعوذون: أعاذ مما يخاف، ولاذ فيما يؤمل.
﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾: الرّهق قيل: الضّلال وارتكاب المحرمات، وأصل الرهق: غشيان المحظور، وقيل: التّعب والذّعر والخوف وزادهم رهقاً أنّ كلاهما الجن والإنس ازدادوا رهقاً من وراء هذا اللجوء، وطلب العون، ولا تعني الإنس وحدهم.
فلما جاء الإسلام منع ذلك وأمرهم بالاستعاذة بالله وحده، وذمَّ المستعيذين بغير الله تعالى، وبيَّن أن الاستعاذة بغير الله نوع من الشّرك.
стр. 5587
﴿يَعُوذُونَ﴾: جاءت بصيغة المضارع لتدل على حكاية الحال والتّجدُّد والاستمرار؛ مما يدل أن هذه الاستعاذة لا زالت قائمة.
سورة الجن [٧٢: ٧]
﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾:
﴿وَأَنَّهُمْ﴾: أن للتوكيد وأنّهم قد تعود على الجن أو تعود على كفار مكة أو كلاهما؛ أي: الجن ظنوا؛ الظن: هو الاحتمال الراجح، كما ظننتم يا كفار مكة أو بالعكس أنّه لا بعث ولا جزاء بعد الموت أو لن يبعث الله تعالى رسولاً مثل محمد ﷺ ينذر النّاس من عذاب الله ويدعوا إلى التوحيد.
﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾: أن: للتوكيد، لن: لنفي المستقبل القريب والبعيد، يبعث الله أحداً: بعد الموت للحساب والجزاء أو لن يبعث الله سبحانه رسولاً فأخطؤوا كما أخطأتم أو قد تشمل كلا المعنيين.
سورة الجن [٧٢: ٨]
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾:
﴿وَأَنَّا﴾: تعود على الجن.
﴿لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾: لمسنا: لمس فعل ثلاثي معناها طلب والتمس معناها وكرَّر في الطلب أي: فيه مزيد من الطلب والجهد مثل جهد واجتهد، لمسنا السّماء: طلبنا الخبر أو قصدنا كالعادة بلوغ السّماء الدّنيا والاستماع إلى الملائكة لمعرفة خبر السّماء أي: بعض ما تقوله الملائكة.
فقد كان الجن يسترقون السّمع من الملأ الأعلى (الملائكة) لكي يخبروا بها الكهان وأولياءَهم إضلالاً للناس.
стр. 5588
﴿فَوَجَدْنَاهَا﴾: الفاء للمبادرة والتّعقيب وجدناها: ملئت حرساً شديداً وشهباً.
﴿حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾: جمع حارس: وهم من الملائكة الأقوياء، وشهباً: جمع شهاب والشّهاب: نار محرقة تمتد من النّجم المشتعل نحو من أراد أن يسترق السّمع من الشّياطين، وليس كما كان يظن النّاس أن النّجم نفسه ينقض خلف الشّيطان.
سورة الجن [٧٢: ٩]
﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾:
﴿وَأَنَّا﴾: مردة الجن (من الشّياطين).
﴿كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾: أي: أنا كنا نقعد في أماكن أو مواضع في السّماء معينة لاستراق السّمع سماع ما تقوله الملائكة من أخبار تخص أهل الأرض.
﴿فَمَنْ﴾: الفاء للتوكيد، من شرطية.
﴿يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾: بعد بعثة محمّد ﷺ .
﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾: الشّهاب: نار محرقة تمتد من النّجم (جزء منفصل من النّجم قوي ثاقب) أو نافذ، رصداً: مهيأ ومعد لينقض على كل من يسترق السمع ليحرقه.
اختلف العلماء: هل انقطع استراق السّمع بعد بعثة رسول الله ﷺ إلى الأبد، أم كان أمراً مؤقتاً؟ منهم من قال: إنّهم انقطعوا في زمن
стр. 5589
بعثته ﷺ أيْ: زمن نزول القرآن حتى لا يلتبس الوحي بقول الكهان، ومنهم من قال: لا يزال قائماً، والله أعلم.
سورة الجن [٧٢: ١٠]
﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِى أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِى الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾:
﴿وَأَنَّا﴾: تعود على الجن.
