← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾: الفاء للتوكيد، لا النّافية. ﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾: ولم يقل: عليه (تعني: الرسول) لأنّه سيرى في الآية القادمة أنّه يظهر بعض رسله على غيبه. ﴿أَحَدًا﴾: هذا بالنّسبة للغيب المطلق. ما هو الفرق بين ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ما هو الفرق بين يظهر ويطلع، يظهر من الإظهار، ويكون عدة مرات، كما حدث لرسول الله ﷺ ، أما الاطلاع فيكون فقد لمرة واحدة. سورة الجن [٧٢: ٢٧] ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء أيْ: لا يطلع على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول. ﴿مَنِ﴾: لابتداء الغاية. ﴿ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾: أي: اختار من رسول أيْ: من ارتضاه أن يكون رسولاً. ﴿فَإِنَّهُ﴾: الفاء تعليلية إنّه للتوكيد. يظهره على ما يشاء من غيبه ليكون معجزة دالة على صدق نبوته أو ليخبر النّاس ببعض أمور الآخرة والحساب والجزاء. ﴿يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾: يسلك: يقيم من بين يديه: من بين الرسول المرتضى الرّصد: حفظه: أيْ: ملائكة يحرسونه من بين يديه أيْ: من أمامه ومن خلفه من مردة الجن أو الشّياطين حتى يمنعوهم من استراق السّمع لما يدور بين جبريل وأيِّ رسول، وحتى لا يتشبهوا بصورة ملك من الملائكة أو

стр. 5602

ليلبسوا عليهم دينهم حتى يتمكَّن الرّسول من تبليغ رسالة ربه، وحفظ ما ينزل من الوحي. سورة الجن [٧٢: ٢٨] ﴿لِّيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾: ﴿لِّيَعْلَمَ﴾: اللام لام التّعليل، ليعلم الرسل أو الرّسول مثل محمّد ﷺ أو غيره فيكون عليه حُجَّة ودليلاً، أو لإقامة الحُجَّة على النّاس أيضاً أن الكل بُلغ، أو ليعلم كل الرّسل أيْ: يكون عليهم حُجَّة يوم القيامة، أو على أممهم ولا يقصد ليعلم الله فالله سبحانه يعلمُ ذلك منذ الأزل. ﴿أَنْ﴾: للتوكيد. ﴿قَدْ﴾: للتحقيق والتّوكيد. ﴿أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾: من دون تحريف أو نقص أو زيادة. ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾: بما لديهم أي: الرّسل والملائكة والنّاس أجمعين من العلم وبما لديهم من الأدلة والحجج والأعذار والأقوال والأفعال. ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾: الإحصاء هو العد والحفظ معاً، أيْ: لم يفته شيء من قول وفعل أو إنس أو جنٍّ أو شيء أو أمر.

стр. 5603

سورة المزمل [الآيات ١ - ١٩] ترتيبها في القرآن (٧٣) وترتيبها في النزول (٣). ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [١] ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾: يا: النداء والهاء للتنبيه، والمخاطب هو رسول الله ﷺ . ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾: وأصلها المتزمل أبدلت التاء زاياً، وأدغمت الزاي في الزاي من المزمل من تزمل الفعل الخماسي بمعنى تلفف بثوبه (أيها النبي أو أيها الرسول ﷺ المتزمل أي: المتلفف بثيابه أو بغطاء النوم، والعرب كانت تخاطب أحياناً الفرد بالهيئة التي يكون عليها، وهذا من قبيل التودد والتحبب. [٢] ﴿قُمِ الَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: ﴿قُمِ﴾: للصلاة وذكر ربك. ﴿الَّيْلَ﴾: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر؛ أي: قم والقيام من أفعال الصلاة فعبر بالجزء وهو القيام، وأراد الكل وهو الصّلاة، فهذا يسمى المجاز المرسل. وقيام الليل جاء قبل فرض الصلاة المكتوبة الذي حصل في ليلة الإسراء والمعراج؛ حيث قام رسول الله ﷺ ومن معه من المؤمنين يصلون سنة كاملة حتى ورمت أقدامهم، كما أخرج الحاكم عن عائشة. [٣] ﴿نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾: ﴿نِّصْفَهُ﴾: صل نصف الليل.

стр. 5604

أو: للتخيير. ﴿انقُصْ مِنْهُ قَلِيْلًا﴾: أي: انقص من النّصف قليلاً أي: صل أقل من النصف. [٤] ﴿أَوْزِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾: ﴿أو﴾: للتخيير أو تعني: وزد على النصف أي: صل أكثر من النصف إذا كنت قادراً على ذلك. ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾: الترتيل إخراج الحروف من مخارجها، وقيل: الترتيل التجويد أو قراءة القرآن على مهل وفهم، والقيام كان قبل فرض الصلوات الخمس، وكان واجباً على النبي ﷺ وأمته في بداية الإسلام وكان الرسول ﷺ والصحابة يقومون أغلب الليل خشية الإخلال بهذا الواجب، وفوات الوقت حيث كان ضبط الوقت عليهم أمراً صعباً، فلم تكن عندهم الساعات والحسابات الفلكية لحساب زمن الفجر أو حساب الساعة أو النصف أو غيره فاشتد ذلك على الصحابة. [٥] ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾: ﴿إِنَّا﴾: للتعظيم. سَنُلْقِي عَلَيْكَ: سننزل عليك، ولم يقل: إليك، المخاطب هو رسول الله ﷺ ، على تفيد العلو والمشقة وتستعمل في سياق الأمور الثقيلة والشاقة من التكاليف والأوامر والنواهي والفرائض والحدود. ﴿قَوْلًا ثَقِيْلًا﴾: قولاً: أي: القرآن، ثقيلاً: بسبب نزول الوحي به (جبريل) قالت عائشة: لقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه يتفصد عرقاً كما روى البخاري في صحيحه. أو ثقيلاً: بسبب ما فيه من الأحكام والفروض والعمل بها.

стр. 5605

أو ثقيلاً: له وزن أي: ورصيناً ومهيباً، أو له أجر ثقيل في الميزان يوم القيامة لمن يقرؤه ويعمل به. [٦] ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾: ﴿إنَّ﴾: للتوكيد. ﴿نَاشِئَةَ الَّيْلِ﴾: عبادة الليل أو الصلاة أو قيام الليل (التهجد) وقيل: الناشئة: هي النفس المتهجدة التي تنشأ من مضجعها أي: تنهض إلى العبادة. ﴿نَاشِئَةَ﴾: اسم فاعل من الثلاثي نشأ أو مصدر أو جمع ناشئ، وقيل: نشأ من مكانه إذا نهض من نومه للصلاة والعبادة أو ناشئة ما ينشأ في الليل، ويحدث فيه من أحداث، وقيل: الناشئة القيام في آخر الليل أو وقت معين خاص من الليل، وقيل: الليل كله ناشئة أو ناشئة ﴿الليل﴾: ساعات الليل والمعنى يحتمل الكل. هي: ضمير فصل يفيد التوكيد. ﴿أَشَدُّ وَطْئا﴾: أشد ثباتاً في القلب ورسوخاً بحضور القلب والسكون وعدم الانشغال بأمور الدنيا، وطئاً مشتقة من ضرب الأرض بالأرجل لكي تستقر، أو وطئاً تعني: أشد، ومواطأة: موافقة أي: يتواطأ فيها قلب المصلي ولسانه وسمعه على تفهم القرآن. ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾: أصوب وأبين قراءة مقارنة بعبادة النهار وأحضر للسمع والقلب على تفهم القرآن. وقيلاً: مصدر لفعل قال يقول أصلها قول، أو قيل: اسم وليس بمصدر عند البعض. [٧] ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحَا طَوِيلًا﴾: ﴿إنَّ﴾: للتوكيد.

