← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

﴿يَذْكُرُونَ﴾: أيْ: يتعظون أو يؤمنون أو يقرؤونه. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: أن: للتوكيد؛ يشاء الله: ولم يقل بإذن الله تعالى؛ إن شاء الله: تأتي في سياق الأعمال التي نقوم بها، أو نتدخل بها، وبإذن الله: تأتي في سياق الأعمال التي ليس لنا دخل أو يد؛ أي: خارجة عن إرادتنا. ﴿هُوَ﴾: ضمير يفيد التّوكيد والحصر. ﴿أَهْلُ التَّقْوَى﴾: أيْ: هو المستحق للعبادة والتّقوى وحده والذي يخاف عقابه أو أهل ليهب التقوى لمن يشاء. ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾: تكرار أهل للتوكيد، وأهل المغفرة: الذي بيده ملكية المغفرة يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، وهو وحدَه القادر على أن يغفر الذّنوب مهما كانت ولا يعاقب عليها، ويثيب على الحسنات، وأهلٌ لأن يهب المغفرة لمن يتقيه.

стр. 5637

سورة القيامة [٧٥: ١] سورة القيامة ترتيبها في القرآن (٧٥) وترتيبها في النّزول (٣١). ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: لنعلم أن الله غني عن القسم، والقسم إنما يشير إلى عظمة وأهمية المقسم به وجواب القسم: كما قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]. ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١]. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨]. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق: ١٦]. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥]. ويوم القيامة: يوم يقوم الناس لرب العالمين؛ أي: يبعثوا من قبورهم للحساب والجزاء، ويوم القيامة له أسماء كثيرة منها: يوم الحشر، يوم الجمع، يوم التلاق … وغيرها. فقد جاءت (لا) أقسم في ثماني آيات، وجاءت لا قبل فعل القسم (أقسم) في كل هذه الآيات واختلف علماء النحو في إعراب (لا)، فمنهم من قال: (لا)

стр. 5638

زائدة يمكن حذفها، وتفيد زيادة توكيد القسم فمعنى لا أقسم بيوم القيامة؛ أي: أقسم بيوم القيامة بالتوكيد. ومنم من قال: (لا) النافية لما قبلها أي: نافية لأمر ذكر قبل القسم مثل إنكارهم للبعث والحساب والحشر أيْ: (لا) ليس الأمر كما تنكرونه وأقسم بما تنكرونه. أو لا أقسم بذلك الأمر إلا إعظاماً له. أو للتأكيد عن طريق النفي كقولك: لا أحتاج أن أوصيك بفلان. ومنهم من قال: (لا) النافية لما بعدها: مثل قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١]. ﴿بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: يوم: ظرف زمان، القيامة: يوم البعث من القبور والبعث سيكون من الأرض الجديدة مصدر قام يقوم وأدخل عليها التّاء للمبالغة، وسمِّيت بذلك لقيام النّاس لرب العالمين، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] أو لما يقوم فيها من الأهوال والأحداث العظام، وورد هذا الاسم يوم القيامة في سبعين آية من آيات القرآن الحكيم. سورة القيامة [٧٥: ٢] ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾: ﴿وَلَا أُقْسِمُ﴾: الواو عاطفة، لا أقسم: ارجع إلى الآية السابقة. أيْ: أقسم بيوم القيامة وأقسم بالنّفس اللوامة: أي: النّفس التي تلوم صاحبها على تقصيره: إن أحسنت لامت صاحبها على عدم الزّيادة في الإحسان والعمل الصّالح، وإن أساءت لامت صاحبها على ذنوبه وتقصيره. والنّفس اللوامة قد يكون صاحبها مؤمناً تقيّاً أو ظالماً أو غيره، واللوامة: أي: الدّائمة اللوم أو المبالغة، أيْ: كثيرة اللوم ولنعلم أن النّفس الواحدة تتقلَّب

стр. 5639

أو تمر بمراحل، أو أزمنة فيطلق عليها تارة النّفس الأمارة بالسّوء أو اللوامة أو النّفس المطمئنة. أو هناك من الأنفس طبيعتها الأمر بالسوء، وأخرى لوامة، أو مطمئنة وجواب القسم محذوف، وجوابه أن يوم القيامة حق وواقع لا محالة أيْ: لتبعثنَّ ولتنبئنَّ بما عملتم. سورة القيامة [٧٥: ٣] ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّنْ نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾: ﴿أَيَحْسَبُ﴾: الهمزة للاستفهام والتّوبيخ والتّقريع، حسب ويعني: يظن الظّن الرّاجح، وحسب من الحسبان المبني على الحساب والمعرفة. ﴿الْإِنسَانُ﴾: الكافر أو المنكر للبعث أو يوم القيامة. ﴿أَلَّنْ﴾: أصلها أن: للتوكيد، لا النّافية. ﴿نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾: أيْ: نُنشزها ونكسوها لحماً ونعيدها كما كانت في الخلق الأوّل أو نجمعها بعد أن تفرقت وكانت تراباً ورفاتاً. هذه الآية قيل: هي جواب القسم المحذوف وتقديره: لتبعثنَّ ولنجمعنَّ عظامه. سورة القيامة [٧٥: ٤] ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُّسَوِّىَ بَنَانَهُ﴾: ﴿بَلَى﴾: حرف جواب. ﴿قَادِرِينَ عَلَى أَنْ﴾: أن حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿نُّسَوِّىَ بَنَانَهُ﴾: أيْ: لسنا نحن فقط قادرين على أن نجمع عظامه، بل قادرين أن نرد بنانه أيْ: أصابعه وأنامله التي في يديه وقدميه، والسّر في اختيار هذه العظام لكونها تحمل بصمات أصابع يديه ورجليه التي تحمل هويته الخاصة به.

стр. 5640

والتي تختلف من إنسان إلى إنسان وتميزه عن غيره من طلاقة القدرة الإلهية أنه لا توجد بصمة تشابه الأخرى حتى التوائم، وكذلك هناك (٨) عظام في الرسغ، وكل أصبع ثلاث سلاميات ما عدا الإبهام فهو سلاميتان، هذه العظام الصغيرة والقادرة على حمل الأوزان الثقيلة، وكذلك عظام القدمين (٨) عظام إضافة إلى عظام الأصابع ثلاث عظمات في كل أصبع أو سلامة، أي: قادرين على أن نعيد بناء جسمه المركب من هذه العظام الصغيرة وغيرها. سورة القيامة [٧٥: ٥] ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: ﴿بَلْ﴾ للإضراب الانتقالي. ﴿يُرِيدُ الْإِنسَانُ﴾: الإنسان الظالم أو الكافر. ﴿لِيَفْجُرَ﴾: اللام لام التوكيد على إرادته الفجور، والفجور هو الإسراف في الكفر والإلحاد والعصيان وعدم التصديق بالبعث والحساب أو يقوم الذنوب ولا يتوب. ﴿أَمَامَهُ﴾: في حياته، أو المستقبل، وهذا يدل على أنّه يريد المداومة على شهواته وفجوره والعجلة في الوصول إليها إلى ذلك. سورة القيامة [٧٥: ٦] ﴿يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾: ﴿يَسْئَلُ أَيَّانَ﴾: أيان: للاستفهام على الزّمان وتعني: (متى) وفيها معنى الاستبعاد لقيام يوم القيامة، يسئل سؤال إنكار وتكذيب أو استهزاء، كقوله لغيره: أتصدق أنّ هناك يوم قيامة، أو من قال لك أنّ هناك يوم قيامة. سورة القيامة [٧٥: ٧] ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾: برق البصر: أيْ: زاغ البصر.