﴿لَا نَدْرِى﴾: لا النّافية، ندري من الدّراية: وهي أخص من العلم والدّراية تكون بعد الجهل بالشّيء وبمنزلة الأخبار. أيْ: لا نعلم.
﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾: مبني للمجهول؛ لأنّه لا يجوز إسناد أيِّ شرٍّ أو عيب إلى الله تعالى سبحانه من باب التّأدب مع الله تعالى، ولأن ما يصيب أهل الأرض من شر هو بما كسبت أيديهم ويعفر عن كثير.
﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي.
﴿أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾: خيراً أو صلاحاً. رَشداً من الرَّشد: بفتح الراء أي: الهداية اتباع الحق والصراط المستقيم (الدِّين).
سورة الجن [٧٢: ١١]
﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾:
﴿وَأَنَّا﴾: تعود على الجن.
﴿مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾: المؤمنون المقيمون على الإيمان والطّاعة، والتوحيد.
﴿مِنَّا﴾: تكرار منا يفيد التّوكيد وفصلَ كلاً من الطّرفين عن الآخر أو كلاهما معاً.
﴿دُونَ ذَلِكَ﴾: الأقل في الصّلاح والإيمان والطّاعة.
стр. 5590
﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾: طرائق: مذاهب، قدداً: جمع قدة وقد: أيْ: قطع أيْ: كنا مذاهب متعدِّدة مختلفة متفرِّقة في الاعتقاد غير ملتقية؛ أي: تفرقوا أو اختلفوا وكانوا شيعاً.
سورة الجن [٧٢: ١٢]
﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُّعْجِزَ اللَّهَ فِى الْأَرْضِ وَلَنْ نُّعْجِزَهُ هَرَبًا﴾:
﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾: أيْ: أيقنا الآن بعد أن رأينا السّماء ملئت حرساً شديداً وشهباً.
﴿أَنْ﴾: للتوكيد.
﴿لَنْ﴾: للنفي، المستقبل القريب والبعيد.
﴿نُّعْجِزَ اللَّهَ فِى الْأَرْضِ﴾: إن أراد بنا الله ضراً أو عذاباً فلن نستطيع النجاة.
﴿وَلَنْ نُّعْجِزَهُ﴾: التّكرار يفيد توكيد النّفي.
﴿هَرَبًا﴾: من الهروب وهو الجري بسرعة مع الخوف ومحاولة التخفي والتستر، والفرار لا يكون بالتخفي والتستر، وإنما يكون بالانكشاف.
سورة الجن [٧٢: ١٣]
﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾:
﴿وَأَنَّا﴾: تعود على النّفر من الجن.
﴿لَمَّا﴾: ظرفية زمانية بمعنى حين.
﴿سَمِعْنَا الْهُدَى﴾: أي: القرآن أو آيات القرآن تتلى من رسول الله ﷺ .
﴿آمَنَّا بِهِ﴾: به تعود على القرآن أيْ: صدقنا به، أو تعود على ربنا أو تعود على محمّد ﷺ أو الكل.
стр. 5591
﴿فَمَنْ يُؤْمِن بِرَبِّهِ﴾: الفاء للتوكيد، من شرطية. بربه: إيمان عقيدة أنه هو الإله الحق الذي يستحق العبادة والتوحيد.
﴿فَلَا﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، لا النّافية.
﴿يَخَافُ بَخْسًا﴾: من البخس: نقص الشّيء على سبيل الظّلم أيْ: لا يخاف نقصاناً من حسناته ولو حسنة أيْ: يعطيه حقه كاملاً يوم القيامة.
﴿وَلَا رَهَقًا﴾: تكرار (لا) يفيد توكيد النّفي وفصل كلاً على حدة أو كلاهما معاً.
رهقاً: القهر والظّلم أيْ: لا يخاف نقصاً من ثوابه وحقه، ولا يخاف الظّلم والقهر ولا يخاف كلاهما، أو رهقاً يعني: أن نظلمه ونضيف إلى سيئاته ولو سيئة أو نعاقبه على شيء لم يعمله في الدّنيا.
стр. 5592
سورة الجن [٧٢: ١٤]
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾:
﴿وَأَنَّا﴾: الواو عاطفة، أن للتوكيد.
﴿مِنَّا﴾: من الجن.