стр. 5606

﴿لك﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿في النَّهَارِ﴾: ظرفية. ﴿سَبْحَا طَوِيلًا﴾: انشغالاً بحوائجك وأعمالك. وسبحاً: مصدر الفعل الثلاثي، سبح أي: تقلب في الماء والسبح هو المر السريع في الماء، واستعار ذلك للقيام بالمهام والحوائج والتقلب في النهار وإذا ربطنا الآية (٦) مع الآية (٧) تكون النتيجة: إن عبادة الليل أو قيام الليل أشد وطئاً وأقوم قيلاً؛ لأنك في النهار ستكون في سبح في حوائجك وأعمالك أي: مشغولاً بأعمالك فلا تستطيع التفرغ للعبادة، فعليك بها في الليل، والجملة تعليلية لاختيار الليل للقيام دون النهار. [٨] ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: أي: داوم على ذكر ربك بكل أنواع الذكر مثل التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والصلاة وقراءة القرآن ودروس العلم، رغم انشغالك بأمور الدنيا. ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾: التبتل قيل: الإخلاص لله تعالى، وقيل: التبتل هو الانقطاع إلى عبادته انقطاعاً كاملاً مشتقة من بتلت الحبل أي: قطعته، وللوصول إلى هذا الانقطاع الكامل يجب أن يكون بالتدرج والزيادة (الإكثار منه) في آن واحد لقوله تعالى: تبتيلاً، الذي هو مصدر لفعل تبتل وبتل معاً. والأصل أن مصدر الفعل تبتل هو تبتلاً ولم يقل سبحانه: وتبتل إليه تبتلاً، وإنما تبتيلا الذي هو مصدر لفعل بتل، فجاء بالمصدر تبتيلاً ليجمع بين بتل وتبتل من باب الإيجاز (من بديع اللغة). إذن تبتيلاً تعني: التدرج في التبتل والزيادة في آن واحد حتى تصل إلى

стр. 5607

درجة البتل: أي: الانقطاع الكامل للعبادة حتى تصبح صفة ثابتة عند العبد ولا ننسى الإخلاص لوجه الله والإحسان بالعبادة والرضا بقضاء الله. [٩] ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾: لربط هذه الآية بالآية السابقة يكون كما يلي: واذكر اسم ربك رب المشرق والمغرب. ارجع إلى سورة الرحمن آية (١٧) للبيان. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: ارجع إلى الآية (٢٥٥) من سورة البقرة للبيان. ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾: الفاء للتوكيد، أي: استعن به في تدبير أمورك كلها راجياً عونه وتيسيره وتوفيقه للوصول إلى ما ترجوه مع تقديم كل الأسباب المطلوبة منك. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٩) لمزيد من البيان في معنى التوكل. ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾: [١٠] ﴿وَاصْبِرْ﴾: يا رسول الله ﷺ . ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾: يقول كفار قريش وغيرهم: إنك شاعر أو كاهن أو ساحر أو كاذب، ما: بمعنى الذي وما أوسع شمولاً من الذي أو مصدرية، يقولون: ولم يقل: على ما قالوا: للدلالة على تجدد قولهم واستمراره وحكاية الحال أي: بشاعة ما قالوا كأنه يقال الآن. ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾: الهجر: الترك أي: تجنبهم ولا تتعرض لهم، والهجر الجميل الهجر من دون عتاب أو لوم لهم ولا تغلق كل الأبواب بينك وبينهم. [١١] ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾: ﴿وَذَرْنِي﴾: ودعني ولا تهتم بهؤلاء المكذبين، فأنا أكفيكهم.

стр. 5608

﴿وَالْمُكَذِّبِينَ﴾: من زعماء وكفار قريش المكذبين بنبوتك، وبما أنزل الله، وغيرهم من المكذبين، والمكذبون جملة اسمية تدل على صفة الكذب ثابتة عندهم ولا أمل في إيمانهم. ﴿أولى﴾: أصحاب. ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾: جاءت النعمة هنا بفتح النون ولم يقل: النعمة بكسر النون، والتي تأتي في سياق الخير، وقال: النعمة بفتح النون التي تأتي عادة في سياق النعمة المذمومة غير المباركة، نعمة تشير إلى رفاهية ورخاء وبطر مذموم أي: أرباب الغنى والسعة وترف العيش الذين لا يشكرون الله تعالى على ما أنعم عليهم. ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾: أي: لا تستعجل لهم أو انتظرهم قليلاً في الزمن حتى يهلكوا إما بانقضاء أجلهم أو قتلهم في الدنيا، كما حدث في بدر. [١٢] ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا﴾: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا﴾: إن للتوكيد، لدينا ولم يقل: عندنا، أي: لدينا لهم، أي: لهم خاصة. ﴿أَنكَالًا﴾: جمع نكل: القيد الثقيل أي: القيود الثقيلة التي توضع في الأقدام لمنع حركة أقدامهم، وسميت أنكالاً؛ لأنه يُنكل بها أي: يُمنع بها حركة القدمين. ﴿وَجَحِيمًا﴾: نار محرقة شديدة الحر والاتقاد تنتظرهم. [١٣] ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾: غير مستساغ يتوقف بالحلق أو البلعوم ولا يستطاع بلعه وهضمه مثل الضريع والزقوم وغيرها. ﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾: شديد الإيلام لا يقدرون على تحمله من نار جهنم. [١٤] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾: ﴿يَوْمَ﴾: أي: يوم تقوم الساعة وجاء بصيغة النكرة للتهويل والتعظيم.

стр. 5609

﴿تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾: أي: تهتز وتضطرب الأرض والجبال والرجف هو أشد من الزلزلة فالأرض والجبال كل يتزلزل ويتحرك بعد الدك والنسف وتزول الجبال، وتتبدل الأرض إلى الأرض الجديدة التي سنبعث منها، وهي أرض ستكون ﴿قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧]. ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾: أي: بعد الدك والنسف تتحول الجبال إلى كثبان رمل (تلال رملية) مهيلاً أي: رملاً هائلاً أي: إذا أخذت شيئاً منه أو كمية من الرمل انهال أعلاه، أو إذا تحرَّك أسفله انهال أعلاه (غير مترابط أو متماسك). [١٥] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا﴾: إنا: للتعظيم، أرسلنا إليكم: ارجع إلى سورة البقرة (١١٩) للبيان، ولمعرفة الفرق بين الإرسال والبعث، رسولاً: هو محمد ﷺ ، إليكم: خاصة يا مشركين، ويا كفار قريش، وإلى الناس كافة (عامة). ﴿شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾: يوم القيامة أنه قد بلغ الرسالة أو شاهداً على أعمالكم هل أطعتم أم عصيتم على إيمانكم، أو كفركم، شاهداً على من أجاب دعوته ومن أعرض عنها. ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا﴾: كما: الكاف كاف التشبيه، أرسلنا موسى ﵇ إلى فرعون رسولاً، وهذا تحذير لأهل مكة وغيرها. [١٦] ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾: ﴿فَعَصَى﴾: الفاء للترتيب والتعقيب. ﴿فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾: الرسول: هو موسى ﵇ ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) لبيان من هو فرعون.