стр. 5641

هذه الآية والآيات القادمة هي جواب للسائل المنكر أو المستبعد أيان يوم القيامة، أيْ: ما على السّائل إلا أن ينتظر قليلاً حتّى يرى بصره يزيغ ويتحيَّر إمّا عند موته، والأرجح يوم القيامة حين يرى الأهوال والعجائب التي كذب بها في الدّنيا أمام عينيه؛ مما يؤدِّي إلى تحيُّره فزعاً ودهشة. سورة القيامة [٧٥: ٨] ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾: ذهب نوره أيْ: أظلم لم يعد يعكس الضّوء وتعطل أو خرج عن فلكه. سورة القيامة [٧٥: ٩] ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾: فقد تبيَّن للعلماء أن القمر يبتعد عن الأرض (٣ - ٤ سم) كل سنة، فلا بُدَّ أن تأتي لحظة أو زمن سيخرج القمر عن نطاق جاذبية الأرض وتبتلعه الشمس. سورة القيامة [٧٥: ١٠] ﴿يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾: وفي ذلك اليوم؛ أي: يوم القيامة الذي يبرق فيه البصر ويخسف القمر ويجمع الشّمس والقمر يقول الإنسان أين المفر. ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾: استفهام حقيقي عن المكان. ﴿الْمَفَرُّ﴾: اسم مكان، مكان للفرار أو أين الملجأ أو المفر من عذاب الله. سورة القيامة [٧٥: ١١] ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾: ﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر له عن طلب الفرار أو الملجأ. ﴿لَا وَزَرَ﴾: لا النّافية، وزر: ملجأ مثل الجبل أو الحصن لكي يأوي إليه أو يعتصم به. هناك فرق بين الوِزر والوَزَر: الوَزر: الملجأ أو الحصن، الوِزْر: جمعه أوْزار: أيْ: آثام وذنوب.

стр. 5642

سورة القيامة [٧٥: ١٢] ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾: تقديم الجار والمجرور (إلى ربك) يفيد الحصر أيْ: إلى ربك المصير أو المرجع أو المنتهى. ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾: الرّب هو الخالق والرّازق والمنعم والمربي والمدبر الذي يحتاج إليه الفار. ﴿الْمُسْتَقَرُّ﴾: مكان الاستقرار (الجنة والنّار). سورة القيامة [٧٥: ١٣] ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنسَانُ﴾: النبأ: هو الخبر العظيم. الإنسان: المؤمن أو الكافر، المطيع والعاصي. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم القيامة آنذاك. ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾: بما: الباء للإلصاق ما اسم موصول بمعنى الذي وما أوسع شمولاً من الذي. قدَّم: من أعمال حسنة وسيئة أو خير أو شرٍّ. وأخَّر: بعد موته من صدقة جارية. أو أخَّر من حج أو عمرة أو زكاة أو دين. سورة القيامة [٧٥: ١٤] ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾: ﴿بَلِ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾: أيْ: هو حُجَّة على نفسه أو تشهد عليه أعضاؤه بالسوء أو تشهد له بالخير، شاهد على نفسه ومراقب لها، أو شديد المعرفة

стр. 5643

لنفسه يعلم ما قدَّمت يداه، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَّفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١]. سورة القيامة [٧٥: ١٥] ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: لو: شرطية. ﴿أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: جمع معذرة: جاء بكل معذرة ليعتذر بها أو يجادل بها عن نفسه جواب الشرط محذوف تقديره ما قبلت منه أو لن تنفعه أو لا يؤذن له ليعتذر. سورة القيامة [٧٥: ١٦] ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾: لا النّاهية، به: تعود على القرآن. كان ﷺ خوفاً من أن يتفلت منه القرآن وحرصاً على حفظه يسارع جبريل ﵇ ولا يصبر حتى يتم جبريل التّلاوة أو القراءة عليه فينازع جبريل القراءة، أيْ: يبدأ يقرأ، ولم يتم جبريل قراءته فأوصاه الله تعالى في هذه الآية أن ينصت ويستمع إلى جبريل بقلبه وسمعه حتّى ينتهي جبريل من التّلاوة أو القراءة، لتعجل به: اللام لام التّعليل أيْ: لا تقرأ وجبريل يقرأ. سورة القيامة [٧٥: ١٧] ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد علل النّهي عن العجلة بقوله: إنا علينا جمعه وقرآنه. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾: أيْ: تعهد الله سبحانه وتكفل أن يجمع القرآن في صدر رسوله ﷺ سواء بالحفظ أو النطق الصحيح وبحفظه مكتوباً أو بحفظه في صدور الناس. سورة القيامة [٧٥: ١٨] ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: ﴿فَإِذَا﴾: إذا ظرفية شرطية تستعمل للأمور المتحقق وقوعها.

стр. 5644

﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: أيْ: إذا قرأه جبريل عليك فاتبع قراءة جبريل واستمع وأنصت إليه حتى يتم، وقيل: فاتبع قرآنه أي: اعمل به وأحل حلاله وحرم حرامه. سورة القيامة [٧٥: ١٩] ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب الذّكري. ﴿بَيَانَهُ﴾: بيان ما فيه من أحكام وشرائع وحلال وحرام وحدود أو بيان ما اشتبه عليك من معانيه أو أحكامه، المبين هو جبريل ﵇، والمبين له هو رسول الله ﷺ ، وتقديم علينا (الجار والمجرور) يفيد الاختصاص، فالله سبحانه مختص ببيانه، أو بيانه تعني تتلوه، كما يتلوه جبريل ﵇، وبلسان عربي مبين.

стр. 5645

سورة القيامة [٧٥: ٢٠] ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾: ﴿كَلَّا﴾: قد تعني حقاً أيْ: حقاً، أو كلا: كلمة ردع لا تعجل به يا محمد وتحرك به لسانك وعليك بالأناة والصبر، وكما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]. ﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾: بل: للإضراب الانتقالي؛ تحبون العاجلة؛ أي: الحياة الدّنيا القريبة مقارنة بالآخرة البعيدة؛ لكي لا يغتر بالحياة الدنيا العاجلة لقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، ولا يعني ذلك: أن الله خلقه عجولاً، وإنما كثرة عجلته والدوام عليها يظن من ينظر إليه كأنه خلق عجولاً. سورة القيامة [٧٥: ٢١] ﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾: ﴿وَتَذَرُونَ﴾: من فعل ذر: أيْ: ترك بسرعة وعجلة أي: لا تستعدُّون لها ولا تهتمون بها. ﴿الْآخِرَةَ﴾: أي: دار الآخرة دار القرار التي تحول الوجوه إلى وجوه ناضرة أو وجوه باسرة. سورة القيامة [٧٥: ٢٢] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾: ﴿وُجُوهٌ﴾: مجاز مرسل أطلق الجزء وأراد به الكل؛ أي: الذات أو النفس.