﴿الْمُسْلِمُونَ﴾: جمع مسلم، والإسلام هو العدل أي: القِسط (بكسر القاف) أي: العادلون والموحِّدون المخلصون.
﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾: بفتح القاف جمع قاسط أيْ: جائر وظالم والقَسَط هو الجور والظّلم أي: الجائرون عن طريق الإسلام طريق الحق إلى طريق الشرك والكفر وأقسط تعني: أزال أو رفع القَسَط أي: الجور والظلم.
﴿فَمَنْ﴾: الفاء للتوكيد، من شرطية.
﴿أَسْلَمَ﴾: أقام العدل أو حكم بالعدل، وأقامه أو أسلم لربه ووحده وأخلصه له.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، أولئك اسم إشارة واللام للبعد وتفيد المدح.
﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾: أصابوا الرّشد أو بحثوا عن الرَّشد أو التمسوه حتّى وقفوا
стр. 5593
عليه والرّشد الصّواب والحق والصّلاح. ارجع إلى الآية (١٠) للبيان، وسورة النساء آية (٦) لمزيد من البيان، والفرق بين الرُّشد والرَّشد.
سورة الجن [٧٢: ١٥]
﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾:
﴿وَأَمَّا﴾: الواو عاطفة، أما: حرف شرط وتفصيل.
﴿الْقَاسِطُونَ﴾: الجائرون الذين حادوا عن طريق الحق والصّواب، وساروا في طريق الضّلال والظّلم والكفر، أو الجائرون والظالمون.
﴿فَكَانُوا﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط.
﴿لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾: اللام لام الاختصاص، كانوا وقوداً لجهنم. ارجع إلى سورة الزمر آية (٣٢) لبيان معنى جهنم.
وفي هذه الآية تحذير لكل ظالم جائر، ولم يذكر في هذه الآية ما مصير المسلمين الذين تحرَّوا رشداً أيْ: أخفى الجزاء ربما لأنّ سياق الآيات في العذاب، أو لأنّ الجزاء والثّواب مفهوم وهو الجنة.
سورة الجن [٧٢: ١٦]
﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَاءً غَدَقًا﴾:
القائل مجهول، وإنما المهم المقولة وهي:
﴿وَأَلَّوِ﴾: الواو استئنافية، أصلها وأن: المخففة تفيد التّوكيد، لو شرطية.
ولم يقل: ولو أنّهم استقاموا: لكانت تعني هم فقط ولا تشمل غيرهم من الذين يسقون ماء غدقاً.
﴿اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾: تعني: الثّبات والصّبر الاستمرار على الإسلام أي:
стр. 5594
الإيمان والتّوحيد وطاعة الله ورسله، الطّريقة: طريق الإسلام واستقاموا تشمل الإنس والجن.
﴿لَأَسْقَيْنَاهُم﴾: اللام لام التّوكيد والتّعليل.
﴿مَاءً غَدَقًا﴾: ماء كثيراً، غزيراً من غدقت العين كثر ماؤها ماءً عذباً مباركاً.
كقوله تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقوله: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ [المائدة: ٦٦].
سورة الجن [٧٢: ١٧]
﴿لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾:
﴿لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: اللام لام التّعليل، نفتنهم فيه: في الماء الغدق أيْ: نوسع لهم في الخيرات لنفتنهم فيه؛ أيْ: نختبرهم فيه فننظر أيشكرون أم يكفرون.
﴿وَمَنْ﴾: الواو استئنافية، من شرطية.
﴿يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾: عن عبادة ربه أو القرآن أو الإيمان.
﴿يَسْلُكْهُ﴾: يُدخله، من سلك: دخل، وسلك فيها معنى الدّخول بسهولة الدّخول بحد ذاته فيه معنى المشقة والصّعوبة.
﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾: عذاباً شاقاً صعباً، مشتق من الصّعود الذي يؤدِّي بعد فترة إلى التّعب وعدم القدرة على الحركة وضيق النّفس، وقيل: يطلب منه أو يكلفه بصعود جبل في جهنم كلما انتهى من صعوده هوى به إلى القاع، ثم يطلب منه الصعود مرة أخرى، وهكذا بلا انقطاع.
стр. 5595
سورة الجن [٧٢: ١٨]
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾:
﴿وَأَنَّ﴾: الواو عاطفة أن للتوكيد.