стр. 5610

﴿فَأَخَذْنَاهُ﴾: أي: فرعون أخذناه: أي: أهلكناه بالغرق، أدخلت لام التعريف على الرسول موسى بعينه. ﴿أَخْذَا وَبِيلاً﴾: الأخذ الوبيل: أي: الغرق في البحر، الوبيل: الوخيم شديد الوخام. ارجع إلى سورة الحشر آية (١٥) للبيان، وهذا تهديد لكفار مكة أن ينزل بهم العذاب، كما نزل بفرعون فهم أولى بالهلاك والدمار إن كذبوا رسول الله محمداً ﷺ . [١٧] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾: ﴿فَكَيْفَ﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدر معناه: إن جحدتم بيوم القيامة و كفرتم به، فكيف تتقون عذاب الله، كيف للاستفهام. ﴿تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا﴾: أي: كيف تقون أنفسكم، إن شرطية تفيد الشك جواب الشرط محذوف للتعظيم والتهويل. ﴿كَفَرْتُمْ﴾: إن ثبتم على الكفر والشرك بالله ولم تتوبوا إلى الله. ﴿يَوْمًا﴾: يوم القيامة، أي: كيف تقون أنفسكم عذاب يوم القيامة. ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ﴾: الولدان جمع وليد أي حديثي الولادة، الولدان: تشمل الذكور والإناث والولدان جمع قلة مقارنة بالأولاد جمع كثرة. ﴿شِيبًا﴾: أي: يتحول لون شعرهم الأسود إلى أبيض أو رمادي دلالة على شدة الخوف والرعب من أهوال ذلك اليوم، وقيل: من طوله، وقيل: قد يبلغون عمر الشيخوخة وهم ما زالوا فيه. [١٨] ﴿السَّمَاءُ مُنفَطِرُ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾: ﴿السَّمَاءُ﴾: تعريفها لغة كل ما علاك، وتضم السموات السبع، وهي تذكر أو تؤنث يجوز كلا الحالين.

стр. 5611

﴿مُنفَطِرُ بِهِ﴾: السماء وعظمتها تنفطر في ذلك اليوم، منفطر به من الفطر، وهو الشق، أي: تتشقق وتنفطر. ارجع إلى سورة الانفطار آية (١) لمزيد من البيان. به الباء للإلصاق وبه قد تكون ظرفية أو سببية بسببه. ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾: كان: تشمل كل الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل، وعده: كل ما وعد سبحانه ومنها مجيء يوم القيامة. ﴿مَفْعُولًا﴾: كائناً أو واقعاً لا محالة. [١٩] ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾: إن للتوكيد هذه الهاء للتنبيه، ذه اسم إشارة للقريب تشير إلى آيات القرآن، أو القرآن أو أهوال يوم القيامة أو ما حدث لفرعون وغيره من الأمم المكذبة برسلها. ﴿تَذْكِرَةٌ﴾: أي: هذه الآيات إذا قرأتموها تذكركم بالآخرة وما سيصيبكم يوم القيامة. ﴿فَمَنْ شَاءَ﴾: الفاء عاطفة، من شرطية، شاء: النجاة من أهوال يوم القيامة وعذابه. ﴿اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: سبيلاً: طريقاً أي: من شاء النجاة من عذاب يوم القيامة سلك وسار في طريق الإيمان والتقوى، والتقرب إلى الله تعالى، بامتثال أوامره وتجنب نواهيه.

стр. 5612

سورة المزمل [الآية ٢٠] [٢٠] ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَى الَّيْلِ وَنِصْفَهُ، وَثُلُثَهُ، وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَأَقْرَءُوا مَا يَيْسَرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَتَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَقْرَءُوا مَا تَيْسَرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: إن للتوكيد. ﴿يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾: للصلاة والقيام أو التهجد، أدنى من ثلثي الليل أي: أقل من ثلثي الليل أو تقوم نصفه، او تقوم ثلثه. ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾: أي: وطائفة جماعة من أصحابك تقوم الليل معك: لا تعني صلاة جماعة، معك تعني: من الذين آمنوا يصلون في بيوتهم. ﴿والله يقدر﴾: تقديم الله تعالى للاهتمام والاختصاص يقدر طول زمن الليل والنهار في الربيع يتساوى الليل والنهار وفي الصيف يطول النهار ويقصر الليل وفي الشتاء يطول الليل ويقصر النهار. ﴿يُقَدِّرُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: أي: القادر على تقدير ساعات الليل والنهار أي: معرفة مقاديرها؛ لأنهم ﵃ لم تكن عندهم ساعات تضبط لهم الزمن والوقت، ومتى نصف الليل أو ثلثه الأخير، ومتى ينتهي، وكذلك ساعات النهار. ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾: تأكيداً لقول الله يقدر الليل والنهار، علم الله سبحانه

стр. 5613

أنكم لن تستطيعوا ضبط الأوقات أي: ساعات الليل والنهار لتقوموا ثلثيه أو نصفه وثلثه، ولذلك كانوا يقومون معظم الليل مخافة أن يخطئوا. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾: أي: تقبل منكم القيام الممكن، وتاب عليكم بالتيسير والتخفيف. ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ … يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾: هناك فرق بين التلاوة والقراءة؛ ارجع إلى سورة يونس الآية (٧١) للبيان؛ أي: فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل (صلاة القيام) وعبر عن الصلاة بالقراءة (إطلاق الجزء على الكل وإرادة الكل)، وسميت الصلاة قرآناً، كما في قوله تعالى ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أي: صلاة الفجر كما سميت الصلاة باسم أحد أركانها كالركوع والسجود، ثم بين ثلاثة أسباب أو أعذار تدعو إلى الترخيص ورفع واجب أو فرض التهجد منها: ١ - المرض. ٢ - والجهاد في سبيل الله. ٣ - والضرب في الأرض للتجارة والابتغاء من فضل الله. ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيْسَرَ مِنْهُ﴾: تكرار ذلك للتوكيد، أي: صلوا صلاة القيام واقرؤوا ما تيسر من القرآن خارج الصلاة. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ﴾: صلوا الصلاة المفروضة (الخمس صلوات) أدوها بأركانها وأوقاتها وشروطها وخشوعها. ﴿وَآتُوا الزَّكَوةَ﴾: المفروضة بمقاديرها وخالصة لوجه الله ومن مال طيب وتثبيتاً من النفس.

стр. 5614

﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: ارجع إلى سورة الحديد آية (١١) للبيان المفصل في معنى القرض الحسن. ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وما﴾: الواو استئنافية، ما شرطية. ﴿تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾: من استغراقية تستغرق كل خير، وخير نكرة تشمل كل أنواع الخيرات من الصدقات والأعمال الصالحة من صلاة وصيام وحج وزكاة ورعاية اليتيم وغيرها. ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: تجدوا ثوابه عند الله. ﴿هُوَ خَيْرًا﴾: هو: للتوكيد، خيراً: أفضل مما أنفقتم أو أفضل مما قدمتم من الأعمال. ﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾: الحسنة بعشرة أمثالها، أو قد تمتد إلى (٧٠) ضعفاً أو (٧٠٠) أو أكثر. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾: داوموا على الاستغفار والإكثار منه؛ لأن الإنسان لا يخلو من التقصير وفعل السيئات. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ارجع إلى سورة البقرة آية (١٧٣) للبيان.

стр. 5615

سورة المدثر [٧٤: ١] سورة المدثر ترتيبها في القرآن (٧٤)، وترتيبها في النّزول (٤). ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا﴾: النّداء والهاء للتنبيه، والمنادى هو رسول الله ﷺ . ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾: المتلفِّف بثيابه من تدثَّر: أي: لبس الدّثار وهو اللباس الخارجي الذي يستر ما تحته من الثياب، وأصل المدثر المتدثر وأدغمت التّاء في الدّال لتقارب المخارج، وهو إدغام الحرف الأضعف في الحرف الأقوى، وفي هذا النّداء ملاطفة وعطف، وهو من أوّل النّداءات، وأما قوله: يا أيها المزمل: أي: المتدفئ بغطاء النوم أو الفراش. سورة المدثر [٧٤: ٢] ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾: ﴿قُمْ﴾: انهض وقم من مضجعك. ﴿فَأَنذِرْ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، وهي كذلك في كل الآيات التالية (٢ - ٧). أنذر من الإنذار وهو الإعلام مع التّحذير والتّخويف، وأنذر الكفار والمشركين والعاصين.