стр. 5646

﴿نَاضِرَةٌ﴾: من النّضارة وهي الحسن أيْ: وجوه مشرقة دلالة على رضى وسرور النفس ومضيئة بنور الإيمان والأعمال الصّالحة. تقديم ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يفيد الاختصاص أي: في ذلك اليوم خاصة. سورة القيامة [٧٥: ٢٣] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾: تقديم الجار والمجرور إلى يفيد الحصر أو الاختصاص أيْ: لا تلتفت يمنة أو يسرة إلا إليه وتمعن النّظر إليه سبحانه. ﴿نَاظِرَةٌ﴾: وهذا هو أعظم النّعيم والغاية العظمى والدّرجة العليا في الآخرة، وناظرة: مؤنث ناظر اسم فاعل من نظر، والنظر إلى الله سبحانه من الغيب، نظر يليق بجلاله وعظمته. سورة القيامة [٧٥: ٢٤] ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾: ﴿بَاسِرَةٌ﴾: مؤنث باسر والباسر اسم فاعل من بسر والباسر: شديد العبوس، باسرة من البَسْر: وهو تقبض عضلات الجبين وما بين العينين، أي: عابسة بشدة، فالانقباض يؤدِّي إلى قلة التّروية الدّموية في الوجه؛ مما يؤدِّي إلى تغير لون الوجه والزّرقة أو اللون الشّاحب والبَسْر. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: وتقديم يومئذ يفيد الاختصاص أيْ: في ذلك اليوم خاصة تراها باسرة. سورة القيامة [٧٥: ٢٥] ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾: ﴿تَظُنُّ﴾: من الظّن التردد الراجح وهو الذي ترجح فيه كفة الإثبات والعلم على النّفي، تظن أيْ: تعلم علم اليقين أو تتوقع.

стр. 5647

﴿أَنْ﴾: للتعليل. ﴿يُفْعَلَ بِهَا﴾: الفاعل مبني للمجهول، ولا يجوز نسب الضّر والسّوء إلى الله سبحانه الغني عن ذلك. ﴿يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾: فاقرة مأخوذة من الفقار وهي عظام الظّهر المركب من فقرات، وفاقرة داهية عظيمة أو مصيبة ستحل به وتقصم ظهره؛ أيْ: تكسر فقار ظهره، أو فاقرة مأخوذة من الفقر، أو الفاقرة الحدث الجلل الذي يؤدِّي إلى شلل كامل في العمود الفقري فلا يقوى بعدها على الوقوف. سورة القيامة [٧٥: ٢٦] ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِىَ﴾: ﴿كَلَّا﴾: حقاً، أو كلمة ردع وزجر. ﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية حتمية الحدوث. ﴿بَلَغَتِ التَّرَاقِىَ﴾: أي: الرّوح إذا انتزعت من أي إنسان وبلغت أيْ: وصلت التّراقي: جمع ترقوة أيْ: عظم التّرقوة، ولكل إنسان عظمان، كلّ منهما يسمَّى عظم التّرقوة على مستوى أسفل العنق، أو أعلى الصّدر، وفي آية أخرى ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣]، ﴿تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٧]، وموقع الحلقوم أعلى من موقع عظم الترقوة. ترجعونها؛ أي: هل أنتم قادرون على إرجاعها إلى الجسم بعد انتزاعها منه. سورة القيامة [٧٥: ٢٧] ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾: ﴿وَقِيلَ﴾: مبني للمجهول (ليس المهم معرفة القائل وإنما المقولة). ﴿مَنْ﴾: استفهامية استغراقية.

стр. 5648

﴿رَاقٍ﴾: راق: اسم فاعل من فعل رقى بمعنى يرقيه أيْ: يقرأ عليه الرُّقية كي يشفى ويُعيد إليه روحه بعد انتزاعها أو من يصعد أو يرقى بروحه إلى السّماء؛ أيْ: هل من رجل صالح أو طبيب يشفيه أو ملك يصعد بروحه إلى السّماء. سورة القيامة [٧٥: ٢٨] ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾: ﴿وَظَنَّ﴾: أيْ: تيقن وعلم أنّه الفراق. ﴿الْفِرَاقُ﴾: فراق الدّنيا والأهل والمال. سورة القيامة [٧٥: ٢٩] ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾: ﴿السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾: عند العرب كناية عن الشّدة أي: اجتمعت الشّدائد وصعب الكرب لمفارقة الأهل والمال والدّار والإخلاء أو جاءت سكرات الموت. ﴿وَالْتَفَّتِ﴾: فعل ماض أي: انتهى الأمر والتفت السّاق بالسّاق بالكفن أو تيبستا ولم تتحركا كأنّه أصابهما شلل ولم يعد فيهما فائدة أو حركة. سورة القيامة [٧٥: ٣٠] ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾: ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، الأصل يومئذ إلى ربك المساق. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم القيامة الصّغرى، أو يوم تلتف السّاق بالسّاق. ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾: إليه وحده فقط المساق، المساق مصدر ميمي من فعل ساق، المساق: أي: السّوق إلى أرض المحشر للحساب والجزاء.

стр. 5649

سورة القيامة [٧٥: ٣١] ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾: تعود على الإنسان المكذب بالحساب والبعث. وقيل: نزلت هذه الآية في أبي جهل والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب. ﴿فَلَا صَدَّقَ﴾: الفاء استئنافية، لا النّافية، صدق: بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولا صدق بالقرآن والبعث والحساب أو برسول الله ﷺ . ﴿وَلَا صَلَّى﴾: تكرار (لا) يفيد توكيد النّفي وفصل التّصديق عن الصّلاة أو كلاهما معاً لم يصدق، ولم يصلِّ معاً لم يصلِّ لربه الصلاة المفروضة التي هي أهم العبادات، وقدَّم التّصديق على الصّلاة؛ لأن الإيمان بالله هو الأساس وهو أكبر جرماً وضلالاً من ترك الصّلاة. سورة القيامة [٧٥: ٣٢] ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: ﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك وتوكيد. ﴿كَذَّبَ﴾: بالله وآياته (القرآن) وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث والحساب. ﴿وَتَوَلَّى﴾: ابتعد وأعرض عن عبادة ربه وتولى عن الصّلاة والزّكاة والصّيام والحج. سورة القيامة [٧٥: ٣٣] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾: ﴿ثُمَّ﴾: قد تفيد التّرتيب العددي أو التّوكيد.

стр. 5650

﴿ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾: أيْ: لم يكتف بعدم التّصديق والإيمان وعدم الصّلاة وعبادة الله وطاعته، بل زاد على ذلك أنّه ذهب إلى أهل يتمطى يمد خطاه، وقيل: المطا: الظهر أيْ: يختال ويتبختر معجباً بنفسه مسروراً أنه آذى رسول الله ﷺ أو أصحاب رسول الله ﷺ أو تمادى في كفره وفجوره. سورة القيامة [٧٥: ٣٤] ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾: ﴿أَوْلَى لَكَ﴾: أي: الويل لك يا من لم تصدق وتصلي وكذبت وتوليت وتعاليت، فأولى للتوكيد، وقيل: أولى لك فأولى: دعاء عليه بالهلاك والشّر العاجل أو تهديد ووعيد. ﴿أَوْلَى﴾: مشتقة من الوَلْي: وهو القرب قرب وقوع الهلاك أيْ: يا هلاكك يا مصيبتك، أو ويلك الويل أو أولاك عجَّل الله لك الهلاك أو العذاب المرة بعد المرة. أولى لك: حياً؛ أي: في الدّنيا، أي: الويل لك في حياتك الدنيا والويل لك عند موتك. ﴿فَأَوْلَى﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، فأولى؛ أي: الويل لك في حياة البرزخ والويل لك عند البعث. سورة القيامة [٧٥: ٣٥] ﴿ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾: ﴿ثُمَّ﴾: تفيد التّرتيب والتّراخي في الزّمن. ﴿أَوْلَى لَكَ﴾: يا هلاكك ومصيبتك يوم البعث والحشر أو ويل لك يوم البعث والحشر، أو في يوم القيامة.