﴿الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾: اللام لام الاختصاص والملكية؛ المساجِد: بكسر الجيم؛ أي: المساجد بيوت الله التي نصلي فيها والمساجد: قد تعني البقاع كلها، كما روى البخاري ومسلم عن جابر عن رسول الله ﷺ قال: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً».
والمساجَد: بفتح الجيم تعني: الأعضاء السبعة التي نسجد عليها: الجبهة والأنف واليدان والركبتان وأصابع القدمين.
﴿فَلَا﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدر، لا النّاهية.
فإذا دخلتم بيوت الله ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾: أيْ: فلا تشركوا به شيئاً ولا تعبدوا إلا إياه فيها فلا تذهبوا إلى قبور الأولياء أو غيرها وتتقربوا إليهم، وإذا كان المعنى الأعضاء التي نسجد عليها، فذلك يعني: لا تسجدوا بهذه الأعضاء السبعة إلا الله وحده، وإذا كان المعنى: الأرض مسجداً أيْ: لا تسجدوا عليها إلا لخالقها: ولم يقل: فلا تدعوا فيها لو قال ذلك، لكان يعني لا تدعوا فيها إلا الله، وفي غيرها يمكن لكم أن تدعوا معه، وهذا لا يصح؛ لأن عدم الشّرك به والإخلاص له يكون في المساجد، وفي غيرها من الأماكن.
سورة الجن [٧٢: ١٩]
﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾:
﴿وَأَنَّهُ﴾: الواو عاطفة، أنه للتوكيد.
﴿لَمَّا﴾: ظرفية بمعنى حين ومتضمن معنى الشّرط.
стр. 5596
﴿قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾: أيْ: محمّد ﷺ يُصلي له ويعبده قام بين يدي الله يصلي إليه ويدعوه في بطن النّخلة، واختار عبد الله بدلاً من رسول الله ﷺ أو نبي الله؛ لأنّ الجن حديثو عهد بالإسلام وعبد الله أفضل الألقاب؛ لأنّه يحمل شرف العبودية والطّاعة لله، ويحمل معنى التّواضع والتّذلل والإخلاص لله وحده.
﴿كَادُوا﴾: من أفعال المقاربة (وهي كاد أيْ: أوشك، قرب) تدل على أنّ الفعل المذكور كاد يحدث أو يقع.
﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾: لِبداً بكسر اللام جمع لِبدة: اللبدة: هو الشّعر الذي فوق رقبة الأسد المتلبد بعضه فوق بعض أي: المتراص من كثرته، وشبهت جماعة الجن أو قريش التي ازدحمت على رسول الله ﷺ بالشّعر المتلبد من شدة الازدحام حرصاً على سماع القرآن الكريم.
سورة الجن [٧٢: ٢٠]
﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُوا رَبِّى وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾:
﴿قُلْ﴾: يا رسول الله ﷺ .
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
﴿أَدْعُوا رَبِّى﴾: أيْ: أعبد الله وحده مخلصاً له الدِّين.
﴿وَلَا﴾: الواو عاطفة، لا: النّافية.
﴿أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾: مهما كان من ولد أو صاحبة أو طاغوت أو رسول أو ملائكته، وقدَّم (به) على (أحداً): للحصر والتوكيد.
стр. 5597
سورة الجن [٧٢: ٢١]
﴿قُلْ إِنِّى لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله ﷺ .
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿لَا أَمْلِكُ لَكُمْ﴾: لكفار قريش لا أملك لكم، لا: النّافية، لا أملك القدرة ولا الملكية على النفع أو الضَر.
﴿ضَرًّا﴾: بفتح الضّاد مقابل النّفع وتعني: الضّلال، وأمّا الضُّر بضم الضّاد فتعني المرض والسّوء.
﴿وَلَا رَشَدًا﴾: تكرار لا تفيد النّفي، وفصلَ كلاً على حِدَةٍ أيْ: لا الضّر ولا الرَّشَد ولا كلاهما، رشداً: هداية، وقيل: الرَّشد: الصّواب والإيمان والهدى ويقابل الغي. ارجع إلى الآية (١٠) وقدَّم الضّر على الرَّشد؛ لأن سياق الآيات في العذاب.
سورة الجن [٧٢: ٢٢]
﴿قُلْ إِنِّى لَنْ يُجِيرَنِى مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾:
﴿قُلْ﴾: يا رسول الله ﷺ
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿لَنْ﴾: للنفي المستقبل القريب أو البعيد.