стр. 5616

سورة المدثر [٧٤: ٣] ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾: الواو حرف عطف. ﴿وَرَبَّكَ﴾: وعظِّم ربك بالتّكبير والتّوحيد عظِّم الله تعالى فوق خلقه بالقول الله أكبر. ﴿فَكَبِّرْ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب. سورة المدثر [٧٤: ٤] ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: الواو حرف عطف، وثيابك: الثياب الخارجية التي تستر أو تغطي الجسم، وأما اللباس فهو الذي يستر العورة، ويكون بتماس مع جسم الإنسان. وطهِّر: فاغسلها وطهرها من كلّ النّجاسات استعداداً للصلاة والفاء للمباشرة والتعقيب أي: والتزم بالطهارة المادية والمعنوية ولا تنسَ طهارة القلب. سورة المدثر [٧٤: ٥] ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾: الواو عاطفة. ﴿وَالرُّجْزَ﴾: الرجز: العذاب، والرجس الأوثان والأصنام، واسم لما يُقتذر وبدلاً من القول: فالرجس فاهجر قال: الرجز؛ لأن العذاب الشديد مسبب عن عبادة الأصنام والأوثان، وهناك من قال: الرجس يشمل الشيطان والأعمال الخبيثة كالخمر والميسر وعبادة الأصنام والأوثان والإثم والعذاب واللعنة. ارجع إلى سورة البقرة الآية (٥٩) للبيان المفصل في معنى الرجز والرجس والفرق بينهما.

стр. 5617

﴿فَاهْجُرْ﴾: الفاء للمباشرة والتعقيب، داوم على هجرها: تركها والبراءة منها، وتعني: اهجر كل عمل أو إثم يستوجب. سورة المدثر [٧٤: ٦] ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾: الواو عاطفة. ﴿وَلَا﴾: النّاهية. ﴿تَمْنُن﴾: من المنِّ، وهو أن تذكَّر النّاس بما أسديت إليهم من نعمة أي: ولا تمنَّ على أحدٍ بما تقوم به من معروف أو مساعدة أو صدقة أو إحسان. ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾: ولا تستكثر ما تعطيه رائياً ما تعطيه كثيراً، ولا تمن بعبادتك وطاعتك مهما كانت أو تستكثر عملاً قمت به، وإذا قدَّمت معروفاً فلا تتوقع عنه العوض. سورة المدثر [٧٤: ٧] ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾: ﴿وَلِرَبِّكَ﴾: الواو عاطفة، لربك: اللام لام الاختصاص، أي: ابتغاء وجه ومرضاة الله فاصبر. ﴿فَاصْبِرْ﴾: على طاعته وعبادته، وتجنَب معاصيه، اصبر على إبلاغ الرّسالة، اصبر على ما أصابك من قضاء وقدر، واصبر على ما يقولون والكلام موجَّه إلى المؤمنين بالله ورسوله.

стр. 5618

سورة المدثر [٧٤: ٨] ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِى النَّاقُورِ﴾: ﴿فَإِذَا﴾: الفاء استئنافية، إذا: ظرفية شرطية حتمية الحدوث أي: تستعمل للشيء المحقَّق حدوثه. ﴿نُقِرَ فِى النَّاقُورِ﴾: النّاقور: هو الصّور أو البوق وأصل النّاقور الصّوت، والمراد به النّفخة الثّانية. سورة المدثر [٧٤: ٩] ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾: ﴿فَذَلِكَ﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط إذا، ذلك: اسم إشارة واللام للبعد. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: مركبة من يوم ظرف + إذ ظرف (أضيف إلى ظرف). ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾: صعب شديد على المؤمن والكافر لا يطاق لكثرة أهواله وشدائده، وقيل: يوم عسير فقط على الكافرين. سورة المدثر [٧٤: ١٠] ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾: ﴿عَلَى﴾: تفيد الاستعلاء والمشقة. وقوله في الآية السّابقة: يوم عسير تعني غير يسير، ولكنه عاد وكرَّر للتأكيد على عسرة ذلك اليوم على الكافرين ولا يرجى تيسيره، وعلى المؤمنين يسير إن شاء الله برحمته وفضله. ثم ينتقل للحديث عن أحد الطغاة المشركين وهو الوليد بن المغيرة، أو غيره.

стр. 5619

سورة المدثر [٧٤: ١١] ﴿ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾: المناسبة: بعد أن أخبر سبحانه أنّه يوم عسير على الكافرين غير يسير، أمثال: الوليد بن المغيرة، وأمثاله من زعماء الكفر والشّرك والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السّبب. ﴿ذَرْنِى﴾: دعني، أو لا تشغل بالك به، أو اتركه إليَّ سأتولى أمره. ﴿وَمَنْ﴾: اسم موصول بمعنى الذي، ويفيد الذّم والتّحقير. ﴿خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾: أي: خلقته لا مال ولا ولد ولا زوجة ولا عشيرة، وقال ابن عبّاس: كان الوليد بن المغيرة يقول: أنا الوحيد بن الوحيد. ما هو الفرق بين الوحيد وفرداً: الوحيد لم يكن معه أصلاً أحد لا ولد ولا زوجة ولا أنيس، ثمّ قد يصبح غير وحيد بعد أن يتزوَّج، أما الفرد: هو الذي تخلى عن غيره أو غيره تخلوا عنه. سورة المدثر [٧٤: ١٢] ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا﴾: ﴿مَّمْدُودًا﴾: كثيراً، أو دائماً غير منقطع، أو ممدوداً على أرض واسعة ويأتيه من الزّرع والتّجارة والضّرع. سورة المدثر [٧٤: ١٣] ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾: قيل: كان له حوالي (١٠) أولاد، يساعدونه في تجارته وتصريف أعماله. ﴿شُهُودًا﴾: لها عدة معانٍ: أي: حضور لا يغيبون عنه، أو مقيمون حوله في مكة لعدم حاجتهم للضرب في الأرض، شهوداً يتمتع بمشاهدتهم ورؤيتهم،

стр. 5620

شهوداً تُسمع شهادتهم، أو الكلّ يراهم في المجالس والمحافل وأسواق التّجارة وقيل: أسلم منهم ثلاثة. سورة المدثر [٧٤: ١٤] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ﴾: مكنت له في قومه ليكون من زعماء القوم ورؤسائهم حتّى لقب بريحانة قريش ومهدت من التّمهيد، كما يمهَّد السرير للطفل أي: في الحياة وسعة العيش والحصول على كلّ ما يشتهيه من الغنى والجاه والسلطان. ﴿تَمْهِيدًا﴾: للتأكيد. سورة المدثر [٧٤: ١٥] ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للتباين بين طمع الدّنيا عن طمع الآخرة. ﴿يَطْمَعُ أَنْ﴾: الطمع: الحرص على طلب المزيد والزيادة. أن: مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾: له في نعيم الدّنيا بزيادة ماله وجاهه، أو أزيد له بنيل الدّار الآخرة (الجنة) أو أزيد له بكلّ شيء. سورة المدثر [٧٤: ١٦] ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾: ﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر، كلا لن أزيده بعد اليوم، وعلَّل سبحانه لمنعه في الزّيادة: ﴿إِنَّهُ﴾: إنّ للتوكيد، وهاء الضمير تعود على الوليد بن المغيرة، أو غيره. ﴿كَانَ﴾: تشمل كلّ الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل.