стр. 5651

﴿فَأَوْلَى﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، فأولى أيْ: في النّار أيْ: ويل لك أو يا هلاكك في النّار. سورة القيامة [٧٥: ٣٦] ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾: ﴿أَيَحْسَبُ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ﴾: من حسب أيْ: ظن الظّن الرّاجح القائم على حساب ونظر وتجربة أنه خلق عبثاً أو سدى، ولذلك فهو ينكر البعث والحساب. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿يُتْرَكَ سُدًى﴾: أيْ: أن يترك مهملاً فلا يكلف في الدّنيا ولا يجزى في الآخرة ولا يؤمر ولا يُنهى وأسدى الشّيء: أيْ: أهمله، وإبل سُدى أيْ: إبل مهمة بلا راع؛ أي: يترك بلا مراقبة أو رعاية ومحاسبة في الآخرة. سورة القيامة [٧٥: ٣٧] ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَّنِىٍّ يُمْنَى﴾: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام. ﴿يَكُ﴾: ولم يقل: يكن أو يكون، يك تدل على مبدأ الشّيء ولم يتطور بعد أو دور التّكوين لم يكتمل بعد؛ لأنّ يك تمثل بداية تطور الجنين. ﴿نُطْفَةً مِنْ مَّنِىٍّ يُمْنَى﴾: أيْ: من نطفة الرّجل أي: الحيوان المنوي والذي يحتاج إلى البويضة ليلقحها، فالنّطفة غير كاملة حتّى يندمج الحيوان المنوي مع البويضة، من: ابتدائية أيْ: ماء دافق يخرج من بين الصّلب والتّرائب يُمنى: يُخصب.

стр. 5652

سورة القيامة [٧٥: ٣٨] ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾: ﴿ثُمَّ﴾: تدل على التّباين بين مرحلة النّطفة ومرحلة العلقة، أو تدل على التّرتيب العددي. ﴿فَخَلَقَ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، خلق: الخلق هو التقدير والإيجاد. ﴿فَسَوَّى﴾: فصار خلقاً سوياً سليم الأعضاء. سورة القيامة [٧٥: ٣٩] ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾: ﴿فَجَعَلَ﴾: الفاء تدل على التّرتيب والتّعقيب. ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ﴾: منه تعود على المني، جعل: الجعل يكون بعد الخلق، الخلق يكون من المني أي: النّطفة، والمني المكون من أكثر من (١٠٠ مليون) حيوان منوي، وفقط واحد من هذه يكون قادراً على اختراق البُويضة للإخصاب. ومن المني (ماء الرّجل) يتكون (الذّكر والأنثى) أي: الزّوجان وليس للأنثى دخل في تشكل الذّكر أو الأنثى؛ إذاً الذي يحدد جنس المولود ذكر أو أنثى هو مني الرجل وليس المرأة؛ مني الرجل الحاوي على (كروموزومات) منها واحد هو يحدد كون المولود ذكراً أو أنثى، وهذا من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الدالة على القرآن منزل من الخالق، ولنعلم أنّه في المراحل الأولية من تطور الجنين لا تعرف هويته ذكر أو أنثى إلا بعد مرور فترة من الزّمن تقدر بـ (١٤) أسبوعاً في غالب الأحيان.

стр. 5653

سورة القيامة [٧٥: ٤٠] ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحِْىَ الْمَوْتَى﴾: ﴿أَلَيْسَ﴾: الهمزة للاستفهام التّقريري من يخلق ذلك اسم إشارة إلى من يخلق المني ويجعله نطفة ويجعل منه الزوجين الذكر والأنثى. ﴿بِقَادِرٍ عَلَى﴾: الباء للإلصاق والتّوكيد، قادر من القدرة والاستطاعة على: على تفيد المشقة والعلوية؛ أي: قادر على أن يفعل ما يشاء، وفي آيات أخرى وصف الله سبحانه ذاته بالقدير للمبالغة في قدرته، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾، وكذلك وصف ذاته بالمقتدر كما في سورة القمر الآية (٥٥) ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿يُحِْىَ الْمَوْتَى﴾: أيْ: يبعث الموتى من جديد وينشئُهم أيْ: يُحييهم كالنّشأة الأولى؟ الجواب: بلى سبحانه قادر على كل شيء إثبات عن طريق التّقرير.

стр. 5654

سورة الإنسان [٧٦: ١] سورة الإنسان ترتيبها في القرآن (٧٦) ترتيبها في النّزول (٩٨). ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾: ﴿هَلْ﴾: استفهام يفيد أو بمعنى التّقرير جاءت بصيغة السّؤال بدلاً من صيغة الخبر، وطلب من القارئ أن يجيب بنفسه على هذا السّؤال، ولا يجوز القول: هل معناها قد كما قال البعض؛ لأنّ ذلك يعني: أن المتكلم قرَّر ذلك، وأخبر بنفسه وغير القصد من المعنى بينما الحقيقة السائل يريد من المستمع أن يجيب على السؤال ويقر بذلك. ﴿أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾: أتى: تعني المجيء بسهولة بعكس جاء على الإنسان: اسم جنس يعني: ولد آدم ومشتقة من الأنس يأنس بغيره، أو لأنّه غير مختف كالجن فهو يُبصر ويُرى، حينٌ: الحين هو زمن غير محدَّد مهما كان طوله أو قصره. ﴿لَمْ﴾: للنفي.

стр. 5655

﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾: هنا احتمالان: يحتمل أنّه لم يكن شيئاً، ويحتمل أنّه كان شيئاً ولم يكن مذكوراً. وقيل: الإنسان هنا يعني: آدم ﵇، والحين الذي مرَّ عليه (٤٠) سنة كان مصوراً من طين، ثم من حمأ مسنون، ثم صلصال كالفخار، لا يذكر ولا يعرف ولا يُدرى ما اسمه، إلى أن نفخ فيه الرّوح، وقيل: الإنسان حين يكون في أصلاب الآباء، وقبل أن يصبح نطفة، ثمّ علقة، ثمّ مضغة. لم يكن شيئاً مذكوراً، وجاءت سورة الإنسان لتذكر الإنسان بخلقه، ثمّ بتزويده بطاقات السّمع والبصر، ثمّ هدايته السّبيل، ثمّ جزاء الكافرين وجزاء الأبرار والنّعيم الذي ينتظرهم ونددت بحب الدّنيا وحثت على الصبر وأن القرآن تذكرة ومنزل من الله رب العالمين. ارجع إلى سورة مريم آية (٦٧) لمعرفة الفرق بين قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧]. سورة الإنسان [٧٦: ٢] ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ﴾: إنّا للتعظيم، الخلق: التّقدير الإنسان. ارجع إلى الآية السّابقة. ﴿مِنْ نُّطْفَةٍ﴾: من مني الرّجل والمرأة. ﴿أَمْشَاجٍ﴾: أخلاط من ماء الرّجل وماء المرأة (من المني والبويضة) تتطور طوراً بعد طور لتكون الجنين، وأما الأضغاث: جمع ضغث كما في سورة ص