﴿لَنْ يُجِيرَنِى مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾: أيْ: إن أرادني الله بضر أو عذاب فلن يدفع عني أو يحميني من عذاب الله من أحد من خلقه، من: استغراقية تستغرق كل أحد.
﴿وَلَنْ﴾: تكرار لن تفيد توكيد النّفي نفي المستقبل القريب أو البعيد.
стр. 5598
﴿أَجِدَ مِنْ دُونِهِ﴾: من غير الله.
﴿مُلْتَحَدًا﴾: أي: المكان أو الملجأ الذي أميل إليه أو أركن إليه لكي يحميني من الله سبحانه، ملتحداً من الالتحاد بمعنى الميل، وألحد مال، فالإنسان حين يجد نفسه أمام عذاب أو شر قادم يحاول أن يلجأ أو يستجير بأحد كي يحميه أو يدافع عنه أو يجد مكاناً يلجأ إليه، والحقيقة أنّه لا يجد أحداً يلجأ إليه ليحميه ولا ملجأ يلجأ إليه إلا الله وحده.
سورة الجن [٧٢: ٢٣]
﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾:
﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾: إلا أداة استثناء، إما من الضّر والرّشد، أو من (لن يجيرني من الله أحداً).
أيْ: قل: لا أملك لكم ضراً ولا رشداً إلا البلاغ أو لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً إلا تبليغكم رسالات ربكم وما أمرني به أو نهاني عنه هذا كل ما أملكه، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه.
أو لن يجيرني من عذاب الله أحداً أو أجد من دونه ملتحداً إلا إذا بلغتكم رسالاته فقد أديت الأمانة.
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: الواو استئنافية، من شرطية تفيد المفرد والجمع والمثنى.
﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: الخلود يبدأ من زمن دخولهم إياها ويستمر إلى ما لا نهاية.
стр. 5599
سورة الجن [٧٢: ٢٤]
﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾:
أي: لا يزالون على كفرهم وعصيان الله ورسوله حتى يرون.
﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية.
﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث.
﴿رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾: (ما): بمعنى الذي ما أوسع شمولاً، يوعدون: من العذاب بالهزيمة أو القتل في الدّنيا مثل يوم بدر أو العذاب يوم القيامة.
﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط، سيعلمون: السّين للاستقبال القريب.
﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا﴾: أضعف قوة أو عدة وعتاد، الكفار أم الذين آمنوا.
﴿وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾: الكفار أم الذين آمنوا.
سورة الجن [٧٢: ٢٥]
﴿قُلْ إِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّى أَمَدًا﴾:
﴿قُلْ﴾: يا رسول الله لكفار قريش.
﴿إِنْ أَدْرِى﴾: إن: نافية، أيْ: ما أدري (إن أقوى نفياً من ما).
﴿أَقَرِيبٌ﴾: الهمزة للاستفهام التّقريري.
﴿مَا تُوعَدُونَ﴾: ما أدري الذي أو كل ما توعدون من العذاب هل سيكون قريباً.
﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي.
стр. 5600
﴿يَجْعَلُ لَهُ رَبِّى أَمَدًا﴾: أيْ: يؤخره لزمن بعيد، وقدَّم (له) الجار والمجرور للحصر.
والأمد أما أن يكون ظرفاً للزمان أو المكان، وهنا في هذه الآية هو للزمان؛ أي: هو: الزّمن، أيْ: ما توعدون يحتمل أن يكون قريباً أو بعيداً فأنا لا أدري.
لنقارن هذه الآية ﴿أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّى أَمَدًا﴾ مع الآية (١٠٩) من سورة الأنبياء وهي قوله: ﴿أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾.
ففي آية الجن لم يقابل القريب بالبعيد لم يقل أقريب أم بعيد؛ لأن السّياق في آية الجن في الدّنيا، وأمّا السّياق في آية الأنبياء فهو في الآخرة لقوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أما في آية الجن فالعذاب يحتمل أن يكون قريباً في الدّنيا (مثل بدر) أو بعيداً (يوم القيامة) بينما في آية الأنبياء محصور في يوم القيامة.