стр. 5621

﴿لِآيَاتِنَا﴾: اللام لام التّعليل، آياتنا: آيات القرآن، وإضافة الآيات له سبحانه للتشريف والتّعظيم. ﴿عَنِيدًا﴾: معانداً جاحداً معرضاً مخالفاً. سورة المدثر [٧٤: ١٧] ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾: ﴿سَأُرْهِقُهُ﴾: السّين للاستقبال القريب، أرهقه: من الإرهاق هو الشّعور الذي يحدث للإنسان بعد حمل الشّيء الثقيل الذي لا يطاق مثل التّعب والإعياء واللغوب، وقيل: الرّهق الغشيان رَهِقه الأمر: غشيه الأمر أو قهره. ﴿صَعُودًا﴾: بفتح الصّاد من الصّعد: المشقة فلان في صعد: أيْ: في مشقة العذاب، وقيل: جبل في جهنم يكلَّف بالصّعود عليه، وكلما وصل أعلاه سقط مرة أخرى وهكذا، أيْ: سأكلفه وأحمله عذاباً شاقاً لا يطاق في نار جهنَّم.

стр. 5622

سورة المدثر [٧٤: ١٨] ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾: ﴿إِنَّهُ﴾: للتأكيد وتعود على الوليد بن المغيرة. ﴿فَكَّرَ﴾: بعدما قرأ عليه الرّسول ﷺ القرآن، فكأنه رق قلبه فجاءه أبو جهل وكلَّمه وطلب منه أن يقول قولاً يدل على أنّه كاره ومنكر للقرآن حتّى يرضى عنه قومه، فقال: دعني حتّى أفكر. ﴿وَقَدَّرَ﴾ في نفسه ماذا يمكنه أن يقول في القرآن. سورة المدثر [٧٤: ١٩] ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾: ﴿فَقُتِلَ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، قتل: لُعن وأُبعد، أو طُرد من رحمة الله، قُتل: هذا دعاء أوّل عليه في الدّنيا. ﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ. ﴿قَدَّرَ﴾: ماذا سيقوله. سورة المدثر [٧٤: ٢٠] ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتراخي في الزمن؛ أي: استغرق زمناً وهو يفكر ما يقوله بشأن القرآن. كرَّر الدّعاء بالقتل أو اللعن والطّرد من رحمة الله للدلالة على التّأكيد،

стр. 5623

وتعني: الوليد بن المغيرة، وهذا هو الدّعاء الثاني عليه باللعن والطّرد في الآخرة والتأكيد على خسرانه. وقيل: كرر (قدر) ثلاث مرات الأولى: قدر ما يريد قوله الرسول الله ﷺ ، والثانية: قدر أن ما قاله رسول الله هو شعر، والثالثة: قدر أن ما قاله لرسول الله ﷺ هو قول كاهن. سورة المدثر [٧٤: ٢١] ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتراخي؛ أي: أمعن واستغرق زمناً وهو يتمهل ولم يسرع. ﴿نَظَرَ﴾: تمهل فيما سيقوله وتروَّى. سورة المدثر [٧٤: ٢٢] ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتراخي؛ أي: بعد زمن طويل من التفكير والنظر فيما يقوله بشأن القرآن. ﴿عَبَسَ﴾: قطَّب جبهته بين الحاجبين. ﴿وَبَسَرَ﴾: كلح وجهه واسودَّ وظهرت عليه علامات الكراهية، والتجهم. سورة المدثر [٧٤: ٢٣] ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾: ثمّ أدبر عن الإيمان أيْ: دار ظهره بعد التريث والانتظار. ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾: أن يؤمن بالقرآن، ويتَّبع رسول الله ﷺ وأظهر عظم شأن نفسه ورفع نفسه فوق ما تستحق. سورة المدثر [٧٤: ٢٤] ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾: ﴿فَقَالَ﴾: الفاء للتعقيب والتّرتيب والمباشرة، ولم يقل ثم قال إن هذا

стр. 5624

إلا سحر يؤثر وجاء بالفاء، وهذا يدل على قوله إن هذا إلا سحر يؤثر صدر منه مباشرة دون تريث وتفكر كما حدث في الأمور الأربع السابقة، وكأنه قال ذلك على عجل، وعدم نظر ويقين وولى مدبراً من شدة الحرب النفسية التي حلت به. ﴿إِنْ هَذَا﴾: إن: نافية تعني: ما، هذا: القرآن أو الآيات أو ما يتلوه محمّد ﷺ . ﴿إِلَّا﴾: للحصر. ﴿سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾: اتهموه بالسحر لما رأوا تأثيره القوي في القلوب والنفوس وشبَّهوه بالسحر الذي كان خارقاً للعادة، ويؤثر في أنفسهم، ولتعريف السّحر ارجع إلى سورة طه الآية (٥٨) وسورة البقرة آية (١٠٢). سورة المدثر [٧٤: ٢٥] ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾: ﴿إِنْ هَذَا﴾: إنّ نافية، هذا: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة يشير إلى القرآن. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿قَوْلُ الْبَشَرِ﴾: أيْ: ليس من كلام الله تعالى، بل هو قول البشر، وهذه الآية تأكيد للآية السّابقة، ما هذا القرآن وآياته إلا سحر يؤثر (يروى عن السّحرة) أيْ: هو سحر وقول البشر وليس كلام الله كقولهم: إنما يعلِّمه بشر. سورة المدثر [٧٤: ٢٦] ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾: السّين للاستقبال القريب، سأدخله وسأحرقه في سقر، وهي دركة من دركات النّار السّبع، وهي جهنم ولظى والسّعير والحطمة وسقر والجحيم والهاوية أو اسم من أسماء النّار. سورة المدثر [٧٤: ٢٧] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾: ﴿وَمَا﴾: الاستفهامية.

стр. 5625

﴿أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾: وما أعلمك أو نبأك ما هي سقر، فلا يعلم كنهها وعظمتها إلا الله، ومهما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك، وسنطلعك على بعض شأنها الآن، فهي لا تبقي ولا تذر، ولمعرفة الفرق بين ما أدراك وما يدريك ارجع إلى سورة الحاقة آية (٣). سورة المدثر [٧٤: ٢٨] ﴿لَا تُبْقِى وَلَا تَذَرُ﴾: ﴿لَا تُبْقِى﴾: لا تبقي شيئاً حياً يلقى فيها إلا أهلكته وقضت عليه. ﴿وَلَا تَذَرُ﴾: ولا تذر من أهلكته يبقى ميتاً من دون عودة ثانية للحياة لكي يعذب ويموت، وهكذا كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٧]. سورة المدثر [٧٤: ٢٩] ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾: ﴿لَوَّاحَةٌ﴾: تلوح وتظهر للعيان من مسافات بعيدة، فلا تخفى على أحد من البشر، أو لواحة من لوحته الشّمس: أيْ: أحرقته حرقاً كاملاً أيْ: مغيرة للون البشرة بالسواد بعد أن كانت بشرة حسنة الهيئة. ولواحة للبشر قد تعني كلا المعنيين معاً. ﴿لِّلْبَشَرِ﴾: اللام لام الاختصاص، البشر: الإنس من أهل النار وسُّمو بشراً من البشرة بشرة جلد الإنسان المكشوفة وتعني: حسن الهيئة والظهور وعدم الاختفاء كالجن. سورة المدثر [٧٤: ٣٠] ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: قيل: خزنة جهنم (١٩) من الملائكة. لما نزلت هذه الآية ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل: يخوفكم محمّد بتسعة