стр. 5656

الآية (٤٤): ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِهِ﴾، أو قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤]، والتي تدل على اختلاط وتداخل وغير واضحة، وأما الأمشاج: فهي واضحة، ومميزة رغم اختلاطها. ﴿نَّبْتَلِيهِ﴾: لكي نختبره بالتّكاليف الشّرعية بعد سن البلوغ. ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾: جعلنا له حاسة السّمع وحاسة البصر والفاء فاء السّببية، وقدَّم السّمع على البصر. ارجع إلى سورة الملك الآية (٢٣) للبيان. سورة الإنسان [٧٦: ٣] ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾: إنّا للتعظيم، هديناه: بينا له الطريق وأرشدناه إلى طريق الهدى والصّلاح والصراط المستقيم (الدِّين)، وبيَّنا له طريق الضّلال والفساد بشتى الوسائل بالعقل والرّسل والأنبياء والكتب المنزلة والآيات الكونية، هديناه السّبيل؛ لنرى هل يكون شاكراً أم يكون كفوراً. ﴿إِمَّا شَاكِرًا﴾: إمّا حرف تفصيل، شاكراً: اسم فاعل من شكر ويدل على الأعم؛ أي: من شكر أكثر من شكور بعكس شكور تدل على كثرة الشكر، فكل شكور شاكر، وليس كل شاكر شكور. ﴿وَإِمَّا كَفُورًا﴾: تكرار إمّا للتوكيد، كفوراً: صيغة مبالغة تدل على كثرة الكفر والوقوع فيه ولم يقل: إمّا شكوراً وإما كفوراً، للمبالغة في الكفر مقارنة بالشكر، وكما قال تعالى: في سورة سبأ الآية (١٣): ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾.

стр. 5657

سورة الإنسان [٧٦: ٤] ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾: إنّا للتعظيم، أعددنا: هيأنا للكافرين اللام لام الاختصاص والاستحقاق. الكافرين: الغير مؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ﴿سَلَاسِلَ﴾: جمع سلسلة كقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِى أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١]، وقوله: ﴿ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢]. ﴿وَأَغْلَالًا﴾: جمع غل تجمع أيديهم إلى أعناقهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ [يس: ٨]. ﴿وَسَعِيرًا﴾: ناراً مستعرة متوقدة، وفي الآية تهديد ووعيد للكافرين. سورة الإنسان [٧٦: ٥] ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾: إنّ للتوكيد، الأبرار: جمع بر والبار يجمع على بررة وأبرار وبررة أبلغ وأعظم من أبرار، والبررة: صفة للملائكة، والأبرار صفة للآدميين، وعباد الله منهم المقربون ومنهم الأبرار، والمقربون أبلغ وأعلى درجة من الأبرار، والبررة: جمع كثرة، وأما الأبرار: جمع قلة مقارنة بالفجار. ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾: من ابتدائية، كأس: قدح فيها خمر مختلط بالكافور وكأس تعني: ملأى. ارجع إلى سورة الواقعة آية (١٨) لمزيد من البيان. ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾: المزاج ما يُمزج به وتعني: الخمر الممزوج بالكافور، والكافور: مادة بيضاء ذات رائحة طيبة فيها برودة ينبع من عين في

стр. 5658

الجنة تنبع بالكافور وكافور الدّنيا هو مجرد اسم لكافور الآخرة، ولا يقارن هذا بذلك، وكافور الآخرة ليس له مثيل في الدّنيا إلا الاسم، وأما الزنجبيل: فيمتاز طيب الطعم واللذة. فالأبرار يشربون من كأس تُحضر إليهم بواسطة الولدان المخلدين أو الغلمان في الجنة، بينما المقربون يشربون بها أيْ: مباشرة من العين نفسها أيْ: هم يقفون أمامها يتمتعون بالنّظر والشّرب معاً.

стр. 5659

سورة الإنسان [٧٦: ٦] ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾: ﴿عَيْنًا﴾: نكرة من عيون الجنة، وعين تجمع على عيون وأعين، وأعين تعني التي نبصر بها، أما عيون فهي التي تنبع بالماء. ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾: أي: المقربون وربما الأبرار يشرب بها: الباء للإلصاق ويشرب بها أيْ: هم حاضرون موجودون على العين يتمتعون بلذة النّظر ولذة الشّرب، وكما قلنا في الآية السّابقة: يشرب منها أيْ: تنقل إليهم فيشربون منها، بينما يشربون بها: يشربون من العين مباشرة. ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾: تنبع بغزارة وقوة ويدل ذلك على التكريم. سورة الإنسان [٧٦: ٧] ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾: أي: الأبرار الذين يؤدون نذورهم والنّذر في الشّرع ما أوجبه المُكلفُ على نفسه لله تعالى مما لم يكن عليه ملزماً، ويوفون جاءت بصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار والتّجدُّد في الوفاء، عباد الله الذين كانوا يوفون بعهودهم ونذورهم في الدّنيا. ﴿وَيَخَافُونَ﴾: بصيغة المضارع كما في يوفون تدل على الاستمرار والتّجدُّد وحكاية الحالة. ﴿يَوْمًا﴾: أي: يوم القيامة أو الحساب.

стр. 5660

﴿كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾: منتشراً يقال: استطار الحريق إذا انتشر أو استطار الغبار أي: انتشر، شره: عذابه شدائده وأهواله منتشرة كما ينتشر الحريق. سورة الإنسان [٧٦: ٨] ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾: الواو: واو العطف ويطعمون: أي: الأبرار عباد الله، يطعمون: بصيغة المضارع التي تدل على التّجدُّد والتّكرار، ولم يقل: وأطعموا الطّعام على حبه: الهاء على حبه تعود إمّا على حب الله تعالى رجاء في ثوابه، أو على حب الطّعام رغم حاجتهم إلى الطّعام وحبهم إليه وشهوتهم والأرجح على حب الطّعام ولا مانع من المعنيين. يطعمون الطّعام: ﴿مِسْكِينًا﴾: المحتاج الذي ليس عنده ما يكفيه. ﴿وَيَتِيمًا﴾: من لا أب له قبل سن البلوغ. ﴿وَأَسِيرًا﴾: الذي أخذه العدو رهينة، وقد يشمل المسجون أو الغريم وغيره. سورة الإنسان [٧٦: ٩] ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد الحصر والتّوكيد. ﴿لِوَجْهِ اللَّهِ﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾: هذا قول عباد الله الذين يطعمون الطّعام على حبه يقولون للذين يطعمونهم؛ نطعمكم: ابتغاء مرضات الله؛ أي: يحدثون أنفسهم بذلك أو نيتهم ابتغاء وجه الله، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.