سورة الجن [٧٢: ٢٦]
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: الغيب تعريفه: ما غاب عن العباد واستتر عن العيون.
والغيب أنواع: منه الغيب المطلق مثل علم السّاعة، فهذا الغيب استأثر به الله وحده لا يطلع عليه أحد والغيب النّسبي هذا النّوع من الغيب يمكن أن يطلع الله سبحانه بعض رسله، كما نرى في قوله ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ آية (٢٧) وهناك غيب يمكن أن يطلعه الله على بعض خلقه مثل الرّؤى الصّالحة أو اكتشاف شيء جديد كان غيباً. ارجع إلى سورة الأنعام الآية (٧٣) للبيان في عالم وعلام وعليم.
стр. 5601
﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾: الفاء للتوكيد، لا النّافية.
﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾: ولم يقل: عليه (تعني: الرسول) لأنّه سيرى في الآية القادمة أنّه يظهر بعض رسله على غيبه.
﴿أَحَدًا﴾: هذا بالنّسبة للغيب المطلق.
ما هو الفرق بين ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ما هو الفرق بين يظهر ويطلع، يظهر من الإظهار، ويكون عدة مرات، كما حدث لرسول الله ﷺ ، أما الاطلاع فيكون فقد لمرة واحدة.
سورة الجن [٧٢: ٢٧]
﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء أيْ: لا يطلع على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول.
﴿مَنِ﴾: لابتداء الغاية.
﴿ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾: أي: اختار من رسول أيْ: من ارتضاه أن يكون رسولاً.
﴿فَإِنَّهُ﴾: الفاء تعليلية إنّه للتوكيد.
يظهره على ما يشاء من غيبه ليكون معجزة دالة على صدق نبوته أو ليخبر النّاس ببعض أمور الآخرة والحساب والجزاء.
﴿يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾: يسلك: يقيم من بين يديه: من بين الرسول المرتضى الرّصد: حفظه: أيْ: ملائكة يحرسونه من بين يديه أيْ: من أمامه ومن خلفه من مردة الجن أو الشّياطين حتى يمنعوهم من استراق السّمع لما يدور بين جبريل وأيِّ رسول، وحتى لا يتشبهوا بصورة ملك من الملائكة أو
стр. 5602
ليلبسوا عليهم دينهم حتى يتمكَّن الرّسول من تبليغ رسالة ربه، وحفظ ما ينزل من الوحي.
سورة الجن [٧٢: ٢٨]
﴿لِّيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾:
﴿لِّيَعْلَمَ﴾: اللام لام التّعليل، ليعلم الرسل أو الرّسول مثل محمّد ﷺ أو غيره فيكون عليه حُجَّة ودليلاً، أو لإقامة الحُجَّة على النّاس أيضاً أن الكل بُلغ، أو ليعلم كل الرّسل أيْ: يكون عليهم حُجَّة يوم القيامة، أو على أممهم ولا يقصد ليعلم الله فالله سبحانه يعلمُ ذلك منذ الأزل.
﴿أَنْ﴾: للتوكيد.
﴿قَدْ﴾: للتحقيق والتّوكيد.
﴿أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾: من دون تحريف أو نقص أو زيادة.
﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾: بما لديهم أي: الرّسل والملائكة والنّاس أجمعين من العلم وبما لديهم من الأدلة والحجج والأعذار والأقوال والأفعال.
﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾: الإحصاء هو العد والحفظ معاً، أيْ: لم يفته شيء من قول وفعل أو إنس أو جنٍّ أو شيء أو أمر.
стр. 5603
سورة المزمل [الآيات ١ - ١٩]
ترتيبها في القرآن (٧٣) وترتيبها في النزول (٣).
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
[١] ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾: يا: النداء والهاء للتنبيه، والمخاطب هو رسول الله ﷺ .
﴿الْمُزَّمِّلُ﴾: وأصلها المتزمل أبدلت التاء زاياً، وأدغمت الزاي في الزاي من المزمل من تزمل الفعل الخماسي بمعنى تلفف بثوبه (أيها النبي أو أيها الرسول ﷺ المتزمل أي: المتلفف بثيابه أو بغطاء النوم، والعرب كانت تخاطب أحياناً الفرد بالهيئة التي يكون عليها، وهذا من قبيل التودد والتحبب.
[٢] ﴿قُمِ الَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾:
﴿قُمِ﴾: للصلاة وذكر ربك.