стр. 5626

عشر، أما له من جنود إلا هؤلاء؟ أيعجز كلّ عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم؟ قال كلدة بن خلف الجمحي: يا معشر قريش أنا أمشي بينكم أدفع (١٠) منهم بمنكبي الأيمن، و (٩) بمنكبي الأيسر، فندخل الجنة. ويجب العلم أن عددهم تسعة عشر مذكور في التوراة والإنجيل ويعتبرون (١٩) عدة ناقصة واحد من عقد العشرين، ولم يقل: تسعة عشر ملكاً؛ لأن ذلك مفهوم من سياق الآية. سورة المدثر [٧٤: ٣١] ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِى مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾: ﴿وَمَا﴾: ما النّافية. ﴿جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ﴾: خزنة جهنم. ﴿إِلَّا مَلَائِكَةً﴾: إلا أداة حصر وفي المواضع الأربعة المذكورة في هذه الآية. ﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾: تكرار (وما جعلنا) للتأكيد. ﴿عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أيْ: عددهم القليل عدة (قلة) لأجل فتنة الذين كفروا: أمثال أبي جهل وأصحابه. فتنة: ابتلاء، للذين: اللام لام الاختصاص، إلا ابتلاء لهم أيْ: ضلال لهم لإقامة الحُجَّة عليهم وعلى إيمانهم. ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾: اللام لام التّعليل: يستيقن: أيْ: يزداد تصديقاً وعلماً. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: (اليهود والنصارى) لأنّه مكتوب عندهم في التّوراة

стр. 5627

والإنجيل أنّهم (١٩) تسعة عشر، فيصدقون بالقرآن وبنبوة محمّد ﷺ ؛ لأنهم وجدوا ما يوافق ما في كتبهم. ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾: من أهل الكتاب ومن غيرهم من الذين آمنوا، إيماناً بمحمّد ﷺ وأنّ القرآن حق ومن عند الله تعالى. ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: لا: النافية، يرتاب: من الرّيبة وهي الشّك والتّهمة في عدد أصحاب النّار أو ما جاء في القرآن. ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ﴾: اللام لام التّعليل، الذين في قلوبهم مرض أي: المنافقون، والكافرون: أيْ: كفار مكة وغيرهم. ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾: أيْ: ما الغاية أو الحكمة في هذا العدد، أو يريدون أن ينفوا أن يكون هذا العدد من عند الله تعالى، وبالتّالي ينفوا أن يكون القرآن من عند الله تعالى، وأنّ محمّداً ليس هو النّبي المنتظر، ماذا: أداة استفهام أشد وأقوى استفهاماً من (ما). ﴿كَذَلِكَ﴾: أيْ: بمثل هذه الأمثال وذكر الأعداد تسعة عشر أو يحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية، أو إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها، يُفتن الذين آمنوا والذين في قلوبهم مرض والكافرون وغيرهم، فأمّا الذين آمنوا فيزدادون إيماناً ويعلمون أنّه الحق من ربهم، وأما الذّين في قلوبهم مرض فيتزلزل إيمانهم ويميلون إلى الباطل وتتحول قلوبهم إلى مواطن الريبة والكفر، وليس المهم هو العدد، وإنما إيمان العبد بما يقوله الرّب سبحانه. ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾: ما النّافية، يعلم جنود ربك: الملائكة عددهم وكيفيتهم وعدتهم وقوتهم أو غيرهم من الجنود. ارجع إلى سورة الفتح آية (٤) للبيان. ﴿إِلَّا هُوَ﴾: إلا أداة حصر، وهو: للتأكيد، أي: الذي خلقهم وبعثهم بالحق.

стр. 5628

﴿وَمَا هِىَ﴾: هي تعود على سقر. ﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾: إلا أداة حصر، ذكرى: تذكرة للناس تذكرهم بالحساب والاستعداد ليوم القيامة. سورة المدثر [٧٤: ٣٢] ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾: ﴿كَلَّا﴾: تعني: حقاً أو كلمة ردع وإبطال لما يزعم المشركون أو الكافرون أنّهم قادرون على الملائكة التسعة عشر. ﴿وَالْقَمَرِ﴾: الواو واو القسم، يقسم الله سبحانه بالقمر لأهميته، والله سبحانه غني عن القسم، فالقمر هو أقرب جرم سماوي إلى الأرض يبعد حوالي (٤٠٠ ألف كم) عن الأرض ويلعب دوراً مهماً في استقامة الحياة على الأرض، وتحديد الزمن والشهر واليوم ويلعب دوراً في المد والجزر، وتفتيت الصخور وتلطيف المناخ والفصول الأربعة والإنارة في الليل والشهر القمري أدق من الشهر الشمسي وغيرها من الوظائف. سورة المدثر [٧٤: ٣٣] ﴿وَالَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾: ﴿وَالَّيْلِ﴾: ويقسم بالليل إذا ولى ذاهباً أو مدبراً. ﴿إِذْ﴾: ظرف للزمن الماضي. [٣٤] ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾: ﴿وَالصُّبْحِ﴾: الواو واو القسم، يقسم كذلك بالصبح أي: تبادل الليل والنهار أو النور والظلام من أعظم آيات الله سبحانه الكونية الدالة على كروية الأرض. ﴿إِذَا﴾: ظرف للزمن المستقبل.

стр. 5629

﴿أَسْفَرَ﴾: أضاء وانكشف، تقسيم ساعات الليل هي: الشفق، ثم الغسق ثم العتمة، ثم السحر، ثم الفجر، ثم الصبح، ثم الصباح. وتقسم ساعات النهار هي: الشروق، ثم البكور، ثم الغدوة، ثم الضحى، ثم الهاجرة، ثم الظهيرة، ثم الرواح، ثم العصر، ثم القصر، ثم الأصيل، ثم العشي، ثم الغروب (فقه اللغة للثعالبي). سورة المدثر [٧٤: ٣٥] ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾: جواب القسم. ﴿إِنَّهَا﴾: إنّ للتوكيد، وهاء الضّمير تعود على سقر. ﴿لَإِحْدَى﴾: اللام لام التّوكيد. ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾: الكُبر: جمع كبرى أيْ: سقر هي إحدى البلايا أو الدّواهي، الكُبر: أي: الأمور العظام، وقيل: إحدى الكُبر السبع وهي دركات جهنم وهي: جهنم، لظى، الحطمة، السّعير، سقر، الجحيم، الهاوية. سورة المدثر [٧٤: ٣٦] ﴿نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ﴾: ﴿نَذِيرًا﴾: من الإنذار وهو الإعلام مع التّهديد والتّخويف. ﴿نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ﴾: أي: الإنس البشر مشتقة من البشرة التي تشكل طبقة الجلد المميزة للبشر أو من البشارة وهي حسن الهيئة، أو تعني الظّهور بعكس الجن. نذيراً: ولم يقل: نذيرة جاءت بصيغة المذكر أيْ: عذاب سقر أو عذاب النار أعظم الكُبر المنذرة.

стр. 5630

سورة المدثر [٧٤: ٣٧] ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾: إذا ربطنا بين هذه الآية والتي قبلها يمكن القول: نذيراً للبشر لمن شاء أن يتقدَّم أو يتأخَّر. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل. لمن شاء أن يسبق إلى الإيمان والطّاعة والخير أو يتخلَّف عن الإيمان والعمل الصّالح إلى الشّر والكفر لمن شاء أن يكون سابقاً للخيرات أو مقتصداً أو ظالماً لنفسه. سورة المدثر [٧٤: ٣٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾: أيْ: كلّ نفس يوم القيامة مرهونة بعملها أيْ: إيمانها وعملها الذي يفكها ويخلصها من العذاب. ﴿رَهِينَةٌ﴾: من الرّهن لغة: هو الثّبوت والدّوام أي: الحبس أيْ: كلّ نفس محبوسة بعملها، وشرعاً: هو ما جعل وثيقة للدَّيْن (القرض) كي يصبح رد الدَّيْن مضموناً بالعين المرهونة؛ أي: نفوسهم مرهونة حتى يسدِّدوا الدَّيْن (التكاليف الشرعية وما أمروا به من الفروض). ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾: الباء السّببية أو البدلية، كسبت: من خير أو شر؛ فإذا لم يؤدوا الفروض أو ما كلِّفوا به عندها تؤخذ النّفوس المرهنة (وتعاقب) لأنّهم لم يقوموا بالفرائض. سورة المدثر [٧٤: ٣٩] ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.