стр. 5661

﴿لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾: أيْ: لا نسألكم أجراً أو شكراً عليه. سورة الإنسان [٧٦: ١٠] ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾: هذا هو السّبب للإطعام هو أنّا نخاف من ربنا، ونطعمكم لوجه الله هو الغاية من الإطعام. ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾: وصف اليوم بالعبوس بدلاً من الوجوه التي تكون عابسة من عذابه وشدة أهواله وشره، أو يشبه اليوم (يوم القيامة) بالأسد العبوس. ﴿قَمْطَرِيرًا﴾: غليظاً شديداً كريهاً يقال: اقمطر يومنا إذا اشتد عذابه وطال بلاؤه كما يحدث في يوم القيامة. سورة الإنسان [٧٦: ١١] ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾: الفاء عاطفة، وقاهم الله شر ذلك اليوم أيْ: دفع عنهم عذابه، وأنجاهم شر ذلك اليوم العبوس القمطرير بسبب خوفهم منه وإطعامهم لوجه الله تعالى. ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾: أيْ: أكرمهم وجعل أو صيَّر في وجوههم نظرة: بهاءً وبهجةً وسروراً، بدلاً من العبوس. سورة الإنسان [٧٦: ١٢] ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا﴾: وجزاهم: أثابهم، بما: الباء السّببية أو البدلية، وما المصدرية. ﴿صَبَرُوا﴾: صبروا على طاعة الله واجتناب نواهيه وعلى قدره وقضائه وصبروا على الجوع وابتغاء وجه الله تعالى.

стр. 5662

﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾: أثابهم على صبرهم جنة: اسم جنس (تعني: جنات النعيم) واللباس المصنوع من الحرير (السندس والإستبرق). سورة الإنسان [٧٦: ١٣] ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾: جالسين من الاتكاء جالسين براحة وطمأنينة. ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: أي: السرر أو الفرش المُزينة. ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا﴾: فيها في الجنة حر الشّمس الشديد ولا الخفيف. ﴿وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾: (لا) لتوكيد النّفي، زمهريراً: البرد الشّديد، ولا البرد الخفيف. سورة الإنسان [٧٦: ١٤] ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ﴾: قريبة منهم أو تدنو عليهم ظلالها. ﴿ظِلَالُهَا﴾: ظلال أشجار الجنة. ﴿وَذُلِّلَتْ﴾: سخرت وسهلت لهم قطوف ثمار الجنة أو مذللة قطوفها لهم فينالها القائم والقاعد والمضطجع. ﴿قُطُوفُهَا﴾: ثمارها. ﴿تَذْلِيلًا﴾: للتوكيد. مصدر للفعل الرباعي ذلّل. سورة الإنسان [٧٦: ١٥] ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِئَانِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾: يطاف: لم يسم الفاعل في هذه الآية، وسماهم في سورة الواقعة الآية (١٧) فقال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾، وفي سورة الطور الآية (٢٤) قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾؛ أيْ: يُحضر لهم الولدان والغلمان بشكل متكرِّر

стр. 5663

الشراب والطعام في الأواني والأكواب المصنوعة من الفضة، ويطاف يقصد به الآنية، والمشروب، وأما يطوف تأتي في سياق المناول للشراب؛ أي: وصف للطائف، ويطاف وصف للشراب أو الآنية. ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِئَانِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾: أوانٍ من فضة وأكواب من أقداح بلا عُرى (لا عروة لها) زجاجية. ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾: كانت زجاجية، القوارير: جمع قارورة والقارورة تطلق على إناء الزّجاج. سورة الإنسان [٧٦: ١٦] ﴿قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾: ﴿قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ﴾: قوارير من فضة في صفاء الزّجاج أيْ: مصنوعة من زجاج وفضة. ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾: لها مقادير أو مقاييس مختلفة حسب ما يختارون أو على قدر حاجة الشّارب من غير زيادة أو نقصان. سورة الإنسان [٧٦: ١٧] ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾: ﴿وَيُسْقَوْنَ﴾: أيْ: هم يعطون الكأس ليشربوا منها أو يشربون بأنفسهم وهذا أفضل من يُسقون فيها في الجنة. ﴿كَأْسًا﴾: القدح يسمَّى كأساً أو الشّراب نفسه يسمَّى كأساً، كأس من معين: كاس من خمر، كاس دهاقاً: كأس ممتلئة (ملأى). ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾: أيْ: الشراب الذي يمزج بالزّنجبيل أو يمزج بالكافور، كما رأينا في مطلع السّورة، الزّنجبيل نبات معروف بطيب الرّائحة، فإذا شرب

стр. 5664

الشّراب الممزوج بالكافور، ثمّ بالزّنجبيل بعد الكافور أحدهما على أثر الآخر أكمل وأطيب وألذ أو يشرب كلاً على حِدَةٍ، أمّا شراب المقربين، فقيل: لا يمزج فهو شراب خالص. سورة الإنسان [٧٦: ١٨] ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾: ﴿سَلْسَبِيلًا﴾: من سلسل وسلسال وأضيفت الباء للمبالغة والدّلالة على غاية السّلاسة. ﴿عَيْنًا فِيهَا﴾: هي عين السّلسبيل تنبع بالماء أو الشّراب اللذيذ السّهل البلع. سورة الإنسان [٧٦: ١٩] ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ﴾: ولم يقل: أولاد وفي آية أخرى يطوف عليهم غلمان لهم، الغلمان: الولدان: جمع قلة فقط الغلمان؛ الولدان: جمع قلة فقط الذّكور الصّغار في السّن، الأولاد: جمع كثرة تشمل الذّكور والإناث. ﴿مُخَلَّدُونَ﴾: لا يهرمون ولا يموتون حالهم دائماً لا تتغير حالة الولدان. ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾: إذا: ظرفية شرطية تفيد حتمية التّحقق. ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾: من حسب وهو الظّن الرّاجح. ﴿لُؤْلُؤًا﴾: في صفاء ألوانهم ونضارة وإشراق وجوههم وحسنهم. ﴿مَنْثُورًا﴾: المنثور المنتشر منتشرون هنا وهناك كاللآلئ ليدل على الإسراع في الخدمة.

стр. 5665

سورة الإنسان [٧٦: ٢٠] ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث. ﴿رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾: ثمّ: ظرف مكان تعني هناك، وإذا رأيت الجنة رأيت نعيماً لا يوصف وملكاً كبيراً لا يقدر، أو أينما وقع بصرك رأيت نعيماً وملكاً كبيراً. ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾: من الجنات والمساكن الطّيبة والخيام والغرف المبنيَّة فوق بعضها البعض. سورة الإنسان [٧٦: ٢١] ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾: ﴿عَالِيَهُمْ﴾: فوقهم أيْ: لباسهم الخارجي أو الظّاهر البارز ثياب أهل الجنة السندس الأخضر والإستبرق. ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾: الحرير الأخضر الرّقيق، والثياب: هي التي تغطي أو تستر جميع البدن، وأما اللباس: يأتي في سياق ستر العورة، وهذه الثياب متعددة، ومتنوعة. ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾: الحرير الغليظ أو ما غلظ من الحرير. ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ﴾: ألبسوا: ألبسوا بشكل دائم ولم يقل يحلون التي تدل على التّجدُّد والتّكرار، أساور: جمع كثرة، ولم يقل: أسورة التي تدل على جمع قلة، ومن فضة، وفي آية أخرى من ذهب ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١] أيْ: تارة يلبسون الفضة وتارة الذهب حسب ما يشاؤون، أو هناك من الناس من يفضل الذهب على الفضة أو بالعكس فالكل متوفر لهم.