﴿الَّيْلَ﴾: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر؛ أي: قم والقيام من أفعال الصلاة فعبر بالجزء وهو القيام، وأراد الكل وهو الصّلاة، فهذا يسمى المجاز المرسل. وقيام الليل جاء قبل فرض الصلاة المكتوبة الذي حصل في ليلة الإسراء والمعراج؛ حيث قام رسول الله ﷺ ومن معه من المؤمنين يصلون سنة كاملة حتى ورمت أقدامهم، كما أخرج الحاكم عن عائشة.
[٣] ﴿نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾:
﴿نِّصْفَهُ﴾: صل نصف الليل.
стр. 5604
أو: للتخيير.
﴿انقُصْ مِنْهُ قَلِيْلًا﴾: أي: انقص من النّصف قليلاً أي: صل أقل من النصف.
[٤] ﴿أَوْزِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾:
﴿أو﴾: للتخيير أو تعني: وزد على النصف أي: صل أكثر من النصف إذا كنت قادراً على ذلك.
﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾: الترتيل إخراج الحروف من مخارجها، وقيل: الترتيل التجويد أو قراءة القرآن على مهل وفهم، والقيام كان قبل فرض الصلوات الخمس، وكان واجباً على النبي ﷺ وأمته في بداية الإسلام وكان الرسول ﷺ والصحابة يقومون أغلب الليل خشية الإخلال بهذا الواجب، وفوات الوقت حيث كان ضبط الوقت عليهم أمراً صعباً، فلم تكن عندهم الساعات والحسابات الفلكية لحساب زمن الفجر أو حساب الساعة أو النصف أو غيره فاشتد ذلك على الصحابة.
[٥] ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم.
سَنُلْقِي عَلَيْكَ: سننزل عليك، ولم يقل: إليك، المخاطب هو رسول الله ﷺ ، على تفيد العلو والمشقة وتستعمل في سياق الأمور الثقيلة والشاقة من التكاليف والأوامر والنواهي والفرائض والحدود.
﴿قَوْلًا ثَقِيْلًا﴾: قولاً: أي: القرآن، ثقيلاً: بسبب نزول الوحي به (جبريل) قالت عائشة: لقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه يتفصد عرقاً كما روى البخاري في صحيحه.
أو ثقيلاً: بسبب ما فيه من الأحكام والفروض والعمل بها.
стр. 5605
أو ثقيلاً: له وزن أي: ورصيناً ومهيباً، أو له أجر ثقيل في الميزان يوم القيامة لمن يقرؤه ويعمل به.
[٦] ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾:
﴿إنَّ﴾: للتوكيد.
﴿نَاشِئَةَ الَّيْلِ﴾: عبادة الليل أو الصلاة أو قيام الليل (التهجد) وقيل: الناشئة: هي النفس المتهجدة التي تنشأ من مضجعها أي: تنهض إلى العبادة.
﴿نَاشِئَةَ﴾: اسم فاعل من الثلاثي نشأ أو مصدر أو جمع ناشئ، وقيل: نشأ من مكانه إذا نهض من نومه للصلاة والعبادة أو ناشئة ما ينشأ في الليل، ويحدث فيه من أحداث، وقيل: الناشئة القيام في آخر الليل أو وقت معين خاص من الليل، وقيل: الليل كله ناشئة أو ناشئة ﴿الليل﴾: ساعات الليل والمعنى يحتمل الكل.
هي: ضمير فصل يفيد التوكيد.
﴿أَشَدُّ وَطْئا﴾: أشد ثباتاً في القلب ورسوخاً بحضور القلب والسكون وعدم الانشغال بأمور الدنيا، وطئاً مشتقة من ضرب الأرض بالأرجل لكي تستقر، أو وطئاً تعني: أشد، ومواطأة: موافقة أي: يتواطأ فيها قلب المصلي ولسانه وسمعه على تفهم القرآن.
﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾: أصوب وأبين قراءة مقارنة بعبادة النهار وأحضر للسمع والقلب على تفهم القرآن.
وقيلاً: مصدر لفعل قال يقول أصلها قول، أو قيل: اسم وليس بمصدر عند
البعض.
[٧] ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحَا طَوِيلًا﴾:
﴿إنَّ﴾: للتوكيد.
следующие страницы →