стр. 5631

﴿أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾: أي: الذين يأخذون سجلَّ أعمالهم أو صحائفهم يوم القيامة بأيمانهم، فهؤلاء لا يطلب منهم أيُّ رهان أيْ: لا تؤخذ أنفسهم كرهان. سورة المدثر [٧٤: ٤٠] ﴿فِى جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾: ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿جَنَّاتٍ﴾: جمع جنة، جنات الفردوس، وجنات عدن والمأوى، وجنات الخلد والنّعيم، وغيرها. ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾: يسأل بعضهم بعضاً ماذا حل بالمجرمين أو أين هم؟ سورة المدثر [٧٤: ٤١] ﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾: الكافرين والمشركين والعاصين وعن تفيد المجاوزة والمباعدة. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، والجاثية آية (٣١) لمزيد من البيان عن المجرمين. سورة المدثر [٧٤: ٤٢] ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ﴾: ﴿مَا﴾: استفهامية للإنكار والتّوبيخ. ﴿سَلَكَكُمْ﴾: أدخلكم، وسلك: دخل بسهولة والدّخول إما أن يكون بمشقة وصعوبة أو بسهولة، فإذا كان بسهولة يستعمل سلك. ﴿فِى سَقَرَ﴾: أيْ: ما أدخلكم في سقر. ارجع إلى الآية (٢٦) للبيان. سورة المدثر [٧٤: ٤٣] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾: قالوا: أي: المجرمون. ﴿لَمْ نَكُ﴾: لم نك ولم يقولوا: نكن أو نكون، نك: حذف النّون هنا يدل على سبب بلاغي مقصود هو نفي الصّلاة عنهم أيْ: لم نك البتة من المصلين أي: لم

стр. 5632

نصل أبداً ولا صلاة واحدة، أو حذف النّون إشارة إلى عدم الرّغبة في الكلام أو الحديث عن الصّلاة لشعورهم بالخزي والعار؛ لأنهم لم يك من المصلين. سورة المدثر [٧٤: ٤٤] ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾: حذف النّون هنا أيضاً ولم نطعم أيَّ مسكين أي شيء، أو أقل شيء، أو لا يريدون الحديث والكلام عن الصّدقة والزّكاة. سورة المدثر [٧٤: ٤٥] ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾: وكنا في الدّنيا نخوض مع الخائضين: نخوض بالباطل نخوض من خاض الماء أيْ: مشى في الماء من دون العلم بعمق الماء الذي يخوضه، أو فيما إذا كانت هناك حفرة ستزل قدمه فيها كالخوض في الحديث عن القرآن يعلمه بشر، أساطير الأولين، قول ساحر أو شاعر. سورة المدثر [٧٤: ٤٦] ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾: تكرار كنا للتأكيد، كنا في الدّنيا نكذب بيوم الدِّين، أيْ: لا نؤمن أو نصدِّق بيوم الحساب ويوم القيامة والبعث والجزاء. سورة المدثر [٧٤: ٤٧] ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾: ﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية. ﴿أَتَانَا الْيَقِينُ﴾: اليقين الموت واختار أتانا بدلاً من جاءنا؛ لأنّ الموت أو اليقين لم يأت بعد، وإنما سيأتيهم في المستقبل (حيث يتحدثون عن حالهم عندما كانوا في الدنيا)، واليقين درجات: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وهو أعلاها.

стр. 5633

سورة المدثر [٧٤: ٤٨] ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾: ﴿فَمَا﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدر أيْ: إذا كان هذا حالهم لم يكونوا من المصلين ولم يطعموا المسكين وكانوا يخوضون مع الخائضين، وكانوا يكذبون بيوم الدِّين، فلن تنفعهم شفاعة الشّافعين. ﴿تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾: مهما كانوا من الملائكة أو النّبيين أو الصّالحين أيْ: لو وجد من يريد أن يشفع لهم فلن تقبل شفاعتهم؛ لأنّ الشّفاعة لا تتم إلا برضا وإذن من الله، والشّفاعة لا تكون إلا لمن رضي له قولاً، أيْ: يكون المشفوع له من الموحِّدين مثلاً، أيْ: لا شفاعة لهم. سورة المدثر [٧٤: ٤٩] ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾: ﴿فَمَا لَهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، ما للاستفهام الإنكاري، لهم: اللام لام الاختصاص. ﴿عَنِ﴾: حرف مجاوزة وإبعاد. ﴿التَّذْكِرَةِ﴾: القرآن الكريم أو غيره من المواعظ. ﴿مُعْرِضِينَ﴾: لا يريدون الاستماع إليها أو صادِّين عنها. سورة المدثر [٧٤: ٥٠] ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ﴾: كأنّهم في إعراضهم عن الاستماع إلى القرآن الكريم أو التّذكرة أو الدِّين يفرُّون كالحُمُر الوحشية.

стр. 5634

﴿حُمُرٌ﴾: جمع حمار، وحمار تجمع على حمير، والقرآن يستعمل كلمة حُمرُ: للحمار الوحشي، وحمير كما قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨] يستعملها للأهلية المستخدمة. ﴿مُّسْتَنفِرَةٌ﴾: مذعورة لا يمكن ركوبها أو الاستفادة منها. سورة المدثر [٧٤: ٥١] ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾: ﴿فَرَّتْ﴾: هربت. ﴿مِنْ﴾: ابتدائية. ﴿قَسْوَرَةٍ﴾: من الأسد، تشبيه قبيح لحالهم وفرارهم خوفاً من الاستماع إلى القرآن أو إلى رسول الله ﷺ وقيل: من الصياد. سورة المدثر [٧٤: ٥٢] ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً﴾: ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ﴾: امرئ: تطلق على الرّجل رجال الجن والإنس وتشمل الكبار والصّغار، وكلمة امرئ أعم وأشمل من كلمة إنسان، منهم: خاصة من كفار قريش. ﴿يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً﴾: أيْ: يريد كلّ واحد منهم أو يطلب منك أن تنزل عليه كتاباً من السّماء منشوراً يدلُّ على أنّك رسول الله ﷺ ، أو يدعوهم إلى الإيمان بالله والتصديق بالقرآن. منشرة: مفتوحة غير مطوية الكل قادر على قراءتها.

стр. 5635

سورة المدثر [٧٤: ٥٣] ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾: ﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وإبطال أيْ: لن ننزل عليهم صحفاً منشرة ولن نستجيب لمطالبهم. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾: لا النّافية لكل الأزمنة أيْ: هم لا يؤمنون بالبعث والحساب أصلاً، ولو خافوا الآخرة لما طلبوا منك ذلك، والنون في يخافون للتوكيد. سورة المدثر [٧٤: ٥٤] ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾: ﴿كَلَّا﴾: أيْ: حقاً. ﴿إِنَّهُ﴾: إنّ للتوكيد والهاء ضمير يعود على القرآن الكريم. ﴿تَذْكِرَةٌ﴾: أي: خيرُ تذكرةٍ بالآخرة والاستعداد لها، وفي سورة عبس الآية (١١) قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، آية المدثر: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾: المراد به القرآن، وآية عبس: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾: المراد بها الآيات التي وردت في سياق ابن أم مكتوم أو السورة. سورة المدثر [٧٤: ٥٥] ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾: ﴿فَمَنْ﴾: الفاء عاطفة، من شرطية. ﴿شَاءَ ذَكَرَهُ﴾: أراد قراءته، قرأه واتعظ به والمشيئة تسبق الإرادة. سورة المدثر [٧٤: ٥٦] ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما النّافية.