стр. 5666

﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾: الطّهور: صيغة مبالغة في الطّهارة والنّظافة وهذا نوع آخر من الشّراب: أيْ: لم تمسه الأيدي. سورة الإنسان [٧٦: ٢٢] ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾: ﴿إِنَّ هَذَا﴾: إنّ: للتوكيد، هذا: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يشير إلى النّعيم والملك الكبير. ﴿كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾: الجزاء أعم من الأجر ويستخدم في النّفع والضّر. ﴿وَكَانَ﴾: للتوكيد. ﴿سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾: سعيكم: عملكم في الدنيا والسّعي يشمل الإيمان والتّقوى والعمل الصّالح، مشكوراً: مقبولاً، ومثابون عليه بأفضل الجزاء والثّواب. سورة الإنسان [٧٦: ٢٣] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾: ﴿إِنَّا﴾: للتعظيم، نحن لزيادة التّعظيم والتّوكيد. ﴿نَزَّلْنَا عَلَيْكَ﴾: نزلنا منجماً أيْ: مفرقاً على دفعات، عليك: ولم يقل: إليك. ارجع إلى سورة البقرة الآية (٤) للبيان. ﴿الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾: تنزيلاً مصدر يفيد التّوكيد. سورة الإنسان [٧٦: ٢٤] ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾: ﴿فَاصْبِرْ﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدَّر، إن جاء قدَّر الله فاصبر.

стр. 5667

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾: أي: اصبر على مشاق تحمل الرّسالة وداوم عليها واصبر على أذاهم وعداوتهم. ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ﴾: لا: النّاهية، تطع منهم: قريشاً وغيرهم. ﴿آثِمًا﴾: كثير الإثم. ﴿أَوْ﴾: لا تعني التّخيير، وإنما تعني واو الجمع أيْ: لا تطع منهم آثماً وكفوراً. ﴿كَفُورًا﴾: صيغة مبالغة في الكفر أيْ: كثير الكفر. سورة الإنسان [٧٦: ٢٥] ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: أيْ: داوم على ذكره بكلّ أنواع الذّكر من صلاة وتسبيح وتحميد وتهليل وقراءة قرآن. ﴿بُكْرَةً﴾: أوّل النّهار، وقيل: صلاة الفجر. ﴿وَأَصِيلًا﴾: آخره، قيل: صلاة الظهر والعصر، وقيل: طوال النّهار اذكر ربك أيْ: صلِّ الصّلوات الخمس.

стр. 5668

سورة الإنسان [٧٦: ٢٦] ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾: ﴿وَمِنَ﴾: ابتدائية بعضية أيْ: بعض الليل. ﴿الَّيْلِ﴾: تعني: أيَّ ليل، أما لو قال: ليلاً أيْ: تلك الليلة بعينها. ﴿فَاسْجُدْ لَهُ﴾: السّجود يعني: الصّلاة أيْ: صلِّ لله تعالى صلاة المغرب والعشاء. ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾: سبحه تعني: صلاة التّهجد أو القيام، التّسبيح: يعني: الصّلاة والتّسبيح والذّكر العادي، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، وطويلاً أي: وقتاً طويلاً والخطاب لرسول الله ﷺ وأمته. سورة الإنسان [٧٦: ٢٧] ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾: إنّ: للتوكيد، هؤلاء: الهاء للتنبيه، أولاء: اسم إشارة إلى كفار قريش وغيرهم. ﴿يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾: الحياة الدّنيا، وسمِّيت بالعاجلة: أي: القريبة أي: الدنيا أو لأنها تزول بسرعة. ﴿وَيَذَرُونَ﴾: مشتقة من ذرو: أيْ: ترك يذرون أيْ: لا يستعدون ولا يعبؤون أو يهتمون بما وراءَهم. ﴿وَرَاءَهُمْ﴾: بما هو قادم أو أمامهم. ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾: يوم القيامة، يوم عسير طويل، ثقيل لشدة أهواله وتنكيره ليدل على شدته.

стр. 5669

سورة الإنسان [٧٦: ٢٨] ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ﴾: نحن للتعظيم، خلقناهم: الخلق يعني: التّقدير والإيجاد، خلقناهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة أو من ماء مهين، أو من تراب. ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾: مأخوذة من الأسر ويعني: الرّبط بقوة، شددنا وأحكمنا خلقهم وقويناهم بأن خلقنا لهم العضلات والمفاصل والأربطة والأعصاب، أيْ: قوة في الخلق والبنيان، ولها معنى ثان شددنا وثاقهم أي: السّيطرة عليهم (كالأسير) فلا يفلت منهم أحد من قبضتنا أيْ: من الحساب والجزاء، وقد تعني كلا المعنيين. ﴿وَإِذَا شِئْنَا﴾: إذا: شرطية، شئنا: من المشيئة التي تسبق الإرادة. ﴿بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾: أيْ: قضينا عليهم بالموت أو الهلاك وبدلناهم بقوم آخرين أفضل منهم، تبديلاً: للتوكيد. سورة الإنسان [٧٦: ٢٩] ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾: أي: الآيات أو السورة فقط تذكرة لما سيحصل في الآخرة من النعيم المقيم. ارجع إلى سورة المزمل الآية (١٩) للبيان. سورة الإنسان [٧٦: ٣٠] ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: قالوا: المشيئة تسبق الإرادة، والإرادة قبل القدر، والقدر قبل القضاء، فيكون التّرتيب كما يلي: العلم بالشّيء المراد أو العلم بالعلة، ثمّ المشيئة فالإرادة فالقدر فالقضاء والإمضاء. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾: وما: الواو عاطفة، ما: نافية، تشاؤون: شيئاً أو أمراً، والمشيئة هي الميل لحصول شيء بعد العلم به. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، أن يشاء الله. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد.

стр. 5670

أيْ: مشيئة الله أو الرّب سبحانه مقدمة وسابقة ومهيمنة على مشيئة العبد؛ لأنّ مشيئة الله مقرونة بالعلم والحكمة والقدرة. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾: إنّ للتوكيد، كان: تشمل كلّ الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل، كان ولا يزال وسيظل. ﴿عَلِيمًا﴾: بأحوال وأفعال وأقوال خلقه وما يصلحهم وما ينفعهم وما يضرهم ونواياهم ومشيئاتهم وإرادتهم. ﴿حَكِيمًا﴾: في تدبير شؤون خلقه وكونه فهو أحكم الحاكمين وأحكم الحكماء. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٩) لمزيد من البيان. سورة الإنسان [٧٦: ٣١] ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِى رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِى رَحْمَتِهِ﴾: أيْ: يدخل من المؤمنين في رحمته، الرّحمة: تعني الإنعام على العبد والوقاية من المعاصي، والرّحمة هي جلب ما يسرُّ ودفع ما يضرُّ ومن رحمته الجنة أيضاً. ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ﴾: جمع ظالم من ظلم نفسه وغيره بكلّ أنواع الظّلم والظّلم قد يعني الشّرك، والخروج عن منهج الله سبحانه. أعد: هيأ، وحضَّر. ﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص، لهم خاصة. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾: شديد الإيلام لا يقدر على تحمله. ولمقارنة هذه الآية (٣١) وهي قوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِى رَحْمَتِهِ﴾، والآية (٢٥) من سورة الفتح، وهي قوله: ﴿لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ارجع إلى سورة الفتح الآية (٢٥) لمعرفة الفرق.

стр. 5671

سورة المرسلات [٧٧: ١] سورة المرسلات ترتيبها في القرآن (٧٧) ترتيبها في النّزول (٣٣). ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾: الواو واو القسم، يقسم الله سبحانه بالرياح فهي جند من جنود السموات والأرض لتعمير الأرض، والله سبحانه غني عن القسم والقسم بالشيء لأهمية، وكذلك لأهمية جواب القسم. المرسلات: الرّياح الطّيبة والمرسلة بأمر ربها. عرفاً: أي: المتتالية يتبع بعضها بعضاً، والتي تسيرها الملائكة لتحمل السحاب وتبسطه في السماء كما يشاء رب العالمين. عرفاً: متتالية تشبه عرف الفرس (شعر الفرس فوق الرقبة). المرسلات: جمع مرسل، اسم مفعول من الفعل الرباعي أرسل. سورة المرسلات [٧٧: ٢] ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ﴾: الرّيح الشّديدة الهبوب المدمرة. ﴿عَصْفًا﴾: العصف: قوة هبوب الرّيح، عصفاً: مصدر للفعل عصف. سورة المرسلات [٧٧: ٣] ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾: الواو واو القسم. ارجع إلى الآية (١٩) من نفس السورة.

стр. 5672

﴿وَالنَّاشِرَاتِ﴾: الرّياح التي تنشر السّحاب (أي: المطر) في السّماء كما يشاء الله والنّشر عكس الطّي، والنّاشرات: قد تكون الملائكة تنشر السحاب في السّماء، أو تنشر أجنحتها للهبوط أو الصّعود في السّماء بالوحي، فهذه الآية قد تعني الملائكة والرياح، وأما الآية الأولى والثانية فتخص الرياح، وأما الآية الرابعة والخامسة، فقيل: تخص الملائكة. سورة المرسلات [٧٧: ٤] ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾: الملائكة تفرق أرزاق العباد والمطر أو الغيث.، والفارقات: جمع فارقة مؤنث الفارق اسم فاعل من الفعل فرق. سورة المرسلات [٧٧: ٥] ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾: الملقيات: جمع ملقية من الفعل ألقى، الملائكة تلقي بالوحي على الرّسل والأنبياء، وهو إما أن يكون عذراً أو نذراً. سورة المرسلات [٧٧: ٦] ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام التّقريري والتوبيخ للمكذبين بالبعث والجزاء. ﴿نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾: أمثال قوم نوح وعاد وثمود ومدين والمؤتفكات. نهلك: ارجع إلى سورة الأعراف آية (٤) لمزيد من البيان في معنى الهلاك. سورة المرسلات [٧٧: ٧] ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾: جواب القسم. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.

стр. 5673

﴿تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾: من البعث والحساب ويوم القيامة والجنة والنّار، لواقع: اللام لام التّوكيد، واقع: كائن لا محالة أو واقع كأنّه وقع وحدث، ثمّ بين أحداث الساعة وأهوالها والتغيرات الكونية التي ستحدث فيها. سورة المرسلات [٧٧: ٨] ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: ﴿فَإِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث. ﴿النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: والتي تقدر بـ (٢٠٠ مليار نجم) في مجرتنا فقط، انطفأت وذهب نورها لم تعد مضيئة (ملتهبة) أي: انطفأ لمعانها ودرجة لمعان النجم وسيلة من وسائل معرفة درجة حرارته، وكتلته وبُعده عنا وسرعة جريانه، وهذا الطمس يحدث. سورة المرسلات [٧٧: ٩] ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: كالسّابقة في الآية (٨). ﴿السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾: انفطرت انشقت الفرجة: الشّق بين الشّيئين. ارجع إلى سورة الحاقة آية (١٦) فالسماء تمور، ثم تنفطر وتنشق وتصبح كالعهن، ثم تكون وردة كالدهان، ثم تكشط وتبدَّل بسماء جديدة. سورة المرسلات [٧٧: ١٠] ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: كالسّابقة في الآية (٨). ﴿الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾: النّسف هو الدك بعد الرجف والاقتلاع، ثم البس ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥]، ثم تكون ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]، ثم تكون كالعهن المنفوش، ثم السير والسراب ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: ١٤]، ثم الزوال. سورة المرسلات [٧٧: ١١] ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: كالسّابقة في الآية (٨).

стр. 5674

﴿الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾: مشتقة من الوقت أيْ: حُدِّد لها وقت معين لتحضر فيه، لتجمع فيه مع أممها للشهادة على أممها أو للفصل بين الرّسل والأمم، وهو يوم الفصل أو أُقتت بلغت ميقاتها الذي تنتظره. سورة المرسلات [٧٧: ١٢] ﴿لِأَىِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: ﴿لِأَىِّ﴾: اللام لام التّوقيت، أيْ: للاستفهام. ﴿يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: أيْ: أُخِّرت ليوم الفصل. سورة المرسلات [٧٧: ١٣] ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾: يوم الفصل بين أهل الجنة وأهل النار. ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾: اللام للتوقيت، يوم الفصل: يفصل الله فيه بين الخلائق الظّالم والمظلوم والمؤمن والكافر، وفريق في الجنة وفريق في السّعير. سورة المرسلات [٧٧: ١٤] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾: والسؤال إلى رسول الله ﷺ وبالتالي إلى أمته. ﴿وَمَا﴾: استفهامية للتهويل والتّعظيم من شأن ذلك اليوم، أيْ: وما تعلم عن يوم الفصل، وللفرق بين ما أدراك وما يدريك ارجع إلى الآية (٣) من سورة الحاقة. سورة المرسلات [٧٧: ١٥] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾: ﴿وَيْلٌ﴾: الويل العذاب، أو الهلاك. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم الفصل يوم القيامة ويل لهم إذا جاء يوم القيامة أو يوم الفصل ويومئذ: مركبة من يوم + إذ أضيف ظرف إلى ظرف. ﴿لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾: اللام لام الاستحقاق والاختصاص، المكذبين بالله والإيمان والرسل والبعث والحساب والجزاء والغيب، تكررت هذه الآية عشر

стр. 5675

مرات في هذه السورة في عقب كل آية للزيادة في الترهيب و الترغيب، ثمّ يذكر ثلاثة أمور للتهديد، وتدلُّ على قدرته وعظمته، وهي: سورة المرسلات [٧٧: ١٦] [٦] ﴿ألم نهلك الأولين﴾: ﴿ألم﴾: الهمزة للاستفهام التقريري والتوبيخ للمكذبين بالبعث والجزاء. ﴿نهلك الأولين﴾: أمثال قوم نوح وعاد وثمود ومدين والمؤتفكات. ﴿نهلك﴾: ارجع إلى سورة الأعراف آية (٤) لمزيد من البيان في معنى الهلاك. سورة المرسلات [٧٧: ١٧] ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزّمن. ﴿نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾: أي: الذين جاؤوا من بعدهم قوم فرعون وكفار مكة يوم بدر، أو غيرهم من الذين جاؤوا قبل مجيء رسول الله ﷺ . سورة المرسلات [٧٧: ١٨] ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾: أيْ: بمثل ذلك الهلاك والأخذ بالصّيحة والرّجفة والغرق نهلك أو نعاقب وندمر المجرمين أي: المشركين والكافرين والمكذبين والعاصين. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، والجاثية آية (٣١) لمزيد من البيان في معنى المجرمين. سورة المرسلات [٧٧: ١٩] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾: ارجع إلى الآية (١٥) للبيان، تكرار هذه الآية عشر مرات في هذه السّورة للتهديد والإنذار والزّجر لمن يكذب بالله وبالإيمان والرسل والكتب والغيب، وبالبعث والحساب والجزاء ويوم القيامة والآخرة.
следующие страницы →