стр. 5636

﴿يَذْكُرُونَ﴾: أيْ: يتعظون أو يؤمنون أو يقرؤونه. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: أن: للتوكيد؛ يشاء الله: ولم يقل بإذن الله تعالى؛ إن شاء الله: تأتي في سياق الأعمال التي نقوم بها، أو نتدخل بها، وبإذن الله: تأتي في سياق الأعمال التي ليس لنا دخل أو يد؛ أي: خارجة عن إرادتنا. ﴿هُوَ﴾: ضمير يفيد التّوكيد والحصر. ﴿أَهْلُ التَّقْوَى﴾: أيْ: هو المستحق للعبادة والتّقوى وحده والذي يخاف عقابه أو أهل ليهب التقوى لمن يشاء. ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾: تكرار أهل للتوكيد، وأهل المغفرة: الذي بيده ملكية المغفرة يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، وهو وحدَه القادر على أن يغفر الذّنوب مهما كانت ولا يعاقب عليها، ويثيب على الحسنات، وأهلٌ لأن يهب المغفرة لمن يتقيه.

стр. 5637

سورة القيامة [٧٥: ١] سورة القيامة ترتيبها في القرآن (٧٥) وترتيبها في النّزول (٣١). ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: لنعلم أن الله غني عن القسم، والقسم إنما يشير إلى عظمة وأهمية المقسم به وجواب القسم: كما قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]. ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١]. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨]. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق: ١٦]. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥]. ويوم القيامة: يوم يقوم الناس لرب العالمين؛ أي: يبعثوا من قبورهم للحساب والجزاء، ويوم القيامة له أسماء كثيرة منها: يوم الحشر، يوم الجمع، يوم التلاق … وغيرها. فقد جاءت (لا) أقسم في ثماني آيات، وجاءت لا قبل فعل القسم (أقسم) في كل هذه الآيات واختلف علماء النحو في إعراب (لا)، فمنهم من قال: (لا)

стр. 5638

زائدة يمكن حذفها، وتفيد زيادة توكيد القسم فمعنى لا أقسم بيوم القيامة؛ أي: أقسم بيوم القيامة بالتوكيد. ومنم من قال: (لا) النافية لما قبلها أي: نافية لأمر ذكر قبل القسم مثل إنكارهم للبعث والحساب والحشر أيْ: (لا) ليس الأمر كما تنكرونه وأقسم بما تنكرونه. أو لا أقسم بذلك الأمر إلا إعظاماً له. أو للتأكيد عن طريق النفي كقولك: لا أحتاج أن أوصيك بفلان. ومنهم من قال: (لا) النافية لما بعدها: مثل قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١]. ﴿بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: يوم: ظرف زمان، القيامة: يوم البعث من القبور والبعث سيكون من الأرض الجديدة مصدر قام يقوم وأدخل عليها التّاء للمبالغة، وسمِّيت بذلك لقيام النّاس لرب العالمين، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] أو لما يقوم فيها من الأهوال والأحداث العظام، وورد هذا الاسم يوم القيامة في سبعين آية من آيات القرآن الحكيم. سورة القيامة [٧٥: ٢] ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾: ﴿وَلَا أُقْسِمُ﴾: الواو عاطفة، لا أقسم: ارجع إلى الآية السابقة. أيْ: أقسم بيوم القيامة وأقسم بالنّفس اللوامة: أي: النّفس التي تلوم صاحبها على تقصيره: إن أحسنت لامت صاحبها على عدم الزّيادة في الإحسان والعمل الصّالح، وإن أساءت لامت صاحبها على ذنوبه وتقصيره. والنّفس اللوامة قد يكون صاحبها مؤمناً تقيّاً أو ظالماً أو غيره، واللوامة: أي: الدّائمة اللوم أو المبالغة، أيْ: كثيرة اللوم ولنعلم أن النّفس الواحدة تتقلَّب

стр. 5639

أو تمر بمراحل، أو أزمنة فيطلق عليها تارة النّفس الأمارة بالسّوء أو اللوامة أو النّفس المطمئنة. أو هناك من الأنفس طبيعتها الأمر بالسوء، وأخرى لوامة، أو مطمئنة وجواب القسم محذوف، وجوابه أن يوم القيامة حق وواقع لا محالة أيْ: لتبعثنَّ ولتنبئنَّ بما عملتم. سورة القيامة [٧٥: ٣] ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّنْ نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾: ﴿أَيَحْسَبُ﴾: الهمزة للاستفهام والتّوبيخ والتّقريع، حسب ويعني: يظن الظّن الرّاجح، وحسب من الحسبان المبني على الحساب والمعرفة. ﴿الْإِنسَانُ﴾: الكافر أو المنكر للبعث أو يوم القيامة. ﴿أَلَّنْ﴾: أصلها أن: للتوكيد، لا النّافية. ﴿نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾: أيْ: نُنشزها ونكسوها لحماً ونعيدها كما كانت في الخلق الأوّل أو نجمعها بعد أن تفرقت وكانت تراباً ورفاتاً. هذه الآية قيل: هي جواب القسم المحذوف وتقديره: لتبعثنَّ ولنجمعنَّ عظامه. سورة القيامة [٧٥: ٤] ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُّسَوِّىَ بَنَانَهُ﴾: ﴿بَلَى﴾: حرف جواب. ﴿قَادِرِينَ عَلَى أَنْ﴾: أن حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿نُّسَوِّىَ بَنَانَهُ﴾: أيْ: لسنا نحن فقط قادرين على أن نجمع عظامه، بل قادرين أن نرد بنانه أيْ: أصابعه وأنامله التي في يديه وقدميه، والسّر في اختيار هذه العظام لكونها تحمل بصمات أصابع يديه ورجليه التي تحمل هويته الخاصة به.

стр. 5640

والتي تختلف من إنسان إلى إنسان وتميزه عن غيره من طلاقة القدرة الإلهية أنه لا توجد بصمة تشابه الأخرى حتى التوائم، وكذلك هناك (٨) عظام في الرسغ، وكل أصبع ثلاث سلاميات ما عدا الإبهام فهو سلاميتان، هذه العظام الصغيرة والقادرة على حمل الأوزان الثقيلة، وكذلك عظام القدمين (٨) عظام إضافة إلى عظام الأصابع ثلاث عظمات في كل أصبع أو سلامة، أي: قادرين على أن نعيد بناء جسمه المركب من هذه العظام الصغيرة وغيرها. سورة القيامة [٧٥: ٥] ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: ﴿بَلْ﴾ للإضراب الانتقالي. ﴿يُرِيدُ الْإِنسَانُ﴾: الإنسان الظالم أو الكافر. ﴿لِيَفْجُرَ﴾: اللام لام التوكيد على إرادته الفجور، والفجور هو الإسراف في الكفر والإلحاد والعصيان وعدم التصديق بالبعث والحساب أو يقوم الذنوب ولا يتوب. ﴿أَمَامَهُ﴾: في حياته، أو المستقبل، وهذا يدل على أنّه يريد المداومة على شهواته وفجوره والعجلة في الوصول إليها إلى ذلك. سورة القيامة [٧٥: ٦] ﴿يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾: ﴿يَسْئَلُ أَيَّانَ﴾: أيان: للاستفهام على الزّمان وتعني: (متى) وفيها معنى الاستبعاد لقيام يوم القيامة، يسئل سؤال إنكار وتكذيب أو استهزاء، كقوله لغيره: أتصدق أنّ هناك يوم قيامة، أو من قال لك أنّ هناك يوم قيامة. سورة القيامة [٧٥: ٧] ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾: برق البصر: أيْ: زاغ البصر.
следующие страницы →